عُتيبة (١)، عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، عن كعب بن عُجْرةً، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، قمتُ إليه، فقلتُ: السلام عليك قد عَرَفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: "قُل: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم وآل إبراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ" (٢).
حدَّثنا أبو كُريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا أبو إسرائيل، عن يونس بن خَبَّابٍ (٣)، قال: خطَبَنا بفارس فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية. فقال: أنبأنى من سمع ابن عباسٍ يقولُ: هكذا أُنزِل، فقلنا أو قالوا: يا رسولَ اللهِ، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: "اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد وعلى آل محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم وآل إبراهيم، إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، إنَّك حَميدٌ مَجِيدٌ" (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زياد، عن إبراهيم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾، قالوا: يا رسول الله هذا السلام قد عرفناه، فكيفَ
стр. 12917
الصلاةُ عليك؟ فقال: "قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ عَبْدِكَ ورَسولِك وأَهْلِ بَيْتِه، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ [وبارك عليه وعلى آل بيته، كما باركت على إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ] (١) " (٢).
حدثني يعقوبُ الدَّورقيُّ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا أيوب، عن محمدِ بن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشرِ بن مسعودٍ الأنصاريِّ، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قالوا: يا رسولَ اللهِ هذا السلامُ قد عرفناه، فكيف الصلاةُ، وقد غفَر اللَّهُ ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال: "قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيم، اللهم بارك على محمدٍ، كما بارَكْتَ على آل إبراهيم" (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، قد علمنا السلام عليك، فكيفَ الصلاة عليك؟ قال: "قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم، وبارك على محمدٍ، كما باركت على إبراهيم". وقال الحسنُ: "اللهم اجعَلْ صلواتك وبركاتك على آل محمدٍ كما جعلتها على إبراهيم، إنكَ حَميدٌ مجيدٌ".
стр. 12918
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾.
يعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾: إن الذين يُؤذون رَبَّهم بمعصيتهم إياه، وركوبهم ما حرَّم عليهم.
وقد قيل: إنه عنى بذلك أصحاب التصاوير، وذلك أنهم يرومُون تكوين خَلْقٍ مثلَ خَلْقِ اللَّهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني [محمد بنُ سعدٍ] (١) القرشيُّ، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سلمة بن الحجاج، عن عكرمةَ، قال: الذين يُؤذون الله ورسوله، هم أصحابُ التصاوير (٢).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. قال: يا سبحان الله، ما زالَ أُناسٌ ما زالَ أُناسٌ من جهَلَةِ بني آدم حتى تَعاطَوْا أَذَى رَبِّهم، وأمَّا أَذاهم رسول الله ﷺ فهو طَعْنُهم عليه في نكاحه صفية بنتَ حُيَيٍّ، فيما ذُكِرَ.
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن
стр. 12919
أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. قال: نزلت في الذين طعنوا على النبي ﷺ حين اتخذ صفية بنتَ حُيَيّ بن أَخطَبَ (١).
وقوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: أبعدهم الله من رحمته في الدنيا والآخرة، وأعد لهم في الآخرة عذابًا يُهينُهم فيه بالخلودِ فيه.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. كان مجاهدٌ يوجِّهُ معنى قولِه: ﴿يُؤْذُونَ﴾ إلى يَقْفُونَ (٢).
ذكرُ الرواية بذلك عنه
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾. قال: يَقْفُونَ (٣).
فمعنى الكلام على ما قال مجاهدٌ: والذين يَقْفُون المؤمنين والمؤمنات، ويعيبونهم؛ طلبًا لشَيْنهم.
﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾. يقولُ: بغير ما عملوا.
كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
стр. 12920
في قوله: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾. قال: عملوا (١).
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عَثّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، قال: قرأ ابن عمر: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. قال: فكيف إذا أُوذى بالمعروف، فذلك يُضاعَفُ له العذابُ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثَّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعمش، عن ثورٍ، عن ابن عمر: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾. قال: كيف بالذي يأتي إليهم المعروف.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ فإيَّاكم وأذَى المؤمن، فإن الله يحوطه، ويغضَبُ له (٣).
وقوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. يقولُ: فقد احتملوا زُورًا وكَذِبًا وفريةً شنيعةً. والبهتانُ (٤): أفحَشُ الكذِبِ، ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. يقولُ: وإِثْمًا يَبِينُ لسامعه أنه إثمٌ وزُورٌ.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾.
стр. 12921
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ : يأيُّها النبيُّ قُلْ لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين، لا يتشَبَّهْنَ بالإماء في لباسِهِنَّ، إِذا هُنَّ خَرَجنَ من بيوتهنَّ لحَاجَتِهِنَّ، فكشَفْنَ شُعورَهنَّ ووُجوهَهُنَّ، ولكن ليُدنين عليهنَّ من جَلَابِيبِهِنَّ. لئلا يَعرِضَ لهنَّ فاسِقٌ، إذا علم أنهنَّ حرائرُ، بأذًى من قولٍ.
ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمَرَهُنَّ اللَّهُ به؛ فقال بعضُهم: هو أن يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ ورُءُوسَهنَّ، فلا يُبْدِينَ منهنَّ إلا عينًا واحدةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: أمَر اللَّهُ نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهنَّ في حاجةٍ، أن يُغَطِّينَ وجوهَهُنَّ من فوقِ رُءُوسِهِنَّ بالجلابيب، ويُبدِينَ عينًا واحدةً (١).
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن ابن عونٍ، عن محمدٍ، عن عبيدة في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾. فَلَبِسَها عندَنا ابن عونٍ، قال: ولبسها عندنا محمدٌ، قال محمدٌ: ولَبِسَها عندِى عَبيدةُ. قال ابن عون بردائه، فتقنَّع به، فغطَّى أنفه وعينه اليسرى، وأخرج عينه اليمنى، وأدْنى رداءه من فوق حتى جعله قريبًا من حاجبه أو على الحاجب (٢).
стр. 12922
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن ابن سيرين، قال: سألتُ عَبيدة عن قوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾. قال: فقال بثوبه، فغطَّى رأسه ووجْهَه، وأبرز ثوبه عن إحْدَى عينيه (١).
وقال آخرون: بل أُمرن أن يَشدُدْنَ جلابيبهنَّ على جباههنَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الله. إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال: كانت الحُرَّةُ تلبسُ لباسَ الأَمَةِ، فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهنَّ من جلابيبهنَّ، وإدناء الجلباب: أن تَقَنَّعَ وتَشُدَّ على جبينها (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أَخَذَ اللَّهُ عليهِنَّ إِذا خَرَجْنَ أَن يَقَنَّعْنَ على الحواجب؛ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، وقد كانت المملوكة إذا مَرَّت تناولوها بالإيذاء، فنهَى اللَّهُ الحرائرَ أن يتشَبَّهنَ بالإماءِ (٣).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: يتجَلْبَيْنَ، فيُعلَمُ أَنهنَّ حرائرُ، فَلا يَعْرِضُ
стр. 12923
لهنَّ فاسقٌ بأذى، من قول ولا ريبة (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عمَّن حدَّثه، عن أبي صالحٍ، قال: قدم النبيُّ ﷺ المدينة على غيرِ منزلٍ، فكان نساء النبي ﷺ وغيرهنَّ إذا كان الليلُ خَرَجْنَ يقضينَ حوائجهنَّ، وكان رجال يجلسون على الطريق للغزل، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: يَقَنَّعْنَ بالجلباب، حتى تُعرَفَ الأمةُ من الحرَّةِ (٢).
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. يقول تعالى ذكره: إدناؤُهُنَّ جلابيبَهنَّ إذا أدنَيْنَها عليهنَّ أَقرَبُ وأحرى أن يُعْرَفنَ ممن مَرَرن به، ويعلموا أنهنَّ لَسْنَ بإماءٍ، فيتنكَّبوا عن أذاهنَّ بقول مكروهٍ، أو تَعرُّضٍ بريبةٍ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما سلف منهنَّ؛ من تركهنَّ إدناءَهُنَّ الجلابيب عليهنَّ، ﴿رَحِيمًا﴾ بهنَّ أن يُعاقِبَهنَّ بعدَ توبتهنَّ، بإدناء الجلابيب عليهنَّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾.
يقول تعالى ذكره: لئن لم ينتهِ أهلُ النفاقِ، الذين يَسْتَسِرُّون الكفر ويُظهرون الإيمانَ، ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. يعني: ريبةٌ من شهوة الزِّنا، وحبِّ الفجور.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
стр. 12924
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرِو بن عليٍّ، قال: ثنا أبو عبدِ الصمدِ، قال: ثنا مالكُ بنُ دينارٍ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: هم الزُّناةُ (١)(٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا [عبدُ الأعْلَى، قال: ثنا سعيدٌ] (٣)، عن قتادةَ (٤): ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: شهوةُ الزِّنا.
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا [أبو صالحٍ] (٥) الثمارُ، قال: سمِعتُ عكرِمةَ في قولِه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: شهوةُ الزِّنا (٦).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ عمن حدَّثه، عن أبي صالحٍ: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: الزُّناةُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآية، قال: هؤلاءِ صنفٌ من المنافقين، ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أصحابُ الزِّنا، قال: أهلُ الزِّنا مِن أهلِ النفاقِ الذين يَطلبونَ النساءَ، فيبتَغون الزِّنا، وقرَأ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ
стр. 12925
مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. قال: والمنافقون أصنافٌ عشَرةٌ في "براءةَ"، قال: فالذين في قلوبِهم مرضٌ صِنفٌ منهم؛ مرَضٌ من أمرِ النساءِ.
وقولُه: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾. يقولُ: وأهلُ الإرجافِ في المدينةِ بالكذبِ والباطلِ.
وكان إرجافُهم فيما ذُكِر، كالذى حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الآية، الإرجافُ: الكذبُ الذي كان نافَقَه أهلُ النفاقِ، وكانوا يقولون: أتاكم عَدَدٌ وعُدَّةٌ. وذُكِر لنا أن المنافقين أرادوا أن يُظهِروا ما في قلوبِهم من النفاقِ، فأوعَدهم اللَّهُ بهذه الآيةِ؛ قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآية. فلما أوعَدهم اللَّهُ بهذه الآيةِ، كتَموا ذلك وأسرُّوه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾: هم أهلُ النفاقِ أيضًا الذين يُرْجِفون برسولِ اللهِ ﷺ وبالمؤمنين.
وقولُه: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾. يقولُ: لتُسلِّطنَّك عليهم، ولتُحَرِّشَنَّك بهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾. يقولُ: لنُسلِّطنَّك عليهم (١).
стр. 12926
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾.
أي: لنحمِلَنَّك عليهم، لنُحرِّشَنَّك بهم (١).
قولُه: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: ثم لننفِيَنَّهم عن مدينتِك فلا يَسْكنون معك فيها إلا قليلًا من المدةِ والأجلِ، حتى ننفيَهم عنها، فنُخرِجَهم منها.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي بالمدينةِ (١).
وقولُه: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَطرودِينَ مَنْفِيِّين، ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾. يقولُ: حيثُما لُقُوا من الأرضِ. ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا﴾ لكفرِهم باللَّهِ ﴿تَقْتِيلًا﴾.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَلْعُونِينَ﴾: على كلَّ حالٍ، ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ إذا هم أظهَروا النفاقَ (١).
ونصْبُ قولِه: ﴿مَلْعُونِينَ﴾. على الشتْمِ (٢)، وقد يجوزُ أن يكونَ القليلُ من صفةِ الملعونين، فيكونَ قولُه: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ مردودًا على القليلِ، فيكونُ معناه: ثم لا يُجاوِرُونك فيها إلا أقلَّاءَ، مَلْعونين، يُقَتَّلون حيثُ أُصِيبوا (٣).
стр. 12927
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذين خَلَوْا (١) قَبْلَ هؤلاء المنافقين الذين في مدينةِ رسولِ اللَّهِ معه، من ضُرَباءِ هؤلاء المنافقين، إذا هم أظهَروا نفاقَهم، أن يُقَتِّلَهم تَقْتِيلًا، ويلعنَهم لعنًا كثيرًا.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ الآية. يقولُ: هكذا سنةُ اللَّهِ فيهم، إذا أظهَروا النفاقَ (٢).
وقولُه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ولن تجدَ يا محمدُ لسنةِ اللَّهِ التي سَنَّها في خلْقِه تغييرًا، فأيقِنْ أنه غيرُ مغيِّرٍ في هؤلاء المنافقين سنَّتَه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يسألُك الناسُ (٣)، يا محمدُ، عن الساعةِ؛ متى هي قائمةٌ؟ قلْ لهم: إنما علمُ الساعةِ عندَ اللَّهِ، لا يعلمُ وقتَ قيامِها غيرُه. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾. يقولُ: وما أشْعَرك يا محمدُ، لعلَّ قيامَ الساعةِ يكونُ
стр. 12928
منك قريبًا، قد قَرُبَ وقتُ قيامِها، ودنا حينُ مجيئِها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ اللَّهَ أَبعَدَ الكافرين به من كلِّ خيرٍ، وأقصاهم عنه. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾. يقولُ: وأعدَّ لهم (١) في الآخرةِ نارًا تَتَّقِدُ وتَتَسَعَّرُ، ليُصْلِيَهموها.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ: ماكثين في السعيرِ أبدًا، إلى غيرِ نهايةٍ. ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يتولاهم، فيَسْتنقذَهم من السعيرِ التي أصلاهموها اللَّهُ ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ لم ينصرُهم، فينجِّيَهم من عقابِ اللَّهِ إياهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لا يجدُ هؤلاء الكافرون وليًّا ولا نصيرًا في يوم تُقَلَّبُ وجوهُهم في النارِ، حالًا بعدَ حالٍ، يقُولونَ، وتلك حالُهم في النارِ: يا ليتَنا كنَّا (٢) أطَعْنا اللَّهَ في الدنيا، وأطعْنا رسولَه فيما جاءنا به عنه من أمرِه ونهيِه؛ فكنَّا مع أهلِ الجنةِ في الجنةِ، يا لها حسرةً ونَدامةً، ما أعظمَها وأجلَّها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الكافرون يومَ القيامةِ في جهنمَ: ربَّنا إِنا أَطَعْنا أئمَّتَنَا في الضلالةِ وكبراءَنا في الشركِ، ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. يقولُ: فأزَالونا (٣) عن
стр. 12929
محَجَّةِ الحقِّ، وطريقِ الهُدى، والإيمانِ بك، والإقرارِ بوحدانيتِك، وإخلاصِ طاعتِك في الدنيا،
﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. يقولُ: عَذِّبْهُم مِن العذابِ مِثْلَى عذابِنا الذي تُعذِّبُنا، ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾. يقولُ: وأَخْزِهم خِزْيًا كبيرًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾. أي: رُءُوسَنا في الشرِّ والشركِ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾. قال: هم رءوسُ الأممِ الذين أضَلُّوهم. قال: هو ﴿سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ واحدٌ.
وقرأتْ عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿سَادَتَنَا﴾ (٢). ورُوِى عن الحسنِ البصريِّ: (سادَاتِنا) على الجماعِ (٣). والتوحيدُ في ذلك هي القراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.
واختَلفوا في قراءةِ قولِه: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ بالثاءِ: (كَثِيرًا) مِن الكثرةِ (٤)، سِوى عاصمٍ؛ فإنه قرَأه: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾. مِن
стр. 12930
الكِبَرِ (١).
والقراءةُ في ذلك عندَنا بالثاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لأصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ : يأيُّها الذين آمنوا باللَّهِ ورسولِه، لا تُؤذوا رسولَ اللَّهِ بقولٍ يكرهُه منكم، ولا بفعلٍ لا يحبُّه منكم، ولا تكونوا أمثالَ الذين آذَوا موسى نبيَّ اللَّهِ، فرَمَوه بعيبٍ كذبًا وباطلًا، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا فيه مِن الكذبِ والزُّورِ، بما أظهَر مِن البرهانِ على كذبِهم، ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. يقولُ: وكان موسى عند اللَّهِ مُشَفَّعًا فيما يسألُ، ذا وجهٍ ومنزلةٍ عندَه، بطاعتِه إياه.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في الأذَى الذي أُوذِى به موسى، الذي ذكَره اللَّهِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: رَمَوه بأنه آدَرُ (٣). ورُوِى بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خبرٌ.
ذكرُ الروايةِ التي رُوِيت عنه، ومَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وعبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾. قال: قال له قومُه: إنك آدَرُ. قال: فخرَج ذاتَ يومٍ يغتسلُ، فوضَع ثيابَه على صخرةٍ، فخرَجت الصخرةُ تشتدُّ بثيابِه، وخرَج يتبَعُها عُرْيانًا، حتى انتهَت به إلى مجالسِ بني إسرائيلَ، قال: فرَأَوه ليس بآدَرَ، قال: فذلك قولُه:
стр. 12931
﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ (١).
حدَّثني يحيى بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يوسفَ الأزرقُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عِكْرمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾. قال: "قالُوا: هو آدَرُ. قال: فذهَب موسى يغتسلُ، فوضَع ثيابَه على حَجَرٍ، فمرَّ الحجرُ بثيابِه، فتَبِع موسى قفاه، فقال: ثيابي حجرُ. فمرَّ بمجلسِ بنى إسرائيلَ، فرَأَوه، فبرَّأه اللَّهِ مما قالوا، وكان عندَ اللَّهِ وجيهًا" (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ إلى: ﴿وَجِيهًا﴾. قال: كان أذَاهم موسى [أنهم قالوا: واللَّهِ ما يمنعُ موسى أن يضَعَ ثيابَه عندَنا إلا أنه آدَرُ. فَآذَى ذلك موسى] (٣)، فبينَما هو ذاتَ يومٍ يغتسلُ وثوبُه على صخرةٍ، فلما قضَى موسى غُسْلَه وذهَب إلى ثوبِه ليأخذَه، انطلقَت الصخرةُ تَسْعى بثوبِه، وانطلَق يَسْعى في أثَرِها، حتى مَرَّتْ على مجلسِ بني إسرائيلَ وهو يطلبُها، فلما رأَوْا موسى ﷺ مُتَجردًا لا ثوبَ عليه، قالوا: واللهِ ما نَرى بموسى بأسًا، وإنه لبرئٌ مما كُنَّا نقولُ له. فقال اللَّهُ: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية. قال: كان موسى رجلًا شديدَ
стр. 12932
المحافظة على فَرْجِه وثيابِه. قال: فكانوا يقولون ما يحمِلُه على ذلك إلا عيبٌ في فرجِه، يكرَهُ أن يُرَى. فقام يومًا يغتسلُ في الصحْراءِ، فوضَع ثيابَه على صخرةٍ، فاشتدَّت بثيابِه، قال: وجاء يطلُبُها عُرْيانًا، حتى اطَّلَع عليهم عُرْيانًا، فرَأَوه بريئًا مما قالوا: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. قال: والوجيهُ في كلامِ العربِ: المُحَبُّ المقبولُ (١).
وقال آخرون: بل وصَفوه بأنه أبرصُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: قال بنو إسرائيلَ: إن موسى آدَرُ. وقالت طائفةٌ: هو أبرصُ. مِن شدةِ تَسَتُّرِه، وكان يأتى كلَّ يوم عَيْنًا، فيغتسلُ ويضعُ ثيابَه على صخرةٍ عندَها، فعدَتِ الصخْرةُ بثيابِه حتى انتهتْ إلى مجلسِ بني إسرائيلَ، وجاء موسى يطلبُها، فلما رَأَوه عُرْيانًا ليس به شيءٌ مما قالوا، لَبِس ثيابَه، ثم أقبَل على الصخرةِ يضربُها بعصاه، فأَثَّرَتِ العصا في الصخرةِ.
حدَّثنا بحرُ بنُ حبيبِ بن عربيٍّ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عبادةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، في هذه الآيةِ: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ الآية. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إن موسى كان رَجُلًا حَيِيًّا سَتِيرًا، لا يَكادُ يُرَى مِن جِلده شيءٌ، اسْتِحْياءً منه، فآذَاه مَن آذاه من بني إسرائيلَ، وقالوا: ما يَسْتَتِرُ (٢) هذا التَّسَتُّرَ إلا مِن عيبٍ في جلدِه؛ إما بَرَصٍ، وإما أُدْرَةٍ، وإما آفَةٍ، وإن اللَّهَ
стр. 12933
أرادَ أن يُبَرِّئَه مما قالوا، وإن موسى خَلا يومًا وحدَه، فوضَع ثيابَه على حَجَرٍ، ثم اغْتَسَل، فلما فرَغ مِن غُسْلِه، أقبَل على ثوبِه ليأخُذَه، وإِن الحَجَرَ عَدَا بثوبِه، فأَخَذَ موسى عَصاه، وطَلَب الحجرَ، وجَعَل يقولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، [ثوبي حَجَرُ] (١). حتى انْتَهَى إلى ملأُ مِن بنى إسرائيلَ، فرَأَوه عُرْيَانًا كَأَحْسَنِ الناسِ خَلْقًا، وبَرَّأه اللَّهِ مما قالوا، وإن الحَجَرَ قامَ، فأخَذ ثوبَه ولَبِسَه، فطَفِقَ بالحجرِ ضَرْبًا بذلك، فواللهِ إن في الحجرِ لَنَدَبًا مِن أَثَرِ ضربِه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: بلَغني أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "كان موسى رَجُلًا حَيِيًّا سَتِيرًا". ثم ذكَر نحوًا منه (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: حدَّث الحسنُ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إن بني إسرائيلَ كانوا يَغْتَسلون وهُمْ عُرَاةٌ، وكان نبيُّ اللَّهِ موسى [منه الحياءُ والسَّتْرُ، فكان يستترُ] (٤) إذا اغْتَسَل، فطَعَنوا فيه بعورةٍ. قال: فبَيْنَا نبيُّ اللَّهِ موسى يغتسلُ يومًا، إذ وَضَع ثيابَه على صخرةٍ، فانطلَقت الصخرةُ، واتَّبَعَها نبيُّ اللَّهِ ضَرْبًا بعَصاه: ثَوْبى يا حجرُ، ثَوْبي يا حجرُ. حتى انتَهَت إلى مَلأُ مِن بني إسرائيلَ، و (٥) تَوَسَّطَتْهم (٦)، فقامَت، فأَخَذ نبيُّ اللَّهِ
стр. 12934
ثيابَه، فنَظَروا إلى أحسنِ الناسِ خَلْقًا، وأعْدَ لِه صورةً (١)، فقال الملأُ: قاتَل اللَّهُ أفَّاكِى (٢) بني إسرائيلَ. فكانت بَراءَتَه التي بَرَّأَه اللَّهُ منها" (٣).
وقال آخرون: بل كان أَذاهم إياه ادَّعاءَهم (٤) عليه قتلَ هارونَ أخيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ مسلمٍ الطُّوسِيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حسينٍ (٥)، عن الحكمِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ ﵁ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية. قال: صَعِد موسى وهارونُ الجبل، فمات هارونُ، فقالت بنو إسرائيلَ: أنت قتلتَه، وكان أشدَّ حبًّا لنا منك، وألينَ لنا منك. فآذَوه بذلك، فأمَر اللَّهُ الملائكةَ فحمَلَتْه،، حتى مَرُّوا به على بني إسرائيلَ، وتكلَّمت الملائكةُ بموتِه، حتى عرَف بنو إسرائيلَ أنه قد مات، فبَرَّأه اللَّهُ من ذلك، فانطلَقوا به فدفَنوه، فلم يطَّلِعْ على قبرِه أحدٌ مِن خلقِ اللَّهِ إلا الرَّخَمُ (٦)، فجعَله اللَّهُ أصمَّ أبكمَ (٧).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن بني إسرائيلَ آذَوا نبيَّ اللَّهِ ببعضِ
стр. 12935
ما كان يكرهُ أن يُؤْذَى به، فبَرَّأَه اللَّهِ مما آذَوه به. وجائزٌ أن يكونَ ذلك [ما ذُكر أنَّهم قالوا: إنه آدَرُ. وجائزٌ أن يكونَ] (١) كان قيلَهم: إنه أبرصُ. وجائزٌ أن يكونَ كان ادّعاءَهم (٢) عليه قتلَ أخيه هارونَ. وجائزٌ أن يكونَ كلَّ ذلك؛ لأنه قد ذُكر كلُّ ذلك أنهم قد آذَوه به، ولا قولَ في ذلك أولى بالحقِّ مما قال اللَّهُ أنهم آذَوا موسى، فبَرَّأه اللَّهِ مما قالوا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، اتَّقوا اللَّهَ أن تَعْصُوه، فتستحِقُّوا بذلك عقوبتَه.
وقولُه: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. يقولُ: قُولوا في رسولِ اللَّهِ والمؤمنين قَوْلًا قاصدًا غيرَ جائرٍ، حقًّا غيرَ باطلٍ.
كما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (٣)، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. يقولُ: سَدادًا (٤).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا عنبسةُ، عن الكلبيِّ: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. قال: صدقًا.
стр. 12936
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. أي: عَدْلًا. قال قتادةُ: يعني به في مَنْطِقِه، وفي عملِه كلِّه، والسَّديدُ: الصدقُ (١).
حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. قولوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ (٢).
وقولُه: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: اتَّقوا اللَّهَ وقُولوا السَّدادَ من القولِ، يوفِّقْكم لصالحِ الأعمالِ، فيُصلِحْ أعمالَكم، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. [يقولُ: ويَعْفُ لكم عن ذنوبِكمِ] (٣)، فلا يُعاقِبْكم عليها، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيعملَ بما أمرَه به ربُّه، وينتهىَ عما نَهاه، ويقولَ السَّديدَ، ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. يقولُ: فقد ظَفِر بالكرامةِ العُظْمى مِن اللَّهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إن اللَّهَ عرَض طاعتَه وفرائضَه على السماواتِ والأرضِ والجبالِ؛ على أنها إن أحسَنت أُثيبت وجُوزِيت، وإن ضَيَّعت عُوقِبت، فأبَت حَمْلَها، شَفَقًا منها ألَّا تقومَ بالواجبِ عليها للهِ (٤)، وحمَلها آدمُ (٥)، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ لنفسِه، ﴿جَهُولًا﴾ بالذي فيه الحَظُّ له.
стр. 12937
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. قال: الأمانةُ الفرائضُ التي افتَرضها اللَّهُ على العبادِ (١).
قال: ثنا هشيمٌ، عن العوَّامِ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾. قال: الأمانةُ: الفرائضُ التي افتَرضها اللَّهُ على عبادِه (٢).
قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العوامُ بنُ حَوْشَبٍ وجُوَيبرٌ، كلاهما عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ إلى قولِه: ﴿جَهُولًا﴾. قال: الأمانةُ، الفرائضُ. قال جويبرٌ في حديثِه: فلما عُرضت على آدمَ قال: أي ربِّ، وما الأمانةُ؟ قال: قيل: إن أدَّيتَها جُزِيتَ، وإِن ضَيَّعتَها عوقبتَ. قال: أي ربِّ، حملتُها بما فيها. قال: فما مكَث في الجنةِ إلا قدرَ ما بينَ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ حتى عمِل بالمعصيةِ، فأُخرج منها (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾. قال: عُرِضَت على آدمَ، فقال: خُذْها بما فيها، فإن أطعتَ غفرتُ لك، وإن عصيتَ عذَّبتُك. قال: قد قبِلتُ. فما كان إلا قدرَ ما بينَ العصرِ إلى الليلِ مِن ذلك اليومِ حتى أصابَ الخطيئةَ (٣).
стр. 12938
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إن أدَّوها أثابَهم، وإن ضَيَّعوها عذَّبَهم، فكرِهوا ذلك، وأشفَقوا مِن غيرِ معصيةٍ، ولكن تعظيمًا لدينِ اللَّهِ ألَّا يقوموا بها، ثم عرَضها على آدمَ، فقبِلها بما فيها، وهو قولُه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ غِرًّا بأمرِ اللَّهِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ [عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِلى: ﴿جَهُولًا﴾. يعنى بالأمانةِ] (٢) الطاعةَ عرَضها عليهم (٣) قبلَ أن يعرِضَها على آدمَ فلم تُطِقْها، فقال لآدمَ: يا آدمُ، إنى قد عرَضتُ الأمانةَ على السماواتِ والأرضِ والجبالِ فلم تُطِقْها، فهل أنت آخِذُها بما فيها؟ فقال: يا ربِّ، وما فيها؟ قال: إن أحسنتَ جُزِيتَ، وإن أسأتَ عُوقبتَ. فأخَذها آدمُ فتَحمَّلَها، فذلك قولُه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ (٥)، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ: عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. قال: آدمُ. قيل له: خُذْها بحقِّها. قال: وما حَقُّها؟ قيل: إن أحسنتَ جُزِيتَ، وإن أسأتَ عُوقِبتَ. فما لَبِثْ إِلَّا (٦) ما بيَن الظهرِ والعصرِ حتى أُخْرج منها (٧).
стр. 12939
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ فلم يُطِقْنَ حَمْلَها، فهل أنت يا آدمُ آخِذُها بما فيها؟ قال آدمُ: وما فيها يا ربِّ؟ قال: إن أحسنتَ جُزِيتَ، وإن أسأتَ عُوقبتَ. فقال: تحمَّلتُها. فقال اللَّهُ ﵎: قد حمَّلتُكَها. فما مكَث آدمُ إلا مقدارَ ما بينَ الأولى إلى العصرِ، حتى أخرَجه إبليسُ، لعَنه اللَّهُ، مِن الجنةِ. والأمانةُ: الطاعةُ.
حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ، قال: ثني عيسى بنُ إبراهيمَ، عن موسى بن أبي حبيبٍ، عن الحَكَمِ بن عميرٍ (١)، وكان مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ قال: قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ الأمانةَ والوفاءَ نَزَلا على ابن آدمَ مع الأنبياءِ، فأُرْسِلوا به؛ فمِنهم رسولُ اللَّهِ، [ومنهم نبيُّ] (٢)، ومنهم نبيٌّ رسولٌ، ونزَل القرآنُ وهو كلامُ اللَّهِ، ونزلَت العربيةُ والعجميةُ، فعلِموا أمرَ القرآنِ، وعلِموا أمرَ السننِ بألسنتِهم، ولم يَدَعِ اللَّهُ شيئًا مِن أمرِه مما [يأتون ومما يَجْتَنِبون] (٣)، وهي الحُجَجُ عليهم، إلا بَيَّنه لهم، فليس أهلُ لسانٍ إلَّا وهم يعرِفون الحسنَ مِن القبيحِ، ثم الأمانةُ أوَّلُ شيءٍ يُرْفَعُ، ويَبْقى أثَرُها في جذورِ قلوبِ الناسِ، ثم يُرْفَعُ الوفاءُ والعهدُ والذِّمَمُ، وتَبْقَى الكتبُ، فعالِمٌ يعملُ، وجاهلٌ يعرِفُها ويُنْكِرُها [ولا يحمِلُها] (٤)، حتى وصَل إليَّ وإلى أُمتى، فلا يَهْلِكُ على اللَّهِ إلَّا هالكٌ، ولا يُغْفِلُه إلَّا تاركٌ، والحذرَ أيُّها
стр. 12940
الناسُ، وإيَّاكم والوَسواسَ الخناسَ، فإنما يَبْلُوكم أيُّكم أحسنُ عملًا" (١).
حدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ المجيدِ الحنفيُّ، قال: ثنا [أبو العَوَّامِ القطانُ] (٢)، قال: ثنا قتادةُ وأبانُ بنُ أَبي عيَّاشٍ، عن خُلَيدٍ العَصَرِيِّ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "خمسٌ مَن جاء بهنَّ يومَ القيامةِ مع إيمانٍ دخَل الجنةَ؛ مَن حافَظ على الصلواتِ الخمسِ؛ على وُضُوئِهن ورُكُوعِهن وسُجُودِهن ومَواقيتِهن، وأعطَى الزكاةَ مِن مالِه طَيَّبَ النفسِ بها". وكان يقولُ: "وايمُ اللَّهِ، لا يفعلُ ذلك إلا مؤمنٌ، وصامَ رمضانَ، وحجَّ البيتَ إن استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأدَّى الأمانةَ". قالوا: يا أبا الدرداءِ، وما الأمانةُ؟ قال: الغُسْلُ مِن الجنابةِ؛ فإن اللَّهَ لم يأمَنِ ابن آدمَ على شيءٍ من دينِه غيرَه (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن أُبَيِّ بن كعبٍ، قال: مِن الأمانةِ أن المرأةَ اؤتُمِنت على فَرْجِها (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا
стр. 12941
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. قال: إن الله عَرَض عليهن الأمانةَ؛ أن يفترضَ عليهن الدينَ، ويجعلَ لهن ثوابًا وعقابًا، ويَسْتأمنَهنَّ على الدينِ، فقلنَ: لا، نحن مسخَّراتٌ لأمرِك، لا نريدُ ثوابًا ولا عقابًا. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "وعَرَضَها اللَّهُ على آدمَ، فقال: بينَ أُذُنى وعاتِقى". قال ابن زيدٍ: فقال اللَّهُ له: أمَّا إذا تَحَمَّلتَ هذا، فسأُعِينُك؛ أجعلُ لبصرِك حجابًا، فإذا خشيتَ أن تنظرَ إلى ما لا يحلُّ لك، فأَرْخِ عليه حجابَه، وأجعلُ للسانِك بابًا وغَلَقًا، فإذا خَشِيتَ فأغِلقْ، وأجعلُ لفَرْجِك لباسًا، فلا تَكْشِفْه إلَّا على ما أحللتُ لك (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾. يعني به الدينَ [والفرائضَ] (٢) والحدودَ: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. قيل لهن: احمِلْنَها تُؤَدِّين حقَّها، فقُلْنَ: لا نُطِيقُ ذلك، ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. [قيل له: أتحمِلُها؟ قال: نعم. قيل: أتؤدِّى حقَّها؟ قال: نعم. قال اللَّهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾] (٢) عن حقَّها (٣).
وقال آخرون: بل عنَى بالأمانةِ في هذا الموضعِ أماناتِ الناسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن الأعمشِ، عن
стр. 12942
عبد اللَّهِ بن السائبِ، عن زاذانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "القَتْلُ في سبيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ الذنوبَ كلَّها، أو قال: يكفِّرُ كلَّ شيءٍ إلا الأمانةَ، يُؤْتَى بصاحبِ الأمانةِ، فيُقال له: أدِّ أمانتَك. فيقولُ: أي ربِّ، وقد ذهَبَت الدنيا؟ ثلاثًا. فيقالُ: اذهَبوا به إلى الهاويةِ. فيُذْهَبُ به إليها، فيَهْوِى فيها حتى ينتهىَ إلى قعْرِها، فيَجِدُها هناك كهيئتِها، فيَحْمِلُها، فيَضَعُها على عاتقِه، فيَصْعَدُ بها إلى شَفِيرِ جهنمَ، حتى إذا رأى أنه قد خرَج، زَلَّت، فهَوَى في أَثَرِها أبدَ الآبِدين". قالوا: والأمانةُ في الصلاةِ، والأمانةُ في الصومِ، [والأمانةُ في الوضوءِ] (١)، والأمانةُ في الحديثِ، وأشدُّ ذلك الودائعُ، فلَقِيتُ البَرَاءَ فقلتُ: ألا تسمعُ إلى ما يقولُ أخوك عبدُ اللَّهِ؟ فقال: صَدَق (٢).
قال شَرِيكٌ: وثنى عياشٌ العامِريُّ، عن زاذانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه، ولم يذكرِ الأمانةَ في الصلاةِ، وفي كلِّ شيءٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أخبرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن ابن أبي هلالٍ، عن أبي حازمٍ، قال: إن اللَّهَ عرَض الأمانةَ على سماءِ الدنيا، فأبَت، ثم التي تَليها، حتى فرَغ منها، ثم الأَرَضين ثم الجبالِ، ثم عرَضها على آدمَ، فقال: نعم، بينَ أُذُنى وعاتِقى. فثلاتٌ آمُرُك بهن، فإنهنَّ لك عونٌ؛ [إنى جعلتُ لك بصرًا وجعلتُ لك شُفْرين (٣) فغُضَّهما] (٤) عن [كلِّ شيءٍ نهيتُك عنه] (٥)،
стр. 12943
وجعلتُ لك [لسانًا بينَ لَحْيَين، فكُفَّه عن كلِّ شيءٍ نَهَيتُك عنه] (١)، وجعلتُ لك فَرْجًا وَواريتُه، فلا تكشِفْه إلى ما حرَّمتُ عليك (٢).
وقال آخرون: بل ذلك إنما عُنى به ائتمانُ آدمَ ابنَه قابيلَ على أهلِه وولدِه، وخيانةُ قابيلَ إياه في قتلِه أخاه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في خبرٍ ذكرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، قال: ["كان لا يولَدُ لآدمَ مولودٌ إلا وُلِد معة جاريةٌ، فكان يزوِّجُ غلامَ هذا البطنِ جاريةَ هذا] (١) البطنِ الآخرِ، ويزوِّجُ جاريةَ هذا البطنِ غلامَ هذا البطنِ الآخرِ، حتى وُلِد له ابنانِ، يقالُ لهما: قابيلُ، وهابيلُ. وكان قابيلُ صاحب زَرْعٍ، وكان هابيلُ صاحبَ ضَرْعٍ، وكان قابيلُ أكبرَهما، وكان له أختٌ أحسنُ من أختِ هابيلَ، وإن هابيل طلَب أن يَنْكِحَ أختَ قابيلَ، فأبَى عليه، وقال: هي أختى وُلِدتْ معى، وهى أحسنُ من أختِك، وأنا أحقُّ بأختى أن أتزوجَها. فأمَره أبوه أن يزوِّجَها هابيلَ، فأبَى عليه، وإنهما قرَّبا قُربانًا إلى اللَّهِ أيُّهما أحقُّ بالجاريةِ، وكان آدمُ يومَئذٍ قد غاب عنهما، [أتى لمكةَ] (٣) ينظرُ إليها، قال اللَّهُ لآدمَ: يا آدمُ، هل تعلمُ أن لي بيتًا في الأرضِ؟ قال: اللهم لا. قال: إن لى بيتًا بمكةَ فأْتِه. فقال آدمُ للسماءِ: احفَظى
стр. 12944
ولَدِى بالأمانةِ. فأبَت، وقال للأرضِ، فأبَت، فقال للجبالِ، فأبَت، فقال لقابيلَ، فقال: نعم. تذهبُ وترجعُ، وتجدُ أهلَك كما يسُرُّك. فلما انطلَق آدمُ وقرَّبا قربانًا، وكان قابيلُ يفخرُ عليه فيقولُ: أنا أحقُّ بها منك، هي أختى، وأنا أكبرُ منك، وأنا وصيُّ والدى. فلما قرَّبا، قرَّب هابيلُ جَذَعَةً سمينةً، وقرَّب قابيلُ (١) حُزْمةً سُنْبلٍ، فوجَد فيها سُنْبلةً عظيمةً، ففَرَكها فأكَلها، فنزلَت النارُ، فأكَلَت قُرْبَانَ هابيلَ، وتركَت قُربانَ قابيلَ، فغضِب وقال: ﴿لِأَقْتُلَكَ﴾ حتى لا تنكحَ أختى. فقال هابيلُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣٠]. فطلَبه ليقتُلَه، فراغَ الغلامُ منه في رءوسِ الجبالِ، وأتاه (٢) يومًا مِن الأيامِ، وهو يَرْعَى غنمَه في جبلٍ وهو نائمٌ، فرفَع صخرةً، فشَدَخ بها رأسَه فمات، وترَكه بالعَراءِ، ولا يعلمُ كيف يُدْفَنُ، فبعَث اللَّهُ غُرابَين أخَوين (٣)، فاقْتَتلا، فقتل أحدُهما صاحبَه، فحفَر له، ثم حَثَا عليه، فلما رَآه قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١]. فهو قولُ اللَّهِ ﵎: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]. فرجَع آدمُ، فوجَد ابنَه قد قتَل أخاه، فذلك حينَ يقولُ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٤).
وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِى بالأمانةِ في هذا الموضعِ جميعُ معاني الأماناتِ في الدينِ، وأماناتِ الناسِ. وذلك أن اللَّهَ لم يَخُصُّ
стр. 12945
بقولِه: ﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾. بعضَ معاني الأماناتِ لِما وصَفنا.
وبنحوِ قولِنا قال أهلُ التأويلِ في معنى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. يعنى قابيلَ حينَ حمَل أمانةَ آدمَ لم يحفَظْ له أهلَه (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾. قال: آدمُ، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
قال: ظلومًا لنفسِه، جهولًا فيما احتَمل فيما بينَه وبينَ ربِّه.
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾: غِرًّا (٢) بأمرِ اللَّهِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. قال: ظلومًا لها - يعنى للأمانةِ - جهولًا عن حقِّها (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وحَمَل الإنسانُ الأمانةَ كيما يعذِّبَ اللَّهُ المنافقين فيها،
стр. 12946
الذين يُظهِرون أنهم يؤدُّون فرائضَ اللَّهِ، مؤمنين بها، وهم مستسِرُّون الكفرَ بها، والمنافقاتِ، والمشرِكين باللَّهِ في عبادتِهم إيَّاه الآلهةَ والأوثانَ، والمشركاتِ، ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فيرجِعَ بهم إلى طاعتِه، وأداءِ الأماناتِ التي ألزَمهم إياها حتى يؤدُّوها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لذنوبِ المؤمنين والمؤمِناتِ، بسترِه عليها وتركِه عقابَهم عليها، ﴿رَحِيمًا﴾ أن يعذِّبَهم عليها بعدَ توبتِهم منها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبو الأشهبِ، عن الحسنِ أنه كان يقْرَأُ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾. حتى ينتهىَ: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾. فيقولُ: [اللذانِ خاناها، اللذانِ] (١) ظلَماها؛ المنافقُ والمشركُ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾: هذانِ اللذانِ خاناها، ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: هذانِ اللذانِ أدَّياها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣).
آخرُ تفسيرِ سورةِ الأحزابِ، وللهِ الحمدُ والمنةُ
стр. 12947
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(*) تفسيُر سورةِ سبأ
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: الشكرُ الكاملُ والحمدُ التامُّ كلُّه، للمعبودِ الذي هو مالكُ جميعِ ما في السماواتِ السبعِ، وما في الأرَضين السبعِ، دونَ كلِّ ما [يُعبَدُ مِن دونِه] (١)، ودونَ كلِّ شيءٍ سواه، لا مالكَ لشيءٍ من ذلك غيرُه، بالمعنى (٢) الذي هو به مالكٌ جميعَه. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: وله الشكرُ الكاملُ في الآخرةِ، كالذى هو له (٣) في الدنيا العاجلةِ؛ لأن منه النعمَ كلَّها، على كلِّ مَنْ في السماواتِ والأرضِ في الدنيا، ومنه يكونُ ذلك في الآخرةِ، فالحمدُ للهِ خالصًا، دونَ [كلِّ أحدٍ] (٤) سواه، في عاجلِ الدنيا، وآجلِ الآخرةِ؛ لأن النعمَ كلَّها من قِبَلِه، لا يَشرَكُه فيها أحدٌ من دونِه، وهو الحكيمُ في تدبيرِه خلقَه وصرفِه إياهم في تقديرِه، خبيرٌ بهم، وبما يُصلحُهم، وبما عمِلوا، وما هم عاملوه، محيطٌ بجميعِ ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 12948
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾: حكيمٌ في أمرِه، خبيرٌ بخلقِه (١).
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يعلم ما يدخُلُ في الأرضِ وما يغيبُ (٢) فيها من شيءٍ. من قولِهم: وَلَجْتُ في كذا. إذا دخلتَ فيه، وكما قال الشاعرُ (٣):
رأَيْتُ القَوَافِيَ يَتَّلِجْنَ مَوالِجًا … تَضَايَقُ عَنْهَا (٤) أَنْ تَوَلَّجَها (٥) الإبَرْ
يعنى بقولِه: يتَّلجن موالجا: يدخلن مداخلَ.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾. يقولُ: وما يخرجُ من الأرضِ، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾. يعنى: وما يَصعَدُ في السماءِ، وذلك خبرٌ من اللَّهِ أنه العالمُ الذي لا يخفَى عليه (٦) شيءٌ في السماواتِ والأرضِ، مما ظهَر فيها وما بطَن، ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾. يقولُ: وهو الرحيمُ بأهلِ التوبةِ مِن عبادِه أن يعذِّبَهم بعدَ توبتِهم، الغفورُ لذنوبِهم إذا تابوا منها.
стр. 12949
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ويستعجلُك يا محمدُ الذين جحَدوا قُدرةَ اللَّهِ على إعادةِ خلقِه بعدَ فنائِهم، لهيئتِهم (١) التي كانوا بها مِن قبلِ فنائِهم، مِن قومِك، بقيامِ الساعةِ، [فقالوا لك: لا تأتينا الساعةُ] (٢). استهزاءً بوعدَك إياهم ذلك، وتكذيبًا لخبرِك، قُلْ لهم: بلى لتأتينَّكم (٣) وربِّي، قسمًا به لتأتينَّكم الساعةُ. ثم عادَ ﷻ [إلى الثناءِ] (٤) على نفسِه وتمجيدِها، فقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾.
واختلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ: (عالمُ الغيبِ) على مثالِ "فاعل"، بالرفعِ على الاستئنافِ (٥)، إذ دخَل بينَ قولِه: ﴿وَرَبِّي﴾ وبينَ قولِه: (عالمُ الغيبِ) كلامٌ حائلٌ بينَه وبينَه. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ، ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ (٦)﴾ [على مثالِ "فاعل"، غيرَ أنهم خفَضوا ﴿عَالِمِ﴾] (٧) ردًّا منهم له على قولِه: ﴿وَرَبِّي﴾ إذ كان مِن صفتِه (٨). وقرَأ ذلك بعدُ (٩) عامةُ قرأةِ الكوفةِ:
стр. 12950
(علَّامِ الغيبِ) على مثالِ "فَعَّال"، وبالخفضِ ردًّا لإعرابِه على إعرابِ قولِه: ﴿وَرَبِّي﴾. إذ كان مِن نَعْتِه (١).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن كلَّ هذه القراءاتِ الثلاثِ قراءاتٌ مشهورةٌ في قرأةِ الأمصارِ، مُتقارباتُ المعانى، فبأيَّتِهن قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أن أعجبَ القراءاتِ إليَّ في ذلك إليَّ أن أقرأَ بها: (علَّامِ الغيبِ) على القراءةِ التي ذكرناها عن عامةِ قرأةِ أهلِ الكوفةِ.
فأما اختياري (علَّامِ الغيبِ (٢)) على ﴿عَالِمِ﴾؛ فلأنها أبلغُ في المدحِ، وأما الخفضُ فيها؛ فلأنها مِن نعتِ الربِّ، وهو في موضعِ الجرِّ، وعَنى بقولِه: (علَّامِ الغَيْبِ): علَّامِ ما يغيبُ عن أبصارِ الخلقِ، فلا يَراه أحدٌ؛ إمَّا مما (٣) لم يُكوِّنْه مما سيكوِّنُه، أو مما (٤) قد كوَّنه، فلم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ (٥) غيرُه، وإنما وصَف جلّ وعزّ في هذا الموضعِ نفسَه بعلمِه الغيبَ؛ إعلامًا منه خلقَه أن الساعةَ لا يعلمُ وقتَ مجيئها أحدٌ سِواه، وإن كانت جائيةً، فقال لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قُلْ للذين كفَروا بربِّهم: بلى وربِّي لتأتينَّكم الساعةُ، ولكنه لا يعلمُ وقتَ [[إتيانِها غيرُ علَّامِ] (٦) الغيوبِ، الذي] (٧) لا يعرُبُ عنه مثقالُ ذرَّةٍ.
ويعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾: لا يغيبُ عنه، ولكنه ظاهرٌ له.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 12951
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾. يقولُ: لا يغيبُ عنه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾. قال: لا يغيبُ عنهِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾. أي: لا يغيبُ عنه (٣).
وقد بَيَّنَّا ذلك بشواهدِه فيما مضى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤).
وقولُه: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾. يعنى: زِنَةَ ذَرَّةٍ، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يغيبُ عنه شيءٌ، مِن زِنَةِ ذَرَّةٍ فما فوقَها وما دونَها، أين كان ذلك؛ في السماواتِ، ولا في الأرضِ، ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾. يقولُ: ولا يعزُبُ عنه أصغرُ مِن مثقالِ ذَرَّةٍ ولا أَكْبَرُ منه، ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: هو مثبَتٌ في كتابٍ، يَبِينُ للناظرِ فيه أن اللَّهَ جلَّ وعزَّ قد أثبَته وأحْصاه وعلِمه، فلم يعزُبْ عنه (٥) علمُه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
стр. 12952
الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ، رحمةُ اللَّهِ عليه: يقولُ تعالى ذكرُه: أثبتَ ذلك في الكتابِ المبينِ، كي يُثِيبَ الذين آمَنوا باللَّهِ ورسولَه، وعمِلوا بما أمَرهم اللَّهُ ورسولُه به، وانَتَهوا عما نَهاهم عنه - على طاعتَهم ربَّهم، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: لهؤلاء الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ مغفرةٌ مِن ربِّهم لذنوبِهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: وعيشٌ هنئٌ يومَ القيامةِ في الجنةِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: لذنوبِهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: في الجنةِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أثبَتَ ذلك في الكتابِ، ليَجْزِيَ [الذين آمنوا] (٢) ما وصَف، وليَجْزىَ الذين سَعَوا في آياتِنا مُعاجِزين. يقولُ: وكى يُثيبَ (٣) الذين عمِلوا في إبطالِ أدلَّتِنا وحُجَجِنا مُفاوِتينَ (٤) ويحسَبون أنهم يَسْبِقوننا بأنفسِهم، فلا نقدرُ عليهم، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ﴾. يقولُ: هؤلاء لهم عذابٌ مِن شديدِ العذابِ الأليمِ. ويعنى بالأليمِ المُوجِعَ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 12953
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾. أي: لا يُعْجزون، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. قال: الرِّجْزُ سوءُ العذابِ، الأليمُ المُوجِعُ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾. قال: جاهدِين ليُهْبِطوها أو يُبْطِلوها. قال: هم المشركون. وقرَأ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢) [فصلت: ٢٦].
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أثبتُّ ذلك في كتابٍ مبينٍ ليُجْزَى الذين آمنوا، والذين سعَوْا في آياتِنا، ما قد بُيِّن لكم (٣)، وليَرى الذين أُوتوا العلمَ. فـ "يرى" في موضعِ نصبٍ عطفًا به على قولِه: "يَجْزِى". في قولِه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وعنَى بالذين أُوتوا العلمَ مُسْلِمةَ أهلِ الكتابِ؛ كعبدِ اللَّهِ بن سَلَامٍ، ونُظَرائِه الذين قد قَرءوا كتبَ اللَّهِ التي أنزلها قبلَ الفرقانِ، يقولُ تعالى ذكرُه: وليَرى هؤلاء الذين أُوتوا العلمَ بكتابِ اللَّهِ، الذي هو التوراةُ، الكتابَ الذي أُنزل إليك يا محمدُ مِن ربِّك هو الحقَّ.
стр. 12954
وقيل: عنَى بالذين أُوتوا العلم [أصحاب رسول الله ﷺ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾. قال] (١): أصحابُ محمدٍ (٢).
وقولُه: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. يقولُ: ويُرْشِدُ مَن اتَّبَعَه، وعمل بما فيه إلى سبيل الله، ﴿الْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه، ﴿الْحَمِيدِ﴾ عند خلقه؛ بأيَاديه عندَهم، ونِعَمِه لدَيهم. وإنما يعنى أن الكتاب الذي أُنزل إلى (٣) محمدٍ يَهْدى إلى الإسلامِ.
القول في تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين كفَروا بالله وبرسولِه محمدٍ ﷺ ، مُتَعجِّبين من وعدِه إيَّاهم البعثَ بعدَ المماتِ، بعضُهم لبعض: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ أيُّها الناسُ، و ﴿عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. يقولُ: يخبرُكم أنكم بعدَ تَقَطُّعِكم في الأرضِ بِلًى (٤)، وبعدَ مصيركم في الترابِ رُفاتًا، عائدون كهيئتكم (٥) قبل المماتِ خلقًا جديدًا.
стр. 12955
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. قال: ذلك مُشركو قريش والمشركون من الناسِ، ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾: إذا أكلتكم الأرضُ، وصِرْتُم رُفاتًا وعظامًا، وقطَّعَتكم السباع والطيرُ، ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ستُحْيون وتُبْعَثون (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ إلى: ﴿خَلْقٍ جَدِيد﴾. قال: يقولُ: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾: إذا بَليتُم وكنتم عظامًا وترابًا ورُفاتًا، ذلك ﴿كُلَّ مُمَزَّق﴾، ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
وقال: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ﴾ فكسر "إن" ولم يُعملْ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ فيها، ولكن ابتدأ بها (٢)؛ لأن النبأَ خبرٌ وقولٌ، فالكسرُ في (إن) لمعنى الحكاية في قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾. دونَ لفظه، كأنه قيل: يقول لكم: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. [ويجوز كسرها لدخول اللامِ في الخبر، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١]؛ لأن اللام إذا دخَلتْ في الخبر كسَرتِ المفتوح] (٣).
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هؤلاء الذين كفَروا