← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12846–12885 · переход к 12851.

стр. 12846

جأَر إلى اللهِ، ثم قال: "هؤلاء أهلُ بيتى". قالت أمُّ سلمةَ، فقلت: يا رسولَ اللهِ أدخِلْني معهم قال: "إِنَّكِ مِنْ أَهْلِى" (١). حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سليمانَ الأصبهانيُّ، عن يحيى بن عُبيدٍ المكيِّ، عن عطاءٍ، عن عمرَ بن أبي سلمةَ، قال: نزلَت هذه الآيةُ على النبيِّ ﷺ وهو في بيت أمّ سلمةَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. فدعا حَسنًا وحسينًا وفاطمةَ، وأجلَسَهم بينَ يديه، ودعا عليًّا فأجلَسه خلفه، فتجلَّل هو وهم بالكساءِ، ثم قال: "هَؤُلاءِ أَهْلُ [بَيْتي، فَأَذْهِبْ عنهم الرِّجْسَ وطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا". قالت أمُّ سلمةَ: أنا معهم] (٢)؟ قال (٣): "مكانَك، وأَنْتِ على خَيْرٍ" (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ، قال: ثنا الصَّباحُ بنُ يحيى المرّيُّ، عن السديِّ، عن أبي الديلمِ، قال: قال عليُّ بنُ الحسينِ لرجلٍ مِن أهلِ الشأمِ: أما قرَأتَ في الأحزابِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾؟ قال: ولأنتم هم؟ قال: نعم (٥). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا بُكيرُ بنُ مِسْمارٍ، قال: سمعتِ عامرَ بنَ سعدٍ، قال: قال سعدٌ: قال رسولُ الله ﷺ حينَ نزَل عليه الوحيُ، فأَخَذَ عليًّا وابنيه وفاطمةَ، وأدخَلهم تحتَ ثوبِه، ثم قال: "رَبِّ

стр. 12847

هَؤُلاءِ أَهْلِى، وأَهْلُ بَيْتى" (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ القدوسِ، عن الأعمشِ، عن حكيمِ بن سعدٍ، قال: ذكَرْنا عليَّ بن أبى طالبٍ ﵁ عند أمِّ سلمةَ. قالت: فيه (٢) نزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قالت أمُّ سلمةَ: جاء النبيُّ ﷺ إلى بيتي، فقال: "لا تَأْذَني لأحَدٍ". فجاءت فاطمةُ، فلم أستطِعْ أن أحجبَها عن أبيها، ثم جاء الحسنُ، فلم أستطِعْ أن أمنعَه أن يدخلَ على جدِّه وأمِّه، وجاء الحسينُ، فلم أستِطعْ أن أحجُبَه، فاجتمَعوا حولَ النبيِّ ﷺ على بِساطٍ، فجلَّلهم نبيُّ اللهِ بكساءِ كان عليه، ثم قال: "هؤلاء أهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عنهم الرِّجْسَ وَطَهَّرْهُمْ تَطْهِيرًا"، فنزَلت هذه الآيةُ حينَ اجتمَعوا على البِساطِ؛ قالت: فقلت: يا رسولَ اللَّهِ: وأنا؟ قالت: فواللهِ ما أَنعمَ (٣)، وقال: "إنَّكِ إلى خَيْرٍ" (٤). وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أزواجُ رسولِ اللهِ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الأصْبغُ بنُ (٥) علقمةَ،

стр. 12848

قال: كان عكرمةُ يُنادِى في السوقِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قال: نزلت في نساءِ النبيِّ ﷺ خاصَّةً (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾. يقولُ تعالى ذكِرُه لأزواجِ نبيِّه محمدٍ ﷺ : واذكُرْنَ نِعمة اللهِ عليكنَّ؛ بأن جعلكنَّ في بيوتٍ تُتلى فيها آياتُ اللهِ والحكمةُ، فاشكُرْنَ اللَّهَ على ذلك، واحمِدنَه عليه، وعُنى بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: واذكرْنَ ما يُقرَأُ في بيوتكنَّ مِن آياتِ كتابِ اللهِ والحكمةِ، ويعنى بالحكمةِ: ما أُوحى إلى رسولُ اللهِ ﷺ مِن أحكامِ دينِ اللهِ، ولم يَنزلْ به قرآنٌ، وذلك: السنةُ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾: أي السنةِ، قال: يمْتنُّ عليهم بذلك (٢). وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله كان ذا لُطفٍ بكنَّ، إذ جعَلكنَّ في البيوتِ التي تُتلى فيها آياتُه والحكمةُ، خبيرًا بكُنَّ إذ

стр. 12849

اختاركَن لرسولِه أزواجًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن المتذلِّلِين للَّهِ بالطاعةِ والمتذلِّلاتِ، والمصَدّقين والمصَدِّقاتِ رسولَ اللهِ ﷺ ، فيما أتاهم به مِن عندِ اللهِ، والقانتينَ والقانتاتِ للهِ، والمطيعين للهِ والمطيعاتِ له فيما أمَرهم ونهَاهم، والصادقين الله فيما عاهَدوه عليه والصادقاتِ فيه، والصابرين للهِ في البأساءِ والضرَاءِ على الثباتِ على دينِه، وحينَ البأسِ والصابراتِ، والخاشعةَ قلوبُهم للهِ وجَلًا منه ومِن عقابهِ والخاشعاتِ، والمتصدِّقين والمتصدِّقاتِ: وهم المؤدُّون حقوقَ اللهِ مِن أموالِهم والمؤدِّياتِ، والصائمين شهرَ رمضانَ الذي فرَض اللهُ صومَه عليهم والصائماتِ ذلك، والحافظين فروجَهم، إلا على أزواجِهم أو ما ملَكت أيمانُهم، والحافظاتِ ذلك إلا على أزواجهنَّ، إن كنّ حرائرَ، أو مَن مَلَكَهُنَّ إن كنّ إماءً، والذاكرِين الله بقلوبِهم وألسنتِهم وجوارحِهم والذاكراتِ كذلك ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ لذنوبهم، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾: يعنى ثوابًا في الآخرةِ على ذلك مِن أعمالهم عظيما، وذلك الجنةُ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: دخَل نساءٌ على نساءِ النبيِّ ﷺ ، فقلْن: قد ذكَرَ كنَّ الله في القرآنِ، ولم نُذكرْ بشيءٍ، أما فينا ما يُذْكَرُ؟

стр. 12850

فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾: أي المطيعين والمطيعاتِ، ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾: أي الخائفين والخائفاتِ - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ لذنوبِهم، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ في الجنةِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: الجنةَ. وفى قوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾. قال: المطيعين والمطيعات (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ، عن عامرٍ، قال: القانتات: المطيعات. حدَّثنا ابن بشارٍ (٣)، قال: ثنا مَؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمَةَ: يا رسولَ اللهِ، يُذكرُ الرجال ولا نُذكر، فنزَلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، أن يحيى بنَ عبدِ الرحمنِ بن حاطبٍ، حدَّثه عن أمِّ سلمةَ، قالت: قلت: يا رسولُ اللهِ، أيُذكرُ الرجالُ في كلِّ شيءٍ، ولا نُذكرُ؟ فأنزَل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (٥). الآية.

стр. 12851

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا سَيَّارُ بنُ مظاهرٍ العَنَزِيُّ، قال: ثنا أبو كدينةَ يحيى بن مهلَّبٍ، عن قابوسَ بن أبي ظَبيانَ، عن أبيهِ، عن ابن عباسٍ، قال: قال نساءُ النبيِّ ﷺ : ماله يَذكرُ المؤمنين، ولا يذكرُ المؤمناتِ؟ فَأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (١). الآية. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولهَ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾. قال: قالت أمُّ سلمةَ زوجُ النبيِّ ﷺ : ما للنساءِ لا يُذكرنَ مع الرجالِ في الصلاحِ؟ فأنزَلَ اللَّهُ هذه الآيةَ. حدَّثني محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، [قال: ثنا أبو هشامٍ] (٢)، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا عثمانُ بنُ حكيمٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شيبةَ، قال: سمعت أمَّ سَلَمَةَ زوجَ النبيِّ ﷺ تقول: قلتُ للنبيِّ ﷺ : يا رسولُ اللهِ، ما لنا لا نُذكر في القرآن كما يُذكر الرجالُ؟ قالت: فلم يَرُعْنى ذاتَ يومٍ ظهرًا إلا نداؤه على المنبر، وأنا أُسرِّحُ رأسى، فلفَفْتُ شَعَرى ثم خرَجتُ إلى حُجرةٍ مِن [حُجَرِ بيتى] (٣)، فجعَلت سمعي عندَ الجريدِ، فإذا هو يقولُ على المنبرِ: "يا أيُّها النَّاسُ إن اللَّهَ يَقُولُ في كتابِهِ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤).

стр. 12852

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ (١) لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لم يكنْ لمؤمنٍ باللهِ ورسولهِ ولا مؤمنةٍ، إذا قضَى اللَّهُ ورسولُه في أنفسِهم قضاءً - أن يَتَخيَّروا مِن أمرِهم غيرَ الذي قضَى فيهم، ويُخالفوا أمرَ اللهِ وأمرَ رسولِه وقضاءَهما، فيعْصُوهما، ومَن يَعْصِ الله ورسولَه فيما أمرا أو نَهَيا ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. يقولُ: فقدْ جار عن قصدِ السبيلِ، وسلَك غيرَ سبيلِ الهدَى والرَّشادِ. وذُكر أن هذه الآيةَ نزَلت في زينبَ بنتِ جَحْشٍ حينَ خطَبها رسولُ الله ﷺ على فتاه زيدِ بن حارثةَ، فامتنَعت مِن إنكاحِه نفسَها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ، وذلك أنَّ رسولُ اللهِ ﷺ انطَلَق يَخطُبُ على فتَاه زيدِ بنِ حارثةَ، فدخَل على زينبَ بنتِ جحْشٍ الأسديَّة، فخطَبها، فقالت: لستُ بناكِحَتِه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "فانْكِحِيه". فقالت: يا رسولَ اللَّهِ أُوَّامَرُ في نفسى؟ فبينَما هما يَتَحدَّثان أنزَل الله هذه الآيةَ على رسوله ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿ضَلَالًا مُبِينًا﴾. قالت: قد رَضِيته لى يا رسولُ اللهِ مَنْكَحًا؟ قال: "نعم".

стр. 12853

قالت: إذن لا أعْصى رسولَ اللهِ، قد أَنكَحْتُه نفسى (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. قال: زينبُ بنتُ جحشٍ. وكراهتُها نكاحَ زيدِ بن حارثةَ حينَ أمرَها به رسولُ اللهِ ﷺ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. قال: نزَلت هذه الآيةُ في زينبَ بنتَ جحشٍ، وكانت بنتَ عمَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فخطَبها رسولُ اللهِ ﷺ فرَضِيت، ورأتْ أنه يَخْطُبُها على نفْسِه؛ فلما علِمت أنه يَخطبُها على زيدِ بن حارثةَ، أبَت وأنكرت، فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. قال: فتابَعَتْه بعدَ ذلك ورَضِيتْ (٣). حدَّثني أبو عبيدٍ الوصابيُّ (٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ حميرٍ، قال: ثنا ابن لهيعةَ، عن ابن أبي عمرةَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: خطَب رسولُ اللهِ ﷺ زينبَ بنتَ جحشٍ لزيدِ بن حارثةَ، فاستَنْكَفَت منه وقالت: أنا خيرٌ منه حَسَبًا. وكانت امرأةً فيها حِدَّةٌ، فأنزَل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ الآيةَ

стр. 12854

كلَّها (١). وقيل: نزَلت في أمِّ كُلْثومٍ بنتَ عُقْبَةَ بن أَبي مُعَيطٍ، وذلك أنها وهَبت نفسَها لرسولِ اللهِ ﷺ ، فزوَّجها زيدَ بنَ حارثةَ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: نزَلت في أمِّ كُلْثومٍ بنتِ عقبةَ بن أبي مُعَيطٍ، وكانت (٢) أوَّلَ مِن هاجَر مِن النساءِ، فوهَبت نفسَها للنبيِّ ﷺ ، فزوَّجها زيدَ بنَ حارثةَ، فسَخِطَت هي وأخوها، وقالا: إنما أرَدنا رسولُ اللهِ ﷺ ، فزوَّجنا عبدَه. قال: فنزل القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ إلى آخر الآية، قال: وجاء أمرٌ أجمَعُ مِن هذا؛ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. قال: فذاك خاص، وهذا جِمَاعٌ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾. قولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ عتابًا من للهِ له: واذكرْ يا محمدُ إذ تقولُ للذي

стр. 12855

أنعَم اللهُ عليه بالهدايةِ، وأنْعَمْتَ عليه بالعِتْقِ. يعنى بذلك (١) زيدَ بنَ حارثةَ مولى رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾. وذلك أن زينبَ بنتَ جَحْش - فيما ذُكر - رآها رسولُ اللهِ ﷺ فأعْجبَتْه، وهي في جِبالِ مولاه، فأُلْقِيَ في نفسِ زيدٍ كراهتُها؛ لِما علِم الله مما وقع في نفسِ نبيِّه ما وقَع، فأراد فراقَها، فذكَر ذلك الرسولِ اللهِ ﷺ : زيدٌ، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾. وهو ﷺ [في ذلك] (٢) يحبُّ أن تكونَ قد بانَت منه لِينْكِحَها، ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ يقولُ (٣): وخَفِ الله في الواجبِ عليك في زوجتك، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾. يقولُ: وتُخفى في نفسِك محبةَ فراقِه إيَّاها؛ لِتَتَزوَّجَها إن هو فارَقها، واللَّهُ مُبْدٍ ما تُخفى في نفسِك مِن ذلك، ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتخافُ أن يقولُ الناسُ: أمر رجلًا بطلاقِ امرأتِه، ونكَحها حينَ طلَّقها، واللَّهُ أَحقُّ أن تَخْشاه مِن الناسِ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾. وهو زيدٌ أنْعَم اللهُ عليه بالإسلامِ، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾: أَعْتَقه رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾. قال: وكان يُخْفى في نفسه وُدَّ أنه طلَّقها. قال الحسنُ: ما أُنزِلَت عليه آيةٌ كانت أشدَّ عليه منها، قولَه: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ

стр. 12856

مُبْدِيهِ﴾. ولو كان نبيُّ الله ﷺ كاتما شيئًا مِن الوحيِ لكتَمها، ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. قال: خشىَ نبيُّ اللهِ ﷺ مقالةَ الناسِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان النبيُّ ﷺ قد زوَّج زيدَ بنَ حارثةَ زينب بنتَ جَحْشِ ابنةَ عمتِه، فخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ يومًا يُرِيدُه، وعلى البابِ سِتْرٌ مِن شعرٍ، فرفَعت الريحُ السترَ فانْكَشَف، وهي في حُجِرتِها. حاسرةٌ، فوقَع إعجابُها في قلبِ النبيِّ ﷺ ، فلمَّا وقَع ذلك كُرِّهَت إلى الآخرِ، قال: فجاء. فقال: يا رسولَ اللهِ، إنى أُرِيدُ أن أُفارِقَ صاحبتي. قال: "مَا لك، أرابَك منها شيءٌ؟ " قال: لا، واللهِ ما رابَنى منها شيءٌ يا رسولُ اللهِ، ولا رأيتُ إلا خيرًا. فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾. فذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾: تُخْفِى في نفسك إن فارقَها تزَوَّجْتَها (٢). حدَّثني محمدُ بنُ موسى الحرشيُّ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أبي حمزةَ، قال: نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ في زينبَ بنتَ جَحْشٍ (٣). حدَّثنا خَلَّادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن عليٍّ بن زِيدِ بن جُدْعَانَ

стр. 12857

عن عليّ بن حسينٍ قال: كان اللهُ ﵎ أعْلَم نبيَّه ﷺ أن زينبَ سَتَكُونُ مِن أزواجه، فلما أتاه زيدٌ يَشْكوها قال: "اتَّقِ الله وَأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ". قال اللهُ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ (١). حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن عائشةَ، قالت: لو كتَم رسولُ اللهِ ﷺ شيئًا مما أو حِى إليه مِن كتابِ اللهِ لكتَم: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (٢). وقولُه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا قضَى زيدَ بنَ حارثةَ مِن زينبَ حاجتَه؛ وهى الوطَرُ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): ودَّعَنى قبلَ أَنْ أُودِّعَه … لمَّا قضَى مِن شبابنِا وَطَرَا ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾. يقولُ: زوَّجناك زينبَ بعدَ ما طلَّقها زيدٌ، وبانت منه؛ ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾. [يقولُ: لكيلا يكونَ على المؤمنين حرجٌ. يعنى: إثمٌ في أزواجِ أدعيائهم] (٤) يعني: في نكاحِ نساء مَن تبَنَّوا، وليسوا ببَنِيهم ولا أولادِهم على صحةٍ، إذا هم طلَّقوهن وبِنَّ منهم، ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾. يقولُ: إذا قضَوا منهن حاجاتِهم وآرائهم، وفارَقوهنَّ وحَلَلْنَ

стр. 12858

لغيرِهم، ولم يَكُنْ ذلك نزولًا منهم لهم عنهن، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. يقولُ: وكان ما قضَى اللَّهُ مِن قضاءٍ مفعولًا، أي: كان كائنًا لا مَحَالة، وإنما يعنى بذلك أن قضاءَ اللهِ في زينبَ أن يَتَزَوَّجَها رسولُ اللهِ ﷺ ، كان ماضيا مفعولًا كائنًا. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾. يقولُ: إذا طلَّقُوهن، وكان رسولُ اللهِ ﷺ تَبَنَّى زيدَ بنَ حارثةَ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. إذا كان ذلك منه غيرَ نازلٍ لك، فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. حدَّثني محمدُ بنُ عثمان الواسطيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن المُعَلَّى بن عِرْفانَ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ بن جَحْشٍ، قال: تَفاخَرَت عائشةُ وزينبُ. قال: فقالت زينبُ: أنا الذي نزل تزويجى (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: كانت زينبُ زوجُ النبيِّ ﷺ تقولُ للنبيِّ ﷺ : إني لأدِلُّ عليكَ بثلاثٍ، ما مِن نسائِك امرأةٌ تَدِلُّ

стр. 12859

بهن؛ أن جدِّى وجدَّك واحدٌ، وأنى أَنْكَحَنِيكَ اللَّهُ مِن السماءِ، وإِن السَّفِيرَ جَبرائيلُ ﵇ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾: مِن إثمٍ فيما أَحَلَّ اللَّهُ له مِن نكاحِ امرأةِ مَن تَبَنَّاه بعد فراقِه إياها. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾. أي: أَحَلَّ اللَّهُ له (٢). وقولُه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: لم يَكُنِ اللَّهُ تعالى لِيُؤْثِمَ نبيَّه فيما أحَلَّ له، مثالَ فعله بمن قبلَه مِن الرسلِ الذين مضَوْا قبلَه، في أنه لم يُؤْثِمُهم بما أحَلَّ لهم، لم يَكُنْ لنبيه أن يَخْشَى الناسَ فيما أمَره به أو أحَلَّه له، ونُصِب قولُه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾. على معنى: حقًّا مِن اللهِ، كأنه قال: فعَلْنا ذلك سنةً منا. وقولُه ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾. يقولُ: وكان أمرُ اللهِ قضاءً مَقْضِيًّا. وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: إن الله كان علمُه معه، قبلَ أن يخْلُقَ الأشياء كلَّها، فائْتَمَر في علمِه أن يَخْلُق خلقًا، ويَأْمُرَهم وينهاهم، ويَجْعَلَ (٣) ثوابًا لأهلِ طاعتِه، وعقابًا لأهلِ معصيتِه، فلما ائْتَمَر ذلك الأمرُ قدَّرَه،

стр. 12860

فلما قدَّره كُتِب، وغاب عليه، فسمَّاه الغيب وأمَّ الكتابِ، وخلَق الخلَق على ذلك الكتابِ، أرزاقَهم، وآجالَهم، وأعمالَهم، وما يُصِيبُهم مِن الأشياء؛ مِن الرخاءِ والشدةِ، مِن الكتابِ الذي كتبه أنه يُصِيبُهم، وقرأَ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. حتى إذا نفد ذلك ﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧]. وأمرُ اللهِ الذي ائْتَمر قدَّره حيَن قدَّره مُقَدِّرًا، فلا يَكونُ إلا ما في ذلك، وما في ذلك الكتابِ، وفى ذلك التقديرِ، ائْتَمر أمرًا، ثم قدَّره، ثم خلَق عليه، فقال: كان أمرُ اللَّه الذي مضَى وفرغ منه، وخلَق عليه الخلقَ ﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: شاء أمرًا لتَمْضِىَ به أمرُه وقدره، وشاء أمرًا يرضاه مِن عبادِه في طاعتِه، فلمَّا أن كان الذي شاءِ مِن طاعتِه لعبادِه رضِيَه لهم، ولما أن كان الذي شاء أراد أن يَنْفُذَ فيه أمرُه وتدبيرُه وقدرُه، وقرَأ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف:١٧٩]. فشاء أن يكون هؤلاء مِن أهلِ النارِ، وشاء أن تكونَ أعمالهم أعمالَ أهلِ النارِ، فقال: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام:١٠٨]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]. هذه أعمالُ أهلِ النارِ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾. قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وقرَأ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] إلى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] أن يُؤْمِنوا بذلك، قال: فأَخْرَجوه مِن اسمِه الذي تَسَمَّى به. قال: هو الفعَّال لما يُريدُ، فزعموا أنه ما أراد. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾.

стр. 12861

يقولُ تعالى ذكرُه: سنةُ اللهِ في الذين خلَوْا مِن قبل محمدٍ مِن الرسل، الذين يُبَلِّغون رسالاتِ اللَّهِ إلى مَن أُرْسلوا إليه، ويخافون الله في تركِهم تبليغَ ذلك إيَّاهم. ولا يخافون أحدًا إلا الله، فإنهم إيَّاه يَرْهَبون، إن هم قصَّروا عن تبليغِهم رسالةَ اللهِ إلى مَن أُرْسِلوا إليه. يقولُ لنبيِّه محمدٍ: فمِن أولئك الرسلِ الذين هذه صفتُهم، فكُنْ ولا تَخْشَ أحدًا إلا الله، فإنَّ الله يَمْنَعُك مِن جميعِ خلقِه، ولا يَمْنَعُك أحدٌ مِن خلقِه منه، إن أراد بك سوءًا. و "الذين" مِن قوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾. خفضٌ ردًّا على "الذين" التي في قوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾. وقولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكفاك يا محمدُ باللهِ حافظُا لأعمالِ خلقِه، ومُحاسِبًا لهم عليها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما كان أيُّها النَّاسُ محمدٌ أبا زيدَ بنَ حارثةَ، ولا أبا أحدٍ مِن رجالِكم الذين لم يَلِدْه محمدٌ - فيحرُمَ عليه نكاحُ زوجتِه بعد فِراقِه إياها؛ ولكنه رسولُ الله وخاتمُ النبِيِّين، الذي ختَم النُّبوَّةَ فطبَع عليها، فلا تُفْتحُ لأحدٍ بعدَه إلى قيامِ الساعةِ، وكان اللهُ بكلِّ شيءٍ مِن أعمالِكم ومقالِكم وغيرِ ذلك، ذا علمٍ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12862

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. قال: نزَلت في زيدٍ؛ إنه لم يكنْ بابْنِه، ولعَمْرِى ولقد وُلِد له ذكورٌ، إنه لأبو القاسمِ وإبراهيمَ والطَّيِّبِ والمطهَّرِ، ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. أي: آخرَهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارة، قال: ثنا عليُّ بنُ قادمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن نُسَيْرِ (٢) ابن ذُعْلُوقٍ، عن عليٍّ بن الحسينِ في قولِه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. قال: نزلت في زيدَ بنَ حارثةَ (٣). والنَّصْبُ في رسولُ اللهِ ﷺ بمعنى تكريرِ: كان (٤) رسولُ اللهِ ﷺ ، والرَّفعُ يعنى الاسْتِئنافَ؛ ولكن هو رسولُ اللهِ، والقراءةُ النَّصْبُ عندَنا (٥). واختلَفتِ القَرأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. فقرَأ ذلك قرَأَةُ الأمصارِ سِوى الحسنِ وعاصمٍ، بكسرِ التاء مِن ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. بمعنى أنه خَتَمَ النَّبِيِّين، ذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (لكنَّ نبيًّا ختَم النبيين) (٦). فذلك دليل على صحةِ قراءةِ مِن قرأَه بكسرِ التاءِ، بمعنى أنه الذي خَتَم الأنبياءَ ﷺ وعليهم. وقرَأ ذلك - فيما يُذْكَرُ - الحسنُ وعاصمٌ: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. بفتحِ

стр. 12863

التاء، بمعنى: أنه آخرُ النبِيِّين، كما قرَأ: (مختومٍ. خاتَمُه مِسْكٌ). بمعنى: آخرُه مِسكٌ، مَن قرأ ذلك كذلك (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يَأَيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، اذْكُروا الله بقلوبكم وألسنتِكم وجوارِحِكم ذكرًا كثيرًا، فلا تخلو أبدانكم مِن ذكرُه في حالٍ مِن أحوالِ طاقتِكم ذلك. ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. يقولُ: صلوا له عُدْوةً صلاةَ الصبحِ، وعشيًّا صلاة العصر. وقولُه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ربُّكم الذي تذْكُرونه الذِّكْرَ الكثير، وتسبِّحونه بُكرةً وأصيلًا، إذ أنتم فعَلْتُم ذلك، الذي (٢) يرحمُكم، ويُثْنى عليكم هو، ويدْعو لكم (٣) ملائكتُه. وقيل: إن معنى قوله: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾. يُشِيعُ عنكم (٤) الذِّكر الجميلَ في عبادِ اللَّهِ. وقولُه: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. يقولُ: تدْعو ملائكةُ اللهِ لكم، فيُخْرجُكم اللهُ مِن الضَّلالةِ إلى الهُدى، ومِن الكفرِ إلى الإسلامِ. وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12864

ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. يقولُ: لا يَفرِضُ على عبادِه فريضةً إلا جعَل لها حدًّا معلومًا، ثم عذَر أهلَها في حالِ عُذرٍ غيرَ الذِّكْرِ، فإن الله لم يَجْعَلْ له حدًّا يُنْتَهى إليه، ولم يَعْذِرْ أحدًا في تَرْكِه إلا مغلوبًا على عقلِه؛ فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. بالليلِ والنهارِ في البرِّ والبحرِ، وفي السفرِ والحضرِ، والغِنى والفقرِ، والسَّقمِ والصحةِ، والسرِّ والعلانيةِ، وعلى كلِّ حالٍ، وقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. فإذا فعلتُم ذلك صلَّى عليكم هو وملائكتُه، قال اللهُ : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: صلاةَ الغَداة، وصلاةَ العصرِ (٢). وقولُه: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. أي: من الضَّلالات إلى الهُدى. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. قال: مِن الضَّلالة إلى الهدى، قال: والضَّلالةُ الظُّلمات، والنورُ الهدى. وقولُه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: وكان بالمؤمنين

стр. 12865

به ورسوله ذا رحمةٍ أن يعذِّبَهم وهم له مطيعون، ولأمره مُتَّبعون. ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: تحيةُ هؤلاء المؤمنين يومَ القيامةِ في الجنةِ سلامٌ، يقولُ بعضُهم لبعضٍ: أَمَنَةٌ لنا ولكم بدُخولِنا هذا المَدْخَلَ مِن اللهِ أن يعذِّبَنا بالنار أبدًا. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾. قال: تحيةُ أهلِ الجنةِ السلامُ (١). وقولُه: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾. يقولُ: وأعدَّ لهؤلاء المؤمنين ثوابًا لهم على طاعتِهم إياه في الدنيا كريمًا، وذلك هو الجنةُ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾: أي الجنةَ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : يا محمدُ، إنا أرسَلناك شاهدًا على أمتِك، بإبلاغِك إياهم ما أرسَلناك به من الرسالةِ، ومبشِّرَهم بالجنةِ إن صدَّقوك، وعمِلوا بِما جئَتهم به من عندِ ربِّك، ونذيرًا مِن النارِ أن يَدْخلوها، فيُعذَّبوا بها إن هم كذَّبوك، وخالَفوا ما جئتَهم به مِن عندِ اللهِ.

стр. 12866

وبالذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ (١) على أمتِك بالبلاغِ، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ بالجنةِ، ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنارِ (٢). وقولُه: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: وداعيًا إلى توحيدِ اللهِ، وإفرادِ الألوهةِ له، وإخلاصِ الطاعةِ لوجهِه، دونَ كلِّ مَن سواه مِن الآلهةِ والأوثانِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾: إلى شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ (٢). وقولُه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾. يقولُ: بأمرِه إياك بذلك، ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾. يقولُ: وضياءً لخلقِه، يَسْتَضِيءُ بالنورِ الذي أتيتَهم به مِن عندِ اللَّهِ، عباده، ﴿مُنِيرًا﴾. يقولُ: ضياءً يُنيرُ لمن استضاء بضوئِه، وعمِل بما أمَره. وإنما يَعْنى بذلك: أنه يَهْدِى به مَن اتبعه مِن أَمتِه. وقولُه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبشِّرْ أهلَ الإيمانِ باللهِ يا محمدُ بأن لهم مِن اللهِ فضلًا كبيرًا. يقولُ: بأن لهم مِن ثوابِ اللهِ (٣) على طاعتهم إياه تضعيفًا كثيرًا (٤)، وذلك هو الفضلُ الكبيرُ من اللهِ لهم. وقولُه: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. يقولُ: ولا تُطِع لقولِ كافرٍ ولا منافقٍ، فتسمعَ منه دعاءَه إياك إلى التقصيرِ في تبليغِ رسالاتِ اللهِ

стр. 12867

إلى مَن أرسَلك بها إليه مِن خلقِه ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾. يقولُ: وأعرِض عن أذاهم لك، واصبِرْ عليه، ولا يُثْنِك (١) ذلك عن القيامِ بأمرِ اللهِ في عبادِه، والنفوذِ لما كلَّفك. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾. قال: أعرِض عنهم (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾: أي اصبِرْ على أذاهم (٣). وقولُه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: وفوِّض إلى اللهِ أمورَك، وثِق به، فإن الله كافيك جميعَ مِن دونه، حتى يأتيَك أمرُه وقضاؤه، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. يقولُ: وحسبُك باللهِ قَيِّمًا بأمورِك، وحافظًا لك وكالئًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾.

стр. 12868

يقولُ تعالى ذكْرُه: يا أيُّها الذين صَدَّقُوا الله ورسولهَ، ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، يَعْنى: مِن قبلِ أن تجامِعوهن، ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، يعنى: مِن إحصاء أقْراءٍ ولا أشهرٍ تحصُونها عليهنَّ، ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾. يقولُ: أعطُوهنّ ما يَسْتَمْتِعن به مِن عرَضٍ أو عينِ مالٍ. وقولُه: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. يقولُ: وخَلُّوا سبيلَهنّ تخليةً بالمعروفِ، وهو التسريحُ الجميلُ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾. فهذا في الرجل يتزوج المرأةَ، ثم يُطَلِّقُها مِن قبلِ أن يمسَّها، فإذا طلَّقها واحدةً بانت منه، ولا عدّةَ عليها، تتزوّجُ مَن شاءَت، ثم قرأ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. يقولُ: إن كان سَمَّى لها صداقًا، فليس لها إلا النصفُ، فإِنْ لم يَكُنْ سَمَّى لها صداقًا، متَّعها على قدرِ عسرِه ويُسْرِه، وهو السراحُ الجميلُ (١). وقال بعضُهم: المتعةُ في هذا الموضعِ منسوخةٌ بقولِه: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 12869

آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قولِه: ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. قال: قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ: ثم نَسَخ هذا الحرفُ المُتَعَةَ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يُحدِّثُ عن سعيد بن المسيب، قال: نُسخت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (٢). قال: نَسَخت هذه الآيةُ التي في "البقرة" (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾. يعنى: اللاتي تزوَّجْتَهنَّ بِصَدَاقٍ مُسَمًّى. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا

стр. 12870

عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾. قال: صَدُقاتِهنَّ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾. قال: كان كلُّ امرأةٍ آتاما مهرًا، فقد أَحَلَّها اللَّهُ له. حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فما كان مِن هذه التسميةِ ما شاء كثيرًا أو قليلًا. وقولُه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾. يقولُ: وأَحْلَلْنا لك إماءَك اللَّواتي سبَيَتْهَن، فملَكْتَهن بالسِّباءِ، وصِرْنَ لك بفتحِ اللهِ عليك مِن الفَيْءِ، ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، فأحلَّ اللهُ له ﷺ مِن بنات عمِّه وعماتِه وخالِه وخالاتِه، المهاجراتِ معه منهن، دونَ مِن لم يهاجِرْ منهن معه. كما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبيدُ (٢) اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ عن أمِّ هانئ، قالت: خطَبني رسولُ اللهِ ﷺ ، فاعتذرتُ إليه (٣) فعذَرني (٤)، ثم أنزَل اللهُ عليه: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ

стр. 12871

أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾. قالت: فلم أحلَّ له (١)، لم أُهَا جِرْ معه، كنتُ مِن الطُّلَقاءِ (٢). وقد ذُكر أن ذلك في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وبَنَاتِ حَالاتِكَ وَاللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) بواوٍ (٣)، وذلك وإن كان كذلك في قراءته، محتملٌ أن يكونَ بمعنى قراءِتنا بغيرِ الواوِ، وذلك أن العربَ تدخلُ الواوَ في نعتِ مَن قد تقدَّم ذكْرُه أحيانًا، كما قال الشاعرُ (٤): فإِنَّ رُشَيدًا وابنَ مَرْوانَ لم يَكُنْ … لِيَفْعَلَ حتى يُصْدِرَ الأمرَ مُصْدَرَا ورشيدٌ هو ابن مرْوانَ. وكان الضحاكُ بنُ مُزاحمٍ يتأوَّلُ قراءةَ عبد اللهِ هذه أنهن نوعٌ غيرُ بناتِ خالاتِه، وأنهنَّ كُلُّ مُهاجرةٍ هاجَرت مع النبيِّ ﷺ . ذكرُ الخبر عنه بذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيد، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في حرفِ ابن مسعودٍ: (وَاللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ). يعنى بذلك: كلَّ شيءٍ هاجَر معه ليس مِن بناتِ العمِّ والعمةِ، ولا مِن بناتِ الخالِ والخالةِ.

стр. 12872

وقولُه: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. يقولُ: وأحْلَلْنا له امرأةً مؤمنةً إن وَهَبَت نفسها للنبيِّ بغير صَداقٍ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ بغيرِ صداقٍ، فلم يَكُنْ يُفْعَلُ ذلك وأَحِلَّ له خاصةً مِن دونِ المؤمنين (١). وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ نَفْسَها للنَّبِيِّ) (٢). بغيرِ "إن"، ومعنى ذلك ومعنى قراءتنا وفيها "إن" واحدٌ، وذلك كقول القائلِ في الكلامِ: لا بأسَ أن يَطَأَ جاريةً مملوكةً إن ملكها، وجاريةً مملوكةً ملكها. وقولُه: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾. يقولُ: إن أراد أن ينكحَها، فحلالٌ له أن ينكحَها إذا وهبَت نفسَها له بغيرِ مهرٍ، ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾، يقولُ: لا يَحِلُّ لأحدٍ مِن أُمَّتِك أن يقربَ امرأةً وهبَت نفسَها له، وإنما ذلك لك يا محمدُ خالصةً أُخلِصَت لك مِن دونِ سائرِ أُمتِك. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ليس لامرأةٍ أن تَهَبَ نفسَها لرجلٍ بغيرِ أُمرِ وليٍّ ولا مهرٍ، إلا للنبيِّ، كانت له خالصةً (٣) مِن دونِ الناسِ، ويزعُمون أنها نزلَت في ميمونةَ بنتِ الحارثِ، أنها التي وهبَت نفسها للنبيِّ (٤).

стр. 12873

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: كان كلُّ امرأةٍ أتاها مهرًا، فقد أحلَّها اللهُ له إلى أن وهَب هؤلاء أنفسَهنَّ له، فأُحْلِلْنَ له دونَ المؤمنين بغير مَهْرٍ، خالصةً لك مِن دونِ المؤمنين، إلا امرأةً لها زوجٌ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن صالحِ بن مسلمٍ، قال: سألتُ الشعبيِّ عن امرأةٍ وهبَت نفسَها لرجلٍ، قال: لا يكونُ، لا تحِلُّ له، إنما كانت للنبيِّ ﷺ (١). واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾؛ فقَرأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ بكسرِ الألفِ على وَجْهِ الجزاء، بمعنى: إن تَهَبْ. وذُكر عن الحسنِ البصريِّ أنه قرَأ: (أنْ وَهَبَتْ). بفتحِ الألفِ (٢)، بمعنى: وأحْلَلْنا له امرأةً مؤمنةً أن ينكحَها؛ لهبَتِها له نفسَها. والقراءةُ التي لا أستجيزُ خلافَها في ذلك كسرُ الألفِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليه. وأما قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ليس ذلك للمؤمنين. وذُكر أن رسولَ اللهِ ﷺ قبلَ أن تنزَل عليه هذه الآيةُ يتزوَّجُ أيَّ النساءِ شاء، فقصَر اللهُ على هؤلاء، فلم يَعْدُهُنَّ وقصَر سائرَ أمَّتِه على مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ.

стр. 12874

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ داودَ بنَ أبي هندٍ، عن محمدِ بن أبي موسى، عن زيادٍ؛ رجلٍ مِن الأنصار، عن أُبيِّ بن كعبٍ أن التي أحلَّ اللهُ للنبيِّ ﷺ مِن النساءِ، هؤلاء اللاتى ذكَر اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾. وإنما أحلَّ اللهُ للمؤمنين مَثْنَى وَثُلاثَ ورُباعَ. وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: حَرَّم اللَّهُ عليه ما سِوى ذلك مِن النساءِ، وكان قبلَ ذلك ينكحُ في أيِّ النساءِ شاء، لم يُحَرِّمْ ذلك عليه، فكان نساؤُه يَجِدْنَ مِن ذلك وَجْدًا شديدًا، أن ينكح في أيِّ الناسِ أحبَّ، فلما أنزل اللهُ أنى قد حرَّمتُ عليك مِن النساءِ سوى ما قَصَصْتُ عليك، أعجَب ذلك نساءَه (١). واختلَف أهلُ العلمِ في التي وهَبت نفسَها لرسولِ اللهُ ﷺ مِن المؤمناتِ، وهل كانت عندَ رسول اللهِ ﷺ امرأةٌ كذلك؟ فقال بعضُهم: لم يَكُنْ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ امرأةٌ إلا بعقدِ نكاحٍ، أو مِلْكِ يمينٍ، فأما بالهِبَةِ فلم يَكُنْ عندَه منهنَّ أحدٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بن بُكَيرٍ، عن عَنْبسةَ بن الأَزهرِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لم يَكُنْ عند رسولِ اللهِ ﷺ امرأةٌ وهبَت

стр. 12875

نفسَها (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. قال: أَن تَهَبَ (٢). وأما الذين قالوا: قد كان عندَه منهن؛ فإن بعضُهم قال: كانت ميمونةَ بنتَ الحارثِ. وقال بعضُهم: هي أمُّ شَرِيكٍ. وقال بعضُهم: زينبُ بنتُ خُزَيمةَ. ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. قال: هي ميمونةُ بنتُ الحارثُ (٣). وقال بعضُهم: زينبُ بنتُ خُزَيمةَ، أم المساكينِ، امرأةٌ مِن الأنصارِ (٤). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنى الحكمُ، قال: كتَب عبدُ الملكِ إلى أهلِ المدينةِ يسألُهم، قال: فكتَب إليه عليٌّ - قال شعبةُ:

стр. 12876

وهو ظَنِّي عليَّ بنَ حُسينٍ، قال: وقد أخبَرنى به أبانُ بنُ تَغْلِبَ، عن الحكم، أنه عليُّ بن الحسينِ الذي كتَب إليه - قال: هي امرأةٌ مِن الأَزدِ (١)، يقالُ لها: أَمُّ شَرِيكٍ. وهَبَت نفسها للنبيِّ (٢). قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ أبى السَّفَرِ، عن الشعبيِّ، أنها امرأةٌ مِن الأنصارِ، وهَبَت نفسها للنبيِّ، وهى ممن أَرْجَأ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني سعيدٌ، عن هشامِ بن عُرْوةَ، عن أبيه، أن (٤) خَوْلةَ بنتَ حكيمِ بن الأوقصِ من بني سُلَيمٍ، كانت مِن اللاتي وَهَبْنَ أنفسَهنَّ الرسول اللهِ ﷺ (٥). قال: ثنى سعيدٌ، [وابنُ] (٦) أبي الزنادِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أمَّ شَرِيكٍ كانت وهَبت نفسَها للنبيِّ ﷺ ، وكانت امرأةً صالحةً (٧). وقولُه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: قد عَلِمنا ما فرَضْنا على المؤمنين في أزواجِهم إذا أرادوا نكاحَهنَّ، مما لم نفرِضْه

стр. 12877

عليك، وما خَصَصْناهم به مِن الحكمِ في ذلك دونَك، وهو أنا فرَضْنا عليهم ألا يَحِلَّ لهم عقدُ نكاحٍ على حرةٍ مؤمنةٍ (١) إلا بوليٍّ عَصَبةٍ وشهودٍ عدولٍ، ولا يَحِلُّ لهم منهنَّ أكثرُ مِن أربعٍ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبد اللهُ بن أحمد شَبُّويَه، قال: ثنا مُطَهَّرٌ، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أبي، عن مَطَرٍ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾. قال: إن مما فرَض اللهُ عليهم ألا نكاحَ إلا بوليٍّ وشاهدَين. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾. قال: في الأربعِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ ?. قال: كان مما فرَض اللهُ عليهم ألا تُزَوَّجَ امرأَةٌ إلا بوليٍّ وصَداقٍ عند شاهدَىْ عدلٍ، ولا يحلُّ لهم مِن النساءِ إلا أربعٌ، وما ملَكت أيمانُهم (٣). وقولُه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: قد علِمنا ما فرَضنا على المؤمنين في أزواجِهم؛ لأنه لا يَحِلُّ لهم منهن أكثرُ مِن أربعٍ، وما ملكَت أيمانُهم؛ فإن جميعهَن إذا كُنَّ مؤمناتٍ أو كتابياتٍ، لهم حلالٌ بالسِّبَاءِ والتَّسَرِّي

стр. 12878

وغيرِ ذلك مِن أسبابِ المِلْكِ. وقولُه: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: إنا أحلَلْنا لك يا محمدُ أزواجَك اللَّواتى ذكَرنا في هذه الآيةِ، وامرأةً مؤمنةً إن وهَبَت نفسَها للنبيِّ، إن أرادَ النبيُّ أن يستنكحَها؛ لكيلا يكونَ عليك إثمٌ وضيقٌ في نكاحِ مِن نكحتَ مِن هؤلاء الأصنافِ، التي أبحتُ لك نكاحهنَّ، مِن المسمَّياتِ في هذه الآيةِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لك ولأهلِ الإيمانِ بك، ﴿رَحِيمًا﴾ بك وبهم، أن يعاقبَهم على سالفِ ذنبٍ منهم، سَلَف بعدَ توبتِهم منه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بقولِه: ﴿تُرْجِي﴾: تؤخِّرُ، وبقولِه: ﴿وَتُؤْوِي﴾: تَضُمُّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾. يقولُ: تُؤخِّرُ (١).

стр. 12879

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾. قال: تعزلُ بغيرِ طلاقٍ مِن أزواجِكَ مَن تشاءُ: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. قال: تَرُدُّها إليك (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. قال: فجعله اللهُ في حِلٍّ مِن ذلك؛ أَن يَدَعَ مَن يَشَاءُ منهنَّ، ويأتِيَ (٢) مِن يشاءُ منهنَّ بغيرِ قَسْمٍ، وكان نبيُّ اللَّهِ يَقْسِمُ (٣). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. قال: لما أَشْفَقْنَ أَن يُطلقهنَّ، قُلْنَ: يا نبيَّ اللَّهِ، اجعلْ لنا مِن مالِك ونفسِك ما شئتَ. فكان ممن أَرْجَى منهنَّ؛ سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ، وجُوَيرية، وصَفيةُ، وأمُّ حبيبة، وميمونةُ، وكان ممن آوَى إليه؛ عائشةُ، وأمُّ سَلَمَةَ، وحَفْصةُ، وزينبُ (٤). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: فما شاء صنَع في القِسْمةِ بينَ النساءِ، أحَلَّ اللَّه له ذلك (٥).

стр. 12880

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رَزيِنٍ في قولِه ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: وكان ممن آوَى ﵇؛ عائشةُ، وحَفْصةُ، وزينبُ، وأمُّ سَلَمَةَ، فكان قَسْمُه مِن نفسه لهنَّ سَواءَ قَسْمِه، وكان ممن أَرْجَى؛ سَوْدةُ، وجُوَيرية، وصفيةُ، وأمُّ حبيبةَ، وميمونةُ، فكان يَقْسِمُ لهنَّ ما شاء، وكان أرادَ أن يُفارِقَهن؛ فقلن: اقْسِمْ لنا مِن نفسِك ما شئتَ، ودَعْنا نكونُ على حالِنا (١). وقال آخرون: معنى ذلك: تُطلِّقُ وتُخَلِّي سبيلَ مَن شئتَ مِن نسائك، وتُمْسِكُ مَن شئتَ منهنَّ، فلا تُطلِّقُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾: أمهاتِ المؤمنين، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: يعني: نساءَ النبيِّ ﷺ ، ويعنى بالإرجاء: يقولُ: مَن شئتَ خَلَّيتَ سبيله منهنَّ، ويعنى بالإيواءِ، يقولُ: مَن أحببتَ أمسكتَ منهنَّ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: تَتْرُكُ نكاحَ مَن شَئتَ، وتَنْكِحُ مَن شَئتَ مِن نساءِ أُمَّتِك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. قال: كان نبيُّ اللَّهِ ﷺ إذا

стр. 12881

خطَب امرأةٌ لم يَكُنْ لرجلٍ أن يخطبَها، حتى يتزوجَها أو يتركَها (١). وقيل: إن ذلك إنما جعَل اللهُ لنبيِّه حينَ غارَ بعضُهن على النبيِّ ﷺ ، وطلَب بعضُهن مِن النفقة زيادةً على الذي كان يُعْطِيها، فأمَره اللهُ أن يُخيِّرَهن بين الدارِ الدنيا والآخرةِ، وأن يُخلِّيَ سبيلَ مَن اختارَ الحياةَ الدنيا وزينتَها، ويمسكَ مَن اختارَ الله ورسولَه، فلما اخترنَ اللَّهَ ورسولَه قيل لهنَّ: اقْرَرْنَ الآنَ على الرِّضا باللَّهِ وبرسولِه، قَسَم لكُنَّ رسول الله ﷺ أو لم يَقْسِمُ، أو قسَم لبعضِكن ولم يقسِمْ لبعضِكن، وفضَّل بعضَكن على بعضٍ في النفقةِ أو لم يُفَضِّلْ، سَوَّى بينَكن أو لم يُسَوِّ، فإن الأمرَ في ذلك إلى رسول اللهِ ﷺ ، ليس لكُنَّ مِن ذلك شيء، وكان رسولُ اللهِ ﷺ ، فيما ذُكر، مع ما جعَل اللهُ له مِن ذلك، يُسَوِّي بينَهن في القَسْم إلا امرأةً منهن أرادَ طلاقَها، فرضِيَت بتَرْكِ القَسْمِ لها. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، قال: لما أرادَ النبيُّ ﷺ أن يُطلِّقَ أزواجَه، قُلْنَ له: افرِضْ لنا مِن نفسِك ومالِك ما شئتَ، فأمَره اللهُ فآوَى أربعًا، وأَرْجَى خمسًا (٢). حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدة (٣) بن سليمانَ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عائشة أنها قالت: أما تَسْتَحْيِي المرأةُ أَن تَهَبَ نفسَها للرجل؟ حتى

стр. 12882

أنزل اللهُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. فقلتُ: إن ربَّك ليُسارعُ في هَواك (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٌ، يعنى العَبْدِي، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تعيرُ النساءِ اللاتى وهَبْنَ أَنفسَهنَّ لرسولِ الله ﷺ وقالت: أما تَسْتَحْيى امرأةٌ أن تعرض نفسَها بغيرِ صداقٍ؟ فنزلَت - أو فأنزَل اللهُ -: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾. فقلتُ: إنى لأرى ربَّك يُسارِعُ لك في هَواك (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية. قال: كان أزواجُه قد تَغايَرْنَ على النبيِّ ﷺ ، فهجرهنَّ شهرًا، ثم نزَل التخييرُ مِن اللهِ له فيهن، فقَرأ حتى بلَغ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. فخيرهنَّ بينَ أن يخترنَ أن يُخَلِّيَ سبيلَهنَّ ويُسَرِّحَهن، وبينَ أن يَقُمْنَ إن أردنَ اللهُ ورسولَه على أنهنَّ أمهاتُ المؤمنين، لا يُنْكَحْنَ أبدًا، وعلى أنه يُؤْوِى إليه مَن يشاءُ منهنَّ، ممن وهَب نفسَه له، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ويُرْجى مِن يشاءُ، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ومَن ابتَغى ممن هي عندَه وعَزَلَ، فلا جناحَ عليه، ذلك أدنى أن تَقَرَّ أعينُهنَّ ولا يحزنَّ، ويَرْضَين إذا عَلِمن أنه مِن قَضائى عليهنَّ إيثارُ بعضهنَّ على بعضٍ، ذلك أدْنَى أَنْ يرضَينْ

стр. 12883

قال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾. مَن ابتَغى أصابَه، ومَن عزَل لم يُصِبْه، فخيَّرهن بينَ أن يرضَين بهذا أو يُفارقَهن، فاختَرْنَ الله ورسولَه، إلا امرأةً واحدةً بدويةً ذهبَتَ، وكان على ذلك، صلواتُ اللهِ عليه، وقد شرَط اللهُ له هذا الشرطَ، ما زال يَعْدِلُ بينَهن حتى لَقِىَ الله (١). وأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكْرُه جعَل لنبيِّه أن يُرْجىَ مِن النساءِ اللواتى أحَلَّهن له مَن يشاءُ، ويُؤْوِيَ إليه منهن مَن يَشَاءُ، وذلك أنه لم يَحْضُرُ معنى الإرجاءِ والإيواءِ على المنكوحاتِ اللواتي كُنَّ في حباله - ثمَّ (٢) نزلت هذه الآيةُ - دونَ غيرهنَّ ممن يَسْتَحْدِثُ إيواءَها أو إرجاءَها منهنّ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلامِ: تؤخِّرُ مَن تشاءُ ممن وهَبَت نفسَها لك، وأحللتُ لك نكاحَها، فلا تَقْبَلْها ولا تَنْكِحْها، [وممن هي] (٣) في حبالِك، فلا تقربْها، وتضمَّ إليك مِن تشاءُ، ممن وهَبَت نفسَها لك، أو أردتَ مِن النساءِ التي أحللتُ لك نكاحَهن، فتقبلُها أو تنكحها، وممن هي في جبالك، فتُجامِعُها إذا شئتَ، وتتركُها إذا شئتَ بغيرِ قَسْم. وقولُه: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ومَن نكحتَ مِن نسائِك فجامَعْتَ، ممن لم تنكحْ، فعزلتَه عن الجماعِ، فلا جناحَ عليك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ

стр. 12884

مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. قالا (١) جميعًا: هذه في نسائِه، إن شاء أَتَى مَن شاء منهنَّ ولا جناحَ عليه (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾. قال: ومَن ابتَغى أصابَه، ومَن عزَل لم يُصِبْه. وقال آخرون: معنى ذلك: ومَن استبدلتَ ممن أرجيتَ، فخليتَ سبيلَه؛ مِن نسائِك أو ممن مات منهن، ممن أحللتُ لك، فلا جناحَ عليك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾. يعنى بذلك: النساءِ اللاتى أحلَّ اللهُ له، مِن بناتِ العمِّ والعمةِ، والخالِ والخالةِ ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، يقولُ: إن مات مِن نسائِك اللاتى عندك أحدٌ، أو خَلَّيتَ سبيلَه، فقد أحللتُ لك أن تستبدلَ مِن اللاتى أحللتُ لك مكانَ مَن مات مِن نسائِك اللاتى كنَّ (٣) عندك، أو خَلَّيتَ سبيلَه منهن، ولا يصلحُ لك أن تزدادَ على عِدَّةِ نسائِك اللاتي عندَك شيئا (٤). وأَولى التأويلَين بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن قال: معنى ذلك: ومَن ابتغيتَ إصابتَه مِن نسائِك ممن عَزَلْتَ عن ذلك منهنَّ، فلا جناحَ عليك لدلالةِ قولِه: ﴿ذَلِكَ

стр. 12885

أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ على صحةِ ذلك؛ لأنه لا معنَى لأن تَقَرُّ أعينُهن إذا هو ﷺ استَبدَل بالميتةِ أو المطلقةِ منهنَّ، إلا أن يَعْنِيَ بذلك: ذلك أدنى أن تَقَرَّ أعينُ المَنْكوحةِ منهن، وذلك مما يدلُّ عليه ظاهرُ التنزيل، بعيدٌ. وقولُه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ﴾، يقولُ: هذا الذي جعلتُ لك يا محمدُ مِن إذنى لك أن تَرْجِيَ مَن تشاءُ مِن النساءِ اللَّواتي جعلتُ لك إرجاءَهنَّ، وتُؤْوِيَ مَن تشاءُ مِنهنَّ، ووَضْعِى عنك الحَرَجَ في ابتغائِك إصابةَ مَن ابتغيتَ إصابتَه مِن نسائِك، وعَزْلِك عن ذلك مِن عزَلتَ منهنَّ - أقربُ لنسائِك ﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ (١) بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ مِن تَفْضِيل مَن فضَّلتَ مِن قَسْم، أو نفقةٍ، وإيثارِ مِن آثَرت منهن بذلك على غيرِه مِن نسائِك إذا هنَّ علِمْنَ أَنه مِن رِضايَ منك بذلك، وإِذْنى لك به، وإطلاقٍ منى لا مِن قِبَلِك. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ إِذا عَلِمن أن هذا جاء مِن اللهِ الرخصةٍ، كان أطيبَ لأنفسهنّ، وأقلَّ لحُزنهنَّ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله ذلك، نحوَه.
следующие страницы →