← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.

стр. 11341

حدَّثني محمدُ بن إسماعيلَ الأحمَسِيُّ، قال: ثني غالبٌ، قال: ثنى شَريكٌ، عن قُراتِ القَزَّاز، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿الْقَانِعَ﴾. قال: هو السائلُ. ثم قال: أما سمِعتَ قولَ الشماخ (١): لمالُ المَرءِ يُصلِحُه فَيُغنِي … مَفاقِرَه أَعَفٌ من القُنُوعِ قال: من السؤال (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبرنا يونسُ، عن الحسن أنه قال في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ الذى يقنعُ إليك يسألُك، والمُعترُّ الذي يُريك نفسه ويتعرَّضُ لك ولا يسألُك (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشامٌ، قال: أخبرنا منصورٌ ويونسُ، عن الحسن، قال: القانعُ السائلُ، والمُعترُّ الذى يتعرضُ ولا يسألُ (٤). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى عبد اللهِ بنُ عيَّاشٍ (٥)، قال: قال زيدُ بن أسلمَ: القائعُ الذى يسألُ الناس (٦). وقال آخرون: القانِعُ الجارُ، والمُعترُّ الذى يَعتَريك من الناسِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمعتُ لينًا، عن مجاهدٍ، قال:

стр. 11342

القانِعُ جارُك وإن كان غَنيًّا، والمُعترُّ الذي يعتريك. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيحٍ، قال: قال مجاهدٌ في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ جارُك الغَنىُّ، والمُعترُّ مَن اعترَاك من الناسِ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرةُ، عن إبراهيم في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. أنه قال: أحدُهما السائلُ، والآخرُ الجارُ (١). وقال آخرون: القانعُ الطَّوَّافُ، والمُعترُّ الصديقُ الزائرُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثني أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن ابنِ أبي هلالٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾: فالقانعُ المسكينُ الذي يَطوفُ (٢)، والمُعترُّ الصديقُ والضيفُ (٣) الذى يزورُ (٤). وقال آخرون: القانعُ الطامعُ، والمُعترُّ الذي يَعتَرُ بالبُدنِ ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 11343

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الْقَانِعَ﴾. قال: الطامِعُ، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: مَن يَعتَرُّ بالبُدنِ مِن غَنِيٍّ أو فقيرٍ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرنى عمرُ (٢) بنُ عطاءٍ، عن عكرمة، قال: القانعُ الطامعُ (٣). وقال آخرون: القانِعُ هو المسكينُ، والمُعترُّ الذى يتعرَّضُ للَّحم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانعُ المسكينُ، والمُعترُّ الذى يَعترُّ للقومِ (٤) للَحمِهم وليس بمسكينٍ، ولا يكونُ له ذبيحةٌ، يَجِيءُ إلى القومِ مِن أجل لحمهم، والبائسُ الفقيرُ هو القانِعُ (٥). وقال آخرون بما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن فُراتٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، قال: القانِعُ الذى يَقنَعُ، والمُعترُّ الذي يَعتَرِيك (٦).

стр. 11344

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن يونسَ، عن الحسنِ بمثله. قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. القانعُ الجالسُ في بيته، والمُعترُّ الذى يتعرَّضُ لك (١). وأولى هذه الأقوال بالصواب قولُ من قال: عُنى بالقانِع السائلُ؛ لأنه لو كان المَعنىُّ بالقانع فى هذا الموضع المُكتَفيَ بما عندَه، والمُستغنِىَ به، لقيل: وأطعموا القانعَ والسائلَ. ولم يقُلْ: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. وفي إتباعِ ذلك قوله: ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾. الدليلُ الواضحُ على أن القانعَ معنىٌّ به السائلُ، من قولهم: قَنَعَ فلانٌ إلى فلانٍ. بمعنى. سألَه وخَضَع إليه، فهو يقنَعُ قُنُوعًا. ومنه قولُ لبيدٍ (٢): وإعطائي (٣) المَولَى على حينِ فَقرِه … إذا قال أَبصِرْ خَلَّتِي وَقُنُوعِى (٤) وأما "القانِعُ" الذى هو بمعنى المُكتَفى فإنه من: قنعتُ به (٥)، بكسر النون، أقنَعُ قَناعةً وقَنَعًا وقَنَعانًا. وأما "المُعتَرُّ" فإنه الذى يَأْتِيك مُعتَرًّا بك لتُعطِيَه وتُطعِمَه. وقولُه: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾. يقولُ: هكذا سخَّرنا البُدنَ لكم أيُّها الناسُ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: لتشكُرونى على تَسخيرها لكم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ

стр. 11345

الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لم يَصِلْ إلى اللهِ لحومُ بُدنِكم ولا دماؤُها، ولكن ينالُه اتِّقاؤُكم إياه إن اتَّقَيتُموه فيها، فأردتُم بها وجهَه، وعَمِلتُم فيها بما نَدَبَكم إليه، وأمَرَكم به فى أمرِها، وعظَّمتم بها حُرُماتِه. وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قول الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. قال: ما أُرِيدَ به وجهُ اللهِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. قال: إن اتَّقيتَ اللهَ في هذه البُدنِ، وعَمِلتَ فيها لله، وطَلَبتَ ما قال الله تعظيمًا لشعائر الله، ولحرماتِ اللهِ؛ فإنه قال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. قال: وجَعَلتَه طيِّبًا، فذلك الذي يتقبَّلُ الله، فأما اللحوم والدماءُ، فمِن أينَ تنالُ الله؟ وقولُه: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾. يقولُ: هكذا سخَّر لكم البُدنَ، ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. يقولُ: كي تُعظِّموا اللهَ ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، يعنى: على توفيقه إياكم لدينه، وللنُّسُكِ في حَجِّكم.

стр. 11346

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال: ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. قال: على ذَبحها في تلك الأيام (١). ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: وبشِّرْ يا محمدُ الذين أطاعوا اللهَ فأحسَنوا في طاعَتِهم إياه فى الدنيا بالجنة في الآخرة. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ (٢) عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللهَ يَدفَعُ غائلة المشركين عن الذين آمنوا به وبرسوله، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ يخونُ الله، فيخالِفُ أمرَه ونهيَه ويَعصيه، ويطيعُ الشيطانَ، ﴿كَفُورٍ﴾. يقولُ: جَحُودٍ لنِعَمِه عنده، لا يعرفُ لمُنعمِها حقَّه، فيَشكُرَه عليها. وقيل: إنه عنَى بذلك دَفعَ اللهِ كفار قريشٍ عمن كان بين أظهُرِهم مِن المؤمنين قبلَ هِجرتِهم. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَذِنَ الله للمؤمنين الذين يُقاتلون المشركين في سبيلِه بأن المشركين ظَلَمُوهم بقتالِهم.

стр. 11347

واختلفت القرأةُ فى قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة: ﴿أُذِنَ﴾. بضَمِّ الألف، ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التاءِ (١)، بتَرك تَسمية الفاعلِ، في ﴿أُذِنَ﴾، و ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ جميعًا (٢). وقرأ ذلك بعضُ الكوفيين وعامةُ قرأة البصرةِ: ﴿أُذِنَ﴾ بتَرك تَسمية الفاعلِ، و: (يُقَاتِلُونَ) بكسر التاءِ (٣)، بمعنى: يُقاتِلُ المأذونُ لهم في القتالِ المشركين. وقَرأ ذلك عامةُ قرأة الكوفيِّين وبعضُ المكيِّين: (أَذِنَ) بفتح الألف، بمعنى: أذن الله. و: (يُقاتِلُونَ) بكسر التاءِ (٤)، بمعنى: إن الذين أذن اللهُ لهم بالقتالِ، يُقاتِلون المشركين. وهذه القراءاتُ الثلاثُ مُتقارباتُ المعانى؛ لأن الذين قرءوا ﴿أُذِنَ﴾ على وجهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، يرجعُ معناه في التأويل إلى معنى قراءةِ مَن قرأه على وَجهِ ما سُمِّى (٥) فاعلُه، وأن مَن قرَأ (يُقاتِلُونَ)، و ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بالكسر أو الفتح، فقريبٌ معنى أحدِهما من معنى الآخر، وذلك أن من قاتَل إنسانًا، فالذى قاتله له مُقاتِلٌ، وكلُّ واحدٍ منهما مُقاتِلٌ مقاتلٌ (٦). فإذ كان ذلك كذلك، فبأيَّةِ هذه القراءاتِ قرأ القارئُ فمصيبٌ الصواب، غير أن أحبَّ ذلك إلىَّ أن أقرأ به: (أَذِنَ) بفتح الألف، بمعنى: أَذِنَ اللهُ -لقُربِ ذلك من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ - أَذِنَ اللهُ في الذين لا يُحبُّهم

стр. 11348

للذين يُقاتلونهم بقتالهم. فيُرَدُّ (أَذِنَ) على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾، وكذلك أحبُّ القراءاتِ إليَّ في: (يُقاتِلُونَ) كسرُ التاء، بمعنى: الذين يُقاتِلون من قد أخبَر اللهُ عنهم أنه لا يُحِبُّهم، فيكونُ الكلامُ مُتَّصِلًا معنى بعضِه ببعضِ. وقد اختُلف في الذين عُنُوا بالإذن لهم بهذه الآية فى القتالِ؛ فقال بعضُهم: عُنى به نبيُّ اللهِ وأصحابُه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾: يعني محمدًا وأصحابَه، إذ أُخرجوا من مكة [إلى المدينة] (١). يقولُ اللهُ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وقد فعَل (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن مسلمٍ البَطينِ، عن سعيد بن جُبَيْرٍ، قال: لما خرج النبيُّ ﷺ من مكة، قال رجلٌ: أخْرَجوا نبيَّهم. فنزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية، ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: النبيُّ ﷺ وأصحابُه (٣). حدَّثنا يحيى بنُ داود الواسطىُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن مسلمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا خرج النبيُّ ﷺ

стр. 11349

من مكة قال أبو بكرٍ: أخرجوا نبيَّهم، إنا لله وإنا إليه راجِعون، ليَهْلِكُنَّ. قال ابنُ عباسٍ: فأنزل الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. قال أبو بكرٍ: فعَرَفتُ أنه سيكونُ قتالٌ. وهى أوَّلُ آيَةٍ نَزَلت (١). قال ابنُ داودَ: قال إسحاقُ (٢): كانوا يقرَءُون: ﴿أُذِنَ﴾. [ونحن نقرأُ: (أَذِنَ)] (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما خرج النبيُّ ﷺ . ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: فقال أبو بكرٍ: قد علمتُ أنه يكونُ قتالٌ. وإلى هذا الموضع انتهى حديثُه ولم يزدْ (٤) عليه. حدَّثني محمدُ بنُ خلف العَسْقلانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيع، عن الأعْمش، عن مسلمٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا خرَج النبيُّ ﷺ من مكة، قال أبو بكرٍ: إنا لله وإنا إليه راجعون، أُخرج رسولُ الله ﷺ ، والله لَيَهْلِكُنَّ جميعًا. فلمَّا نزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ عرَف أبو بكرٍ أنه سيكونُ قتالٌ (٥).

стр. 11350

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾. قال: أَذن لهم في قتالِهم (١) بعد [ما عفا] (٢) عنهم عشرَ سنين. وقرَأ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وقال: هؤلاء المؤمنون (٣). حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ فى قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وقال آخرون: بل عُنى بهذه الآية قومٌ بأعْيانِهم كانوا خَرَجوا مِن دارِ الحربِ يريدون الهجرة، فمُنِعوا مِن ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ قال: ناسٌ (٤) مؤمنون خَرَجوا مُهاجرين من مكة إلى المدينة، فكانوا يُمْنَعون، فأذِن اللهُ للمؤمنين بقتال الكفارِ فقاتَلوهم (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن

стр. 11351

مجاهدٍ في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾. قال: ناسٌ مِن المؤمنين خَرَجوا مُهاجرين مِن مكة إلى المدينة، وكانوا يُمنَعون فأدرَكهم الكفارُ، فأذن للمؤمنين بقتال الكفار فقاتَلوهم. قال ابنُ جريجٍ: يقولُ: أَوَّلُ قتالٍ أذن اللهُ به للمؤمنين. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ (١): في حرفِ ابن مسعودٍ: (أُذِنَ للذينَ يُقاتَلُونَ في سَبيل الله). قال قتادة: وهى أول آيةٍ نزَلَت في القتالِ، فأَذِنَ لهم أن يُقاتِلوا. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ (٢) بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾. قال: هي أوّلُ آيَةٍ أُنزلت في القتال، فأَذِن لهم أن يُقاتلوا (٣). وقد كان بعضُهم يزعُمُ أن الله إنما قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ بالقتالِ من أجل أن أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ كانوا اسْتأذَنوا رسولَ اللهِ ﷺ في قَتْلِ الكفار إذ (٤) آذَوْهم، واشتدُّوا عليهم بمكةَ قبل الهجرة، غَيْلَةٌ سِرًّا، فأنزل الله فى ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. فلمَّا هاجر رسول الله ﷺ وأصحابُه إلى المدينة، أطلَق لهم قَتْلهم (٥) وقتالهم، فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾. وهذا قولٌ ذُكِر عن الضحاك بن مُزَاحمٍ مِن وَجْهِ [غيرِ ثَبَتٍ] (٦).

стр. 11352

وقولُه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإِن اللهَ على نَصْرِ المؤمنين الذين يُقاتَلون في سبيل الله لقادرٌ، وقد نَصَرهم فأعزَّهم ورَفَعَهم، وأهلك عدوَّهم، وأذَلَّهم بأيديهم. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أُذِنَ للذين يُقاتلون الذين أُخْرِجوا من ديارهم بغير حقٍّ. فـ ﴿الَّذِينَ﴾ الثانيةُ ردٌّ على ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى. وعنى بالمُخْرَجِين مِن دُورِهم المؤمنين الذين أخرَجهم كفارُ قريشٍ مِن مكةَ. وكان إخراجُهم إياهم مِن دُورِهم (١) تَعْذيبَهم بعضَهم على الإيمان بالله ورسوله، وسَبَّهم بعضَهم بألسنتهم، ووَعيدَهم إياهم، حتى (٢) اضْطَرُوهم إلى الخروج عنهم، وكان فعلُهم ذلك بهم غير (٣) حق؛ لأنهم كانوا على باطلٍ، والمؤمنون على الحقِّ، فلذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وقولُه: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لم يُخْرَجوا مِن ديارِهم إلا بقولِهم: ربُّنا اللهُ وحدَه لا شريكَ له. فـ ﴿أَنْ﴾ فى موضعِ خفضٍ رَدًّا على الباء في قوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وقد يجوزُ أن تكون في موضع نصبٍ على وجه الاستثناء.

стр. 11353

وقولُه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ اختلف أهلُ التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ولولا دَفْعُ اللهِ المشركين بالمسلمين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: دَفْعُ المشركين بالمسلمين. وقال آخرون: معنى: معنى ذلك: ولولا القتالُ والجهادُ في سبيلِ اللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ قال: لولا القتالُ والجهادُ (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولولا دفعُ الله بأصحاب رسول الله ﷺ عمن بعدَهم من التابعين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، عن سيفِ بنِ عمرَ (٢)، عن أبي رَوْقٍ، عن ثابت بن عَوْسَجةَ الحَضْرَمىِّ، قال: ثني سبعةٌ وعشرون من أصحاب علىٍّ وعبد الله، منهم لاحِقُ بنُ الأَقمَرِ، والعَيْزارُ بنُ جَرُولٍ (٣)، وعطيةُ القُرَظىُّ، أن عليًّا ﵁ قال: إنما أُنزلت هذه الآية فى أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ

стр. 11354

اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. لولا دفاعُ الله بأصحاب محمدٍ عن التابعين (١) ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: لولا أن اللهَ يَدْفَعُ بَمَن أُوجَب قَبول شهادتِه في الحقوقِ تكونُ لبعض الناس على بعضٍ، عمن لا يجوز قبولُ شهادته [وغيره] (٣)، فأحْيا بذلك (٤) مال هذا، وتوفَّى بسبب ذلك (٥) هذا إراقة دمِ هذا، وتَرَكوا المَظالمَ من أجله، لتظالمَ الناسُ فهُدِّمَت صَوامعُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، [قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ] (٣)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. يقولُ: دَفْعُ بعضهم بعضًا في الشهادة و (٦) فى الحقِّ، وفيما يكونُ من قبَل هذا، يقولُ: لولاهم لأُهْلكتْ هذه الصوامعُ وما ذُكِرَ معها (٧). وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه أخبرَ أنه لولا دِفاعُه الناسَ بعضَهم ببعضٍ، لهُدِّمَ ما ذُكر مِن دَفْعِه تعالى ذكرُه بعضهم ببعضٍ،

стр. 11355

و (١) كَفِّه المشركين بالمسلمين عن ذلك، ومنه كَفُّه ببعضِهم التَّظالُمَ؛ كالسلطانِ الذى كَفَّ به رعيتَه عن التظالم بينَهم، ومنه كَفُّه لمَن أَجازَ شهادته بينَهم ببعضِهم (٢) عن الذَّهاب بحقِّ مَن له قِبَلَه حَقٌّ، ونحوُ ذلك، وكلُّ ذلك دَفْعٌ منه الناسَ بعضهم (٣) عن بعضٍ، و (٤) لولا ذلك لتَظالَموا، فهَدَّم القاهِرون صوامعَ المَقْهُورين وبيَعَهم، وما سَمَّى جلَّ ثناؤُه. ولم يَضَعِ اللهُ تعالى دَلالةً في عقلٍ على أنه عنَى من ذلك بعضًا دونَ بعض، ولا جاء بأن ذلك كذلك خبرٌ يجبُ التسليمُ له، فذلك على الظاهر والعموم على ما قد بَيَّنتُه قبلُ؛ لعموم ظاهرِ (٥) ذلك جميعَ ما ذكَرنا. وقولُه: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ اختلف أهلُ التأويل في المعنىِّ بالصوامعِ؛ فقال بعضُهم: عنَى بها صَوامعَ الرهبان. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيْعِ في هذه الآية: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾. قال: صوامعُ الرُّهْبانِ (٦). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 11356

الحارثُ، [قال: ثنا الحسنُ] (١)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾. قال: صوامعُ الرُّهْبانِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾. قال: صَوامِعُ الرَّهْبانِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾. قال: صَوامِعُ الرَّهْبانِ. حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾. وهى صَوامِعُ الصِّغارِ يَبْنونَها (٣). وقال آخرون: بل هى صَوامعُ الصابئين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿صَوَامِعُ﴾ قال: هى للصَّابِئِين. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة مثلَه (٤). واختَلفتِ القرأةُ فى قراءةِ قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأة المدينة:

стр. 11357

(لَهُدِمَتْ) (١) خفيفةٌ. وقرأته عامةُ قرأةٍ أهل الكوفة والبصرة: ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ (٢) بالتشديد، بمعنى تَكْرير الهدم فيها مرةً بعدَ مرةٍ. والتشديدُ في ذلك أعجبُ القراءتين إلىَّ؛ لأن ذلك مِن أفعال أهل الكفر كذلك (٣). وأما قولُه: ﴿وَبِيَعٌ﴾. فإنه يعنى بها بيعَ النصارى. وقد اختلف أهلُ التأويل في ذلك؛ فقال بعضُهم مثل الذي قُلنا في ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيْعٍ: ﴿وَبِيَعٌ﴾. قال: بِيَعُ النصارى (٤). حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَبِيَعٌ﴾: للنصارى. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادة مثله (٥). حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: البيعُ بِيَعُ النصارى (٦).

стр. 11358

وقال آخرون: عَنَى بالبيَعِ فى هذا الموضعِ كنائسَ اليهودِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا [محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا] (١) أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني (٢) الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال (٣): ﴿وَبِيَعٌ﴾. قال: وكَنائسُ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَبِيَعٌ﴾ قال: البيَعُ الكَنائسُ. قولُه: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ اختلف أهلُ التأويل في معناه؛ فقال بعضُهم: عنَى بالصلواتِ الكنائسَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾. قال: يعنى بالصلوات الكنائسَ (٥).

стр. 11359

حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ فى قولِه: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾: كنائسُ اليهود، ويُسمُّون الكنيسة صلُوتَا (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾: كنائسُ اليهود. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثله (٢). وقال آخرون: عنَى بالصلوات مساجدَ الصابئين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، قال (٣): سألتُ أبا العالية عن الصلواتِ، قال: هي مساجدُ الصَّابِئِين (٤). قال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيعٍ نحوَه. وقال آخرون: هي (٥) مساجدُ للمسلمين ولأهل الكتاب بالطُّرُق.

стр. 11360

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، [قال: ثنا الحسنُ] (١)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾. قال: مساجدُ لأهل الكتابِ ولأهلِ الإسلامِ بالطُّرُقِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾. قال: الصلواتُ صلواتُ أهل الإسلام تنقطعُ، إذا دخل العدوُّ عليهم، انقطَعَت العبادةُ، والمساجدُ تُهْدَمُ، كما صَنَع بُخْتُنَصَّرَ (٣). وقولُه: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ اختُلِف في المساجد التي أُريدت بهذا القول؛ فقال بعضُهم: أُريد بذلك مساجدُ المسلمين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيْعٍ قوله: ﴿وَمَسَاجِدُ﴾. قال: مساجدُ المسلمين. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَمَسَاجِدُ [يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾] (٤). قال: المساجدُ مساجدُ

стр. 11361

المسلمين، يُذْكَرُ فيها اسمُ الله كثيرًا. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، عن معمرٍ، عن قتادةَ نحوَه (١). وقال آخرون: عنَى بقولِه: ﴿وَمَسَاجِدُ﴾. الصوامعَ والبيَعَ والصَّلواتِ. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَمَسَاجِدُ﴾. يقولُ: في كلِّ هذا يذكرُ اسمُ الله كثيرًا، ولم يَخُصَّ المساجدَ (٢). وكان بعضُ أهل العربية من أهل البصرة يقولُ: الصلواتُ لا تُهْدَمُ، ولكن حَمَله على فعلٍ آخَرَ، كأنه قال: وتُرِكت صلواتٌ. وقال بعضُهم: إنما يعنى مواضعَ الصلوات. وقال بعضُهم: إنما هى صلواتٌ، وهى كنائسُ اليهود، تُدْعَى بالعبْرانيةِ صَلُوتًا. وأولى هذه الأقوال فى ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معنى ذلك: لهُدِّمَت صَوامِعُ الرَّهْبانِ، وبِيَعُ النصارى، وصلواتُ اليهود -وهى كنائسُهم- ومساجدُ المسلمين التي يُذكَرُ فيها اسمُ الله كثيرًا. وإنما قلنا: هذا القولُ أولى بتأويل ذلك؛ لأن ذلك هو المعروفُ في كلام العرب المُسْتَفِيضُ فيهم، وما خالَفه من القولِ وإن كان له وَجْهُ - فغيرُ مُسْتَعْمَلٍ فيما وَجَّهَه إليه مَن وَجَّهَه إليه.

стр. 11362

وقولُه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وليُعِينَنَّ اللهُ مَن يُقاتِلُ فى سبيله (١) لتكونَ كلمتُه العُلْيَا على عدوِّه. فنَصْرُ (٢) اللهِ عبدَه مَعونتُه إياه، ونَصْرُ العبدِ ربَّه جهادُه فى سبيله لتكون كلمتُه العُلْيا. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللهَ لَقَوِيٌّ على نَصْرِ مَن جاهد في سبيله من أهل (٣) ولايته وطاعته، عزيزٌ في مُلْكِه. يقولُ: مَنِيعٌ في سلطانه، لا يقهَرُه قاهرٌ، ولا يَغْلِبُه غالبٌ. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أُذن للذين يُقاتلون بأنَّهم ظُلموا، الذين إن مكَّناهم في الأرضِ أقاموا الصلاةَ. و "الذين" ههنا رَدُّ على "الذين يُقاتلون". ويعنى بقوله: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: إِن [وَطَّأنا لهم] (٤) في البلاد، فقَهَروا المشركين، وغَلَبوهم عليها، وهم أصحابُ رسول الله ﷺ . يقولُ: إن نَصَرْناهم على أعدائهم، وقَهَروا مشركي مكة - أطاعوا الله، فأقاموا الصلاة بحُدُودِها، ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾. يقولُ: وأعْطَوا زكاة أموالِهم مَن جعَلها الله له، ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: ودَعَوا الناسَ إلى توحيد الله، والعمل بطاعته وما يعرفه أهلُ الإيمان باللهِ، ﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. يقولُ: وَنَهَوْا عن الشرك باللهِ، والعمل بمعاصِيه، الذى يُنكِرُه أهلُ الحقِّ والإيمان باللهِ، ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾

стр. 11363

يقولُ: واللهِ آخِرُ أُمور الخلق. يعنى: أن إليه مصيرَها في الثواب عليها والعقاب في الدارِ الآخرة. وبنحو الذي قلنا فى تأويل ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسينُ الأشْيبُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ عيسى بنُ ماهانَ الذي يقالُ له: الرازىُّ. عن الربيع بن أنسٍ، عن أبي العالية في قوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. قال: كان أمْرُهم بالمعروف أنهم دَعوا إلى الإخلاص لله وحده لا شريكَ له، ونهيُهم عن المنكر أنهم نَهَوا عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان. قال: فمن دعا إلى الله من الناس كلِّهم فقد أمَر بالمعروف، ومن نهَى عن عبادة الأوثانِ وعبادة الشيطان فقد نهَى عن المنكر (١). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مسلِّيًا نبيَّه محمدًا ﷺ عما ينالُه مِن أذَى المشركين باللهِ، وحاضًا له على الصبر على ما يَلحقُه منهم من السبِّ والتَّكذيب: وإن يكذِّبُك يا محمدُ هؤلاء المشركون بالله على ما أتيتهم به مِن الحقِّ والبرهان، وما تعدُهم به من العذاب على كفرهم بالله - فذلك سُنَّةُ إخوانهم من الأمم الحالية المكذِّبة رسل الله، المشركةِ باللهِ، ومنهاجُهم من قبلهم، فلا يَصُدَّنَّك ذلك، فإنَّ العذاب المهينَ مِن

стр. 11364

ورائهم، ونصرى إياكَ وأتباعَك عليهم آتيهم (١) مِن وراءِ ذلك، كما أتَى عذابى على أسلافِهم مِن الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال. ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ يعني مُشركي قريشٍ، ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ وقومُ عادٍ ﴿وَثَمُودُ﴾ ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ وهم قومُ شُعَيبٍ. يقولُ: كذَّب كلُّ هؤلاء رُسُلُهم، ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾. فقيل: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾. ولم يَقُلْ: وقومُ موسى؛ لأن قوم موسى بنو إسرائيل، وكانت قد استجابت له ولم تكذِّبه، وإنما كذَّبه فرعونُ وقومُه من القِبْطِ. وقد قيل: إنما قيل ذلك كذلك لأنه وُلِد فيهم، كما وُلد (٢) في أهلٍ مكةَ. وقولُه: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾. يقول: فأمْهَلتُ لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجِلْهم بالنِّقْمة والعذاب، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾. يقولُ: ثم أَحْلَلْتُ بهم العِقابَ بعدَ الإملاء، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. يقولُ: فانظر يا محمدُ كيف كان تغييرى ما كان بهم من نعمةٍ، وتَنكُّرى لهم عما كنتُ عليه من الإحسانِ إليهم، ألم أُبَدِّلْهم بالكثرة قلةً، وبالحياةِ مَوتاً وهَلاكًا، وبالعِمارةِ خَرابًا؟ يقولُ: فكذلك فعلى بمكذِّبيك من قريشٍ، وإن أمليتُ لهم إلى آجالهم، فإنِّي مُنْجِزُك وعْدى فيهم، كما أنجزتُ غيرَك من رسلى وعدى فى أمِمهم، فأهْلكناهم، وأنجيتُهم مِن بين أظهرهم. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا (٣) وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾.

стр. 11365

يقولُ تعالى ذكرُه: وكم يا محمدُ من قريةٍ أهلَكتُ أهلَها وهم ظالمون. يقولُ: وهم يَعبدون غيرَ مَن يَنْبغى أن يُعبدَ، ويَعصُون مَن لا يَنبغى لهم أن يَعصُوه. وقولُه: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. يقولُ: فبادَ أهلُها، وخلَت وخوَت من سكانها، فخرِبَت وتَداعت، وتساقطتْ ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾. يعني: على بِنائِها وسقوفِها. كما حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعىُّ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاك: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. قال: خَواؤُها: خَرابُها، وعُروشُها: سُقوفُها (١). حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿خَاوِيَةٌ﴾. قال: خَرِبَةٌ ليس فيها أحدٌ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةً مثلَه (٢). وقولُه: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾. يقولُ تعالى: فكأيِّن من قريةٍ أهلكناها (٣)، ومن بئر عطَّلناها بإفناء أهلها، وإهلاكِ وَارِدِيها، فاندفَنت وتعطَّلَت، فلا وَارِدةَ لها ولا شَاربةَ منها، ومن قصرٍ مشيدٍ رفيعٍ بالصخور والجصِّ، قد خلا مِن سُكَّانِه، بما أذَقنا أهلَه من عذابِنا بسوءِ فِعَالِهم، فبَادُوا، وبَقِيَ قصورُهم المشيدةُ خاليةً منهم. و "البئرُ" و "القصرُ" مخفُوضان بالعطف على "القرية". وكان بعضُ نحويِّى الكوفة يقولُ (٤): هما معطوفان على "العروشِ" بالعطفِ

стр. 11366

عليها خفضًا، وإن لم تَحسُنْ فيهما "على"؛ لأنَّ (١) العروشَ أعالى البيوت، والبئرَ في الأرضِ، وكذلك القصرُ؛ لأن القرية لم تَخوِ على القَصرِ، ولكِنَّه أتبَعَ بعضَه بعضًا، كما قال: (وحورٍ عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون) (٢). فمعنى الكلام على ما قال هذا الذي ذكَرنا قولَه في ذلك: فكَأيِّن من قرية أهلكناها وهي ظالمةٌ، فهى خاويةٌ على عروشِها ولها بئرٌ معطَّلةٌ وقصرٌ مشيدٌ. ولكن لمَّا لم يَكنْ مع "البئر" مرافعٌ ولا عاملٌ فيها، أتبَعها في الإعراب العروشَ، والمعنى ما وصَفتُ. وبنحو الذي قُلنا في معنى قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾. قال: التي قد تُركت. وقال غيرُه: لا أهلَ لها (٣). حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾. قال: عطَّلها أهلُها، ترَكُوها. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادة مثله (٤). حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ

стр. 11367

الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾. قال: لا أهل لها (١). واختلَف أهلُ التأويل فى معنى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وقصرٍ مُجَصَّصٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضَّبىُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن هلالِ بن خبَّابٍ، عن عكرمة فى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: مُجصَّصٍ (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن هِلالِ بنِ خَبَّابٍ، عن عكرمة مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيل الأحمَسىُّ، قال: ثنى غالبُ بنُ فائدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن هلال بن خبَّابٍ، عن عكرمة مثلَه. حدَّثني الحسينُ بنُ محمد العَنقزىُّ، قال: ثني أبي، عن أسباطَ، عن السديِّ، عن عكرمة فى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: مَجصَّصٍ. حدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا كثيرُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ بُرقان، قال: كنتُ أمشى مع عكرمة، فرأى حائط أجرٌ مُصهرَجٍ، فوضَع يَده عليه، وقال: هذا المَشيدُ الذى قال اللهُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن هلالِ بنِ خبَّابٍ، عن عكرمة: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: المجصَّصُ. قال عكرمةُ: والجصُّ

стр. 11368

بالمدينة يُسمى الشِّيدَ. حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾، قال: بالقَصَّةِ أو بالفِضَّةِ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: بالقَصَّةِ. يعنى: بالجصِّ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ فى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: مجصَّصٍ (٢). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن هلالِ بنِ خبَّابٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ فى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: مجصَّصٍ. هكذا هو في كتابي: عن سعيد بن جبيرٍ (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقصرٍ رفيعٍ طويلٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. قال: كان أهلُه شيَّدُوه وحصَّنوه، فهَلَكوا وترَكوه.

стр. 11369

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةً مثله (١). حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. يقولُ: طويلٍ (٢). وأولى القولين فى ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عنى بالمَشيدِ المُجصَّصَ. وذلك أن الشِّيد في كلام العرب هو الجصُّ بعينه، ومنه قولُ الراجز (٣): كحَيَّة (٤) الماء بين الطَّىِّ والشِّيدِ فالمَشيدُ إنَّما هو مفعولٌ مِن الشَّيدِ. ومنه قولُ امرئ القيس (٥): وتيماء لم يترُك بها جذع نخلةٍ … ولا أُطُمًا (٦) إِلَّا مَشيدًا بجَندَل يعنى بذلك: إلَّا البناءَ بالشِّيدِ والجَندَل. وقد يجوزُ أن يكونَ معنيًّا بـ "المشيدِ" المرفوعُ بناؤُه بالشيدِ، فيكونَ الذين قالوا: عنى بالمشيد الطَّويلَ. نحَوْا بذلك (٧) إلى هذا التأويل. ومنه قولُ عدِىِّ ابن زيدٍ (٨):

стр. 11370

شادَه مَرمَرًا وجَلَّلَه كِلسًا (١) … فللطَّير فى ذُرَاه وُكُورُ (٢) وقد تأوَّله بعضُ أهل العلم بلغات العربِ (٣) بمعنى المُزيَّن بالشَّيدِ مِن: شِدتُه أَشِيدُه. إذا زَيَّنتَه به. وذلك شَبيةٌ بمعنى من قال: مجصَّصٌ. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾: هؤلاء المكذِّبون بآياتِ اللهِ، والجاحدُون قدرَتَه في البلاد، فينظُروا إلى مصارعِ ضُرَبَائِهِم مِن مُكَذِّبِي رُسلِ اللهِ الذين خَلَوْا مِن قَبلهم، كعادٍ وثمودَ وقوم لوطٍ وشعيبٍ، وأوطانهم ومساكنهم، فيتفكَّروا فيها، ويَعتَبروا بها، ويعلَموا بتدَبُّرِهم أمرَها وأمرَ أهلها، سنةَ اللهِ في مَن كفَر وعبَد غيرَه، وكذَّب رُسُلَه، فيُنيبُوا من عُتُوِّهم وكُفرِهم، ويكون لهم إذا تدبَّروا ذلك واعتبَروا به وأنابوا إلى الحقِّ -قلوبٌ يعقلون بها حُجج الله على خَلقِه وقدرته على ما شاء (٤)، ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. يقولُ: أو آذانٌ تُصغِى لسماع الحقِّ فتَعِى ذلك، وتَميزُ بينَه وبين الباطلِ. وقولُه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾. يقولُ: فإنها لا تَعمَى أبصارُهم أن يُبصروا بها الأشخاصَ ويَرَوْها، بل يُبصِرون ذلك بأبصَارِهم، ولكن تَعمَى قلوبُهم التي في صدورِهم عن إبصارِ الحقِّ ومعرفتِه.

стр. 11371

والهاءُ في قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ هاءُ عمادٍ (١)، كقول القائل: إنَّه عبد الله قائمٌ. وقد ذُكر أن ذلك فى قراءة عبدِ اللهِ: (فإنَّه لا تَعْمَى الأبصارُ) (٢). وقيل: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. والقلوبُ لا تكونُ إِلَّا في الصدور؛ توكيدًا للكلام. كما قيل: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويَسْتَعْجِلُك (٣) يا محمدُ مُشركو قومِك بما تَعِدُهم من عذاب الله على شِركِهم به، وتكذيبهم إيَّاك فيما أتَيتَهم به من عندِ اللهِ في الدُّنيا، ولن يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَه الذى وعدك فيهم؛ من إحلال عذابه ونقمَتِه بهم في عاجلِ الدُّنيا. ففعَل ذلك، ووفَّى لهم بما وعَدهم، فقَتَلهم يومَ بدرٍ. واختلف أهلُ التأويل فى اليوم الذى قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. أىُّ يوم هو؟ فقال بعضُهم: هو من الأيام التي خلق الله فيها السماواتِ والأرضَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.

стр. 11372

قال: من الأيام التي خلق الله فيها السماواتِ والأرضَ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية. قال: هي مِثلُ قوله في ﴿الم (١) تَنْزِيلٌ﴾ [السجدة: ١، ٢] سواءٌ هو هو، الآية (٢). وقال آخرون: بل هو من أيام الآخرة. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكامٌ، عن عَنبسةَ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: مقدارُ الحساب يومَ القيامةِ ألفُ سنةٍ (٣) حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلية، قال: ثنا سعيدٌ الجُريرِيُّ، عن أبي نَضرَةَ، عن سُمَيْرِ (٤) بنِ نهارٍ، قال: قال أبو هريرةَ: يدخُلُ فقراءُ المسلمين الجنةَ قبل الأغنياءِ بنصف يوم. قلتُ: وما نصفُ يومٍ؟ قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلتُ: بلى. قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٥).

стр. 11373

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنى عبدُ الرحمن، قال: ثنا أبو عَوانة، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾. قال: من أيام الآخرة. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرمة أنَّه قال فى هذه الآية: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: هذه أيامُ الآخرة. وفى قوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]. قال: يومُ القيامة. وقرأ: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (١) [المعارج: ٦، ٧]. وقد اختُلف في وجهِ صرفِ الكلام من الخبر عن استعجال الذين استَعجَلوا العذابَ إلى الخبر عن طولِ (٢) اليوم عندَ اللهِ؛ فقال بعضُهم: إن القومَ استَعجَلوا العذابَ فى الدُّنيا، فأنزل الله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ فى أَن يُنزِلَ ما وعَدَهم من العذاب فى الدنيا. ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من عذابهم في الدنيا والآخرة، ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ فى الدُّنيا. وقال آخرون: قيل ذلك كذلك إعلامًا من الله مُستَعجليه العذابَ أَنَّه لا يَعْجَلُ، ولكنَّه يُمهلُ إلى أجلِ أجَّلَه، وأن البَطئ عندهم قريبٌ عنده، فقال لهم: مقدارُ اليوم عندى ألفُ سنةٍ مما تَعُدُّونه أنتم أيُّها القومُ من أيامكم، وهو عندَكم بطئٌ، وهو عندِى قريبٌ. وقال آخرون: معنى ذلك: وإن يومًا من الثِّقلِ وما يُخافُ كألف سنةٍ. والقولُ الثاني عندى أشبَهُ بالحقِّ في ذلك؛ وذلك أن اللهُ تعالى ذِكرُه أخبرَ عن

стр. 11374

استعجال المُشركين رسول الله ﷺ بالعذاب، ثم أخبَر عن مَبلَغ قدرِ اليومِ عندَه، ثم أتبَع ذلك قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ فأخبرَ عن إملائِه أهلَ القريةِ الظالمةِ، وتَركِه معاجَلَتَهم بالعذابِ، فبيَّن بذلك أنَّه عنَى بقولِه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. نَفى العجلةِ عن نفسِه، ووَصفَها بالأناةِ والانتِظارِ. وإذا كان ذلك كذلك، كان تأويلُ الكلام: وإن يومًا من الأيام التى عندَ اللهِ يومَ القيامة، يومٌ واحدٌ كألف سنةٍ من عَددِكم، وليس ذلك عندَه ببعيدٍ، وهو عندَكم بعيدٌ، فلذلك لا يَعجَلُ بعقوبة من أراد عقوبته حتى يبلُغَ غاية مدَّتِه. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾. يقولُ: أمهَلتُهم، وأخَّرتُ عذابَهم، وهم بالله مُشركون، ولأمرِه مُخالفون، وذلك كان ظُلمهم الذى وصفهم الله به جلَّ ثناؤه، فلم أعْجَلْ بعذابهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾، يقولُ: ثم أخَذتُها بالعذاب، فعَذَّبتُها في الدُّنيا بإحلال عُقوبتنا بهم، ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وإلىَّ مصيرُهم أيضًا بعدَ هلاكِهم، فيَلقَون من العذابِ حينئذٍ ما لا انقطاع له. يقولُ تعالى ذكرُه: فكذلك حالُ مُستَعجليكَ بالعذابِ مِن مُشرِكي قومك، وإن أمليتُ لهم إلى آجالهم التى أجَّلتُها لهم، فإني آخِذُهم بالعذاب فقاتلُهم بالسيف، ثم إلىَّ مصيرُهم بعد ذلك فموجعُهم إذن عقوبةً على ما قدَّموا من آثامهم. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾

стр. 11375

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لمُشركي قومك الذين يُجادِلُونكَ في الله بغير علمٍ، اتِّباعًا منهم لكلِّ شيطانٍ مَريدٍ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنذِرُكم عقابَ اللهِ أن ينزِلَ بكم في الدُّنيا، وعذابَه في الآخرة أن تُصلَوْه، ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: أُبيِّنُ لكم إنذَارى ذلك وأُظهرُه، لِتُنِيبُوا مِن شِرككم، وتَحذَروا ما أنذرُكم من ذلك، لا أملِكُ لكم غير ذلك، فأما تعجيلُ العقابِ وتأخيرُه الذي تَستَعجِلُونني به، فإلى الله، ليس ذلك إلىَّ، ولا أقدرُ عليه. ثم وصَف نِذَارتَه وبشَارتَه، ولم يَجر للبشارة ذكْرٌ، ولما ذُكِرتِ النِّذارةُ على عملٍ عُلم أنَّ البشارة على خلافه (١)، فقال: والذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الصالحاتِ مِنكم أيُّها الناسُ ومِن غيركم، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ: لهم من الله سَترُ ذنوبهم التي سلَفت منهم في الدُّنيا عليهم في الآخرة، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: ورزقٌ حسنٌ في الجنَّةِ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. قال: الجنَّةُ. وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾. يقولُ: والذين عملوا في حُجَجنا فصَدُّوا عن اتِّباع رسولنا، والإقرار بكتابنا الذي أنزلناه. وقال: ﴿فِي آيَاتِنَا﴾. فأدخلت فيه "في"، كما يُقالُ: سعَى فلانٌ في أمرٍ فلانٍ. واختلَف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾، فقال بعضُهم: معناه: مُشاقِّين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن عثمانَ بنِ

стр. 11376

عطاءٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ أنه قرَأَها: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ في كلِّ القرآنِ، يعني بأَلفٍ، وقال: مُشاقِّينَ (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّهم ظنّوا أنَّهم يُعجِزُون الله فلا يقدِرُ عليهم. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾. قال: كذَّبوا بآياتِ اللهِ، وظنُّوا أنَّهم يُعجزُون الله، ولن يُعجزوه. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٢). وهذان الوجهانِ من التأويل فى ذلك على قراءةِ مَن قرأه: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ بالأَلف، وهى قراءة عامَّةِ قرأة المدينة والكوفة (٣). وأما بعضُ قرأة أهل مكةَ والبصرة، فإنَّه قرأَه: (مُعَجِّزين). بتشديد الجيم بغيرِ ألفٍ (٤)، بمعنى أنَّهم عَجَّزوا الناسَ وثَبَّطوهم عن اتباعِ رسول الله ﷺ والإيمانِ بالقرآنِ. ذكرُ مَن قال ذلك كذلك من قراءتِه حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: (معجِّزين) (٥). قال: مُبطِّئين يُبطِّئون الناس عن اتباع النبيِّ ﷺ (٦).

стр. 11377

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. والصوابُ من القول فى ذلك أن يُقالَ: إنّهما قراءتان مشهورَتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرَأَةِ، مُتقاربتا المعنى، وذلك أن من عَجَّز عن آياتِ اللهِ، فقد عاجَز الله ومن مُعاجزةِ اللهِ التعجيرُ عن آيات الله، والعملُ بمعاصيه وخلافُ أمرِه، وكان من صفة القومِ الذين أنزل الله هذه الآياتِ فيهم أنهم كانوا يُبطِّئون الناس عن الإيمان بالله واتباع رسولِه، ويُغالبون رسول الله ﷺ ، يَحسَبون أنهم يُعجِّزونه ويَغلبونه، وقد ضَمِن الله له نصرَه عليهم، فكان ذلك معاجزتَهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأىِّ القراءتين قرأ القارئ فمُصيبٌ الصواب في ذلك. وأما المُعاجَزَةُ، فإنها المفاعَلةُ من العجز، ومعناه مغالبةُ اثنين أحدهما صاحبه، أيُّهما يُعجِرُه فيَغلبُه الآخرُ ويَقهرُه. وأمّا التَّعجيرُ، فإنه التَّضعيفُ، وهو التَّفعيلُ من العَجزِ. وقولُه: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم هم سكانُ جهنمَ يومَ القيامةِ، وأهلُها الذين هم أهلُها. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ قيل: إِنَّ السببَ الذى من أجله أُنزِلت هذه الآية على رسول الله ﷺ ، كان (١) أنَّ الشيطان كان ألقَى على لسانه فى بعض ما يَتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن، ما لم

стр. 11378

يُنزله اللهُ عليه، فاشتدَّ ذلك على رسول الله ﷺ ، واغتمَّ به، فسلّاه مما به من ذلك بهذه الآيات. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدَّثني حجاج، عن ابن جُريج، عن أبي مَعشرٍ، عن محمدِ بنِ كعب القرظى ومحمد بن قيس، قالا: جلَس رسولُ الله ﷺ في نادٍ من أندية قريش كثير أهله، فتمنَّى يومئذٍ ألا يأتيه من الله شيءٌ فينفروا الله عنه، فأنزل الله عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ فقرَأها رسول الله ﷺ : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١ - ٢٠] ألقى عليه الشيطانُ كلمتين: تلك الغرانيق (١) العُلى، وإن شفاعتهن لتُرتجى (٢). فتكلَّم بها، ثم مضى فقرأ السورة كلها، فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعًا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدِرُ على السجودِ، فرضُوا بما تكلَّم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يُحيى ويُميتُ، وهو الذي يَخلُقُ ويَرْزُقُ، ولكنَّ آلهتنا هذه تشفع لنا عندَه، إذ جعَلتَ لها نصيبًا، فنحن معك. قالا: فلما أمسى أتاه جبريلُ ﵇، فعرض عليه السورةً، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتك بهاتين. فقال رسولُ الله ﷺ : "افتريت على اللهِ، وقلتُ على اللهِ ما لم يَقُلْ". فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا

стр. 11379

نصيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]. فما زال مَعْمُومًا مهمومًا حتى نزلت (١): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال: فسمِع مَن كان من المهاجرين بأرض الحبشة أنَّ أهلَ مكة قد أسلَموا كلُّهم، فرجَعوا إلى عشائرهم وقالوا: هم أحبُّ إلينا. فوجَدوا القومَ قد ارتكَسوا حينَ نسَخ اللهُ ما ألقَى الشيطانُ (٢). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدنيِّ، عن محمد بن كعب القرظيِّ، قال: لما رأى رسول الله ﷺ تولِّى قومه عنه، وشقَّ عليه ما يرى مِن مُباعَدتِهم ما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، تمنَّى فى نفسه أن يأتيه مِن اللهِ ما يقارِبُ به بينه وبين قومه، وكان يسرُّه مع حبِّه وحِرصِه عليهم أن يلينَ له بعضُ ما غلظ عليه من أمرهم حين حدَّث بذلك نفسَه، وتمنَّى وأحبَّه، فأنزَل الله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. فلما انتهى إلى قولِ اللهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أَلقَى الشيطان على لسانه لما كان يُحدِّث به نفسه ويتمنَّى أن يأتى به قومَه: تلك الغرانيقُ العُلى، وإنَّ شفاعتهن تُرتضى. فلما سمعت قريشٌ ذلك فرحوا وسرَّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخُوا (٣) له، والمؤمنون مصدِّقون نبيَّهم فيما جاءهم به عن ربِّهم، ولا يتَّهمونه على خطأ ولا وَهمٍ ولا زَللٍ، فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجودِ نبيِّهم تصديقًا لما جاء به، واتِّباعًا لأمره، وسجد مَن في المسجدِ من المشركين من قريشٍ وغيرهم لما سمعوا من ذكرِ آلهتهم، فلم يبق في المسجدِ مؤمنٌ

стр. 11380

ولا كافرٌ إلا سجَد، إلا الوليدُ بنُ المغيرةِ، فإنه كان شيخًا كبيرًا فلم يستطع، فأخذ بيده حَفنةٌ مِن البطحاءِ، فسجَد عليها، ثم تفرَّق الناسُ مِن المسجد، وخرَجت قريشٌ وقد سرَّهم ما سمِعوا مِن ذكرِ آلهتِهم، يقولون: قد ذكَر محمدٌ آلهتَنا بأحسنِ الذِّكر، وزعم فيما يتلو أنها الغرانيقُ العُلى، وأن شفاعتهنَّ تُرتَضى. وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقيل: أسلمت قريشٌ، فنَهضت منهم رجالٌ، وتخلف آخرون، وأتى جبريل النبي ﷺ ، فقال: يا محمدُ، ماذا صنَعْتَ؟ لقد تَلَوْتَ على الناس ما لم آتِك به عن اللهِ، وقلت ما لم يُقَل لك. فحَزِن رسول الله ﷺ عند ذلك، وخاف من الله خوفًا كثيرًا (١)، فأنزل الله تعالى عليه -وكان به رحيمًا- يُعزِّيه ويُخفِّضُ عليه الأمر، ويُخبرُه أنه لم يكن قبله رسولٌ ولا نبىٌّ تمنَّى كما تمنَّى، ولا أحبَّ كما أحبَّ، إلا والشيطان قد ألقى في أُمنيَّتِه كما ألقى على لسانه ﷺ ، فنسخ الله ما ألقَى الشيطانُ، وأحكم آياته. أى: فأنتَ كبعض الأنبياءِ والرُّسُلِ. فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية. فأذهب اللهُ عن نبيِّه الحزن، وأمَّنَه مِن الذي كان يخافُ، ونسخ ما أَلقَى الشيطانُ على لسانه من ذكرِ آلهتهم أنها الغرانيقُ العُلى، وأن شفاعتهن تُرتضى. يقولُ اللهُ حينَ ذكَر اللاتَ والعُزَّى ومناةَ الثالثة الأُخرى، إلى قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. أى فكيف تنفعُ شفاعةُ آلهتِكم عنده؟! فلما جاءه من اللهِ ما نسخ ما كان الشيطانُ ألقَى على لسان نبيِّه، قالت قريشٌ: ندِم محمدٌ على ما كان من منزلة آلهتكم عندَ اللهِ، فغيَّر ذلك وجاء بغيرِه. وكان ذانِك (٢) الحَرفان اللذان ألقَى الشيطانُ على لسانِ رسولِه قد وقَعا فى فَمِ كلُّ مُشركٍ، فازدادوا شرًّا إلى ما كانوا
следующие страницы →