← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12251–12290 · переход к 12256.

стр. 12251

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: بنو إسرائيلَ (١). وقولُه: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾. أي (٢): وُلاةً وملوكًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾. أي: ولاةَ الأمرِ (٣). وقولُه: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. يقولُ: ونَجْعَلَهم وُرّاثَ آلِ فرعونَ، يَرثُون الأرضَ مِن بعدِ مَهْلِكهم (٤). وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. أي: يَرِثُون الأرضَ بعدَ فرعونَ وقومِه (٥).

стр. 12252

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. يقولُ: يَرِثون الأرضَ بعدَ فرعونَ (١). وقولُه: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ونُوَطِّئَ لهم في أرضِ الشامِ ومصرَ، ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾. كانوا قد أُخبروا أن هلاكَهم على يدِ رجلٍ من بني إسرائيلَ، فكانوا مِن ذلك على وَجلٍ منهم؛ ولذلك كان فرعونُ يُذَبِّحُ أبناءهم، ويَستَحْيى نساءَهم، فأَرَى اللهُ فرعونَ وهامانَ وجنودَهما (٢) من بنى إسرائيلَ، على يدِ موسى بن عِمرانَ نبيِّه، ما كانوا يَحْذَرُونه منهم؛ من هلاكِهم، وخرابِ منازلِهم ودُورِهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾: شيئًا ما حَذِر القومُ. قال: وذُكِر لنا أن حازيًا حَزَا لعدوِّ اللهِ فرعونَ، فقال: يُولَدُ في هذا العامِ غلامٌ من بني إسرائيلَ، يَسْلُبُك ملكَك. فتَتَبَّعَ أبناءَهم ذلك العامَ، يُقَتِّلُ أبناءَهم، ويَستَحْيى نساءَهم؛ حَذرًا مما قال له الحازِى (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: كان لفرعونَ رجلٌ ينْظُرُ له ويُخبِرُه - كأنه (٤) يعني أنه (٥) كاهنٌ - فقال له: إنه يُولَدُ في هذا العامِ غلامٌ يَذْهَبُ مُلْكِكم. فكان فرعونُ يُذَبِّحُ أبناءَهم، ويَسْتَحْيى

стр. 12253

نساءَهم حذرًا. فذلك قولُه: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (١). واختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأةِ الحجازِ والبصرةِ وبعضُ الكُوفيين: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. بمعنى: ونُرِيَ نحن. بالنونِ عطفًا بذلك على قولِه: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ﴾ (٢). وقرأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ الكُوفَةِ: (ويَرَى فِرْعَوْنُ). على أن الفعلَ لفرعونَ، بمعنى: ويُعاينَ فرعونُ. بالياءِ من "يَرَى"، ورَفْعِ "فرعونَ" و"هامان" و"الجنودِ" (٣). والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قرأةِ الأمصارِ، متقاربَتا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القَرَأَةِ، فبأيَّتهما قرأ القارئُ فهو مصيبٌ؛ لأنه معلومٌ أن فرعونَ لم يكنْ لِيَرَى من موسى ما رأى إلا بأن يُرِيَه اللهُ منه، ولم يكنْ لِيُريَه اللهُ تعالى ذكرُه ذلك منه إلا رآه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأوْحيْنا إلى أُمِّ موسى حينَ ولَدت موسى أن أرْضِعيه. وكان قتادةُ يقولُ في معنى ذلك: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾: قذَفنا في قلبِها. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ

стр. 12254

مُوسَى﴾: وحيًا جاءَها من اللهِ، فقَذَف في قلبِها - وليس يوحي نبوةٍ - أن أرْضِعى موسى، ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ الآية (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾. قال: قذَف في نفسِها (٢). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أمرَ فرعونُ أن يُذْبَحَ مَن وُلِد من بنى إسرائيلَ سنةً، ويُترْكوا سنةً، فلما كان في السنةِ التي يَذْبَحون فيها حمَلت بموسى، فلما أرادت وضعَه، حَزنت من شأنِه، فأَوْحَى اللهُ إليها: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (٣). واختَلَف أهلُ التأويلِ في الحالِ التي أُمِرَتْ أُمُّ موسى أن تُلْقِيَ موسى في اليَمِّ؛ فقال بعضُهم: أُمِرَتْ أن تُلْقِيَه فيه بعدَ ميلادِه بأربعةِ أشهرٍ، وذلك حالَ طلبِه من الرَّضاع أكثرَ مما يَطْلُبُ الصبيُّ بعد حالِ سقوطِه من بطنِ أمِّه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾. قال: إذا بلَغ أربعةَ أشهرٍ وصاح، وابْتَغَى من الرَّضاعِ أكثرَ من ذلك، ﴿فَأَلْقِيهِ﴾ حينَئذٍ ﴿فِي الْيَمِّ﴾. فذلك قولِه: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ (٤).

стр. 12255

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: لم يَقُلْ لها: إذا وَلَدتيه فألْقِيه في اليَمِّ. إنما قال لها: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾. بذلك أُمِرَت. قال: جعَلَتْه في بستانٍ، فكانت تَأتِيه كلَّ يومٍ فتُرْضِعُه، وتَأتِيه كلَّ ليلةٍ فَتُرْضِعُه، فيَكْفِيه ذلك. وقال آخرون: بل أُمِرَت أن تُلْقِيَه في اليَمِّ بعدَ وِلادِها إياه وبعدَ رَضاعِها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما وضَعتْه أرْضَعتُه، ثم دعَت له نجارًا، فجعَل له تابوتًا، وجعَل مِفتاحَ التابوتِ من داخلٍ، وجعَلَتْه فيه، وألقَتْه في اليَمِّ (١). وأَولَى قولٍ قيل في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أمَر أمَّ موسى أن تُرْضِعَه، فإذا خافت عليه من عدوِّ اللهِ فرعونَ وجندِه أَن تُلْقِيَه في اليَمِّ. وجائزٌ أن تكونَ خافَتْهم عليه بعدَ أشهرٍ من وِلادِها إياه. وأيُّ ذلك كان، فقد فعَلَت ما أَوْحَى اللهُ إليها فيه، ولا خبرَ قامت به حجةٌ، ولا [في فطرةِ] (٢) العقلِ بيانُ (٣) أيِّ ذلك كان من أيٍّ، فأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يقالَ كما قال جلَّ ثناؤُه. واليَمُّ الذي أُمِرَت أن تُلْقيَه فيه هو النيلُ. كما حدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾. قال: هو البحرُ، وهو النيلُ (٤).

стр. 12256

وقد بَيَّنَّا ذلك بشواهدِه، وذِكرِ الروايةِ فيه فيما مضَى، بما أَغنَى عن إعادته (١). وقوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾. يقولُ: لا تَخافي على ولدِك من فرعونَ وجندِه أن يَقْتُلوه، ولا تَحْزَنى لفِراقِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾. قال: لا تَخافى عليه البحرَ، ولا تحزَنى لفِراقِه، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ (٢). وقولُه: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: إنا رادُّو ولدِك إليك للرَّضاعِ؛ لتكُونى أنت تُرْضِعينه، وباعِثوه رسولًا إلى من تَخافِينه عليه أن يَقْتُلَه. وفعَل اللهُ ذلك بها وبه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾: وباعثوه رسولًا إلى هذه الطاغيةِ، وجاعلو هلاكِه ونجاةِ بني إسرائيلَ مما هم فيه من البلاء على يديه (٣).

стр. 12257

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾: فأصابوه وأخَذوه. وأصلُه من اللُّقَطَةِ، وهو ما وُجِد ضالًّا فأُخِذَ. والعربُ تقولُ لما وَرَدت عليه فجأةً من غيرِ طلبٍ (١) له ولا إرادةٍ: أَصَبْتُه التقاطًا. ولَقِيتُ فلانًا التقاطًا. ومنه قولُ الراجزِ (٢): ومَنْهَلٍ وَرَدْتُه الْتِقاطَا لَمْ أَلْقَ إِذْ ورَدْتُه فُرَّاطًا (٣) يعني فجأةً. واختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك جوارِى امرأةِ فرعونَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أَقْبَل الموجُ بالتابوتِ، يَرْفَعُه مرةً ويَخْفِضُه أخرى، حتى أَدْخَله بين أشجارٍ عند بيتِ فرعونَ، فخرَج جوارى آسية امرأة فرعونَ يَغْتَسِلْن (٤)، فوجَدْن التابوتَ، فَأَدخَلْنه إلى آسيةَ. وظَنَنَّ أن فيه مالًا، فلما نظَرت إليه آسيةُ، وقَعَت عليها رحمتُه، فأَحَبَّته، فلما أخْبَرت به فرعونَ أراد أن يَذْبَحَه، فلم تَزَلْ آسيةُ تُكَلِّمُه، حتى ترَكه لها، قال: إني

стр. 12258

أخافُ أن يكونَ هذا من بنى إسرائيلَ، وأن يكونَ هذا الذي على يديه هلاكُنا. فذلك قولُ اللهِ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١). وقال آخرون: بل عُنِى به ابنةُ فرعونَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدُ بن قيسٍ، قال: كانت بنتُ فرعونَ برصاءَ، فجاءت إلى النيلِ، فإذا التابوتُ في النيلِ تَخْفِقُه الأمواجُ، فأَخَذَتْه بنتُ فرعونَ، فلما فتَحتِ التابوتَ إذا هي بصبيٍّ، فلما اطَّلَعت في وجهِه بَرَأت من البرصِ، فجاءت به إلى أمِّها فقالت: إن هذا الصبيَّ مباركٌ، لَمَّا نظَرتُ إليه بَرِئتُ. فقال فرعونُ: هذا من صبيانِ بني إسرائيلَ، هَلُمَّ حتى أقْتُلَه. فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾. وقال آخرون: عُنِى به أعوان فرعونَ. ذكر من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أصبَح فرعونُ في مجلسٍ له كان يَجْلِسُه على شَفِيرِ النيلِ كلَّ غَداةٍ، فبَيْنا هو جالسٌ، إذ مَرَّ النيلُ بالتابوتِ يَقْذِفُ به، وآسيةُ بنتُ مُزاحمٍ امرأتُه جالسةٌ إلى جنبِه، فقالت: إن هذا لشيءٌ في البحرِ، فأْتُونى به. فخرَج إليه أعوانُه حتى جاءوا به، ففتَح التابوتَ، فإذا فيه صبيٌّ في مَهْدِه، فأَلْقَى اللهُ عليه محبَّتَه، وعطَف عليه نفسَه، قالت امرأتُه آسِيةُ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (٢).

стр. 12259

ولا قولَ في ذلك عندَنا أولى بالصوابِ مما قال الله : ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾. وقد بيَّنَّا معنى "الآلِ" فيما مضَى، بما فيه الكفايةُ من إعادته هاهنا (١). وقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. فيقولُ القائلُ: لِيَكونَ موسى لآلِ فرعونَ عدوًّا وحزنًا الْتَقَطوه، فيقالُ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. قيل: إنهم حينَ الْتَقَطوه لم يَلْتَقِطوه لذلك؛ بل لِمَا تَقَدَّم ذكرُه. ولكنه إن شاء اللهُ كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ في قولِه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. قال: ليَكونَ لهم في عاقبةِ أمرِه عدوًّا وحزَنًا؛ لِما أراد اللهُ به، وليس لذلك أخَذوه (٢). ولكنَّ امرأةَ فرعونَ قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾. فكان قولُ اللهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. لِمَا هو كائنٌ في عاقبةِ أمرِه لهم، وهو كقولِ القائلِ لآخرَ إذا قَرَّعه بالفعلِ (٣) - كأنْ فعَله وهو يَحسَبُ (٤) محسنًا في فعلِه، فأدّاه فعلُه ذلك إلى مَساءةٍ مُنَدِّمًا له على فعلِه: فعَلتَ هذا لضُرِّ نفسِك، ولتَضُرَّ به نفسَك فعَلتَ. وقد كان الفاعلُ في حال فعلِه ذلك عندَ نفسِه يَفْعَلُه راجِيًا نَفْعَه، غيرَ أن العاقبةَ جاءَت بخلافِ ما كان يَرْجُو. فكذلك قولُه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. إنما هو: فالتَقطه آلُ فرعونَ، ظنًّا منهم أنهم مُحْسِنون إلى أنفسِهم؛ ليكونَ قرةَ عينٍ لهم، فكانت عاقبةُ الْتِقاطِهم إياه منه

стр. 12260

هلاكَهم على يديه. وقولُه: ﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. يقولُ: يَكونُ لهم عدوًّا في دينِهم، وحَزَنًا على ما ينالُهم منه من المكروهِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾: عدوًّا لهم في دينِهم، وحَزَنًا لما يَأْتِيهم (١). واختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿وَحَزَنًا﴾. بفتحِ الحاءِ والزايِ. وقَرَأته عامةُ قَرَأةِ الكوفةِ: (وَحُزْنا). بضمِّ الحاءِ وتسكينِ الزايِ (٢). والحَزَنُ بفتحِ الحاءِ والزايِ، مصدرٌ من: حَزِنتُ حَزَنًا، والحُزْنُ بضمِّ الحاءِ وتسكينِ الزايِ، الاسمُ؛ كالعَدَمِ والعُدْمِ، ونحوِه. والصوابُ من القول في ذلك أنهما قراءتان متقارِبَتا المعنى، وهما - على اختلافِ اللفظِ فيهما - بمنزلةِ العَدَمِ والعُدْمِ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ. وقولُه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فرعونَ وهامانَ وجنودَهما كانوا بربِّهم آثِمين؛ فلذلك كان لهم موسى عدوًّا وحَزَنًا.

стр. 12261

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقالتِ امرأةُ فرعونَ له: هذا قُرَّةُ عينٍ لى ولك يا فرعونُ. فـ ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ مرفوعةٌ بمضْمَرٍ هو "هذا"، أو "هو". وقولُه: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾. مسألةٌ من امرأةِ فرعونُ (١) ألَّا يَقْتُلَه. وذُكِر أن المرأةَ لما قالت هذا القول لفرعونَ، قال فرعونُ: أمّا لكِ فنَعَم، وأمّا لى فلا. فكان كذلك. ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ، قال: قالت امرأةُ فرعونَ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. قال فرعونُ: قرةُ عينٍ لكِ، أما لي فلا. قال محمدُ بنُ قيسٍ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لو قال فرعونُ: قرةُ عينٍ لى ولكِ. كان لهما جميعًا" (٢). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: اتَّخَذه فرعونُ ولدًا، ودُعِى على أنه ابن فرعونَ، فلما تَحَرَّك الغلامُ، أرَتْه أمُّه آسيةُ صبيًّا، فبينما هي تُرَقِّصُه وتَلْعَبُ به، إذ ناوَلَتْه فرعونَ، وقالت: خُذْه، قرةُ عينٍ لى ولك. قال فرعونُ: هو قرةُ عينٍ لكِ، و (٣) لا لى. قال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: لو أنه قال: وهو لى قرةُ عينٍ. إذَن لآمَن به، ولكنه أبَى (٤).

стр. 12262

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾: تَعْنِى بذلك موسى (١). حدَّثنا العباسُ بن الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما أتَت بموسى امرأةُ فرعونَ فرعونَ قالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ. قال فرعونُ: يكونُ لكِ، فأما لى فلا حاجةَ لي فيه. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "والذي يُحْلَفُ به، لو أَقَرَّ فرعونُ أن يكونَ له قرةَ عينٍ كما أقَرَّت، لهداه اللهٌ به كما هَدى به امرأتَه، ولكنَّ الله حَرَمَه ذلك" (٢). وقولُه: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. ذُكِر أن امرأةَ فرعونَ قالت هذا القولَ حينَ همَّ بقتلِه. قال بعضُهم: حينَ أُتى به يومَ التَقَطه من اليَمِّ. وقال بعضُهم: بل (٣) يومَ نتَف من لحيتِه، أو ضرَبه بعصًا كانت في يدِه. ذكرُ من قال: قالت ذلك يومَ نتَف لحيتَه حدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما أُتِي فرعونُ به صبيًّا، أخَذه إليه، فأخَذ موسى بلحيتِه فنتَفها، قال فرعونُ: عليَّ بالذبّاحين (٤)، هو هذا. قالت آسيةُ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. إنما هو صبيٌّ لا يَعْقِلُ، وإنما صنَع هذا من صِباه (٥).

стр. 12263

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. قال: أُلْقِيَت عليه رحمتُها حينَ أبصَرتْه (١). وقولُه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وهم لا يَشْعُرون أن هلاكَهم على يديه (٢). ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: وهم لا يَشْعُرون أن هَلَكَتَهم على يديه (٢) وفى زمانِه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ (٣)، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: أن هلاكَهم على يديه (٤). حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: آلُ فرعونَ أنه لهم عدوٌّ (٥). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهم لا يَشْعُرون بما هو كائنٌ من أمرِهم وأمرِه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاقَ، قال: قالت امرأةُ فرعونَ

стр. 12264

آسِيةُ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ اللَّهُ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أي: بما هو كائنٌ (١) مما أراد اللَّهُ به (٢). وقال آخرون: بل معنى قولِه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: وبنو إسرائيلَ لا يَشْعُرُون أَنَّا الْتَقَطناه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: يقولُ: لا يَدْرِى (٣) بنو إسرائيلَ أَنَّا الْتَقَطناه. والصوابُ من القولِ في ذلك قولُ من قال: معنى ذلك: وفرعونُ وآلُه لا يَشْعُرون بما هو كائنٌ من هلاكِهم على يديه. وإنما قلنا: ذلك أَولى التأويلاتِ به؛ لأنه عَقِيبَ قولِه: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. وإذا كان ذلك عَقِيبَه (٤)، فهو بأن يكونَ بيانًا عن القولِ الذي هو عَقِيبَه (٤) أحقُّ من أن يكونَ بيانًا عن غيرِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾.

стр. 12265

اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي عَنَى اللَّهُ أنه أصبَح منه فؤادُ أمِّ موسى فارغًا؛ فقال بعضُهم: الذي عنَى جلَّ ثناؤُه أنه أصبَح منه فؤادُ أمِّ موسى فارغًا، كلُّ شيءٍ سوَى ذكرِ ابنِها موسى. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ وحسانَ أبى الأشْرَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: فرَغ من كلِّ شيءٍ إلا من ذكرِ موسى. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: فارغًا من كلِّ شيءٍ إلا من ذكرِ موسى (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ (٢)، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال (٣): من كلِّ شيءٍ إلا من هَمَّ موسى (٤). حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: يقولُ: لا تَذْكُرُ إِلَّا موسى.

стр. 12266

حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهُ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: مِن كُلِّ شيءٍ غيرَ ذكرِ موسى (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: فرَغ من كلِّ شيءٍ إلا من ذكرِ موسى. حدَّثني عبدُ الجبارِ بنُ يحيى الرَّمْليُّ، قال: ثنا ضَمْرَةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شَوْذَبٍ، عن مَطَرٍ في قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: فارغًا من كلِّ شيءٍ إِلا مِن هَمِّ موسى. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. أي: لاغيًا من كلِّ شيءٍ إلا مِن ذكرِ موسى (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: فرَغ من كلِّ شيءٍ غيرَ ذكرِ موسى (٣). وقال آخرون: بل عنَى أن فؤادَها أصبَح فارغًا من الوحيِ الذي كان اللَّهُ أوحاه إليها، إذ أمَرها أن تُلْقِيَه في اليمِّ؛ فقال: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال: فحَزِنَت ونَسِيَتْ عهدَ اللَّهِ إليها، فقال اللَّهُ : ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ من وحيِنا الذي أوحَيناه إليها.

стр. 12267

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال: فارغًا من الوحيِ الذي أَوْحَى اللَّهُ إليها، حينَ أمَرها أن تُلْقِيَه في البحرِ ولا تخافَ ولا تَحْزَنَ. قال: فجاءَها الشيطانُ فقال: يا أمَّ موسى، كَرِهْتِ أَن يَقْتُلَ فرعونُ موسى، فيَكونَ لكِ أجرُه وثوابُه، وتَوَلَّيتِ قتلَه، فألقيتِيه في البحرِ وغَرَّقتيه! فقال اللَّهُ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ من الوحيِ الذي أُوحِى (١) إليها (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: ثنى الحسنُ، قال: أصبَح فارغًا من العهدِ الذي عَهِدْنا إليها، والوعدِ الذي وعَدناها أن نَرُدَّ عليها ابنَها، فنَسِيت ذلك كلَّه، حتى كادَتْ أَن تُبْدِيَ به لولا أن ربَطنا على قلبِها (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: قد كانت أمُّ موسى تَرْفَعُ له حينَ قذَفَته في البحرِ؛ هل تَسْمَعُ له بذكرٍ، حتى أتاها الخبرُ بأن فرعونَ أصاب الغداةَ صبيًّا في النيلِ في التابوتِ، فعرَفت الصفةَ، ورأت أنه وقَع في يدى عدوِّه الذي فَرَّت به منه، وأصبَح فؤادُها فارغًا من عهدِ اللَّهُ إليها فيه، قد أنساها عظيمُ البلاءِ ما كان من العهدِ عندَها من اللَّهِ فيه (٣). وقال بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ (٤): معنى ذلك: وأصبَح فؤادُ أمِّ موسى

стр. 12268

فارغًا من الحُزْنِ؛ لعلمِها بأنه لم يَغْرَقْ. قال: وهو من قولِهم: دمٌ فَرْغٌ. أي: لا قَوَدَ ولا دِيَةَ. وهذا قولٌ لا معنَى له؛ لخلافِه قولَ جميعِ أهلِ التأويلِ. قال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندى قولُ من قال: معناه: وأصبَح فؤادُ أمِّ موسى فارغًا من كلِّ شيءٍ إلا من هَمِّ موسى. وإنما قلْنا: ذلك أَولى الأقوالِ فيه بالصوابِ؛ لدلالَةِ قولِه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾. ولو كان عنَى بذلك فراغَ قلبِها من الوحيِ، لم يُعْقِبْ بقولِه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾. لأنها إن كانت قارَبَت أن تُبْدِي الوحىَ، فلم تَكَدْ أن تُبْدِيَه إلا لكثرةِ ذكرِها إياه ووُلُوعِها به، ومحالٌ أن تكونَ به وَلِعةً إلا وهى ذاكرةٌ. وإذا كان ذلك كذلك، بطَل القولُ بأنها كانت فارغةَ القلبِ مما أُوحِى إليها. وأُخرى، أن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَرَ عنها أنها أصبَحت فارغةَ القلبِ، ولم يَخْصُصْ فراغَ قلبِها من شيءٍ دونَ شيءٍ، فذلك على العمومِ، إلا ما قامَت حُجتُه أن قلبَها لم يَفْرُغُ منه. وقد ذُكِر عن فَضَالةَ بن عُبيدٍ أنه كان يَقْرَؤُه: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فازعًا). من الفَزَعِ (١). وقولُه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾. اختَلَفَ أهلُ التأويلِ في المعنَى الذي عادت عليه الهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: هي من ذكرِ موسى، وعليه عادت. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ،

стр. 12269

وحسانَ أبى الأَشْرَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: أن تقولَ: يا ابناه. قال: ثني يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: أن تقولَ: يا ابناه. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾. أن تقولَ: يا بُنَيَّاه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾. أي: لَتُبْدِى به أنه ابنُها؛ من شدةِ وَجْدِها (٢). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما جاءت أمُّه أخَذ منها، يعنى الرَّضاعَ، فكادت أن تقولَ: هو ابني. فعصَمها اللَّهُ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ (٣). وقال آخرون: بما أَوْحَيْناه إليها. أي: تَظْفَرُ (٤). والصوابُ من القولِ في ذلك ما قاله الذين ذكَرنا قولَهم أنهم قالوا: إن كادت لَتقولُ: يا بُنَيَّاه. لإجماعِ الحجةِ مِن أهلِ التأويلِ على ذلك، وأنه عَقِيبَ قولِه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. فلأن يكونَ - لو لم يكنْ ممن ذكَرنا في ذلك

стр. 12270

إجماعٌ على ذلك - من ذكرِ موسى؛ لقربِه منه، أشبهَ من أن يكونَ من ذكرِ الوحيِ. وقال بعضُهم: بل معنى ذلك: إن كادت لَتُبْدِي بموسى فتقولُ: هو ابني. قال: وذلك أن صدرَها ضاق إذ نُسِب إلى فرعونَ، وقيل: ابن فرعونَ. وعنى بقولِه: ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾: لَتُظْهِرُه وتُخْبِرُ به. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: لَتُشْعِرُ به. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾. قال: لَتُعْلِنُ بأمرِه، ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقولُه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾. يقولُ: لولا أن عصَمناها من ذلك، بتَثْبِيتِناها وتَوفِيقِناها للسكوتِ عنه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال اللَّهُ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: بالإيمانِ؛ ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).

стр. 12271

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كادت تقولُ: هو ابنى. فعصَمها اللَّهُ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ (١). وقولُه: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عصَمناها من إظهارِ ذلك وقيلِه بلسانِها، وثَبَّتناها للعهدِ الذي عهِدنا إليها؛ ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بوعدِ اللَّهِ، الموقِنين به. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقالت أمُّ موسى لأختِ موسى حينَ الْقَتْه في اليَمِّ: ﴿قُصِّيهِ﴾. يقولُ: قُصِّي أثرَ موسى؛ اتَّبِعى أثرَه. يُقالُ (٢): قَصَصْتُ آثارَ القومِ. إذا اتَّبعتَ آثارَهم. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾. قال: اتَّبِعى أثرَه كيف يُصْنَعُ به (٣).

стр. 12272

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُصِّيهِ﴾. أي: قُصَّى أثرَه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾. قال: اتَّبِعى أثرَه (١). حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾. أي: انْظُرِى ماذا يَفْعَلُون به (٢). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾. يعنى: قُصِّى أثرَه (٣). حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾. أي: قُصِّي أثرَه واطْلُبِيه، هل تَسْمَعِين له ذكرًا؟ أحيٌّ ابنى أو قد أكَلَتْه دوابُّ البحرِ وحيتانُه؟ ونَسِيَتِ الذي كان اللهُ وعَدَها (٤). وقولُه: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فقَصَّت أختُ موسى أثرَه، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾. يقولُ: فبَصُرَت بموسى عن بُعدٍ، لم تَدْنُ منه، ولم تَقرَبْ؛ لئلا يُعْلَمَ أنها منه بسَبيلٍ. يقالُ منه: بَصُرْتُ به وأبْصَرْتُه. لغتان مشهورتان. وأبْصَرتُ عن جُنُبٍ وعن جَنابةٍ. كما قال الشاعرُ (٥):

стр. 12273

أَتَيْتُ حُرَيْثًا زائرًا عن جَنابةٍ … فكان حُرَيْثٌ عن عَطائىَ جامِدًا (١) يعنى بقولِه: عن جَنَابةٍ: عن بُعدٍ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾. قال: بُعدٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾. قال: عن بُعدٍ. قال ابن جُرَيجٍ: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾. قال: هي على الجُدِّ (٣) في الأرضِ، وموسى يَجْرِى به النيلُ، وهما مُتَحاذيان كذلك، تَنظُرُ إليه نظرةً، وإلى الناسِ نظرةً، وقد جُعِل في تابوتٍ مُقيَّرٍ ظَهْرُه وبطنُه، وأَقْفَلَتَه عليه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: [حدَّثنا أبو] (٤) سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾. يقولُ: بَصُرَت به وهى مُحَاذِيتُه لم تأْتِه (٥).

стр. 12274

حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنى القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾: والجُنُبُ: أَن يَسْمُوَ بصرُ الإنسانِ إلى الشيءِ البعيدِ، وهو إلى جَنْبِهِ لا يَشْعُرُ به (١). وقولُه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وقومُ فرعونَ لا يَشْعُرون بأختِ موسى أنها أختُه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: آلُ فرعونَ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنَّها أختُه. قال: جعَلت تَنْظُرُ إليه كأَنَّها لا تُريدُه (٣).

стр. 12275

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيَّ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أَنَّها أختُه (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أي: لا يَعْرِفون أنها منه بسبيلٍ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَنَعْنا موسى المراضعَ أن يَرْتَضِعَ منهن من قَبْلِ أمِّه. ذُكِر أن [أختًا لموسى] (٣) هي التي قالت لآلِ فرعونَ: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أرادوا له المُرْضِعاتِ، فلم يأخُذُ مِن أحدٍ من النساءِ، وجعَل النساءُ يَطْلُبن ذلك ليَنزِلْنَ عندَ فرعونَ في الرَّضَاعِ، فأبى أن يأخذَ، فذلك قولُه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ﴾. أختُه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. فلما جاءت أمُّه أخَذ منها (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 12276

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: لا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأَةٍ حتى يَرْجِعَ إلى أمَّهِ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: كان لا يؤتَى بمُرْضِعٍ فيَقْبلُها (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: لا يَرْضَعُ ثَدْيَ امْرَأَةٍ حتى يرجعَ إلى أمِّه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: فجعَل لا يُؤْتَى بامرأةٍ إلا لم يأخُذْ ثَدْيَها. قال: فقالت أختُه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: جَمَعوا (٤) المراضِعَ حينَ ألْقَى اللَّهُ مَحبَّتَهم عليه، فلا يُؤتَى بامرأةٍ فيَقْبَلُ ثديَها، فيُرْمِضُهم ذلك (٥)، فيُؤْتَى

стр. 12277

بمُرْضِعٍ بعد مُرضِعٍ، فلا يَقْبَلُ شيئًا منهن، فقالت لهم أختُه حينَ رأت مِن وَجْدِهم به، وحِرْصِهم عليه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ (١). ويعنى بقولِه: ﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾: يَضْمَنونه لكم. وقولُه: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. ذُكِر أنها أُخِذت فقيل: قد عَرَفْتِه؟ فقالت: إنما عَنَيتُ أنَّهم للملِكِ ناصِحون. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما قالت أختُه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. أَخَذُوها وقالوا: إنكِ قد عَرَفتِ هذا الغلامَ، فدُلِّينا على أهلِه. فقالت: ما أَعْرِفُه، ولكني إنما قلتُ: هم للمَلِكِ ناصِحُون (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. قال: فعَلِقوها (٣) حينَ قالت: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. قالوا: قد عرَفتِه؟ قالت: إنَّما أردتُ: هم للمَلِكِ ناصحُون (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. أي: لمنزِلتِه عندَكم، وحِرْصِكم على مَسرَّةِ الملكِ. قالوا: هاتِي (٥).

стр. 12278

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فرَدَدْنا موسى إلى أمَّه بعدَ أن الْتَقَطه آلُ فرعونَ؛ لتقرَّ عينُها بابنِها إذ رجَع إليها سليمًا مِن قِبَلِ (١) فرعونَ، ولا تحزَنَ على فراقِه إيَّاها، ولِتَعلَمَ أنَّ وَعْدَ اللَّهُ الذي وَعَدَها، إذ قال لها: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ الآية [القصص: ٧] ﴿حَقٌّ﴾. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ فقرَأ حتى بلَغ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: وعَدها أنه رادُّه إليها، وجاعِلُه من المرسَلين، ففعَل اللَّهُ ذلك بها (٢). وقولُه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنَّ أكثرَ المشركين لا يَعْلَمون أن وعدَ اللهِ حقٌّ، لا يُصَدِّقون بأن ذلك كذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولَما بَلَغَ موسى ﴿أَشُدَّهُ﴾. يعنى: حالَ شَدَّةِ بدنِه وقُواه، وانْتَهى ذلك منه. وقد بيَّنا معنى "الأشُدِّ" فيما مضَى بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في

стр. 12279

هذا الموضعِ (١). وقولُه: ﴿وَاسْتَوَى﴾. يقولُ: تناهَى شَبَابُه، وتمَّ خَلْقُه واسْتَحْكُم. وقد اختُلِف في مبلغِ عددِ سِنِى الاستواءِ؛ فقال بعضُهم: يكونُ ذلك في أربعين سنةً. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاسْتَوَى﴾. قال: أربعين سنةً (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: ثلاثًا وثلاثين سنةً. قولَه: ﴿وَاسْتَوَى﴾. قال: بلَغ أربعين سنةً (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: بضعًا وثلاثين سنةً (٤). قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: ثلاثًا وثلاثين سنةً (٤).

стр. 12280

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾. قال: أربعين سنةً، و ﴿أَشُدَّهُ﴾: ثلاثًا وثلاثين سنةً (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾. قال: كان أبي يقولُ: الأشُدُّ الجَلَدُ، والاستواءُ أربعون سنةً (٢). وقال بعضُهم: يكونُ ذلك في ثلاثين سنةً. وقولُه: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. يعنى بالحكمِ: الفَهْمَ بالدينِ والمَعْرفةَ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. قال: الفِقهَ والعقلَ والعملَ قبلَ النُّبوّةِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. قال: الفقهَ والعملَ قبلَ النُّبوَةِ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾، آتاه اللَّهُ حكمًا وعِلْمًا؛ فقهًا في دينِه ودينِ آبائِه، وعِلْمًا بما في دينِه وشرائعِه وحدودِه (٤). وقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكما جَزَيْنا

стр. 12281

موسى على طاعتِه إيَّانا و إحسانِه، بصبرِه على أمْرِنا، كذلك نَجْزِى كلَّ مَن أَحسَن مِن رُسُلِنا وعبادِنا، فصَبَر على أمرنا وأطاعَنا، وانتَهى عما نَهيناه عنه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ودخَل موسى المدينةَ؛ مدينةَ منفٍ مِن مصرَ، ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾، وذلك عندَ القائلةِ نصفَ النهارِ. واختَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلهِ دخَل موسى هذه المدينةَ في هذا الوقتِ؛ فقال بعضُهم: دخَلها متَّبِعًا أثرَ فِرعونَ؛ لأن فرعونَ رَكِب وموسى غيرُ شاهدٍ، فلما حضَر عَلِم برُكوبِه، فرَكِب واتَّبع أثرَه، وأدْرَكه المقِيلُ في هذه المدينةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: كان موسى حينَ كَبِر يركبُ مَراكِبَ فرعونَ، ويَلْبَسُ مثلَ ما يَلْبَسُ، وكان إنَّما يُدعَى موسى بنَ فرعونَ، ثم إن فرعونَ ركِب مركبًا وليس عندَه موسى، فلمَّا جاء موسى قيل له: إن فرعونَ قد ركِب. فرَكِب في أثَرِه، فأدرَكه المَقِيلُ بأَرضٍ يُقالُ لها: مَنْفٌ. فدخَلها نصفَ النهارِ، وقد تَغَلَّقت أسواقُها، وليس في طُرُقِها أحدٌ، وهي التي يقولُ اللهُ: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١).

стр. 12282

وقال آخرون: بل دخَلها مُستَخْفِيًا من فرعونَ وقومِه؛ لأنَّه كان قد خالَفهم في دينِهم، وعاب ما كانوا عليه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لمَّا بلَغ موسى أشُدَّه واسْتَوى، آتاه اللَّهُ حُكْمًا وعلمًا، فكانت له من بني إسرائيلَ شيعةٌ يسمَعون منه ويطيعونه، ويجتمِعون إليه، فلما اسْتَدَّ رأْيُه، وعرَف ما هو عليه من الحقِّ، رأى فِراقَ فرعونَ وقومِه على ما هم عليه حقًّا في دينِه، فتَكَلَّم وعادَى وأنكَر، حتى ذُكرَ ذلك منه، وحتى أخافُوه وخَافَهم، حتى كان لا يدخُلُ قريةَ فرعونَ إِلا خائفًا مُستَخْفيًا، فدخَلَها يومًا على حينِ غفلةٍ من أهلِها (١). وقال آخرون: بل كان فرعونُ قد أمَر بإخراجِه من مدينتِه، حينَ عَلَاه بالعصا، فلم يدخُلْها إلا بعدَ أن كَبِر وبلَغ أَشُدَّه. قالوا: ومعنى الكلامِ: ودخَل المدينةَ على حينَ غفلةٍ من أهلِها لذكرِ موسى. . أي. أي: من بعدِ نِسْيانِهم خبرَه وأمرَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: ليس غفلةٌ من ساعةٍ، ولكن غفلةٌ مِن ذكرِ موسى وأمْرِه. وقال فرعونُ لامرأتِه: أخْرِجيه عنِّى - حينَ ضرَب رأسَه بالعصا - هذا الذي قُتِلتْ فيه بنو إسرائيلَ. فقالت: هو صغيرٌ، وهو كذا، هاتِ جمرًا. فأُتىَ بجمرٍ، فأخَذ جمرةً، فطرَحها في فِيهِ، فصارت عُقْدةً في لسانِه، فكانت تلك العقدةَ

стр. 12283

التي قال اللَّهُ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧، ٢٨]. قال: أَخْرِجيه عنِّي. فأُخرِج، فلم يدخُلْ عليهم حتى كَبِر، فدخَل على حينَ غفلةٍ من ذِكْرِه (١). وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يُقالَ كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ولما بلَغ أشُدَّه واسْتَوى، دخَل المدينةَ على حينَ غفلةٍ من أهلِها. واختَلفوا في الوقتِ الذي عُنِى بقولِه: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك نصفُ النهارِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن محمد بن المُنكَدرِ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: نصفَ النهارِ (٢). قال ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: يقولون: في القائلةِ. قال: وبينَ المغربِ والعشاءِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: دخَلها بعدَ ما بلَغ أشُدَّه، عندَ القائلةِ نصفَ

стр. 12284

النهارِ (١). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: دخَلها نصفَ النهارِ (٢). وقولُه: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾. يقولُ: هذا من أهلِ دينِ موسى من بني إسرائيلَ، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾: من القِبطِ من قومِ فرعونَ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾. يقولُ: فَاسْتَغاثَه الذي هو مِن أهلِ دينِ موسى ﴿عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من القِبط، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾. يقولُ: فلَكَزه ولَهَزه فِي صَدْرِهِ بِجُمْعِ كَفِّه. وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: أساء موسى من حيثُ أساء وهو شديدُ الغَضَبِ شديدُ القُوَّةِ، فمرَّ برجلٍ من القِبطِ، قد تَسَخَّر رجلًا مِن المسلمين. قال: فلمَّا رأى موسى اسْتَغاث به. قال: يا موسى. فَقال موسى: خلِّ سبيلَه. فقال: قد هَمَمْتُ أن أحملَه عليك. فوَكَزه موسى، فقَضَى عليه، قال: حتى إذا كان الغدُ نصفَ النهارِ، خرَج ينظُرُ الخبرَ. قال: فإذا ذاك الرجلُ قد أخَذه آخرُ في مثلِ حَدِّه. قال: فقال: يا موسى. قال: فاشْتَدَّ غَضَبُ موسى. قال: فأهْوى. قال: فخافَ أن يكونَ إيَّاه يريدُ. قال: فقال:

стр. 12285

﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩]. قال: فقال الرجلُ: ألا أراك يا موسى أنتَ الذي قَتَلت؟ حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عَنَّامُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا الأعمشُ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ قال: رجلٌ من بنى إسرائيلَ يقاتلُ خبَّازًا لفرعونَ، فاسْتَغاثه، فوَكَزه موسى، فقضَى عليه، فلمَّا كان مِن الغَدِ، اسْتَصْرَخ به فوجَده يقاتلُ آخرَ، فأغَاثَه (١)، فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. فعَرَفوا أنَّه موسى، فخرَج منها خائفًا يترقَّبُ، قال عَثَّامٌ: أو نحوُ هذا (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾. أمَّا الذي من شيعتِه فمِن بني إسرائيلَ، وأمَّا الذي من عدوِّه فقِبطيٌّ مِن آلِ فرعونَ (٣). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾. يقولُ: مِن القِبطِ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٤). حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، [قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ] (٥)، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما

стр. 12286

بلَغ موسى أشُدَّه، وكان من الرجالِ، لم يكنْ أحدٌ مِن آلِ فرعونَ يخلُصُ إلى أحدٍ مِن بني إسرائيلَ معه بظلمٍ ولا سُخْرةٍ، حتى امتَنَعوا كلَّ الامْتناعِ، فبَيْنا هو يمشى ذاتَ يومٍ في ناحيةِ المدينةِ، إذا هو برجُلَين يقْتَتلان؛ أحدُهما من بني إسرائيلَ، والآخرُ من آلِ فرعونَ، فاسْتَغاثَه الإسرائيليُّ على الفِرْعَونيِّ، فغَضِب موسى واشْتَدَّ غَضَبُه؛ لأنَّه تناوَله وهو يعلمُ منزلةَ موسى من بنى إسرائيلَ، وحِفْظَه لهم، ولا يعلمُ الناسُ إلا أنَّما ذلك من قِبَلِ الرَّضاعةِ من أمَّ موسى، إلا أن يكونَ اللهُ أطْلَع موسى من ذلك على علمِ ما لم يُطلِعْ عليه غيرَه، فوكَز موسى الفِرعَونيَّ فقَتَله، ولم يَرَهما أحدٌ إِلَّا اللهُ والإسرائيليُّ، فقال موسى حينَ قتلَ الرجلَ: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآية (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾: مسلمٌ، وهذا من أهلِ دينِ فرعونَ، كافرٌ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾. وكان موسى قد أُوتِىَ بسطةً في الخَلْقِ، وشِدَّةً في البطْشِ، فضَبَّ (٢)، بعدوِّهما، فنازَعَه، فوكَزه موسى وكْزةً قتَلَه منها، وهو لا يريدُ قَتْلَه، فقال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾. قال: من قومِه من بني إسرائيلَ، وكان فرعونُ مِن فارسَ مِن إِصْطَخْرَ (٤).

стр. 12287

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن أصحابِه: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾: إسرائيليٌّ، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾: قبْطيٌّ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾. وبنحوِ الذي قُلنا أيضًا قالوا في معنى قولِه: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾. قال: بجُمْعِ كَفِّه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: فوكزَه موسى نبيُّ اللَّهِ، ولم يتعَمَّدْ قَتْلَه (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قتَلَه وهو لا يريدُ قَتْلَه (٣).

стр. 12288

وقولُه: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ففرَغ من قَتْلِه. وقد بيَّنتُ فيما مضَى أن معنى القضاءِ الفَراعُ، بما أغنَى عن إعادتِه ههنا (١). ذِكْرُ أنَّه قَتَلَه ثم دَفَنَه في الرَّملِ كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللَّهِ، عن أصحابهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: ثم دفَنه في الرَّملِ. وقولُه: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: قال موسى حينَ قتَل القتيلَ: هذا القَتْلُ مِن تَسبُّبِ الشيطانِ لى؛ بأن هيَّجَ غَضَبى حتى ضرَبتُ هذا فهَلَك من ضَرْبتي، ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾. يقولُ: إِن الشيطانَ عدوٌّ لابنِ آدمَ ﴿مُضِلٌّ﴾ له عن سبيلِ الرَّشادِ؛ بتَزيينِه له القبيحَ من الأعمالِ، وتحسينِه ذلك له، هو ﴿مُبِينٌ﴾. يعنى أنه يُبينُ عداوتَه لهم قديمًا، وإضْلالَه إيَّاهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾. يقولُ تعالَى ذكرُه مُخبرًا عن ندَم موسَى على ما كان مِن قَتْلِه النفسَ التي قتَلها، وتوبَتِه إليه منه، ومسألتِه غُفْرانَه من ذلك: ربِّ إني ظَلَمْتُ نفسى بقتلِ النفسِ التي لم تأْمُرْنى بقَتْلِها، فاعفُ عن ذَنْبي ذلك، واسْتُرْه عليَّ، ولا تؤاخِذْنى به، فتعاقِبَني عليه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12289

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾. قال: بقَتْلى، مِن أجلِ أنَّه لا ينبَغى لنبيٍّ أن يقتُلَ حتى يُؤمرَ. ولم يُؤْمرْ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: عرَف المخَرَجَ، فقال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ (٢). وقولُه: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فعفا اللَّهُ لموسى عن ذنبِه، ولم يُعاقبْه به، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ هو الساترُ على المُنيبِين إليه من ذنوبِهم؛ على ذنوبِهم، المتفضِّلُ عليهم بالعفوِ عنها، الرحيمُ للناسِ أن يعاقبَهم على ذنوبِهم، بعدَ ما تابوا منها. وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى: ربِّ بإنعامِك عليَّ؛ بعفوِك عن قتلِ هذه النفسِ، ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. يعنى: المُشركين. كأنّه أقسَم بذلك. وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (فَلا تَجْعَلْنِي ظَهيرًا للمُجْرِمِينَ) (٣). كأَنَّه على هذه القراءةِ دعا ربَّه، فقال: اللهمَّ لن أكونَ لهم ظَهيرًا. ولم يَسْتَثْنِ ﵇ حينَ قال: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. فابتُلِيَ.

стр. 12290

وكان قَتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: فلن أُعينَ بعدَها ظالمًا (١) على فَجْرِه (٢)، قال: وقَلَّما قالها رجلٌ إِلَّا ابتُلِيَ. قال: فابتُلِىَ كما تسمَعون (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأصبَح موسى في مدينةِ فرعونَ خائفًا من جنايتِه التي جَنَاها، وقَتْلِه النفسَ التي قتَلها، أن يُؤخذَ فيُقتلَ بها، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾. يقولُ: يترقَّبُ الأخبارَ. أي: ينتظرُ ما الذي يتحدَّثُ به الناسُ، مما هُم صانِعون في أمرِه وأمرِ قَتيلِه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ الأخبارَ (٤).
следующие страницы →