← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12881–12920 · переход к 12886.

стр. 12881

خطَب امرأةٌ لم يَكُنْ لرجلٍ أن يخطبَها، حتى يتزوجَها أو يتركَها (١). وقيل: إن ذلك إنما جعَل اللهُ لنبيِّه حينَ غارَ بعضُهن على النبيِّ ﷺ ، وطلَب بعضُهن مِن النفقة زيادةً على الذي كان يُعْطِيها، فأمَره اللهُ أن يُخيِّرَهن بين الدارِ الدنيا والآخرةِ، وأن يُخلِّيَ سبيلَ مَن اختارَ الحياةَ الدنيا وزينتَها، ويمسكَ مَن اختارَ الله ورسولَه، فلما اخترنَ اللَّهَ ورسولَه قيل لهنَّ: اقْرَرْنَ الآنَ على الرِّضا باللَّهِ وبرسولِه، قَسَم لكُنَّ رسول الله ﷺ أو لم يَقْسِمُ، أو قسَم لبعضِكن ولم يقسِمْ لبعضِكن، وفضَّل بعضَكن على بعضٍ في النفقةِ أو لم يُفَضِّلْ، سَوَّى بينَكن أو لم يُسَوِّ، فإن الأمرَ في ذلك إلى رسول اللهِ ﷺ ، ليس لكُنَّ مِن ذلك شيء، وكان رسولُ اللهِ ﷺ ، فيما ذُكر، مع ما جعَل اللهُ له مِن ذلك، يُسَوِّي بينَهن في القَسْم إلا امرأةً منهن أرادَ طلاقَها، فرضِيَت بتَرْكِ القَسْمِ لها. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، قال: لما أرادَ النبيُّ ﷺ أن يُطلِّقَ أزواجَه، قُلْنَ له: افرِضْ لنا مِن نفسِك ومالِك ما شئتَ، فأمَره اللهُ فآوَى أربعًا، وأَرْجَى خمسًا (٢). حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدة (٣) بن سليمانَ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عائشة أنها قالت: أما تَسْتَحْيِي المرأةُ أَن تَهَبَ نفسَها للرجل؟ حتى

стр. 12882

أنزل اللهُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. فقلتُ: إن ربَّك ليُسارعُ في هَواك (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٌ، يعنى العَبْدِي، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تعيرُ النساءِ اللاتى وهَبْنَ أَنفسَهنَّ لرسولِ الله ﷺ وقالت: أما تَسْتَحْيى امرأةٌ أن تعرض نفسَها بغيرِ صداقٍ؟ فنزلَت - أو فأنزَل اللهُ -: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾. فقلتُ: إنى لأرى ربَّك يُسارِعُ لك في هَواك (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية. قال: كان أزواجُه قد تَغايَرْنَ على النبيِّ ﷺ ، فهجرهنَّ شهرًا، ثم نزَل التخييرُ مِن اللهِ له فيهن، فقَرأ حتى بلَغ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. فخيرهنَّ بينَ أن يخترنَ أن يُخَلِّيَ سبيلَهنَّ ويُسَرِّحَهن، وبينَ أن يَقُمْنَ إن أردنَ اللهُ ورسولَه على أنهنَّ أمهاتُ المؤمنين، لا يُنْكَحْنَ أبدًا، وعلى أنه يُؤْوِى إليه مَن يشاءُ منهنَّ، ممن وهَب نفسَه له، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ويُرْجى مِن يشاءُ، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ومَن ابتَغى ممن هي عندَه وعَزَلَ، فلا جناحَ عليه، ذلك أدنى أن تَقَرَّ أعينُهنَّ ولا يحزنَّ، ويَرْضَين إذا عَلِمن أنه مِن قَضائى عليهنَّ إيثارُ بعضهنَّ على بعضٍ، ذلك أدْنَى أَنْ يرضَينْ

стр. 12883

قال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾. مَن ابتَغى أصابَه، ومَن عزَل لم يُصِبْه، فخيَّرهن بينَ أن يرضَين بهذا أو يُفارقَهن، فاختَرْنَ الله ورسولَه، إلا امرأةً واحدةً بدويةً ذهبَتَ، وكان على ذلك، صلواتُ اللهِ عليه، وقد شرَط اللهُ له هذا الشرطَ، ما زال يَعْدِلُ بينَهن حتى لَقِىَ الله (١). وأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكْرُه جعَل لنبيِّه أن يُرْجىَ مِن النساءِ اللواتى أحَلَّهن له مَن يشاءُ، ويُؤْوِيَ إليه منهن مَن يَشَاءُ، وذلك أنه لم يَحْضُرُ معنى الإرجاءِ والإيواءِ على المنكوحاتِ اللواتي كُنَّ في حباله - ثمَّ (٢) نزلت هذه الآيةُ - دونَ غيرهنَّ ممن يَسْتَحْدِثُ إيواءَها أو إرجاءَها منهنّ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلامِ: تؤخِّرُ مَن تشاءُ ممن وهَبَت نفسَها لك، وأحللتُ لك نكاحَها، فلا تَقْبَلْها ولا تَنْكِحْها، [وممن هي] (٣) في حبالِك، فلا تقربْها، وتضمَّ إليك مِن تشاءُ، ممن وهَبَت نفسَها لك، أو أردتَ مِن النساءِ التي أحللتُ لك نكاحَهن، فتقبلُها أو تنكحها، وممن هي في جبالك، فتُجامِعُها إذا شئتَ، وتتركُها إذا شئتَ بغيرِ قَسْم. وقولُه: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ومَن نكحتَ مِن نسائِك فجامَعْتَ، ممن لم تنكحْ، فعزلتَه عن الجماعِ، فلا جناحَ عليك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ

стр. 12884

مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. قالا (١) جميعًا: هذه في نسائِه، إن شاء أَتَى مَن شاء منهنَّ ولا جناحَ عليه (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾. قال: ومَن ابتَغى أصابَه، ومَن عزَل لم يُصِبْه. وقال آخرون: معنى ذلك: ومَن استبدلتَ ممن أرجيتَ، فخليتَ سبيلَه؛ مِن نسائِك أو ممن مات منهن، ممن أحللتُ لك، فلا جناحَ عليك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾. يعنى بذلك: النساءِ اللاتى أحلَّ اللهُ له، مِن بناتِ العمِّ والعمةِ، والخالِ والخالةِ ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، يقولُ: إن مات مِن نسائِك اللاتى عندك أحدٌ، أو خَلَّيتَ سبيلَه، فقد أحللتُ لك أن تستبدلَ مِن اللاتى أحللتُ لك مكانَ مَن مات مِن نسائِك اللاتى كنَّ (٣) عندك، أو خَلَّيتَ سبيلَه منهن، ولا يصلحُ لك أن تزدادَ على عِدَّةِ نسائِك اللاتي عندَك شيئا (٤). وأَولى التأويلَين بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن قال: معنى ذلك: ومَن ابتغيتَ إصابتَه مِن نسائِك ممن عَزَلْتَ عن ذلك منهنَّ، فلا جناحَ عليك لدلالةِ قولِه: ﴿ذَلِكَ

стр. 12885

أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ على صحةِ ذلك؛ لأنه لا معنَى لأن تَقَرُّ أعينُهن إذا هو ﷺ استَبدَل بالميتةِ أو المطلقةِ منهنَّ، إلا أن يَعْنِيَ بذلك: ذلك أدنى أن تَقَرَّ أعينُ المَنْكوحةِ منهن، وذلك مما يدلُّ عليه ظاهرُ التنزيل، بعيدٌ. وقولُه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ﴾، يقولُ: هذا الذي جعلتُ لك يا محمدُ مِن إذنى لك أن تَرْجِيَ مَن تشاءُ مِن النساءِ اللَّواتي جعلتُ لك إرجاءَهنَّ، وتُؤْوِيَ مَن تشاءُ مِنهنَّ، ووَضْعِى عنك الحَرَجَ في ابتغائِك إصابةَ مَن ابتغيتَ إصابتَه مِن نسائِك، وعَزْلِك عن ذلك مِن عزَلتَ منهنَّ - أقربُ لنسائِك ﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ (١) بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ مِن تَفْضِيل مَن فضَّلتَ مِن قَسْم، أو نفقةٍ، وإيثارِ مِن آثَرت منهن بذلك على غيرِه مِن نسائِك إذا هنَّ علِمْنَ أَنه مِن رِضايَ منك بذلك، وإِذْنى لك به، وإطلاقٍ منى لا مِن قِبَلِك. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ إِذا عَلِمن أن هذا جاء مِن اللهِ الرخصةٍ، كان أطيبَ لأنفسهنّ، وأقلَّ لحُزنهنَّ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله ذلك، نحوَه.

стр. 12886

والصوابُ مِن القراءةِ في قولِه: ﴿بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ الرفعُ، غير جائزٍ غيره عندَنا، وذلك أن ﴿كُلُّهُنَّ﴾ ليس بنعتٍ للهاءِ في قولِه: ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾. وإنما معنى الكلامِ: ويَرْضَيْن كلُّهن، فإنما هو توكيدٌ لما في ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ مِن ذكرِ النساءِ، فإذا جُعِل توكيدًا للهاءِ التي في ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾ يَكُنْ له معنًى، والقراءةُ بنصبه غيرُ جائزةٍ لذلك، ولإجماعِ الحجة مِن القرأةِ على تخطِئِة قارئِه كذلك. وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾. يقولُ: واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قلوبِ الرجالِ مِن ميلِها إلى بعضِ مِن عندَه مِن النساءِ دونَ بعضٍ، بالهوى والمحبةِ؛ يقولُ: فلذلك وضَع عنك الحرجَ يا محمدُ فيما وَضِع عنك مِن ابتغاءِ مِن ابْتَغَيْتَ منهنَّ ممن عَزَلتَ؛ تفضُّلًا منه عليك بذلك وتكرمةً. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾. يقولُ: وكان اللهُ ذا علمٍ بأعمالِ عبادِه، وغيرِ ذلك مِن الأشياءِ كلِّها، ﴿حَلِيمًا﴾. يقولُ: ذا حِلْمٍ على عبادِه، أن يُعاجِلَ أهلَ الذنوبِ منهم بالعقوبةِ، ولكنه ذو حِلْمٍ وأَناةٍ عنهم؛ ليتوبَ مَن تاب منهم، ويُنيبَ مِن ذنوبه مَن أناب منهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا يحلُّ لك النساءُ مِن بعدِ نسائِك اللاتي خَيَّرْتهنَّ، فاختَرن الله ورسولَه والدارَ الآخرةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 12887

أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية إلى: ﴿رَقِيبًا﴾. قال: نهى رسولُ اللهِ ﷺ أن يتزوجَ بعدَ نسائِه الأوَلِ شيئًا (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. قال: لما خيَّرهن، فاخترْنَ اللَّهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ قصَره عليهن، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾. وهُنَّ التسعُ اللاتى اخترْنَ اللَّهَ ورسولَه (٢). وقال آخرون: إنما معنى ذلك: لا يحِلُّ لك النساءُ بعدَ التي أَحْلَلْنا لك بقولِنا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. وكأن قائلى هذه المقالة وجَّهوا الكلامَ إلى أن معناه: لا يحِلُّ لك مِن النساءِ إلا التي أَحْلَلْناها لك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبي موسى، عن زيادٍ، قال لأبي بن كعبٍ: هل كان للنبيِّ ﷺ لو مات أزواجُه أن يتزوَّج؟ قال: ما كان يحرِّمُ عليه ذلك؟ فقرأتُ عليه هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾. قال: فقال: أحلَّ له ضربًا مِن النساءِ، وحرَّم عليه ما سواهن، أحلَّ له كلَّ امرأةٍ أتى أجرها، وما ملكت يمينُه مما أفاء اللهُ عليه، وبناتِ عمِّه، وبناتِ عمّاتِه، وبناتِ خاله، وبناتِ خالاتِه، وكلَّ امرأةٍ وهَبت نفسَها له، إن

стр. 12888

أراد أن يستنكحها، خالصةً له مِن دونِ المؤمنين. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبى موسى، عن زيادٍ الأنصاريِّ، قال: قلت لأبيِّ بن كعبٍ: أرأيت لو مات نساءُ النبيِّ ﷺ ، أكان يحلُّ له أن يتزوَّجَ؟ قال: وما يحرِّمُ ذلك عليه؟ قال: قلت: قولُه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. قال: إنما أحلَّ اللهُ له ضربًا مِن النساءِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي موسى، عن زيادٍ، رجلٍ مِن الأنصارِ، قال: قلت لأبي بن كعبٍ: أرأيتَ لو أن أزواجَ النبيِّ ﷺ تُوُفِّين، أما كان له أن يتزوَّجَ؟ فقال: وما يمنَعُه مِن ذلك؟ - وربما قال داودُ: وما يحرِّمُ عليه ذلك؟ - قلت: قولُه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. فقال: إنما أحلَّ اللهُ له ضربًا مِن النساءِ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. ثم قيل له: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٢). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامُ بن سَلْمٍ، عَن عَنْبسَةَ، عَمِن ذَكَره، عن أبي صالحٍ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. قال: أُمِر أن لا يتزوَّجَ أعرابيةً ولا عربيَّةً (٣)، ويتزوَّجَ بعدُ مِن نساءِ تهامةَ، ومن شاء مِن بناتِ العمِّ والعمَّةِ، والخالِ والخالةِ، إن شاء ثلاثمائةٍ (٤).

стр. 12889

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عكرمة: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [قال: لا يحلُّ لك النساءُ مِن بعدِ] (١) هؤلاء اللاتى سمَّى اللَّهُ إلا ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ الآية (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيد، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. يعنى: مِن بعدِ التسميةِ. يقولُ: لا يحِلُّ لك امرأةٌ إلا ابنةُ عمٍّ أو ابنةُ عمةٍ، أو ابنةُ خالٍ أو ابنه خالةٍ، أو امرأةٌ وهبت نفسَها لك، مِن كان منهن هاجَر مع نبيِّ اللهِ ﷺ ، وفي حرفِ ابن مسعودٍ: (وَاللَّاتِى هاجَرْنَ مَعَكَ) (٣). يعنى بذلك: كلِّ شيءٍ هاجَر معه، ليس مِن بناتِ العمِّ والعمةِ، ولا من بناتِ الخالِ والخالةِ (٤). وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يحِلُّ لك النساءِ مِن غيرِ المسلماتِ، فأما اليهوديَّاتُ والنصرانيَّاتُ والمشركاتُ فحرامٌ عليك. ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾: لا يهوديَّةٌ، ولا نصرانيَّةٌ، ولا كافرةٌ (٥).

стр. 12890

وأولى الأقوالِ عندى بالصحة قولُ مَن قال: معنى ذلك: لا يحِلُّ لك النساءُ مِن بعدِ اللواتي أحللتُهن لك بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. وإنما قلت ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن قولَه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ عَقِيبَ قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا﴾. وغيرُ جائز أن يقولُ: قد أَحْلَلتُ لك هؤلاء، ولا يحلُلْنَ لك، إلَّا بنسخِ أحدِهما صاحبَه، وعلى أن يكونَ وقتَ فرض إحدى الآيتين، فعَلَ (١) الأخرى منهما. فإذ كان ذلك كذلك، ولا برهانَ ولا دلالةَ على نسخِ حكمِ إحدى الآيتين حكمَ الأخرى، ولا تقدُّم تنزيل إحداهما قبلَ صاحبتها، وكان غيرَ مستحيلٍ مخرجُهما على الصحةِ، لم يجْز أن يقالَ: إحداهما ناسخةٌ الأخرى. وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ لقول مِن قال: معنى ذلك: لا يحلُّ مِن بعدِ المسلمات، يهوديةٌ ولا نصرانيةٌ ولا كافرةٌ، معنًى مفهومٌ؛ إذ كان قولُه: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ إنما معناه: مِن بعدِ المسمَّيات المتقدِّمِ ذكرُهن في الآيةِ قبلَ هذه الآيةِ، ولم يكنْ في الآيةِ المتقدِّمِ فيها ذكرُ المسمَّياتِ بالتحليلِ لرسول الله ﷺ ذكرُ إباحةِ المسلمات كلِّهن، بل كان فيها ذكرُ أزواجهِ وملكِ يمينهِ الذي يُفيءُ اللَّهُ عليه، وبناتِ عمِّه وبناتِ عماتهِ، وبناتِ خالِه وبناتِ خالاتِه، اللاتى هاجرْنَ، معه، وامرأةٍ مؤمنةٍ إن وهبَت نفسَها للنبيِّ - فتكونَ الكوافر مخصوصاتٍ بالتحريمِ - صحَّ ما قلْنا في ذلك دونَ قولِ مَن خالف قولنَا فيه. واختلَفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ ﴿يَحِلُّ﴾ بالياء (٢)، بمعنى: لا يحلُّ لك شيءٌ مِن النساءِ

стр. 12891

بعدُ. وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ أهل البصرةِ: (لا تَحِلُّ لَكَ النَّسَاءُ) بالتاءِ (١)، توجيهًا منه إلى أنه فعلٌ للنساءِ، والنساءُ جمعٌ للكثيرِ منهن. وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك: قراءةُ مِن قرأه بالياءِ (٢)؛ للعلة التي ذكرتُ لهم، ولإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ على القراءةِ بها، وشذوذِ مِن خالفهم في ذلك. وقولُه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا يحلُّ لك النساءِ مِن بعدِ المسلماتِ، لا يهوديةٌ ولا نصرانيةٌ ولا كافرةٌ، ولا أن تَبدَّلَ بالمسلماتِ غيرَهن مِن الكوافرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾: ولا أن تَبدَّلَ بالمسلماتِ غيرَهن مِن النصارى واليهودِ والمشركين، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ (٣). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رزينٍ في قولِه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. قال: لا يحلُّ لك أن تتزوَّجَ مِن المشركاتِ إلا مِن سَبَيْتَ، فملَكَتْه يمينُك منهن (٤).

стр. 12892

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا أن تبدَّلَ بأزواجِك اللواتي هن في حبالِك أزواجًا غيرهَن، بأن تطلِّقَهن وتنكِحَ غيرَهن. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾. يقولُ: لا يصلُحُ لك أن تطلِّقَ شيئًا مِن أزواجِك ليس يعجبُك، فلم يكنْ يصلُحُ ذلك له. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا أن تبادلَ مِن أزواجك غيرَك، بأن تعطيَه زوجتك، وتأخُذَ زوجتَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾. قال: كانت العربُ في الجاهليةِ يتبادلون بأزواجِهم، يعطى هذا امرأتَه هذا، ويأخُذُ امرأتَه، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾: لا بأسَ أن تبادِلَ بجاريتِك ما شئتَ أن تُبادِلَ، فأما الحرائرُ فلا، قال: وكان ذلك مِن أعمالِهم في الجاهليةِ (١). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مِن قال: معنى ذلك: ولا أن تُطلِّقَ أزواجَك، فتستبدلَ بهن غيرَهن أزواجًا.

стр. 12893

وإنما قلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لما قد بيَّنا قبلُ مِن أن قولَ الذي قال معنى قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾: لا يحِلُّ لك اليهوديةُ و (١) النصرانيةُ والكافرةُ - قولٌ لا وجهَ له. فإذ كان ذلك كذلك، فكذلك قولُه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ كافرةً لا معنَى له؛ إذ كان من المسلمات مِن قد حُرِّم عليه بقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ بالذي (٢) دللَّنا عليه قبلُ. وأما الذي قاله ابن زيدٍ في ذلك أيضًا، فقولٌ لا معنَى له؛ لأنه لو كان بمعنى المبادلة، لكانت القراءةُ والتنزيلُ: ولا أن تُبادِل بهن مِن أزواج، أو: ولا أن تُبَدِّلَ بهن، بضمِّ التاءِ، ولكنَّ القراءةَ المجمعَ عليها: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ بفتحِ التاءِ، بمعنى: ولا أن تستبدلَ بهن. مع أن الذي ذكرُ ابن زيدٍ مِن فعل الجاهليةِ غيرُ معروفٍ في أمةٍ نعلمه الأممِ، أن يبادِلَ الرجلُ آخرَ [امرأته الحرَّةَ] (٣) بامرأته الحرَّةِ، فيقالَ: كان ذلك مِن فعلهم، فنُهى رسولُ اللهِ ﷺ عن فعلِ مثلهِ. فإن قال قائلٌ: أفلم يكنْ الرسول اللهِ ﷺ أن يتزوَّجَ امرأةً على نسائِه اللواتي كنَّ عندَه، فيكونَ موجهًا تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ إلى ما تأوَّلتَ؟ أو قال: وأينَ ذكرُ أزواجه اللواتى كنَّ عندَه في هذا الموضعِ، فتكونَ الهاءُ مِن قوله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ مِن ذكرِهن وتوهَّمَ أن الهاءَ في ذلك عائدةٌ على ﴿النِّسَاءُ﴾ في قولِه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾؟ قيل: قد كان لرسولِ اللهِ ﷺ أن يتزوَّجَ مِن شاء مِن النساءِ اللواتي كان اللهُ

стр. 12894

أحلَّهن له، على نسائه اللاتى كن عنده يوم نزلت هذه الآيةُ، وإنما نُهى ﷺ بهذه الآية أن يفارق كان عنده بطلاقٍ أراد به استبدال غيرها بها؛ لإعجاب حسن المستبدَلة بها إيَّاه؛ إذ كان الله قد جعَلهن أمهات المؤمنين، وخيَّرهن بين الحياة الدنيا والدار الآخرةِ والرضا بالله ورسوله، فاخَتَرن الله ورسوله والدار الآخرة، فحُرِّمن على غيره بذلك، ومُنع من فراقهن بطلاقٍ، فأما نكاح غيرهن فلم يُمنع منه، بل أحلَّ الله له ذلك، على ما بيَّن في كتابه. وقد روى عن عائشة أن النبي ﷺ لم يُقبض حتى أحلَّ اللَّهُ له نساءَ أهل الأرض. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن عائشة، قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحِلَّ له النساءُ. يعنى أهل الأرضِ. حدَّثني عبيد بن إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة، قالت: ما مات رسولُ الله ﷺ حتى أُحِلَّ له النساءُ (١). حدَّثنا العباس بن أبى طالب، قال: ثنا مُعَلى، قال: ثنا وهيبٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عُبيد بن عُمير الليثيِّ، عن عائشةَ، قالت: ما تُوفِّى رسولُ الله ﷺ حتى أُحِلَّ له أن يتزوَّجَ من النساءِ ما شاء (٢). حدَّثني أبو زيد عمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابن جريج، عن عطاء،

стр. 12895

قال: أحسَبُ عبيد بن عُمير حدَّثنى - قال أبو زيد: وقال أبو عاصمٍ مرة - عن عائشة، قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحلَّ الله له النساءَ. قال: وقال أبو الزُّبير: شهدتُ رجلًا يحدِّثه عطاءٌ (١). حدثنا أحمدُ بن منصورٍ، قال: ثنا، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا همامٌ، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى حلَّ له النساءُ. فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمر على ما وصفت، من أن اللَّهَ حَرَّم على نبيِّه بهذه الآية طلاق نسائه اللواتى خيَّرهن فاخْتَرْنَه، فما وجه الخبر الذي رُوى عنه، أنه طلَّق حفصة ثم راجعها، وأنه أراد طلاق سَوْدةً، حتى صالحته على ترك طلاقه إيَّاها، ووهَبَت يومَها لعائشة؟ قيل: كان ذلك قبل نزول هذه الآية. والدليل على صحة ما قلنا، من أن ذلك كان قبل تحريم الله على نبيِّه طلاقهن، الروايةُ الواردةُ أن عمر دخل على حفصة معاتبها (٢)، حين اعتزل رسولُ اللهِ ﷺ نساءه، كان من قيله لها: قد كان رسولُ اللهِ طلقك (*)، فكلّمته فراجعك، فوالله لئن طلقك - أو لو كان طلَّقك - لا كلَّمتُه فيك (٣). وذلك لا شكَّ قبل نزولِ

стр. 12896

آية التخيير؛ لأن آيةَ التخيير إنما نزلت حين انقضى وقت يمين رسول الله ﷺ على اعتزالهن. وأما أمرُ الدلالة على أن أمرَ سَوْدةَ كان قبل نزول هذه الآية، أن اللَّهَ إنما أمر نبيَّه بتخيير نسائه بين فراقه والمُقام معه على الرضا بأن لا قَسْمَ لهن، وأنه يُرْجِى من يشاءُ منهن، ويُؤوى منهن من يشاءُ، ويُؤْثِرُ من شاء منهن على من شاء، ولذلك قال له تعالى ذكره: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾. ومن المحال أن يكون الصلحُ بينها وبين رسول الله ﷺ جرى على تركها يومها لعائشةَ في حالِ لا يومَ لها منه. وغيرُ جائزٍ أن يكونَ كان ذلك منها إلا في حال كان لها منه يومٌ، هو لها حقٌّ، كان واجبًا على رسول الله ﷺ أداؤه إليها، ولم يكن ذلك لهن بعد التخيير؛ لما قد وصفتُ قبلُ فيما مضى من كتابنا هذا (١). فتأويلُ الكلام: لا يحلُّ لك يا محمدُ النساءُ من بعدِ اللواتى أَحْلَلْتُهن لك في الآية قبلُ، ولا أن تُطلِّق نساءَك اللواتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فتبدل بهن من أزواجٍ، ولو أَعْجَبك حسنُ من أردتَ أن تبدَّل به منهن، إلا ما ملكت يمينُك. و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾. رفعٌ؛ لأن معناها: لا يحلُّ لك النساءُ من بعدُ، ولا الاستبدالُ بأزواجك. و ﴿إِلَّا﴾ في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. استثناءٌ من النساء. ومعنى ذلك: لا يحلُّ لك النساءُ من بعدِ اللواتى أَحْلَلْتُهن لك، إلا ما ملكت يمينُك من الإماء، فإن لك أن تملك من أي أجناس الناسِ شئت من الإماء.

стр. 12897

وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾. يقولُ: وكان الله على كلِّ شيءٍ، ما أحل لك وحرَّم عليك، وغير ذلك من الأشياء كلِّها، حفيظًا لا يعزُبُ عنه علمُ شيءٍ من ذلك، ولا يؤوده حفظ ذلك كلِّه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾. أي: حفيظًا في قول الحسن وقتادة (١). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾. يقول تعالى ذكره لأصحاب رسول الله ﷺ : يأيُّها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تدخلوا بيوتَ نبيِّ الله إلا أن تُدْعَوْا إلى طعام تَطْعَمُونه، ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. يعنى: غير مُنتظرين إدراكه وبلوغه، وهو مصدرٌ من قولهم: قد قد أَنَى هذا الشيءُ يَأنِي إنًى وَأَنْيًا وَأَنَاء. قال الحُطَيئةُ (٢): وآنيْتُ العَشاء إلى سُهَيْلٍ … أو الشِّعْرَى فَطال بى الأناءُ

стр. 12898

وفيه لغةٌ أُخرى، يقالُ: قد آن لك؛ [أي: يَئينُ لك] (١) أَيْنا، ونال لك، وأنالَ لك. ومنه قولُ رُؤبَةَ بن العَجّاجِ (٢). هاجَتْ وَمِثْلِى نَوْلُه أَن يَرْبَعا (٣) … حمامةٌ هاجَتْ (٤) حمامًا سُجَّعًا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. قال: مُتَحَيِّنين نُضْجَه (٥). حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه: عن ابن عباس: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. يقولُ: غير ناظرين الطعامَ أَن يُصْنَعَ (٦). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. قال: غير مُتحَيِّنين طعامه. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة مثله (٧).

стр. 12899

ونصْبُ ﴿غَيْرَ﴾ في قولِه: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. على الحالِ من الكافِ والميمِ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾. لأن الكافَ والميمَ معرفةٌ، و"غيرَ" نكرةٌ، وهي من صفةِ الكافِ، والميمِ. وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: لا يجوزُ في "غيرُ" الجرُّ على الطعامِ، إلا أن تقولَ: أنتم. ويقولُ: ألا ترى أنك لو قلت: أبدَى لعبدِ اللَّهِ على امرأةٍ مُبغضًا لها. لم يكَنْ فيه إلا النصبُ، إلا أن تقولَ: مُبْغِضٍ لها هو. لأنك إذا أجريتَ صفتَه عليها، ولم تُظهرِ الضميرَ الذي يدُلُّ على أن الصفةَ له، لم يكنْ كلامًا، لو قلتَ: هذا رجلٌ مع امرأةٍ مُلازمِها. كان لحنًا، حتى ترفَعَ فتقولَ: ملازِمُها. أو تقولَ: مُلازمِها هو. فنجُر. وَكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقول (١): لو جعَلتَ "غيرَ" في قولِه: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. خَفْضًا كان صوابًا؛ لأن قبلَها الطعامَ وهو نكرةٌ، فيُجعَلُ فعلُهم تابعًا للطعامِ، لرجوعِ ذكرِ الطعامِ في "إناهُ"، كما تقولُ العربُ: رأيتُ زيدًا مع امرأةٍ مُحسِنًا إليها، ومُحسنِ إليها. فمن قال: محسنًا، جعَله من صفةِ زيدٍ، ومَن خفَضه فكأنه قال: رأيتُ زيدًا مع التي يُحسِنُ إليها. فإذا صارت الصلةُ للنكرةِ أتبعَتْها، وإن كانت فعلًا لغيرِ النكرةِ، كما قال الأعشى (٢): فَقُلْتُ له هذه هاتِها … إِلَيْنَا بِأَدْمَاءَ مُقْتَادِها فجعَل المقتادَ تابعًا لإعرابِ "بأدماءَ"؛ لأنه بمنزلةِ قولِك: بأدماءَ تقتادُها. فخفَضَه؛ لأنه صلةٌ لها. قال: وقد يُنْشَدُ: "بأدماءِ مقتادِها". بخفضِ الأدماءِ،

стр. 12900

لإضافتِها إلى المقتادِ، قال: ومعناه: هاتِها على يَدَى مَن اقتادَها. وأنشَد أيضًا (١): وإنَّ امْرَأً أَهْدَى إِلَيْكِ ودُونَه … مِن الأَرْضِ مَوْمَاةٌ وبَيْداءُ فَيْهَقُ لمَحَقْوقَةٌ أَنْ تَسْتَجيبى لِصَوْتِه … وأن تَعْلَمى أَنَّ المُعَانَ مُوَفَّقُ وحُكِى عن بعضِ العربِ سماعًا يُنْشِدُ: أرأيْتِ إِذْ أَعْطَيْتُكِ الوُدَّ كُلَّه … ولمْ يَكُ عِنْدِى إِنْ أَبَيْتِ إباءُ أمُسْلِمَتِى لِلْمَوْتِ أَنْتِ فَمَيِّتٌ … وَهَل لِلنُّفُوسِ المُسْلَماتِ بَقاءُ ولم يُقلْ: فميِّتٌ أنا. وقال الكسائيُّ: سمِعتُ العربَ تقولُ: يدُكَ باسِطُها. يريدونَ أنت، وهو كثيرٌ في الكلامِ، قال: فعلَى هذا يجوزُ خفضُ "غيرُ". والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا القولُ بإجازةِ جرِّ ﴿غَيْرَ﴾ في: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ في الكلامِ، لا في القراءةِ؛ لما ذكَرنا من الأبياتِ التي حكَيْناها، فأما في القراءةِ فغيرُ جائزٍ في: ﴿غَيْرَ﴾ غيرُ النصبِ؛ لإجماع الحجة من القرأةِ على نصبِها. وقولُه: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾. يقولُ: ولكن إذا دعاكم رسولُ الله ﷺ فادخُلوا البيتَ الذي أذِن لكم بدخولِه، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾. يقولُ: فإذا أكَلتُم الطعامَ الذي دُعِيتُم لأكْلِه فانتشِروا، يعنى فتَفرَّقوا واخرُجوا من منزلِهِ، ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: لا تدخُلوا بيوتَ النبيِّ إلا أن يؤذَنَ لكم إلى طعامٍ غيرَ ناظرين إناهُ وغيرَ مستأنسينَ لحديثٍ] (٢). وقولُه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾. في موضعِ خَفْضٍ عطفًا به على ﴿نَاظِرِينَ﴾، كما يقالُ في الكلامِ: أنت غيرُ ساكتٍ ولا ناطقٍ. وقد يَحتمِلُ أن

стр. 12901

يقالَ: ﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾. في موضعِ نَصْبٍ عطفًا على معنى ﴿نَاظِرِينَ﴾؛ لأن معناه: إلا أن يؤذَنَ لكم إلى طعامٍ لا ناظرين إناهُ، فيكونَ قولُه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ﴾. نصبًا حينئذٍ. والعربُ تفعَلُ ذلك إذا حالت بينَ الأوّلِ والثاني، فترُدُّ الثانيَ (١) أحيانًا على لفظِ الأوّلِ، وأحيانًا على معناه، وقد ذكَر الفرَّاءُ أن أبا القمقامِ أنشدَه (٢): أجِدَّك لَسْت الدَّهْرَ رَائِىَ رَامَةٍ (٣) … ولا عاقِلٍ (٤) إِلَّا وأَنْتَ جَنِيبُ (٥) ولَا مُصْعِدٍ في المُصْعِدِينَ لِمَنْعِجٍ (٦) … ولا هابطٍ (٧) ما عشْتَ هَضْبَ شَطِيبٍ (٨) فردَّ مُصعِدٍ على أن رائىَ فيه باءٌ خافضةٌ، إذ حال بينَه وبينَ المُصْعِدِ بما حالَ بينَهما من الكلامِ. ومعنى قولِه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: ولا مُتحَدِّثين بعدَ فراغِكم من أكلِ الطعامِ؛ إيناسًا من بعضِكم لبعضٍ به. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ بعدَ أن تأكُلوا (٩).

стр. 12902

واختلَف أهلُ العلمِ في السببِ الذي نزَلت هذه الآيةُ فيه؛ فقال بعضُهم: نزلت بسببِ قومٍ طَعِموا عندَ رسولِ الله ﷺ في وليمةِ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، ثم جلَسوا يتحدَّثون في منزلِ رسول الله ﷺ ، وبرسول الله ﷺ إلى أهلِه حاجةٌ، فمنَعه الحياءُ من أمْرِهم بالخروجِ من منزلِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عمرانُ بنُ موسى القزازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيبٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بَنى رسولُ الله ﷺ بزينبَ بنتِ جَحْشٍ، فَبُعِثْتُ داعيًا إلى الطعامِ، فدعوتُ، فيجئُ القومُ يأكلون ويخرُجون، ثم يجِيءُ القومُ يأكلون ويخرُجون، فقلتُ: يا نبيَّ الله قد دَعوتُ حتى ما أجِدُ أحدًا أَدْعُوه. قال: "ارفَعوا طعامَكم". وإن زينبَ الجالسةٌ في ناحيةِ البيتِ، وكانت قد أُعطِيتْ جمالًا، وبقِىَ ثلاثةُ نفَرٍ يتحدَّثون في البيتِ، وخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ مُنطلِقًا نحوَ حجرةِ عائشةَ، فقال: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ". فقالوا: وعليك السلامُ يا رسولَ اللَّهِ، كيف وجَدتَ أهلَك؟ قال: فأتى حُجَرَ نسائِه، فقالوا مثَل ما قالت عائشةُ، فرجَع النبي ﷺ ، فإذا الثلاثةُ يتحدَّثون في البيتِ، وكان النبيُّ ﷺ شديدَ الحياءِ، فخرَج النبيُّ ﷺ مُنطلقًا نحوَ حجرةِ عائشةَ، فلا أدرِى أخبَرتْه، أو أُخبِر أن الرهطَ قد خرَجوا، فرجَع حتى وضَع رجلَه في أُسْكُفَّةٍ (١) داخلَ البيتِ، والأخرَى خارِجَه، إِذ أَرْخَى السَّترَ بينى وبينَه، وأُنزِلت آيةُ الحجابِ (٢). حدَّثني أبو معاويةَ بشرُ بنُ دِحيةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن أنسِ بن

стр. 12903

مالكٍ، قال: سأَلنى أُبيُّ بنُ كَعْبٍ عن الحجابِ، فقلتُ: أنا أعلَمُ الناسِ به، نزَلت في شأنِ زينبَ؛ أَوْلَم النبيُّ ﷺ عليها بتمرٍ وسَوِيقٍ، فنزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١). حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثني عمى، قال: أخبَرني يونسُ، عن الزهريِّ، قال: أخبَرنى أنسُ بنُ مالكٍ، أنه كان ابنَ عشْرِ سنينَ مَقْدَمَ رسولِ الله ﷺ إلى المدينةِ، فكنتُ أعلَمَ الناسِ بشأنِ الحجابِ حينَ أُنزِلَ، [لقد كان أي: أبيُّ بنُ كعبٍ يسألُنى عنه. قال: وكان أولَ ما أُنزِلَ] (٢) فِي مُبْتَنَى رسولِ اللَّهِ ﷺ بزينبَ بنتِ جَحْشٍ؛ أصبَح رسولُ الله ﷺ بها عَرُوسًا، فدعا القومَ، فأَصابوا من الطعامِ ثم (٣) خرَجوا، وبَقِيَ منهم رَهْطٌ عندَ رسولِ الله ﷺ ، فأطالوا المُكْثَ، فقامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فخرَج، وخرَجتُ معه، لكي يخرُجوا، فمشَى رسولُ اللهِ ﷺ ومشَيْتُ معه، حتى جاء عَتَبةَ حجرةِ عائشةَ زَوْحِ النبيِّ ﷺ ، ثم ظَنَّ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنهم قد خرَجوا، فرجَع ورَجَعْتُ معه، حتى دخَل على زينبَ، فإذا هم جلوسٌ لم يقوموا، فرجَع رسولُ اللهِ ﷺ ، ورجَعْتُ معه، فإذا هم قد خرَجوا، فضرَب بينى وبينَه سِترًا، وأُنزِل الحجابُ (٤). حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: دعوتُ المسلمينَ إلى وليمة رسول الله ﷺ ، صبيحةَ بنَى بزينبَ بنتِ جَحْشٍ،

стр. 12904

فأوسَعهم خبزًا ولحمًا، ثم رجَع كما كان يصنَعُ، فأَتَى حُجَرَ نسائِه فسلَّم عليهنَّ، فَدَعَوْن له، ورجَع إلى بيتِه وأنا معه، فلما انتهَيْنا إلى البابِ إذا رجلان قد جرَى بهما الحديثُ في ناحيةِ البيتِ، فلما أبصَرهما ولَّى راجعًا، فلما رأيا النبيَّ ﷺ ولَّى عن بيتِه، ولَّيا مُسْرِعَين، فلا أَدْرِى أنا أخبَرتُه، أو أُخبِر، فرجَع إلى بيتِه، فأرخَى السِّتْرَ بينى وبينَه، ونزَلت آيةُ الحجابِ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ لرسولِ الله ﷺ : لو حَجَبْتَ عن أمهاتِ المؤمنين. فإنه يدخُلُ عليك البَرُّ والفاجِرُ، فنزَلت آيةُ الحجابِ (٢). حدَّثني القاسمُ بنُ بشرِ بن معروفٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: أنا أعلَمُ الناسِ بهذه الآيةِ؛ آيةِ الحجابِ، لمّا أُهدِيَتْ زينبُ إلى رسولِ الله ﷺ صنَع طعامًا، ودَعا القومَ، فجاءوا فدخَلوا، وزينبُ مع رسولِ الله ﷺ في البيتِ، وجعَلوا يتحدَّثون، وجعَل رسولُ الله ﷺ يخرُجُ ثم يدخُلُ وهم قعودٌ، قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. قال: فقامَ القومُ، وضُرِب الحجابُ (٣).

стр. 12905

حدَّثني عمرُ بنُ إسماعيلَ بن مجالدٍ، قال: ثنا أَبي، عن بيانٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بنَى رسول الله ﷺ بامرأةٍ من نسائِه، فأرسَلَني، فدعوتُ قومًا إلى الطعامِ، فلما أكَلوا وخرَجوا، قامَ رسولُ الله ﷺ مُنطلقًا قبَلَ بيتِ عائشةَ، فرأى رَجُلَيْن جالِسَيْن، فانصَرف راجعًا، فأنزَل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (١). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا المسعوديُّ، قال: ثنا [أبو نَهْشَلٍ] (٢)، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أمَر عمرُ نساءَ النبيِّ ﷺ بالحجابِ، فقالت زينَبُ: يا بنَ الخطابِ، إنك لتَغارُ علينا والوحْىُ ينزِل في بيوتِنا. فأنزَل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ مَرزوقٍ، قال: ثنا أَشْهَلُ بنُ حاتمٍ، قال: ثنا ابن عونٍ، عن عمرِو بن سعيدٍ، عن أنسٍ، قال: وكنتُ مع النبيِّ ﷺ ، وكان يَمرُّ على نسائِه. قال: فأُتِى بامرأةٍ عَروسٍ، ثم جاءَ وعندَها قومٌ، فانْطلَق فقضَى حاجتَه واحتَبَس، وعادَ وقد خرَجوا، قال: فدخَل، فأَرْخَى بينى وبينَه سِترًا. قال: فحدَّثتُ أبا طلحةَ، فقال: إن كان كما تقولُ، لينزِلَنَّ في هذا شيءٌ، قال: ونزَلت آيةُ الحجابِ (٤). وقال آخرون: كان ذلك في بيتِ أُمِّ سَلَمَةَ.

стр. 12906

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾. قال: كان هذا في بيتِ أَمِّ سَلَمَةَ، قال: أكَلوا، ثم أَطالُوا الحديثَ، فجعَل النبيُّ ﷺ يدخُلُ ويخرُجُ، ويستَحْيى منهم، والله لا يستَحْيى من الحقِّ (١). قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. قال: بلَغنا أنهنَّ أُمِرن بالحجابِ عندَ ذلك (١). وقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾. يقولُ: إن دخولَكم بيوتَ النبيِّ، من غيرِ أن يؤذَنَ لكم، وجلوسَكم فيها مُستأنِسين للحديثِ، بعدَ فراغِكم من أكلِ الطعامِ الذي دُعيتم له - كان يؤذِى النبيَّ، فيستَحْيى منكم أن يُخرجَكم منها، إذا قعَدتُم فيها للحديثِ، بعدَ الفراغِ من الطعامِ، أو يمنعَكم من الدخولِ إذا دخَلتم بغيرِ إذنٍ، مع كراهيتِه لذلك منكم، ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ﴾ أَن يَتَبَيَّنَ لكم، وإن استَحْيا نبيُّكم (٢)، فلم يُبَيَّنْ لكم كراهيتَه (٣) ذلك؛ حياءً منكم، ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. يقولُ: وإذا سألتم أزواجَ رسولِ الله ﷺ ونساءَ المؤمنين اللواتي لَسْنَ (٤) لكم بأزواجٍ، متاعًا، ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. يقولُ: من وراءِ سِترٍ بينَكم وبينَهن، ولا تدخُلوا عليهن بيوتَهن؛ ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سؤالُكم إياهن

стр. 12907

المتاع، إذا سألتموهن ذلك من وراء حجابٍ - أطهرُ لقلوبكم وقلوبِهن من عوارضِ العين فيها، التي تعرضُ في صدور الرجال من أَمْرِ النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحْرى من أن لا يكونَ للشيطان عليكم وعليهنَّ سبيلٌ. وقد قيل: إن سبب أمرِ اللهِ النساء بالحجاب، إنما كان من أجل أن رجلًا كان يأكُلُ مع رسولِ الله وعائشةُ معهما، فأصابت يدُها يد الرجل، فكره ذلك رسول الله ﷺ . ذكر من قال ذلك حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: أن رسول الله ﷺ كان يَطعَمُ ومعه بعضُ أصحابه، فأصابت يدُ رجلٍ منهم يدَ عائشةَ، فكره ذلك رسولُ اللهِ ﷺ ، فنزلت آيةُ الحجاب (١). وقيل: نزلت من أجل مسألة عمر رسول الله ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيب ويعقوبُ، قالا: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا حميدٌ الطويلُ. عن أنسٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطاب: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن نساءك يدخُلُ عليهنَّ البرُّ والفاجِرُ، فلو أَمَرتَهن أن يحتَجِبْنَ؟ قال: فنزلت آيةُ الحجاب (٢).

стр. 12908

حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عليَّةَ، قال: ثنا حميدٌ، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ بنحوه. حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنى عمِّي (١) عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، قال: ثنى يونسُ، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشةَ، قالت: إن أزواج النبيِّ ﷺ كُنَّ يَخرُجن بالليل إذا تبرّزْنَ إلى المناصع، وهو صعيدٌ أفيحُ، وكان عمر يقولُ لرسول الله ﷺ : احجب نساءَك. فلم يكُن رسولُ الله ﷺ ، يفعَلُ، فخرَجتْ سَوْدة بنت زمعةَ، زوجُ النبيَّ ﷺ ، وكانت امرأةً طويلةً، فناداها عمرُ بصوته الأعلى: قد عرفناكِ يا سودةُ. حرصًا أن ينزِلَ الحجاب، قالت (٢): فأنزل الله الحجاب (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: خرجت سَوْدةُ لحاجتها، بعد ما ضُرِب علينا الحجابُ، وكانت امرأةً تَفْرَعُ النساء طولًا، فأبصرها عمرُ، فناداها: يا سوْدَةُ، إنك والله ما تخفين علينا، فانظُرى كيف تخرُجين، أو كيف تصنعين؟ فانكفأت، فرجعت إلى رسول الله ﷺ وإنه ليتعَشَّى، فأخبرته بما كان، وما قال لها، وإن في يدِه لَعَرْقًا (٤)، فأُوحِى إليه، ثم رفع عنه، وإن العَرْقَ لفى يده، فقال: "قد أُذِن لكنَّ أن تخرُجنَ لحاجتكنَّ" (٥).

стр. 12909

حدَّثني أحمدُ بن محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا عطاءُ بن السائب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: أمر عمرُ نساء النبيِّ ﷺ بالحجاب، فقالت زينبُ: يا بن الخطاب، إنك لتغارُ علينا والوحى ينزِلُ في بيوتنا؟ فأَنزَل اللَّهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (١). حدَّثني أبو أيوبَ البَهْرانيُّ (٢) سليمانُ بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا يزيدُ بنُ عبدِ ربِّه، قال: ثنى ابن حربٍ، عن الزُّبَيْديِّ، عن الزهريِّ، عن عروة، عن عائشة: أن أزواج النبيِّ ﷺ ، كُنَّ يخرُجن بالليل إذا تَبرَّزنَ إلى المناصع، وهو صعيدٌ أفيحُ، وكان عمرُ بن الخطاب يقولُ لرسول الله ﷺ : احجُب نساءَك، فلم يكُن رسولُ اللهِ ﷺ يفعلُ، فخرجت سَوْدةُ بنتُ زَمعة زوج النبيِّ ﷺ ليلةً من الليالى عشاءً، وكانت امرأةً طويلةً، فناداها عمرُ بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سوْدَةُ. حرصًا على أن ينزل الحجابُ، قالت عائشةُ: فأنزل الله الحجاب، قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ (٣). وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وما ينبغى لكم أن تُؤذوا رسول الله، وما يصلح ذلك لكم، ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾. يقولُ: وما ينبغى لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا؛ لأنهنَّ أمهاتُكم، ولا يحلُّ للرجُل أن يتزوَّج أُمَّه. وذُكر أن ذلك نزل في رجُلٍ كان يدخُلُ قبل الحجاب (٤)، قال: لئن مات محمدٌ لأتزوَّجَنَّ امرأةٌ من نسائه سمَّاها، فأنزل الله ﵎ في ذلك:

стр. 12910

﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. قال: رُبَّما بلغ النبيَّ ﷺ أن الرجُل يقول: لو أن له النبيَّ ﷺ تُوفِّي، تَزوَّجتُ فلانةَ من بعده، قال: فكان ذلك يُؤذِى النبيَّ ﷺ ، فنزل القرآنُ: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآية (١). حدثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن النبيَّ ﷺ مات وقد ملك قيلة (٢) بنت الأشعَثِ، فتزوَّجها عكرمةُ بن أبي جهلٍ بعد ذلك، فشقَّ على أبى بكرٍ مشقةً شديدةً، فقال له عمرُ: يا خليفة رسولِ اللَّهِ، إنها ليست من نسائه، إنها لم يخيِّرها رسول الله ﷺ ولم يَحجُبها، وقدَ برَّأَها منه بالردَّةِ التي ارتدَّت مع قومها، فاطمَأَنَّ أبو بكرٍ وسكن (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن رسول الله ﷺ تُوفِّى وقد ملك (٤) بنتَ الأشعث بن قيسٍ، ولم يجامعها. فذكر نحوه (٣). وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. يقول: إن أذاكُم رسول الله ﷺ ، ونكاحكم أزواجه من بعده، عندَ اللَّهِ عظيم من الإثم.

стр. 12911

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾. يقول تعالى ذكره: إن تُظهروا بألسنتكم شيئًا أيُّها الناسُ من مراقبة النساء، أو غير ذلك مما قد (١) نَهاكم عنه، أو أذى لرسول الله ﷺ بقوله (٢): لأتزوَّجنَّ زوجته بعد وفاته. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾. يقولُ: أو تُخْفُوا ذلك في أنفُسِكم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. يقولُ: فإن الله بكلِّ ذلك وبغيره من أموركم وأمور غيركم، عليمٌ لا يخفى عليه شيءٌ، وهو يُجازيكم على جميع ذلك. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا حرج على أزواج رسول الله ﷺ في آبائهنَّ ولا إثمَ. ثم اختلف أهلُ التأويل في المعنى الذي وضَع عنهنَّ الجُناحَ في هؤلاء؛ فقال بعضُهم: وضَع عنهنَّ الجناحَ في وَضْعِ جلابيبهنَّ عندَهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ الآيةِ كُلِّها، قال: أن تضَعَ الجلباب (٣).

стр. 12912

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾. ومَن ذكر معه أن يَرَوْهِنَّ (١). وقال آخرون: وضَع عنهنَّ الجناحَ فيهم (٢) في تَرْكِ الاحتجاب [منهم. ذكرُ مَن قال ذلك] (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ إلى: ﴿شَهِيدًا﴾: فرخَّص لهؤلاء أن لا يحتجِبْنَ منهم (٤). وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ من قال: ذلك وضعُ الجناح عنهنَّ في هؤلاءِ المسمَّيْنَ أَن لا يَحْتَجِبْنَ منهم، وذلك أن هذه الآية عقيب آية الحجاب، وبعد قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. فلأنْ (٥) يكونَ قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾. استثناءً من جملة الذين أمروا بسؤالِهِنَّ المتاع من وراء الحجاب، إذا سألوهنَّ ذلك - أولى وأشبه من أن يكون خبرًا مبتدأ عن غير ذلك المعنى. فتأويل الكلام إذن: لا إثم على نساء النبيِّ ﷺ ، وأَمَّهاتِ المؤمنين، في إِذْنِهِنَّ لآبائِهِنَّ، وتَرْكِ الحجاب منهنَّ، ولا لأبنائهنَّ، ولا لإخوانهنَّ، ولا لأبناء إخوانهنَّ، وعَنَى بإخوانهنَّ وأبناء إخوانِهِنَّ إخوتهنَّ وأبناءَ إخوتهنَّ - وخرَجَ جَمْعُهم (٦) كذلك

стр. 12913

مخرج جمع فتى إذا جُمِعَ فتيانٌ، فكذلك جَمْعُ أخٍ إذا جُمِعَ إخوانٌ. وأما إذا جُمِعَ إخوةٌ، فذلك نظيرُ جَمْعِ فتًى إذا جُمِعَ فتيةٌ - ولا أبناء أخَواتِهِنَّ (١)، ولم يذكر في ذلك العمَّ، على ما قال الشعبيُّ؛ حِذارًا من أن يصِفَهنَّ لأبنائه. حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المنهال، قال: ثنا حمادٌ، عن داودَ، عن الشعبيِّ وعكرمة في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. قلتُ: ما شأن العمِّ والخالِ لم يُذْكَرا؟ قالا (٢): لأنهما يَنْعَتانِها لأبنائهما. وكَرِها أن تضَعَ خِمارها عند خالها وعمِّها (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حمادٌ، عن داود، عن عكرمة والشعبيِّ نحوه، غير أنه لم يذكُر يَنعَتانها. وقوله: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾. يقولُ: ولا جُناح عليهنَّ أيضًا في أن لا يحتجِبْنَ من نساء المؤمنين. كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾. قال: نساء المؤمناتِ الحرائر، ليس عليهنَّ جناحٌ أن يَريْنَ تلك الزينة. قال: وإنما هذا كلُّه في الزينة، قال: ولا يجوزُ للمرأة أن تنظُر إلى شيءٍ من عورة المرأة. قال: ولو نظر الرجلُ إلى فَخِذِ الرجل، لم أرَ به بأسًا. قال: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. فليس ينبغى لها أن تكشِفَ قُرْطَها للرجُل. قال: وأما الكُحْلُ

стр. 12914

والخاتمُ والخضابُ. فلا بأس به. قال: والزوج له فَضْلٌ، والآباءٌ من وراء الرجُل لهم فَضْلٌ، قال: والآخرون يتفاضلون، قال: وهذا كلُّه يجمعُه ما ظهر من الزينة. قال: وكان أزواج النبيِّ ﷺ لا يحتجِبْنَ من المماليك (١). وقوله: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ من الرجال والنساء. وقال آخرون: من النساء. وقوله: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾. يقولُ: وخِفْنَ اللَّهَ أَيها النساءُ أن تتعدَيْنَ ما حَدَّ اللَّهُ لكُنَّ، فتُبْدِين من زينتكُنَّ ما ليس لكُنَّ أن تبدِينَه، أو تَترُكن الحجاب الذي أمَرَكُنَّ اللَّه بلزومه، إلا فيما أباح لكُنَّ تركه، والْزَمْنَ طاعته. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾. يقول تعالى ذكره: إن الله شاهدٌ على ما تفعَلْنَه من احتجابِكُنَّ، وترككُنَّ الحجاب لمن أَبَحْتُ لكُنَّ ترك ذلك له، وغير ذلك من أمورِكُنَّ، يقولُ: فاتَّقِينَ اللَّهَ في أَنفُسِكُنَّ؛ لا تلقينَ اللَّهَ وهو شاهد عليكم بمعصيته، وخلافِ أمرِه، ونَهيِه، فتَهْلِكنَ، فإنه شاهدٌ على كلِّ شيءٍ. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾. يقول تعالى ذكره: إن الله وملائكته يُبرِّكون على النبيِّ محمدٍ ﷺ . كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾. يقولُ: يُبَرِّكون (٢) على النبي (٣).

стр. 12915

وقد يحتَمِلُ أن يقال: إن معنى ذلك: إن الله يرحَمُ النبيَّ، ويدعو له ملائكتُه ويستغفرون. وذلك أن الصلاة في كلام العرب من غير الله إنما هو دعاءٌ. وقد بيَّنا ذلك فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته (١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾: يقول تعالى ذكره: يأيها الذين آمنوا ادعوا لنبيِّ الله محمد ﷺ ، وسلِّموا عليه ﴿تَسْلِيمًا﴾. يقولُ: وحَيُّوه تحية الإسلام. وبنحو الذي قلنا في ذلك (٢)، جاءت الآثارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عنبسة، عن عثمانَ بن مَوْهَبٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن أبيه، قال: أتى رجُلٌ النبيَّ ﷺ ، فقال: سمعتُ الله يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: "قُلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد وعلى آلِ محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على (٣) إبراهيم، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ" (٤). حدَّثني جعفر بن محمدٍ الكوفيُّ، قال: ثنا يعلى بنُ الأجلحِ، عن الحكم بن

стр. 12916

عُتيبة (١)، عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، عن كعب بن عُجْرةً، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، قمتُ إليه، فقلتُ: السلام عليك قد عَرَفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: "قُل: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم وآل إبراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ" (٢). حدَّثنا أبو كُريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا أبو إسرائيل، عن يونس بن خَبَّابٍ (٣)، قال: خطَبَنا بفارس فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية. فقال: أنبأنى من سمع ابن عباسٍ يقولُ: هكذا أُنزِل، فقلنا أو قالوا: يا رسولَ اللهِ، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: "اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد وعلى آل محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم وآل إبراهيم، إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، إنَّك حَميدٌ مَجِيدٌ" (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زياد، عن إبراهيم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾، قالوا: يا رسول الله هذا السلام قد عرفناه، فكيفَ

стр. 12917

الصلاةُ عليك؟ فقال: "قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ عَبْدِكَ ورَسولِك وأَهْلِ بَيْتِه، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ [وبارك عليه وعلى آل بيته، كما باركت على إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ] (١) " (٢). حدثني يعقوبُ الدَّورقيُّ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا أيوب، عن محمدِ بن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشرِ بن مسعودٍ الأنصاريِّ، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قالوا: يا رسولَ اللهِ هذا السلامُ قد عرفناه، فكيف الصلاةُ، وقد غفَر اللَّهُ ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال: "قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيم، اللهم بارك على محمدٍ، كما بارَكْتَ على آل إبراهيم" (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، قد علمنا السلام عليك، فكيفَ الصلاة عليك؟ قال: "قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم، وبارك على محمدٍ، كما باركت على إبراهيم". وقال الحسنُ: "اللهم اجعَلْ صلواتك وبركاتك على آل محمدٍ كما جعلتها على إبراهيم، إنكَ حَميدٌ مجيدٌ".

стр. 12918

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾. يعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾: إن الذين يُؤذون رَبَّهم بمعصيتهم إياه، وركوبهم ما حرَّم عليهم. وقد قيل: إنه عنى بذلك أصحاب التصاوير، وذلك أنهم يرومُون تكوين خَلْقٍ مثلَ خَلْقِ اللَّهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني [محمد بنُ سعدٍ] (١) القرشيُّ، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سلمة بن الحجاج، عن عكرمةَ، قال: الذين يُؤذون الله ورسوله، هم أصحابُ التصاوير (٢). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. قال: يا سبحان الله، ما زالَ أُناسٌ ما زالَ أُناسٌ من جهَلَةِ بني آدم حتى تَعاطَوْا أَذَى رَبِّهم، وأمَّا أَذاهم رسول الله ﷺ فهو طَعْنُهم عليه في نكاحه صفية بنتَ حُيَيٍّ، فيما ذُكِرَ. حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن

стр. 12919

أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. قال: نزلت في الذين طعنوا على النبي ﷺ حين اتخذ صفية بنتَ حُيَيّ بن أَخطَبَ (١). وقوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: أبعدهم الله من رحمته في الدنيا والآخرة، وأعد لهم في الآخرة عذابًا يُهينُهم فيه بالخلودِ فيه. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. كان مجاهدٌ يوجِّهُ معنى قولِه: ﴿يُؤْذُونَ﴾ إلى يَقْفُونَ (٢). ذكرُ الرواية بذلك عنه حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾. قال: يَقْفُونَ (٣). فمعنى الكلام على ما قال مجاهدٌ: والذين يَقْفُون المؤمنين والمؤمنات، ويعيبونهم؛ طلبًا لشَيْنهم. ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾. يقولُ: بغير ما عملوا. كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 12920

في قوله: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾. قال: عملوا (١). حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عَثّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، قال: قرأ ابن عمر: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. قال: فكيف إذا أُوذى بالمعروف، فذلك يُضاعَفُ له العذابُ (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثَّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعمش، عن ثورٍ، عن ابن عمر: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾. قال: كيف بالذي يأتي إليهم المعروف. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ فإيَّاكم وأذَى المؤمن، فإن الله يحوطه، ويغضَبُ له (٣). وقوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. يقولُ: فقد احتملوا زُورًا وكَذِبًا وفريةً شنيعةً. والبهتانُ (٤): أفحَشُ الكذِبِ، ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. يقولُ: وإِثْمًا يَبِينُ لسامعه أنه إثمٌ وزُورٌ. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾.
следующие страницы →