← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12041–12080 · переход к 12046.

стр. 12041

وقال آخرون: معنى ﴿فَارِهِينَ﴾: مُسْتَفْرِهِين مُتَجَبِّرين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، [قال: ثنا سفيانُ] (١)، عن السديِّ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ في قولِه: ﴿فَرِهِينَ﴾. قال: يَتَجَبَّرون. قال أبو جعفرٍ: والصوابُ ﴿فَارِهِينَ﴾. وقال آخرون ممن قرَأه: ﴿فَارِهِينَ﴾: معنى ذلك: كَيِّسِين. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَارِهِينَ﴾. قال: كيِّسين (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ، أنه قرأَ: ﴿فَارِهِينَ﴾. قال: كيِّسِين. وقال آخرون: (فَرِهين): أَشِرِين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. قال: أَشِرِين، ويقالُ: كيِّسين (٣).

стр. 12042

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. قال: شَرِهين (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه. وقال آخرون: معنى ذلك: أقوياءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِين). قال: الفَرِهُ القويُّ (٢). وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به الحسنُ، قال: أخبّرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (فَرِهين). قال: مُعْجَبِين بصنعتِكم (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن قراءةَ مَن قرَأه: ﴿فَارِهِينَ﴾ وقراءةَ من قرَأه: (فَرِهين) قراءتان معروفتان، مُسْتَفِيضةٌ القراءةُ بكلِّ واحدةٍ منهما في علماءِ القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

стр. 12043

ومعنى قراءةِ منَ قرَأه: ﴿فَارِهِينَ﴾: حاذِقين بنحتِها، مُتَخَيِّرين لمواضعِ نحتِها، كيِّسين. مِن الفَراهةِ. ومعنى قراءةِ مَن قرَأه: (فَرِهين): مَرِحين أَشِرِين. وقد يَجوزُ أن يكونَ معنى "فارِهِ" و "فَرِهٍ" واحدًا، فيكونَ "فارهٌ" (١) مبنيًّا على بيانِه (٢)، وأصلُه من "فَعِلَ" "يَفْعَلُ"، ويكونَ "فَرِهٌ" صفةً، كما يقالُ: فلانٌ حاذقٌ بهذا الأمرِ، وحَذِقٌ. ومِن الفارهِ بمعنى المَرِحِ (٣) قولُ الشاعرِ عديِّ بن وداعٍ (٤) العُقَويَّ (٥) مِن الأزْدِ (٦): لا أَسْتَكِينُ إِذا ما أَزْمةٌ أَزَمَتْ … ولن تَرانى بخيرٍ فارِهَ اللَّبَبِ (٧) أي: مرحَ اللَّببِ (٨). وقولُه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاتقُوا عقابَ اللهِ أَيُّها القومُ على معصيتِكم ربَّكم، وخلافِكم أمرَه، وأطِيعوني في نصيحتِي لكم، وإنذارى إياكم عقابَ اللهِ، تَرْشُدوا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ صالحٍ لقومِه من ثمودَ: لا تطيعوا أيُّها القومُ

стр. 12044

أمرَ المسرفين على أنفسِهم، في تمادِيهم في معصيةِ اللهِ، واجترائِهم على سَخَطِه، وهم الرهْطُ التسعةُ الذين كانوا يُفْسِدون في الأرضِ ولا يُصلِحون، من ثمودَ، الذين وصَفهم اللهُ جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]. يقولُ: الذين يسعَون في أرضِ اللهِ بمعاصيه، ﴿ولا يُصلِحون﴾. يقولُ: ولا يُصلِحون أنفسَهم بالعملِ بطاعةِ اللهِ. وقولُه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضهم: معناه: إنما أنت من المسحورين. ذكرُ مَنْ قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. قال: من المسحورين (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. قال: إنما أنت من المسحورين (٢). وقال آخرون: معناه: من المخلوقين.

стр. 12045

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ (١)، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. قال: من المخلوقين (٢). واختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى معنى ذلك؛ فكان بعضُ أهل البصرةِ (٣) يقولُ: كلُّ مَنْ أكَل مِن إنسٍ أو دابةٍ فهو مسحَّرٌ؛ وذلك لأنَّ له سَحْرًا يَقْرِى (٤) ما أكَل فيه. واستَشهد على ذلك بقولِ لَبيدٍ (٥): فإِنْ تَسْأَلينا فيمَ نَحْنُ فَإِنَّنا … عَصَافِيرُ مِنْ هذا الأنامِ المُسَحَّرِ وقال بعضُ نحويِّي الكوفيين (٦) نحوَ هذا، غيرَ أنه قال: أُخِذ من قولِك: انْتَفَخ سَحْرُك. أي: إِنَّك تأكلُ الطعامَ والشرابَ، فتُسَحَّرُ به وتُعَلَّلُ. وقال: معنى قولِ لبيدٍ: مِن هذا الأنامِ المسحَّرِ: من هذا الأنامِ المعلَّلِ المخدوعِ. قال: ويُروى أن السَّحْرَ (٧) من ذلك؛ لأنه كالخديعةِ. والصوابُ من القولِ في ذلك عندى القولُ الذي ذكرتهُ عن ابن عباسٍ؛ أن معناه: إنما أنتَ من المخلوقين الذين يُعلَّلون بالطعامِ والشرابِ مثلَنا، ولستَ ربًّا ولا

стр. 12046

ملَكًا فنُطيعك ونعلمَ أنك صادقٌ فيما تقولُ. والمسحَّرُ: المفعَّلُ من السَّحْرةِ، وهو الذي له سَحْرَةٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ ثمودَ لنبيِّها صالحٍ: ﴿مَا أَنْتَ﴾ يا صالحُ ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ من بنى آدمَ، تأكلُ مما نأكل، وتَشْرَبُ مما نَشْربُ، ولستَ بربٍّ ولا ملَكٍ، فعلامَ نَتَّبِعُك؟ فإن كنتَ صادقًا في قيِلك، وأنَّ الله أَرسَلك إلينا، ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾. يعنى: بدلالةٍ وحجةٍ على أنك محقٌّ فيما تقولُ، إن كنتَ ممن صدَقَنا في دعواه أن الله أرسَلَه إلينا. وقد حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ الكِلابيُّ، قال: ثنا داودُ بنُ أبى الفراتِ، قال: ثنا عِلباءُ بنُ أحمرَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، أن صالحًا النبي ﷺ بعثَه اللهُ إلى قومِه، فآمَنوا به واتبَعوه، فمات صالحٌ، فرَجعوا عن الإسلامِ، فأتاهم صالحٌ فقال لهم: أنا صالحٌ. قالوا: إن كنتَ صادقًا فأتِنا بآيةٍ. فأتاهم بالناقةِ، فكذَّبوه وعقروها، فعذَّبهم الله (١). وقولُه: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. يقول تعالى ذكرُه: قال صالحٌ لثمودَ، لمَّا سألوه آيةً يعلَمون بها صِدْقَه، فأتاهم بناقةٍ أخرَجها من صخرةٍ أو هَضْبةٍ: هذه ناقةٌ يا قومِ، لها شِرْبُ يومٍ ولكم مِثْلُه شِرْبُ يومٍ آخر معلومٍ

стр. 12047

ما لكم مِن الشَّرْبِ ليس لكم في يومِ وِرْدِها أن تشربوا من شِرْبِها شيئًا، ولا لها أن تشربِ في يومِكم مما لكم شيئًا. ويعنى بالشَّرْبِ الحظِّ والنصيبَ من الماءِ. يقولُ: لها حَظَّ مِن الماءِ، ولكم مِثْلُه. والشُّرْبُ والشَّرْبُ والشِّرْبُ مصادرُ كلُّها، بالضمِّ والفتحِ والكسرِ. وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: آخِرُها أقلُّها شُرْبًا، وشِرْبًا (١). وقولُه: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾. يقولُ: لا تَمَسُّوها بما يُؤْذِيها مِن عَقْرٍ وقتلٍ ونحوِ ذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: لا تَعْقِروها. وقولُه: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: فيَحِلَّ بكم مِن اللهِ عَذابُ يومٍ عظيمٍ عذابُه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فخالَفت ثمودُ أمرَ نبيِّها صالحٍ ﷺ فعقروا الناقةَ التي قال لهم صالحٌ: لا تَمَسُّوها بسُوءٍ. فأصبَحوا نادِمِين على عَقْرِهموها، فلم يَنْفَعُهم

стр. 12048

نَدَمُهم، وأَخَذَهم عذابُ اللهِ الذي كان صالحٌ تَوَعَّدهم به، فأَهْلَكهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ: إِنَّ في إهْلاكِ (١) ثمودَ بما فعَلَت مِن عَقْرِها ناقةَ اللهِ، وخلافِها أمرَ نبيِّ اللهِ صالحٍ - لَعِبْرة لمن اعْتَبَر به يا محمدُ مِن قومِك، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ولن يؤمنَ أكثرُهم في سابقِ علم اللهِ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامِه مِن أعدائه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمَن آمَن به مِن خَلْقِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَت قومُ لوطٍ مَن أرسَله اللهُ إليهم مِن الرُّسُلِ، حينَ قال لهم أخوهم لوطٌ: ألَا تَتَّقون الله أيُّها القومُ، إنى لكم رسولٌ مِن ربِّكم، أمينٌ على وَحْيِه وتَبْليغِ رسالتِه، فاتَّقوا الله في أنفسِكم، أن يَحِلَّ بكم عقابُه (٢) على تَكْذيبِكم رسولَه، وأطيعوني فيما دعَوْتُكم إليه، أهْدِكم سبيلَ الرشادِ، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. يقولُ: وما أسألُكم على نَصيحتى لكم ودعايتكم (٣) إلى ربِّى، جزاءً ولا ثوابًا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: ما جَزائي على دعايتكم (٣) إلى الله، وعلى نُصْحِى لكم، وتَبليغِ رسالاتِ اللَّهِ إِليكم، ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾. يعنى بقولِه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: أتَنْكِحون الذُّكْرانَ مِن بني آدمَ

стр. 12049

في أدبارِهم. وقولُه: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾. يقولُ: وتَدَعُون الذي خلَق لكم ربُّكم من أزْواجِكم مِن فُرُوجِهِنَّ، فأحَلَّه لكم. وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (وتَذَرُونَ ما أَصْلَحَ لكم رَبُّكُم مِنْ أَزْوَاجِكم) (١). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾. قال: ترَكْتُم أَقبالَ النساءِ إلى أدْبارِ الرجالِ وأدبارِ النساءِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. وقولُه: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾. يقولُ: بل أنتم قومٌ تَتَجاوَزُون (٣) ما أباحَ لكم ربُّكم وأحَلَّه لكم مِن الفُرُوجِ، إلى ما حرَّم عليكم منها. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾. قال: قومٌ مُعْتَدون (٤).

стр. 12050

القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ لوطٍ له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ﴾ عن نَهْيِنا عن إتيانِ الذكرانِ، ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ مِن بين أَظْهُرِنا وبلدِنا، ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾. يقولُ لهم لوطٌ: إنى لعَمَلِكم الذي تعمَلونه؛ مِن إتْيانِ الذكرانِ في أدْبارِهم، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾. يعنى: مِن المُبْغِضِين، المُنْكِرِين فعلَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاستغاث لوطٌ حينَ توعَّدَه قومُه (١) بالإخراجِ من بلدِهم، إن هو لم يَنْتَهِ عن نَهْيِهم عن ركوبِ الفاحشةِ، فقال: ربِّ نجِّني وأهلي مِن عُقُوبَتِك إياهم على ما يعمَلون من إتْيانِ الذُّكْرانِ. فنجَّنياه وأهله مِن عُقُوبتِنا التي عاقَبْنا بها قومَ لوطٍ أجمعين، ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾. يعنى: في الباقِين؛ لِطُولِ مرورِ السنينَ (٢) عليها، فصارتْ هَرِمَةً، فإنها أُهْلِكت من بين أهلِ لوطٍ؛ لأنها كانت تدلُّ قومَها على الأضْيافِ. وقد قيل: إنما قيل: ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف:٨٣]. لأنها لم تَهْلِكْ مع قومِها في قريتِهم، وأنها إنما أصابَها الحَجَرُ بعدَ ما خرَجَت من قريتِهم مع لوطٍ وابنتَيه، فكانت مِن الغابرِين بعدَ قومِها، ثم أهلَكها اللهُ بما أمطَر على بَقايا قومِ لوطٍ مِن الحجارةِ. وقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضَى بشواهدِه المغْنِيةِ عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣).

стр. 12051

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾. يقولُ (١) تعالى ذكرُه: ثم أهلَكْنا الآخَرِين مِن قومِ لوطٍ بالتَّدْمِيرِ، ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾. وذلك إرسالُ اللهِ عليهم حجارةً من سجِّيلٍ من السماءِ، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. يقولُ: فبئسَ ذلك المطرُ مطرُ القومِ الذين أنذَرهم نبيُّهم فكذَّبوه، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في إهْلاكِنا قومَ لوطٍ الهلاكَ الذي وصَفْنا؛ بتَكْذيبِهم رسولَنا، لعبرةً وعظةً (٢) لقومِك يا محمدُ، يَتَّعِظون بها في تَكْذيبِهم إيَّاك، وردِّهم عليك ما جئتَهم به من عندِ ربِّك من الحقِّ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سابقِ علمِ اللهِ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ بمَنْ آمَن به. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ [الْأَيْكَةِ﴾. والأَيْكَةُ] (٣): الشَّجَرُ المُلتَفُّ، وهى واحدةُ الأَيْكِ، وكلُّ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ فهو عندَ العربِ أَيْكَةٌ، ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (٤): تَجْلُو بِقادِمَتَىْ حَمَامَةِ أَيْكَةٍ … بَرَدًا أُسِفَّ لِثَاتُه بالإثْمِدِ وأصحابُ الأيْكةِ هم أهلُ مَدْيَنَ فيما ذُكِر.

стр. 12052

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، [قال: ثنا أبو صالحٍ] (١)، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: أصحابُ الغَيْضَةِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال: الأَيْكَةُ مجمعُ الشجرِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾. قال: أهلُ مَدْيَنَ، والأيكةُ المُلْتَفُّ مِن الشجرِ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال: الأيكةُ الشجرُ (٥)، بعَث اللهُ إِليهم شُعَيْبًا؛ إلى قومِه (٦) أهلِ مدينَ وإلى أهلِ الباديةِ. قال: وهم أصحابُ لَيْكَةِ، ولَيْكَةُ والأَيْكَةُ واحدٌ (٧). وقولُه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حينَ

стр. 12053

قال لهم شعيبٌ: ألَا تَتَّقون عقابَ اللهِ على معصيتِكم ربَّكم، إنى لكم مِن اللهِ رسولٌ أمينٌ على وَحْيِه، فاتَّقُوا عقابَ اللهِ على خلافِكم أمرَه، وأطيعوني تَرْشُدُوا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما أسألكم على نُصْحِى لكم مِن جَزاءٍ ولا ثوابٍ، ما جَزائي وثَوابى على ذلك إلَّا على ربِّ العالمين، ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾. يقولُ: أَوْفُوا الناسَ حقوقَهم من الكَيْلِ، ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾. يقولُ: ولا تَكونوا ممن يَنْقُصُهم حقوقَهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾. يعنى بقولِه: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ﴾: وزِنُوا بالميزانِ المستقيمِ، الذي لا بَخْسَ فيه على مَن وَزَنتُم له، ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: ولا تَنْقُصوا الناسَ حقوقَهم في الكَيْلِ والوزنِ، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: ولا تُكْثِروا في الأرضِ الفسادَ. وقد بَّيَّنَّا ذلك كلَّه بشواهدِه، واختلاف أهلِ التأويلِ فيه، فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هضا الموضع (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾.

стр. 12054

يقولُ تعالى ذكره: واتَّقوا أيُّها القومُ عقابَ ربِّكم الذي خَلَقَكم وخَلَق الجِبِلَّة الأَوَّلين يعنى بالجِبلَّةِ الخَلْقَ الأوَّلِين. وفي الجِبِلَّةِ للعربِ لغتان؛ كسرُ الجيمِ والباءِ وتشديدُ اللامِ، وضَمُّ الجيمِ والباءِ وتشديدُ اللام، فإذا نُزِعَت الهاءُ من آخِرها كان الضمُّ في الجيمِ والباءِ أكثرَ، كما قال جلّ ثناؤُه: (ولقد أضَلَّ منكم جُبُلًا كَثِيرًا) (١). وربما سَكَّنوا الباءَ من "الجبل"، كما قال أبو ذُؤَيبٍ (٢): مَنايا يُقَرِّبْنَ الحُتُوفَ لِأَهْلِها … جهارًا ويَسْتَمْتِعْنَ بالأَنَسِ الجبْلِ وبنحوِ ما قلنا في معنى "الجِبِلَّةِ" قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: خَلْقَ الأَوَّلِين (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: الخَلِيقةَ (٤) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْجِبِلَّةَ

стр. 12055

الْأَوَّلِينَ﴾. قال: الخَلْق الأَوَّلين؛ الجِبِلَّةُ الخلقُ (١). وقولُه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. يقولُ: قالوا: إنما أنت يا شعيبُ مُعَلَّلٌ، تُعَلَّلُ بالطعامِ والشرابِ، كما نُعَلَّلُ بهما، ولستَ مَلَكًا، ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ تأكُلُ وتشربُ، ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. يقولُ: ومَا نَحسَبُك فيما تُخبِرُنا وتَدْعونا إليه، إلا ممن يَكْذِبُ فيما يقولُ، [فإن كنتَ صادقًا فيما تقولُ] (٢) بأنك رسولُ اللهِ كما تزعُمُ، (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسْفًا (٣) مِنَ السَّمَاءِ). يعنى: قِطَعًا مِن السماءِ. وهى جمعُ كِشفَةٍ، جُمِع كذلك كما تُجمَعُ تمرةٌ تَمْرًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كِسَفًا﴾. يقولُ: قِطَعًا (٤). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: جانِبًا مِن السماءِ (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: ناحيةً مِن السماءِ، عذابٌ، ذلك الكِسَفُ.

стр. 12056

القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال شعيبٌ لقومِه: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: بأعمالِهم، هو بها مُحِيطٌ، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازِيكم بها جزاءَكم، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾. يقولُ: فَكَذَّبه قومُه، ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾. يعنى بالظُّلَّةِ سحابةً ظَلَّلَتْهم (١)، فلما تَتامُّوا تحتَها، الْتَهَبت عليهم نارًا وأَحْرَقَتْهم. وبذلك جاءتِ الآثارُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بن مُعاويةَ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾. قال: أصابَهم حَرٌّ أَقْلَقَهم في بُيُوتِهم، فنَشَأتْ لهم سحابةٌ كهيئةِ الظُّلَّةِ، فابْتَدَروها، فلما تَنامُّوا تحتَها أَخَذَتْهم الرَّجْفَةُ (٢). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ في قولِه: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾. قال: كانوا يَحْفِرون الأشرابَ ليَتَبَرَّدوا فيها، فإذا دخَلوها وجَدوها أشدَّ حرًّا من الظاهرِ، وكانت الظُّلَّةُ سَحابةً. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى جريرُ بنُ حازمٍ أنه سمِع قتادةَ يقولُ: بُعِث شعيبٌ إلى أُمَّتَين؛ إلى قومِه أهلُ مَدْيَنَ، وإلى أصحابِ الأَيْكَةِ،

стр. 12057

وكانت الأَيْكَةُ مِن شجرٍ مُلْتَفٍّ، فلما أرادَ اللهُ أَن يُعَذِّبَهِم بِعَثَ عليهم حرًّا شديدًا، ورفَع لهم العذابَ كأنه سحابةٌ، فلما دَنَتْ منهم خرَجوا إليها رجاءَ بَردِها، فلما كانوا تحتَها مطَرَت عليهم نارًا. قال: فذلك قولُه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثني سعيدُ بنُ زيدٍ أخو حمادِ بنُ زيدٍ، قال: ثنا حاتمُ بنُ أبي صغيرةَ، قال: ثنى يزيدُ الباهليُّ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن هذه الآيةِ: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. فقال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: بعثَ اللهُ عليهم وَمَدَةً (٢) وحَرًّا شديدًا، فَأَخَذ بأَنْفاسِهم، فدخَلوا البيوتَ، فدخَل عليهم أجوافَ البيوتِ، فأخَذ بأنْفاسِهم، فخرَجوا مِن البيوتِ هِرَابًا إلى البرِّيَّةِ، فبعَث اللهُ عليهم سحابةً، فأظَلَّتْهم مِن الشمسِ، فوجَدوا لها بَرْدًا ولَذَّةً، فنادى بعضُهم بعضًا، حتى إذا اجتمَعوا تحتَها، أرسَلها اللهُ عليهم نارًا. قال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: فذلك عذابُ يومِ الظَّلَّةِ، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾. قال: إظْلالُ العذابِ إياهم (٤).

стр. 12058

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾. قال: أَظَلَّ العذابُ قومَ شُعَيبٍ. قال ابن جُرَيجٍ: لمَّا أنزَل اللهُ عليهم أولَ العذابِ، أخَذهم منه حرٌّ شديدٌ، فرفَع اللهُ لهم غَمامةً، فخرَج إليها طائفةٌ منهم ليَسْتَظِلُّوا بها، فأصابَهم منها رَوْحٌ وبَرَدٌ وريحٌ طيبةٌ، فصَبَّ اللهُ عليهم مِن فوقِهم مِن تلك الغَمامةِ عذابًا، فذلك قولُه: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرِ بن راشدٍ، قال: ثنى رجلٌ من أصحابِنا، عن بعضِ العلماءِ، قال: كانوا عَطَّلوا حَدًّا، فوَسَّع اللهُ عليهم في الرزقِ، ثم عَطَّلوا حَدًّا، فَوَسَّع اللهُ عليهم في الرزقِ، فجعَلوا كلما عَطَّلوا حَدًّا وسَّع اللهُ عليهم في الرزقِ، حتى إذا أرادَ اللهُ إهْلاكَهم، سَلَّط عليهم حَرًّا، لا يستطيعون أن يَتَقارُّوا، ولا ينفعُهم ظلٌّ ولا ماءُ، حتى ذهَب ذاهِبٌ منهم فاستَظلَّ تحتَ ظُلَّةٍ، فوجَد رَوْحًا، فنادَى أصحابَه: هَلُمُّوا إلى الرَّوْحِ. فذهَبوا إليه سِراعًا، حتى إذا اجتمعوا أَلْهَبَهَا اللهُ عليهم نارًا، فذلك عذابُ (١) يومِ الظُّلَّةِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، [عن عامرٍ] (٣)، عن ابن عباسٍ، قال: مَن حدَّثك مِن العلماءِ ما عذابُ يومِ الظُّلَّةِ فكَذَّبْه (٤).

стр. 12059

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: قومُ شعيبٍ، حبَس اللهُ عنهم الظلَّ والريحَ، فأصابهم حرٌّ شديدٌ، ثم بعَث اللهُ لهم سحابةً فيها العذابُ، فلما رأَوُا السحابةَ انطلَقوا يؤمُّونها، زعموا يَستَظِلُّون، فاضْطَرمتْ (١) عليهم نارًا فأهلَكتهم (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. قال (٣): بعثَ اللهُ إليهم ظُلَّةً من سحابٍ، وبعَث إلى الشمسِ فأحرَقت ما على الأرضِ، فخرَجوا كلُّهم إلى تلك الظُّلةِ، حتى إذا اجتمعوا كلُّهم، كشَف اللهُ الظُّلةَ، وأحمَى عليهم الشَّمس، فاحتَرقوا كما يَحترِقُ الجرادُ في المِقلَى (٤). وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن عذابَ يومِ الظُّلةِ كان عذابَ يومٍ لقومِ شُعيبٍ عظيمٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ في تعذيبِنا قومَ شُعيبٍ عذابَ يومِ الظلةِ؛ بتكذيبِهم نبيَّهم شُعيبًا، لآيةً لقومِك يا محمدُ، وعبرةً [لمن اعتبرَ] (٥)، إِنِ اعْتبَرُوا أَنَّ سنَّتَنا فيهم بتكذيبِهم إيَّاك، سنتُنا في أصحابِ الأَيْكةِ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ

стр. 12060

مُؤْمِنِينَ﴾ في سابقِ علِمنا فيهم، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمدُ، ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي نِقمتِه ممن انتَقَم منه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن تاب مِن خلقِه، وأناب إلى طاعتِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإنَّ هذا القرآنَ لتنزيلُ ربِّ العالمين. والهاءُ في قولِه: ﴿وَإِنَّهُ﴾. كنايةُ "الذكرِ" الذي في قولِه: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الشعراء: ٥] وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَنْ قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: هذا القرآنُ (١). واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾. فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ: ﴿نَزَلَ بِهِ﴾. مخففةً، و ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ رفعًا (٢). بمعنَى: أَنَّ الروحَ الأمينَ هو الذي نزَل بالقرآنِ على محمدٍ، وهو جبريلُ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلُ الكوفةِ: (نَزَّلَ) مشددةَ الزايِ، (الرُّوحَ الأَمِينَ) نصبًا (٣). بمعنَى: أنَّ ربَّ العالمين نزَّل بالقرآنِ الروحَ الأمينَ، وهو جبريلُ ﵇.

стр. 12061

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إنهما قراءتان مُسْتفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، مُتقارِبنا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ؛ وذلك أن الروحَ الأمينَ إِذْ نزَل على محمدٍ ﷺ بالقرآنِ، لم ينزِلْ به إلا بأمرِ اللهِ إياه بالنُّزولِ، ولن يَجْهَلَ أن ذلك كذلك ذو إيمانٍ باللهِ، وأن الله إِذا أَنزَله به نزَل. وبنحوِ الذي قلنا في أن المعنيَّ بالرُّوحِ الأمينِ في هذا الموضعِ جبريلُ، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾. قال: جبريلُ (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾. قال: جبريلُ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾: جبريلُ (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾. قال: جبريلُ (٤). وقولُه: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾. يقولُ: نزَل به الرُّوحُ الأمينُ فتَلَاه عليك يا محمدُ

стр. 12062

حتى وَعَيْتَه بقلبِك. وقولُه: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. يقولُ: لتكونَ مِن رُسُلِ اللهِ الذين كانوا يُنْذِرون مَن أُرْسِلوا إليه من قومِهم، فتُنْذِرَ بهذا التنزيلِ قومَك المكذِّبِين بآياتِ اللهِ. وقولُه: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. يقولُ: لتُنْذِرَ قومَك بلسانٍ عربيٍّ، ﴿مُبِينٍ﴾ يَبِينُ لمَن سمِعه أنه عربيٌّ، وبلسانِ العربِ نزَل. والباءُ مِن قولِه: ﴿بِلِسَانٍ﴾. من صلةِ قولِه: ﴿نَزَلَ﴾. وإنما ذكَر تعالى ذكرُه أنه نزَّل هذا القرآن بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ في هذا الموضعِ، إعْلامًا منه مُشْرِكى قريشٍ أنه أنزَله كذلك؛ لئلا يقولوا: إنه نزَل بغيرِ لسانِنا، فنحنُ إِنما نُعرِضُ عنه ولا نسمعُه؛ لأنَّا لا نفهَمُه. وإنما هذا تقريعٌ لهم، وذلك أنه تعالى ذكرُه قال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥]. ثم قال: لم يُعْرِضوا عنه (١) لأنهم لا يفهَمون مَعانيَه، بل يفهَمونها؛ لأنه تنزيلُ ربِّ العالمين، نزَّل به الروحُ الأمينُ بلسانِهم العربيِّ، ولكنهم أعرَضوا عنه تَكْذيبًا به واسْتكبارًا، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: ٦]. كما أتَى هذه الأمم التي قَصَصْنا نبأَها في هذه السورةِ حينَ كَذَّبَت رُسُلَها، أنباءُ ما كانوا به يُكَذِّبون. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)﴾.

стр. 12063

يقولُ تعالى ذكرُه: وإن هذا القرآنَ ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾. يعنى: في كُتُبِ الأوَّلين. وخرَج مَخْرَجَ العمومِ، ومعناه الخصوصُ، وإنما هو: وإنَّ هذا القرآنَ لفى بعضِ زُبُرِ الأَوَّلين. يعنى أن ذكرَه وخبرَه في بعضِ ما أُنزِل من الكتبِ على بعضِ رُسُلِه. وقولُه: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يكنْ لهؤلاء المُعْرِضين عمَّا يَأْتِيك يا محمدُ مِن ذكرٍ من ربِّك، دَلالةً على أنك رسولُ ربِّ العالمِين، أن يعلمَ حقيقةَ ذلك وصحَته علماءُ بنى إسرائيلَ. وقيل: عُنِي بعلماءِ بنى إسرائيلَ في هذا الموضعِ، عبدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، ومَن أشْبَهَه، ممن كان قد آمَن برسولِ اللهِ ﷺ مِن بني إسرائيلَ في عصرِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: كان عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ من علماءِ بنى إسرائيلَ، وكان مِن خيارِهم، فآمَن بكتابِ محمدٍ ﷺ ، فقال لهم اللهُ: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وخيارُهم (١)! حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 12064

في قولِه: ﴿عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وغيرُه (١) مِن علمائِهم (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾. قال: محمدٌ، ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾. قال: يعرِفَه، ﴿عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال ابن جُرَيجٍ: قال مجاهدٌ: علماءُ بني إسرائيلَ: عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وغيرُه مِن علمائِهم. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: أوَ لم يكنِ النبيُّ (٣) ﴿آيَةً﴾: علامةً، أن علماءَ بنى إسرائيلَ كانوا يعلَمون أنهم كانوا يَجِدونه مكتوبًا عندَهم (٤)! وقولُه: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولو نزَّلنا هذا القرآنَ على بعضِ البهائمِ التي لا تَنْطِقُ. وإنما قيل: ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾. ولم يَقُلْ: على بعضِ الأعْجَمِيِّين؛ لأن العربَ تقولُ - إذا نَعَتَتِ الرجلَ بالعُجْمةِ، وأنه لا يُفصِحُ بالعربيةِ -: هذا رجلٌ

стр. 12065

أعْجَمُ. وللمرأةِ: هذه امرأةٌ عجماءُ. وللجماعةِ: هؤلاء قومٌ عُجْمٌ وأَعْجَمُون. وإذا أُريد به (١) هذا المعنى وُصِف به العربيُّ والأعْجَميُّ (٢)؛ لأنه إنما يعنى أنه غيرُ فصيحِ اللسانِ، وقد يكونُ كذلك وهو مِن العربِ. ومِن هذا المعنى قولُ الشاعرِ (٣): مِن وَائِلٍ لا حَيَّ يَعْدِلُهم … مِن سُوقَةٍ عَرَبٌ ولا عَجَمُ فأما إذا أُريدَ به نسبةُ الرجلِ إلى أصلِه من العَجَمِ، لا وصفُه بأنه غيرُ فصيحِ اللسانِ، فإنه يقالُ حينَئذٍ: هذا رجلٌ عَجَمِيٌّ، وهذان رَجُلان عَجَمِيَّان، وهؤلاء قومٌ عَجَمٌ. كما يقالُ: عربيٌّ، وعَرَبيَّان، وقومٌ عَرَبٌ. وإذا قيل: هذا رجلٌ أَعْجَميٌّ (٤). فإنما نُسِب إلى نفسِه كما يقالُ للأحمرِ: هذا أَحْمَرِيٌّ ضخمٌ. وكما قال العجاجُ (٥): والدَّهْرُ بالإِنسانِ دَوَّارِيُّ ومعناه: دَوَّارٌ. فَنَسَبه إلى فعلِ نفسِه. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبى موسى، قال: كنتُ واقفًا إلى جَنْبِ عبدِ اللهِ بن مُطِيعٍ بِعَرَفةَ، فتَلا هذه الآية: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: لو نزَل على بَعِيرى هذا فتكلَّم به، ما آمَنوا به - لقالوا: لولا فُصِّلَتْ آيَاتُه، حتى يَفْقَهَه عربيٌّ

стр. 12066

وعجميٌّ - لو فعَلنا ذلك. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ داودَ بنَ أبي هندٍ، عن محمدِ بن أبي موسى، قال: كان عبدُ اللهِ بنُ مُطِيعٍ واقفًا بعرفةَ، فقرأ هذه الآيةَ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾. قال: فقال: جَمَلِى هذا أعجمُ، فلو أُنزِل على هذا ما كانوا به مُؤمنين (١). ورُوِى عن قتادةَ في ذلك ما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾. قال: لو أنزَله اللهُ أعْجَمِيًّا، كانوا أخسَّ (٢) الناسِ به؛ لأنهم لا يعرِفون العَجَميَّةَ (٣). وهذا الذي ذكَرناه عن قتادةَ قولٌ لا وجهَ له؛ لأنه وجَّه الكلامَ إلى أن معناه: ولو نزَّلْناه أَعْجَمِيًّا. وإنما التنزيلُ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾. يعنى: ولو نَزَّلْنا هذا القرآنَ العربيَّ على بهيمةٍ مِن العَجَمِ أو بعضِ ما لا يُفْصِحُ. ولم يَقُلْ: ولو نزَّلناه أعجميًّا. فيكونُ تأويلُ الكلامِ ما قالَه. وقولُه: ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: فقرَأ هذا القرآنَ على كفارِ قومِك يا محمدُ، الذين حَتَمْتُ عليهم ألَّا يؤمِنوا - ذلك الأعجمُ: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: لم يكونوا ليؤمِنوا به؛ لِما قد جرَى لهم في سابقِ علمى مِن الشَّقاءِ. وهذا تَسْليةٌ مِن اللهِ نبيَّه محمدًا ﷺ عن قومِه؛ لئلا يَشْتَدَّ وَجُدُه بإدْبارِهم

стр. 12067

عنه، وإعْراضِهم عن الاستماعِ لهذا القرآنِ؛ لأنه كان ﷺ شديدًا حِرْصُه (١) على قَبُولِهم منه، والدُّخولِ فيما دَعاهم إليه، حتى عاتَبه ربُّه على شدَّةِ حِرْصِه على ذلك منهم، فقال له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]. ثم قال مُؤْيِسَه مِن إيمانِهم، وأنهم هالِكون ببعضِ مَثْلَاتِه، كما هلَك بعضُ الأممِ الذين قَصَّ عليهم قَصَصَهم في هذه السورةِ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ يا محمدُ لا عليك، فإنك رجلٌ منهم، ويقولون لك: ما أنت إلا بشرٌ مِثْلُنا، وهَلَّا نزَل به مَلَكٌ. فقرَأ ذلك الأعجمُ عليهم هذا القرآنَ، ولم يَكُنْ لهم عِلَّةٌ يدفَعون بها أنه حقٌّ، وأنه تنزيلٌ مِن عندى ما كانوا به، مُصَدَّقين، فخَفَّضْ مِن حِرْصِك على إيمانِهم به. ثم وكَّد تعالى ذكرُه الخبرَ عما قد حَتَمَ على هؤلاء المشركين الذين آيَسَ نبيَّه محمدًا ﷺ مِن إيمانِهم - من الشَّقاء والبَلاءِ، فقال: كما حَتَمْنا على هؤلاء أنهم لا يؤمِنون بهذا القرآنِ، ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾، فقرَأه عليهم: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ التكذيبَ والكفرَ ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. ويعنى بقولِه: "سَلَكْنا": "أدخَلْنا" (٢). والهاءُ في قولِه: ﴿سَلَكْنَاهُ﴾. كنايةٌ مِن ذكرِ قولِه: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾. كأنه قال: كذلك أدخَلْنا في قلوبِ المُجرمين تركَ الإيمانِ بهذا القرآنِ. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه:

стр. 12068

﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾. قال: الكفرَ ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (٢). حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ (٣) بنُ أبي الزَّرقاءِ، عن سفيانَ، عن حُمَيدٍ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: خَلَقناه. قال: ثنا زيدٌ، عن حمادِ بن سَلَمَةَ، عن حُمَيدٍ، قال: سألتُ الحسنَ في بيتِ أبي خليفةَ عن قولِه: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: الشِّرْكَ، سَلَكه في قلوبِهم (٤). وقولُه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. يقولُ: فعَلنا ذلك بهم لئلا يصدِّقوا بهذا القرآنِ حتى يَرَوُا العذاب الأليمَ في عاجلِ الدنيا، كما رأتْ ذلك الأممُ الذين قَصَّ اللهُ قصصَهم في هذه السورةِ. ورُفِع قولُه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأن العربَ مِن شَأْنِها إذا وضَعَت في موضعٍ مثلَ هذا الموضعِ "لا"، ربَّما جزَمَت ما بعدَها، وربما رفَعَت. فتقولُ: رَبَطْتُ الفرسَ لا تَنْفَلِت، وأحكَمْتُ العِقْدَ لا يَنْحَلّ. جزمًا ورفعًا. وإنما تفعلُ ذلك لأن تأويلَ ذلك: إن لم أُحْكِمِ العِقْدَ انحلَّ. فجزْمُه على التأويلِ، ورفْعُه بأن الجازمَ غيرُ ظاهرٍ.

стр. 12069

ومِن الشاهدِ على الجزمِ في ذلك قولُ الشاعرِ (١): لو كُنتَ إذ جئْتَنا حاولتَ رُؤْيتَنا … أو جِئْتَنا ماشِيًا لا يُعْرَفِ الفرسُ وقولُ الآخرِ (٢): لَطالَما حَلَّأْتُماها (٣) لا تَرِدْ فَخَلِّيْاها والسِّجالَ تَبْتَرِدْ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فيأتي هؤلاء المُكذِّبين بهذا القرآنِ العذابُ الأليمُ ﴿بَغْتَةً﴾. يعنى فجأةً، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: لا يعلَمون قبلَ ذلك بمَجيئِه حتى يَفْجَأَهم بَغْتَةً، ﴿فَيَقُولُوا﴾ حينَ يأتِيهم بَغْتَةً: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾. أي: هل نحن مُؤَخَّرٌ عَنَّا العذابُ، ومُنْسَأٌ في آجالِنا لنتوبَ ونُنِيبَ إِلى اللهِ مِن شِرْكِنا وكفرِنا باللهِ، فنُراجِعَ الإيمانَ به ونُنِيبَ إلى طاعتِه؟ وقولُه: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفبعذابِنا هؤلاء المشركون يَسْتعجِلون، بقولِهم: لن نؤمنَ لك حتى تُسْقِطَ السماءَ كما زعمت علينا كِسَفًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم جاءَهم العذابُ الذي كانوا يُوعَدون على كفرِهم

стр. 12070

بآياتِنا، وتكْذيبِهم رسولَنا، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾. يقولُ: أَيَّ شيءٍ أغنَى عنهم التأخيرُ الذي أخَّرْنا في آجالِهم، والمتاعُ الذي مَتَّعْناهم به مِن الحياةِ، إذ (١) لم يُتوبوا مِن شِرْكِهم؟ هل زادَهم تَمتِيعُنا إياهم ذلك إلا خبالًا، وهل نَفَعهم شيئًا؟ بل ضَرَّهم بازديادِهم مِن الآثامِ واكْتسابِهم من الأجرامِ ما لو لم (٢) يُمَتَّعوا لم يَكْتَسِبوه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكفرِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَا أَهْلَكْنا مِن أهلِ (٤) قريةٍ من هذه القرى التي وَصَفت (٥) في هذه السورةِ (٦)، ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾. يقولُ: إلا بعدَ إرسالِنا إليهم رسلًا يُنذِرونهم بأسَنا على كفرِهم، وسُخْطَنا عليهم. ﴿ذِكْرَى﴾. يقولُ: إلا لها مُنذِرون يُنذِرونهم، تذكرةً لهم وتنبيهًا لهم على ما فيه النجاةُ لهم من عذابِنا. ففى "الذكرى" (٧) وجهان مِن الإعرابِ؛ أحَدُهما النَّصْبُ على المصدَرِ مِن

стр. 12071

الإنذارِ، على ما بيَّنتُ. والآخَرُ، الرفعُ على الابتداءِ، كأنه قِيلَ: ذكرى. وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن مجاهدٍ: عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى﴾. قال: الرسلُ (١). قال ابن جريجٍ: وقولُه: ﴿ذِكْرَى﴾. قال: الرسلُ. وقولُه: ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. يقولُ: وما كنا ظالِميهم في تعذيبِناهم وإهلاكِهم؛ لأنا إنما أهلَكناهم إذ عَتَوْا علينا، وكفَروا نعمتَنا، وعبَدوا غيرَنا، بعدَ الإعذارِ إليهم (٢) والإنذارِ، ومتابعةِ الحُجَجِ عليهم بأن ذلك لا ينبغى لهم (٣) أن يفعَلوه، فأَبَوْا إلا التماديَ في الغيِّ. وقولُه: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما تَنَزَّلت بهذا القرآنِ الشياطينُ على محمدٍ، ولكنه يَنزلُ به الرُّوحُ الأمينُ. ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾. يقولُ: وما ينبغى للشياطينِ أن يَتنزَّلوا (٤) به عليه، ولا يصلُحُ لهم ذلك، ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. يقولُ: وما يستطيعون أن يَتنزَّلوا به؛ لأنهم لا يَصِلون إلى استماعِه في المكانِ الذي هو به من السَّماءِ، ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾.

стр. 12072

يقولُ: إن الشياطينَ عن سمع القرآنِ مِن المكانِ الذي هو به من السماءِ لمعزولون، فكيف يستطيعون أن يتنزَّلوا به! وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾. قال: هذا القرآنُ. وفي قولِه: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾. قال: عن سمعِ السماءِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه، إلا أنه قال: عن سمعِ القرآنِ. والقرأةُ مجمعةٌ على قراءةِ: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ بالتاءِ (٢) ورفعِ النونِ؛ لأنها نونٌ أصليةٌ. واحدُهم شيطانٌ، كما واحدُ البَساتِين بُسْتانٌ. وذُكِر عن الحسنِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وما تَنَزَّلَت به الشَّياطُونَ) بالواوِ (٣). وذلك لحنٌ، ويَنْبَغى أن يكونَ ذلك إن كان صحيحًا عنه، أن يكونَ توَهَّم أن ذلك نظيرُ المسلمين والمؤمنين، وذلك بعيدٌ مِن هذا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾.

стр. 12073

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿فَلَا تَدْعُ﴾ يا محمدُ، ﴿مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. أي (١): لا تَعْبُدُ معه معبودًا غيرَه، ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾. فَيَنْزِلَ (٢) بك من العذابِ ما نزَل بهؤلاء (٣) الذين خالَفوا أمرَنا وعبَدوا غيرَنا. وقولُه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وأَنْذِرْ عشيرتَك من قومِك الأقرَبين إليك قرابةً، وحذِّرْهم مِن عذابِنا أن يَنْزِلَ بهم (٤) بكفرِهم. وذُكِر أن هذه الآيةَ لما نزَلَت بدَأ ببنى جدِّه عبدِ المطلبِ وولدِه، فحذَّرهم وأَنْذَرَهم. ذكرُ [الروايةِ بذلك] (٥) حدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يا صفيةُ بنتَ عبدِ المطلبِ، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، يا بني عبدِ المطلبِ، إنى لا أَمْلِكُ لكم مِن اللهِ شيئًا، سَلُوني مِن مالى ما شئْتُم" (٦). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثني أَبِي ويونسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (٧).

стр. 12074

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، قال: لما نزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قام النبيُّ ﷺ فقال: "يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، ويا صفيةُ ابنةَ عبدِ المطلبِ". ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن المِقْدامِ (١). حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا سَلَامةُ، قال: قال عُقَيْلٌ: ثنى الزهريُّ، قال: قال سعيدُ بنُ المسيبِ و [أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ] (٢): إن أبا هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: "يا معشرَ قريشٍ، اشْتَرُوا أنفسَكم مِن اللهِ، [لا أُغْنى عنكم مِن اللهِ] (٣) شيئًا، يا بني عبدِ مَنافٍ، لا أُغْنِى عنكم مِن اللهِ شيئًا، يا عباسُ بنَ عبدِ المطلبِ، لا أُغْنِى عنك مِن اللهِ شيئًا، [يا فاطمةُ بنتَ رسولِ اللهِ، لا أُغْنى عنكِ مِن اللهِ شيئًا] (٤)، سَلينى ما شِئْتِ، لا أُغْنِى عنك مِن اللهِ شيئًا" (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: ثنا أبو اليَمانِ، قال: أخبَرنا شعيبٌ، عن الزهريِّ، قال: أخبَرنى سعيدُ بنُ المسيبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال: "يا معشرَ قريشٍ، اشْتَرُوا أنفسَكم مِن اللهِ". ثم ذكَر نحوَ حديثِ يونُسَ، عن

стр. 12075

سَلَامةَ، غير أنه زاد فيه: "يا (١) صفيةُ عمةَ رسولِ اللهِ، لا أُغْنِى عنكِ مِن اللهِ شيئًا". ولم يَذْكُرْ في حديثِه فاطمةَ (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: ثنا سَلَامةُ بنُ رَوْحٍ، قال: قال عُقَيْلٌ: ثني ابن شهابٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ لما أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. جمعَ قريشًا، ثم أتاهم، فقال لهم: "هل فيكم غريبُ؟ ". فقالوا: لا، إلا ابنَ أختٍ لنا، لا نَراه إلا منا. قال: "إنه منكم". فوعَظَهم رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم قال لهم في آخرِ كلامِه: "لا أَعْرِفَنَّ ما ورَد عليَّ الناسُ يومَ القيامةِ يَسُوقون الآخرةَ، وجئُتُم إليَّ تَسُوقون الدنيا". حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يُونُسُ، عن ابن شهابٍ، أخبَرنى سعيدُ بنُ المسيبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ حينَ أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: "يا معشرَ قريشٍ، اشْتَروا أنفسَكم مِن اللهِ، لا أُغْنى عنكم مِن الله شيئًا، يا بني عبدِ المطلبِ، لا أُغْنى عنكم مِن اللهِ شيئًا، يا عباسُ بنَ عبدِ المطلبِ، لا أُغْنِى عنك مِن اللهِ شيئًا، يا صفيةُ عمةَ رسولِ اللهِ، لا أُغْنِى عنكِ مِن اللهِ شيئًا، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، سَلِينى ما شئتِ، لا أُغْنى عنك مِن اللهِ شيئًا" (٣). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سَمِعْتُ الحجاجَ يُحَدِّثُ عن عبدِ الملكِ بن عميرٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: لما أنْزَل اللهُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال نبيُّ اللهِ ﷺ : "يا معشرَ قريشٍ،

стр. 12076

أنْقِذوا (١) أنفسَكم من النار، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، أَنْقِذى (٢) نفسَك مِن النارِ، إلَّا أن لكم رحمًا سأَبُلُّها (٣) ببِلالِها". حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن زائدةَ، عن عبدِ الملكِ بنُ عُمَيرٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن أبي هريرةَ، قال: لما نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. دَعا رسولُ اللهِ ﷺ قريشًا، فعَمَّ وخَصَّ، فقال: "يا معشرَ قريشٍ، اشْتَرُوا أنفسَكم مِن اللهِ، يا معشرَ بني كعبِ بن لُؤَيٍّ، يا معشرَ بني عبدِ مَنَافٍ، يا معشرَ بني هاشمٍ، يا معشرَ بني عبدِ المطلبِ - يقولُ لكُلِّهم - أنْقِذُوا (٤) أنفسَكم مِن النارِ، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، أنْقِذى نفسَك مِن النارِ، فإني واللهِ ما أَمْلِكُ لكم مِن اللهِ شيئًا، إلَّا أن لكم رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِها" (٥). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: ثنا أبو عثمانَ، عن زُهَيرِ بن عمرٍو وقبِيصةَ بن مُخارقٍ، أنهما قالا: أنزَل اللهُ على نبيِّ اللهِ ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. فحُدِّثْنا عن نبيِّ اللهِ ﷺ ، أنه عَلا صخرةً مِن جبلٍ، فَعَلا أَعْلَاها حَجَرًا، ثم قال: "يا آلَ عَبْدِ مَنَافَاهْ، يا صَبَاحَاهْ، إني نذيرٌ، إن مَثَلِى ومَثَلَكم مَثَلُ رجلٍ أتَى الجيشَ، فخَشِيَهم علَى

стр. 12077

أهْلِه، فذهَب يَرْبَؤُهم (١)، فخَشِيَ أَن يَسْبِقوه إلى أَهْلِهِ، فَجَعَل يَهْتِفُ بهم: يا صَبَاحَاهُ". أو كما قال (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن عوفٍ، عن قَسَامة بن زُهَيرٍ، قال: بَلَغني أنه لمَّا نزَل على رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ كما جاء فوضَع إصْبَعَه في أُذُنِه، ورفَع مِن صوتِه، وقال: "يا بني عبدِ منافٍ، وَاصَبَاحَاهُ" (٣). قال: ثني أبو عاصمٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن قَسَامَةَ بن زُهَيْرٍ، قال: أَظُنُّه عن الأشعريِّ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا أبو زيدٍ الأنصاريُّ سعد بنُ أوسٍ، عن عوفٍ، قال: قال قَسَامةُ بنُ زُهَيرٍ: حدَّثنى الأشعريُّ، قال: لمَّا نزلَت. ثم ذكَر نحوَه، إلَّا أنه قال: وضَع إصْبَعَيه في أُذُنَيه (٤).

стр. 12078

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بنُ مُرَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قامَ رسولُ اللهِ ﷺ على الصَّفَا، ثم نادَى: "يا صَبَاحَاهُ". فاجتَمع الناسُ إليه، فبينَ رجلٍ يَجِيءُ، وبينَ آخَرَ يبعَثُ رسولَه، فقال: "يا بني هاشمٍ، يا بنى عبدِ المُطَّلِبِ، يا بنى فِهْرٍ، يا بَنِي، يا بَنِي، أرأَيْتَكُم لو أخبَرْتُكم أن خَيلًا بِسَفْحِ هذا الجبلِ تريدُ أن تُغِيرَ عليكم صَدَّقْتُموني؟ ". قالوا: نعم. قال: "فإني نَذِيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لَهَبٍ: تبًّا لكم سائرَ اليومِ، ما دَعَوْتُمونى إلا لهذا؟ فنزلَت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١) [المسد: ١]. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن سعيدِ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: صَعِد رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ الصَّفا، فقال: "يا صَباحَاهْ". فاجتَمعَت إليه قريشٌ فقالوا له: ما لَك؟ فقال: "أرأيْتَكُم إن أخْبَرْتُكم أن العدوَّ مُصَبِّحُكم أو مُمَسِّيكم، ألَا كنتُم تُصَدِّقونني؟ ". قالوا: بلى. قال: "فإنى نذيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لَهَبٍ: تَبًّا لك، ألهذا دَعَوْتَنا، أو جَمَعْتَنا؟ فأنزل اللهُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ المسد: ١] إلى آخرِ السورةِ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بنُ مُرَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ: (وأنْذِرْ عشيرتَك

стр. 12079

الأقربين. ورهْطَك منهم المُخْلَصين) (١). خرَج رسولُ اللهِ ﷺ حتى صَعِدَ الصَّفا، فهَتَف: "يا صَبَاحاهْ". فقالوا: مَن هذا الذي يَهْتِفُ؟ فقالوا: محمدٌ. فاجتَمَعوا إليه، فقال: "يا بَنى فُلَانٍ، يا بَنِي فُلَانٍ، يا بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ". فاجتَمعَوا إليه، فقال: "أَرَأَيْتَكم إن أَخْبَرْتُكم أن خَيْلًا تخرُجُ بِسَفْحِ هذا الجبلِ أكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟ ". قالوا: ما جَرَّبْنا عليك كَذِبًا. قال: "فإني نذيرٌ لكم بينَ يَدَيْ عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لَهَبٍ: تَبًّا لك، ما جَمَعْتَنا إلا لهذا؟ ثم قامَ فنزَلت هذه السورةُ: (تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ وقَد تبَّ) (٢). كذا قرأ الأعمشُ إلى آخرِ السورةِ (٣). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن حبيبٍ، سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. خرَج رسولُ اللهِ ﷺ فقامَ على الصَّفا، فقال: "يا صَبَاحاهْ". قال: ثنا خالدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قام رسولُ اللهِ ﷺ على الصَّفَا، فقال: "يا صَبَاحاهْ". فجعَل يُعدِّدُهم: "يا بَنِي فُلَانٍ، ويا بَنى فُلَانٍ، ويا بَنِي عبدِ مَنَافٍ" (٤).

стр. 12080

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن عمرِو بن مُرَّةَ الجَمَليِّ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال: أَتَى جَبَلًا فجعَل يَهْتِفُ: "يا صَبَاحاهْ". فأتاه مَن خَفَّ مِن الناسِ، وأرسَل إليه المُتَثاقِلون مِن الناسِ رُسُلًا، فجعَلوا يَجِيئُون يَتَّبِعون الصوتَ، فلما انتهوا إليه قال: "إنَّ منكم مَن جَاءَ ليَنْظُرَ، ومنكم مَن أُرْسِل ليَنْظُرَ مَن الهاتِفُ". فلما اجتَمَعوا وكَثُروا قال: "أَرَأَيْتَكم (١) لو أخبَرْتُكم أن خَيْلًا مُصَبِّحتُكم مِن هذا الجبلِ، أكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟ ". قالوا: نعم، ما جَرَّبْنا عليك كَذِبًا. فقرَأ عليهم هذه الآياتِ التي أُنْزِلْنَ، وأَنْذَرَهم كما أُمِر، فجَعَل يُنَادِى: "يا قريشُ، يا بني هاشمٍ". حتى قال: "يا بنى عبدِ المُطَّلِبِ، إني نَذِيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ" (٢). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عمرٍو أنه كان يقرأُ: (وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، ورَهْطَكَ المُخْلَصين) (٢). قال: ثنا سلَمَةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ الغفارِ بن القاسمِ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنُ الحارثِ بن نوفلِ بن الحارثِ بن عبدِ المطلبِ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دَعاني رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال لي: "يا عليُّ، إِنَّ الله أَمَرَنِى أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرتى الأَقْرَبِين". قال: "فَضِقْتُ بذلك ذَرْعًا، وعَرَفْتُ أني متى ما أُنادِهم بهذا الأمرِ أَرَ منهم ما أكرَهُ، فصَمَتُّ حتى جاء جبريلُ، فقال: يا محمدُ، إنك إلَّا تَفْعَلْ ما تُؤْمَرُ به يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ. فَاصْنَعْ لنا صاعًا مِن طعامٍ، واجْعَلْ
следующие страницы →