عني بالطالب الآلهةَ، وبالمطلوبِ الذُّباب.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ، قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾. قال: آلهتُهم، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الذبابُ (١). وكان بعضُهم يقولُ: معنى ذلك: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ مِن بنى آدمَ إلى الصَّنمِ حاجتَه، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ إليه: الصنمُ أن يُعطِيَ سائلَه من بنى آدمَ ما سأَله. يقولُ: ضعُف عن ذلك وعَجَز.
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا ما ذكَرتُه عن ابنِ عباسٍ من أنَّ معناه: عجَز الطالبُ -وهو الآلهةُ- أن يَسْتَنْقِذَ (٢) من الذبابِ ما سلَبه (٣) إياهُ، وهو الطَّيبُ وما أشبهَه. والمطلوبُ الذبابُ.
وإنَّما قلتُ: هذا القولُ أولى بتأويلِ ذلك. لأنَّ ذلك في سياقِ الخبرِ عن الآلهةِ والذبابِ، فأن يكونَ ذلك خبرًا عمَّا هو به متصلٌ أشبَهُ من أن يكونَ خبرًا عمَّا هو عنه مُنقطِعٌ، وإِنَّما أخبَر جلَّ ثناؤُه عن الآلهةِ بما أخبرَ به عنها في هذه الآيةِ من ضَعفِها ومهانتِها؛ تقريعًا منه بذلك عبدتَها مِن مشركي قُريشٍ.
يقولُ تعالى ذكرُه: كيف يُجعَلُ لى (٤) مثلٌ في العبادةِ، ويُشرَكُ فيها معى ما لا قدرةَ له على خلقِ ذبابٍ، وإن استذلَّه (٥) الذبابُ فسلَبه شيئًا عليهِ لم يَقْدِرُ أنْ يمتنِعَ منه
стр. 11412
ولا ينتصِرَ، وأنا الخالقُ ما فى السماواتِ والأرضِ، ومالكٌ جميعَ ذلك، والمحيى مَن أردتُ، والمُفْنِى (١) ما أردتُ ومن أردتُ؟! إِنَّ فاعلَ ذلك لا شكَّ أنَّه في غايةِ الجهلِ.
وقولُه: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. يقولُ: ما عظَّم هؤلاءِ الذين جعَلوا الآلهةَ للهِ شريكًا فى العبادةِ حقَّ عظَمتِه حينَ أشرَكوا به غيرَه، فلم يُخلِصوا له العبادةَ، ولا عرَفوه حقَّ مَعرفتِه. من قولِهم: ما عرَفتَ لِفُلانٍ قدرَه. إذا خاطبوا بذلك من قصَّر بحقِّه، وهم يُريدون تعظيمَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ إلى آخرِ الآية. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لآلهتِهم. وقرَأ ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. حينَ يَعبدون مع اللهِ ما لا يَنْتَصِفُ من الذبابِ ولا يَمتنعُ منه (٢).
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾. يقولُ: إن الله لقوىٌّ على خلقِ ما يشاءُ؛ من صغيرِ ما يشاءُ (٣) خَلْقَه، وكبيرِه. ﴿عَزِيزٌ﴾ يقولُ: منيعٌ في مُلكِه، لا يقدرُ شيءٌ دونَه أن يسلُبَه من مُلكِه شيئًا، وليس كآلهتِكم أيُّها المشركونَ الذين تدعونَ من دونِه، الذين لا يقدرونَ على خلقِ ذبابٍ، ولا على الامتناعِ من الذبابِ إذا (٤) استلَبها
стр. 11413
شيئًا، صعفًا ومَهانةً.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ يختارُ من الملائكةِ رسلًا؛ كجبريلَ وميكائيلَ اللذَينِ كانا يُرسِلُهما إلى أنبيائِه ومَن شاء مِن عبادهِ ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ كأنبيائه الذين أرسلَهم إلى عبادِه من بنى آدمَ. ومعنى الكلامِ: اللهُ يصطفِى من الملائكةِ رسلًا، ومن الناس أيضًا رسلًا.
وقد قِيل: إنَّما أُنزلتْ هذه الآيةُ لمَّا قال المشركونَ: أأُنزل (١) عليه الذكرُ مِن بينِنا؟ فقال اللهُ لهم: ذلك إلىَّ وبيدى دونَ خلقِى، أختارُ من شئتُ منهم للرسالةِ.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: إِنَّ اللهَ سميعٌ لمَا يقولُ المشركون في محمدٍ، وما جاء به مِن عندِ اللهِ، بصيرٌ بمن يختارُه لرسالتِه من خلقِه.
القولُ فى تأويلِه قولِه تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ يعلمُ ما كان بينَ أيدِى ملائكتِه ورُسِله من قبلِ أن يخلُقَهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يقولُ: ويعلمُ ما هو كائنٌ بعدَ فنائِهم، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. يقولُ: إلى اللهِ في الآخرةِ تصيرُ أمورُ الدنيا، وإليه تعودُ كما كان منه البَدءُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾.
стр. 11414
يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، ﴿ارْكَعُوا﴾ للهِ في صلاتِكم، ﴿وَاسْجُدُوا﴾ له فيها، ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾. يقولُ: وذِلُّوا لربِّكم، واخضَعوا له بالطاعةِ، ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ الذى أمَركم ربُّكم بفعلِه؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لِتُفلحوا بذلك، فتُدْرِكوا به طَلباتكم عندَ ربِّكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وجاهِدُوا المشركين فى سبيلِ اللهِ حقَّ [جهادِ اللهِ] (١).
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن ثورِ بنِ زيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾: كما جاهَدتُم أَوَّلَ مرَّةٍ. فقال عمرُ: مَن أُمِر بالجهادِ؟ قال: قبيلتانِ من قُريشٍ؛ مخزومٌ وعبدُ شمسٍ. فقال عمرُ: صدَقتَ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تخافوا في اللهِ لومةَ لائمٍ. قالوا: وذلك هو حقُّ الجهادِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال:
стр. 11415
قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾: لا تخافوا في الله لومةَ لائمٍ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: اعمَلوا بالحقِّ حقَّ عملِه. وهذا قولٌ ذكَره عن الضحاكِ بعضُ مَن في روايتِه نظرٌ.
والصوابُ من القولِ في ذلك قولُ مَن قال: عُنِى به الجهادُ في سبيلِ الله. لأنَّ المعروفَ من الجهادِ ذلك، وهو الأغلبُ على قولِ القائلِ: جاهدتُ في اللهِ. وحقُّ الجهادِ هو استفراغُ الطاقةِ فيه.
وقولُه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. يقولُ: هو اختارَكم لدينِه، واصطَفاكم لحربِ أعدائِه، والجهادِ في سبيلِه
وقال ابنُ زيدٍ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. قال: هو هداكم.
وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما جعَل عليكم ربُّكم في الدينِ الذى تعبَّدَكم به من ضيقٍ لا مخرجَ لكم ممَّا ابتُليتُم به فيه، بل وسَّع عليكم، فجعَل التوبةَ مِن بعضٍ مخرجًا، والكفارةَ من بعضٍ، والقِصاصَ من بعضٍ، فلا ذنبَ يُذنِبُ المؤمنُ إلَّا وله منه فى دينِ الإِسلامِ مَخرجٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى
стр. 11416
[يونسُ بنُ يزيدَ] (١)، عن ابن شهابٍ، قال: سأل عبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ علىَّ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. فقال علىُّ بنُ عبدِ اللهِ: الحرجُ الضيقُ، فجعَل اللهُ الكفاراتِ مخرَجًا من ذلك، سمِعتُ ابنُ عباسٍ يقولُ ذلك (٢).
قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبى يزيدَ (٣)، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يُسأل عن: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: ما هاهنا من هُذيلٍ أحدٌ؟ فقال رجلٌ: نعم. قال: ما تعدُّون الحرَجةَ فيكم؟ قال: الشيءُ الضيِّقُ. قال ابنُ عباسٍ: فهو كذلك (٤).
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، عن ابنِ عيينةَ، عن عبيدِ الله ابنِ أبي يزيدَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ، وذكَر نحوَه، إِلَّا أَنَّه قال: فقال ابنُ عباسٍ: أهاهُنا أحدٌ من هُذيلٍ؟ فقال رجلٌ: أنا. فقال أيضًا: ما تعُدُّون الحرَجَ؟ وسائرُ الحديثِ مثلُه.
حدَّثني عمرانُ بنُ بكارٍ الكَلاعِىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا يحيى بنُ حمزةَ، عن الحكمِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يحدِّثُ عن عائشةَ، قالتْ: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآيةِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
стр. 11417
حَرَجٍ﴾. قال: "هو الضيقُ" (١).
حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا أبو خَلْدَةَ، قال: قال لى أبو العالية: أتدرِى ما الحرجُ؟ قلتُ: لا أدرى. قال: الضيقُ. وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ مسعدةَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: من ضيقٍ.
حدَّثنا عمرُو بنُ بَيْذَقَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن أبي خَلدَةَ، قال: قال لي أبو العالية: هل تدرِى ما الحريجُ؟ قلتُ: لا. قال: الضيقُ، إنَّ اللهَ لم يُضيِّقْ عليكم، لم يجعَلْ عليكم في الدينِ من حرجٍ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ابنِ عونٍ، عن القاسمِ أنَّه تلا هذه الآيةَ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: تدرُونَ ما الحرجُ؟ قال: الضيقُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن يونسَ بن أبى إسحاقَ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا [تعانيتم في] (٢) شيءٍ مِن القرآنِ فانظروا في الشعرِ، فإنَّ الشعرَ عربيٌّ. ثم دعا ابنُ عباسٍ أعرابيًّا، فقال: ما الحرجُ؟ قال: الضيقُ. قال: صدقتَ
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: من ضيقٍ.
стр. 11418
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثله (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: مَا جَعَلَ عليكم في الدِّينِ (٢) من ضيقٍ في أوقاتِ فروضِكم إذا التَبَستْ عليكم، ولكنَّه وسَّع ذلك عليكم حتى تتيقَّنوا (٣) مَحِلَّها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن عثمانَ بنِ يَسَارٍ (٤)، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: هذا في هلالِ شهرِ رمضانَ إذا شكَّ فيه الناسُ، وفى الحجِّ إذا شكُّوا في الهلالِ، وفي الفطرِ و (٥) الأضحَى؛ إذا التبَس عليهم، وأشباهِه (٦).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما جعَل (٧) في الإسلامِ من ضيقٍ، بل وسَّعه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. يقولُ: ما جعَل عليكم في الإسلامِ من ضيقٍ، هو واسعٌ، وهو مثلُ قوله فى "الأنعامِ": ﴿فَمَنْ يُرِدِ
стр. 11419
اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. يقولُ: مَن أراد أَنْ يُضِلَّه يُضَيِّق عليه صدرَه، حتى يَجْعَلَ عليه الإسلامَ ضيِّقًا، والإسلامُ واسعٌ (١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. يقولُ: مِن ضيقٍ. يقولُ: جعَل الدينَ واسعًا ولم يَجْعَلْه ضيقًا.
وقولُه: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾. نصبُ ﴿مِلَّةَ﴾ بمعنى: وما جعَل عليكم له في الدينِ من حرجٍ، بل وسَّعه، كملَّةِ أبيكم. فلمَّا لم يَجْعَلْ فيها الكافَ اتصَلتْ بالفعلِ الذي قبلَها فنُصِبتْ. وقد يَحتملُ نصبُها أنْ تكونَ (٢) على وجِه الأمرِ بها؛ لأنَّ الكلامَ قبلَه أمرٌ، فكأنَّه قِيل: اركَعوا، واسجُدوا، والزَموا ملةَ أبيكم إبراهيمَ.
وقولُه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ (٣) سمَّاكم يا معشرَ من آمَن بمحمدٍ ﷺ ، المسلمين مِن قبلُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: اللهُ سمَّاكم (٤).
стр. 11420
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرنى عطاءُ بنُ أبي رباحٍ أنه سمع ابنُ عباسٍ يقولُ: اللهُ سمَّاكم المسلمين مِن قبلُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، جميعًا عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: اللهُ سمَّاكم المسلمين مِن قبلُ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: اللهُ سمَّاكم (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ فى قولِه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: اللهُ سمَّاكم المسلمين (٣).
وقال آخرون: بل معناه: إبراهيمُ سمَّاكم المسلمين. وقالوا: هو كنايةٌ من (٤) ذكرِ إبراهيمَ ﷺ .
стр. 11421
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: ألَا ترى قولَ إبراهيمَ: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. قال: هذا قولُ إبراهيمَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. ولم يذكُرِ اللهُ بالإسلامِ والإيمانِ غيرَ هذه الأمةِ، ذُكِرَتْ بالإيمانِ والإسلامِ جميعًا، ولم نسمَعْ (١) بأمةٍ ذُكرت إلَّا بالإيمانِ (٢).
ولا وجهَ لمَا قال ابنُ زيدٍ من ذلك؛ لأنَّه معلومٌ أنَّ إبراهيمَ لم يُسَمِّ أمةَ محمدٍ مسلمينَ فى القرآنِ؛ لأنَّ القرآنَ أُنزِل مِن بعده بدهرٍ طويلٍ. وقد قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾. ولكنَّ الذى سمَّانا مسلمينَ من قبلِ نزولِ القرآنِ وفى القرآنِ، اللهُ الذي لم يزَلْ ولا يزالُ.
وأمَّا قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. فإن معناهُ: من قبلِ (٣) هذا القرآنِ، في الكتبِ التي نزلت قبلَه، ﴿وَفِي هَذَا﴾. يقولُ: وفى هذا الكتابِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
стр. 11422
قولَه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾: القرآنِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. قال: فى الكتبِ كلِّها والذِّكرِ، ﴿وَفِي هَذَا﴾. يعني: القرآن.
وقولُه: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اجتباكم اللهُ وسمَّاكم أيُّها المؤمنون باللهِ وآياتهِ من أمةِ محمدٍ ﷺ مسلمينَ؛ ليكونَ محمدٌ رسولُ اللهِ شهيدًا عليكم يومَ القيامةِ بأنَّه قد بلَّغكم ما أُرسِل بِه إليكم، وتكونوا أنتم شهداءَ حينئذٍ على الرسلِ أجمعين أنَّهم قد بلَّغوا أُمَمهم ما أُرسِلُوا به إليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: اللهُ سمَّاكم المسلمينَ من قبلُ. ﴿وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ أَنَّه (٢) بلَّغكم. ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أنَّ رُسلَهم قد بلَّغتهم (٣).
وبه عن قتادةَ، قال: أُعطيت هذه الأمةُ ما لم يُعطَه إلَّا نبيٌّ، كان يقالُ للنبيِّ:
стр. 11423
اذهبْ فليس عليك حرجٌ. وقال اللهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وكان يقالُ للنبيِّ: أنت شهيدٌ على قومِك. وقال اللهُ: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وكان يقالُ للنبيِّ: سلْ تُعطَه، وقال اللهُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: أُعطِيتْ هذه الأمةُ ثلاثًا لم يعطَها إلَّا نبىٌّ؛ كان يقالُ للنبيِّ: اذهبْ فليس عليك حرجٌ. فقال اللهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: وكان يقالُ للنبىِّ: أنت شهيدٌ على قومِك. وقال الله: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وكان يقالُ للنبىِّ: سلْ تُعْطَه. وقال اللهُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. يقولُ: فأدُّوا الصلاةَ المفروضةَ للهِ عليكم بحدودِها، وآتُوا الزكاةَ الواجبةَ عليكم في أموالِكم، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: وثِقُوا باللهِ، وتَوَكَّلوا عليه فى أمورِكم ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾: فنِعمَ الولىُّ اللهُ لمَن فعَل ذلك منكم، فأقام الصلاةَ، وأتى الزكاةَ، وجاهَد في سبيلِه حقَّ جهادِه، واعتصَم به، ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. يقولُ: ونِعَم الناصرُ هو له على مَن بَغاه سوءًا.
стр. 11424
تفسيرُ سورةِ "قد أفلح المؤمنون"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ: يَعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: قد أدرك الذين صدَّقوا الله ورسوله محمدا ﷺ ، وأَقَرُّوا بما جاءهم به من عند الله، وعَمِلوا بما دعاهم إليه مما سَمَّى في هذه الآياتِ - الخلودَ في جناتِ ربهم، وفازوا بطَلِبتهم لديه.
كما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال: قال كعبٌ: لم يَخْلُقِ الله بيده إلا ثلاثةً؛ خلَق آدم بيده، وكتب (١) التوراة بيده، وغرس جنةَ عَدْنٍ بيدِه، ثم قال (٢): تَكَلَّمِي. فقالت: قد أفلح المؤمنون. لما علمت فيها من الكرامةِ (٣).
стр. 11425
حدَّثنا سَهْلُ بن موسى الرازيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ الضُّرَيْسِ، عن عمرو بن أبى قيسٍ، عن عبد العزيز بن رُفَيعٍ، عن مجاهدٍ، قال: لما غرَس الله ﵎ الجنةَ، نظَر إليها فقال (١): قد أفلح المؤمنون (٢).
قال: ثنا حفص بن عمر، عن أبي خَلْدَةَ، عن أبى العاليةِ، قال: لمّا خلق الله الجنة قال: قد أفلح المؤمنون. فأنزل الله به قرآنًا (٣).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ (٤)، عن عطاءٍ، عن مَيْسَرةَ، قال: لم يَخْلُقِ الله شيئًا بيدِه غيرَ أربعة أشياء؛ خلَق آدمَ بيده، وكتب الألواح بيده، والتوراة بيده، وغرَس عَدْنًا بيدِه، ثم قال: قد أفلح المؤمنون (٥).
وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: الذين هم في صلاتهم إذا قاموا فيها خاشعون، وخشوعُهم فيها تذلُّلُهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها.
وقيل: إنها نزلت من أجل أن القوم كانوا يَرْفَعون أبصارهم فيها إلى السماء قبلَ نزولها، فنُهُوا بهذه الآية عن ذلك.
стр. 11426
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمانَ، قال: سَمِعتُ خالدًا، عن محمدِ بن سيرين، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صَلَّى نظر إلى السماء، فأُنزِلت هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: فجعل بعدَ ذلك وجهه حيثُ يَسجُدُ (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا هارون بن المغيرةِ، عن أبي جعفر، عن الحجاج الصوَّاف، عن ابن سيرينَ، قال: كان أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ يَرْفَعُون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. فقالوا بعد ذلك برُءُوسهم هكذا (٢).
حدَّثني يعقوب بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: نُبِّئتُ أن رسول الله ﷺ كان إذا صَلَّى رفع بصره إلى السماء، فنزلت آيةٌ، إن لم تَكُن: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فلا أَدْرِى أية آيةٍ هي. قال: فطَأْطَأ. قال: وقال محمد: وكانوا يقولون: لا يُجاوِزُ بصره مُصَلّاه، فإن كان قد استعاد النظرَ فلْيُغْمِض (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن محمدٍ نحوه (٤).
стр. 11427
واختلف أهل التأويلِ في الذى عُنى به في هذا الموضع من الخشوعِ؛ فقال بعضُهم: عُنى به سكونُ الأطرافِ في الصلاةِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: السكون فيها (١).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ: ﴿الَّذِينَ هُمْ في صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: سكون المرء في صلاته.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرى مثله. (٢).
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن الثَّوْرِيِّ، عن أبى سِنان (٣) الشيبانيِّ، عن رجلٍ، عن عليٍّ، قال: سُئل عن قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: لا تَلْتَفِتْ في صلاتك (٤).
حدَّثنا عبد الجبار بن يحيى الرَّمْليُّ، قال: قال ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابنِ (٥) شَوْذَبٍ، عن الحسن في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: كان
стр. 11428
خشوعُهم في قلوبهم، فغَضُّوا بذلك البصرَ، وخفضوا به الجَناحَ (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةُ، عن إبراهيمَ في قوله: ﴿خَاشِعُونَ﴾. قال: الخشوعُ في القلب. وقال: ساكِنون (٢).
قال: ثنا الحسين (٣)، قال: ثنى خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن المسعوديِّ، عن أبى سنانٍ، عن رجل من قومِه، عن عليٍّ ﵁، قال: الخشوع في القلب، وأن تُلِين للمرء المسلم كَنَفَك، ولا تَلْتَفِتَ (٤).
قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عطاء بن أبي رَبَاحٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: التَّخَشُّعُ في الصلاةِ. وقال لي غير عطاءٍ: كان النبيُّ ﷺ إذا قام في الصلاة نظر عن يمينه ويسارِه ووُجاهه، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. فما رُئى بعد ذلك يَنْظُرُ إِلا إلى الأرض (٥).
وقال آخرون: عُنى به الخوفُ في هذا الموضعِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿الَّذِينَ هُمْ
стр. 11429
في صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. قال: خائفون.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾: قال الحسن: خائفون. وقال قتادة: الخشوع في القلب (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. يقولُ: خائفون ساكنون (٢).
وقد بيَّنَّا فيما مضى قبل من كتابنا أن الخشوع التذلُّلُ والخضوعُ، بما أَغْنَى عن إعادته في هذا الموضع (٣). وإذ كان ذلك كذلك، ولم يَكُن الله تعالى ذكرُه دَلَّ على أن مراده من ذلك معنًى دون معنًى في عقلٍ ولا خبرٍ - كان معلومًا أن معنى مرادِه من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام ما وصفتُ من قبلُ، من أنه: والذين هم في صلاتهم مُتَذَلِّلون للَّهِ بأداء (٤) ما ألزمهم من فرضه وعبادته. وإذا تَذَلّل للهِ فيها العبدُ رُئيَتْ ذلةُ خضوعِه في سكون أطرافه، وشغله بفرضه، وتركه ما أُمر بتركه فيها.
وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: والذين هم عن الباطل وما يَكْرَهُه الله من خلقه مُعْرِضون.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
стр. 11430
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. يقولُ: الباطلِ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿عَنِ اللَّغْوِ معْرِضُونَ﴾. قال: عن المعاصى.
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ مثله (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. قال: النبيُّ ﷺ ومن معه من صحابته ممن آمن به واتَّبعه وصَدَّقه، كانوا عن اللغوِ مُعْرِضين.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مُؤَدُّون. وفِعْلُهم الذي وُصِفوا به هو أداؤُهموها.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾. يقولُ: والذين هم لفروج أنفسهم. وعنى بالفروج في هذا الموضع فروج الرجال، وذلك أَقْبالُهم، ﴿حَافِظُونَ﴾ يَحْفَظُونها من إعمالها في شيءٍ من الفروج، ﴿إِلَّا عَلَى
стр. 11431
أَزْوَجِهِمْ﴾. يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحَلَّهن الله للرجال بالنكاح، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْهُمْ﴾. يَعْنى بذلك إماءَهم.
و ﴿مَا﴾ التى في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ في محلّ خَفْضٍ، عَطْفًا على "الأزواج".
﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. يقولُ: فإن من لم يَحْفَظْ فرجَه عن زوجه ومِلْكِ يمينه، وحفظه عن غيره من الخلقِ، فإنه غيرُ مُوبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكبٌ ذنبًا يُلامُ عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه، ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾. يقولُ: رَضِى الله لهم إتيانهم أزواجهم وما ملكت أيمانهم.
وقولُه: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾. يقولُ: فمن الْتَمَس لفرجِه مَنْكَحًا سِوَى زوجته ومِلْكِ يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. يقولُ: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرَّم عليهم.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: نهاهم الله نهيًا شديدًا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ
стр. 11432
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. فَسَمَّى الزانيَ من العادِين.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. قال: الذين يَتَعَدَّون الحلال إلى الحرام.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبدِ الرحمنِ في قوله ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. قال: من زنَى فهو عادٍ (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ (٢) يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ التي ائتُمِنوا عليها، ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ وهو عقودهم التى عاقَدوا الناسَ، ﴿رَاعُونَ﴾. يقولُ: حافظون لا يُضَيِّعون، ولكنهم يَفُون بذلك كلِّه.
واختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الأمصارِ إلا ابن كثيرٍ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾. على الجمع، وقرأ ذلك ابن كثير: (لأمانَتِهم). على الواحدة (٣).
والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾؛ لإجماع الحجة من القَرَأةِ عليها (٤).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. يقولُ: والذين هم على أوقاتِ
стр. 11433
صلاتِهم (١) يحافظون فلا يُضَيَّعونها، ولا يَشْتَغِلُون عنها حتى تَفُوتَهم، ولكنهم يُراعُونها حتى يُؤَدُّوها فيها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. قال: على وقتها (٢).
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروقٍ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَواتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. قال: على ميقاتها.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الرحمنِ البَرْقِيُّ، قال: ثنا ابن أبى مريم، قال: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: أخبرنا ابنُ زَحْرٍ، عن الأعمش، عن مسلمِ بنِ صُبَيْحٍ، قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. قال: إقام الصلاة لوقتها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: على صلاتهم (٣) دائمون.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. قال: دائمون. قال: يَعْنِى بها المكتوبةَ.
стр. 11434
وقوله: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتُهم في الدنيا، هم الوارثون يومَ القيامةِ منازل أهل النارِ من الجنة.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك رُوى الخبر عن رسول الله ﷺ ، وتَأَوَّله أهل التأويل.
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحدٍ إلا وله منزلان؛ مَنزِلٌ في الجنة، ومنزلٌ في النارِ، وإن مات فدخَل النارَ، وَرِثَ أهلُ الجنةِ مَنزِلَه، فذلك قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ " (١).
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾. قال: يَرِثُون مساكنهم ومساكن إخوانهم التى أُعِدَّت لهم لو أطاعوا الله (٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الأعمش، عن أبي هريرةَ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾. قال: يَرِثُون مساكنهم ومساكن إخوانهم الذين أُعِدَّت لهم لو أطاعوا الله.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: ﴿الْوَارِثُونَ﴾ ﴿الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [مريم: ٦٣] هن سواءٌ.
стр. 11435
قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ: يَرِثُ الذى من أهل الجنة أهله وأهلَ غيره، ومنزلَ الذين من أهل النار، فهم (١) يَرِثُون أهل النار، فلهم مَنزِلان في الجنةِ وأَهْلان؛ وذلك أنه منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمنُ فيُبنَى منزله الذى في الجنة، ويُهْدَمُ منزله الذى في النارِ، وأما الكافرُ فيُهْدَمُ منزله الذى في الجنةِ، ويُبْنَى منزلُه الذي في النار.
قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن ليث بن أبى سُلَيْمٍ، عن مجاهدٍ أنه قال مثل ذلك (٢).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾.
يقول تعالى ذكره: الذين يرثون البستانَ ذا الكَرْمِ. وهو الفردوس عند العرب. وكان مجاهدٌ يقولُ: هو بالرُّومية.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ قال: الفردوس بستانٌ بالرُّومية (٣).
قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ، قال: عَدْنٌ حديقةٌ في الجنة، قَصْرُها فيها عَدْنُها، خلَقها بيده، تُفْتَحُ كلَّ فجرٍ فيَنْظُرُ فيها، ثم يقولُ: قد أفلَح المؤمنون. قال: هى الفردوس أيضًا تلك الحديقةُ. قال مجاهدٌ: غرسها الله بيده، فلما بلغت قال: قد أفلح المؤمنونَ. ثم أمر بها تُغْلَقُ، فلم (٤) يَنظُرْ فيها خَلْقٌ ولا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ثم تُفْتَحُ كلَّ سَحَرٍ، فيَنْظُرُ فيها فيقولُ: قد أفلح المؤمنون. ثم تُغْلَقُ إلى مثلها (٥).
стр. 11436
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة، قال: قُتِل حارثةُ بنُ سُراقة يومَ بدرٍ، فقالت أمه: يا رسول الله، إن كان ابنى من أهل الجنةِ لم أبْكِ عليه، وإن كان من أهل النارِ بالغْتُ في البكاءِ. قال: "يا أمَّ حارثةَ، إنها [جَنَّتان في جنةٍ] (١)، وإن ابنَكِ قد أصابَ الفِرْدَوْسَ الأعلى من الجنة".
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثله (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، عن كعبٍ، قال: خلق الله بيدِه جنة الفردوس، غرسها بيده، ثم قال: تَكَلَّمِي. قالت: قد أفلح المؤمنون (٣).
قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن حُسامِ بنِ مِصَكٍّ، عن قتادة أيضًا مثلَه، غير أنه قال: تَكَلَّمِي. قالت: طُوبَى للمُتَّقين (٤).
قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي داود نُفَيْع، قال: لما خلقها الله، قال لها: تَزَيَّني. فتَزَيَّنت، ثم قال لها: تَكَلَّمِي. فقالت: طُوبَى لمن رَضِيتَ عنه (٥).
стр. 11437
وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾. يعنى: ماكثون فيها. يقولُ: هؤلاء الذين يَرِثون الفردوسَ ﴿خَلِدُونَ﴾. يَعْنِي: ماكثون فيها أبدًا، لا يَتَحَوَّلون عنها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طينٍ (١٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولقد خَلَقْنا الإنسان من سُلالةٍ من طينٍ، أَسْلَلْناه منه. فالسلالةُ هى المُستَلَّةُ من كلِّ تربةٍ؛ ولذلك كان آدم خُلق من تربةٍ أُخِذَت من أدِيمِ الأرض.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل؛ على اختلافٍ منهم في المعنيِّ بالإنسان في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: عُنِى به آدم.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِن طِينٍ﴾. قال: استُلَّ آدم من الطين (١).
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾. قال: استُل آدم من طينٍ، وخُلِقت ذريتُه من ماءٍ مَهِينٍ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدمَ -وهو الإنسانُ الذي ذُكر في هذا الموضعِ- ﴿مِن سُلَالَةٍ﴾ وهى النُّطْفَةُ التي استُلَّت من ظهرِ الفَحْلِ، ﴿مِن طِينٍ﴾ وهو آدم الذى خُلِق من طينٍ.
стр. 11438
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهال بن عمرٍو، عن أبي يحيى، عن ابن عباسٍ: ﴿مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾. قال: صِفْوةِ الماءِ (١).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿مِن سُلَالَةٍ﴾: من مَنيِّ آدمَ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وأَوْلَى القولين في ذلك بالصواب قولُ من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سُلالةِ آدمَ. وهى صفوة (٣) مائه، وآدم هو الطينُ؛ لأنَّه خُلق منه.
وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لدلالة قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ على أن ذلك كذلك؛ لأنَّه معلومٌ أنه لم يَصِرْ في قرارٍ مكينٍ إلا بعد خلقه في صُلبِ الفَحْلِ، ومن بعدِ تَحَوُّلِه من صُلبِه صار في قرارٍ مكينٍ. والعربُ تُسَمِّى ولدَ الرجل ونطفته سَلِيلَه وسُلَالَته؛ لأنهما مَسْلُولان منه. ومن السلالة قولُ بعضهم (٤):
стр. 11439
فحَلَّتْ (١) به عَضْبَ الأَدِيمِ غَضَنْفَرا … سُلالَةَ فَرْجٍ كان غيرَ حَصِينِ
وقول الآخَرِ (٢):
وهل كنت إِلَّا مُهْرَةً عَرَبِيَّةً … سُلالَةَ أَفْراسٍ تَحَلَّلَها بَغْلُ
فمن قال: سُلالةٌ. جَمَعها سُلالاتٍ، وربما جمَعوها سلائلَ، وليس بالكثيرِ؛ لأن السلائل جمعٌ للسليلِ، ومنه قولُ بعضهم:
إذا أُنْتِجَتْ منها المَهَارَى تَشابَهَتْ … على القَوْدِ (٣) إلا بالأُنوفِ سَلائلُهْ
وقول الراجزِ (٤):
*يَقْذِفْنَ في أَسْلَائِها (٥) بالسَّلائِلِ*
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾.
يعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾: ثم جعَلنا الإنسان الذى جعلناه من سلالة من طينٍ ﴿نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾، وهو حيثُ استَقَرَّت فيه نطفةُ الرجلِ من رحمِ المرأةِ. ووصفه بأنه مكينٌ؛ لأنَّه مُكِّن لذلك وهُيِّئ له، ليَسْتَقِرَّ فيه إلى بلوغ أمره الذى جعله له قرارًا.
стр. 11440
وقولُه: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. يقولُ: ثم صيَّرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقةً، وهى القطعة من الدم، ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾. يقول: فجعلنا ذلك الدم مضغة، وهى القطعة من اللحم.
وقولُه: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾. يقولُ: فجعلنا تلك المضغة اللحمَ عظامًا.
وقد اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قَرَأةِ الحجاز والعراق سوى عاصمٍ: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ على الجماع، وكان عاصم وعبد اللهِ بنُ عامرٍ يَقْرآن ذلك: (عَظْمًا) في الحرفين على التوحيد جميعا (١).
والقراءة التي نختارُ في ذلك الجماع؛ لإجماع الحجةِ من القَرَأَةِ عليه (٢).
وقوله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾. يقولُ: فأَلْبَسنا العظام لحمًا.
وقد ذُكِر أن ذلك في قراءة عبدِ اللهِ: (ثُمَّ خَلَقْنَا (٣) النُّطْفَةَ عَظْمًا وعَصَبًا فَكَسَوْناه لحمًا) (٤).
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. يقولُ: ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر.
وهذه الهاء التى في ﴿أَنشَأْنَاهُ﴾ عائدة على "الإنسانِ" في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾. وقد يَجوز أن تكونَ مِن ذكر "العظمِ" و "النطفةِ" و "المضغة" جعل ذلك كله كالشيء الواحد، فقيل: ثم أَنشَأنا ذلك خلقا آخر.
стр. 11441
واختلَف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾؛ فقال بعضُهم: إنشاؤه إياه خلقا آخر نفخُه الروح فيه، فيَصِيرُ حينئذٍ إنسانًا، وكان قبلَ ذلك صورةً.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباس في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: نفخ الروح فيه (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هُشَيْم، عن الحجاج بن أَرْطَاةَ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس بمثله.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: الروحُ.
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عكرمة في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: نفَخ فيه الروحَ (٢).
حدَّثنا ابن بشار وابن المثنَّى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سلمة، عن داودَ ابن أبي هند، عن الشَّعْبى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: نفَخ فيه الروحَ (٣).
قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهد بمثله (٤).
стр. 11442
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: نفَخ فيه الروحَ، فهو الخلقُ الآخرُ الذى ذكَر (١).
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا﴾. يعنى: الروحَ نفخ (٢) فيه بعد الخلق (٣).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: الروح الذي جعله فيه (٤).
وقال آخرون: إنشاؤه خلقا آخر تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة؛ في الطفولةِ، والكُهولةِ، والاغتذاء، ونباتِ الشَّعَرِ والسِّنِّ، ونحوِ ذلك من أحوالِ الأحياء في الدنيا.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالقِينَ﴾. يقولُ: خرَج من بطنِ أمِّه بعدما خُلق، فكان من بَدْءِ خلقِهِ الآخَرِ أن استَهَلَّ، ثم كان من خلقِه أن دُلّ على ثدي أمِّه، ثم كان من خلقه أن عَلم كيف يَبْسُطُ رجليه، إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشَى، إلى أن فُطِم، فعلم كيف
стр. 11443
يَشْرَبُ ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحُلُمَ، إلى أن بلغ أن يَتَقَلَّبَ في البلاد (١).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: يقولُ بعضُهم: هو نباتُ الشَّعَرِ. وبعضُهم يقولُ: هو نفخ الروحِ.
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَهُ (٢).
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: يقالُ: الخلقُ الآخرُ بعدَ خروجه من بطن أمِّه بسِنِّه وشَعَرِه (٣).
وقال آخرون: بل عَنَى بإنشائه خلقًا آخرَ: سَوَّى شبابه.
ذكرُ من قال ذلك.
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد قولَه: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: حين استوَى شبابُه (٤).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهد: حين استوَى به الشبابُ.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال: عنى بذلك نفخَ الروحِ فيه.
стр. 11444
وذلك أنه بنفخ الروح فيه يَتَحَوَّلُ خلقًا آخرَ إنسانًا، وكان قبل ذلك بالأحوالِ التي وصَفه الله أنه كان بها؛ من نطفةٍ، وعلقة، ومضغة، وعظم، وبنفخ الروح فيه يَتَحَوَّلُ عن تلك المعانى كلها إلى معنى الإنسانية، كما تَحوَّل أبوه (١) آدم بنفخ الروح في الطينة التي خُلق منها؛ إنسانًا وخلقا آخرَ غير الطين الذى خُلق منه.
وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فتبارك الله أحسنُ الصانعين.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن ليث، عن مجاهد: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. قال: يَصْنَعون ويَصْنَعُ الله، والله خيرُ الصانعين (٢).
وقال آخرون: إنما قيل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾؛ لأن عيسى ابن مريمَ كان يَخْلُقُ، فأخبَر جلَّ ثناؤُه عن نفسه أنه يَخْلُقُ أَحسَنَ مما كان يَخْلُقُ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، قال: قال ابنُ جُرَيج في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. قال: عيسى ابن مريمَ يَخْلُقُ (٢).
وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العرب تُسمِّى كلَّ صانعٍ خالقًا. ومنه قولُ زُهَيْرٍ (٣):
стр. 11445
ولَأَنت تَفْرِى مَا خَلَقْتَ وبعـ … ـضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِى (١)
ويُرْوَى:
ولَأَنتَ تَخْلُقُ مَا فَرَيْتَ وبعـ … ـضُ القوم يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِى
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ثم إنكم أيُّها الناسُ من بعد إنشائناكم خلقا آخر، وتَصْيِيرِناكم إنسانًا سويًّا، ميِّتون وعائدون ترابًا كما كنتم، ثم إنكم بعد موتكم وعَوْدِكم رُفاتًا باليا مبعوثون من التراب خلقًا جديدًا، كما بدأناكم أوَّل مرة.
وإنما قيل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾؛ لأنَّه خبرٌ عن حالٍ لهم يَحْدُثُ لم يَكُنْ. يكن. وكذلك تقولُ العرب لمن لم يمُتْ: هو مائِتٌ وميِّتٌ عن قليلٍ. ولا يقولون لمن قد مات: مائتٌ. وكذلك: هو طَمِعٌ فيما عندك. إذا وُصف بالطمع، فإذا أُخبر عنه أنه سيفعَلُ ولم يفعل، قيل: هو طامعٌ فيما عندك غدًا. وكذلك ذلك في كلِّ ما كان نظيرًا لما ذكرنا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولقد خلَقْنا فوقكم أيها الناسُ سبع سماوات، بعضُهن فوقَ بعضٍ. والعرب تُسَمِّى كُلَّ شيءٍ فوقَ شيءٍ طَريقةً، وإنما قيل للسماواتِ السبعِ: سبع طرائق. لأن بعضهن فوق بعض، فكلُّ سماءٍ منهن طَرِيقةٌ.
стр. 11446
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِ الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾. قال: الطَّرائق السماوات (١).
وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. يقول: وما كنا في خَلْقِنا السماواتِ السبعَ فوقكم عن خَلْقِنا الذى تحتها غافلين، بل كنا لهم حافظين من أن تَسْقُطَ عليهم فتهلكهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: وأَنزَلْنا من السماء ما في الأرض من ماء، فأسكناه فيها.
كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾: ماءً هو من السماء.
وقولُه: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكنَّاه في الأرضِ لقادِرون أن نَذهَبَ به، فتَهْلِكُوا أَيُّها الناسُ عَطَشًا، وتَخْرَبَ أرَضُوكم، فلا تُنبت زرعًا ولا غَرْسًا، وتَهْلِكَ مَواشِيكم. يقولُ: فمن نعمتى عليكم تَركي ذلك لكم في الأرض جاريًا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾.
يقول تعالى ذكره: فأَحْدَثْنا لكم بالماء الذى أنزلناه من السماء بساتين من نخيلٍ
стр. 11447
وأعناب، ﴿لَّكُم فِيهَا﴾. يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. يقول: ومن الفواكه تأكلون. وقد يجوز أن تكون الهاء والألفُ مِن ذكرِ "الجناتِ"، ويَحتَمِلُ أن تكون من ذكر "النخيل" و "الأعنابِ".
وخَصَّ جل ثناؤه الجناتِ التي ذكرها في هذا الموضعِ، فوصفها بأنها من نخيل وأعناب، دونَ وصفها بسائرِ ثمار الأرضِ؛ لأن هذين النوعين من الثمار كانا هما عُظْمَ (١) ثمار الحجاز وما قَرُبَ منها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذَكَّرَ القومَ بما يَعْرِفون مِن نِعمه عليهم، بما أنعم به عليهم من ثمارها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: وأنشأنا لكم أيضًا شجرةً تَخْرُجُ من طُورِ سَيْناءَ.
و ﴿شَجَرَةً﴾ منصوبةٌ عطفا على "الجناتِ"، ويعنى بها شجرة الزيتون.
وقوله: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾. يقولُ: تَخْرُجُ من جبلٍ يُنْبِتُ الأشجارَ.
وقد بيَّنتُ معنى "الطورِ" فيما مضَى بشواهده، واختلاف المختلفين فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (٢).
وأما قولُه: ﴿سَيْنَاءَ﴾. فإن القَرَأةَ اختَلَفت في قراءته؛ فقَرَأتْه عامة قرَأةِ المدينة والبصرة: (سِيناءَ). بكسر السين. وقرَأ ذلك عامةُ قَرَأَةِ الكوفة: ﴿سَيْنَاءَ﴾. بفتح السين، وهما جميعًا مُجمعون على مدِّها (٣).
стр. 11448
والصوابُ من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتهما قرأ القارى فمصيبٌ.
واختلف أهل التأويل في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: المبارَك. كأن معنى الكلامِ عنده: وشجرةً تَخْرُجُ من جبلٍ مباركٍ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: المبارَكُ (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: هو جبلٌ بالشامِ مباركٌ (٢).
وقال آخرون: معناه: حسنٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ في قوله:
стр. 11449
﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: جبلٌ حسنٌ (١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أَخبرنا عُبَيْدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾. الطور: الجبل بالنبطية، وسيناءُ: حسنةٌ بالنَّبَطيةِ (٢).
وقال آخرون: هو اسم جبل معروف.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: الجبل الذي نُودِى منه موسى ﷺ (٣).
حدَّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: هو جبل الطور الذى بالشامِ، جبل بيت (٤) المقدس. قال: ممدودٌ هو بينَ مصرَ وبين أَيْلَةَ (٥).
وقال آخرون: معناه أنه جبلٌ ذو شجرٍ.
стр. 11450
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عمن قاله (١).
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن سيناءَ اسمٌ أُضِيف إليه الطُّورُ، يُعْرَفُ به، كما قيل: جَبَلا طَيِّئ. فأُضِيفا إلى طَيِّئٍ، ولو كان القول في ذلك كما قال من قال: معناه: جبلٌ مبارَكٌ. أو كما قال من قال: معناه: حسنٌ. لكان الطور منوَّنًا، وكان قوله: ﴿سَيْنَاءَ﴾ من نَعْتِه. على أن سيناء بمعنى مباركٍ وحسنٍ غير معروف في كلام العرب، فيُجْعَل ذلك من نعتِ الجبلِ. ولكنَّ القول في ذلك -إن شاء الله- كما قال ابن عباسٍ، من أنه جبلٌ عُرِف بذلك، وأنَّه الجبل الذي نُودِى منه موسى ﷺ ، وهو مع ذلك مباركٌ، لا (٢) أن معنى سيناء معنى مباركٍ.
وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿تَنْبُتُ﴾؛ فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿تَنبُتُ﴾ بفتح التاء (٣)، بمعنى: تَنْبُتُ هذه الشجرة بثمرِ الدُّهْنِ.
وقرأه بعضُ قَرَأةِ البَصْرةِ: (تُنْبِتُ بالدُّهنِ) بضمِّ التاء (٤)، بمعنى: تُنْبِتُ الدُّهْنَ؛ تُخْرِجُه. وذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ: (تُخْرِجُ الدُّهْنَ) (٥). وقالوا: الباء في هذا الموضع زائدةٌ، كما قيل: أَخَذْتُ ثوبَه، وأَخَذتُ بثوبِه. وكما قال الراجز (٦):