← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 13371–13410 · переход к 13376.

стр. 13371

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن المغيرةِ بنِ النعمانِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. فلما قالها، قذَفه الحوتُ وهو مُغْرَبٌ (١). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: لَصار له بطنُ الحوتِ قبرًا إلى يومِ القيامةِ (٢) حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: لبِث يونُسُ في بطنِ الحوتِ أربعين يومًا (٣). وقولُه: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾. يقولُ: فقذَفْناه بالفَضاءِ مِن الأرضِ، حيثُ لا يُوارِيه شيءٌ مِن شجرٍ ولا غيرِه، ومنه قولُ الشاعرِ (٤): ورفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها … ونبَذْتُ بالبلدِ العَراءِ ثِيابي

стр. 13372

يعني: بالبلدِ الفضاء. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾. يقول: الْقَيْناه بالساحلِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾: بأرضٍ ليس فيها شيءٌ ولا نباتٌ. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿بِالْعَرَاءِ﴾. قال: بالأرضِ. وقولُه: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. يقولُ: وهو كالصبيِّ المنفوسِ، لحمٌ نِئٌ. كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: كهيئةِ الصبيِّ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبي سلمةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: خرَج به -يعني الحوتَ- حتى لفَظه في ساحلِ البحرِ، فطرَحه مِثلَ الصبيِّ المَنْفوسِ، لم يَنْقُصْ مِن خَلْقِه شيءٌ (٣).

стр. 13373

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ما لفَظه الحوتُ حتى صار مِثلَ الصبيِّ المَنْفوسِ، [قد نُشِر اللَّحمُ والعَظْمُ، فصار مِثلَ الصبيِّ المَنْفوسِ] (١)، فأَلْقاه في موضعٍ، وأنْبَت اللهُ عليه شجرةً مِن يَقْطِينٍ (٢). وقولُه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنبَتْنا على يونسَ شجرةً مِن الشجرِ الذى لا يقومُ على ساقٍ، وكلُّ شجرةٍ لا تقومُ على ساقٍ؛ كالدُّبَّاءِ والبطَّيخِ والحَنْظَلِ ونحوِ ذلك، فهى عندَ العربِ يَقْطِينٌ. واختلَف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال بعضهم نحوَ الذي قلنا في ذلك ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن القاسمِ بنِ أبي أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. قال: هو كلُّ شيءٍ ينْبُتُ على وجهِ الأرضِ ليس له ساقٌ (٣). حدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بنِ أبي أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. قال: كلُّ شيءٍ ينْبُتُ ثم يموتُ مِن عامِه (٤). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: ﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. فقالوا عندَه: القَرْعُ.

стр. 13374

قال: وما يَجْعلُه أَحقِّ مِن البطِّيخِ (١)؟! حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: غيرَ ذاتِ أصلٍ مِن الدُّبَّاءِ أو غيرِه مِن نحوِه (٢). وقال آخرون: هو القَرْعُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾، قال: القَرْعُ (٣). حدثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ (٤). حدَّثني مطرُ بنُ محمدِ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا عبدُ الله بن داودَ الواسطىُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ الأَوْدِيِّ في قولِه: ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ (٥). حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْبَتَنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً

стр. 13375

مِّن يَقْطِينٍ﴾: كنَّا نحدَّثُ أنها الدُّبَّاءُ، هذا القَرْعُ الذي رأيتم، أَنْبَتها اللَّهُ عليه يأكلُ منها (١). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني أبو صخرٍ، قال: ثني ابنُ قُسَيْطٍ، أنه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: طُرِح بالعراءِ، فأنبت الله عليه يَقْطِينَةً. فقلنا: يا أبا هريرةَ، وما اليَقْطِينةُ؟ قال: شجرةُ الدُّبَّاء، هيَّا الله له أُرْوِيَّةً (٢) وحُشِيَّةً، تأكلُ مِن خَشَاشِ الأَرضِ -أو هَشاشِ- فتَفْشَحُ (٣) عليه، فتزويه من لبنها كلَّ عشيَّةٍ وبُكْرةٍ، حتى نبَت. وقال ابنُ أبى الصلتِ قبلَ الإسلام في ذلك بيتًا من شعرٍ (٤): فأَنْبَتَ يَقْطِينًا عليه برَحْمَةٍ … مِن اللَّهِ لولا اللَّهُ أُلْفِي ضَاحِيا (٥) حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عِياضٍ، عن مغيرةَ في قولِه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ. حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتَ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ (٦). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد: أَنْبَت اللهُ عليه شجرةً مِن يَقْطِينٍ. قال: فكان لا يتناولُ منها ورقةً فيأخذها إلا أرْوَته لبنًا. أو قال:

стр. 13376

شرِب منها ما شاء حتى نَبَت (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ: عن السدى في قولِه: ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: هو القَرْعُ، والعرب تسمِّيه الدُّبَّاء (٢). حدثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن ورقاء، عن سعيدِ ابن جبيرٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: هو القَرْعُ (٣). حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿وَأَنْبَتَنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. قال: القَرْعُ (٣). وقال آخرون: كان اليَقْطِينُ شجرةً أظلت يونسَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ثابتُ بن يزيدَ، عن هلالِ بنِ حَبّابٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: اليَقْطِينُ شجرةٌ سماها اللهُ يَقْطِينا، أظلَّته، وليس بالقَرْعِ. قال: فيما ذُكر، أرسل الله عليه دابَّةَ الأرضِ، فجَعَلتْ تَقْرِضُ عروقَها، وجعل ورقُها يتساقطُ حتى أفضَتْ إليه الشمسُ وشَكاها، فقال: يا يونس، جزِعْتَ من حرِّ الشمسِ، ولم تَجزَعْ لِمائة ألفٍ أو يزيدونَ تابوا إليَّ، فتبتُ عليهم (٤)؟ القول في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)﴾.

стр. 13377

يقولُ تعالى ذكره: وأرسَلْنا يونسَ إلى مائة ألف من الناسِ، أو يزيدون على مائة ألفٍ. وذُكر عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُ: معنى قولِه: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون. ذكرُ الرواية بذلك حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن سالم بن أبي الجعدِ، عن الحكم بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الأَزْوَرِ، عن ابنِ عباس في قولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال: بل يزيدون؛ كانوا مائةَ ألفٍ وثلاثين ألفا (١). حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبير في قولِه: ﴿مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال: يزيدون سبعين ألفًا، وقد كان العذاب أُرسِل عليهم، فلما فرَّقوا بين النساء وأولادها، والبهائمِ وأولادها، وعجّوا إلى اللهِ، كشف عنهم العذاب، ومطَرتِ السماءُ دمًا (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرحيم البرقيُّ، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمِعتُ زُهيرًا، عمّن سمع أبا العالية، قال: ثني أبي بن كعب أنه سأل رسولَ اللَّهِ ﷺ عن قولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال: "يزيدون عشرين ألفًا" (٣).

стр. 13378

وكان بعضُ أهل العربية من أهل البصرة يقولُ في معناه: إلى مائة ألف أو كانوا يزيدون عندكم. يقولُ: كذلك كانوا عندكم. وإنما عُنِى بقولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. أنه أرسله إلى قومه الذين وعدهم العذابَ، فلما أظلَّهم تابوا، فكشَف اللهُ عنهم. وقيل: إنهم أهلُ نِينَوَى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾: أُرسِل إلى أهلِ نِينَوَى مِن أَرضِ المَوْصِلِ. قال الحسنُ: بعثَه الله قبل أن يُصيبَه ما أصابه، ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. قال: قوم يونسَ الذين أرسل إليهم قبلَ أن يلتقمه الحوتُ (٢). وقيل: إن يونسَ أُرسِل إلى أهل نِينَوَى بعد ما نبذَه الحوتُ بالعراءِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: سمِعتُ أبا هلالٍ محمدَ بنُ سليمٍ (٣)،

стр. 13379

قال: ثنا شَهْرُ بنُ حَوْشبٍ، قال: أتاه جبريلُ -يعنى يونسَ- وقال: انطلق إلى أهلِ نِينَوَى، فأنذِرْهم أنّ العذابَ قد حضَرهم. قال: ألتمِسُ دابّةً. قال: الأمرُ أعجلُ مِن ذلك. قال: ألتمِسُ حِذاءً. قال: الأمرُ أعجلُ من ذلك. قال: فغَضب، فانطلق إلى السفينة فركب، فلما ركِب احتبِست السفينةُ؛ لا تُقَدِّمُ ولا تُؤَخِّرُ. قال: فتساهموا. قال: فسُهِم، فجاء الحوتُ يُبصبِصُ بذنَبِه، فنُودِى الحوتُ: أيا حوتُ، إنا لم نَجْعَلْ يونس لك رزقًا، إنما جعلناك له حِرْزًا (١) ومسجدًا. قال: فالتقمه الحوتُ، فانطلق به من ذلك المكان، حتى مرّ به على الأَيْلَةِ، ثم انطلق به، حتى مرّ به على دِجْلَةَ، ثم انطلق به حتى أَلْقاه في نِينَوَى (٢). حدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا شهْرُ بنُ حَوْشبٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنما كانت رسالة يونسَ بعدما نبَذه الحوتُ (٣). وقوله: ﴿فَآمَنُوا﴾. يقولُ: [فوحَّد الله الذين] (٤) أُرسل إليهم يونسُ، وصدّقوا بحقيقةِ ما جاءهم به يونسٌ مِن عنْدِ اللهِ. وقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. يقولُ: فأخَّرنا عنهم العذاب، ومتَّعناهم إلى حين بحياتهم، إلى بلوغ آجالِهم مِن الموتِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.

стр. 13380

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: الموتِ (١). حدَّثني محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. قال: الموتِ (٢). وقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾. يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : سلْ يا محمدُ مشركي قومِك مِن قريشٍ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾: يعني مشرِكي قريشٍ (٣). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. قال: سلهم. وقرأ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ [النساء: ١٢٧]. قال: يسألونك. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السدي: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾. يقول: يا محمدُ، سلْهم. وقولُه: ﴿أَلرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾: ذكر أن مشركي قريشٍ كانوا

стр. 13381

يقولون: الملائكة بناتُ اللَّهِ. وكانوا (١) يعبُدونها، فقال الله لنبيِّه محمد ﵊: سلْهم وقلْ لهم: أَلِربِّيَ البناتُ ولكم البنونَ؟! وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. لأنهم قالوا -يعنى مشركي قريشٍ-: للَّهِ البناتُ، ولهم البنونَ (٢). حدثنا محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ الفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. قال: كانوا يعبُدون الملائكةَ. القول في تأويل قولِه تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢)﴾. يقول تعالى ذكره: أم شهد هؤلاء القائلون من المشركين: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ. خَلْقيَ الملائكةَ وأنا أخلقهم إناثًا، فشهدوا هذه الشهادة، ووصفوا الملائكة بأنها إناثٌ؟ وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إفْكِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن هؤلاء المشركين، من كَذِبهم ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ في قيلِهم ذلك.

стр. 13382

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ﴾: [أي: من كذِبِهم ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ (١). حدثنا محمد بنُ الحسين، قال: حدثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه] (٢): ﴿أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ﴾. قال: من كذِبِهم (١). القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾. يقول تعالى ذكره مُوَبِّخًا هؤلاء القائلين: للَّهِ البناتُ. من مشركي قريشٍ: ﴿أَصْطَفَى البَنَاتِ عَلَى البَنِينَ﴾؟ والعربُ إذا وجَّهوا الاستفهامَ إلى التوبيخِ أثْبَتوا ألفَ الاستفهامِ أحيانًا، وطرحوها أحيانًا، كما قيل: ﴿أَذْهَبْتُمْ (٣) طَيْبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. يُستفهمُ بها، ولا يُستفهمُ بها، والمعنى في الحالينِ واحدٌ، وإذا لم يُسْتفهمْ في قولِه: ﴿أَصْطَفَى البَنَاتِ﴾. ذهبت ألفُ "اصطفى" في الوصلِ، ويُبتدأ بها بالكسرِ، وإذا استُفهِم فُتِحَت وقُطِعَت. وقد ذكر عن بعض أهل المدينة أنه قرأ ذلك بترك الاستفهام، والوصل. فأما قرأَةُ الكوفةِ والبصرةِ، فإنهم في ذلك على قراءته بالاستفهام، وفتح ألفِه في الأحوالِ كلِّها (٤)، وهى القراءةُ التي نَختارُ؛ لإجماع الحجة من القرأة عليها. وقوله: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. يقولُ: بئس الحكْمُ تحكمون أيُّها القومُ؛

стр. 13383

أن يكونَ للهِ البناتُ ولكم البنونَ، وأنتم لا تَرْضَون البنات لأنفسكم، فتجعلون له ما لا تَرْضَونه لأنفسكم؟ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. يقولُ: كيف يجعلُ لكم البنين، ولنفسِه البناتِ؟ ما لكم كيف تحكُمون (١)؟! وقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: أفلا تتدَبَّرون ما تقولون، فتعرِفوا خطأَه، فتنتهوا عن قيله؟ وقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾. يقولُ: ألكم حجةٌ تبين صحتُها لمن سمِعها، بحقيقةِ ما تقولون؟ كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾: أي: عذرٌ مبينٌ (١). حدثنا محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديٍّ في قولِه: ﴿سُلطَانٌ مُّبِينٌ﴾. يقولُ: حجةٌ. وقوله: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾. يقولُ: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عندِ اللهِ؛ بأن الذى تقولون من أن للهِ البناتِ ولكم البنين، كما تقولون. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 13384

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾: أي: بعذْرِكم، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١). حدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ أن هذا كذا؛ بأن له البنات، ولكم البنون. وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقول: إن كنتم صادقين أن لكم بذلك حجةً. القول في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾. يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء المشركون بينَ الله وبين الجنّة نسبًا. واختلَف أهل التأويلِ في معنى النسب الذى أخبرَ اللهُ عنهم أنهم جعلوه للهِ تعالى؛ فقال بعضُهم: هو أنهم قالوا -أعداء الله-: إن الله وإبليسَ أَخَوانِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولِه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ نَسَباً﴾. قال: زعَم أعداءُ اللَّهِ أَنه ﵎ وإبليس أخَوانِ (١). وقال آخرون: هو أنهم قالوا: الملائكةُ بناتُ اللهِ. وقالوا: الجِنّةُ هي الملائكة.

стр. 13385

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ نَسَبًا﴾. قال: قال كفارُ قريشٍ. قال: قال كفارُ قريشٍ: الملائكة بناتُ اللَّهِ. فقال (١) أبو بكر: من أمهاتُهنَّ؟! فقالوا: بناتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ (٢)، يحسبون أنهم خُلقوا مما خُلِق منه إبليس (٣). حدثنا عمرُو بنُ يحيى بنُ عمران بنُ عُفْرَةَ، قال: ثنا عمرو بنُ سعيد الأَبَحُّ، عن سعيد بنُ أبي عَرُوبةً، عن قتادة في قولِه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾: قالت اليهودُ: إن اللهَ ﵎ تزوَّج إلى الجِنِّ، فخرج منها (٤) الملائكة. قال: سبحانه؛ سبّح نفسَه (٥). حدثنا محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولِه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾. قال: الجِنَّةُ الملائكةُ، قالوا: هنَّ بناتُ اللهِ (٦). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾: الملائكة (٣).

стр. 13386

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾. قال: بين الله وبين الجِنَّةِ نسبًا؛ افترَوْا (١). وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجَنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. اختلف أهلُ التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: ولقد علمتِ الجِنَّةُ إنهم لمُشْهَدون الحسابَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: إنها ستُحضَرُ الحسابَ (٢). وقال آخرون: معناه: إن قائلى هذا القول سيُحضرون العذابَ في النارِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىٍّ: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: إن هؤلاء الذين قالوا هذا لمُحضَرون: لمعذَّبون (٣). وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: إنهم لمُحضَرون العذابَ؛ لأن سائرَ الآياتِ التى ذكَر اللهُ فيها الإحضارَ في هذه السورة، إنما عنَى به الإحضارَ في العذابِ، فكذلك في هذا الموضعِ. وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: تنزيهًا للهِ، وتبرئةً له مما يُضِيفُ إليه هؤلاء المشركون به، ويفتَرون عليه، ويصِفونه، من أن له

стр. 13387

بناتٍ، وأن له صاحبةً. وقوله: ﴿إلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. [يقولُ: ولقد علمت الجنَّةُ إن الذين قالوا: إن الملائكة بناتُ اللَّهِ. لمُحضَرون العذابَ، إلا عبادَ اللَّهِ] (١) الذين أخلَصهم لرحمتِه، وخلَقهم لِجَنَّتِه. القول في تأويل قولِه تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾. يقول تعالى ذكره: فإنَّكُم أيها المشركون بالله وما تَعْبُدُون مِن الآلهة والأوثانِ، ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾. يقولُ: ما أنتم على ما تعبُدون من دونِ اللهِ بفاتنين؛ أي: بمضلِّين أحدًا، ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ﴾. يقولُ: إلا أحدًا سبق في علْمي أنه صالِ الجحيمِ. وقد قيل: إن معنى ﴿عَلَيْهِ﴾ في قولِه: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾. بمعنى به. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾. يقول: لا تُضلُّون أنتم، ولا أُضِلُّ منكم إلا مَن قد قضيتُ عليه (٢) أنه صال الجحيم (٣).

стр. 13388

حدَّثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿مَا أَنتُم عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: ما أنتم بفاتنين على أوثانِكم أحدًا، إلا من قد سبق له أنه صال الجحيم (١). حدَّثني يعقوب بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن خالد، قال: قلتُ للحسنِ قولِه: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾: إلا من أوجَب الله عليه أن يَصْلى الجحيمَ (٢). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ أَبي الزَّرْقاءِ، عن حماد بنُ سلمةَ، عن حميدٍ، قال: سألت الحسن عن قول الله: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾. قال: ما أنتم عليه بمضلِّين إلا من كان في علمِ اللهِ أنه سيَصْلى الجحيمَ. [حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيم: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾: إلا من قُدِّر عليه أنه يَصْلى الجحيمَ] (٣). حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن العشَرةِ الذين دخَلوا على عمرَ بنُ عبد العزيزِ، [وكانوا متكلِّمين كلُّهم، فتكلَّموا، ثم إن عمرَ بنَ عبد العزيز] (٤) تكلّم بشيءٍ، فظَننَّا أنه تكلَّم بشيءٍ ردَّ به ما كان في أيدينا، فقال لنا: هل تعرفون تفسير هذه الآية: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٣) إِلَّا مَنْ

стр. 13389

هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾؟ قال: إنكم والآلهة التى تعبدونها لستم بالذي تَفتِنون عليها إلا من قضَيْتُ عليه أنه يَصْلى الجحيم (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ﴾. قال: ما أنتم بمضلِّين إلا مَن كُتب عليه أنه يَصْلى الجحيمَ. حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ حتى بلَغ ﴿صَالِ الْجَحِيمِ﴾. يقول: ما أنتم بمضلِّين أحدًا من عبادى بباطلكم هذا، إلا من تولَّاكم بعملِ أهلِ (٢) النارِ. حدَّثنا محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عنِ السدىِّ: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾: بمضلِّين، ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾: إِلا مَن كتَب الله عليه أنه يَصْلى الجحيم. حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: [﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾] (٣). يقولُ: لا تُضِلُّون بآلهتِكم أحدًا، إلا من سبَقتْ له الشقاوةُ، ومن هو صالِ الجحيم (٤). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيم﴾. [يقولُ: لا تفتِنون به أحدًا، ولا تُضِلُّونه، إلا من قضى الله أنه صالِ الجحيم] (٣)؛ إلا من

стр. 13390

قد قضَى أنه مِن أهلِ النار. وقيل: ﴿بِفَاتِنِينَ﴾. من: فَتَنتُ أفتِنُ، وذلك لغةُ أهل الحجاز، وأما أهلُ نجدٍ فإنهم يقولون: أفتته فأنا أُفتِنُه. وقد ذكر عن الحسن أنه قرأ: (إِلَّا مَن هو صالُ الجحيمِ) (١)، برفع اللَّامِ مِن ﴿صَالِ﴾، فإن كان أراد بذلك الجمعَ كما قال الشاعرُ (٢): إذا ما حَاتمٌ وُجِد ابْنَ عَمِّى … مَجَدنا مَن تكلَّم أَجْمَعِينا فقال: أجمعينا. ولم يقُلْ: تكلَّموا. أو كما يقالُ في الرجالِ: مَن هو إخوتك؟ يذهبُ بـ "هو" إلى الاسم المجهولِ ويُخرَّج فعله على الجمعِ، فذلك وجهٌ، وإن كان غيره أفصحَ منه، وإن كان أراد بذلك واحدًا، فهو عند أهل العربيةِ لحنٌ؛ لأنَّه لحنٌ عندهم أن يقال: هذا رامٌ وقاضٌ. إلا أن يكون سُمِع في ذلك من العربِ لغةٌ مقلوبةٌ (٣)، مثلَ قولِهم: شاكُ السلاحِ، وشاكي السلاحِ، وعاث وعثا، وعاق وعقا. فيكونَ لغةً، ولم أسمعْ أحدًا يذكُر سماعَ ذلك مِن العربِ. وقولُه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ عن قيلِ الملائكةِ أنهم قالوا: وما منا -معشَرَ الملائكة- إلا مَن له مقامٌ في السماءِ معلومٌ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن

стр. 13391

السدى في قولِه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾. قال: الملائكة. [حدَّثني يونسُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. قال الملائكة] (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. قال: هؤلاء الملائكةُ. حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيد، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾: كان مسروقُ بنُ الأجْدعِ يروى عن عائشةَ، أنها قالت: قال نبيُّ الله ﷺ : "ما في السماء الدنيا مَوْضعُ قَدَمٍ إلا عليه مَلَكٌ ساجدٌ أو قائمٌ". فذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا منا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسبِّحُونَ﴾ (٢). حدثنى موسى بنُ إسحاقَ الكنانيُّ (٣) المعروفُ بابن القوّاسِ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى الرَّمليُّ، عن الأعمشِ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لو عن أن قطرةً من زَقُومِ جهنمَ أُنزلت إلى الدنيا، لأفسدت على الناس معايشَهم، وإن نارَكم هذه لتَعوَّذُ مِن نارِ جهنمَ. حدثنا موسى بنُ إسحاق، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن زيدِ ابن وهبٍ، قال: قال عبد الله بنُ مسعودٍ: إن ناركم هذه لما أُنزِلت، ضُرِبَت في

стр. 13392

البحرِ مرّتين، ففتَرَت، فلولا ذلك لم تنتَفِعوا بها (١). القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾. يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل ملائكتِه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾ للهِ لعبادتِه، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ له. يعنى بذلك: المصلّون له. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسول الله ﷺ ، وقال به أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بنُ عليِّ بنِ الحسنِ بنُ شقيقٍ المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا أبو معاذٍ الفضلُ ابنُ خالدٍ، قال: ثنا عبيد بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك بنُ مزاحم يقولُ: قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾. كان مسروقُ بنُ الأَجْدَعِ يروى عن عائشة أنها قالت: قال نبيُّ الله ﷺ : "ما في السماء الدنيا مَوضِعُ قَدَم إلا عليه ملكٌ ساجدٌ أو قائمٌ". فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ (٢). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، [عن مسلمٍ] (٣)، عن مسروقٍ، قال: قال عبد الله: إن في السماواتِ لسماءً ما فيها مَوضِعُ شِبْرٍ إلا وعليه

стр. 13393

جبهةُ مَلَكٍ أو قدمُه قائمًا. قال: ثم قرَأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبى الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: إن من السماواتِ سماءً ما فيها موضعٌ إلا فيه مَلَكٌ ساجدٌ أو (٢) قائم. ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبرني الجُرَيْرِيُّ، عن أبي نَضْرةَ، قال: كان عمرُ إذا أُقِيمتِ الصلاةُ أقبَل على الناسِ بوجهِه، فقال: أيُّها الناسُ استَوُوا، إن اللهَ إنما يريدُ بكم هَدْىَ الملائكة؛ ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾. استَوُوا، تقدَّم أنت (٤)، تأخَّرْ أنت أي هذا. فإذا استَوَوْا تقدَّم فكبَّر (٥). حدَّثنى موسى بنُ عبد الرحمنِ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثني الجُرَيْرِىّ سعيدُ ابنُ إياس أبو مسعودٍ، قال: ثنى أبو نَضْرَةَ، قال: كان عمرُ بنُ الخطاب ﵁ إذا أُقيمتِ الصلاةُ استقبل الناسَ بوجهِه، ثم قال: أَقيموا صُفُوفَكم واستَوُوا، فإنما يريدُ الله بكم هَدْىَ الملائكةِ، يقولُ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ

стр. 13394

الْمُسَبِّحُونَ﴾. ثم ذكَر نحوَه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباس قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾. قال: يعنى الملائكة، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾. قال: الملائكةُ صافون تسبِّحُ للَّهِ (١). حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾. قال: الملائكة (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾. قال: الملائكة (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾. قال: صُفُوفٌ في السماءِ، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾. أي: المصلّون، وهذا قولُ الملائكةِ يُثنون بمكانِهم من العبادةِ (٤). حدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾. قال: للصلاةِ. حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، قال: ذكَر السديُّ، [عن عبد الله] (٥)، قال: ما في السماءِ مَوضِعُ شِبْرٍ إلا عليه جبهةُ مَلَكٍ أو قدماه، ساجدًا أو

стр. 13395

قائمًا أو راكعًا. قال: ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾. قال: الملائكة، هذا كلُّه لهم. وقوله: ﴿وَإِن كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وكان هؤلاء المشركون من قريشٍ يقولون، قبلَ أن يُبعثَ إليهم محمدٌ ﷺ نبيًّا: ﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِين﴾. يعنى كتابًا أُنزِلَ مِن السماء؛ كالتوراةِ يعني والإنجيلِ، أو نبيًّا أتانا، مثلَ الذى أتى اليهودَ والنصارى - لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الذين أخلَصهم لعبادِته، واصطفاهم لجنتِه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِن كَانُوا ليَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال: قد قالت هذه الأمّةُ ذاك قبلَ أن يُبعثَ محمد ﷺ : لو كان عندنا ذكرٌ من الأولين، لكنا عبادَ اللَّهِ المخلصين. فلما جاءهم محمد ﷺ كفروا به، فسوف يعلمون (١). حدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ في قولِه: ﴿ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: هؤلاء ناسٌ من مشركي العرب قالوا: لو أن عندَنا كتابًا من كُتُبِ الأوّلين، أو جاءنا علمٌ من علم الأوّلين. قال: قد جاءكم

стр. 13396

محمدٌ بذلك. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيد: رجَع الحديثُ إلى الأولين أهلِ الشركِ: ﴿وَإِن كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ﴾. حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: هذا قولُ مشركي أهلِ مكةَ، فلما جاءهم ذكرُ الأولين وعلمُ الآخرين، كفروا به، فسوف يعلمون. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾. يقول تعالى ذكرُه: فلما جاءهم الذكرُ من عندِ اللَّهِ كَفَروا به، وذلك كفرُهم بمحمد ﷺ ، وبما جاءهم به من عندِ اللهِ من التنزيلِ والكتابِ، يقولُ اللَّهُ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا ورَدوا عليَّ، ماذا لهم من العذابِ بكفرِهم بذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهُل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباس قوله: ﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال: لما جاء المشركين من أهل مكةَ ذكرُ الأولينَ وعِلمُ الآخرينَ، كفَروا بالكتابِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (١).

стр. 13397

[حدَّثنا محمد بنُ الحسين، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾] (١). يقولُ: قد جاءكم محمدٌ بذلك، فكفَروا بالقرآنِ وبما جاء به محمدٌ ﵇. وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد سبَق منا القولُ لرُسُلنا: ﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمَنصُورُونَ﴾. أي: مضَى بهذا منّا القضاءُ والحكمُ في أمِّ الكتابِ، وهو أنهم لهم النُّصرةُ والغلبَةُ بالحجج. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ حتى بلَغ: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. قال: سبق هذا من اللهِ لهم؛ أن ينصرَهم. حدَّثنا محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) [إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾. يقولُ: بالحجج (٢). وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يتأولُ ذلك: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾] (٣) بالسعادةِ. وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا على عبادِنا المُرْسَلِينَ) (٤). فجُعِلت "على" مكانَ اللامِ، فكأن المعنى: حقَّت عليهم ولهم. كما قيل: على مُلكِ سليمانَ. و: في مُلكِ سليمانَ. إذ كان معنى ذلك واحدًا.

стр. 13398

وقوله: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ﴾. يقولُ: وإن حزبَنا وأهلَ ولايتنا ﴿لَهُمُ (١) الْغَالِبُونَ﴾. يقولُ: لهم الظفرُ والفَلَحُ (٢) على أهل الكفرِ بنا والخلافِ علينا. القول في تأويل قولِه تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾: فأعرِض عنهم إلى حينٍ. واختلَف أهلُ التأويلِ في هذا الحينِ؛ فقال بعضُهم: معناه: إلى الموت. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾. أي: إلى الموتِ (٣). وقال آخرون: إلى يومِ بدرٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾. قال: حتى يومِ بدرٍ (٤). وقال آخرون: معنى ذلك: إلى يوم القيامةِ.

стр. 13399

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنهُم حَتَّى حِينٍ﴾. قال: يومِ القيامةِ. وهذا القولُ الذى قاله السدىُّ أشبهُ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، وذلك أن اللهَ وعَدهم بالعذابِ الذى كانوا يستعجِلونه، فقال: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾. وأمر نبيه ﷺ أن يُعْرِضَ عنهم (١) إلى مجيءِ حينهِ، فتأويلُ الكلامِ: فتولَّ عنهم يا محمدُ إلى حين مجئِ عذابِنا ونزولِه بهم. وقولُه: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: وأنظِرْهم فسوفَ يرَون ما يحِلُّ بهم من عقابِنا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. حين لا ينفعُهم البصرُ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. [يقولُ: أنظِرْهم فسوفَ يبصِرون ما لهم] (٣) بعدَ اليومِ، قال: يقولُ: يبصِرون يومَ القيامةِ ما ضيَّعوا من أمرِ اللَّهِ، وكفرهم باللهِ ورسولِه وكتابِه، قال:

стр. 13400

فـ: ﴿أَبْصِرْهُمْ﴾ و: ﴿أَبْصِرِ﴾ واحدٌ (١). وقوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾. يقولُ: أَفبنزولِ عذابِنا بهم يستعجِلونك يا محمدُ؟! وذلك قولُهم للنبي ﷺ : ﴿ومَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يس: ٤٨]. وقوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾. يقولُ: فإذا نزَل بهؤلاء المشرِكين المستعجِلين بعذابِ اللهِ العذابُ. والعربُ تقولُ: نزَل بساحةِ فلانٍ العذابُ والعقوبةُ. وذلك إذا نزَل به، والساحةُ: هى فناءُ دارِ الرجلِ، ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾. يقولُ: فبئسَ صباحُ القومِ الذين أنذَرهم رسولُنا نزولَ ذلك العذابِ بهم، فلم يصدِّقوا به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباط، عن السدى في قوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾. قال: بدارِهم، ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾. قال: بئسما يُصبحون (٢). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد ﷺ : وأعرض يا محمدُ عن هؤلاء المشرِكين، وخلِّهم وفِريَتَهم على ربِّهم، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾. يقولُ: إلى حينِ يأذن الله بهلاكهم،

стр. 13401

﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: وأنظِرْهم فسوف يرَوْن ما يحِلُّ بهم من عقابِنا، في حين لا تنفعُهم التوبةُ، وذلك عندَ نزولِ بأسِ اللهِ بهم. وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تنزيهًا لربِّك يا محمدُ، وتبرئةً له، ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾. يقولُ: ربِّ القوةِ والبطشِ، ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقولُ: عما يصفُ هؤلاء المفترُون عليه من مشرِكي قريشٍ، من قولهم: ولَد اللهُ. وقولِهم: الملائكةُ بناتُ اللهِ. وغير ذلك من شركِهم وفِرْيتِهم على ربِّهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّة عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يكذِبون، يسبِّحُ نفسَه إذ (١) قيل عليه البُهتانُ (٢). وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: وأمَنَةٌ من اللهِ للمرسلين، الذين أرسلهم إلى أممِهم، الذين ذكَرهم في هذه السورة وغيرهم - من فزعِ يومِ العذابِ الأكبرِ، وغيرِ ذلك من مكروهٍ أن ينالَهم من قِبلِ اللهِ ﵎. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ﴾. قال رسول الله ﷺ : "إذا سلَّمتم عَليَّ فسلِّموا على المرسَلين، فإنما أنا رسولٌ من المرسَلين" (٣).

стр. 13402

﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والحمدُ للهِ رَبِّ الثَّقَلَين؛ الجنِّ والإنسِ، خالصًا دون ما سواه؛ لأن كلَّ نعمةٍ لعبادِه فمنه، والحمدُ له خالصٌ، لا شريكَ له فيه، كما لا شريكَ له في نعمِه عندَهم، بل كلُّها من قِبَلِه، ومن عندِه. آخرُ تفسيرِ سورةِ الصافاتِ

стр. 13403

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسيُر سورةِ "ص" القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾. قال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِ اللهِ : ﴿ص﴾؛ فقال بعضُهم: هو من المصاداة، من: صادَيتُ فلاناً. وهو أمرٌ من ذلك؛ كأن معناه عندَهم: صادِ بعملك القرآنَ. أي: عارِضه به. ومَن قال: هذا تأويله. فإنه يقرؤُه بكسرِ الدال؛ لأنَّه أمرٌ، وكذلك رُوِى عن الحسنِ (١). ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: (صادِ). قال: حادِثِ القرآنَ (٢). وحُدِّثتُ عن عليِّ بن عاصمٍ، عن عمرِو بن عبيدٍ، عن الحسنِ في قولِه: (صادِ). قال: عارِض القرآن بعملِك. حُدِّثتُ عن عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: (صادِ والقرآنِ). قال: عارِضِ القرآن. قال عبدُ الوهابِ: يقولُ: اعرِضه على عملِك،

стр. 13404

فانظُرْ أينَ عملُك من القرآنِ (١). حدثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ، أنه كان يقرأُ: (صادِ والقرآنِ) بخفضِ الدالِ، وكان يجعلُها من المصاداةِ، يقولُ: عارِضِ القرآن (٢). وقال آخرون: هي حرفُ هجاءٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما ﴿ص﴾ فمن الحروفِ (٣). وقال آخرون: هو قَسمٌ أقسَم اللهُ به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ قوله: ﴿ص﴾. قال: قَسَمٌ أقسَمه اللهُ، وهو من أسماءِ اللهِ (٤). وقال آخرون: هو اسمٌ من أسماء القرآنِ، أقسَم اللهُ به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ص﴾. قال: هو

стр. 13405

اسمٌ من أسماءِ القرآنِ، أقسم الله به (١). وقال آخرون: معنى ذلك: صدَق اللهُ. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن المسيبِ بنِ شريكٍ، عن أبى روقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿ص﴾. قال: صدَق اللهُ (٢). واختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا عبدَ اللَّهِ بنَ أبى إسحاق وعيسى بن عمر، بسكونِ الدالِ، فأما عبدُ اللَّهِ بن أبي إسحاقَ فإنه كان يكسِرُها؛ لاجتماعِ الساكِنَين، ويجعلُ ذلك بمنزلِة الأداةِ؛ كقولِ العربِ: تركته حاتِ باثِ، وخازِ بازِ. يُخفضانِ من أجلِ أن الذى يلى آخرَ الحروفِ ألفٌ، فيَخفِضون مع الألفِ، ويَنصِبون مع غيرِها، فيقولون: حيثَ بيثَ. و: لأجعَلنَّك في حيصَ بيصَ. إذا ضيَّق عليه (٣). وأما عيسى بنُ عمرَ فكان يوفِّقُ بينَ جميعِ ما كان قبل آخر الحروفِ منه ألفٌ، وما كان قبلَ آخرِه ياءٌ أو واوٌ، فيفتَحُ جميعَ ذلك ويَنصِبُه، فيقولُ: (صادَ)، و (قافَ)، و (نونَ)، و (ياسينَ)، فيجعل ذلك مثلَ الأداةِ؛ كقولِهم: ليتَ، وأين. وما أشبَهَ ذلك. والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا السكونُ في كلِّ ذلك؛ لأن ذلك القراءةُ التي جاءت بها قرأةُ الأمصارِ مستفيضةً فيهم، وأنها حروفُ هجاءٍ لأسماءِ المسمياتِ، فيُعرَبْن إعرابَ الأسماءِ والأدواتِ والأصواتِ، فيُسلَكُ بهن مسالكِهن. فتأويلُها إذ كانت كذلك تأويل نظائرِها التي قد تقدَّم بيانُناها قبلُ فيما مضى (٤).

стр. 13406

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: ﴿ص﴾ في معناها كقولِك: وجَب واللهِ. نزَل واللهِ، وحَقَّ واللهِ. وهى جوابٌ لقولِه: ﴿وَالْقُرْءَانِ﴾ كما تقولُ: حقًّا واللهِ، نزل واللهِ (١). وقوله: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾؛ وهذا قسَمٌ أقسَمه اللهُ ﵎ بهذا القرآن، فقال: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾. واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ذِى الذِّكْرِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ذى الشرف. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، عن قيسٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدٍ: ﴿ص وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ﴾. قال: ذى الشرفِ (٢). حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا أبو أحمدَ، عن مسعرٍ، عن أبي حَصينٍ: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: ذى الشرفِ (٢). قال: ثنا أبو أحمدَ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ أو (٣) غيرِه: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: ذى الشرفِ (٢). حدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، السدىِّ: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ﴾. قال: ذى الشرفِ (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن يحيى بنِ عُمارة، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ص وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكرِ﴾: ذى

стр. 13407

الشرفِ (١). وقال بعضُهم: بل معناه: ذى التذكيرِ؛ ذكَّركم اللهُ به. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن المسيبِ بن شريكٍ، عن أبى روقٍ، عن الضحاكِ: ﴿ذِي الذِّكرِ﴾. قال: فيه ذكرُكم. قال: ونظيرتُها: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (٢) [الأنبياء: ١٠]. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذِي الذِّكرِ﴾. أي: ما ذكَّر فيه (٣). وأولى القولَين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: ذى التذكير لكم؛ لأن اللهَ أتبَع ذلك قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. فكان معلومًا بذلك أنه إنما أخبَرعن القرآنِ أنه أنزَله ذكرًا لعبادِه ذكَّرهم به، وأن الكفارَ من الإيمانِ به في عِزَّةٍ وشقاقٍ. واختُلِف في الذى وقَع عليه اسمُ القسمِ؛ فقال بعضُهم: وقَع القسمُ على قولِه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةِ وَشِقَاقٍ﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي

стр. 13408

عِزَّةِ". قال: هاهنا وقَع القَسَمُ (١). وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: ﴿بَلِ﴾ دليلٌ على تكذيبهم، فاكتُفِى بـ ﴿بَلِ﴾ من جواب القسمِ، وكأنه قيل: ﴿ص﴾ ما الأمرُ كما قلتُم، بل أنتم في عزَّةٍ وشقاقٍ. وكان بعضُ نحويِّي البصرةِ (٢) يقولُ: زعَموا أن موضعَ القسمِ في قولِه: ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ص: ١٤]. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: قد زعَم قومٌ أن جوابَ ﴿وَالْقُرْءانِ﴾ قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]. قال: وذلك كلامٌ قد تأخَّر عن قولِه: ﴿وَالْقُرْءَان﴾ تأخُّرًا شديدًا، وجرَت بينهما قصصٌ مختلفةٌ، فلا نجدُ ذلك مستقيمًا في العربيةِ، والله أعلمُ. قال: ويقالُ: إن قوله: ﴿وَالْقُرْءانِ﴾ يمينٌ، اعترض كلامٌ دون موقعِ جوابِها، فصار جوابُها جوابًا للمعترِضِ ولليمين، فكأنه أراد: والقرآن ذى الذكرِ، لَكُمْ أهلكنا. فلما اعترض قولُه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ صارت ﴿كَمْ﴾ جوابًا للعزَّةِ واليمين. قال: ومثله قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]. اعترَض دونَ الجوابِ قولُه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهُمَها﴾. فصارَت ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ تابعةً لقولِه: ﴿فَأَلْهْمَهَا﴾. وكفى من جوابِ القسمِ، فكأنه قال: والشمسِ وضحاها لقد أفلِح (٣). والصوابُ من القولِ في ذلك عندى القولُ الذي قاله قتادةُ، وأن قولَه: ﴿بَلِ﴾

стр. 13409

لما دلَّت على التكذيب، وحلَّت محلَّ الجواب، استُغْنى بها من الجواب، إذ عُرِف المعنى، فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: ﴿ص وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ﴾، ما الأمرُ كما يقولُ هؤلاء الكافرون، بل هم في عزّةٍ وشقاقٍ. وقولُه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بل الذين كفَروا بالله من مشرِكي قريشٍ في حميةٍ ومُشاقَّةٍ وفراقٍ لمحمدٍ وعداوةٍ، وما بهم ألاَّ يكونوا أهلَ علمٍ بأنه ليس بساحرٍ ولا كذابٍ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾. قال: مُعازِّينَ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. أي: في حميةٍ وفراقٍ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. قال: يعادُونَ أمرَ اللهِ ورسلَه وكتابَه ويشاقُّون، ذلك عزةٌ وشقاقٌ. فقلتُ له: الشقاقُ الخلافُ؟ فقال: نعم. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ

стр. 13410

مَنَاصٍ﴾. يقولً تعالى ذكرُه: كثيرًا أهلكنا من قبلِ هؤلاء المشركين من قريشٍ، الذين كذَّبوا رسولنا محمدًا ﷺ فيما جاءهم به من عندِنا من الحقِّ - ﴿مِّن قَرْنٍ﴾. يعني: من الأمم الذين كانوا قبلهَم، فسلَكوا سبيلَهم في تكذيب رسلهم فيما أتَوهم به من عندِ اللهِ، ﴿فَنَادَوا﴾. يقولُ: فعَجُّوا إلى ربِّهم، وضجُّوا واستغاثُوا بالتوبة إليه حين نزَل بهم بأسُ اللَّهِ، وعاينُوا به عذابَه، فرارًا من عقابِه، وهربًا من أليمِ عذابِه، ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. يقولُ: وليس ذلك حينَ فرارٍ ولا هربٍ من العذابِ بالتوبةِ وقد حقَّت كلمة العذابِ عليهم، وتابوا حينَ لا تنفعُهم التوبةُ، واستقالُوا في غيرِ وقت الإقالِة. وقوله: ﴿مَنَاصٍ﴾: مَفْعَلٌ من النَّوْصِ، والنوصُ في كلامِ العربِ التأخرُ، والمناصُ المَفْرُ (١)؛ ومنه قولُ امرئِ القيسِ (٢): أمِنْ ذكرٍ سَلمَى إِذْ نَأَتْكَ تَنُوصُ … فتَقصُرُ عنها خُطوَةً أو تبوصُ يقولُ: أو تَقَدَّمُ. يقالُ من ذلك: ناصَنى فلانٌ. إذا ذَهب عنك، وباصَني. إذا سبَقك، وناض في البلادِ. إذا ذَهب فيها، بالضادِ. وذكر الفراءُ أن العقيليَّ أنشَده: إذا عاشَ إِسْحَاقٌ وَشَيْخُهُ لم أُبَلْ … فَقِيدًا وَلَمْ يَصْعُبْ عَلَىَّ مَناضُ ولَوْ أَشْرَفَتْ مِنْ كُفَّةِ السِّتْرِ عاطِلًا … لَقُلْتُ غَزَالٌ ما عَلَيْهِ خُضَاضُ والخضاض: الحليُّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
следующие страницы →