إسماعيلُ (١).
[حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسن: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: هو إسماعيلُ] (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: سَمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظىَّ وهو يقولُ: إن الذى أمَر اللهُ إبراهيمَ بذبحِه من ابنَيه (٣) إسماعيلُ، وإنا لَنَجِدُ ذلك في كتابِ اللهِ في قصةِ الخبرِ عن إبراهيمَ، وما أُمِر به مِن ذبحِ ابنِه، إسماعيلَ، وذلك أن اللهَ يقولُ حينَ فرَغ مِن قصةِ المذبوحِ مِن ابنىْ (٤) إبراهيمَ، قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يقول: بشَّرْناه بإسحاقَ، ومِن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ، يقولُ: بابنٍ وابنِ ابنٍ. فلم يَكُنْ لِيَأْمُرَه بِذَبْحِ إسحاقَ، وله فيه مِن اللَّهِ الموعودُ ما وعَدَه (٥)، وما الذى أُمِر بذبحِه إلا إسماعيلُ (٦).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ وعمرو بنِ عبيدٍ، عن الحسنِ بنِ أبى الحسنِ البصرىِّ، أنه كان لا يَشُكُّ في ذلك، أن الذي أُمِر بذبحِه من ابنى إبراهيمَ إسماعيلُ (٧).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: سمِعْتُ
стр. 13337
محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظىَّ يقولُ ذلك كثيرًا (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بُرَيْدَةَ بنِ سفيانَ بنِ فَرْوَةَ الأَسْلَمىِّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ، أنه حدَّثهم أنه ذكَر ذلك لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وهو خليفةٌ، إذ كان معه بالشامِ، فقال له عمرُ: إن هذا لشَيءٌ ما كنتُ أَنْظُرُ فيه، وإني لأُراه كما قلتَ (٢). ثم أرْسَل إلى رجلٍ كان عندَه بالشامِ كان يهوديًّا، فأسْلَم فحسُن إسلامُه، وكان يُرَى أنه مِن علماء يهودَ، فسأَله عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ عن ذلك، فقال محمدُ بنُ كعبٍ: وأنا عندَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فقال له عمرُ: أَيُّ ابنَى إبراهيمَ أُمِر بذبحِه؟ فقال: إسماعيلُ والله يا أميرَ المؤمنين، وإن يهودَ لَتَعْلَمُ بذلك، ولكنهم يَحْسُدونكم معشرَ العرب، على أن يكونَ أباكم الذي كان مِن أمرِ اللهِ فيه، والفضلِ الذى ذكَره اللهُ منه؛ لصبرِه لما أُمِر به، فهم يَجْحَدون ذلك، ويَزْعُمون أنه إسحاقُ؛ لأن إسحاقَ أبوهم. فاللهُ أعلمُ أيُّهما كان، كلٌّ قد كان طاهرًا طيبًا مطيعًا لربِّه (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمارٍ الرازىُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبيدٍ بنِ أبي كَريمةَ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبدِ الرَّحيمِ الخطابيُّ، عن عبد (٤) اللهِ بنِ محمدٍ العُتْبىِّ، مِن ولدِ عتبةَ ابنِ أبي سفيانَ، عن أبيه، قال: ثنى عبدُ الله بنُ سعدٍ (٥)، عن الصُّنابحىِّ، قال: كنا
стр. 13338
عندَ معاويةَ بن أبي سفيانَ، فذكَروا الذبيحَ؛ إسماعيلُ أو (١) إسحاقُ؟ فقال: على الخبيرِ سقَطْتُم؛ كنا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فجاءه رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، عُدْ علىَّ مما أفاء اللهُ عليك يا بنَ الذَّبِيحَيْن. فضحِك رسولُ اللهِ ﷺ ، فقيل (٢) له: يا أميرَ المؤمنين، وما الذَّبيحان؟ فقال: إن عبدَ المطلبِ لما أُمِر بحفرِ زمزمَ، نذَر للَّهِ لئن سَهَّل اللهُ له أمرَها، ليَذْبَحَنَّ أحدَ ولدِه. قال: فخرَج السهمُ على عبدِ اللَّهِ، فمنعَه أخوالُه، وقالوا: افْدِ ابنَك بمائةٍ مِن الإبلِ. ففَداه بمائةٍ من الإبلِ، وإسماعيلُ الثاني (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: ثنا ابنُ جريجٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: الذي فُدِى به إسماعيلُ (٤).
ويعنى تعالى ذكرُه بالذِّبح الكبشَ الذى فُدِى به إسحاقُ، والعربُ تقولُ لكلِّ ما أُعِدَّ للذَّبْحِ: ذِبْحٌ. وأما الذَّبْحُ بفتحِ الذالِ، فهو الفعلُ.
قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين فى ذلك بالصواب في المَفْدِىِّ مِن ابنى إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ، على ظاهرِ التنزيل قولُ مَن قال: هو إسحاقُ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. فذكَر أنه فدَى الغلامَ الحليمَ الذي بُشِّر به إبراهيمُ، حينَ سأله أن يَهَبَ له ولدًا صالحًا مِن الصالحين، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فإذ كان المَفْدِىُّ بالذبحِ مِن ابنيه هو المُبَشِّرَ به، وكان اللهُ تعالى ذكره قد بيَّن في كتابِه أن الذى بُشِّر به هو إسحاقُ، ومِن وراءِ إسحاقَ يعقوبُ، فقال
стр. 13339
جلَّ ثناؤُه: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا (١) بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. وكان في كلِّ موضعٍ مِن القرآنِ ذكَر تبشيرَه إياه بولدٍ، فإنما هو معنىٌّ به إسحاقُ - كان بيِّنًا أن تبشيرَه إياه بقولِه: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾. فى هذا الموضعِ، نحو سائرِ أخبارِه في غيرِه مِن آياتِ القرآنِ.
وبعدُ، فإن اللَّهَ أَخْبَر جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ عن خليلِه أنه بشَّره بالغلامِ الحليمِ، عن مسألتِه إياه أن يَهَبَ له ولدًا (٢) مِن الصالحين، ومعلومٌ أنه لم يَسْأَلْه ذلك إلا في حالٍ لم يَكُنْ له فيه ولدٌ مِن الصالحين؛ لأنه لم يَكُنْ له (٣) مِن ابنَيه إلا إمامُ الصالحين، وغيرُ موهومٍ منه أن يكونَ سأَل ربَّه في هبةِ ما قد كان أعْطاه ووهَبه له، فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذى ذكَر تعالى ذكرُه فى هذا الموضع هو الذي ذكَر في سائرِ القرآنِ أنه بشَّره به، وذلك لا شكَّ أنه إسحاقُ، إذ (٤) كان المفدىُّ هو المبشَّرَ به.
وأما الذى اعْتَلَّ به من اعْتَلَّ فى أنه إسماعيلُ، أن اللهَ قد كان وعَد إبراهيمَ أن يكونَ له مِن إسحاقَ ابنُ ابنٍ، فلم يَكُنْ جائزًا أن يَأْمُرَه بذبحِه، مع الوعدِ الذي قد تقَدَّم، فإن اللهَ تعالى ذكرُه إنما أمَره بذبحِه بعدَ أن بلَغ معه السعيَ، وتلك حالٌ غير منكرٍ (٥) أن يكونَ قد كان وُلِد لإسحاقَ فيها أولادٌ، فكيف (٦) الواحدُ؟ وأما اعتلالُ مَن اعْتَلَّ بأن الله أتْبَع قصةَ المَفْدِىِّ مِن ولدِ إبراهيمَ بقولِه:
стр. 13340
﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾. ولو كان المفدىُّ هو إسحاقَ لم [يُبَشِّرْ به] (١) بعدُ، وقد وُلِد، وبلَغ معه السعىَ، فإن البشارةَ (٢) بنبوةِ (٣) إسحاقَ مِن اللهِ فيما جاءت به الأخبارُ، جاءت إبراهيمَ وإسحاقَ بعدَ أن فُدِى؛ تَكْرِمةٌ مِن اللهِ له على صبرِه لأمرِ ربِّه، فيما امْتَحَنَه به مِن الذبحِ، وقد تقَدَّمت الروايةُ قبلُ عمن قال ذلك.
وأما اعتلالُ مَن اعْتَلَّ بأنَّ قرْنَ الكبشِ كان مُعَلَّقًا في الكعبةِ، فغيرُ مستحيلٍ أن يكونَ حُمِل مِن الشامِ إلى مكةَ. وقد رُوى عن جماعةٍ مِن أهلِ العلمِ، أن إبراهيمَ إنما أُمِر بذبحِ ابنِه إسحاقَ بالشامِ، وبها أراد ذبحَه (٤).
واختَلَف أهلُ العلمِ فى الذِّبْحِ الذى فُدِى به إسحاقُ؛ فقال بعضُهم: كان كبشًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي الطُّفيلِ، عن علىٍّ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: كبشٍ أبيضَ أقرنَ أعْينَ،
стр. 13341
مربوطٍ بسَمُرٍ (١) في ثَبِيرٍ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ جريجٍ، عن عطاءِ بنِ أبي ربَاحٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: كبشٍ. قال عبيدُ بنُ عميرٍ: ذُبح بالمَقامِ. وقال مجاهدٌ: ذُبِح بمنًى فى المَنْحَرِ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ خُثَيَّمٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الكبشُ الذى ذبَحه إبراهيمُ هو الكبشُ الذى قرَّبه ابنُ آدم، فتُقُبِّل منه (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا سَيَّارٌ، عن عكرمةَ، أن ابنَ عباسٍ كان أفْتَى الذي جعَل عليه أن يَنْحَرَ نفسَه، فأَمَرَه بمائةٍ مِن الإبلِ، قال: فقال ابنُ عباسٍ بعدَ ذلك: لو كنتُ أفْتَيْتُه بكبشٍ لَأَجْزَاهِ أَن يَذْبَحَ كبشًا، فإِن اللَّهَ قال في كتابِه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: ذِبْحٍ: كبشٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ
стр. 13342
عَظِيمٍ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: الْتَفَتَ فإذا كبشٌ، فأَخَذه فذبَحه (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: كان الكبشُ الذى ذبَحه إبراهيمُ رعَى في الجنةِ أربعين سنةً، وكان كبشًا أملحَ، صوفُه مثلُ العِهْنِ الأحمرِ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: بكبشٍ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: أخبَرنا ليثٌ، قال: قال مجاهدٌ: الذِّبحُ العظيمُ شاةٌ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِذِبْحٍ﴾. قال: بكبشٍ.
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: الذِّبْحُ الكبشُ.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: الْتَفَت - يعنى إبراهيم - فإذا بكبشٍ، فأَخَذَه وخلَّى عن ابنِه (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ (٥): الذِّبحُ العظيمُ:
стр. 13343
الكبشُ الذى فدَى اللهُ به إسحاقَ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ، عن قتادةَ بنِ دِعامةَ، عن جعفرِ بنِ إياسٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ العباسِ في قولِه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: خرَج عليه كبشٌ [من الجنةِ] (١)، قد رَعاها قبلَ ذلك أربعين خريفًا، فأرْسَل إبراهيمُ ابنَه، فاتَّبَع الكبشَ، فأَخْرَجه إلى الجمرةِ الأولى، فرماه (٢) بسبعِ حَصَياتٍ، فأفْلَته عندَه، فجاء الجمرةَ الوسطى، فأخْرَجه عندَها، فرماه بسبعِ حَصَياتٍ، ثم أفْلَته، فأدْرَكه عندَ الجمرةِ الكبرى، فرماه بسبعِ حَصَياتٍ، فأَخْرَجه عندَها، ثم أخَذه فأتَى به المَنْحَرَ مِن منًى فذبَحه، فوالذي نفسُ ابنِ عباسٍ بيدِه، لقد كان أولَ الإسلامِ، وإن رأسَ الكبشِ لَمُعَلَّقٌ بقرْنَيْه فى مِيزابِ الكعبةِ قد وَخُشَ (٣). يعني: يَبِس (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: ويَزْعُمُ أَهلُ الكتابِ الأوَّل وكثيرٌ من العلماءِ، أن ذبيحةَ إبراهيمَ التي فدَى بها ابنَه كبشٌ أملحُ أقرنُ أعينُ.
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: بكبشٍ.
وقال آخرون: كان ذلك الذِّبْحُ وَعِلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن أبى
стр. 13344
صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: كان وَعِلًا (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عمرِو بن عبيدٍ، عن الحسنِ، أنه كان يقولُ: ما فُدِى إسماعيل إلا بتَيْسِ مِن الأَرْوَى، أُهْبِط عليه مِن ثَبيرٍ (٢).
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجلِه قيلَ للذَّبْحِ الذى فُدِى به إسحاقُ: عظيمٌ، فقال بعضُهم: قيل ذلك كذلك لأنه كان رعَى في الجنةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عيسى، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: رعَى في الجنةِ أربعين خريفًا (٣).
وقال آخرون: قيل له: عظيمٌ؛ لأنه كان ذِبْحًا مُتَقَبَّلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابنِ [أبي نجيحٍ] (٤)، عن مجاهدٍ: ﴿عَظِيمٍ﴾. قال: مُتَقَبَّلٍ (٥).
стр. 13345
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ فى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: العظيمُ المتقبَّلُ.
[ثنا ابنُ سنانٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، عن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال: سليمٍ مُتقبَّلٍ] (١).
وقال آخرون: قيل له: عظيمٌ؛ لأنه ذبحٌ ذُبح بالحقِّ، وذلك ذَبْحُه بدينِ إبراهيمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عمرِو بن عبيدٍ، عن الحسنِ أنه كان يقولُ: ما يقولُ اللهُ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ لذبيحتِه التي ذبَح فقط، ولكنه الذَّبحُ على دينِه، فتلك السُّنَّةُ إلى يومِ القيامةِ، فاعْلَموا أن الذبيحةَ تَدْفَعُ مِيتةَ السَّوْءِ، فضحُّوا عبادَ اللهِ (٢).
قال أبو جعفرٍ: ولا قولَ فى ذلك أصحُّ مما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه، وهو أن يقالَ: فداه اللهُ بذِبْحٍ عظيم. وذلك أن اللهَ عَمَّ وصفَه إياه بالعِظَمِ دونَ تخصيصِه، فهو كما عمَّه به.
وقولُه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. يقوُل تعالى ذكرُه: وأَبْقَيْنا عليه فيمَن بعدَه إلى يومِ القيامةِ ثناءً حسنًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي
стр. 13346
الْآخِرِينَ﴾. قال: أبْقَى اللهُ عليه الثناءَ الحسنَ في الآخِرِين (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ فى قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. قال: سأَل إبراهيمُ، فقال: واجْعَلْ لى لسانَ صدقٍ في الآخِرِين. قال: فترَك اللهُ عليه الثناءَ الحسنَ في الآخرين، كما ترَك الثناءَ (٢) السَّوْءَ على فرعونَ وأشباهِه، كذلك ترَك اللسان الصِّدقَ والثناءَ الصالحَ على هؤلاء.
وقيل: معنى ذلك: وترَكنا عليه في الآخرين السلامَ، وهو قولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.
وذلك قولٌ يُرْوَى عن ابنِ عباسٍ، ترَكْنا ذكرَه؛ لأن في إسنادِه مَن لا نستجيزُ ذكرَه، وقد ذكَرْنا الأخبارَ المرويةَ فى قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. فيما مضَى قبلُ (٣).
وقيل: معنى ذلك: وترَكْنا عليه فى الآخرين أن يقالَ: سلامٌ على إبراهيمَ.
وقولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَمَنَةٌ مِنَ اللهِ فِي الأَرضِ لإبراهيمَ، أن (٤) يُذْكَرَ مِن بعدِه إلا بالجميلِ مِن الذكرِ.
وقولُه: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: كما جزَيْنا إبراهيم على طاعتِه إيانا، وإحسانِه فى الانتهاءِ إلى أمرِنا، كذلك نَجْزِي المحسنين.
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن إبراهيمَ من عبادِنا المُخْلِصِين لنا الإيمانَ.
стр. 13347
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وبشَّرْنا إبراهيمَ بإسحاقَ نبيًّا؛ شكرًا له على إحسانِه وطاعتِه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: بُشِّر به بعد ذلك نبيًّا، بعد ما كان هذا مِن أمرِه، لما جاد اللهِ بنفسِه (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن داودَ، عن عكرمةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الذَّبيحُ إسحاقُ. قال: وقولُه: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: بُشِّر بنبوَّتِه. قال: وقولُه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]. قال: كان هارونُ أكبرَ مِن موسى، ولكن أراد: وهَب اللهُ له نبوَّتَه (٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ داودَ يُحَدِّثُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى هذه الآيةِ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال: إنما بُشِّر به نبيًّا حين فداه اللهُ مِن الذَّبحِ، ولم تَكُنِ البشارةُ بالنبوةِ عندَ مولدِه (٣).
حدَّثني الحسينُ بنُ يزيدَ الطَّحَّانُ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن داودَ، عن عكرمةَ،
стр. 13348
عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾. قال: إنما بُشِّر بالنبوَّةِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: بُشِّر إبراهيمُ بإسحاقَ.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: بُشِّر بنبوَّتِه.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن ضِرارٍ، عن شيخٍ مِن أهلِ المسجدِ، قال: بُشِّر إبراهيمُ لسبعَ عشْرةَ ومائةِ سنةٍ.
وقولُه: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبارَكْنا على إبراهيمَ وعلى إسحاقَ، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾. يعنى بالمحسنِ المؤمنَ المطيعَ للهِ، المحسنَ في طاعتِه إياه، ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾، ويعنى بالظالمِ لنفسِه الكافرَ باللهِ، الجالبَ على نفسِه بكفره عذابَ اللهِ، وأليمَ عقابِه، ﴿مُبِينٌ﴾ يعنى: الذي قد أبان ظلمه نفسَه بكفرِه باللهِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ فى قولِه: ﴿مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾. قال: المحسنُ
стр. 13349
المطيعُ للهِ، والظالمُ لنفسِه العاصى للهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد تفَضَّلْنا على موسى وهارونَ ابنى عمرانَ، فجعَلْناهما نَبِيِّيْن،
ونجَّيْناهما وقومَهما مِن الغَمِّ، والمكروهِ العظيمِ الذي كانوا فيه، من عُبودةِ آلِ فرعونَ، ومما أَهْلَكْنا به فرعونَ وقومَه من الغرقِ.
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ فى قولِه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. قال: من الغرقِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾، أي: من آلِ فرعونَ (١).
وقولُه: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾. يقولُ: ونصَرْنا موسى وهارونَ وقومَهما، على فرعونَ وآلِه بتغريقِناهم، ﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾، لهم.
وقال بعضُ أهلُ العربيةِ: إنما أُرِيد بالهاءِ والميمِ في قولِه: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾: موسى وهارونُ، ولكنها أُخْرِجَت على مخرجِ مُكَنَّى الجمعِ؛ لأن العربَ تَذْهَبُ بالرئيسِ؛ كالنبيِّ والأميرِ وشبهِه، إلى الجمعِ بجنودِه وأتباعِه، وإلى التوحيدِ؛ لأنه
стр. 13350
واحدٌ في الأصلِ، ومثلُه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ [يونس: ٨٣]. وفي موضعٍ آخرَ ﴿وَمَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣]. قال: وربما ذهَبَتِ العربُ بالاثنين إلى الجمعِ، كما تَذْهَبُ بالواحدِ إلى الجمعِ، فتُخاطِبُ الرجلَ، فتقولُ: ما أَحَسَنتُم ولا أَجْمَلْتُم. وإنما تُرِيدُه بعينِه.
وهذا القولُ الذى قاله هذا الذى حكَيْنا قولِه في قولِه: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾. وإن كان قولًا غيرَ مدفوعٍ، فإنه لا حاجةَ بنا إلى الاحتيالِ به لقولِه: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾. لأن اللهَ أتْبَع ذلك قولَه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. ثم قال: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾. يعنيهما (١)، وقومَهما؛ لأن فرعونَ وقومَه، كانوا أعداءً الجميعِ بني إسرائيلَ، قد اسْتَضْعَفوهم؛ يُذَبِّحون أبناءَهم، ويَسْتَحْيون نساءَهم، فنصَرهم اللهُ عليهم، بأن غرَّقهم، ونجَّى الآخرين.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وآتَيْنا موسى وهارونَ الكتابَ. يعنى: التوراةَ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾: التوراةَ (٢).
ويعنى بـ ﴿الْمُسْتَبِينَ﴾: المُتَبَيَّنَ هُدَى ما فيه وتفصيلُه وأحكامُه.
стр. 13351
وقولُه: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهدَيْنا موسى وهارونَ الطريقَ المستقيمَ، الذى لا اعْوِجاجَ فيه؛ وهو الإسلامُ، دينُ اللهِ الذى ابْتَعَث به أنبياءَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الإسلامَ (١).
وقولُه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: وترَكْنا عليهما في الآخِرين بعدَهم الثناءَ الحسنَ عليهما.
وقولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾. يقولُ: وذلك أن يقالَ: سلامٌ على موسى وهارونَ.
وقولُه: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: هكذا تَجْزِى أهلَ طاعتِنا، والعاملين بما يُرْضِينا عنهم،
﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن موسى وهارونَ عبدانِ من عبادِنا المخلِصِين لنا الإيمانَ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩)﴾.
стр. 13352
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ﴾. وهو إلياسُ بنُ تسبى (١) بنِ فِنْحاصَ بنِ العَيْزارِ بنِ هارونَ بن عِمْرانَ، فيما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ (٢).
وقيل: إنه إدريسُ، حدَّثنا بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان يُقالُ: إلياسُ هو إدريسُ (٣). وقد ذكرنا ذلك فيما مضَى قبلُ (٤).
وقولُه: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: لمُرْسَلٌ مِن المرسَلِين.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾؟ يقولُ: حينَ قال لقومِه مِن بني إسرائيلَ: أَلا تَتَّقون اللهَ أَيُّها القومُ، فتخافُونه، وتَحْذَرون عقوبتَه على عبادتِكم ربًّا غيرَ اللهِ، وإلهًا سِواه،
﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. يقولُ: وتَدَعُون عبادةً أحسنِ مَن قيل له: خالقٌ.
وقد اخْتُلِف في معنى "بَعْلٍ"، فقال بعضُهم: معناه: أتَدْعُون ربًّا؟ وقالوا: هى لغةٌ لأهلِ اليمنِ، معروفةٌ فيهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا حَرَميُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرني عُمارةُ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: إلهًا.
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا عُمارةُ، عن عكرمةَ
стр. 13353
في قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ يقولُ: أَتَدْعُون ربًّا؟ وهى لغةُ اليمنِ، تقولُ: مَن بَعْلُ هذا الثَّوْرِ؟ أَى: مَن ربُّه (١)؟
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، ومحمدُ بنُ عمرٍو، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: ربًّا (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: هذه لغةٌ باليَمانيةِ، أتَدْعون ربًّا دونَ اللهِ؟ (٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: ربًّا (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي يزيدَ، قال: كنتُ عندَ ابنِ عباسٍ، فسأَلوه عن هذه الآيةِ: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: فسكَت ابنُ عباسٍ، فقال رجلٌ: أنا بعلُها (٥). فقال ابنُ عباسٍ: كفانى هذا الجوابَ (٦).
وقال آخرون: هو صنمٌ كان لهم يقالُ له: بَعْلٌ. وبه سُمِّيَت بَعْلَبَكُّ.
стр. 13354
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ يعنى: صنمًا كان لهم يُسَمَّى بَعْلًا (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾؟ قال: بعلٌ صنمٌ لهم كانوا يَعْبُدون، كانوا ببَعْلَبكَّ -وهى وراءَ دمشقَ- وكان بها البعلُ الذى كانوا يَعْبُدون (٢).
وقال آخرون: كان بَعْلٌ امرأةٌ كانوا يَعْبُدونها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: سمِعْتُ بعضَ أهلِ العلمِ يقولُ: ما كان بَعْلٌ إلا امرأةٌ يَعْبُدونها مِن دونِ اللهِ (٣).
وللبعلِ في كلامِ العربِ أوجهٌ؛ يقولون لربِّ الشيءِ: هو بَعْلُه. يُقالُ: هذا بَعْلُ هذه الدابَّةِ (٤). يَعنِى به ربَّها، ويقولون لزوجٍ المرأةِ: بعلُها. ويقولون لما كان مِن الغُروسِ والزُّروعِ مُسْتَغْنِيًا بماءِ السماءِ، ولم يَكُنْ سِقْيًا: هو بعلٌ، وهو العَذْىُ.
وذُكِر أن اللهَ بعث إلى بني إسرائيلَ إلياسَ بعدَ مَهْلِكِ حِزْقِيلَ بنِ بوزى (٥)، وكان من قصتِه وقصةِ قومِه فيما بلَغَنا ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن
стр. 13355
محمدِ بنِ إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: إن اللهَ قبَض حِزْقِيلَ، وعظُمَت في بني إسرائيلَ الأحْداثُ، ونَسُوا ما كان مِن عهدِ اللهِ إليهم، حتى نصَبوا الأوثانَ، وعبَدوها دونَ اللهِ، فبعث اللهُ إليهم إلياسَ بنَ تسبى (١) بنِ فِنْحاصَ بنِ العَيْزارِ بنِ هارونَ بنِ عِمْرانَ نبيًّا. وإنما كانتِ الأنبياءُ من بنى إسرائيلَ بعدَ موسى يُبْعَثون إليهم بتجديدِ ما نَسُوا من التوراةِ، فكان إلياسُ مع مَلِكٍ مِن ملوكِ بني إسرائيلَ، يقالُ له: أحابُ. كان اسمُ امرأتِه أربلَ، وكان يَسْمَعُ منه ويُصَدِّقُه، وكان إلياس يُقِيمُ له أمرَه، وكان سائرُ بني إسرائيلَ قد اتَّخَذوا صنمًا يَعْبُدونه مِن دونِ اللهِ، يقالُ له: بَعْلٌ (٢). قال ابنُ إسحاق: وقد سمِعْتُ بعض أهلُ العلم يقولُ: ما كان بعلٌ إلا امرأةً يَعْبُدونها مِن دونِ اللهِ، يقولُ الله لمحمدٍ: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. فجعَل إلياسُ يَدْعوهم إلى اللهِ، وجعَلوا لا يَسْمَعون منه شيئًا إلا ما كان مِن ذلك الملك، والملوكُ متفرقةٌ بالشام، كلُّ ملِكٍ له ناحيةٌ منها يَأْكُلُها، فقال ذلك الملكُ الذي كان إلياسُ معه يُقَوِّمُ له أمرَه، ويَراه على هُدًى مِن بين أصحابِه يومًا: يا إلياسُ، واللهِ ما أرَى ما تَدْعُو إليه إلا باطلًا، واللهِ ما أَرَى فلانًا وفلانًا - يُعَدِّدُ مُلوكًا مِن ملوكِ بني إسرائيلَ قد عبَدوا الأوثانَ مِن دونِ اللهِ - إلا على مثل ما نحن عليه، يَأْكُلون ويَشْرَبون ويَنْعَمون مُمَلَّكِين، ما يَنْقُصُ دنياهم أمرُهم الذى تَزْعُمُ أنه باطلٌ، وما نَرَى لنا عليهم مِن فضلٍ. فيَزْعُمون، واللهُ أَعْلَمُ، أن إلياسَ اسْتَرْجَع، وقام شعرُ رأسِه وجلده، ثم رفَضه وخرَج عنه، ففعل ذلك الملكُ فِعْلَ أصحابِه، عبَد الأوثانَ، وصنَع ما يَصْنَعون، فقال إلياسُ: اللهم إنَّ بني إسرائيلَ قد أبَوْا إلا الكفرَ (٣) بك والعبادةَ لغيرِك،
стр. 13356
فغَيِّرْ ما بهم مِن نعمتِك. أو كما قال (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: فذُكِر لى أنه أُوحِى إليه: إنا قد جعَلْنا أمرَ أرزاقِهم بيدِك وإليك، حتى تكونَ أنت الذي تَأْذَنُ لهم في ذلك. فقال إلياسُ: اللهم فأَمْسِكْ عنهم (٢) المطرَ. فحُبِس عنهم ثلاثَ سنينَ، حتى هلَكَت الماشيةُ والدوابُّ والهَوامُّ والشجرُ، وجَهد الناسُ جَهْدًا شديدًا. وكان إلياسُ فيما يَذْكُرون حينَ دعا بذلك على بني إسرائيلَ قد اسْتَخْفَى؛ شَفَقًا على نفسِه منهم، وكان حيثما كان وُضِع له رِزقٌ، وكانوا إذا وجَدوا ريحَ الخبزِ في دارٍ أو بيتٍ، قالوا: لقد دخَل إلياسُ هذا المكانَ. فطلَبوه، ولقِى منهم أهلُ ذلك المنزلِ شرًّا. ثم إنه أوَى (٣) ليلةً إلى امرأةٍ مِن بنى إسرائيلَ لها ابنٌ يقالُ له: الْيَسَعُ بنُ أخطوبَ. به ضُرٌّ، فَآوَته وأخْفَت أمرَه، فدعا إلياسُ لابنِها، فعُوفِى من الضُّرِّ الذى كان به، واتَّبَعَ الْيَسَعُ إلياسَ، فآمَن به وصدَّقه ولزِمه، فكان يذهبُ معه حيثما ذهَب، وكان إلياسُ قد أسَنَّ وكبرِ، وكان الْيَسَعُ غلامًا شابًّا، فيَزْعُمون، واللهُ أعلمُ، أن اللهَ أوْحَى إلى إلياسَ: إنك قد أهْلَكْتَ كثيرًا مِن الخلقِ ممن لم يَعْصِ، سوى بنى إسرائيلَ [ممن لم أكُنْ أريدُ هلاكَه بخطايا بني إسرائيلَ] (٤) من البهائمِ والدوابِّ والطيرِ والهوامِّ والشجرِ، بحبسِ المطرِ عن بني إسرائيلَ، فيَزْعُمون، واللهُ أعلمُ، أن إلياسَ قال: أى ربِّ، دَعْنى أكُنْ (٥) أنا الذى أدْعُو لهم به، وأكونُ أنا الذى آتِيهم بالفرجِ مما هم فيه من البلاءِ الذي أصابهم، لعلهم أن يَرْجِعوا ويَنْزِعوا عما هم عليه مِن عبادةِ غيرِك. قيل له: نعم. فجاء إلياسُ إلى بنى إسرائيلَ، فقال لهم: إنكم قد هلَكْتُم جَهْدًا، وهلَكتِ البهائمُ والدوابُّ والطيرُ والهوامُّ
стр. 13357
والشجرُ بخطاياكم، وإنكم على باطلٍ وغرورٍ -أو كما قال لهم- فإن كنتم تُحِبُّون أن تَعْلَموا ذلك، وتَعْلَموا أن اللهَ عليكم ساخطٌ فيما أنتم عليه، وأن الذى أدْعُوكم إليه الحقُّ، فاخرُجوا بأصنامِكم هذه التي تَعْبُدون وتَزْعُمون أنها خيرٌ مما أَدْعُوكم إليه، فإن اسْتَجابَت لكم، فذلك كما تقولون، وإن هى لم تَفْعَلْ علِمْتُم أنكم على باطلٍ، فنزَعْتم، ودعَوْتُ اللهَ، ففرَّج عنكم ما أنتم فيه من البلاءِ. قالوا: أَنْصَفْتَ. فخرَجوا بأوثانِهم، وما يَتَقَرَّبون به إلى اللهِ مِن أحداثِهم التي (١) لا يَرْضَى، فدعَوْها، فلم تَسْتَجِبْ لهم، ولم تُفَرِّجْ عنهم ما كانوا فيه ما كانوا فيه من البلاءِ، حتى عرَفوا ما هم فيه مِن الضلالةِ والباطلِ، ثم قالوا لإلياسَ: يا إلياسُ، إنا قد هلَكْنا، فادْعُ اللهَ لنا. فدعا لهم إلياسُ بالفرجِ مما هم فيه، وأن يُسْقَوْا، فخَرجَت سَحابةٌ مثلُ التَّرْسِ بإِذنِ اللهِ، على ظهرِ البحرِ، وهم يَنْظُرون، ثم تَرامى إليه السَّحابُ، ثم أَدْجَنت (٢). ثم أَرْسَل اللهُ المطرَ، فأغاثهم، فحَيِيَت بلادُهم، وفرَّج عنهم ما كانوا فيه من البلاءِ، فلم يَنْزِعوا، ولم يَرْجِعوا، وأقاموا على أخْبَثِ ما كانوا عليه، فلما رأَى ذلك إلياسُ من كفرِهم، دعا ربَّه أن يَقْبِضَه إليه، فيُرِيحَه منهم، فقيل له - فيما يَزْعُمون -: انْظُرْ يومَ كذا وكذا، فاخْرُجْ فيه إلى بلدِ كذا وكذا، فماذا جاءك من شيءٍ، فارْكَبه ولا تَهَبْه. فخرَج إلياسُ، وخرَج معه اليسعُ بنُ أخطوبَ، حتى إذا كان في البلدِ الذي ذُكِر له، في المكانِ الذي أُمِر به، أقْبَل إليه فرسٌ مِن نارٍ، حتى وقَف بينَ يديه، فوثَب عليه، فانْطَلَق به، فناداه الْيَسَعُ: يا إلياسُ، يا إلياسُ، ما تَأْمُرُنى؟ فكان آخرَ عهدِهم به، فكساه اللهُ الريشَ، وأَلْبَسَه النورَ، وقطَع عنه لذةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، وطار في الملائكةِ، فكان إنْسِيًّا مَلَكيًّا، أرضيًّا سماويًّا (٣).
стр. 13358
واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ مكةَ والمدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: (اللهُ ربُّكم وربُّ آبائِكم الأولين). رفعًا على الاسِتئنافِ (١)، وأن الخبرَ قد تَناهَى عند قولِه: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ نصبًا (٢)، على الردِّ على قولِه: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. على أن ذلك كلَّه كلامٌ واحدٌ.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنى، مع استفاضةِ القراءةِ بهما فى القرأةِ، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتأويلُ الكلامِ: ذلك معبودُكم أيُّها الناسُ، الذي يَسْتَحِقُّ عليكم العبادةَ، ربُّكم الذي خلَقكم، وربُّ آبائِكم الماضِين قبلَكم، لا الصنمُ الذي لا يَخْلُقُ شيئًا، ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ.
وقولُه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. يقولُ: فكذَّب إلياسَ قومُه، ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. يقولُ: فإنهم لَمُحْضرون فى عذابِ اللهِ، فيَشْهَدونه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ،، عن قتادة: ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: في عذابِ اللهِ.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقولُ: فإنهم يُحْضَرون فى عذابِ اللهِ، إلا عبادَ اللهِ الذين أخْلَصهم مِن العذابِ،
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: وأَبْقَيْنا عليه الثناءَ الحسنَ فى الآخِرِين مِن الأممِ بعدَه.
стр. 13359
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: أَمَنَةٌ مِنَ اللهِ لآلِ ياسينَ.
واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾. فقرَأَته عامَّةُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ والكوفةِ: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ بكسرِ الألفِ مِن ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ (١).
فكان بعضُهم يقولُ: هو اسمُ إلياسَ. ويقولُ: إنه كان يُسَمَّى باسمَيْن؛ إلياسَ، وإلياسينَ، مثلَ إبراهيمَ، وإبراهامَ، يُسْتَشْهَدُ على أن ذلك كذلك، بأن جميعَ ما في السورةِ مِن قوِله: ﴿سَلَامٌ﴾. [فإنما هو] (٢) سلامٌ على النبيِّ الذي ذُكِر دونَ آلِه، فكذلك إلياسينُ (٣)، إنما هو سلامٌ على إلياسَ دونَ آلِه.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: إلياسُ اسمٌ مِن أسماءِ العبْرانيةِ؛ كقولِهم: إسماعيلُ وإسحاقُ. والألفُ واللامُ منه، ويقولُ: لو جَعَلْته عربيًّا مِن الأَلْيَسِ (٤)، فتَجْعَلُه إفعالًا، مثلَ الإخراجِ، والإدخالِ، أُجْرِى. ويقولُ: قال: سلامٌ على إلْياسينَ، فتَجْعَلُه بالنونِ، والعَجَمِيُّ مِن الأسماءِ قد تَفْعَلُ به هذا العربُ، تقولُ: مِيكالُ وميكائيلُ وميكائينُ، وهى فى بنى أسدٍ تقولُ: هذا إسماعينُ قد جاء. وسائرُ العربِ باللامِ، قال: وأَنْشَدَنى بعضُ بنى نُمَيْرِ لضبٍّ صاده (٥):
стр. 13360
يقول أهلُ (١) السوقِ لما جِينا … هذا وربِّ البيتِ إسرائينا
قال: فهذا كقولِه: ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾. قال: وإن شئتَ ذَهَبْتَ بـ "إلياسينَ" إلى أن تَجْعَلَه جمعًا، فتَجْعَلَ أصحابَه داخلين في اسمِه، كما تقولُ لقومٍ رئيسُهم المُهَلَّبُ: قد جاءَتكم المهالِيةُ والمُهَلَّبون، فيكونُ بمنزلةِ قولِهم: الأشْعَرِين بالتخفيفِ، والسَّعْدِين بالتخفيفِ وشِبهِه، قال الشاعرُ (٢):
أنا ابنُ سعدٍ سَيِّدِ السَّعْدِينا
قال: وهو في الاثنَين أن يُضَمَّ أحدُهما إلى صاحبِه إذا كان أشهرَ منه اسمًا كقولِ الشاعرِ (٣).
جَزَانِي الزَّهْدَمَانِ (٤) جَزاءَ سَوءٍ … وكُنْتُ المَرْءَ يُجْزَى بالكَرامَهْ
واسمُ أحدِهما زَهْدَمٌ. وقال الآخرُ (٥):
جَزَى اللهُ فيها الأَعْوَرَينِ ذمامةً … وفَرْوَةَ ثَفْرَ الثَّوْرِةِ المُتَضاجِمِ (٦)
واسمُ أحدِهما أعورُ.
وقَرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ: (سَلَامٌ عَلَى آلِ ياسِينَ). بقطعِ آلِ مِن ياسينَ (٧)؛
стр. 13361
فكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك بمعنى: سلامٌ على آلِ محمدٍ. وذُكِر عن بعضِ القرأةِ أنه كان يقرأُ قولَه: (وَإِنَّ الْيَاسَ) بتَرْكِ الهمزِ فى "الياسَ"، ويجعَلُ الألفَ واللامَ داخلتَين على "ياس" للتعريفِ، ويقولُ: إنما كان اسمُه "ياس"، أُدخلت عليه ألفٌ ولامٌ، ثم يقرأُ على ذلك: (سلامٌ على الياسينَ).
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا، قراءةُ مَن قرَأه: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ بكسر ألفِها (١)، على مثال "إِدْرَاسِينَ"؛ لأن الله تعالى ذكرُه إنما أخبَر عن كلِّ موضعٍ ذكَر فيه نبيًّا من أنبيائِه، صلواتُ اللهِ عليهم، فى هذه السورةِ، بأن عليه سلامًا، لا على آلِه، فكذلك السلامُ فى هذا الموضعِ، ينبغى أن يكونَ على "إلياسَ" كسلامِه على غيرِه من أنبيائِه، لا على آلهِ، على نحوِ ما بَيَّنَّا من معنى ذلك.
فإن ظَنَّ ظانٌّ أن "إلياسينَ" غيرُ "إلياسَ"، فإن فيما حكَينا، مِن احتجاجِ مَن احتجَّ بأن "إلياسينَ" هو "إلياسُ"، غِنًى عن الزيادةِ فيه.
مع أن فيما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾. قال: إلياسَ.
وفي قراءة عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ (٢): (سَلامٌ علَى إِدْرَاسِينَ) دلالةٌ واضحةٌ على خطأِ قولِ مَن قال: عُنى بذلك: سلامٌ على آلِ محمدٍ، وفسادِ قراءةِ مَن قرأ: (وإنَّ الياسَ) بوصلِ النونِ مِن "إن" بإلياسَ (٣)، وتوجيهِ الألفِ واللامِ فيه، إلى أنهما أدخِلَتا تعريفًا للاسْمِ الذى هو "ياسُ"، وذلك أن عبدَ اللهِ كان يقولُ: إلياسُ هو إدريسُ، ويقرأُ: (وَإِنَّ إدريسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ)، ثم يقرأُ على ذلك: (سلامٌ علَى إدْرَاسِينَ)، كما قرَأ الآخرون: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾. فلا وجهَ على ما ذكَرنا مِن
стр. 13362
قراءةِ عبدِ اللهِ، لقراءةِ مَن قرَأ ذلك: [(سَلامٌ علَى آلِ ياسينَ)] (١) بقطعِ "الآلِ" مِن "ياسينَ"، ونظيرُ تَسْميةِ إلياسَ بالياسينَ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. ثم قال فى موضعٍ آخرَ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، وهو موضعٌ واحدٌ، سُمِّي بذلك.
وقولُه: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: إنا هكذا نَجْزِى أهلَ طاعتِنا والمحسنين أعمالًا.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَقولُ: إِن إِلياسَ عبدٌ مِن عبادِنا الذين آمَنوا، فوحَّدونا، وأطاعُونا، ولم يُشركوا بِنا شيئًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن لوطًا لَمُرسَلٌ (٢) من المُرْسَلِين،
﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: إذ نجَّيْنا لوطًا وأهلَه أجْمعين، مِن العذابِ الذي أحْلَلْناه بقومِه فأَهْلَكْناهم به،
﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾. يقولُ: إلا عجوزًا في الباقِين؛ وهي امرأةُ لوطٍ، وقد ذكَرْنا خبرَها فيما مضَى، واختلافَ المختَلِفِين في معنى قولِه: ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾، والصوابَ من القولِ فى ذلك عندَنا (٣).
وقد حُدِّثْتُ عن المسيَّبِ بنِ شَرِيكٍ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾. يقولُ: إلا امرأتَه تخَلَّفَت، فمُسِخَت حجرًا، وكانت تُسَمَّى هَيْشَفعَ (٤).
стр. 13363
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولِه: هو ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾. قال: الهالِكين (١).
وقولُه: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾. يقولُ: ثم قذَفْناهم بالحجارةِ من فوقِهم، فأهْلَكْناهم بذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لمشركي قريشٍ: وإنكم لَتَمرُّون على قومِ لوطٍ الذين دمَّرْناهم، عندَ إصباحِكم نهارًا، وبالليلِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾. قال: نَعَمْ واللهِ [صباح مساءٍ] (٢)، يَطَئُونَها وَطْئًا، مَن أَخَذَ مِن المدينةِ إلى الشامِ أخَذ على سَدُومَ؛ قريةِ قومِ لوطٍ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ فى قولِه: ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾. قال: في أسفارِكم (٤).
وقولُه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أفليس لكم عقولٌ تتدبَّرون بها وتَتَفَكَّرون، فتَعْلَمون أن مَن سلَك من عبادِ اللهِ فى الكفرِ به وتكذيبِ رسلِه، مَسْلَكَ هؤلاء الذين وصَف صفتَهم من قومِ لوطٍ -نازلٌ بهم من عقوبةِ اللهِ، مثلُ الذى نزَل
стр. 13364
بهم على كفرِهم باللهِ وتكذيبِ [رُسلِه (١)، فيَزْجُرَكم ذلك عما أنتم عليه من الشركِ (٢) باللهِ وتكذيبِ] (٣) محمدٍ ﵊؟!
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قال: أفلا تَتَفَكَّرون ما أصابهم في معاصى اللهِ أن يُصِيبَكم ما أصابَهم؟! قال: وذلك المرورُ أن يَمُرَّ عليهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وإن يونس لمرسلٌ [إلى قومِه] (٤) من المرسَلين إلى أقوامِهم،
﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. يقولُ: حينَ فرَّ إلى الفلكِ -وهو السفينةُ- المشحونِ. وهو المملوءُ من الحمولةِ الموقَرُ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: كُنَّا نُحدَّثُ أنه المُوقَرُ من الفُلْكِ (٥)
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: المُوقَرِ (٦).
وقولُه: ﴿فَسَاهَمَ﴾. يقولُ: فقارَع.
стр. 13365
وبنحوِ الذي الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَسَاهَمَ﴾. يقولُ: أَقرَع (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. قال: فاحْتُبِست السفينةُ، فعلم القومُ أنما احتُبِست من حدثٍ أحدَثوه، فتَساهَموا، فقُرِع يونسٌ، فرمَى بنفسِه فالتقَمه الحوتُ (٢).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَسَاهَمَ﴾. قال: قارَع (٣).
وقولُه: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. يعنى: فكان من المَسْهومِين المَغْلُوبين. يُقالُ منه: أدحَض اللهُ حُجَّةً فلانٍ فدحَضت. أى: أبطلَها فبطَلت. والدَّحْضُ أصلُه الزَّلْقُ في الماءِ والطينِ، وقد ذُكِر عنهم: دحَض اللهُ حُجَّتَه. وهى قليلةٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ
стр. 13366
قولَه: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. يقولُ: من المَقْرُوعين (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. قال: من المَسْهُومين (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. قال: من المَقْرُوعِين.
وقولُه: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾. يقولُ: فابْتَلَعه الحوتُ. وهو افْتَعَل، مِن اللَّقْمِ
وقولُه: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. يقولُ: وهو مُكْتَسِبٌ اللومَ. يقالُ: قد ألام الرجلُ. إذا أتَى ما يُلامُ عليه مِن الأمرِ، وإن لم يُلَمْ، كما يقالُ: أَصْبَحْتَ مُحْمِقًا مُعْطِشًا. أى: عندَك الحمقُ والعطشُ؛ ومنه قولُ لَبيدٍ (٣):
سَفَهًا عَذَلْتِ وَلُمْتِ غيرَ مُلِيمٍ … وهَداكِ قبلَ اليومِ غيرُ حَكيمِ
فأما الملومُ (٤): فهو الذى يُلامُ باللسانِ، ويُعْذَلُ بالقولِ.
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ
стр. 13367
قولَه: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. قال: مُذْيَبٌ (١)
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أى: في صنيعهِ (٢).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. قال: وهو مُذنِبٌ. قال: والمُلِيمُ المُذْنِبُ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلولا أنه -يعنى يونُسَ- كانَ من المُصَلِّين للهِ قبلَ البَلاءِ الذي ابْتُلِى به، من العقوبةِ بالحبسِ فى بطنِ الحوتِ.
﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. يقولُ: لَبَقِى فى بطنِ الحوتِ إلى يومِ القيامةِ؛ يومٌ يَبْعَثُ اللهُ فيه خلقَه - محبوسًا، ولكنه كان مِن الذاكرِين اللهَ (٤) قبلَ البلاءِ، فذكَره اللهُ في حالِ البَلاءِ، فأنْقَذه ونجَّاه.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في وقتِ تَسْبيحِ يونُسَ الذي ذكَره اللهُ به فقال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا في ذلك، وقالوا
стр. 13368
مثلَ قولِنا في معنى قولِه: ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾: كان (١) كثيرَ الصلاةِ في الرَّخاءِ، فنجَّاه اللهُ بذلك، وقد كان يُقالُ الحكمةِ: إن العملَ الصالحَ يَرْفَعُ صاحبَه إذا ما عثَر، فإذا صُرِع وجَد مُتَّكأً (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن بعضِ أصحابِه، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. قال: كان طويلَ الصلاةِ في الرَّخاءِ. قال: وإن العملَ الصالحَ يَرفَعُ صاحبَه إذا عثَر، وإذا صُرِع وجَد متكأً (٣).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا أبو صخرٍ، أن يزيدَ الرَّقاشيَّ حدَّثه، قال: سمِعْتُ أنسَ بنَ مالكٍ -قال: ولا أَعْلَمُ إلا أن أنسًا يَرْفَعُ الحديثَ إلى النبيِّ ﷺ -: "إن يونُسَ النبيَّ حينَ بدا له أن يَدْعُو اللهَ بالكلمات، حينَ ناداه وهو في بطنِ الحوتِ، فقال: اللهم لا إلهَ إلا أنت، [سبحانَك إني كنتُ مِن الظالمين. فأَقْبَلَت الدعوةُ [تَحُفُّ بالعرشِ] (٤)] (٥)، فقالت الملائكةُ: يا ربِّ، هذا صوتٌ ضعيفٌ معروفٌ من بلادِ غريبةٍ. قال: أما تَعْرِفون ذلك؟ قالوا: يا ربِّ، ومَن هو؟ قال: ذاك
стр. 13369
عبدى يونُسُ. قالوا: عبدُك يونُسُ الذى لم يَزَلْ يُرْفَعُ له عملٌ مُتَقَبَّلٌ، ودعوةٌ مُجَابَةٌ (١). قالوا: يا ربِّ، أوَ لا يُرْحَمُ بما كان يَصْنَعُ فى الرخاءِ، فَتُنَجِّيَه من البلاءِ؟ قال: بلى. فأمَر الحوتَ، فطرَحه بالعَراءِ" (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبى رَزِينٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِ﴾. قال: مِن المُصَلِّين (٣).
[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ] (٤)، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. قال: مِن المصلِّين (٥).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. قال: كان له عملٌ صالحٌ فيما خلا (٦).
стр. 13370
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ فى قولِه: ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. قال: المصلِّين (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا كثيرُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا جعفرٌ، قال: ثنا ميمونُ بنُ مِهْرانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ بنَ قيسٍ يقولُ على منبرِه: اذْكُروا اللهَ فى الرَّخاءِ يَذْكُرْكم فى الشدةِ؛ إن يونُسَ كان عبدًا للهِ ذاكرًا، فلما أصابتْه الشدةُ دعا اللهَ، فقال اللهُ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فذكَرَه اللهُ بما كان منه، وكان فرعونُ طاغيًا باغيًا، فلمّا أدرَكه الغرقُ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠، ٩١]. قال الضحاكُ: فاذْكُروا اللهَ فى الرخاءِ يَذْكُرْكم في الشدةِ (٢).
وقيل: إنما أحْدَث الصلاةَ -التى أخْبَر اللهُ عنه بها فقال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ - في بطنِ الحوتِ.
وقال بعضُهم: كان ذلك تسبيحًا، لا صلاةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عِمْرانُ القَطَّانُ، قال: سَمِعْتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. قال: فواللهِ ما كانت إلا صلاةً أحْدَثها في بطنِ الحوتِ. قال عِمرانُ: فذكَرْتُ ذلك لقتادةَ، فأنْكَر ذلك، وقال: كان واللهِ يُكْثِرُ الصلاةَ فى الرَّخاءِ (٣).
стр. 13371
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن المغيرةِ بنِ النعمانِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. فلما قالها، قذَفه الحوتُ وهو مُغْرَبٌ (١).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: لَصار له بطنُ الحوتِ قبرًا إلى يومِ القيامةِ (٢)
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: لبِث يونُسُ في بطنِ الحوتِ أربعين يومًا (٣).
وقولُه: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾. يقولُ: فقذَفْناه بالفَضاءِ مِن الأرضِ، حيثُ لا يُوارِيه شيءٌ مِن شجرٍ ولا غيرِه، ومنه قولُ الشاعرِ (٤):
ورفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها … ونبَذْتُ بالبلدِ العَراءِ ثِيابي
стр. 13372
يعني: بالبلدِ الفضاء.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾. يقول: الْقَيْناه بالساحلِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾: بأرضٍ ليس فيها شيءٌ ولا نباتٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿بِالْعَرَاءِ﴾. قال: بالأرضِ.
وقولُه: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. يقولُ: وهو كالصبيِّ المنفوسِ، لحمٌ نِئٌ.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: كهيئةِ الصبيِّ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبي سلمةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: خرَج به -يعني الحوتَ- حتى لفَظه في ساحلِ البحرِ، فطرَحه مِثلَ الصبيِّ المَنْفوسِ، لم يَنْقُصْ مِن خَلْقِه شيءٌ (٣).
стр. 13373
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ما لفَظه الحوتُ حتى صار مِثلَ الصبيِّ المَنْفوسِ، [قد نُشِر اللَّحمُ والعَظْمُ، فصار مِثلَ الصبيِّ المَنْفوسِ] (١)، فأَلْقاه في موضعٍ، وأنْبَت اللهُ عليه شجرةً مِن يَقْطِينٍ (٢).
وقولُه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنبَتْنا على يونسَ شجرةً مِن الشجرِ الذى لا يقومُ على ساقٍ، وكلُّ شجرةٍ لا تقومُ على ساقٍ؛ كالدُّبَّاءِ والبطَّيخِ والحَنْظَلِ ونحوِ ذلك، فهى عندَ العربِ يَقْطِينٌ.
واختلَف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال بعضهم نحوَ الذي قلنا في ذلك
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن القاسمِ بنِ أبي أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. قال: هو كلُّ شيءٍ ينْبُتُ على وجهِ الأرضِ ليس له ساقٌ (٣).
حدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بنِ أبي أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. قال: كلُّ شيءٍ ينْبُتُ ثم يموتُ مِن عامِه (٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: ﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. فقالوا عندَه: القَرْعُ.
стр. 13374
قال: وما يَجْعلُه أَحقِّ مِن البطِّيخِ (١)؟!
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: غيرَ ذاتِ أصلٍ مِن الدُّبَّاءِ أو غيرِه مِن نحوِه (٢).
وقال آخرون: هو القَرْعُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾، قال: القَرْعُ (٣).
حدثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ (٤).
حدَّثني مطرُ بنُ محمدِ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا عبدُ الله بن داودَ الواسطىُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ الأَوْدِيِّ في قولِه: ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ (٥).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْبَتَنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً
стр. 13375
مِّن يَقْطِينٍ﴾: كنَّا نحدَّثُ أنها الدُّبَّاءُ، هذا القَرْعُ الذي رأيتم، أَنْبَتها اللَّهُ عليه يأكلُ منها (١).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني أبو صخرٍ، قال: ثني ابنُ قُسَيْطٍ، أنه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: طُرِح بالعراءِ، فأنبت الله عليه يَقْطِينَةً. فقلنا: يا أبا هريرةَ، وما اليَقْطِينةُ؟ قال: شجرةُ الدُّبَّاء، هيَّا الله له أُرْوِيَّةً (٢) وحُشِيَّةً، تأكلُ مِن خَشَاشِ الأَرضِ -أو هَشاشِ- فتَفْشَحُ (٣) عليه، فتزويه من لبنها كلَّ عشيَّةٍ وبُكْرةٍ، حتى نبَت. وقال ابنُ أبى الصلتِ قبلَ الإسلام في ذلك بيتًا من شعرٍ (٤):
فأَنْبَتَ يَقْطِينًا عليه برَحْمَةٍ … مِن اللَّهِ لولا اللَّهُ أُلْفِي ضَاحِيا (٥)
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عِياضٍ، عن مغيرةَ في قولِه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ.
حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتَ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ (٦).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد: أَنْبَت اللهُ عليه شجرةً مِن يَقْطِينٍ. قال: فكان لا يتناولُ منها ورقةً فيأخذها إلا أرْوَته لبنًا. أو قال: