← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12286–12325 · переход к 12291.

стр. 12286

بلَغ موسى أشُدَّه، وكان من الرجالِ، لم يكنْ أحدٌ مِن آلِ فرعونَ يخلُصُ إلى أحدٍ مِن بني إسرائيلَ معه بظلمٍ ولا سُخْرةٍ، حتى امتَنَعوا كلَّ الامْتناعِ، فبَيْنا هو يمشى ذاتَ يومٍ في ناحيةِ المدينةِ، إذا هو برجُلَين يقْتَتلان؛ أحدُهما من بني إسرائيلَ، والآخرُ من آلِ فرعونَ، فاسْتَغاثَه الإسرائيليُّ على الفِرْعَونيِّ، فغَضِب موسى واشْتَدَّ غَضَبُه؛ لأنَّه تناوَله وهو يعلمُ منزلةَ موسى من بنى إسرائيلَ، وحِفْظَه لهم، ولا يعلمُ الناسُ إلا أنَّما ذلك من قِبَلِ الرَّضاعةِ من أمَّ موسى، إلا أن يكونَ اللهُ أطْلَع موسى من ذلك على علمِ ما لم يُطلِعْ عليه غيرَه، فوكَز موسى الفِرعَونيَّ فقَتَله، ولم يَرَهما أحدٌ إِلَّا اللهُ والإسرائيليُّ، فقال موسى حينَ قتلَ الرجلَ: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآية (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾: مسلمٌ، وهذا من أهلِ دينِ فرعونَ، كافرٌ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾. وكان موسى قد أُوتِىَ بسطةً في الخَلْقِ، وشِدَّةً في البطْشِ، فضَبَّ (٢)، بعدوِّهما، فنازَعَه، فوكَزه موسى وكْزةً قتَلَه منها، وهو لا يريدُ قَتْلَه، فقال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾. قال: من قومِه من بني إسرائيلَ، وكان فرعونُ مِن فارسَ مِن إِصْطَخْرَ (٤).

стр. 12287

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن أصحابِه: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾: إسرائيليٌّ، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾: قبْطيٌّ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾. وبنحوِ الذي قُلنا أيضًا قالوا في معنى قولِه: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾. قال: بجُمْعِ كَفِّه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: فوكزَه موسى نبيُّ اللَّهِ، ولم يتعَمَّدْ قَتْلَه (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قتَلَه وهو لا يريدُ قَتْلَه (٣).

стр. 12288

وقولُه: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ففرَغ من قَتْلِه. وقد بيَّنتُ فيما مضَى أن معنى القضاءِ الفَراعُ، بما أغنَى عن إعادتِه ههنا (١). ذِكْرُ أنَّه قَتَلَه ثم دَفَنَه في الرَّملِ كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللَّهِ، عن أصحابهِ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: ثم دفَنه في الرَّملِ. وقولُه: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: قال موسى حينَ قتَل القتيلَ: هذا القَتْلُ مِن تَسبُّبِ الشيطانِ لى؛ بأن هيَّجَ غَضَبى حتى ضرَبتُ هذا فهَلَك من ضَرْبتي، ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾. يقولُ: إِن الشيطانَ عدوٌّ لابنِ آدمَ ﴿مُضِلٌّ﴾ له عن سبيلِ الرَّشادِ؛ بتَزيينِه له القبيحَ من الأعمالِ، وتحسينِه ذلك له، هو ﴿مُبِينٌ﴾. يعنى أنه يُبينُ عداوتَه لهم قديمًا، وإضْلالَه إيَّاهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾. يقولُ تعالَى ذكرُه مُخبرًا عن ندَم موسَى على ما كان مِن قَتْلِه النفسَ التي قتَلها، وتوبَتِه إليه منه، ومسألتِه غُفْرانَه من ذلك: ربِّ إني ظَلَمْتُ نفسى بقتلِ النفسِ التي لم تأْمُرْنى بقَتْلِها، فاعفُ عن ذَنْبي ذلك، واسْتُرْه عليَّ، ولا تؤاخِذْنى به، فتعاقِبَني عليه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12289

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾. قال: بقَتْلى، مِن أجلِ أنَّه لا ينبَغى لنبيٍّ أن يقتُلَ حتى يُؤمرَ. ولم يُؤْمرْ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: عرَف المخَرَجَ، فقال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ (٢). وقولُه: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فعفا اللَّهُ لموسى عن ذنبِه، ولم يُعاقبْه به، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ هو الساترُ على المُنيبِين إليه من ذنوبِهم؛ على ذنوبِهم، المتفضِّلُ عليهم بالعفوِ عنها، الرحيمُ للناسِ أن يعاقبَهم على ذنوبِهم، بعدَ ما تابوا منها. وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى: ربِّ بإنعامِك عليَّ؛ بعفوِك عن قتلِ هذه النفسِ، ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. يعنى: المُشركين. كأنّه أقسَم بذلك. وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (فَلا تَجْعَلْنِي ظَهيرًا للمُجْرِمِينَ) (٣). كأَنَّه على هذه القراءةِ دعا ربَّه، فقال: اللهمَّ لن أكونَ لهم ظَهيرًا. ولم يَسْتَثْنِ ﵇ حينَ قال: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. فابتُلِيَ.

стр. 12290

وكان قَتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: فلن أُعينَ بعدَها ظالمًا (١) على فَجْرِه (٢)، قال: وقَلَّما قالها رجلٌ إِلَّا ابتُلِيَ. قال: فابتُلِىَ كما تسمَعون (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأصبَح موسى في مدينةِ فرعونَ خائفًا من جنايتِه التي جَنَاها، وقَتْلِه النفسَ التي قتَلها، أن يُؤخذَ فيُقتلَ بها، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾. يقولُ: يترقَّبُ الأخبارَ. أي: ينتظرُ ما الذي يتحدَّثُ به الناسُ، مما هُم صانِعون في أمرِه وأمرِ قَتيلِه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي أيوبَ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ الأخبارَ (٤).

стр. 12291

[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. قال] (١): خائفًا من قتلِه النفسَ، يترقبُ أن يؤخذَ (٢). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. قال: خائفًا أن يُؤخذَ (٣). وقولُه: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فرأى موسى لما دخلَ المدينةَ على خوفٍ مُترقِّبًا الأخبارَ عن أمرِه وأمرِ القتيلِ (٤)، الإسرائيليَّ الذي اسْتَنْصَره بالأمسِ على الفِرعَونيِّ. يُقاتلُ فرعَونيًّا آخرَ، فرآه الإسرائيليُّ، فاسْتَصْرَخه على الفِرعَونيِّ، يقولُ: فاسْتَغاثه أيضًا على الفِرعَونيِّ، وأَصْلُه من الصُّراخِ، كما يُقالُ: [يا لَبَني] (٥) فلانٍ، يا صباحاه. قال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال موسى للإسرائيليِّ الذي اسْتَصْرَخه، وقد صادَفَ موسى نادمًا على ما سلَف منه مِن قتلِه بالأمسِ القتيلَ، وهو يسْتَصْرِخُه اليومَ على آخرَ: إِنَّكَ أَيُّها المُستَصْرِخُ ﴿لَغَوِيٌّ﴾. يقولُ: إنَّك لذو غَوَايَةٍ، ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: قد أبنتَ غَوَايتَك؛ بقتالِك أمسِ رجلًا، واليومَ آخرَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباسُ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بن زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أُتِىَ فرعونُ، فقيل له: إن بني

стр. 12292

إسرائيلَ قد قتَلوا رجلًا من آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحقِّنا، ولا تُرخِّصْ لهم في ذلك. فقال: ابْغونِى قاتلَه ومَن يشهدُ عليه، لا يستقيمُ أَن نَقْضِيَ بغيرِ بيِّنةٍ ولا ثَبَتٍ (١). فاطلُبوا ذلك. فبينما هم يطوفون لا يجِدون شيئًا، إذ مرَّ موسى من الغدِ، فرأى ذلك الإسرائيليَّ يقاتلُ فرعونيًّا، فاسْتَغاثَه الإسرائيليُّ على الفِرعَونيِّ، فصادَفَ موسى وقد نَدِم على ما كان منه بالأمسِ، وكَرِه الذي رأى، فغَضِب موسى، فمدَّ يدَه وهو يريدُ أن يبطِشَ بالفِرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ لِمَا فعَل بالأمسِ واليومِ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. فنظَر الإسرائيليُّ إلى موسى بعدَ ما قال هذا، فإذا هو غضبانُ كغضَبِه بالأمسِ إذ قتَلَ فيه الفِرعَونيَّ، فخافَ أن يكونَ بعدَ ما قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ إِيَّاه أرادَ، ولم يكنْ أرادَه، إنَّما أرادَ الفِرْعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، [فحاجَز الفرعونيَّ] (٢)، فقال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾. وإنَّما قال ذلك مخافةَ أن يكونَ إيَّاه أرَاد موسى لِيَقْتُلَه، فتَتارَكا (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾]. قال: الاستنصارُ والاسْتِصْراخُ واحدٌ (٤). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾] (٥). يقولُ: يستَغيثُه (٦).

стр. 12293

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما قَتَل موسى القتيلَ، خرَج فَلحِق بمنزلِه من مصرَ، وتحدَّث الناسُ بشأنِه، وقيل: قتَل موسى رجلًا. حتى انتَهى ذلك إلى فرعونَ، فأصبَحَ موسى غاديًا الغَدَ، وإذا صاحبُه بالأمسِ معانِقٌ رجلًا آخرَ من عدوِّه، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أمسِ رجلًا، واليومَ آخرَ! حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ والشَّيْبانيِّ، عن عكرِمةَ، قال: الذي اسْتَنصَره هو الذي اسْتَصْرَخه (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا أن أرادَ موسى أن يبطِشَ بالفرعونيِّ الذي هو عدوٌّ له وللإسرائيليِّ، قال الإسرائيليُّ لموسى وظنَّ أنه إيَّاه يريدُ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟ وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾. قال: خافَه الذي من شيعتِه حينَ قال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٢).

стр. 12294

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال موسى للإسرائيليِّ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. ثم أقبَلَ لينصُرَه، فلما نظَر إلى موسى قد أقبَل نحوَه، ليبطِشَ بالرجل الذي يقاتلُ الإسرائيليَّ، قال الإسرائيليُّ، وفَرِق من موسى أن يبطشَ به؛ من أَجْلِ أنه أغْلَظ له الكلامَ: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾. فتركه موسى (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكر بن عبد الله، عن أصحابه، قال: نَدِم بعد أن قتل القتيلَ، فقال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾. قال: ثم اسْتَنصَره بعد ذلك الإسرائيليُّ على قِبْطيٍّ آخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. فلمَّا أراد أن يبطش بالقِبْطيِّ، ظَنَّ الإسرائيليُّ أنه إيَّاه يريدُ، فقال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟ قال: وقال ابن جُريجٍ، أو ابن أبي نجيحٍ - الطبريُّ يَشكُّ، وهو في الكتابِ ابن أبي نجيحَ -: (٢) إنَّ موسى لما أصبَح، أصبَحَ نادمًا تائبًا، يودُّ أن لم يبطشْ بواحدٍ منهما، وقد قال للإسرائيليِّ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. فعَلم الإسرائيليُّ أنَّ موسى غيرُ ناصرِه، فلمَّا أرادَ الإسرائيليُّ أن يبطِشَ بالقبْطيِّ نهاه موسى، ففَرِق الإسرائيليُّ من موسى، فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟ فسعَى بها القِبْطيُّ. وقولُه: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا

стр. 12295

عن قيل الإسرائيليِّ لموسى: ﴿إِنْ تُرِيدُ﴾: ما تريدُ إلَّا أن تكون جبَّارًا في الأرض. وكان من فِعْل الجبابرة قتلُ النفوسِ ظلمًا بغير حقٍّ. وقيل: إنَّما قال ذلك لموسى الإسرائيليُّ؛ لأنَّه كان عندَهم مَن قتَل نفسَين من الجبابرة. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا هشيمُ بنُ بشيرٍ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن الشعبيِّ، قال: من قتَل رجلين فهو جبَّارٌ. قال: ثم قرأ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾: إن الجبابرة هكذا، تقتلُ النفس بغيرِ النفس (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: تلك سيرةُ الجبابرة أن تقتل النفسَ بغير النفسِ. وقولُه: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾. يقولُ: وما تريدُ أن تكون ممن يعمَلُ في الأرض بما فيه صلاحُ أهلِها، من طاعة الله. وذُكِر عن ابن إسحاق أنَّه قال في ذلك ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾. أي: ما هكذا يكونُ

стр. 12296

الإصلاحُ (١). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)﴾. ذُكر أن قول الإسرائيليِّ سَمِعه سامعٌ فأفشاه، وأعْلمَ به أهل القتيل، فحينئذٍ طلب فرعونُ موسى، وأمَر بقَتْلِه، فلما أمَر بقتلِه، جاء موسى مُخْبِرٌ، وأخبَره بما قد أمَر به فرعونُ في أمره، وأشار عليه بالخروج من مصر بلد فرعونَ وقومِه. وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباسُ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ بن أبي أيوب، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: انْطَلَق الفِرعونيُّ الذي كان يقاتلُ الإسرائيليَّ إلى قومه، فأخبَرهم بما سمع من الإسرائيليِّ من الخبر حينَ يقولُ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾، فأرسَلَ فرعونُ الذَّبَّاحين لقَتْل موسى، فأخَذوا الطريق الأعظم، وهم لا يخافون أن يفوتَهم، وكان رجلٌ من شيعة موسى في أقصَى المدينة، فاخْتصَر طريقًا قريبًا، حتى سبَقَهم إلى موسى، فأخبَره الخبر (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: أَعْلَمهم القبطيُّ الذي هو عدوٌّ لهما، فأتَمر الملأُ ليقتُلوه، فجاء رجلٌ من أقصى المدينة. وقرأ:

стр. 12297

﴿إِنْ﴾ إلى آخر الآية. قال: كنَّا نحدَّثُ أنه مؤمنُ آل فرعون (١). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ذهب القبطيُّ، يعنى الذي كان يقاتلُ الإسرائيليَّ، فأفْشَى عليه أن موسى هو الذي قتل الرجل، فطلبه فرعونُ وقال: خُذُوه، فإنه صاحبُنا. وقال للذين يَطلُبونه: اطْلُبوه في بُنَيَّاتِ الطريقِ (٢)، فإن موسى غلامٌ لا يهتدى الطريق. وأخذ موسى في بُنَيَّاتِ الطريق، وقد جاءه الرجلُ فأخبره: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن أصحابه، قالوا: لما سمع القبطيُّ قول الإسرائيليِّ لموسى: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. سعى بها إلى أهل المقتول، فقال: إن موسى هو قتل صاحِبَكم. ولو لم يَسْمَعْه من الإسرائيليِّ لم يعلَمْه أحدٌ، فلمَّا علم موسى أنهم قد عَلِموا خرَج هاربًا، فطلبه القومُ فسبَقهم. قال: وقال ابن أبي نجيحٍ: سعَى القبطيُّ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، قال: قال الإسرائيليُّ لموسى: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. وقبْطيٌّ قريبٌ منهما يسمَعُ، فأفشَى عليهما (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سمع ذلك عدوٌّ، فأفشى عليهما (٥).

стр. 12298

وقولُه: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ ذُكر أنَّه مؤمنُ آل فرعونَ، وكان اسمُه فيما قيل سَمْعانَ. وقال بعضُهم: بل كان اسمُه شَمْعونَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، أخبرني وهبُ بنُ سليمانَ، عن شُعَيبٍ الجبَائيِّ، قال: اسمُه شَمْعون، الذي قال لموسى: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: أصبَح الملأُ من قومِ فرعونَ قد أجْمَعوا لقَتْل موسى فيما بلَغهم عنه، فجاء رجلٌ من أقصَى المدينة يسعَى، يُقالُ له: سَمْعَانُ. فقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ إلى موسى ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (٣). وقولُه: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾. يقولُ: من آخر مدينة فرعون، ﴿يَسْعَى﴾. يقولُ: يعجَلُ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾. قال: يَعْجَلُ ليس بالشَّدِّ.

стр. 12299

وقولُه: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال الرجلُ الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لموسى: يا موسى، إن أشراف قوم فرعونَ ورؤساءَهم يَتَوامَرون (١) بقَتْلِك، ويتَشاورُون ويَرْتَئون فيه (٢). ومنه قولُ الشاعر (٣): ما تَأْتِمر فينا فَأمْـ … ـرُكَ في يَمينك أو شِمالِكْ يعنى: ما تَرْتئى وتَهمَّ به. ومنه قولُ النَّمِرِ بن تَوْلَبٍ (٣): أرَى النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا شِيمَةً … وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرْ أي: يُتَشاوَرٌ ويُرتأى فيها. وقولُه: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾. يقولُ: فاخْرُج من هذه المدينة، إنى لك في إشارتي عليك بالخروج منها من النَّاصحين. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فخرج موسى من مدينة فرعون خائفًا من قتله النفس أن يُقْتَلَ به، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾. يقولُ: ينتظرُ الطلب أن يُدرِكَه فيأخُذَه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾: خائفًا من قتله النفس، يترقَّبُ الطلب، قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ

стр. 12300

الظَّالِمِينَ﴾. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. قال: خائفًا من قتل النفس، يترقَّبُ أن يأخذه الطَّلَبُ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ذُكر لى أنه خرج على وجْهه خائفًا يترقَّبُ، ما يَدْرى أيَّ وَجْه يسلُكُ، وهو يقولُ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. قال: يترقَّبُ الطَّلَب مخافةً. وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى وهو شاخصٌ عن مدينة فرعونَ خائفًا: ربِّ نَجِّنى من هؤلاء القوم الكافرين الذين ظلموا أنفُسَهم بكفرهم بك. وقولُه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولما جعل موسى وجْهَه نحو مدين ماضيًا إليها، شاخصًا عن مدينة فرعونَ، وخارجًا عن سلطانه، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. وعنى بقوله: ﴿تِلْقَاءَ﴾: نحو مدين. ويُقالُ: فعَل ذلك من تلقاء نفسه. يعني به: من قبل نفسه. ويُقالُ: دارُه تلقاء دارِ فلانٍ. إذا كانت مُحاذيتها.

стр. 12301

ولم يُصرَف اسمُ مدينَ؛ لأنها اسمُ بلدة معروفةٍ، كذلك تفعلُ العربُ بأسماءِ البلاد المعروفة ومنه قول الشاعر (١): رُهْبَانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكِ تَنزَّلُوا … والعُصْمُ مِنْ شَعَفِ العَقولِ الفَادِرِ وقولُه: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: عسى ربِّي أن يبيِّنَ لي قَصْدَ السبيل إلى مدين. وإنما قال ذلك لأنه لم يكن يعرفُ الطريق إليها. وذُكر أن الله قيَّض له إذ قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. مَلَكًا سَدَّده الطريق وعرَّفه إيَّاه. ذكرُ الرواية بذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما أخذ موسى في بُنَيَّاتِ الطريقِ، جاءه مَلَكٌ على فرسٍ، بيدِه عَنَزَةٌ، فلمَّا رآه موسى سجد له من الفَرَقِ، قال: لا تَسْجُدْ لى، ولكن اتبعنى. فاتَّبَعَه، فهداه نحو مدين، وقال موسى وهو مُتَوجِّهٌ نحو مدينَ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. فانطلق به حتى انتهى به إلى مَدينَ (٢). حدَّثني العباسُ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: خرَج موسى مُتَوجِّهًا نحو مدينَ، وليس له علمٌ بالطريق إلا حُسن ظنِّه بربِّه، فإنه قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٣).

стр. 12302

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ذُكِر لى أنه خرج وهو يقولُ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فَهَيَّأ الله الطريق إلى مدين، فخرج من مصرَ بلا زادٍ ولا حذاءٍ، ولا ظَهْرٍ ولا درهمٍ ولا رغيفٍ، خائفًا يترقَّبُ، حتى وقع إلى أُمَّةٍ من الناسِ يَسْقُون بمدينَ (١). حدَّثنا أبو عمارٍ الحسينُ بن حريثٍ المروزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرٍو، عن سعيد بن جُبَيرٍ، قال: خرَج موسى من مصر إلى مَدْينَ، وبينَها وبينَها مسيرةُ ثمانٍ. قال: وكان يقالُ: نحوٌ من الكوفة إلى البصرة، ولم يَكُنْ له طعامٌ إلا وَرَقُ الشَّجرِ، وخرَج حافيًا، فما وصَل إليها حتى وقَع خُفُّ قدَمِهِ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، قال: ثنا الأعمش، عن المِنْهال، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: لمَّا خرَج موسى من مصرَ إلى مدينَ، وبينه وبينَها ثمانِ ليالٍ، كان يقالُ: نحوٌ من البصرة إلى الكوفة. ثم ذكر نحوه (٣). ومدينُ كان بها يومئذٍ قومُ شعيبٍ ﵇. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادة قولَه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾: ومدين: ماءً كان عليه قومُ شعيبٍ (٤)، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي

стр. 12303

سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١). وأما قوله: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله نحو قولنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال: الطريقَ إلى مدينَ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثله. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال: قَصْدَ السَّبيل (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ راشدٍ، عن الحسنِ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال: الطريقَ المستقيمَ (٤).

стр. 12304

القولُ تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولما ورد موسى ماءَ مدينَ ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾. يعنى: جماعةً، ﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ نَعَمَهم ومواشِيَهم. وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا [موسى، قال: ثنا] (١) عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾. يقولُ: كثرةً مِن الناسِ يَسْقُون (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾. قال: أُناسًا (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: وقَع إلى أُمَّةٍ من

стр. 12305

الناسِ يَسْقُون بمدينَ، أَهلِ نَعَمِ وشاءٍ (١). حدَّثنا عليُّ بنُ موسى وابنُ بشَّارٍ، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: أخبَرنا عمرانُ القَطَّانُ، قال: ثنا أبو حمزة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾. قال عليُّ بنُ موسى: قال: مثلُ [ماءِ جَوْبِكُم] (٢) هذا. يعنى المُحدثة (٣). وقال ابن بشارٍ: مثلُ مُحدَثتِكم هذه. يعنى: جَوْبِكم (٤) هذا. وقولُه: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. يقولُ: ووجد من دونِ الأُمَّةِ الناسِ الذين هم على الماء، امرأتين تذودان. يعني بقوله: ﴿تَذُودَانِ﴾: تحبِسان غَنمَهما، يقالُ منه: ذاد فلانٌ غَنمَه وماشيتَه. إذا أراد شيءٌ من ذلك يَشِذُّ ويذهَبُ، فردَّه ومنَعه، يذودُها ذَوْدًا. وقال بعضُ أهل العربية من الكوفيِّين (٥): لا يجوزُ أن يُقالَ: ذدتُ الرجلَ. بمعنى: حبستُه، إنما يُقال ذلك للغنم والإبل. وقد رُوى عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنى لبِعُقْرِ حَوْضِى أذُودُ النَّاسَ عَنْهُ بعصاى" (٦). فقد جعل الذَّودَ ﷺ في الناسِ. ومنَ الذَّودِ قولُ سُوَيدِ بن كُراعٍ (٧): أَبيتُ عَلى بَابِ القَوَافِي كَأَنَّمَا … أذُودُ (٨) بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا

стр. 12306

وقول الآخر (١): وَقَدْ سَلَبَتْ عَصَاكَ بَنُو تَمِيمٍ … فَمَا تَدْرِي بأَيِّ عَصًا تَذُودُ وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تَذُودَانِ﴾. يقولُ: تَحْبِسانِ. حدَّثني العباسُ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبرنا الأصبعُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾: يعنى بذلك أنهما حابِسَتان (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جُبَيرٍ في قوله: ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. قال: حَابِسَتَين (٣). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. يقولُ: تَحبِسَانَ غَنمَهما (٤). واختلَف أهلُ التأويل في الذي كانت عنه تذودُ هاتان المرأتان؛ فقال بعضُهم: كانتا تذودان غَنَمَهما عن الماءِ حتى يَصْدُرَ عنه مواشى الناس، ثم تسْقيان

стр. 12307

ماشيتهما لضَعْفِهما. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن أبى مالكٍ قولَه: ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. قال: تَحبِسانَ غَنمَهما عن الناسِ، حتى يَفْرُغوا وتَخْلُو لهما (١) البئرُ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾. يعني: من دونِ القومِ، ﴿تَذُودَانِ﴾ غَنمَهما عن الماء، وهو ماءُ مدينَ (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: تذودان الناسَ عن غَنمِهما. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. قال: [وهى في بعض القراءةِ: (ووجد من دونهم امرأتين حابستين تذودان] (٤). أي: حابِسَتَين شاءَهما، تذودان الناس عن شائِهما (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن

стр. 12308

أصحابه: ﴿تَذُودَانِ﴾. قال: تذودانِ الناس عن غنمِهما (١). وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: تَحبِسان غَنمَهما عن الناس حتى يَفْرُغُوا مِن سَقْي مواشيهم. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لدّلالة قوله: ﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ له على أن ذلك كذلك، وذلك أنَّهما إنَّما شكنا أنهما لا تشقيان حتى يُصْدِرَ الرعاءُ؛ إذ سألَهما موسى عن ذَوْدِهما غنمهما، ولو كانتا تذودان عن غَنَمِهما الناسَ، كان لا شَكَّ أنهما كانتا تُخبران عن سبب ذَوْدِهما عنها (٢) الناس، لا عن سبب تأخُّر سقيهما إلى أن يُصدر الرعاءُ. وقوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾. يقول تعالى ذكرُه: قال موسى للمرأتين: ما شأنُكما وأمْرُكما، تذودان ماشيتكما عن الناسِ؟ هلّا تَسْقُونها مع مواشى الناسِ؟ والعرب تقول للرجل: ما خَطْبُك؟ بمعنى: ما أمْرُك وحالك؟ كما قال الراجز (٣): يا عَجَبًا ما خَطْبُه وخَطْبي وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا العباسُ، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغُ، قال: أخبرنا القاسمُ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال لهما: ما خَطْبُكما مُعْتَزِلَتين لا

стр. 12309

تسْقيان مع الناس (١)؟ حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وجد لهما رحمةً، ودَخَلْته فيهما خشيةٌ؛ لما رأى من ضعفهما وغلبة الناس على الماء دونَهما، فقال لهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾؟ أي: ما شأنُكما (٢)؟ وقوله: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾. يقول جلّ ثناؤه: قالت المرأتان لموسى: لا نَسْقى ماشيتنا حتى يُصْدِرَ الرعاء مواشيهم؛ لأنَّا لا نُطيقُ أن نسْقى، وإنما نَسْقى مواشينا ما أفْضَلَتْ مواشى الرِّعاءِ في الحوضِ. والرِّعاءُ، جمعُ راعٍ، والراعى جَمْعُه رِعاءٌ، ورعاةٌ، ورُعْيَانٌ. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباس، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغُ، قال: ثنا القاسم. قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباس، قال: لما قال موسى للمرأتين: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾؟ قالتا: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. أي: لا نستطيعُ أن نَسْقى حتى يَسقى الناسُ، ثم نَتَتَبَّعُ فَضلاتهم (٣). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾. قال: تنتظران تسقيان مِن فُضُولِ ما في الحياضِ؛ حياضِ الرعاء.

стр. 12310

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾: امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال، ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر أن يَمَسَّ ذلك من نفسه، ولا يَسْقِيَ ماشيته، فنحن ننتظر الناسَ، حتى إذا فَرَغوا أَسْقَيْنا ثم انْصَرَفْنا (١). واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأةِ الحجاز سوى أبى جعفر القارئ، وعامةُ قرأة العراقِ سوى أبي عمرو: ﴿يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾. بضمِّ الياء (٢). وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرٍو بفتح الياء (٣)، من: صدر (٤) الرعاءُ عن الحوض. وأما الآخرون فإنَّهم ضَمُّوا الياءَ، بمعنى: أَصْدَرَ الرعاءُ مواشيهم. وهما عندى قراءتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكلِّ واحدة منهما علماء من القرأة، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ. وقوله: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. يقولان: لا يستطيعُ من الكِبَرِ والضَّعْفِ أن يسْقى ماشيته. وقولُه: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾. ذُكِر أنَّه ﵇ فتح لهما عن رأس بئرٍ، كان عليه (٥) حَجَرٌ لا يُطيقُ رفعه إلا جماعةٌ من الناسِ، ثم اسْتَقى، فسقى لهما ماشيتَهما منه. ذكرُ من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني

стр. 12311

الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: فتَح لهما عن بئرٍ، حَجَرًا عَلَى فيها، فسَقَى لهما منها (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، [عن مجاهدٍ] (٢) بنحوه، وزاد فيه: قال ابن جريج: حَجَرًا (٣) كان لا يُطيقُه إِلا عَشَرةُ رَهْطٍ. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن الحكم، عن شريح، قال: انتهى إلى حَجَرٍ لا يرفعه إلا عَشَرةُ رجال، فرفعه وَحْدَهُ (٤). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: رحمهما موسى حين قالتا: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. فأتى إلى البئرِ فاقْتَلَع صخرةً على البئرِ كان النفرُ مِن أهلِ مَدْيَنَ يجتمعون عليها حتى يَرْفَعوها، فسقَى لهما موسى دَلْوًا، فَأَرْوَتا غَنمهما، فرجعتا سريعًا، وكانتا إنما تسْقيان من فُضُولِ الحياضِ (٥). حدَّثني العباس، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغُ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباس: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾: فجعَل يغرِفُ في الدَّلو ماءً كثيرًا، حتى كانتا أوّلَ الرعاءِ رِيًّا، فانصرفتا إلى

стр. 12312

أبيهما بغنمهما (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: تَصَدَّق عليهما نبيُّ الله ﷺ ، فسقَى لهما، فلم يَلبَثْ أَن أَرْوَى غَنمهما. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: أَخَذ دَلْوَهما موسى، ثم تقدَّم إلى السِّقاءِ بفضل قوَّتِه، فزاحَم القومَ على الماء، حتى أخَّرهم عنه، ثم سقى لهما (٢). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾. يقول تعالى ذكره: فسقى موسى للمرأتين (٣) ماشيتهما، ثم تولَّى إلى ظلِّ شجرةٍ ذُكِر أَنَّها [سَمُرةٌ (٤). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ثم تولَّى موسى إلى ظلٍّ] (٥) شجرةٍ سَمُرةٍ، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٦). حدَّثني العباس، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ، قال: ثنا القاسم، قال:

стр. 12313

ثنى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباس، قال: انصرف موسى إلى شجرة، فاسْتَظلَّ بظلِّها، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (١). حدثني الحسين بن عمرو العَنْقَزِيُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، قال: حثثتُ (٢) على جَمَلٍ لى ليلتين، حتى صبَّحت مدين، فسألتُ عن الشجرةِ التي أَوَى إليها موسى، فإذا شجرةٌ خضراء ترِفُّ، فأهْوَى إليها جَمَلى، وكان جائعًا، فأَخَذها جَمَلى، فعالجها ساعةً. ثم لفظها، فدَعَوتُ الله لموسى ﵇، ثم انصرفتُ (٣). وقوله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾: مُحتاجٌ. وذُكر أن نبيَّ الله موسى ﵇ قال هذا القول وهو بجَهْدٍ شديدٍ، وعَرَّض (٤) ذلك [للمرأتين تعريضًا] (٥) لهما، لعلَّهما (٦) أن تُطعِماه (٧) مما به من شدَّة الجوع. وقيل: إن الخير الذي قال نبيُّ الله ﷺ : ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. إنما عُنى به شُبْعةٌ من طَعام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

стр. 12314

ذكر من قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: لما هرب موسى ﷺ من فرعون أصابه جوع شديد، حتى كانت تُرَى أمعاؤُه من ظاهر الصِّفاقِ (١)، فلما سقَى (٢) للمرأتين، وأوى إلى الظلِّ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٣). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عنبسة، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: لو ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾، قال: ورد الماء وإنه لَيُتراءى خُضْرةُ البَقْلِ في بطنِه من الهزالِ، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال: شُبعة. حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمِ، عن عنبسة، عن أبي حصينٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾. قال: ورَد الماءَ وإنّ خُضْرةَ البَقْل لتُتراءى في بطنِه من الهُزال (٤). حدثني نصر بن عبد الرحمن، قال: ثنا حكامُ بن سَلْم، عن عنبسة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جُبَيرٍ: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: شُبْعَةٍ يومئذٍ (٥).

стр. 12315

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم في قوله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: قال هذا وما معه درهمٌ ولا دينارٌ (١). قال: ثنا سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: ما سأل إلا الطَّعام (١). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَمةُ بن الفضل، عن سفيان الثوريِّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: ما سأل ربَّه إلا الطعام (١). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: قال ابن عباس: لقد قال موسى، ولو شاء إنسانٌ أن ينظر إلى خُضْرة أمعائه من شدَّة الجوع، وما يسأل الله إلا أكلةً (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: كان نبيُّ اللهِ بجَهْدٍ (٣). حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن عطاء بن السائب في قوله: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: بلغنى أن موسى قالها وأسمع المرأة (٤). حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد

стр. 12316

قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: طعام (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: طعامٍ. حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال: الطعامَ يَسْتَطْعِمُ، لم يكن معه طعامٌ، وإنما سأل الطعام. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)﴾. يقول تعالى ذكره: فجاءت موسى إحدى المرأتين اللتين سقى لهما، تمشى على استحياء من موسى، قد سترت وجهها بثوبها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو السائب والفضلُ بنُ الصبَّاح، قالا: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن ضِرارٍ، عن (٢) عبدِ اللهِ بن أبي الهُذَيلِ، عن عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: مُستترةً بكُمِّ دِرْعِها، أو بكُمِّ قميصها (٣).

стр. 12317

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن حماد بن عمرٍو الأسديِّ، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهُذَيلِ، عن عمر ﵁، قال: واضعةً يدها على وجهها مستترةً. حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نَوْفٍ: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: قد سترت وجهها بيدها (١). قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن نَوْفٍ بنحوه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن نَوْفٍ: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: قائلةً بيدها (١) على وجهها. ووضع أبي يده على وجهه. حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: ليست بسَلْفَع من النساءِ (٢) خَرّاجةٍ وَلَّاجةٍ، واضعةً ثوبها على وجهها، تقول: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب ﵁: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: لم تكن سَلْفعًا من النساءِ خَرَّاجة ولَّاجةً، قائلةً بيدها على وجهها: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (٣).

стр. 12318

حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، قال: سَمِعتُ الحسن يقولُ في قوله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: بعيدةً مِن البَذَاءِ. حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: أتَته تمشى على استحياءٍ منه (١). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. قال: واضعةً يدها على جبينها. وقوله: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. يَقولُ تعالى ذكره: قالت المرأة التي جاءت موسى تمشى على استحياء: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ﴾. تقولُ: ليُثيبَكَ ﴿أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾. يقولُ: فمضى موسى معها إلى أبيها، فلمَّا جاء أباها وقَصَّ عليه قَصَصَه مع فرعون وقومه من القبط، قال له: أبوها: ﴿لَا تَخَفْ﴾ فقد ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: من فرعونَ وقومه؛ لأنه لا سلطانَ له بأرضِنا التي أنت بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباس، قال: أخبرنا يزيد، قال: ثنا الأصبغ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: استنكر أبو الجاريتين سُرعة

стр. 12319

صُدُورِهما بغَنمِهما حُفَّلًا بطانًا (١)، فقال: إن لكما اليوم لشأنًا - قال أبو جعفر: أَحْسَبُه قال: فأخبرتاه الخبر - فلمَّا أتاه موسى كلَّمه، ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطانٌ، ولسنا في مملكته (٢). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّي، قال: لما رجعت الجاريتان إلى أبيهما سريعًا سألهما، فأخْبَرتاه خبر موسى، فأرسل إليه إحداهما، فأتته تمشى على استحياء - [وهو يُسْتَحْيى منه] (٣) - قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. فقام معها وقال لها: امْضِي. فمشت بين يديه، فضربتها الريحُ، فنظر إلى عجيزتها، فقال لها موسى: امشى خَلْفى، ودُلِّينى على الطريق إن أخْطَأْتُ، فلما جاء الشيخ وقصَّ عليه القَصَصَ، قال: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. قال: قال مُطَرِّفٌ: أما والله لو كان عند نبيِّ الله شيءٌ، ما تتبَّع مذقتها (٥)، ولكن إنما حمله على ذلك الجَهْدُ، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٦). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: رَجَعتا إلى أبيهما في

стр. 12320

ساعةٍ كانتا لا تَرْجِعان فيها، فأنكَرَ شأنَهما، فسألَهما، فأخبرتاه الخبر، فقال لإحداهما: عجِّلى عليَّ به. فأتَته على استحياء، فجاءَتْه فقالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. فقام معها، كما ذُكر لى، فقال لها: امْشِي خَلْفى، وانْعَتى لى الطريق، وأنا أمْشِى أمامَك، فإنَّا لا نَنْظُرُ في (١) أدبار النساءِ. فلما جاءه أخبَره الخبرَ، وما أخرجه من بلادِه، فلما قص عليه القصص ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وقد أخبرت أباها بقوله: إنَّا لا نَنظُرُ في (٢) أدبار النساء (٣). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾. يقول تعالى ذكره: قالت إحدى المرأتين اللتين سَقَى لهما موسى لأبيها حين أتاه موسى. وكان اسم إحداهما صَفُورَةُ (٤)، واسم الأخرى ليا. وقيل: شرفا. كذلك. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني وهب بن سليمانَ الذِّماريُّ (٥)، عن شُعَيبٍ الجبائيِّ، قال: اسم الجاريتين ليا وصَفُورَةُ (٤)، وامرأة موسى صَفُورَة (٤) ابنه يثرونَ كاهن مدينَ، والكاهنُ حَبْرٌ (٦). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: إحداهما صَفُورَةُ (٤)

стр. 12321

ابنه يثرونَ، وأختُها شرفا، ويُقالُ: ليا. وهما اللتان كانتا تَذُودان (١). وأما أبوهما ففى اسمه اختلافٌ؛ فقال بعضُهم: كان اسمه يثرونَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمش، عن عمرو بن مرَّةَ، عن أبي عُبيدةً، قال: كان الذي استأجر موسى ابن أخى شُعيب يثرونَ (٢) حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرَّةً، عن أبي عبيدة، قال: الذي استأجر موسى يثرونُ ابن أخى شُعيب ﵇. وقال آخرون: بل اسمه: يثرى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن أبي جَمْرةً (٣)، عن ابن عباس، قال: الذي استأجر موسى يثرى صاحبُ مَدينَ (٤). حدَّثني أبو العالية العَبْديُّ إسماعيل بن الهيثم، قال: ثنا أبو قتيبة، عن حماد بن سلمة، عن أبي جَمْرةَ (٣)، عن ابن عباسٍ، قال (٥): اسمُ أبي المرأةِ يَثْرى (٤).

стр. 12322

وقال آخرون: بل اسمه شعيبٌ. وقالوا: هو شعيبٌ النبيُّ ﵇. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا قرة بن خالد، قال: سمعتُ الحسن يقولُ: يقولون: شُعَيبٌ صاحب (١) موسى (٢). ولكنه سيدُ أهلِ الماءِ يومَئِذٍ (٣). قال أبو جعفر: وهذا مما لا يُدرَكُ عِلْمُه إلا بخبرٍ، ولا خبر بذلك تجبُ حُجَّتُه، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله جلَّ ثناؤه: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾. تعنى بقولها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾: ليَرْعَى عليك ماشيتك، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. تقولُ: إِن خير من تَسْتأجِرُه للرَّعْي القويُّ على حفظ ماشيتك، والقيام عليها في إصلاحها وصلاحها، الأمين الذي لا تخافُ خيانته فيما تَتَّمِنُه (٤) عليه منها (٥). وقيل: إنها لمَّا قالت ذلك لأبيها، استنكر أبوها ذلك من وصفها إيَّاه، فقال لها: وما عِلْمُكِ بذلك؟ فقالت: أما قوَّتُه فما رأيتُ مِن علاجه ما عالج عندَ السَّقْي على البئر، وأما الأمانة فما رأيتُ من غَضِّ البصر عنى. وبنحو ذلك جاءت الأخبار عن أهل التأويل.

стр. 12323

ذكر من قال ذلك حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسمِ بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس، قال: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: فَأَحْفَظَتْه الغَيْرَةُ أَن قال: وما يُدريك ما قوَّتُه وأمانته؟! قالت: أما قوتُه فما رأيتُ منه حينَ سَقَى لنا، لم أرَ رجلًا قَطُّ أقوى في ذلك السَّقى منه، وأما أمانته فإنه نظر حين أقتلتُ إليه وشَخَصتُ له، فلمَّا عَلِم أنى امرأةٌ، صَوَّب رأسَه فلم يَرْفَعُه، ولم يَنْظُرْ إليَّ حتى بلَّغتُه رسالتك، ثم قال لى (١): امشى خَلْفى، وانْعَتى لى الطريق. ولم يفعل ذلك إلا وهو أمينٌ. فسُرِّيَ عن أبيها، وصدقها، وظنَّ به الذي قالت (٢). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله لموسى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. يقولُ: أمينٌ فيما وَلِيَ، أمين على ما اسْتُودِع (٣). حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: إن موسى لما سَقَى لهما، ورأت قوَّته، وحرَّك حَجَرًا على الرَّكِيَّةِ (٤) لم يستطعه ثلاثون رجلًا، فأَزَاله عن الرَّكِيَّةِ، وانطلق مع الجارية

стр. 12324

حينَ دعَتْه، فقال لها: امْشِى خَلْفى وأنا أمامَكِ. كراهيةَ أن يَرَى شيئًا مِن خلفِها مما حرَّم اللهُ أن يُنظر إليه، وكان يومًا فيه ريحٌ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي نُعْمٍ في قولِه: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال لها أبوها: ما رأيتِ من أمانيِه؟ قالت: لمَّا دَعَوْتُه مَشَيتُ بينَ يدَيه، فَجَعَلتِ الريحُ تَضْرِبُ ثيابي، فَتَلْزَقُ بجَسدِى، فقال: كُونى خَلْفى، فإذا بلَغَتِ الطريقَ فَآذِنِينى (١). قالت: ورأيتُه يَمْلأُ الحوضَ بسَجْلٍ واحدٍ. حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: غَضَّ طَرْفَه عنهما، قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: حينَ أو حتى سقَى لهما فصدَرتا. وقال الحارثُ في حديثِه: حتى سقَى. بغير شكٍّ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ، قال: فتح عن بئرٍ حَجَرًا على فيها، فسَقَى لهما بها، والأمينُ أنه غَضٌ بصرَه عنهما حينَ سقَى لهما فصدَرتا (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ وهانئُ بنُ سعيدٍ، عن الحجاجِ، عن القاسمِ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: رفع

стр. 12325

حجرًا لا يرفعه إلا فِئامٌ مِن الناسِ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، قال (٢): قال عمرُو بنُ ميمونٍ في قولِه: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: كان يومَ ريحٍ، فقال: لا تَمشِى أمامي، فيَصِفَك الريحُ لى، ولكن امْشِى خَلْفى، ودُلِّينى على الطريقِ. قال: فقال لها: كيف عرَفتِ قوَّتَه؟ قالت: كان الحَجرُ لا يُطِيقُه إِلَّا عَشَرَةٌ، فرفَعه وحدَهُ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو معاويةَ، عن الحجاجِ بن أرطاةَ، عن الحكمِ، عن شُرَيحٍ في قولِه: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: أما قوَّتُه؛ فانْتَهى إلى حجَرٍ لا يَرْفعُه إِلا عَشَرةٌ، فرفَعه وحدَه، وأما أمانتُه؛ فإنها مشَت أمامَه، فوصَفَها الريحُ، فقال لها: امْشِى خَلْفى، وصِفى لىَ الطريقَ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [معاويةُ بنُ عمرٍو] (٤)، عن زائدةَ، عن الأعمشِ، قال: سأل (٥) تميمٌ (٦) إبراهيمَ: بمَ عَرَفَتْ أمانته؟ قال: في طَرْفِه، بغضِّ طَرْفِه عنها. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ
следующие страницы →