وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: ﴿ص﴾ في معناها كقولِك: وجَب واللهِ. نزَل واللهِ، وحَقَّ واللهِ. وهى جوابٌ لقولِه: ﴿وَالْقُرْءَانِ﴾ كما تقولُ: حقًّا واللهِ، نزل واللهِ (١).
وقوله: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾؛ وهذا قسَمٌ أقسَمه اللهُ ﵎ بهذا القرآن، فقال: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾.
واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ذِى الذِّكْرِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ذى الشرف.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، عن قيسٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدٍ: ﴿ص وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ﴾. قال: ذى الشرفِ (٢).
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا أبو أحمدَ، عن مسعرٍ، عن أبي حَصينٍ: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: ذى الشرفِ (٢).
قال: ثنا أبو أحمدَ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ أو (٣) غيرِه: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: ذى الشرفِ (٢).
حدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، السدىِّ: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ﴾. قال: ذى الشرفِ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن يحيى بنِ عُمارة، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ص وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكرِ﴾: ذى
стр. 13407
الشرفِ (١).
وقال بعضُهم: بل معناه: ذى التذكيرِ؛ ذكَّركم اللهُ به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن المسيبِ بن شريكٍ، عن أبى روقٍ، عن الضحاكِ: ﴿ذِي الذِّكرِ﴾. قال: فيه ذكرُكم. قال: ونظيرتُها: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (٢) [الأنبياء: ١٠].
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذِي الذِّكرِ﴾. أي: ما ذكَّر فيه (٣).
وأولى القولَين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: ذى التذكير لكم؛ لأن اللهَ أتبَع ذلك قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. فكان معلومًا بذلك أنه إنما أخبَرعن القرآنِ أنه أنزَله ذكرًا لعبادِه ذكَّرهم به، وأن الكفارَ من الإيمانِ به في عِزَّةٍ وشقاقٍ.
واختُلِف في الذى وقَع عليه اسمُ القسمِ؛ فقال بعضُهم: وقَع القسمُ على قولِه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةِ وَشِقَاقٍ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي
стр. 13408
عِزَّةِ". قال: هاهنا وقَع القَسَمُ (١).
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: ﴿بَلِ﴾ دليلٌ على تكذيبهم، فاكتُفِى بـ ﴿بَلِ﴾ من جواب القسمِ، وكأنه قيل: ﴿ص﴾ ما الأمرُ كما قلتُم، بل أنتم في عزَّةٍ وشقاقٍ.
وكان بعضُ نحويِّي البصرةِ (٢) يقولُ: زعَموا أن موضعَ القسمِ في قولِه: ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ص: ١٤]. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: قد زعَم قومٌ أن جوابَ ﴿وَالْقُرْءانِ﴾ قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]. قال: وذلك كلامٌ قد تأخَّر عن قولِه: ﴿وَالْقُرْءَان﴾ تأخُّرًا شديدًا، وجرَت بينهما قصصٌ مختلفةٌ، فلا نجدُ ذلك مستقيمًا في العربيةِ، والله أعلمُ.
قال: ويقالُ: إن قوله: ﴿وَالْقُرْءانِ﴾ يمينٌ، اعترض كلامٌ دون موقعِ جوابِها، فصار جوابُها جوابًا للمعترِضِ ولليمين، فكأنه أراد: والقرآن ذى الذكرِ، لَكُمْ أهلكنا. فلما اعترض قولُه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ صارت ﴿كَمْ﴾ جوابًا للعزَّةِ واليمين. قال: ومثله قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]. اعترَض دونَ الجوابِ قولُه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهُمَها﴾. فصارَت ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ تابعةً لقولِه: ﴿فَأَلْهْمَهَا﴾. وكفى من جوابِ القسمِ، فكأنه قال: والشمسِ وضحاها لقد أفلِح (٣).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندى القولُ الذي قاله قتادةُ، وأن قولَه: ﴿بَلِ﴾
стр. 13409
لما دلَّت على التكذيب، وحلَّت محلَّ الجواب، استُغْنى بها من الجواب، إذ عُرِف المعنى، فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: ﴿ص وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ﴾، ما الأمرُ كما يقولُ هؤلاء الكافرون، بل هم في عزّةٍ وشقاقٍ.
وقولُه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بل الذين كفَروا بالله من مشرِكي قريشٍ في حميةٍ ومُشاقَّةٍ وفراقٍ لمحمدٍ وعداوةٍ، وما بهم ألاَّ يكونوا أهلَ علمٍ بأنه ليس بساحرٍ ولا كذابٍ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾. قال: مُعازِّينَ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. أي: في حميةٍ وفراقٍ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. قال: يعادُونَ أمرَ اللهِ ورسلَه وكتابَه ويشاقُّون، ذلك عزةٌ وشقاقٌ. فقلتُ له: الشقاقُ الخلافُ؟ فقال: نعم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ
стр. 13410
مَنَاصٍ﴾.
يقولً تعالى ذكرُه: كثيرًا أهلكنا من قبلِ هؤلاء المشركين من قريشٍ، الذين كذَّبوا رسولنا محمدًا ﷺ فيما جاءهم به من عندِنا من الحقِّ - ﴿مِّن قَرْنٍ﴾. يعني: من الأمم الذين كانوا قبلهَم، فسلَكوا سبيلَهم في تكذيب رسلهم فيما أتَوهم به من عندِ اللهِ، ﴿فَنَادَوا﴾. يقولُ: فعَجُّوا إلى ربِّهم، وضجُّوا واستغاثُوا بالتوبة إليه حين نزَل بهم بأسُ اللَّهِ، وعاينُوا به عذابَه، فرارًا من عقابِه، وهربًا من أليمِ عذابِه، ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. يقولُ: وليس ذلك حينَ فرارٍ ولا هربٍ من العذابِ بالتوبةِ وقد حقَّت كلمة العذابِ عليهم، وتابوا حينَ لا تنفعُهم التوبةُ، واستقالُوا في غيرِ وقت الإقالِة.
وقوله: ﴿مَنَاصٍ﴾: مَفْعَلٌ من النَّوْصِ، والنوصُ في كلامِ العربِ التأخرُ، والمناصُ المَفْرُ (١)؛ ومنه قولُ امرئِ القيسِ (٢):
أمِنْ ذكرٍ سَلمَى إِذْ نَأَتْكَ تَنُوصُ … فتَقصُرُ عنها خُطوَةً أو تبوصُ
يقولُ: أو تَقَدَّمُ. يقالُ من ذلك: ناصَنى فلانٌ. إذا ذَهب عنك، وباصَني. إذا سبَقك، وناض في البلادِ. إذا ذَهب فيها، بالضادِ. وذكر الفراءُ أن العقيليَّ أنشَده:
إذا عاشَ إِسْحَاقٌ وَشَيْخُهُ لم أُبَلْ … فَقِيدًا وَلَمْ يَصْعُبْ عَلَىَّ مَناضُ
ولَوْ أَشْرَفَتْ مِنْ كُفَّةِ السِّتْرِ عاطِلًا … لَقُلْتُ غَزَالٌ ما عَلَيْهِ خُضَاضُ
والخضاض: الحليُّ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 13411
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليس بحينِ نَزوٍ، ولا حينِ فرارٍ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ علية (٢)، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، قال: ليس بحينِ نَزوٍ ولا فرارٍ؛ ضُبط القومُ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن أبي إسحاقَ الهمدانيِّ، عن التميميِّ، قال: سأَلتُ ابنَ عباسٍ عن (٤) قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليس حينَ نزوٍ ولا فرارٍ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليسَ حينَ نَزو ولا فرارٍ.
حدثني عليٌّ، قال: ثنا عبدً اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. يقولُ: ليسَ حينَ مَغاثٍ (٦).
стр. 13412
حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليس هذا بحينِ فرارٍ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: نادى القومُ على غير حين نداءٍ، وأرادُوا التوبةَ حين عايَنوا عذابَ الله، فلم يُقبل منهم ذلك (٢).
حدَّثنا محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: حينَ نزَل بهم العذابُ لم يستطيعوا الرجوعَ إلى التوبةِ، ولا فرارًا من العذابِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. يقولُ: وليس حينَ فرارٍ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾: ولاتَ حِينَ مَنْجِّى ينجُون منه.
ونُصب ﴿حِينَ﴾ في قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ تشبيها لـ"لات" بـ"ليس"، وأُضمِر فيها اسمُ الفاعل.
وحكَى بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ الرفعَ مع "لاتَ" في "حينُ"، زُعم أن
стр. 13413
بعضهم رفَع: (وَلَاتَ حِينُ مَناصٍ) فجعَله في قولِه مثلَ (١) "ليس"، كأنه قال: ليس. وأضمَر الخبرَ. قال: وفي الشعرِ (٢):
طلَبوا صُلْحَنا ولاتَ أوانِ … فأجَبنا أن ليسَ حينَ بقاءِ
فجرَّ (أوان)، وأضمَر الحيَن، [وأضاف] (٣) إلى "أوان"؛ لأن "لاتَ" لا تكونُ إلا مع الحينِ. قال: ولا تكونُ "لات" إلا مع "حين" (٤).
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٥): من العرب من يضيفُ "لاتَ" فيخفضُ بها، وذكَر أنه أُنْشِد:
* لاتَ ساعةِ مَندَمِ *
بخفضِ الساعةِ، قال: والكلام أن يُنصب بها؛ لأنها في معنى "ليس". وذكَر أنه أُنشِد:
تَذَكَّرَ حَبَّ ليلى لاتَ حينا … وأضحَى الشيبُ قد قطع القرينا
قال: وأنشدني بعضُهم:
طلبوا صُلْحَنا ولات أوان … فأجَبنا أن ليسَ حيَن بقاءِ
بخفضِ "أوان". قال: وتكونُ "لات" مع الأوقات كلِّها.
واختلَفوا في وجهِ الوقفِ على قولِهِ (٦) ﴿وَلَاتَ حِينَ﴾؛ فقال بعضُ أهلِ
стр. 13414
العربية: الوقفُ عليه "ولاتْ" بالتاءِ، ثم يُبتدأُ: حينَ مناصٍ. قالوا: وإنما هي "لا" التي بمعنى "ما" و"إن" في الجحدِ، وُصِلَت بالتاءِ، كما وُصِلت "ثُمَّ" بها، فقيل: "ثُمَّت"، وكما وُصِلَت "ربَّ"، فقيل: "رُبَّت".
وقال آخرون منهم: بل هى هاءٌ زيدت في "لا"، فالوقفُ عليها "لاه"؛ لأنها هاءٌ زيدت للوقفِ، كما زيدَت في قولِهم (١):
العاطِفُونَةَ حِينَ ما مِنْ عاطِفٍ … والمُطْعِمُونَةَ حِينَ أَيْنَ المُطعِمُ
فإذا وُصِلت صارت تاءً.
وقال بعضُهم: الوقفُ على "لا"، والابتداءُ بعدَها "تحينَ"، وزعَم أن حكمَ التاءِ أن تكونَ في ابتداءِ "حينَ"، و"أوانَ"، و"الآنَ"؛ ويَسْتَشْهِدُ لقيلِه ذلك بقولِ الشاعرِ (٢):
نَوِّلِي قبل يومِ سَبي جمانا … وصِلينا كما زَعَمْتِ تَلانا
وأنَّه ليس هاهنا "لا"، فيُوصَلَ بها هاءٌ أو تاءٌ. ويقولُ: إن قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ﴾، إنما هي ليس "حينَ"، ولم توجد "لاتَ" في شيءٍ مِن الكلام (٣).
والصواب من القولِ في ذلك عندَنا، أن "لا" حرفُ جحدٍ كـ "ما" وإن وُصلت بهاءٍ تصيرُ في الوصلِ تاءً، كما فعلتِ العربُ ذلك بالأدواتِ، ولم تستعملْ ذلك (٤) للعلةِ التى اعتلَّ بها القائلُ أنه لم يجدْ "لاتَ" في شيءٍ من كلامِ العربِ،
стр. 13415
فيجوزَ توجيهُ قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ﴾ إلى ذلك؛ لأنها تستعملُ الكلمةَ في موضعٍ، ثم تستعمِلُها في موضعٍ آخر بخلافِ ذلك، وليس ذلك بأبعدَ في القياسِ من الصحةِ من قولِهم: رأيتُ. بالهمز، ثم قالوا: فأنا أراه. بتركِ الهمزِ؛ لما جرَى به استعمالُهم، وما أشبَه ذلك من الحروف التى تأتى في موضع على صورةٍ، ثم تأتى بخلافِ ذلك في موضعٍ آخر؛ للجارى من استعمال العرب ذلك بينَها. وأما ما استشهَد به من قول الشاعرِ: "كما زعَمْتِ تَلانا". فإن ذلك منه غلطٌ في تأويلِ الكلمِة، وإنما أراد الشاعرُ بقولِه: "وصِلينا كما زعَمْتِ تَلانا": وصلينا كما زعَمتِ أنتِ الآن، فأسقَط الهمزةَ من "أنتِ"، فَلَقِيتِ التاءُ من "زعمتِ" النونَ من "أنت"، وهى ساكنةٌ، فسقطَت من اللفظِ، وبقيَتِ التاءُ من "أنت"، ثم حذفت الهمزة من من "الآنَ"، فصارت الكلمة في اللفظ كهيئةِ" تلانَ"، والتاء الثانية على الحقيقةِ منفصلةٌ من "الآنَ"؛ لأنها تاءُ "أنتِ"، وأما زعمُه أنه رأَى في المصحفِ الذي يقالُ له: "الإمامُ". التاء متصلةً بـ ﴿حِينَ﴾ (١)، فإن الذي جاءت به مصاحفُ المسلمين في أمصارِها، هو الحجةُ على أهلِ الإسلامِ، والتاءُ في جميعها منفصلةٌ عن ﴿حِينَ﴾؛ فلذلك اختَرنا أن يكونَ الوقفُ على الهاءِ في قولِه: ﴿وَلَاتَ حِينَ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾.
يقولً تعالى ذكرُه: وعجب هؤلاء المشركون من قريشٍ، أنْ جاءهم منذرٌ يُنذرُهم بأسَ اللهِ على كفرِهم به من أنفسِهم، ولم يأتِهم بملَكٍ من السماءِ بذلك، ﴿وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. يقولُ: وقال المنكِرون وحدانيةَ اللهِ: هذا - يعنون محمدا ﷺ - ساحرٌ كذابٌ.
стр. 13416
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾: يعني محمدًا ﷺ ، فـ ﴿قَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿سَاحِرٌ كَذَابٌ﴾. يعني محمدًا ﷺ .
وقولُه: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهَا وَحِدًا﴾. يقولُ: وقال هؤلاء الكافرون الذين لا قالوا: محمدٌ ساحرٌ كذابٌ: أجعل محمدٌ المعبوداتِ كلَّها معبودًا (٢) واحدًا، يسمَعُ دعاءَ جميعِنا، ويعلمُ عبادةَ كلِّ عابدٍ عبَدَه منا؟! ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. أي: إِن هذا لشيءٌ عجيبٌ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. قال: عجب المشركون أن دُعُوا إلى اللهِ وحدَه، وقالوا: يسمعُ لحاجاتِنا جميعًا إلهٌ واحدٌ؟! ما سمِعنا بهذا في الملةِ الآخرِة.
وكان سبب قيل هؤلاء المشركين ما أخبَر اللهُ عنهم أنهم قالوه من ذلك، أن رسول الله ﷺ قال لهم: "أسألُكم أنْ تُجيبونى إلى واحدةٍ تدينُ لكم بها العربُ، وتُعطيكم بها الخَراجَ العَجَمُ". فقالوا: وما هي؟ فقال: "تقولون: لا إله إلا الله". فعندَ ذلك قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾؟! تعجبًا منهم من ذلك.
стр. 13417
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا عبّادٌ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما مرِض أبو طالبٍ دخَل عليه رهطٌ من قريشٍ فيهم أبو جهلِ بنُ هشامٍ، فقالوا: إن ابنَ أخيك يشتُمُ آلهتنا، ويفعلُ ويفعلُ، ويقولُ ويقولُ، فلو بعَثْت إليه فنهيتَه، فبعَث إليه، فجاء النبي ﷺ ، فدخَل البيتَ، وبينَهم وبينَ أبي طالب قدرُ مجلسِ رجلٍ. قال: فخشي أبو جهلٍ إن جلَس إلى جنبِ أبي طالبٍ أن يكون أرقَّ له عليه، فوثَب فجلَس في ذلك المجلسِ، ولم يجِدْ رسولُ اللهِ ﷺ مجلسًا قربَ عمِّه، فجلَس عندَ البابِ، فقال له أبو طالبٍ: أي ابنَ أخي، ما بالُ قومِك يشكُونك؟ يزعُمون أنك تشتُمُ آلهتَهم، وتقولُ وتقولُ! قال: فأكثَروا عليه القولَ. وتكلَّم رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: "يا عَمِّ إني أريدُهم على كلمةٍ واحدةٍ يقولونها، تَدينُ لهم بها العربُ، وتؤدِّى إليهم بها العَجَمُ الجزيةَ". ففزِعوا لكلمته ولقولِه، فقال القومُ: كلمةً واحدةً؟! نعم وأبيك عشرًا. فقالوا: وما هي؟ فقال أبو طالبٍ: وأيُّ كلمةٍ هى يا بنَ أخي؟ قال: "لا إله إلا الله". قال: فقاموا فزِعين ينقُضُون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾! قال: ونزَلَت من هذا الموضعِ إلى قولِه: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. اللفظ لأبي كُرِيبٍ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بن هشام، عن سفيانَ، [عن الأعمش] (٢)، عن يحيى بنِ عُمارةً، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: مرِض أبو طالبٍ، فأتاه رسولُ اللهِ ﷺ يعودُه، وهم حولَه جلوسٌ، وعندَ رأسِه مكانٌ فارغٌ، فقام أبو جهلٍ
стр. 13418
فجلَس فيه، فقال أبو طالبٍ: يا بن أخي، ما لقومك يشكُونك؟ قال: "يا عَمِّ، أريدُهم على كلمةٍ تَدِينُ لهم بها العربُ، وتؤدِّى إليهم بها العَجَمُ الجزية". قال: ما هى؟ قال: "لا إله إلا الله". فقاموا وهم يقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾. ونزل القرآنُ: ﴿ص وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ﴾: ذى الشرفِ، ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ حتى قوله: ﴿أَجَعَلَ الأَلِهَةَ إِلَهًا وَحِدًا﴾ (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن يحيى بن عُمارةً، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: مرض أبو طالبٍ. ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه لم يقلْ: ذى الشرفِ. وقال: إلى قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٍ عُجَابٌ﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن يحيى بنِ عُمارةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، [عن ابنِ عباسٍ] (٣) قال: مرِض أبو طالبٍ. قال: فجاء النبيُّ ﷺ يعودُه، فكان عندَ رأسِه مَقعَدُ رجلٍ، فقام أبو جهل فجلَس فيه، فشكَوا النبي ﷺ إلى أبي طالبٍ، وقالوا: إنه يقعُ في آلهتنا. فقال (٤): يا بن أخي، ما تريدُ إلى هذا؟ قال: "يا عمِّ، إنما (٥) أريدُهم على كلمةٍ تَدينُ لهم بها العرب، وتؤدى إليهم العَجَمُ الجزية". قال: وما هى؟ قال: "لا إله إلا الله". فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٦)!
стр. 13419
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وانطلق الأشرافُ من هؤلاء الكافرين من قريشٍ، القائلين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ بأن امضُوا فاصبروا على دينكم وعبادة آلهتِكم ف ﴿أَنِ﴾ من قوله: ﴿أَنِ امْشُوا﴾ في موضع نصبٍ، يتعلق انطلقوا بها، كأنه قيل: انطلِقوا مشيّا، ومُضيًّا على دينِكم. وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وانطَلَق الملأُ منهم يمشُون، أن اصبِروا على آلهتِكم) (١).
وذكِر أن قائلَ ذلك كان عُقْبَةَ ابن أبى مُعَيْطٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾. قال: عقبةُ بن أبي معيطٍ (٢).
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾. أي: إن هذا القول الذى يقول محمدٌ، ويدعونا إليه، من قول: لا إلهَ إلا اللهُ. شيءٌ يريدُه منا محمدٌ، يطلبُ به الاستعلاءَ علينا، وأن نكونَ له فيه أتباعًا، ولسنا مُجيبيه إلى ذلك.
وقولُه: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. اختلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: ما سمِعنا بهذا الذى يدعونا إليه محمدٌ؛ من البراءةِ من جميعِ الآلهة إلا من اللهِ تعالى ذكرُه، وبهذا الكتابِ الذي جاء به - في الملةِ النصرانية. قالوا: وهى الملةُ الآخرةُ.
стр. 13420
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: النصرانية (١).
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباس قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾: يعنى: النصرانية، فقالوا: لو كان هذا القرآنُ حقًّا، أخبَرَتْنا به النصارى (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ إسحاق، قال: ثنا يحيى بنُ معينٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن ابن أبى لبيدٍ، عن القُرظِيِّ في قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. قال: ملةِ عيسى (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ (٤): النصرانية (٥).
وقال آخرون: بل عَنَوا بذلك: ما سمِعنا بهذا في دينِنا؛ دينِ قريشٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. قال: ملةِ قريشٍ.
стр. 13421
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. قال: ملةِ قريشٍ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. أي: في ديننا هذا، ولا في زماننا قطُّ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ (٣): الدين الآخِرِ. قال: والملةُ الدينُ.
وقيل: إن الملأَ الذين انطلَقوا نفرٌ من مشيخةِ قريشٍ؛ منهم أبو جهلٍ، والعاصُ ابنُ وائل، والأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباط، عن السدىٍّ: أن ناسًا من قريش اجتمعوا؛ فيهم أبو جهلِ بنُ هشامٍ، والعاص بنُ وائل، والأسودُ بنُ المطلب، والأسودُ بنُ عبدِ يغوث، في نفرٍ من مشيخة قريشٍ، فقال بعضُهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبى طالب، فلنكلِّمه فيه، فلْيُنصِفْنا منه، فيأمره فَلْيَكُفَّ عن شتم آلهتنا، ونَدَعَه وإلهَه الذي يَعبُدُ، فإنا نخافُ أن يموت هذا الشيخُ، فيكونَ مِنَّا شيء، فتُعَيّرنا العربُ؛ يقولون: تَرَكوه حتى إذا مات عمُّه تناولُوه. قال: فبعثوا رجلًا منهم يُدعَى المطَّلبَ، فاستأذن لهم على أبي طالبٍ، فقال: هؤلاء
стр. 13422
مشيخةُ قومك وسَرَواتُهم يستأذنون عليك. قال: أدخلهم. فلما أُدخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمُرْه فليكُفَّ عن شتم آلهتنا، ونَدَعَه وإلهَه. قال: فبعث إليه أبو طالب؛ فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا بنَ أخى، هؤلاء مشيخة قومك وسَرَواتُهم، وقد سألوك النَّصَفَ؛ أن تكفَّ عن شتم آلهتهم، ويَدَعُوك وإلهَك. قال: فقال: "أي عَمِّ، أَوَ لا أَدْعُوهم إلى ما هو خيرٌ لهم منها؟ ". قال: وإلامَ تدْعُوهم؟ قال: "أدْعُوهم إلى أن يتكلموا بكلمةٍ تَدين لهم بها العربُ، ويملكون بها العَجَمَ". قال: فقال أبو جهل من بين القومِ: ما هى وأبيك؟ لنُعطِينَّكَها وعشرَ أمثالِها. قال: "تقولون: لا إله إلا الله". قال: فنفَروا وقالوا: سَلْنا غيرَ هذه. قال: "لو جئتُموني بالشمسِ حتى تضعوها في يدى، ما سألتكم غيرَها". قال: فغضبوا، وقاموا من عنده غضابًا، وقالوا: واللَّهِ لنشتُمَنَّك وإلهك (١) الذى يأمرك بهذا. ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. وأقبل على عمِّه، فقال له عمِّه: يا بنُ أخى، ما شطَطْتَ عليهم. فأقبل على عمِّه، فدعاه فقال: "قل كلمةً أَشْهَدُ لك بها يومَ القيامةِ، تقول: لا إله إلا الله". فقال: لولا أن تعيبَكم بها العربُ، يقولون: جزِع من الموتِ لأعطَيتُكها، ولكن على ملةِ الأشياخِ. قال: فنزلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (٢) [القصص: ٥٦].
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾. قال: نزلت حين انطلق أشراف قريشٍ إلى أبي طالبٍ، فكلَّموه في
стр. 13423
النبي ﷺ (١).
وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. يقول تعالى ذكرُه مخبرا عن قيل هؤلاء المشركين في القرآن: ما هذا القرآن إلا اختلاقٌ. أي: كذبٌ اختلقه محمدٌ وتخرَّصه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. يقولُ: تخريصٌ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. قال: كذبٌ (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بنُ أبي بَزَّةَ، عن مجاهد: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. يقولُ: كذبٌ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾: إلا شيءٌ تَخَلَّقَه (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن
стр. 13424
السديِّ: ﴿إِن هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ اختلَقه محمدٌ ﷺ .
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾: قالوا: إن هذا إلا كذبٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرا عن قيل هؤلاء المشركين من قريش: أَأُنزلَ على محمدٍ الذكرُ من بيننا، فخُصَّ به، وليس بأشرفَ منا حسبًا؟!
وقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء المشركين ألَّا يكونوا أهلَ علمٍ بأن محمدًا صادقٌ، ولكنهم في شكّ من وحيِنا إليه، وفي هذا القرآنِ الذى أنزَلناه إليه أنه مِن عندِنا، ﴿بَل لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابٍ﴾. يقولُ: بل لم ينزِلْ بهم بأسُنا، فيَذوقوا وبالَ تكذيبِهم محمدًا، وشكِّهم في تنزيلِنا هذا القرآن عليه، ولو ذاقوا العذابَ على ذلك علِموا وأيقَنوا حقيقةً ما هم به مكذِّبون، حينَ لا ينفعُهم علمُهم.
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم عندَ هؤلاء المشركين المنكرين وحىَ اللهِ إلى محمدٍ ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾. يعني: مفاتيحُ رحمةِ ربِّك يا محمدُ، ﴿الْعَزِيزِ﴾ في سلطانِه، ﴿الْوَهَّابِ﴾ لمن يشاءُ من خلقِه ما يشاءُ، من مُلكٍ وسلطانٍ ونبوةٍ - فيَمنَعوك يا محمدُ ما منَّ اللهُ به عليك من الكرامةِ، وفضَّلك به من الرسالة.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾.
стр. 13425
يقولُ تعالى ذكرُه: أم لهؤلاء المشركين الذين هم في عِزةٍ وشقاقٍ ﴿مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فإنه لا يُعازُّنى ويُشاقُّنى [إلا من [كان له] (١) ذلك. يقولُ: ليس ذلك لأحدٍ غيرى، فكيف يُعازُّنى ويشاقُّني] (٢) مَن كان في مُلكي وسلطاني!
وقولَه: ﴿فَلْيَرَتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. يقولُ: وإن كان لهم مُلكُ السماواتِ والأرض وما بينهما، فلْيَصْعدوا في أبواب السماءِ وطُرقها، فإِنَّ مَن كان له مُلكُ شيءٍ، لم يتعذَّر عليه الإشرافُ عليه وتفقُّدُه وتعهُّدُه.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الأسبابِ التي ذكَرها اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضهم: عُنِى بها أبوابُ السماءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعُا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. قال: طُرقِ السماءِ وأبوابِها (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ﴾. يقولُ: في أبوابِ السماءِ (٤).
стр. 13426
حدَّثنا محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمد بنُ المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدى: أما قوله: ﴿فِي الْأَسْبَابِ﴾. قال: أسباب السماوات.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. قال: طُرقِ السماواتِ.
حُدِّثْتُ عن المحاربيٍّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاك: ﴿أَمْ لَهُم مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقول: إن كان لهم ملكُ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما، ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. يقولُ: فليرتقُوا إلى السماءِ السابعةِ (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلْيَرَتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. يقولُ: في السماءِ (٢).
وذُكِر عن الربيع بنِ أنسٍ في ذلك ما حُدِّثْتُ عن المسيب بنُ شريكٍ، عن أبى جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيع بنُ أنسٍ، قال: الأسباب أدقُّ من الشعر، وأشدُّ من الحديد، وهو بكلِّ مكان غير أنه لا يُرَى (٣).
وأصلُ السببِ عندَ العربِ كلُّ ما تسبَّب به إلى الوصولِ إلى المطلوبِ؛ من حبلٍ، أو وسيلةٍ، أو رَحِمٍ، أو قرابةٍ، أو طريق، أو محجَّة، وغير ذلك.
وقولُه: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هم ﴿جُندٌ﴾. يعنى الذين في عزة وشقاقٍ، ﴿هُنَالِكَ﴾. يعني: ببدرٍ ﴿مَهْزُومٌ﴾.
стр. 13427
وقولُه: ﴿هُنَالِكَ﴾ من صلةِ ﴿مَهْزُومٌ﴾.
وقولُه: ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. يعنى: من أحزابِ إبليسَ وأتباعِه، الذين مضَوا قبلَهم فأهلَكهم اللهُ بذنوبِهم.
و ﴿مِّنَ﴾ من قوله: ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. من صلةِ قوله: ﴿جُندٌ﴾.
ومعنى الكلامِ: هم جندٌ من الأحزاب مهزومٌ هنالِك. ﴿مَّا﴾ في قوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾ صلةٌ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: قريشٌ، ﴿مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: القرون الماضية (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾. قال: وعَده اللَّهُ وهو بمكة يومَئِذٍ أنه سيهزم جندًا من المشركين، فجاء تأويلها يومَ بدرٍ (٢).
وكان بعضُ أهل العربية يتأوَّلُ ذلك: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: مغلوبٌ عن أن يصعدَ إلى السماء.
стр. 13428
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبت قبلَ هؤلاء المشركين مِن قريش، القائلين: أجعَل الآلهة إلهًا واحدًا. رسلَها - قومُ نوحٍ، وعادٌ، وفرعونُ ذو الأوتادِ.
واختلف أهلُ العلم في السبب الذى من أجلِه قيل لفرعونَ: ﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾؛ فقال بعضُهم: قيل ذلك له؛ لأنَّه كانت له ملاعبُ من أوتادٍ، يُلْعَبُ له عليها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدِّثتُ عن عليِّ بنُ الهيثمِ، عن عبد الله بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾. قال: كانت ملاعبُ يُلعب له تحتَها (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان له أوتاد وأرسانٌ (٢)، وملاعبُ يُلعبُ له عليها (٣).
وقال آخرون: بل قيل ذلك له كذلك؛ لتعذيبه الناسَ بالأوتادِ.
стр. 13429
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قوله: ﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان يعذِّبُ الناس بالأوتاد، يعذِّبُهم بأربعةِ أوتادٍ، ثم يرفعُ صخرةً تُمدُّ بالحبالِ، ثم تُلْقَى عليه فتشدَخُه (١).
حدِّثت عن عليِّ بنُ الهيثمِ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بنُ أنسٍ، قال: كان يعذبُ الناس بالأوتادِ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ذو البنيانِ. قالوا: والبنيانُ هو الأوتادُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن المحاربيِّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾. قال: ذو البنيان (٢).
وأشبه الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك الأوتادُ؛ إما لتعذيبِ الناسِ، وإما للعبٍ كان يُلْعَبُ له بها، وذلك أن ذلك هو المعروفُ من معنى الأوتاد.
﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾. وقد ذكرنا أخبارَ كلِّ هؤلاء فيما مضَى قبلُ من كتابِنا هذا، ﴿وَأَصْحَبُ لَئَيْكَةِ﴾. يعنى: وأصحابُ الغَيْضةِ.
وكان أبو عمرو بنُ العلاءِ فيما حُدِّثتُ عن معمرِ بنِ المثنى، عن أبي عمرٍو، يقولُ: الأيكةُ الحَرجةُ من النبعِ والسِّدر وهو الملتفُّ، ومنه قولُ الشاعرِ:
стр. 13430
أفمِن بكاءِ حمامةٍ في أَيْكَةِ … يَرْفَضُّ دَمْعُكَ فوقَ ظهرِ المِحْمَلِ
يعنى مِحْمَل السيفِ (١).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَصْحَابُ لْئَيْكَةِ﴾. قال: كانوا أصحابَ شجرٍ. قال: وكان عامَّةُ شجرِهم الدَّوْمَ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمد بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ قوله: ﴿وَأَصْحَابُ لْئَيْكَةِ﴾. قال: أصحابُ الغَيْضةِ (٣).
وقوله: ﴿أَوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الجماعاتُ المجتمعةُ، والأحزابُ المتحزِّبةُ على معاصى اللهِ والكفرِ به، الذين منهم يا محمدُ مشرِكو قومِك، وهم مَسْلُوكٌ بهم سبيلُهم، ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾. يقولُ: ما كلُّ هؤلاء الأمم إلا كذَّب رسلَ اللهِ. وهى في قراءةِ عبدِ اللَّهِ فيما ذُكِر لي: (إِن كُلٌّ ما كَذَّب الرُّسلَ) (٤)، ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾. يقولُ: فوجَب عليهم عقابُ اللهِ إياهم (٥).
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقِّ عِقَابِ﴾. قال: هؤلاء كلُّهم قد كذَّبوا الرسلَ، فحقَّ عليهم العذابُ (٦).
стр. 13431
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ المشركون باللَّهِ من قريشٍ، ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾. يعنى بالصيحةِ الواحدةِ النفخةَ الأولى في الصُّورِ، ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾. يقولُ: ما لتلك الصيحةِ (١) من فِيقةٍ. يعنى: من فتورٍ ولا انقطاعٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا يَنظُرُ هَؤُلَاءِ إلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾. يعنى: أمةً محمد ﷺ ﴿مَّا لَهَا مِن فَواقٍ﴾ (٢).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بنُ رافعٍ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لمَّا فرَغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصُّورَ، فأعطاه إسرافيلَ، فهو واضعُه على فِيهِ، شاخصٌ ببصره إلى العرشِ، يَنْتَظِرُ متى يُؤْمرُ". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللَّهِ، وما الصُّورُ؟ قال: "قَرْنٌ". قال: كيف هو؟ قال: "قَرْن عظيمٌ، يُنفَخُ فيه ثَلاثُ نفخاتٍ؛ نفخةُ الفزع الأولى، والثانيةُ نفخةُ الصَّعْقِ، والثالثة نفخة القيامِ لربِّ العالمين، يأمرُ الله إسْرافيل بالنفخةِ الأولى، فيقولُ: انفخ نفخةَ الفزعِ. فيَفْزَعُ أهلُ السماواتِ وأهلُ الأرضِ إلا مَن شاء اللهُ، ويأمرُه اللهُ فَيُدِيمُها ويُطَوِّلُها فلا يفتُرُ، وهى التى يقولُ اللَّهُ: ﴿مَا يَنظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا
стр. 13432
صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ (١).
واختلَف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾؛ فقال بعضُهم: يعنى بذلك: ما لتلك الصيحة من ارتدادٍ ولا رجوعٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾. يقولُ: مِن تَرْدادٍ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿مَّا لَهَا مِن فَواقٍ﴾. يقولُ: ما لها من رجعةٍ (٣).
حدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَّا لَهَا مِن فَواقٍ﴾. قال: من رجوعٍ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا لَهَا مِن فَواقٍ﴾. يعنى الساعةَ، ما لها من رجوعٍ [ولا مَثْنَويَّةٍ] (٥) ولا ارتدادٍ (٦).
стр. 13433
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما لهؤلاء المشركين بعدَ ذلك إفاقةٌ، ولا رجوعٌ إلى الدنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مَّا لَهَا مِن فَواقٍ﴾. يقولُ: ليس لهم بعدَها إفاقةُ ولا رجوعٌ إلى الدنيا (١).
وقال آخرون: الصيحةُ فى هذا الموضعِ العذابُ. ومعنى الكلامِ: ما ينتظرُ هؤلاء المشركون إلا عذابًا يهلكهم، لا إفاقة لهم منه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾. قال: ما ينتظرون إلا صيحةً واحدةً ما لها من فَواقٍ، يالها من صيحةٍ لا يُفيقُون فيها كما يُفيقُ الذي يُغشَى عليه، وكما يفيقُ المريضُ - تهلكهم، ليس لهم فيها إفاقةٌ.
واختلفت القرأةُ فى قراءة ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأة المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفة: ﴿مِن فَوَاقٍ﴾. بفتحِ الفاءِ (٢)، وقرَأته عامة قرأة أهل الكوفة: (مِن فُوَاقٍ). بضمِّ الفاءِ (٣).
واختلف أهلُ العربية فى معناها إذا قُرِئت بفتحِ الفاءِ، وضمِّها؛ فقال بعضُ
стр. 13434
البصريين منهم: معناها إذا فُتِحت الفاءُ: ما لها من راحةٍ. وإذا ضُمَّت جعلها [مِن فُواقِ الناقةِ] (١): ما بينَ الحَلْبَتين.
وكان بعضُ الكوفيين منهم يقولُ: معنى الفتح والضم فيها واحدٌ، وإنما هما لغتان مثلُ السَّوَافِ (٢) والسُّوافِ، وجَمامِ المكُّوكِ (٣) وجُمامِه، وقَصاصِ الشَّعرِ وقُصاصِه.
والصوابُ من القول فى ذلك أنهما لغتان، وذلك أنَّا لم نجد أحدًا من المتقدِّمين على اختلافهم في قراءته يفرِّقون بين معنى الضمِّ فيه والفتحِ، ولو كان مختلِفَ المعنى باختلافِ الفتحِ فيه والضمِّ لقد كانوا فرَّقُوا بين ذلك في المعنى. فإذ كان ذلك كذلك، فبأيِّ القراءتين قرأ القارئ فمصيبٌ. وأصلُ ذلك من قولهم: أفاقت الناقةُ، فهي تُفِيقُ إفاقةً. وذلك إذا درَّت (٤) ما بين الرضعتين ولدَها إلى الرضعةِ الأخرى، وذلك أن تَرضَعَ البَهْمَةُ أمَّها، ثم تتركها حتى ينزل شيءٌ من اللبن، فتلك الإفاقةُ، يقالُ إِذا اجتمع ذلك فى الضَّرْعِ: فِيقةٌ (٥). كما قال الأعشى (٦):
حتى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجتمعت … جاءت لتُرضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لو رضَعا
وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشركون بالله من قريشٍ: يا ربَّنا عجِّل لنا كُتُبَنا قبلَ يومِ القيامةِ. والقِطُّ
стр. 13435
في كلام العربِ الصحيفةُ المكتوبةُ، ومنه قولُ الأعشى (١):
ولا الملِكُ النُّعمانُ يومَ لقيتَه … بنِعْمَتِه يُعْطِي القُطوطَ ويأفِقُ
يعنى بالقُطوطِ: جمعَ القِطِّ، وهي الكتبُ بالجوائزِ.
واختلف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى أراد هؤلاء المشركون بمسألتِهم ربَّهم تعجيلَ القِطِّ لهم؛ فقال بعضُهم: إنما سألوا ربَّهم تعجيلَ حظِّهم من العذابِ الذي أُعِدَّ لهم في الآخرة في الدنيا، كما قال بعضُهم: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾. يقولُ: العذابُ (٢)
حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. قال: سألوا الله أن يعجل لهم العذاب قبل يوم القيامةِ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾. قال: عذابَنا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
стр. 13436
قوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾. قال: عذابَنا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. أى: نصيبَنا؛ حظَّنا من العذابِ قبلَ يومِ القيامةِ. قال: قد قال ذلك أبو جهلٍ: اللهمَّ إن كان ما يقولُ محمدٌ حقًّا ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية (٢).
وقال آخرون: بل إنما سألوا ربَّهم تعجيلَ أنصِبائِهم [ومنازلِهم] (٣) من الجنةِ حتى يرَوها، فيعلَموا حقيقةَ ما يَعِدُهم محمدٌ ﷺ ، فيؤمنوا حينئذٍ به ويصدِّقوه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾. قالوا: أرِنا منازلنا في الجنة حتى نتابعَك (٤).
وقال آخرون: مسألتهم نصيبهم من الجنةِ، ولكنهم سأَلوا تعجيلَه لهم في الدنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ثابتٍ الحدَّاد، قال: سمِعتُ سعيدَ بنُ جُبَيرٍ يقولُ في قوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾.
стр. 13437
قال: نصيبنا من الجنةِ (١).
وقال آخرون: بل سألوا ربَّهم تعجيلَ الرزقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بنُ عليٍّ، قال: ثنا أشعثُ السِّجِسْتانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ بنُ أبي خالدٍ في قولِه: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾. قال: رزقَنا (٢).
وقال آخرون: [بل سأَلوا الله] (٣) أن يعجلَ لهم كتبَهم التي قال اللَّهُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥]. في الدنيا، لينظُروا بأيمانِهم يُعْطَوْنها أم بشمائلِهم؟ ولينظُروا من أهلِ الجنةِ هم، أم مِن أهلِ النارِ، قبلَ يومِ القيامةِ، استهزاءً منهم بالقرآنِ وبوعدِ اللهِ.
وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: إن القومَ سألوا ربَّهم تعجيلَ صِكاكِهم بحظوظِهم من الخيرِ أو الشرِّ، الذى وعَد اللهُ عبادَه أن يؤتِيَهموها (٤) في الآخرةِ، قبلَ يومِ القيامةِ في الدنيا، استهزاءً بوعيدِ اللَّهِ.
وإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن القِطَّ هو ما وصَفتُ من الكتبِ بالجوائزِ والحظوظِ، وقد أخبر اللهُ عن هؤلاءِ المشركين أنهم سأَلوه تعجيلَ ذلك لهم، ثم أتبع ذلك قولَه لنبيِّه: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. فكان معلومًا بذلك أن مسألتَهم ما سألوا النبي ﷺ لو لم تكن على وجه الاستهزاءِ منهم، لم يكُن بالذي يُتبع (٥) الأمرَ بالصبرِ
стр. 13438
عليه، ولكن لما كان ذلك استهزاءً، وكان فيه لرسول الله ﷺ أَذًى، أمره الله بالصبرِ عليه منهم، حتى يأتيَه قضاؤُه فيهم، ولما لم يكنْ فى قولِه: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾. بيانُ أى (١) القُطوطِ [أراد بهم] (٢) لم يكنْ لنا توجيهُ ذلك إلى أنه معنيٌّ به القُطوطُ، ببعضِ معانى الخير أو الشرِّ؛ فلذلك قلنا: إن مسألتهم كانت (٣) بما ذكرتُ من حظوظِهم من الخير والشرِّ.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾.
يقول تعالى ذكرُه لنبيه محمد ﷺ : اصبر يا محمدُ، على ما يقولُ مُشركو قومِك لك مما تَكْرَهُ قِيلَهم لك، فإنَّا مُمتَحِنوك بالمكاره، امْتِحانَنا سائرَ رُسُلِنا قبلك، ثم جاعِلو العُلُوِّ والرِّفْعَةِ والظَّفَرِ لك، على مَن كَذَّبك وشاقَّك، سُنَّتُنا في الرسل الذين أرْسَلْناهم إلى عبادِنا قبلَك؛ فمنهم عبدُنا أيوب وداودُ بنُ إِيشَا فاذكُره، ذا الأيدِ، ويعنى بقوله: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾: ذا القُوَّةِ والبَطْش الشديد في ذاتِ الله، والصبرِ على طاعتِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 13439
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾. قال: ذا القوَّةِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثني أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾. قال (٢): القوَّةِ فى طاعةِ اللهِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾. قال: أُعْطِى قوةً فى العبادة، وفِقهًا في الإسلام، وقد ذُكر لنا أن داودَ ﷺ كان يقومُ الليل ويصومُ نصفَ (٤) الدهرِ (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾. [قال: ذو] (٦) القوة في طاعة الله (٧).
حدَّثني يونسُ قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿دَاوُودَ ذَا
стр. 13440
الْأَيْدِ﴾. قال: ذو (١) القوَّةِ فى عبادة (٢) الله. الأيدُ: القوة. وقَرَأَ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]. قال: بقُوَّةٍ (٣).
وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ: إن داودَ رَجَاعٌ مِمَّا (٤) يَكْرَهُهُ اللهُ إِلى مَا يُرْضِيه، تَوَّابٌ (٥). وهو مِن قولِهم: آبَ الرجلُ إلى أهلِه. إذا رجَع.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: رَجَّاعٌ عن الذنوبِ (٦).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (٧)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: الراجعُ عن الذنوبِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. أى: كان مُطِيعًا للهِ، كثير الصلاةِ (٨).
стр. 13441
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدى قولَه: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: المُسَبِّحُ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: الأَوَّابُ: التوابُ الذى يَتُوبُ إلى طاعةِ اللهِ ويَرْجِعُ إليها، ذلك الأَوَّابُ. قال: والأَوَّابُ المُطِيعُ (٢).
وقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ﴾ يُسَبِّحن (٣) مع داودَ ﴿بِالْعَشِيِّ﴾، وذلك من وقت العصر إلى الليل، ﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾، وذلك بالغَدَاةِ وَقتَ الضُّحَى. ذُكر أن داود كان إذا سَبَّح سبَّحَتْ معه الجبالُ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾: يُسَبِّحْنَ مع داود إذا سبح بالعَشِى والإشراق (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾. قال: حينَ تُشْرِقُ الشمسُ وتَضْحَى (٥).
حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا محمد بنُ بشرٌ، عن مِسْعَرٍ، عن (٦) عبد الكريم، عن
стр. 13442
موسى بنُ أبي كثير، عن ابنِ عباسٍ، أنه بَلَغه أن أمَّ هانئ ذكَرَت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة صلَّى الضُّحَى ثمانَ رَكَعَاتٍ، فقال ابن عباس: قد ظَنَنْتُ أن لهذه الساعةِ صلاةً؛ يقولُ الله: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (١).
حدَّثنا ابن عبد الرحيم البرقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمَةَ، قال: ثنا صَدَقَةُ، قال: ثنى سعيدٌ بنُ أبي عروبة، عن أبى المتوكل، عن أيوبَ بنِ صَفْوانَ، عن عبدِ الله بنُ الحارثِ بنِ نَوْفلٍ، أن ابنَ عباسٍ كان لا يُصَلِّى الضُّحَى. قال: فأَدْخَلْتُه على أمِّ هانئٍ، فقلتُ: أخبرى هذا بما أخبرتنى به. فقالت أم هانئٍ: دخل عليَّ رسول الله ﷺ يومَ الفتحِ فى بيتى، فأمر بماءٍ فصُبَّ (٢) في قَصعةٍ، ثم أمر بثوبٍ فأخذ بيني وبينَه، فاغتسل، ثم رَشَّ ناحيةَ البيتِ، فصلَّى ثمانَ ركعاتٍ، وذلك من الضُّحَى؛ قيامُهنَّ وركوعُهنَّ وسُجُودُهنَّ وجُلُوسُهِنَّ سواءٌ (٣)، قَريبٌ بعضُهن مِن بعضٍ. فخرج ابنُ عباسٍ وهو يقولُ: لقد قرأتُ ما بين اللَّوحَين فما عرَفتُ صلاةَ الضُّحَى إلا الآن: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، وكنتُ أقولُ: أين صلاةُ الإشراقِ؟ ثم قال بَعْدُ: هُنَّ صلاة الإشراقِ (٤).
حدَّثنا عمرو بنُ علي، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن مُتَوكَّل، عن أيوب بنُ صَفْوانَ، مولى عبدِ اللهِ بنِ الحارث، [عن عبدِ اللهِ بنِ الحارث] (٥)، أن أم هانئ ابنة أبي طالبٍ، حَدَّثَتْ أن رسول الله ﷺ يوم الفتحِ دخَل
стр. 13443
عليها. ثم ذكَر [نحوَه (١).
وعن] (٢) ابن عباسٍ في قوله: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ﴾ مثل ذلك (٣).
وقوله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾. يقول تعالى ذكرُه: وسخَّرْنا الطيرَ يُسَبِّحْنَ معه محشورة، يعنى مجموعة له. ذُكر أنه ﷺ كان إذا سبَّح أجابته الجبال، واجْتَمَعَت إليه الطيرُ فَسَبَّحت معه، واجتماعُها إليه كان حَشْرَها (٤).
وقد ذكرنا أقوالَ أهلِ التأويلِ في معنى الحشرِ فيما مضَى (٥)، فكَرِهنا إعادته.
وكان قتادةُ يقولُ في ذلك في هذا الموضعِ ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾: مُسَخَّرةً (٦).
وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ: كلُّ ذلك له مُطيعٌ، رَجَّاعٌ إلى طاعتِه وأمرِه. ويعنى بالكُلِّ: كلَّ الطير.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. أي: مُطيعٌ (٧).
стр. 13444
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. قال: كلٌّ له مُطِيعٌ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: كلُّ ذلك للهِ مُسَبِّحٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: [﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ: مُسَبِّحٌ للهِ (٢).
وقوله] (٣): ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. [اخْتَلَف أهل التأويل في المعنى الذي به شُدِّد مُلكُه؛ فقال بعضُهم: شُدّد ذلك بالجنودِ والرجالِ] (٣)؛ فكان يَحْرُسُه كلَّ يومٍ وليلةٍ أربعةُ آلافٍ، [أربعة آلاف.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال: كان يحرُسُه كل يوم وليلةٍ أربعة [آلافٍ، أربعة آلاف]] (٤)(٥)(٦).
стр. 13445
وقال آخرون: كان الذى شُدَّد به مُلْكُه، أن أُعْطِي هَيبةً مِن الناسِ له؛ لقضيةٍ كان قَضاها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني ابنُ حربٍ، قال: ثنا موسى، قال: ثنا داودُ، عن [عِلْباءَ بنِ أَحمرَ] (١)، عن عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، أن رجلًا من بنى إسرائيل اسْتعْدَى على رجلٍ مِن عظمائِهم، فاجْتمَعا عندَ داودَ النبيِّ ﷺ ، فقال المُسْتَعْدِى: إِن هذا اغْتَصَبَنِى بَقَرًا لى. فسأل داودُ الرجلَ عن ذلك، فجحَده، فسأل الآخَرَ البَيِّنَةَ، فلم يَكُنْ له بَيِّنةٌ، فقال لهما داودُ: قُوما حتى أنظرَ فى أمرِكما. فقاما مِن عندِه، فأوحَى اللهُ إلى داودَ فى منامه أن يَقْتُلَ الرجلَ الذي اسْتُعْدِى عليه، فقال: هذه رُؤْيا، ولستُ أعجَلُ حتى أَتَثَبَّتَ. فأوحَى اللهُ إلى داودَ فى منامِه مرةً أخرى أن يقتُلَ الرجلَ، وأوحَى الله إليه الثالثة أن يقتله، أو تَأْتِيَه العقوبةُ مِن الله، فأَرْسَل داود إلى الرجلِ: إن الله قد أوحَى إليَّ أن أقتُلَك. فقال الرجلُ: تَقْتُلُنى بغير بينةٍ [ولا ثَبَتٍ] (٢)؟ فقال (٣) داود: نعم، واللهِ لأُنْفِذنَّ أمرَ اللهِ فيك. فلمَّا عرَف الرجلُ أنه قاتِلُه قال: لا تَعْجَلْ علىَّ حتى أُخْبِرَك؛ إنى واللهِ ما أُخِذتُ بهذا الذنبِ، ولكنِّى كنتُ اغْتَلْتُ والدَ هذا فقتلتُه، فبذلك قُتِلتُ. فأمَر به داودُ فقُتِل، فاشْتَدَّتْ هَيبةُ بنى إسرائيلَ عندَ ذلك لداودَ، وشُدِّد به مُلْكُه، فهو قولُ الله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ (٤).