← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12951–12990 · переход к 12956.

стр. 12951

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾. يقولُ: لا يغيبُ عنه (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾. قال: لا يغيبُ عنهِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾. أي: لا يغيبُ عنه (٣). وقد بَيَّنَّا ذلك بشواهدِه فيما مضى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤). وقولُه: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾. يعنى: زِنَةَ ذَرَّةٍ، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يغيبُ عنه شيءٌ، مِن زِنَةِ ذَرَّةٍ فما فوقَها وما دونَها، أين كان ذلك؛ في السماواتِ، ولا في الأرضِ، ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾. يقولُ: ولا يعزُبُ عنه أصغرُ مِن مثقالِ ذَرَّةٍ ولا أَكْبَرُ منه، ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: هو مثبَتٌ في كتابٍ، يَبِينُ للناظرِ فيه أن اللَّهَ جلَّ وعزَّ قد أثبَته وأحْصاه وعلِمه، فلم يعزُبْ عنه (٥) علمُه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

стр. 12952

الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾. قال أبو جعفرٍ، رحمةُ اللَّهِ عليه: يقولُ تعالى ذكرُه: أثبتَ ذلك في الكتابِ المبينِ، كي يُثِيبَ الذين آمَنوا باللَّهِ ورسولَه، وعمِلوا بما أمَرهم اللَّهُ ورسولُه به، وانَتَهوا عما نَهاهم عنه - على طاعتَهم ربَّهم، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: لهؤلاء الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ مغفرةٌ مِن ربِّهم لذنوبِهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: وعيشٌ هنئٌ يومَ القيامةِ في الجنةِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: لذنوبِهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: في الجنةِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أثبَتَ ذلك في الكتابِ، ليَجْزِيَ [الذين آمنوا] (٢) ما وصَف، وليَجْزىَ الذين سَعَوا في آياتِنا مُعاجِزين. يقولُ: وكى يُثيبَ (٣) الذين عمِلوا في إبطالِ أدلَّتِنا وحُجَجِنا مُفاوِتينَ (٤) ويحسَبون أنهم يَسْبِقوننا بأنفسِهم، فلا نقدرُ عليهم، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ﴾. يقولُ: هؤلاء لهم عذابٌ مِن شديدِ العذابِ الأليمِ. ويعنى بالأليمِ المُوجِعَ. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12953

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾. أي: لا يُعْجزون، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. قال: الرِّجْزُ سوءُ العذابِ، الأليمُ المُوجِعُ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾. قال: جاهدِين ليُهْبِطوها أو يُبْطِلوها. قال: هم المشركون. وقرَأ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢) [فصلت: ٢٦]. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أثبتُّ ذلك في كتابٍ مبينٍ ليُجْزَى الذين آمنوا، والذين سعَوْا في آياتِنا، ما قد بُيِّن لكم (٣)، وليَرى الذين أُوتوا العلمَ. فـ "يرى" في موضعِ نصبٍ عطفًا به على قولِه: "يَجْزِى". في قولِه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وعنَى بالذين أُوتوا العلمَ مُسْلِمةَ أهلِ الكتابِ؛ كعبدِ اللَّهِ بن سَلَامٍ، ونُظَرائِه الذين قد قَرءوا كتبَ اللَّهِ التي أنزلها قبلَ الفرقانِ، يقولُ تعالى ذكرُه: وليَرى هؤلاء الذين أُوتوا العلمَ بكتابِ اللَّهِ، الذي هو التوراةُ، الكتابَ الذي أُنزل إليك يا محمدُ مِن ربِّك هو الحقَّ.

стр. 12954

وقيل: عنَى بالذين أُوتوا العلم [أصحاب رسول الله ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾. قال] (١): أصحابُ محمدٍ (٢). وقولُه: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. يقولُ: ويُرْشِدُ مَن اتَّبَعَه، وعمل بما فيه إلى سبيل الله، ﴿الْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه، ﴿الْحَمِيدِ﴾ عند خلقه؛ بأيَاديه عندَهم، ونِعَمِه لدَيهم. وإنما يعنى أن الكتاب الذي أُنزل إلى (٣) محمدٍ يَهْدى إلى الإسلامِ. القول في تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين كفَروا بالله وبرسولِه محمدٍ ﷺ ، مُتَعجِّبين من وعدِه إيَّاهم البعثَ بعدَ المماتِ، بعضُهم لبعض: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ أيُّها الناسُ، و ﴿عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. يقولُ: يخبرُكم أنكم بعدَ تَقَطُّعِكم في الأرضِ بِلًى (٤)، وبعدَ مصيركم في الترابِ رُفاتًا، عائدون كهيئتكم (٥) قبل المماتِ خلقًا جديدًا.

стр. 12955

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. قال: ذلك مُشركو قريش والمشركون من الناسِ، ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾: إذا أكلتكم الأرضُ، وصِرْتُم رُفاتًا وعظامًا، وقطَّعَتكم السباع والطيرُ، ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ستُحْيون وتُبْعَثون (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ إلى: ﴿خَلْقٍ جَدِيد﴾. قال: يقولُ: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾: إذا بَليتُم وكنتم عظامًا وترابًا ورُفاتًا، ذلك ﴿كُلَّ مُمَزَّق﴾، ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. وقال: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ﴾ فكسر "إن" ولم يُعملْ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ فيها، ولكن ابتدأ بها (٢)؛ لأن النبأَ خبرٌ وقولٌ، فالكسرُ في (إن) لمعنى الحكاية في قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾. دونَ لفظه، كأنه قيل: يقول لكم: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. [ويجوز كسرها لدخول اللامِ في الخبر، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١]؛ لأن اللام إذا دخَلتْ في الخبر كسَرتِ المفتوح] (٣). القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هؤلاء الذين كفَروا

стр. 12956

به، وأنكروا البعثَ بعدَ المماتِ، بعضُهم لبعضٍ، مُعْجَمِين مِن رسول الله ﷺ في وعده إيَّاهم ذلك: أفْتَرى هذا الرجلُ الذي يَعِدُنا [أنا بعدَ] (١) أَن تُمَزَّقَ كُلَّ مُمَزَّقٍ في خلق جديدٍ، على الله كذبًا، فتَخَلَّقَ عليه بذلك باطلًا مِن القولِ، وتَخَرَّصَ عليه قول الزور، ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾؟ يقول: أم هو مجنونٌ، فيتكلَّمَ بما لا معنى له؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قالوا تكْذيبًا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾؟ قال: قالوا: إمَّا أن يكونَ يكذب على الله، ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾؟ وإما أن يكون مجنونًا، ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية (٢). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ: ثم قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾: أرجل (٣) مجنون فيتكلَّم بما لا يعقِلُ؟ فقال الله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾. وقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ما الأمرُ كما قال هؤلاء المشركون في محمد ﷺ وظَنُّوه به، من أنه افتَرى على الله كذبًا، أو أن به جنَّةٌ، لكن الذين لا يؤمنون بالآخرةِ من هؤلاء المشركين في عذاب الله في الآخرة، وفى الذهاب البعيد عن طريق الحقِّ وقصدِ

стр. 12957

السبيل، فهم من أجلِ ذلك يقولون فيه ما يقولون. حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال الله : ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾، وأمره أن يحلف [لهم ليعتبروا] (١)، وقرأ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] الآيةَ كلَّها، وقرأ أيضًا: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. وقطعت "الألفُ" من قوله: ﴿أَفْتَرَى﴾ في القطع والوصل، ففتحت؛ لأنها ألفُ استفهام. فأما "الألفُ" التي بعدها، التي هي ألفُ "افتعل" (٢) فإنها ذهبت؛ لأنها خفيفةٌ زائدة تسقُطُ في اتصال الكلام، ونظيرها: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، ﴿بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ [ص: ٧٥]، و ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ [الصافات: ١٥٣]، وما أشبه ذلك، [ولا يجوز كسر الألفِ في شيءٍ من ذلك؛ لأن دلالة الاستفهام تسقطُ من الكلام إذا كَسَرْتَ وخالفت هيئتَه. قوله: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ﴿آلْآنَ﴾ [يونس: ٩١] وما أشبه ذلك] (٣)، وطُوَّلَتْ هذه، ولم تُطَوَّلْ تلك؛ لأن ألفَ (٤) ﴿آلْآنَ﴾ و ﴿الذَّاكِرِينَ﴾ كانت مفتوحةً، فلو أسقطت لم يكن بين الاستفهام والخبر فرقٌ، فجعل التطويلُ فيها فرقًا بين الاستفهام والخبر، [والألفُ من ﴿أَفْتَرَى﴾ كانت مكسورة] (٥) وألفُ الاستفهام مفتوحةٌ، فكانتا مفترقتين بذلك، فأغنى ذلك دلالةً على الفرقِ، من التطويل.

стр. 12958

القول في تأويل قوله : ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ قال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: أفلم يَنظُرْ هؤلاء المكذِّبون بالمَعادِ. الجاحدون البعث بعد المماتِ، القائلون لرسولِنا محمد ﷺ : ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ - إلى ما بيَن أيديهم وما خلفَهم من السماءِ والأرضِ، فيعلَموا أنهم حيثُ كانوا، فإنَّ أرضى وسمائى محيطةٌ بهم؛ مِن بين أيديهم ومن خلفِهم، وعن أيمانهم، وعن شمائِلهم، فيرتدِعوا عن جهلِهم، وينزجِروا عن تكذيبهم بآياتنا حِذَارًا أن نأمرَ الأرضَ فتُخْسَفَ بهم، أو السماء فتُسْقِطَ عليهم قِطَعًا؟! فَإِنَّا إِن نَشَأْ أن نَفعلَ ذلك فعَلنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال: لينظُروا (١) عن أيمانهم، وعن شمائِلِهم، كيف السماء قد أحاطت بهم! ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما خَسَفْنا بَمَن كان قبلهم، ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي قِطعًا مِن السماءِ (٢). وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إِنَّ في

стр. 12959

إحاطة السماء والأرض بعبادِ اللهِ ﴿لَآيَةً﴾. يقول: لدَلالَةٌ، ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ يقولُ: لكلِّ عبدٍ أناب إلى ربِّه بالتوبة، ورجَع إلى معرفةِ توحيده، والإقرار بربوبيته، [والاعتراف بوحدانيته] (١)، والإذعان لطاعته، على أنَّ فاعلَ ذلك لا يَمتنِعُ عليه فعلُ شيءٍ أراد فِعْلَه، ولا يتعذَّرُ عليه فعلُ شيءٍ شاءَه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. والمنيبُ: المقبل التائب (٢). القولُ في تأويل قوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾: ولقد أعطَينا داودَ منا، فضلًا، وقلنا للجبال: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾: سبِّحى معه إذا سبَّح. والتأويبُ عندَ العرب: الرجوعُ ومَبِيتُ الرجل في منزِلِه وأهلِه، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): يَوْمَانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأَنْدِيَةٍ … ويَوْمُ سَيْرٍ إِلى الأَعْداءِ تَأْوِيبِ أي رجوعٍ. وقد كان بعضُهم يقرؤُه (٤): (اوبِى مَعَهُ). من آبَ يئوبُ، بمعنى: تصرَّفى معه. وتلك قراءةٌ لا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها قراءةَ الحُجَّةِ.

стр. 12960

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني سليمانُ بنُ عبد الجبارِ، قال: ثنى محمدُ بنُ الصَّلتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، وحدثنا محمد بن سنانٍ القَزّازُ، قال: ثنا الحسينُ (١) بن الحسن الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدينة، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قال: سَبِّحى معه (٢). حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. يقولُ: سَبِّحي معه. حدَّثنا أبو عبد الرحمن العلائيُّ، قال: ثنا مِسْعرٌ، عن أبي حُصَينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قال: سَبِّحى (٣). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرة: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قال: سَبِّحى معه. بلسان الحبشةِ (٤). حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضيلٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قال: سَبِّحى معه.

стр. 12961

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قال: سَبِّحى معه (١). حدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. أي: سبِّحى معه إذا سبَّح (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾. قال: سبِّحى معه. قال: والطيرُ أيضًا (٣). حُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. يقولُ: سبِّحى معه (٤). حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مروانُ بن معاويةَ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾. قال: سبِّحى معه. وقوله: ﴿وَالطَّيْرَ﴾. وفى نصب الطير وجهانِ؛ أحدُهما على ما قاله ابن زيدٍ، من أن الطيرَ نُودِيت كما نُوديت الجبالُ، فتكونُ منصوبةً من أجل أنَّها معطوفةٌ على مرفوعٍ، بما لا يَحسُنُ إعادة رافعه عليه (٥)، فيكون كالمصروفِ (٦) عن جهتِه.

стр. 12962

والآخَرُ: على (١) ضميرٍ (٢) متروكٍ استِغْناءَ بدَلالةِ الكلامِ عليه، فيكونُ معنى الكلام: فقلنا: يا جبالُ أوِّبى معه وسخَّرنا له الطيرَ. وإن رُفِع ردًّا على ما في قولِه: سبِّحى. من ذكر الجبال كان جائزًا، وقد يجوز رَفْعُ الطير وهو معطوفٌ على الجبال، وإن لم يَحسُنْ نداؤُها بالذي نُودِيت به الجبالُ، فيكون ذلك كما قال الشاعر (٣): ألا يا عمْرُو والضَّحَّاكَ سيرًا … فَقَدْ جاوَزْتُما خَمَرَ (٤) الطَّرِيقِ وقولُه: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾. ذكر أنَّ الحديد كان في يديه كالطين المبلولِ يُصرِّفُه في يديه كيف شاء بغير إدخالِ نارٍ ولا ضربٍ بحديدٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: سخَّر الله له الحديد بغيرِ نارٍ (٥). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بن بشيرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: كان يُسوِّيها بيدِه؛ لا يُدخِلُها نارًا، ولا يَضرِبُها بحديدةٍ (٦). وقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. يقولُ: وعهدنا إليه أن اعمل سابغاتٍ، وهى التوامُّ الكَوامِلُ مِن الدروعِ.

стр. 12963

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. قال: دروعٌ، وكان أوَّلَ مَن صنَعها داودُ، إنما كان قبلَ ذلك صفائِحُ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. قال: السابغاتُ: الدروعُ من الحديدِ. وقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. اختلَف أهل التأويل في السَّرْدِ؛ فقال بعضُهم: السَّرْدُ: هو مِسمارُ حَلَقِ الدِّرْعِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: كان يجعَلُها بغيرِ نارٍ، ولا يَقْرَعُها بحديد، ثم يَسْرُدُها، والسَّرْدُ: المساميرُ التي في الحَلَقِ (٢). وقال آخرون: بل هو الحَلَق بعينها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه:

стр. 12964

﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: والسَّرْدُ: حَلَقه. أي: قدِّرْ تلك الحَلَق. قال: وقال الشاعرُ (١): * أجاد المُسَدِّي سَرْدَها وأذَالها* قال: يقولُ: وسَّعها، وأجاد حَلَقَها (٢). [حدثني عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. يقولُ: حَلَقِ الحديدِ] (٣). وقال بعض أهل العلم بكلام العربٍ: يقالُ: دِرْعُ مَسْرودَةٌ. إذا كانت مسمورةَ الحَلَقِ، واستَشهد لقيلِه ذلك بقولِ الشاعرِ (٤): وَعَلَيْهِما مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُما … دَاوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوَابِغَ تُبَّعُ وقيل: إن الله إنما قال لداودَ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. لأنها كانت قبل ذلك صفائحَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا خالدُ بنُ قَيْسٍ، عن قتادة: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: كانت صفائِحَ، فأُمِر أَن يَسْرُدَها حَلَقًا (٥). وعنَى بقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: قدِّرِ المساميرَ في حَلَقِ الدِّرْعِ حتى يكونَ

стр. 12965

بمقدار؛ لا تُغلِّظ المسمار وتُضَيِّقِ الحَلَقة فتُفصَمَ الحَلَقةُ، ولا تُوسِّع الحَلَقةً وتُصَغِّرِ المسمار وتُدِقَّه فيَسْلَسَ (١) في الحَلَقَةِ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. يعنى بالسردِ ثقبَ الدروع حينَ يَشُدُّ قَتيرها (٢). وعنى بقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: قدر المسامير (٣). حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: قدِّر المساميرَ والحَلَقَ، لا تُدقَّ المساميرَ فتسْلسَ، ولا تُجِلَّها. قال محمدُ بنُ عمرٍو: فتُقْصَمَ (٤). وقال الحارثُ: فتُفصَمَ (٥) (٦).

стр. 12966

حدَّثني عليُّ بن سهل، قال: ثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: لا تُصغِّرِ المِسمارَ، وتُعَظِّمِ الحَلَقَةَ فيَسْلَسَ، ولا تُعَظِّمِ المِسمارَ وتُصَغِّرِ الحَلَقَةَ [فتَفْصَمَ الحَلَقَةُ] (١). حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُيينةَ، قال: ثنا أبي، عن الحكم في قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال: لا تُغلِّظ المسمار فيَفْصِمَ الحَلَقَةَ، ولا تُدِقَّه فيَقْلَقَ (٢). وقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: واعمَلْ يا داودُ أنت وآلك (٣) بطاعة اللهِ، ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: إِنِّي بما تَعملُ أنت وأتباعُك ذو بصرٍ، لا يَخفَى عليَّ (٤) منه شيءٌ، وأنا مُجازيك وإياهم على جميعِ ذلك. القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾. قال أبو جعفر ﵀: اختلفت القرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾؛ فقرأته عامة قرأة (٥) الأمصارِ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ بنصب "الريح"، بمعنى: ولقد آتينا داود منا فضلًا، وسخَّرْنا لسليمانَ الريحَ. وقرأ ذلك عاصمٌ: (ولِسُلَيْمانَ الريحُ) رفعًا بحرفِ الصفةِ، إذ لم يَظهرِ الناصبُ.

стр. 12967

والصوابُ مِن القراءة في ذلك عندَنا النصبُ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليه. وقوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسخَّرْنا لسليمانَ الريحَ، غدوُّها إلى انتصافِ النهارِ مَسيرةُ شهرٍ، ورَواحُها من انتصافِ النهارِ إلى الليل مسيرةُ شهرٍ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. قال: تغدو مسيرةَ شهرٍ، وتروح مسيرةَ شهرٍ. قال: مسيرة شهرين في يومٍ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أهلِ العلمِ، عن وهب بن منبِّهٍ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. قال: ذُكِر لى أن مَنزِلًا بناحية دِجلَةَ مَكتوبٌ فيه كتابٌ كتبه بعضُ صحابة سليمانَ؛ إما من الجنِّ، وإما من الإنس: نحنُ نزلناه وما بَنيناه، ومبنيًّا وجَدْناه، غدَونا من إصْطَخْرَ فقِلْناه، ونحنُ رائحون منه إن شاء الله، فبائتونَ بالشام (٢). حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. قال: كان له مَرْكَبُ مِن خشَبٍ، وكان فيه ألفُ ركن، في كلِّ ركنٍ ألفُ بيتٍ يركب معه فيه الجنُّ

стр. 12968

والإنسُ، تحتَ كلِّ ركنٍ ألفُ شيطانٍ، يرفعون ذلك المركب هم والعصارُ؛ فإذا ارتفع أقبلتِ الرِّيحُ الرُّخاءُ، فسارت به، وساروا معه، يَقِيلُ عند قوم بينَه وبينهم شهرٌ، ويُمسى عندَ قومٍ بينَه وبينَهم شهرٌ، ولا يَدرى القوم إلا وقد أظلَّهم معه الجيوشُ والجنود. [والعِصَارُ: الريح العاصفة] (١). حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر (٢)، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسن في قوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. قال: كان يَغدو فيَقِيلُ بِإِصْطَخْرَ، ثم يَروحُ منها، فيكونُ رواحُها بكابُلَ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا قرَّةُ، عن الحسن بمثلِه. وقولُه: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾. يقولُ: وأَذَبْنا له عينَ النُّحاسِ وأَجْرَيناها له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾: عينَ النُّحاس، كانت بأرض اليمنِ، وإنما يَنتفِعُ النَّاسُ اليوم مما أخرج اللهُ لسليمان (٤).

стр. 12969

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾. قال: الصُّفْرُ سال كما يَسيلُ الماءُ، كان يَعمَلُ به كما يَعملُ العجين في اللينِ (١). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾. يقولُ: النحاسِ (٢). حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾. يعنى: عين النحاس أُسِيلَت له (٣). وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾. يقول تعالى ذكره: ومن الجنِّ مَن يُطيعُه، ويأتمرُ لأمرِه، وينتَهِى لنهيِه، فيعملُ بينَ يدَيه ما يأْمُرُه به، طاعةً له، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾. يقولُ: بأمر الله له بذلك، وتسخيره إياه له، ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمرِنَا﴾. يقولُ: ومَن يَزُلْ وَيَعدِلْ مِن الجنِّ عن أمرنا الذي أمَرْناه به من طاعة سليمانَ، ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ في الآخرة، وذلك عذاب نارِ جهنم المُتوقِّدةِ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمرِنَا﴾. أي: يعدِلُ منهم عن أمرِنا، عما أمَره به سليمانُ، ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ

стр. 12970

السَّعِيرِ﴾ (١) القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذِكرُه: يعملُ الجنُّ لسليمانَ ما يشاءُ؛ مِن مَحاريبَ، وهي جَمعُ مِحْرابٍ، والمحرابُ: مقدَّمُ كلِّ مسجدٍ وبيتٍ ومصلَّى، ومنه قول عديِّ بن زيدٍ (٢): كَدُمَى العاج في المَحَارِيبِ … أوْ كالْبَيضِ في الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾. قال: بُنيان دونَ القصورِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾. قال: قصورٌ ومساجدُ (٤).

стр. 12971

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾. قال: المحاريب: المساكنُ. وقرأ قول الله جلَّ وعزَّ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ (١) [آل عمران: ٣٩]. حدَّثني عمرُو بنُ عبد الحميد الآمُلِيُّ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قول الله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾. قال: المحاريبُ: المساجد (٢). وقوله: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾. يعنى أنهم يعملون له تماثيل من نُحاسٍ وزجاجٍ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾. قال: مِن نحاسٍ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾. قال: مِن زجاج وشَبَهٍ (٤). حدَّثنا عمرُو بنُ عبد الحميدِ، قال: ثنا مروانُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قول الله جلَّ ثناؤُه ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾. قال: الصُّورُ (٥).

стр. 12972

وقوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب﴾. يقولُ: ويَنْحتون له ما يشاءُ مِن جِفانٍ كالجَوابِ، وهي جمعُ جابِيَةٍ، والجابِيَةُ: الحَوْضُ الذي يُجْبَى فيه الماءُ، كما قال الأعشى ميمونُ بنُ قَيسٍ (١): [تروح على] (٢) آلِ (٣) المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ … كجابية السَّيْحِ (٤) العراقيِّ تَفْهَقُ (٥) وكما قال الراجزُ (٦): فَصَبَّحَتْ جابيَةً صُهارِجا كأنه (٧) جِلْدُ السَّماءِ خارِجا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب﴾. يقولُ: كالجَوْبَةِ مِن الأَرضِ (٨).

стр. 12973

[حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب﴾ يعنى بالجواب الحياض] (١). وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسن: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب﴾. قال (٢): كالحياضٍ (٣). حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾. قال: كحياض الإبلِ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾. [أي: كالحِياض (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾] (٦). قال: جفانٌ كجَوْبَةِ الأرضِ من العِظَمِ. والجَوْبةُ مِن الأرضِ: يُستنقَعُ فيها الماءُ. حُدِّثتُ عن الحسينِ قال: [سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال] (٧):

стр. 12974

سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾: كالحياضِ (١). حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال ثنا جُويبرٌ، عن الضحاك: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾. قال: كحياضِ الإبل من العِظَمِ. وقوله: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾. يقولُ: وقدورٍ ثابتاتٍ، لا يُحَرَّكْنَ عن أماكنِهنَّ، ولا يُحَوَّلْنَ (٢) لِعِظَمِهِنَّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾. قال: عِظامٍ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾. [أي: ثابتاتٍ لا يَزُلْنَ عن أماكنِهنَّ، كنَّ (٤) يُرَيْنَ بأرض اليمنِ (٥). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: قدورٍ] (٦) عِظامٍ ثابتاتٍ في

стр. 12975

الأرضِ لا يَزُلْنَ عن أمْكِنَتِهن (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾. قال: أمثال الجبالِ من عِظَمِهِنَّ، يُعْمَلُ فيها الطعامُ من الكِبَرِ والعِظَمِ، لا تُحَرَّكُ ولا تُنْقَلُ، كما قال للجبال: راسياتٌ. وقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقلْنا لهم: اعمَلوا بطاعةِ اللهِ يا آلَ داودَ، شكرًا له على ما أنعَم عليكم من النعمِ التي خصَّكم بها دونَ (٢) سائرِ خلقِه، مع الشكرِ له على سائرِ نعمِه، التي عمَّكم بها مع سائر خلقِه، وترَك ذكرَ: "وقلْنا لهم"، اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ [عليه، كما ترَك ذِكرَ: "وسخّرنا" في قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾. استغناءً بدَلالة ما ذُكرَ من الكلام] (٣) على ما تُرك ذكره منه، وأخرج قوله: ﴿شُكْرًا﴾ مصدرًا من قولِه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾؛ لأن معنى قوله: ﴿اعْمَلُوا﴾: اشكُروا ربَّكم بطاعتِكم إياه، وأن العملَ بالذي يُرْضى الله للهِ شكرٌ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ (٤)، عن

стр. 12976

محمد بن كعبٍ قولَه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾. قال: الشكرُ: تَقْوى اللهِ، والعمل بطاعته (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال (٢): أخبرني حَيْوَةُ، عن زُهْرَةَ بن معْبَدٍ، أنه سمِع أبا عبدِ الرحمنِ الحُبُلِّيَّ يقولُ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾: [الصلاةُ شكرٌ، والصيامُ شكرٌ، وكلُّ خير تعملُه لله شكرٌ] (٣)، وأفضلُ الشكرِ الحمدُ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾. قال: فيما (٥) أعطاكم وعلَّمكم، وسخَّر لكم ما لم يُسَخِّرْ لغيركم، وعلَّمكم منطقَ الطيرِ، اشكُروا له يا آل داودَ. قال: الحمدُ طرفٌ من الشكرِ. وقولُه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقليلٌ من عبادىَ المخلصو توحيدي، والمفردو طاعتى وشُكْرى على نِعْمَتى عليهم. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ

стр. 12977

قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾. يقولُ: قليلٌ من عبادي الموحِّدون توحيدَهم (١). القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: فلما أمْضَيْنا قضاءَنا على سليمانَ بالموت فمات، ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ﴾. يقولُ: لم يَدُلُّ الجنَّ على موتِ سليمانَ، ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ وهى الأرضَةُ وقعت في عصاه التي كان مُتَّكِئًا عليها فأكلتها. فذلك قولُ الله : ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ والمُثنى، قالا: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. يقولُ: الأَرَضَةُ تَأْكُلُ عصاه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. قال: عصاه. حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 12978

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾. قال: الأَرضَةُ، ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. قال: عصاه (١). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ (٢) الله بنُ موسى، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. قال: عصاه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. [قال: عصاه (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. قال:] (٤). أكَلت عصاه حتى خرَّ (٥). حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: المِنْسأَةُ: العصا، بلسانِ الحبشةِ (٦). حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: المِنْسأةُ: العصا (٧). واختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةٍ أهل المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: (منساتَهُ) (٨) غيرَ مهموزة، وزعم من اعتلَّ لقارئ ذلك

стр. 12979

كذلك من أهلِ البصرةِ (١) "، أن المنسَاةَ العصا، وأن أصلَها من: نَسَأْتُ بها الغنمَ. قال: وهى من الهمزِ الذي ترَكته العربُ، كما ترَكوا همزَ: "النبيِّ" و"البريةِ" و "الخابيةِ". وأنشَد لتركِ الهمزِ في ذلك بيتًا لبعض الشعراءِ. إذا دَبَيْتَ على المِنْساةِ من كِبَرٍ (٢) … فقد تباعَدَ عنكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ وذكر الفرَّاءُ عن أبي جعفرٍ الرُّؤَاسيِّ، أنه سأل عنها أبا عمرٍو، فقال: (مِنْساتَه) بغير همزٍ (٣). وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفة: ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾. بالهمز (٤)، وكأنهم وجَّهوا ذلك إلى أنها مِفْعَلةٌ، من: نَسَأْتُ البعيرَ. إذا زَجَرْتَه ليزدادَ سيرُه، كما يُقالُ: نسَأْتُ اللبنَ. إذا صَبَبْتَ عليه الماءَ، وهو النَّسِيءُ، وكما يقالُ: نَسَأَ الله في أجلِك. أي زاد (٥) الله في أيامِ حياتِك. قال أبو جعفرٍ ﵀: وهما قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرَأةِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتهما قرَأ القارى فمُصيبٌ، وإن كنتُ أخْتارُ الهمز فيها (٦)؛ لأنه الأصلُ. وقولُه: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾. يقولُ : فلما خرَّ سليمانُ ساقطًا بانكسارِ مِنْسأتِه، تبيَّنت الجنُّ أن لو كانوا يَعلَمون الغيبَ الذي كانوا يَدَّعون عِلْمَه،

стр. 12980

﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. يعني: المُذلِّ [مَن عُذِّب به، وكان العذابَ الذي عُذِّبوا به مُكثُهم في الخِدمةِ] (١) حَوْلًا كاملًا بعدَ موتِ سليمانَ، وهم يَحْسَبون أن سليمانَ حَيٌّ. وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل وجاءت الآثارُ. ذكرُ مَن قال ذلك والروايةِ بذلك حدَّثنا أحمد بنُ منصورٍ، قال: ثنا موسى بنُ مسعودٍ (٢) أبو حذيفةَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "كان سليمانُ نبيُّ الله إذا صلَّى رأى شجرةً نابتَةً بينَ يديه، فيقولُ لها: ما اسمُكِ؟ فتقولُ: كذا [وكذا] (١). فيقولُ: لأيِّ شيءٍ أنتِ؟ فإن كانت لغَرْسٍ (٣) غُرست، وإن كانت لدواءٍ كُتبت، فبينما هو يُصَلِّي ذاتَ يومٍ، إذ رأَى شجرةً بينَ يديه، فقال لها: ما اسمُك؟ قالت: الخرُّوبُ. قال: لأيِّ شيءٍ أنتِ؟ قالت: لخرابِ هذا البيتِ. فقال سليمانُ: اللهم عَمِّ على الجنِّ مَوْتى حتى يَعْلَمَ الإنس أن الجنَّ لا يَعْلَمون الغيبَ. فنحَتها عصًا، فتوَكَّأ عليها حولًا مَيِّتًا، والجنُّ تَعْمَلُ، فأكَلتها الأَرَضَةُ فسقَط، فتبيَّنت الإنسُ أن الجنَّ (لو كانوا يَعْلَمون الغيبَ ما لبثوا حولًا في العذاب المهين) ". قال: وكان ابن عباس يقرؤُها كذلك. قال: "فشكَرت الجنُّ للأرْضَةِ، فكانت تَأْتيها بالماءِ" (٤).

стр. 12981

حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في حديثٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدَانيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ قال: كان سليمانُ يَتَجَرَّدُ في بيت المقدسِ السنةَ والسنتين، والشهرَ والشهرين، وأقلَّ من ذلك وأكثرَ، يُدْخِلُ طعامه وشرابَه، فأدخَله في المرةِ التي مات فيها، [فكان بَدْءُ] (١) ذلك أنه لم يَكُنْ يومٌ يُصْبحُ فيه إلا [نَبَتَت في بيتِ المقدسِ] (٢) شجرةٌ، فيأتيها (٣) فيَسْألُها: ما اسمُكِ؟ فتقولُ الشجرةُ: اسمى كذا وكذا. فيقولُ لها: لأيِّ شيءٍ نَبَتِّ؟ فتقولُ: نَبَتُّ لكذا وكذا. فيَأْمُرُ بها فتَقْطَعُ، فإن كانت نبَتت لغرسٍ غرَسها، وإن كانت نبتَت لدواءٍ قالت: نَبَتُّ دواءً لكذا وكذا. فيَجْعَلُها لذلك، حتى نبتَت شجرةٌ يقالُ لها: الخرُّوبةُ. فسألها: ما اسمُك؟ فقالت: أنا الخرُّوبةُ. قال: ولأيِّ شيءٍ نبَتِّ؟ قالت: لخرابِ هذا المسجدِ. قال سليمانُ: ما كان الله ليُخْرِبه وأنا حيٌّ، أنتِ التي على وَجْهك هلاكى وخرابُ بيت المقدسِ. فنزَعها وغرَسها في حائطٍ له، ثم دخَل المحرابَ، فقام يُصَلِّي مُتَّكِئًا على عصاه، فمات ولا تَعْلَمُ به الشياطينُ في ذلك، وهم يَعْمَلُون له، يَخافون أن يَخْرُجَ فيُعاقِبَهم. وكانت الشياطينُ تَجْتَمِعُ حولَ المحرابِ، وكان المحرابُ له كُوًى بينَ يديه وخلفَه، فكان الشيطانُ الذي يُرِيدُ أن يَخْلَعَ، يَقولُ: ألستُ جَلِيدًا (٤) إن دخَلتُ فخرَجتُ مِن ذلك الجانب، [فيدخُلُ حتى يخرج من الجانب] (٥) الآخَرِ، فدخَل شيطانٌ مِن أولئك فمرَّ، ولم يَكُنْ

стр. 12982

شيطانٌ يَنظُرُ إلى سليمانَ في المحرابِ إلا احترَق، فمرَّ ولم يَسْمَع صوتَ سليمانَ ﵇، ثم رجَع فلم يَسْمَعْ، ثم رجَع فوقَع في البيتِ فلم يَحْتَرِق، ونظَر إلى سليمانَ قد سقَط مَيِّتًا، فخرَج فأخبَر الناسَ أن سليمانَ قد مات، ففتَحوا (١) عنه، فأخرَجوه، ووجَدوا مِنْسَأتَه، وهى العصا بلسانِ الحبشةِ، قد أكَلتها الأرَضَةُ، ولم يَعْلَموا منذُ كم مات، فوضَعوا الأرَضَةَ على العصا، فأكَلت منها يومًا وليلةً، ثم حسَبوا على ذلك النحو، فوجَدوه قد مات منذ سنةٍ. وهى في قراءةِ ابن مسعودٍ: (فمكَثوا يَدْأبون (٢) له من بعدِ موتِه حولًا كاملًا) (٣). فأيْقَن الناسُ عندَ ذلك أن الجنَّ كانوا يَكْذِبونهم، ولو أنهم علِموا الغيبَ لعلِموا بموتِ سليمانَ، ولم يَلْبَثوا في العذابِ سنةً يَعْمَلون له، وذلك قولُ اللهِ : ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. يقولُ: تَبَيَّنُ أمرُهم للناسِ أنهم كانوا يَكْذبونهم. ثم إن الشياطينَ قالوا للأرضَةِ: لو كنتِ تَأْكُلين الطعامَ أتَيْناكِ بأطيبِ الطعامِ، ولو كنتِ تَشْرَبين الشرابَ سَقَيْناكِ أطيبَ الشرابِ، ولكنَّا سَنَنْقُلُ إليكِ الماءَ والطِّينَ، قال: فهم ينقُلون ذلك حيثُ كانت. قال: ألم تَرَ إلى الطين الذي يكونُ في جوفِ الخشبِ فهو ما يأْتيها به الشياطينُ شكرًا لها (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت الجنُّ تُخْبِرُ الإنسَ أنهم كانوا يَعْلَمون من الغيبِ أشياءَ، وأنهم يَعْلَمون ما في غدٍ، فابتُلوا بموتِ

стр. 12983

سليمانَ، فمات فلبث سنةً على عصاه، وهم لا يَشْعُرون بموته، وهم مُسَخَّرون تلك السنةَ يَعْمَلُون دائبِين، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، [وفى بعض القراءة (فلما خرَّ تَبَيَّنتِ الإنسُ أَنَّ الجنَّ] (١) لَوْ كَانُوا يعلمون الغيبَ ما لبثوا في العذاب المهين)، ولقد لبثوا يَدْأَبون ويَعْمَلون له حولًا (٢) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. قال: قال سليمانُ لملَكِ الموتِ: يا ملكَ الموتِ، إذا أُمِرتَ بي فَأَعْلِمْنى. قال: فأتاه فقال: يا سليمانُ، قد أُمِرْتُ بك، قد بقِيَت لك سُوَيعَةٌ. فدعا الشياطين، فبنَوا عليه صَرْحًا من قواريرَ، ليس له بابٌ، فقام يُصَلِّي، واتَّكَأ على عَصاه، قال: فدخَل عليه مَلَكُ الموتِ، فقبض رُوحَه وهو مُتَّكِيُّ على عَصاه، ولم يَصْنَعْ ذلك فرارًا مِن مَلكِ الموتِ. قال: والجنُّ تَعْمَلُ بين يديه، ويَنْظُرون إليه، يحسَبون أنه حيٌّ. قال: فبعَث اللهُ دابةَ الأرضِ - قال: دابةٌ تَأْكُلُ العِيدانَ يقالُ لها: القادِحُ - فدخَلت فيها فأكَلتها، حتى إذا أكَلت جوفَ العصا ضعُفت وثقُل عليها، فخرَّ مَيِّتًا. قال: فلما رأَت الجنُّ ذلك، انفَضُّوا وذهَبوا. قال: فذلك قولُه: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. قال: والمِنْسَأَةُ: العصا (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، قال: كان سليمانُ بنُ داودَ يُصَلِّي فمات وهو قائمٌ يُصَلِّي، والجنُّ يَعْمَلون، لا يَعْلَمون بموته، حتى أكَلت الأَرَضَةُ عصاه فخَرَّ.

стр. 12984

و "أَنْ" في قوله: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ في موضعِ رفعٍ بـ "تَبَيَّنَ"؛ لأن معنى الكلامِ: فلما خرَّ تَبَيَّنَ وانكشَف، أن لو كان الجنُّ يَعْلَمُون الغيبَ ما لبِثوا في العذابِ المهينِ. وأما على التأويلِ الذي تأوَّله ابن عباسٍ؛ مِن أن معناه: تبيَّنت الإنسُ الجنَّ. فإنه يَنْبَغى أن تكونَ ﴿أَنْ﴾ في موضعِ نصبٍ بتكريرِها على ﴿الْجِنُّ﴾، وكذلك يَجِبُ على هذه القراءةِ أن تكونَ ﴿الْجِنُّ﴾ منصوبةً. غيرَ أنى لا أعلمُ أحدًا مِن قرَأةِ الأمصارِ يَقْرَأُ ذلك بنصبِ ﴿الْجِنُّ﴾، ولو نُصِبَت، كان في قولِه: ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ ضميرٌ من ذكرِ الإنسِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ (١) آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾. أي لولدِ سبإِ في مساكنِهم (٢) علامةٌ بينةٌ وحجةٌ واضحةٌ، على أنه لا ربَّ لهم إلا اللهُ الذي أنعَم عليهم النعمَ التي كانوا فيها. وسبأٌ [فيما روى] (٣) عن رسولِ اللهِ اسمُ أبي اليَمَنِ. ذكرُ الرواية بذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي جَنَابٍ (٤) الكلبيِّ، عن يحيى بن

стр. 12985

هانئِ بن (١) عروةَ المراديِّ، عن رجلٍ منهم يُقالُ له: فَرْوَةُ بنُ مُسَيْكٍ. قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أخبِرْني عن سبإِ ما كان، رجلًا كان أو امرأةً، أو جبلًا، أو واديًا (٢)؟ فقال: "لا، كان رجلًا من العربِ، وله عَشَرَةٌ، فتيمَّن منهم ستةٌ، وتشاءَم أربعةٌ؛ منهم؛ فأما الذين تَيَمَّنوا منهم؛ فكنْدَةُ، وحِمْيرٌ، والأَزْدُ، والأشعرِيُّون ومَذْحِجٌ، وأنْمارٌ الذين منها خَثْعَمٌ وبَجيلَةُ، وأما الذين تشاءَموا؛ فعامِلةٌ، وجُذَامٌ، ولَخْمٌ، وغَسَّانُ" (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثني الحسنُ بنُ الحكَمِ، قال: ثنا أبو سَبْرَةَ النَّخَعِيُّ، عن فروةَ بن مُسَيْكٍ القطيعيِّ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، أَخْبِرْني عن سبإِ ما هو؛ أرضٌ أو امرأةٌ؟ قال: "ليس بأرضٍ ولا امرأةٍ، ولكنه رجلٌ ولَد (٤) عَشَرةً من الولدِ، فتيامَن ستةٌ، وتشاءَم أربعةٌ، فأما الذين تشاءَموا؛ فَلَخْمٌ، وجُذَامٌ، وعامِلةُ، وغَسَّانُ، وأما الذين تيامَنوا؛ فكِندةُ والأشعريُّون والأزْدُ ومَذْحِجٌ وحِمْيَرٌ وأنْمارٌ". فقال رجلٌ: ما أنمارٌ؟ قال: "الذين منهم خَثْعَمٌ وبجيلةُ" (٥). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا العَنْقَرِيُّ، قال: أخبَرني أسباطُ بنُ نَصِرٍ، عن يَحيى بن هانئِ المراديِّ، عن أبيه أو عن عمِّه - أسباطُ شكَّ فيه - قال: قدِم فَرُوةُ بنُ مُسَيكٍ على رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أخْبِرْني عن سبإِ؛ أجبلًا كان أو أرضًا؟

стр. 12986

فقال: "لم يَكُنْ جبلًا ولا أرضًا، ولكنه كان رجلًا من العربِ وُلِد له عشْرةُ قبائلَ". ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: "وأنمارٌ الذين يقولون، منهم بَجِيلَةُ وخَثْعَمٌ" (١). فإذ (٢) كان الأمرُ كما رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ ، من أن سبأً رجلٌ، فإنَّ الإجراءَ فيه وغيرَ الإجراءِ معتدِلان؛ أما الإجراءُ، فعلى أنه اسمُ رجلٍ معروفٍ، وأما تركُ الإجراءِ فعلى أنه اسمُ قبيلةٍ أو أرضٍ. وقد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من أهلِ القراءةِ (٣). واختلفَت القرَأةُ في قراءةِ قوله: (في مساكنِهم)؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (في مساكنهم) على الجِماعِ، بمعنى منازلِ آلِ سبأ. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفيِّين: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ على التوحيدِ وبكسرِ الكافِ، وهى لغةٌ لأهلِ اليمنِ فيما ذُكِر لى. وقرَأ حمزةُ: (مَسْكَنِهم) على التوحيدِ وفتحِ الكافِ (٤). والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن كلَّ ذلك قراءاتٌ مشهوراتٌ (٥) متقارباتُ المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ القارئُ فمصيبٌ. وقولُه: ﴿آيَةٌ﴾: قد بيَّنا معناها قبلُ (٦).

стр. 12987

وأما قولُه: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾. فإنه يعنى: بستانان كانا بينَ جبلين، عن يمينِ مَن أتاهما وشمالِه. وكان من صفتِهما فيما ذُكِر لنا ما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعتُ قتادةَ في قولِه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾. قال: كانت جنتان بينَ جبلين، فكانت المرأةُ تَخْرُجُ، بمِكْتَلِها على رأسِها، فتَمْشى بينَ جبلين (١)، فيَمْتَلِئُ مِكْتَلُها، وما مسَّت بيدِها، فلما طَغَوا بعَث اللهُ عليهم دابةً، يُقالُ لها: جُرَذٌ (٢). فنقَّبت عليهم، فغرَّقتهم، فما بقى لهم إلا أثلٌ وشيءٌ من سِدْرٍ قليلٍ (٣). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. قال: ولم يَكُنْ يُرَى في قريتِهم بَعوضةٌ قطُّ ولا ذُبابٌ ولا بُرْغوثٌ ولا عقربٌ ولا حيةٌ، وإن كان الركبُ ليَأْتون وفى ثيابِهم القَمْلُ والدوابُّ، فما هم إلَّا أن يَنْظروا إلى بيوتِهم، فتَمُوتَ الدوابُّ. قال: وإن كان الإنسانُ ليَدْخُلُ الجنتَين، فيُمْسِكُ القُفَّةَ على رأسِه، فيَخْرُجُ حينَ يَخْرُجُ وقد امتلأت تلك القُفَّةُ (٤) من أنواعِ الفاكهةِ، ولم يتَنَاولْ منها شيئًا بيدِه. قال: والسَّدُّ يَسْقيها (٥). ورُفعِت الجنتان في قولِه: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾. ترجمةً عن الآيةِ؛ لأن معنى الكلامِ: لقد كان لسبأ في مسكنِهم آيةٌ، هي جنتان عن أيمانِهم وشمائلِهم.

стр. 12988

وقولُه: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾. [يقولُ: وقيل لهم: كُلوا من رزقِ ربِّكم] (١) الذي رزقكم مِن هاتين الجنتين؛ مِن زُروعِهما وأثمارِهما، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما أنعمَ به عليكم من رزقِه ذلك. وإلى هذا منتهى الخبرِ، ثم ابتدَأ الخبرَ عن البلدةِ. فقال (٢): هذه بلدةٌ طيبةٌ. أي: ليست بسَبْخةٍ، ولكنها كما ذكَرْنا من صفتِها عن عبدِ الرحمنِ بن زيدٍ أن كانت كما وصَفها (٣) به ابن زيدٍ، من أنه لم يكنْ فيها شيءٌ مؤْذٍ من الهَمَجِ (٤) والدَّبِيبِ والهوامِّ، ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾. يقولُ: وربُّكم (٥) غفورٌ لذنوبِكم إن أنتم أطَعتموه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾. [قال: هذه بلدةٌ طيبةٌ] (٦)، ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾: وربُّكم ربٌّ غفورٌ لذنوبِكم؛ قومٌ أعطاهم اللهُ نِعمَه، وأمَرهم بطاعتِه، ونهاهم عن معصيتِه (٧). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)

стр. 12989

ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي (١) إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فأعرَضت سبأٌ عن طاعةِ ربِّها، وصدَّت عن اتباعِ ما دعتها إليه رُسُلُها، من أمرِ (٢) خالقِها. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن وهبِ بن منبِّهٍ اليمانيِّ، قال: لقد بعَث اللهُ إلى سبأ ثلاثةَ عَشَرَ نبيًّا فكذَّبوهم (٣). ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فثقَبنا (٤) عليهم حينَ أعرَضوا عن تصديقِ رسلِنا سدَّهم الذي كان يَحْبِسُ عنهم السيولَ. والعَرِمُ: المُسنَّاةُ التي تَحْبِسُ الماءَ، واحدُها عَرِمةٌ، وإياه عَنَى الأَعْشَى بقولِه (٥): ففي ذاك للمُؤْتَسِى أُسْوَةٌ … ومَأْرِبُ قَفَّى (٦) عليه العَرِمْ رِجَامٌ (٧) بَنَتْه لهم حِمْيَرٌ … إذا جاء ماؤُهُمُ لم يَرِمْ وكان العَرِمُ، فيما ذُكِر، مما بنَتْه بِلْقيسُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدَّثنا وهبُ بنُ جريرٍ،

стр. 12990

قال: ثنا أبي، قال: سمِعتُ المغيرةَ بنَ حكيمٍ، قال: لما ملَكت بِلْقِيسُ جعَل قومُها يَقْتَتِلون على ماءِ وادِيهم. قال: فجعَلت تَنْهاهم فلا يُطيعونها، فترَكت مُلْكَها، وانطَلَقت إلى قصرٍ لها وترَكتهم، فلما كثرُ الشرُّ بينَهم وندِموا أتَوها، فأرادوها على أن تَرْجِعَ إلى مُلْكِها، فأبَت، فقالوا: لتَرْجِعِنَّ أو لنَقْتُلَنَّك. فقالت: إنكم لا تُطيعونني، وليست لكم عقولٌ (١). قالوا: فإنَّا نُطيعُكِ، وإنَّا لم نَجِدْ فينا خيرًا بعدَكِ. فجاءت فأمَرت بوادِيهم فسُدَّ بالعَرمِ (٢). قال أحمدُ: قال وهبٌ: قال أبي: فسألتُ المغيرةَ بنَ حَكِيمٍ عن العَرِمِ، فقال: هو بكلامِ حِمْيَرٍ: المُسَنَّاةُ. فسَدَّت ما بينَ الجبلين، فحبَست الماءَ من وراءِ السدِّ، وجعَلت له أبوابًا، بعضُها فوقَ بعضٍ، وبنَت من دونِه بِركةً ضخمةً، فجعَلت فيها اثنى عشَرَ مَخْرَجًا، على عدةِ أنهارِهم، فلما جاء المطرُ احتبَس السيلُ من وراءِ السدِّ. فأمَرت بالبابِ الأعلى ففُتِح، فجرَى ماؤُه في البِرْكةِ، وأمَرت بالبَعْرِ فأُلقى فيها، فجعَل بعضُ البعرِ يخرُجُ أسرعَ مِن بعضٍ، فلم تَزَلْ تُضَيِّقُ تلك الأنهارَ، وتُرْسِلُ البَعْرَ في الماءِ، حتى خرَج جميعًا معًا، فكانت تَقْسِمُه بينَهم على ذلك، حتى كان مِن أمْرِها وأمْرِ سليمانَ ما كان (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا صالحُ (٤) بنُ رُزيقٍ (٥)، قال: أخبَرنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ في قولِه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.
следующие страницы →