← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 11376–11415 · переход к 11381.

стр. 11376

عطاءٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ أنه قرَأَها: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ في كلِّ القرآنِ، يعني بأَلفٍ، وقال: مُشاقِّينَ (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّهم ظنّوا أنَّهم يُعجِزُون الله فلا يقدِرُ عليهم. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾. قال: كذَّبوا بآياتِ اللهِ، وظنُّوا أنَّهم يُعجزُون الله، ولن يُعجزوه. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٢). وهذان الوجهانِ من التأويل فى ذلك على قراءةِ مَن قرأه: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ بالأَلف، وهى قراءة عامَّةِ قرأة المدينة والكوفة (٣). وأما بعضُ قرأة أهل مكةَ والبصرة، فإنَّه قرأَه: (مُعَجِّزين). بتشديد الجيم بغيرِ ألفٍ (٤)، بمعنى أنَّهم عَجَّزوا الناسَ وثَبَّطوهم عن اتباعِ رسول الله ﷺ والإيمانِ بالقرآنِ. ذكرُ مَن قال ذلك كذلك من قراءتِه حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: (معجِّزين) (٥). قال: مُبطِّئين يُبطِّئون الناس عن اتباع النبيِّ ﷺ (٦).

стр. 11377

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. والصوابُ من القول فى ذلك أن يُقالَ: إنّهما قراءتان مشهورَتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرَأَةِ، مُتقاربتا المعنى، وذلك أن من عَجَّز عن آياتِ اللهِ، فقد عاجَز الله ومن مُعاجزةِ اللهِ التعجيرُ عن آيات الله، والعملُ بمعاصيه وخلافُ أمرِه، وكان من صفة القومِ الذين أنزل الله هذه الآياتِ فيهم أنهم كانوا يُبطِّئون الناس عن الإيمان بالله واتباع رسولِه، ويُغالبون رسول الله ﷺ ، يَحسَبون أنهم يُعجِّزونه ويَغلبونه، وقد ضَمِن الله له نصرَه عليهم، فكان ذلك معاجزتَهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأىِّ القراءتين قرأ القارئ فمُصيبٌ الصواب في ذلك. وأما المُعاجَزَةُ، فإنها المفاعَلةُ من العجز، ومعناه مغالبةُ اثنين أحدهما صاحبه، أيُّهما يُعجِرُه فيَغلبُه الآخرُ ويَقهرُه. وأمّا التَّعجيرُ، فإنه التَّضعيفُ، وهو التَّفعيلُ من العَجزِ. وقولُه: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم هم سكانُ جهنمَ يومَ القيامةِ، وأهلُها الذين هم أهلُها. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ قيل: إِنَّ السببَ الذى من أجله أُنزِلت هذه الآية على رسول الله ﷺ ، كان (١) أنَّ الشيطان كان ألقَى على لسانه فى بعض ما يَتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن، ما لم

стр. 11378

يُنزله اللهُ عليه، فاشتدَّ ذلك على رسول الله ﷺ ، واغتمَّ به، فسلّاه مما به من ذلك بهذه الآيات. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدَّثني حجاج، عن ابن جُريج، عن أبي مَعشرٍ، عن محمدِ بنِ كعب القرظى ومحمد بن قيس، قالا: جلَس رسولُ الله ﷺ في نادٍ من أندية قريش كثير أهله، فتمنَّى يومئذٍ ألا يأتيه من الله شيءٌ فينفروا الله عنه، فأنزل الله عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ فقرَأها رسول الله ﷺ : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١ - ٢٠] ألقى عليه الشيطانُ كلمتين: تلك الغرانيق (١) العُلى، وإن شفاعتهن لتُرتجى (٢). فتكلَّم بها، ثم مضى فقرأ السورة كلها، فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعًا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدِرُ على السجودِ، فرضُوا بما تكلَّم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يُحيى ويُميتُ، وهو الذي يَخلُقُ ويَرْزُقُ، ولكنَّ آلهتنا هذه تشفع لنا عندَه، إذ جعَلتَ لها نصيبًا، فنحن معك. قالا: فلما أمسى أتاه جبريلُ ﵇، فعرض عليه السورةً، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتك بهاتين. فقال رسولُ الله ﷺ : "افتريت على اللهِ، وقلتُ على اللهِ ما لم يَقُلْ". فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا

стр. 11379

نصيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]. فما زال مَعْمُومًا مهمومًا حتى نزلت (١): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال: فسمِع مَن كان من المهاجرين بأرض الحبشة أنَّ أهلَ مكة قد أسلَموا كلُّهم، فرجَعوا إلى عشائرهم وقالوا: هم أحبُّ إلينا. فوجَدوا القومَ قد ارتكَسوا حينَ نسَخ اللهُ ما ألقَى الشيطانُ (٢). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدنيِّ، عن محمد بن كعب القرظيِّ، قال: لما رأى رسول الله ﷺ تولِّى قومه عنه، وشقَّ عليه ما يرى مِن مُباعَدتِهم ما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، تمنَّى فى نفسه أن يأتيه مِن اللهِ ما يقارِبُ به بينه وبين قومه، وكان يسرُّه مع حبِّه وحِرصِه عليهم أن يلينَ له بعضُ ما غلظ عليه من أمرهم حين حدَّث بذلك نفسَه، وتمنَّى وأحبَّه، فأنزَل الله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. فلما انتهى إلى قولِ اللهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أَلقَى الشيطان على لسانه لما كان يُحدِّث به نفسه ويتمنَّى أن يأتى به قومَه: تلك الغرانيقُ العُلى، وإنَّ شفاعتهن تُرتضى. فلما سمعت قريشٌ ذلك فرحوا وسرَّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخُوا (٣) له، والمؤمنون مصدِّقون نبيَّهم فيما جاءهم به عن ربِّهم، ولا يتَّهمونه على خطأ ولا وَهمٍ ولا زَللٍ، فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجودِ نبيِّهم تصديقًا لما جاء به، واتِّباعًا لأمره، وسجد مَن في المسجدِ من المشركين من قريشٍ وغيرهم لما سمعوا من ذكرِ آلهتهم، فلم يبق في المسجدِ مؤمنٌ

стр. 11380

ولا كافرٌ إلا سجَد، إلا الوليدُ بنُ المغيرةِ، فإنه كان شيخًا كبيرًا فلم يستطع، فأخذ بيده حَفنةٌ مِن البطحاءِ، فسجَد عليها، ثم تفرَّق الناسُ مِن المسجد، وخرَجت قريشٌ وقد سرَّهم ما سمِعوا مِن ذكرِ آلهتِهم، يقولون: قد ذكَر محمدٌ آلهتَنا بأحسنِ الذِّكر، وزعم فيما يتلو أنها الغرانيقُ العُلى، وأن شفاعتهنَّ تُرتَضى. وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقيل: أسلمت قريشٌ، فنَهضت منهم رجالٌ، وتخلف آخرون، وأتى جبريل النبي ﷺ ، فقال: يا محمدُ، ماذا صنَعْتَ؟ لقد تَلَوْتَ على الناس ما لم آتِك به عن اللهِ، وقلت ما لم يُقَل لك. فحَزِن رسول الله ﷺ عند ذلك، وخاف من الله خوفًا كثيرًا (١)، فأنزل الله تعالى عليه -وكان به رحيمًا- يُعزِّيه ويُخفِّضُ عليه الأمر، ويُخبرُه أنه لم يكن قبله رسولٌ ولا نبىٌّ تمنَّى كما تمنَّى، ولا أحبَّ كما أحبَّ، إلا والشيطان قد ألقى في أُمنيَّتِه كما ألقى على لسانه ﷺ ، فنسخ الله ما ألقَى الشيطانُ، وأحكم آياته. أى: فأنتَ كبعض الأنبياءِ والرُّسُلِ. فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية. فأذهب اللهُ عن نبيِّه الحزن، وأمَّنَه مِن الذي كان يخافُ، ونسخ ما أَلقَى الشيطانُ على لسانه من ذكرِ آلهتهم أنها الغرانيقُ العُلى، وأن شفاعتهن تُرتضى. يقولُ اللهُ حينَ ذكَر اللاتَ والعُزَّى ومناةَ الثالثة الأُخرى، إلى قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. أى فكيف تنفعُ شفاعةُ آلهتِكم عنده؟! فلما جاءه من اللهِ ما نسخ ما كان الشيطانُ ألقَى على لسان نبيِّه، قالت قريشٌ: ندِم محمدٌ على ما كان من منزلة آلهتكم عندَ اللهِ، فغيَّر ذلك وجاء بغيرِه. وكان ذانِك (٢) الحَرفان اللذان ألقَى الشيطانُ على لسانِ رسولِه قد وقَعا فى فَمِ كلُّ مُشركٍ، فازدادوا شرًّا إلى ما كانوا

стр. 11381

عليه (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعتُ داود، عن أبي العاليةِ، قال: قالت قريشٌ لرسول الله ﷺ : إنما جلساؤك عبد بنى فلانٍ ومَولى بنى فلانٍ، فلو ذكرت آلهتنا بشيءٍ جالَسناك، فإنه يأتيك أشرافُ العربِ، فإذا رأَوْا جُلساءَك أشرافَ قومِك، كان أرغَبَ لهم فيك. قال: فألقى الشيطانُ في أُمنيته، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. قال: فأجرى الشيطانُ على لسانِه: تلك الغرانيقُ العلى، وشفاعتهن تُرتجي، مثلُهن لا يُنسى. قال: فسجد النبىُّ ﷺ حين قرَأها، وسجَد معه المسلمون والمشركون، فلما عَلِم الذى أُجرِى على لسانِه، كبُرَ ذلك عليه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن أبي العاليةِ، قال: قالت قريشٌ: يا محمدُ، إنما يجالِسُك الفقراءُ والمساكينُ وضُعفاءُ الناسِ، فلو ذكرت آلهتنا بخيرٍ لجالَسناك، فإِنَّ الناسَ يأتونك مِن الآفاقِ. فقرأ رسول الله ﷺ سورة "النَّجم"، فلما أتَى (٣) على هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. فألقى الشيطانُ على لسانِه: وهى الغرانِقةُ العُلى، وشفاعتهنَّ تُرتَجى. فلما فرَغ منها سجَد رسولُ الله ﷺ والمسلمون والمشركون، إلا أبا أُحيحةً سعيدَ بنَ العاصِ، أخذ كفًّا من ترابٍ وسجَد عليه،

стр. 11382

وقال: قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخيرٍ. حتى بلغ الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ من المسلمين أن قريشًا قد أسلمت، فاشتد على رسولِ الله ﷺ ما ألقى الشيطانُ على لسانِه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾. إلى آخرِ الآية (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. قرأها رسولُ الله ﷺ فقال: "تلك الغرانيقُ العُلى، وإن شفاعتهنَّ لتُرتجى". فسجَد رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال المشركون: إنه لم يَذكُرْ آلهتَكم قبل اليوم بخير. فسجد المشركون معه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. إلى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (٢). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشرٌ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لما نزلت: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. ثم ذكَر نحوَه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وذلك أن نبيَّ

стр. 11383

الله ﷺ بينما هو يُصلِّى، إذ نزلت عليه قصةُ آلهة العربِ، فجعَل يتلوها، فسمِعه المشركون، فقالوا: إنا نسمعُه يذكُرُ آلهتنا بخيرٍ. فدنوا منه فبينما، هو يتلُوها وهو يقولُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أَلقَى الشيطانُ: إِنَّ تلكَ الغرانيقُ العُلى، منها الشفاعةُ تُرتجى. فعَلِق (١) يتلوها، فنزل جبريلُ ﵇، فنسخها، ثم قال له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). حدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقول فى قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية: إن نبىَّ الله ﷺ وهو بمكة أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعَل يَتْلُو اللات والعزَّى، ويُكثِرُ تَرديدها، فسمع أهلُ مكة نبيَّ الله يذكُرُ آلهتهم، ففرِحُوا بذلك ودَنَوا يستمعون، فألقى الشيطان في تلاوة النبيِّ ﷺ : تلك الغرانيقُ العُلى، منها الشفاعةُ تُرتجي. فقرأها النبىُّ ﷺ كذلك، فأنزَل اللهُ (٣): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنى يونسُ، عن ابن شهابٍ أنه سألَه (٥) عن قولِه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية. قال ابنُ شهابٍ: ثنى أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ وهو بمكة قرَأ

стр. 11384

عليهم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. قال: "إن شَفاعتهن تُرتجى". وسَها رسول الله ﷺ ، فلقِيه المشركون الذين في قلوبهم مرضٌ، فسلَّموا عليه، وفَرِحوا بذلك، فقال لهم: "إنَّما ذلك من الشيطانِ". فأنزَل اللهُ عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ حتى بلغ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ (١). فتأويلُ الكلامِ: ولم نُرْسِلْ يا محمد من قبلك من رسول إلى أمةٍ من الأممِ، ولا نبىٍّ مُحدَّثٍ ليس بمُرسلٍ، إلا إذا تمنَّى. واختلف أهل التأويل فى معنى قوله: ﴿تَمَنَّى﴾ فى هذا الموضِعِ، وقد ذَكرتُ قولَ جماعةٍ ممَّن قال: ذلك التَّمَنِّى من النبىِّ ﷺ ما حَدَّثَته نفسُه من محبتِه مقاربةَ قومِه [في ذكر] (٢) آلهتهم ببعضِ ما يُحِبُّون، ومَن قال: ذلك محبةٌ منه في بعضِ الأحوال ألَّا تُذكَّرَ بسوءٍ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا قرأ وتلا أو حدَّث. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. يقولُ: إذا حدَّث أَلقَى الشيطانُ في

стр. 11385

حديثِه (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي يسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾. قال: إذا قال (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾: يعنى بالتمنِّى التلاوةَ والقراءةَ (٣). وهذا القولُ أشبه بتأويل الكلام بدَلالةِ قولِه: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾. على ذلك؛ لأن الآياتِ التي أخبَر اللهُ جل ثناؤه أنه يُحكمُها، لا شكَّ أنها آيات تنزيلِه، فمعلومٌ بذلك (٤) أنَّ الذي ألقَى فيه الشيطانُ هو ما أخبر الله تعالى ذكرُه أنه نسَخ ذلك منه وأبطلَه، ثم أحكَمه بنسخِه ذلك منه. فتأويلُ الكلامِ إذن: وما أرسَلنا من قبلك من رسول ولا نبىٍّ إلا إذا تَلا

стр. 11386

كتاب الله وقرأ، أو حدَّث، وتكلَّم، ألقى الشيطانُ في كتاب الله الذي تَلاه وقرأه، أو في حديثِه الذى حدَّث وتكلَّم، ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾. يقول تعالى: فيُذهبُ اللهُ ما يُلقى الشيطانُ مِن ذلك على لسان نبيِّه ويُبطله. كما حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾: فيُبْطِلُ اللهُ ما أَلقَى الشيطانُ. حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾: نسَخ جبريلُ بأمرِ اللهِ ما ألقى الشيطانُ على لسانِ النبيِّ ﷺ ، وأحكم اللهُ آياتِه. وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾. يقولُ: ثم يُخلِّصُ الله آيات كتابه من الباطل الذى (١) أَلقَى (٢) الشيطانُ على لسان نبيِّه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يحدُث في خَلقِه من حدثٍ، لا يَخفَى عليه منه شيءٌ، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره إياهم، وصرفِه لهم فيما شاء وأحبَّ. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقى الشيطانُ ثم يُحْكِمُ الله آياته؛ كي يجعل ما يُلقى الشيطانُ في أُمنيَّة نبيِّه من الباطل - كقول النبيِّ ﷺ : "تلك الغَرانيقُ العُلى، وإن شفاعتهنَّ لتُرتجي"- ﴿فِتْنَةٌ﴾. يقول: اختبارًا يختبر به الذين في قلوبِهم مرضٌ من النفاقِ، وذلك الشكُّ فى صدقِ رسولِ الله ﷺ وحقيقةِ ما

стр. 11387

يُخبرهم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادة، أن النبيَّ ﷺ كان يتمنَّى ألا يعيب الله آلهة المشركين، فألقى الشيطان في أمنيته، فقال: "إنَّ الآلهة التي تُدعَى، إن شفاعتها لتُرتجَى، وإنها للغَرانيقُ العُلى". فنسَخ اللهُ ذلك، وأحكَم آياتِه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ حتى بلغ: ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣]. قال قتادةُ: لما أَلقَى الشيطانُ ما أَلقَى، قال المشركون: قد ذكر الله آلِهتَكم (١) بخيرٍ. ففَرِحُوا بذلك، فذلك (٢) قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. حدَّثنا الحسنُ، قال أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة بنحوِه (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج في قولِه: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. [قال: المنافقون (٤). وقوله: ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾] (٥). يقولُ: وللذين قسَت قلوبُهم عن الإيمانِ باللهِ، فلا تلينُ ولا تَرعوى، وهم المشركون باللهِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 11388

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: المشركون (١). وقولُه: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإنَّ مشركي قومِك يا محمدُ لفى خلافٍ لله في أمرِه بعيدٍ من الحقِّ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكى يعلم أهل العلم بالله أن الذى أنزله الله من آياته التي أحكمها لرسوله، ونسخ ما أَلقَى الشيطانُ فيه، أنه الحقُّ مِن عندِ ربِّك يا محمُد، ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾. يقولُ: فيصدِّقوا به، ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾. يقولُ: فتخضع للقرآن قلوبُهم، وتُذعن بالتصديق به والإقرارِ بما فيه، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وإن الله لمرشدُ الذين آمنوا بالله ورسولِه إلى الحقِّ القاصدِ، والحقِّ الواضِحِ، بنسخِ ما ألقَى الشيطانُ في أُمنيةِ رسولِه ﷺ ، فلا يَضُرُّهم كيدُ الشيطانِ، وإلقاؤُه الباطلَ على لسانِ نبيِّهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿وَلِيَعْلَمَ

стр. 11389

وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: يعنى القرآن (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يزالُ الذين كفَروا باللهِ فى شكٍّ. ثم اختلَف أهلُ التأويلِ فى الهاءِ التى فى قولِه ﴿مِنْهُ﴾ مِن ذكرِ ما هي؛ فقال بعضُهم: هي من ذكرِ قولِ النبىِّ ﷺ : "تلك الغرانيقُ العلى، وإن شفاعتهن لتُرتجي" (١). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٌ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ من قوله: "تلك الغرانيقُ العلى، وإن شفاعتَهن تُرتجي". حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾. قال: مما جاء (٢) به إبليسُ، لا يخرُجُ من قلوبِهم، زادهم ضلالةً (٣). وقال آخرون: بل هي من ذكرِ سجودِ النبيِّ ﷺ في "النجمِ". ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابُن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن

стр. 11390

سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾. قال: في مريةٍ من سجودِك. وقال آخرون: بل هي من ذكرِ القرآن. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريج: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾. قال: من القرآن (١). وأولى هذه الأقوال فى ذلك بالصواب قولُ من قال: هي كنايةٌ من ذكرِ القرآنِ الذى أحكم الله آياته. وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أقرب منه من ذكر قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾. والهاءُ من قوله: ﴿أَنَّهُ﴾ من ذكرِ القرآنِ، فإلحاق الهاءِ فى قولِه: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ بالهاء من قوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أولى من إلحاقها بـ ﴿مَا﴾ التى فى قوله: ﴿مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ مع بُعدِ ما بينهما. وقوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ (٢). يقول: لا يزال (٣) هؤلاء الكفارُ في شكٍّ من أمرِ هذا القرآن إلى أن تأتيَهم الساعةُ بغتةً، وهى ساعةُ حشرِ الناسِ لموقفِ الحسابِ، ﴿بَغْتَةً﴾. يقولُ: فجأةً، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. واختلَف أهل التأويلِ فى هذا اليومِ أىُّ يومٍ هو؛ فقال بعضُهم: هو يومُ القيامِة.

стр. 11391

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا شيخٌ من أهلِ خراسانَ من الأزدِ يُكنى أبا ساسانَ، قال: سألتُ الضحاكَ عن قولِه: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال: عذابُ يومٍ لا ليلةَ له (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابرٍ، عن عكرمة، أن يومَ القيامةِ لا ليلةً له (٢). وقال آخرون: بل عُنى به يومُ بدرٍ. وقالوا: إنما قيل له: ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾؛ أنهم لم يُنظَروا إلى الليل، فكان لهم عقيمًا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. يوم بدرٍ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال ابنُ جُريج: يومٌ ليس فيه ليلةٌ، لم يُناظروا إلى الليلِ (٤).

стр. 11392

قال مجاهدٌ: عذابُ يومٍ عقيمٍ (١). قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، قال: قال مجاهدٌ: يومُ بدرٍ (٢). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو إدريسَ، قال: أخبرنا الأعمشُ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قولِه: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال: يومُ بدرٍ (٣). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال: هو يوم بدرٍ. ذكَره عن [أبي بن] (٤) كعبِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال: هو يومُ بدرٍ. عن أبيِّ بنِ كعبٍ (٥). وهذا القولُ الثانى أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنه لاوجهَ لأن (٦) يُقالَ: لا يزالون في مريةٍ منه حتى تأتيَهم الساعةُ بغتةً، أو تأتيهم الساعةُ؛ وذلك أَن الساعةَ هي يومُ القيامِة. فإن كان اليومُ العقيمُ أيضًا هو يومَ القيامةِ، فإنما معناه ما قلنا من تكريرِ ذكرِ الساعةِ مرتين باختلافِ الألفاظِ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به أصحُّهما معنًى وأشبهُهما بالمعروفِ في الخطابِ، وهو ما ذكَرنا من

стр. 11393

معناه. فتأويل الكلام إذن: ولا يزالُ الذين كفروا في مريةٍ منه حتى تأتيهم الساعةُ بغتةً، فيصيروا إلى العذاب الدائمِ، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم لهم، فلا يُنظَروا فيه إلى الليل، ولا يُؤخَّروا فيه إلى المساء، لكنهم يُقتلون قبل المساء. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾. يقول تعالى ذكره: السلطانُ والمُلكُ إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له، ولا ينازعه يومئذ منازعٌ. وقد كان في الدنيا ملوكٌ يُدعون بهذا الاسم، ولا أحد يومئذٍ يُدعَى ملكًا سواه، ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين؛ فالذين آمنوا بهذا القرآن، وبمن أنزَله، ومن جاء به، وعملوا بما فيه من حلالِه وحرامِه، وحدودِه وفرائضِه، فى جناتِ النعيم يومئذٍ. والذين كفروا بالله ورسوله (١)، وكذّبوا بآياتِ كتابه وتنزيله، وقالوا: ليس ذلك من عند الله، إنما هو إفكٌ افتراه محمدٌ، وأعانه عليه قومٌ آخرون، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. يقولُ: فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامةِ ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. يعنى: عذابٌ مذلٌّ في جهنم. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨)﴾. يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم، فتركوا ذلك في

стр. 11394

رضا اللهِ وطاعتهِ وجهادِ أعدائِه، ثم قُتلوا أو ماتوا وهم كذلك، ليرزقَنَّهم اللهُ يومَ القيامةِ في جناتِه رزقًا حسنًا. يعنى بالحسنِ الكريمَ، وإنما يعنى بالرزقِ الحسنِ الثوابَ الجزيلَ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. يقولُ: وإن اللهَ لهو خيرُ من بسَط فضلَه على أهلِ طاعتهِ وأكرَمهم. وذُكر أن هذه الآيةَ نزَلت فى قومٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ اختلَفوا في حكمِ من مات فى سبيلِ اللهِ؛ فقال بعضُهم: سواءٌ المقتولُ منهم والميتُ. وقال آخرون: بل المقتولُ أفضلُ. فأنزَل اللهُ هذه الآيةَ على نبيِّه ﷺ ، يُعلِمُهم استواءَ أمرِ الميتِ فى سبيلِه والمقتولِ فيها في الثوابِ عندَه. وقد حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى عبدُ الرحمنِ بنُ (١) شُريحٍ، عن سَلامانَ بنِ عامرٍ، قال: كان فَضالة برُودِسَ (٢) أميرًا على الأرباعِ، فخرَج بجنازتَي رجلين؛ أحدُهما قتيلٌ، والآخرُ متوفًّى، فرأى مَيلَ الناسِ مع جنازةِ القتيلِ إلى حفرتِه، فقال: أراكم أيها الناسُ تميلون مع القتيلِ، وتفضِّلونه عن أخيه المتوفَّى، فوالذي نفسي بيده، ما أبالى من أىِّ حفرتيهما بُعثتُ، اقرَءوا قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ

стр. 11395

لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ليُدخِلَنَّ اللهُ المقتولَ فى سبيلِه من المهاجرين والميتَ منهم ﴿مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾. وذلك المُدخَلُ هو الجنةُ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ بمن يهاجرُ في سبيلِه ممن يخرُجُ من دارِه طلبَ الغنيمةِ، أو عَرَضٍ من عرضِ الدنيا، ﴿حَلِيمٌ﴾ عن عُصاةِ خلقِه، بتركِه معاجلتَهم بالعقوبةِ والعذابِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: لهذا، لهؤلاء الذين هاجَروا في سبيلِ اللهِ ثم قُتلوا أو ماتوا، ولهم مع ذلك، أيضًا، أن الله يعِدُهم النصرَ على المشركين الذين بغَوا عليهم فأخرَجوهم من ديارِهم. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾. قال: هم المشركون بغَوا على النبيِّ ﷺ (١)، فوعَده اللهُ أن ينصُرَه، وقال في القِصاصِ أيضًا (٢). وكان بعضُهم (٣) يزعُمُ أن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ من المشركين لقُوا قومًا من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرمِ، وكان المسلمون يكرَهون القتالَ يومئذٍ في الأشهرِ الحرمِ، فسأل المسلمون المشركين أن يكفُّوا عن قتالِهم من أجلِ حرمةِ الشهرِ، فأبَى المشركون ذلك، وقاتَلوهم فبغَوا عليهم، وثبَت المسلمون لهم، فنُصروا عليهم،

стр. 11396

فأنزل الله هذه الآيةَ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾. بأن بُدئ بالقتال، وهو له كارهٌ، ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللهَ لذو عفوٍ وصفحٍ لمن انتصر ممَّن ظلَمه -من بعدِ ما ظلَمه الظالمُ- بحقٍّ، ﴿غَفُورٌ﴾ لِما (١) فعل ببادئِه بالظلمِ، مثلَ الذي فُعل به، غيرُ معاقبِه عليه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا النصرُ الذي أنصرُه من بُغى عليه على الباغي؛ بأنى القادرُ على ما أشاءُ، فمن قُدرتِه أن ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾. يقولُ: يُدخِلُ ما ينقُصُ من ساعاتِ الليلِ في ساعاتِ النهارِ، فما نقَص من هذا زاد فى هذا، ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: ويُدخِلُ ما انتقص من ساعاتِ النهارِ فى ساعاتِ الليلِ، فما نقَص من طولِ هذا، زاد في طولِ هذا، وبالقُدرةِ التي تفعل ذلك ينصُرُ محمدًا ﷺ وأصحابَه على الذين بغَوا عليهم فأخرَجوهم من ديارِهم وأموالِهم، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: وفعَل ذلك أيضًا بأنه ذو سمعٍ لما يقولون من قولٍ، لا يخفَى عليه منه شيءٌ، بصيرٌ بما يعملون، لا يغيبُ عنه منه شيءٌ، كلُّ ذلك منه بمرأًى ومسمعٍ، وهو الحافظُ لكلِّ ذلك، حتى يجازِىَ جميعَهم على ما قالوا وعمِلوا من قولٍ وعملٍ جزاءَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾.

стр. 11397

يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الفعلُ الذي فعلتُ، من إيلاجي الليلَ فى النهارِ، وإيلاجى النهارِ فى الليلِ؛ بأنى (١) أنا الحقُّ الذى لا مِثلَ لى، ولا شريكَ ولا ندَّ، وأن الذى يدعوه هؤلاء المشركون إلهًا من دونه، هو الباطلُ الذى لا يقدرُ على صنعةِ شيءٍ، بل هو المصنوعُ. يقولُ لهم تعالى ذكرُه: أفتَترُكون أيها الجُهَّالُ عبادةَ مَن منه النفعُ وبيدِه الضرُّ، وهو القادرُ على كلِّ شيءٍ (٢)، وكلُّ شيءٍ دونَه، وتعبُدون الباطلَ الذى لا تنفعُكم عبادتُه! وقولُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. يعنى بقولِه: ﴿الْعَلِيُّ﴾ أنَّه (٣) ذو العلوِّ على كلِّ شيءٍ، هو فوقَ كلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ دونَه، ﴿الْكَبِيرُ﴾. يعنى: العظيمُ، الذى كلُّ شيءٍ دونَه، ولا شيء أعظمُ منه. وكان ابنُ جريجٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾. ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾. قال: الشيطانُ. واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينةِ (٤) والحجازِ: (تَدْعُونَ). بالتاءِ على وجهِ الخطابِ (٥). وقرأته عامةُ قرأةِ العراقِ غيرَ عاصمٍ بالياءِ على وجهِ الخبرِ (٦). والياءُ أعجبُ القراءتين إلىَّ؛ لأن

стр. 11398

ابتداءَ الخبرِ على وجهِ الخطابِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ، ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. يعنى: مطرًا، ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بما ينبُتُ فيها من النباتِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراجِ النباتِ من الأرضِ بذلك الماءِ، وغيرِ ذلك من ابتداعِ ما شاء أن يبتدعَه، ﴿خَبِيرٌ﴾ بما يحدُثُ عن ذلك النبتِ من الحبِّ وبه. وقال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ﴾. فرفَعه (١) و (٢) قد تقدَّمه قولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأن معنى الكلامِ الخبرُ. كأنه قيل: اعلمْ يا محمدُ أن اللهَ يُنزلُ من السماءِ ماءً فتصبحُ الأرضُ. ونظيرُ ذلك قولُ الشاعرِ (٣): ألم تسألِ (٤) الربعَ القديمَ فينطقُ … وهل تُخبرَنْك اليومَ بيداءُ سمْلَقُ (٥) لأن معناه: قد سألتُه فنطَق. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: له مُلكُ ما فى السماواتِ وما في الأرضِ من شيءٍ، هم

стр. 11399

عبيدُه ومماليكُه وخلقُه، لا شريكَ له في ذلك، ولا في شيءٍ منه، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن كلِّ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ من خلقِه وهم المحتاجون إليه، ﴿الْحَمِيدُ﴾ عندَ عبادِه فى إفضالِه عليهم، وأياديه عندَهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألم ترَ أن اللهَ سخَّر لكم أيها الناسُ ما في الأرضِ من الدوابِّ والبهائمِ، [جعَل ذلك] (١) كلَّه لكم، تُصرِّفونه فيما أردتم من حوائجِكم، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾. يقولُ: وسخَّر لكم السفنَ تجرى في البحرِ ﴿بِأَمْرِهِ﴾. يعني: بقُدرته وتذليلِه إياها لكم كذلك. واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي﴾؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَالْفُلْكَ﴾. نصبًا، بمعنى: سخَّر لكم ما في الأرضِ، والفلكَ. عطفًا على ﴿مَا﴾، وعلى تكريرِ "أن": وأن الفلكَ تجرى. ورُوى عن الأعرجِ أنه قرَأ ذلك رفعًا على الابتداءِ (٢). والنصبُ هو القراءةُ عندَنا في ذلك؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه. ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ويُمسِكُ السماءَ بقدرتِه؛ كي لا تقعَ على الأرضِ ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. ومعنى قولِه: ﴿أَنْ تَقَعَ﴾: ألا تقعَ.

стр. 11400

﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يعنى: إنه بهم لذو رأفةٍ (١) ورحمةٍ، فمن رأفتِه بهم ورحمتِه لهم أمسك السماءَ أن تقعَ على الأرضِ إلا بإذنِه، وسخَّر لكم ما وصَف في هذه الآيةِ تَفَضُّلًا منه عليكم بذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذى أنعمَ عليكم هذه النعمَ، هو الذى جعَلكم (٢) أجسامًا أحياءً بحياةٍ أحدَثها فيكم، ولم تكونوا شيئًا، ثم هو يميتُكم من بعدِ حياتِكم، فيُفنيكم عندَ مجيء آجالِكم، ثم يُحييكم بعدَ مماتِكم عندَ بعثِكم لقيامِ الساعةِ، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾. يقولُ: إن ابنَ آدمَ لجَحودً لنعمِ اللهِ التي أنعمَ بها عليه؛ من حُسنِ خلْقِه إياه، وتسخيرِه له ما سخَّر مما في الأرضِ والبرِّ والبحرِ، وتركِه إهلاكِه بإمساكِه السماءَ أن تقعَ على الأرضِ - بعبادتِه غيرَه من الآلهةِ والأندادِ، وتركِه إفرادَه بالعبادةِ وإخلاصِ التوحيدِ له. وقولُه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾. يقولُ: لكلِّ جماعةٍ؛ قومِ [نبيٍّ خلا] (٣) من قبلِك، جعَلنا مألَفًا يألَفونه، ومكانًا يعتادونه لعبادتى (٤) فيه وقضاءِ فرائضى، وعملًا يَلزَمونه. وأصلُ المنسكِ فى كلامِ العربِ الموضعُ المعتادُ الذي يعتادُه الرجلُ ويألفُه

стр. 11401

لخيرٍ (١) أو شرٍّ. يقالُ: إن لفلانٍ منسكًا يعتادُه. يُرادُ: مكانًا يغشاه ويألفُه، لخيرٍ (٢) أو شرٍّ. وإنما سُمِّيت (٣) مناسكُ الحجِّ بذلك لترددِ الناسِ إلى الأماكنِ التي تُعملُ فيها أعمالُ الحجِّ والعُمرة. وفيه لغتان: "مَنسِك". بكسرِ السينِ وفتحِ الميمِ، وذلك من لغةِ أهلِ الحجازِ. و "مَنسَك". بفتحِ الميمِ والسينِ جميعًا، وذلك من لغةِ أسدٍ. وقد قُرئَ باللغتين جميعًا (٤). وقد اختلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾. أىُّ المناسكِ عُنى به؟ فقال بعضُهم: عُنى به عيدُهم الذي يعتادونه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾. قال: عيدًا (٥). وقال آخرون: عُنى به ذبحٌ يذبحونه، ودمٌ يُهَرِيقونه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا ابنُ جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾. قال: إراقةُ الدمِ بمكةَ.

стр. 11402

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾. قال: إهراقةُ دماءِ الهدي (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَنْسَكًا﴾. قال: ذبحًا وحجًّا (٢). والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ: عُنى بذلك إراقةُ الدمِ أيامَ النحرِ بمنًى. لأن المناسكَ التى كان المشركون جادَلوا فيها رسولَ الله ﷺ كانت إراقةَ الدمِ في هذه الأيامِ، على أنهم قد كانوا جادلوه في إراقةِ الدمِاء التي هي دماءُ ذبائحِ الأنعامِ بما قد أخبرَ اللهُ عنهم في سورةِ "الأنعامِ". غيرَ أن تلك لم تكنْ مناسكَ، فأما التي هي مناسكُ، فإنما هى هدايا أو ضحايا، ولذلك قلنا: عُنى بالمنسكِ في هذا الموضعِ الذبحُ الذى هو بالصفةِ التي وصَفنا. وقولُه: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا ينازِعَنَّك هؤلاء المشركون بالله يا محمدُ فى ذَبْحِك ومَنْسَكِك بقولهم: أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون الميتةَ التي قتلها اللهُ؟ فإنك أولى بالحقِّ منهم؛ لأنك محقٌّ وهم مبطلون. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن

стр. 11403

مجاهدٍ: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾. قال: الذَّبحِ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾: فلا تتحامَ (٢) لحمَك. وقولُه: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وادعُ يا محمدُ منازعيك من المشركين باللهِ فى نسكِك وذبحِك، إلى اتباعِ أمرِ ربِّك في ذلك، بأن لا يأكلوا إلا ما ذبحوه بعدَ اتِّباعِك، وبعد التصديقِ بما جئتَهم به من عندِ اللهِ، ويجتنبوا (٣) الذبحَ للآلهةِ والأوثانِ، ويتبرَّءوا منها. إنك لعلى طريقٍ مستقيمٍ، غير زائلٍ عن محجةِ الحقِّ والصوابِ في نسكِك الذي جعَله لك ولأمَّتِك ربُّك. وهم الضُّلَّالُ قصدِ السبيلِ؛ لمخالفتِهم أمرَ اللهِ في ذبائحِهم، ومطاعمهم، وعبادتهم الأوثانَ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وإن جادَلك يا محمدُ هؤلاء المشركون بالله فى نسكِك، فقل: اللهُ أعلمُ بما تعملون ونعملُ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾. قال: قولُ أهلِ الشركِ: أما ما ذبَح اللهُ -

стр. 11404

للميتة (١) -[فلا تأكُلون منه، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلالٌ] (٢) ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لنا أعمالُنا ولكم أعمالُكم (٣). وقولُه: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والله يقضى بينَكم يومَ القيامةِ فيما كنتم فيه من أمرِ دينِكم تختلِفون، فتعلمون حينئذٍ أيها المشركون المحقَّ من المبطلِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألم تعلمْ يا محمدُ أنَّ الله يعلمُ كلَّ ما في السماواتِ السبعِ، والأَرَضِين السبعِ، لا يَخْفَى عليهِ مِن ذلك شيءٌ، وهو حاكمٌ بينَ خلقِه يومَ القيامةِ، على علمٍ منه بجميعِ ما عمِلُوه في الدُّنيا، فمُجازٍ (٤) المحسنَ منهم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه، ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ علمَه بذلك فى كتابٍ، وهو أمُّ الكتابِ الذى كتَب فيه ربُّنا جلَّ ثناؤه قبلَ أنْ يخلُقَ خلقَه ما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مُبَشِّرُ (٥) بنُ إسماعيلَ

стр. 11405

الحَلَبىُّ، عن الأوزاعيِّ، عن عبدَةَ بنِ أبى لُبابةَ، قال: علِم اللهُ ما هو خالقٌ، وما الخلقُ عاملون، ثم كتَبه، ثم قال لنبيِّه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى مُبشِّرٌ (١)، عن أرطاةَ بنِ المنذرِ، قال: سمِعتُ ضَمْرَةَ بن حَبيبٍ يقولُ: إِنَّ اللهَ كان على عرشِه على الماءِ، وخلقَ السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، وخلَق القلمَ، فكتَب به ما هو كائنٌ من خلقِه، ثم إنَّ ذلك الكتابَ سبَّح اللهَ ومجَّده ألفَ عامٍ، قبلَ أن يُبدِى (٢) شيئًا من الخلقِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى مُعتمِرُ بن سليمانَ، عن أبيه، عن سيَّارٍ، عن ابنِ عباسٍ أنَّه سأل كعبَ الأحبارِ عن أمِّ الكتابِ، فقال: علِم اللهُ ما هو خالقٌ وما خلقُه عاملون، فقال لعلمِه: كُنْ كِتابًا (٤). وكان ابنُ جُريجٍ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾. ما حدَّثنا به القاسمُ، [قال: حدَّثنا الحسينُ] (٥)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾. قال: قولُه: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. وإنَّما اختَرنا القولَ الذى قُلنا في ذلك؛ لأنَّ قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ إلى قولِه:

стр. 11406

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أقربُ منه إلى قولِه: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. فكان إلحاقُ ذلك بما هو أقربُ إليه أولى منه بما بَعُدَ. وقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. اختُلف في ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إنَّ الحكمَ بين المختلفِينَ فى الدنيا يومَ القيامةِ على اللهِ يسيرٌ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قال: حُكمُه يومَ القيامةِ. ثم قال: بَيَّنَ ذلك: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنَّ كتابَ القلمِ الذي أمرَه اللهُ أن يكتبَ في اللوحِ المحفوظِ ما هو كائنٌ، على اللهِ يسيرٌ. يعنى: هيِّنٌ. وهذا القولُ الثانى أولى بتأويلِ ذلك؛ وذلك أنَّ قولَه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾. أقربُ، وهو له مجاورٌ، ومِن قوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ مُتباعدٌ، ومع دخولِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ بينَهما (١)، فإلحاقُه بما هو أقربُ، أولى ما وُجِد للكلامِ -وهو كذلك- مَخرَجٌ في التأويلِ صحيحٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)﴾.

стр. 11407

يقولُ تعالى ذكرُه: ويعبُدُ هؤلاءِ المشركون باللهِ مِن دونِه ما لم يُنزِّلْ به جلَّ ثناؤُه لهم حُجَّةً من السماءِ فى كتابٍ من كُتبِه التي أنزَلها إلى رُسلِه، بأنَّها آلهةٌ تصلُحُ عِبادَتُها، فيعبُدُوها بأنَّ اللهَ أذِن لهم في عبادتِها. ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. [يقولُ: ويعبُدونَ من دُونِ اللهِ ما ليس لهم به علمٌ] (١) أنَّها آلهةٌ. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. يقولُ: وما للكافرين باللهِ الذين يعبُدونَ هذه (٢) الأوثانَ [مِن دونِ اللهِ] (٣) من ناصرٍ ينصُرُهم يومَ القيامةِ، فينقِذَهم من عذابِ اللهِ، ويدفعَ عنهم عِقابَه إذا أراد عقابَهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا تُتلى على مشركي قُريشٍ العابدين من دونِ اللهِ ما لم يُنزِّل به سُلطانًا ﴿آيَاتُنَا﴾. يعني: آياتُ القرآنِ، ﴿بَيِّنَاتٍ﴾. يقولُ: واضحاتٍ حُججُها وأدلتُها فيما أُنزِلت فيه، ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾. يقولُ: تتبيَّنُ (٤) في وُجُوهِهم ما يُنكره أهلُ الإيمان باللهِ من تغيُّرِها لسماعِهم القُرآنَ (٥). وقولُه: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. يقولُ: يكادون يَبطِشُونَ بالذين يَتْلُون عليهم آياتِ كتابِ اللهِ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ؛

стр. 11408

لشدةِ تكرُّههم أن يَسمعُوا القرآنَ، ويُتلى عَليهم. وبنحو ما قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿يَسْطُونَ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾. يقولُ: يبطِشُون (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾. يقولُ: يَقَعُون بمن ذكَّرهم. حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. قال: يكادون يقعُونَ بهم. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾. قال: يَبْطِشون؛ كفارُ قُريشٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ

стр. 11409

الضَّحَّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. يقولُ: يكادون يأخذونَهم بأيديهم أخذًا. وقولُه: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾. يقولُ: أفأُنبئُكم أيُّها المشركونَ بأكرهَ إليكم مِن هؤلاءِ الذين تتكرَّهَون (١) قراءتَهم القرآنَ عليكم، هي النارُ وعَدها اللهُ الذين كفَروا. وقد ذُكِر عن بعضِهم أنَّه كان يقولُ: إنَّ المشركين قالوا: واللهِ إنَّ محمدًا وأصحابَه لشرُّ خلقِ اللهِ. فقال اللهُ لهم (٢): أفأُنبئُكم أيُّها القائلونَ هذا القولَ بشرٍّ مِن محمدٍ ﷺ [وأصحابِه] (٣)، أنتم أيُّها المشركونَ الذين وعَدهم اللهُ النارِ. ورُفِعتِ ﴿النَّارُ﴾ على الابتداءِ، ولأنَّها معرفةٌ لا تصلُحُ أن يُنعتَ بها الشرُّ وهو نَكرةٌ، وهو كما يقالُ: مررتُ برجلينِ؛ أخوك وأبوك. ولو كانت مخفوضةً كان جائزًا، وكذلك لو كان نصبًا للعائدِ مِن ذِكرِها في ﴿وَعَدَهَا﴾. وأنت تَنوى بها الاتصالَ بما قبلَها. يقولُ تعالى ذكرُه: فهؤلاءِ هم شِرَارُ (٤) الخلقِ، لا محمدٌ وأصحابُه. وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبئس المكانُ الذي يصيرُ إليه هؤلاءِ المشركون بالله يومَ القيامةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ

стр. 11410

شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الناسُ، جُعِل للهِ (١) مثلٌ وذِكرٌ. ومعنى ﴿ضُرِبَ﴾ في هذا الموضعِ: جُعلَ. مِن قولِهم: ضرَب السلطانُ على الناسِ البَعْثَ. بمعنى: جُعِل عليهم، وضرَب الجزيةَ على النصارَى. بمعنى: جُعِل ذلك عليهم. والمثلُ: الشَّبَهُ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: جُعِل لى شَبَهٌ أَيُّها الناسُ. يعنى بالشَّبهِ والمثَلِ: الآلهةَ. يقولُ: جعَل لى المشركون الأصنامَ (٢) شبهًا، فعبدُوها معى، وأشرَكُوها في عبادَتي ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾. يقولُ: فاستمِعُوا حالَ ما مثَّلُوه وجعَلوه لي في عبادتِهم إياهُ شبهًا. وصِفتُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾. يقولُ: إِنَّ جميعَ ما تعبُدونَ من دونِ اللهِ من الآلهةِ والأصنامِ، لو جُمعتْ لم يخلُقوا ذُبابًا في صغرِه وقلَّتِه؛ لأنَّها لا تقْدِرُ على ذلك ولا تُطيقُه، ولو اجتمَع لخلقِه جميعُها. والذُّبابُ واحدٌ، وجمعُه فى القلةِ أَذِبَّةٌ، وفى الكثرةِ (٣) ذِبَّانٌ، نظيرُ غُرابٍ، يُجمعُ فى القلةِ أغربةٌ، وفى الكثرة غِربانٌ. وقولُه: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾. يقولُ: وإِنْ يسلُبِ الآلهة والأوثانَ الذباب شيئًا ممَّا عليها؛ مِن طِيبٍ وما أشبهَه مِن شَيْءٍ ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾. يقولُ: لا تقدِرُ الآلهةُ أنْ تستنقِذَ ذلك منه. واختُلِف في معنى قولِه: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾؛ فقال بعضُهم:

стр. 11411

عني بالطالب الآلهةَ، وبالمطلوبِ الذُّباب. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ، قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾. قال: آلهتُهم، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الذبابُ (١). وكان بعضُهم يقولُ: معنى ذلك: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ مِن بنى آدمَ إلى الصَّنمِ حاجتَه، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ إليه: الصنمُ أن يُعطِيَ سائلَه من بنى آدمَ ما سأَله. يقولُ: ضعُف عن ذلك وعَجَز. والصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا ما ذكَرتُه عن ابنِ عباسٍ من أنَّ معناه: عجَز الطالبُ -وهو الآلهةُ- أن يَسْتَنْقِذَ (٢) من الذبابِ ما سلَبه (٣) إياهُ، وهو الطَّيبُ وما أشبهَه. والمطلوبُ الذبابُ. وإنَّما قلتُ: هذا القولُ أولى بتأويلِ ذلك. لأنَّ ذلك في سياقِ الخبرِ عن الآلهةِ والذبابِ، فأن يكونَ ذلك خبرًا عمَّا هو به متصلٌ أشبَهُ من أن يكونَ خبرًا عمَّا هو عنه مُنقطِعٌ، وإِنَّما أخبَر جلَّ ثناؤُه عن الآلهةِ بما أخبرَ به عنها في هذه الآيةِ من ضَعفِها ومهانتِها؛ تقريعًا منه بذلك عبدتَها مِن مشركي قُريشٍ. يقولُ تعالى ذكرُه: كيف يُجعَلُ لى (٤) مثلٌ في العبادةِ، ويُشرَكُ فيها معى ما لا قدرةَ له على خلقِ ذبابٍ، وإن استذلَّه (٥) الذبابُ فسلَبه شيئًا عليهِ لم يَقْدِرُ أنْ يمتنِعَ منه

стр. 11412

ولا ينتصِرَ، وأنا الخالقُ ما فى السماواتِ والأرضِ، ومالكٌ جميعَ ذلك، والمحيى مَن أردتُ، والمُفْنِى (١) ما أردتُ ومن أردتُ؟! إِنَّ فاعلَ ذلك لا شكَّ أنَّه في غايةِ الجهلِ. وقولُه: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. يقولُ: ما عظَّم هؤلاءِ الذين جعَلوا الآلهةَ للهِ شريكًا فى العبادةِ حقَّ عظَمتِه حينَ أشرَكوا به غيرَه، فلم يُخلِصوا له العبادةَ، ولا عرَفوه حقَّ مَعرفتِه. من قولِهم: ما عرَفتَ لِفُلانٍ قدرَه. إذا خاطبوا بذلك من قصَّر بحقِّه، وهم يُريدون تعظيمَه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ إلى آخرِ الآية. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لآلهتِهم. وقرَأ ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. حينَ يَعبدون مع اللهِ ما لا يَنْتَصِفُ من الذبابِ ولا يَمتنعُ منه (٢). وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾. يقولُ: إن الله لقوىٌّ على خلقِ ما يشاءُ؛ من صغيرِ ما يشاءُ (٣) خَلْقَه، وكبيرِه. ﴿عَزِيزٌ﴾ يقولُ: منيعٌ في مُلكِه، لا يقدرُ شيءٌ دونَه أن يسلُبَه من مُلكِه شيئًا، وليس كآلهتِكم أيُّها المشركونَ الذين تدعونَ من دونِه، الذين لا يقدرونَ على خلقِ ذبابٍ، ولا على الامتناعِ من الذبابِ إذا (٤) استلَبها

стр. 11413

شيئًا، صعفًا ومَهانةً. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ يختارُ من الملائكةِ رسلًا؛ كجبريلَ وميكائيلَ اللذَينِ كانا يُرسِلُهما إلى أنبيائِه ومَن شاء مِن عبادهِ ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ كأنبيائه الذين أرسلَهم إلى عبادِه من بنى آدمَ. ومعنى الكلامِ: اللهُ يصطفِى من الملائكةِ رسلًا، ومن الناس أيضًا رسلًا. وقد قِيل: إنَّما أُنزلتْ هذه الآيةُ لمَّا قال المشركونَ: أأُنزل (١) عليه الذكرُ مِن بينِنا؟ فقال اللهُ لهم: ذلك إلىَّ وبيدى دونَ خلقِى، أختارُ من شئتُ منهم للرسالةِ. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: إِنَّ اللهَ سميعٌ لمَا يقولُ المشركون في محمدٍ، وما جاء به مِن عندِ اللهِ، بصيرٌ بمن يختارُه لرسالتِه من خلقِه. القولُ فى تأويلِه قولِه تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ يعلمُ ما كان بينَ أيدِى ملائكتِه ورُسِله من قبلِ أن يخلُقَهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يقولُ: ويعلمُ ما هو كائنٌ بعدَ فنائِهم، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. يقولُ: إلى اللهِ في الآخرةِ تصيرُ أمورُ الدنيا، وإليه تعودُ كما كان منه البَدءُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾.

стр. 11414

يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، ﴿ارْكَعُوا﴾ للهِ في صلاتِكم، ﴿وَاسْجُدُوا﴾ له فيها، ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾. يقولُ: وذِلُّوا لربِّكم، واخضَعوا له بالطاعةِ، ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ الذى أمَركم ربُّكم بفعلِه؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لِتُفلحوا بذلك، فتُدْرِكوا به طَلباتكم عندَ ربِّكم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وجاهِدُوا المشركين فى سبيلِ اللهِ حقَّ [جهادِ اللهِ] (١). ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن ثورِ بنِ زيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾: كما جاهَدتُم أَوَّلَ مرَّةٍ. فقال عمرُ: مَن أُمِر بالجهادِ؟ قال: قبيلتانِ من قُريشٍ؛ مخزومٌ وعبدُ شمسٍ. فقال عمرُ: صدَقتَ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تخافوا في اللهِ لومةَ لائمٍ. قالوا: وذلك هو حقُّ الجهادِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال:

стр. 11415

قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾: لا تخافوا في الله لومةَ لائمٍ (١). وقال آخرون: معنى ذلك: اعمَلوا بالحقِّ حقَّ عملِه. وهذا قولٌ ذكَره عن الضحاكِ بعضُ مَن في روايتِه نظرٌ. والصوابُ من القولِ في ذلك قولُ مَن قال: عُنِى به الجهادُ في سبيلِ الله. لأنَّ المعروفَ من الجهادِ ذلك، وهو الأغلبُ على قولِ القائلِ: جاهدتُ في اللهِ. وحقُّ الجهادِ هو استفراغُ الطاقةِ فيه. وقولُه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. يقولُ: هو اختارَكم لدينِه، واصطَفاكم لحربِ أعدائِه، والجهادِ في سبيلِه وقال ابنُ زيدٍ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. قال: هو هداكم. وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما جعَل عليكم ربُّكم في الدينِ الذى تعبَّدَكم به من ضيقٍ لا مخرجَ لكم ممَّا ابتُليتُم به فيه، بل وسَّع عليكم، فجعَل التوبةَ مِن بعضٍ مخرجًا، والكفارةَ من بعضٍ، والقِصاصَ من بعضٍ، فلا ذنبَ يُذنِبُ المؤمنُ إلَّا وله منه فى دينِ الإِسلامِ مَخرجٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى
следующие страницы →