← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 16451–16490 · переход к 16456.

стр. 16451

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾: الجبلِ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النضرِ، عن عكرمةَ، قال: الطورُ الجبلُ، والسينينُ الحسنُ، كما يَنبتُ في السهلِ، كذلك ينبتُ في الجبلِ. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ: أمَّا ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ فهو الجبلُ ذو الشجرِ (١). وقال آخرون: هو الجبلُ، وقولُه (٢): ﴿سِينِينَ﴾: مباركٌ حسنٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطُورِ﴾: الجبلِ، و ﴿سِينِينَ﴾. قال: المباركِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: جبلٌ مباركٌ بالشامِ. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾: جبلٌ بالشامِ مباركٌ وحسنٌ (٤).

стр. 16452

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: طورُ سِينينَ جبلٌ معروفٌ. لأن الطورَ هو الجبلُ ذو النباتِ، فإضافتُه إلى ﴿سِينِينَ﴾ تعريفٌ له، ولو كان نعتًا للطورِ كما قال مَن قال: معناه: حسنٌ أو مباركٌ - لكان الطورٌ منوَّنًا، وذلك أن الشئَ لا يُضافُ إلى نعتِه لغيرِ علةٍ تدعو إلى ذلك. وقولُه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. يقولُ: وهذا البلدِ الآمنِ من أعدائِه؛ أن يحارِبوا أهلَه أو يَغْرُوهم. وقيل: ﴿الْأَمِينِ﴾. ومعناه الآمنُ، كما قال الشاعرُ (١): ألم تَعْلَمى يا أَسْمَ ويحَكِ أننى … حلَفتُ يمينًا لا أَخُونُ أَمِينى يريد: آمِنى. وهذا كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وإنما عُنِى بقولِه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. مكةُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: مكةَ (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن يزيدَ أبي عبدِ اللهِ، عن

стр. 16453

كعبٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: البلدِ الحرامِ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: البلدِ الحرامِ (٢). قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال مكةَ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ: [عن مجاهدٍ] (٤) مثلَه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سلَّامِ بن سُلَيْمٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾: مكةَ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ الحكمَ يُحَدِّثُ عن عكرمةَ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: البلدِ الحرامِ (٥). قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: مكةَ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ

стр. 16454

الْأَمِينِ﴾: يعنى مكةَ (١) ـ حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: المسجدِ الحرامِ (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾: مكةَ (٢). وقولُه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. وهذا جوابُ القسمِ، يقولُ تعالى ذكرُه: والتينِ والزيتونِ لقد خلَقنا الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ. وبالذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسمُ هاهنا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٣). واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: في أعدلِ خلقٍ وأحسنِ صورةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن

стр. 16455

ابن عباسٍ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: في أعدلِ خلقٍ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: في أحسنِ صورةٍ (٢). قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: خلقٍ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: في أحسنِ صورةٍ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. يقولُ: في أحسنِ صورةٍ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾: في أحسنِ صورةٍ. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: أحسنِ خلقٍ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 16456

قولَه: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: في أحسنِ خلقٍ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. يقولُ: في أحسنِ صورةٍ. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، هو والكلبيُّ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قالا: في أحسنِ صورةٍ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: لقد خلَقنا الإنسانَ، فبلَغنا به استواءَ شبابِه وجَلَدِه وقوتِه، وهو أحسنُ ما يكونُ، وأعدلُ ما يكونُ وأقوَمُه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا المعتمِرُ، قال: سَمِعتُ الحكمَ يحدِّثُ عن عكرمةَ في قولِه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: الشابُّ (٣) القويُّ الجَلْدُ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: شبابُه أولَ ما نشَأ. وقال آخرون: قيل ذلك لأنه ليس شيءٌ من الحيوانِ إلا وهو منكبٌّ على وجهِه غيرَ الإنسانِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن

стр. 16457

ابن عباسٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: خلَق كلَّ شيءٍ منكبًّا على وجهِه إلا الإنسانَ (١). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن معنى ذلك: لقد خلَقنا الإنسانَ في أحسنِ صورةٍ وأعدلِها؛ لأن قولَه: ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. إنما هو نعتٌ لمحذوفٍ، وهو: في تقويمٍ أحسنٍ تقويمٍ. فكأنه قيل: لقد خلَقناه في تقويمٍ أحسنِ تقويمٍ. وقولُه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ثم ردَدناه إلى أرذلِ العُمُرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: إلى أرذلِ العُمُرِ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْمٍ، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: إلى أرذلِ العُمُرِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. يقولُ: يُرَدُّ إِلى أرذَلِ العُمُرِ، كبِر حتى ذهَب عقلُه، وهم نفرٌ رُدُّوا إلى أرذلِ العُمُرِ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فسُئِل رسولُ الله ﷺ حينَ سَفِهتْ عقولُهم، فأنزَل اللهُ عذرَهم أن لهم أجرَهم الذي عمِلوا قبلَ أن تذهبَ عقولُهم (٣).

стр. 16458

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: رُدُّوا إلى أرذلِ العُمُرِ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: إلى أرذلِ العُمُرِ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: ردَدناه إلى الهَرَمِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الهَرَمُ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعت الحكمَ يحدِّثُ عن عكرمةَ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: الشيخُ الهَرمُ، لم يَضُرَّه كِبَرُه، إن ختَم اللهُ له بأحسنِ ما كان يعملُ (٤). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم ردَدناه إلى النارِ في أقبحِ صورةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ،

стр. 16459

عن أبي العاليةِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: في شرِّ صورةٍ، في صورةِ خنزيرٍ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: النارَ (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إلى النارِ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: في النارِ. قال: ثنا مؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إلى النارِ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: قال (٣) الحسنُ: جهنمُ مأواه. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: في النارِ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: إلى النارِ (٥).

стр. 16460

وأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصحةِ وأشبهُها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معناه: ثم ردَدناه إلى أرذلِ العُمُرِ، إلى عمرِ الخَرْفَى الذين ذهَبت عقولُهم من الهَرَمِ والكِبَرِ، فهو في أسفلِ مَن سَفَل؛ في إدبارِ العمرِ وذهابِ العقلِ. وإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ في ذلك؛ لأن الله تعالى ذكرُه أخبَر عن خلقِه ابنَ آدمَ وتصريفِه في الأحوالِ، احتجاجًا بذلك على منكِرى قدرتِه على البعثِ بعدَ الموتِ، ألا ترَى أنه يقولُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾. يعنى: بعدَ هذه الحُججِ. ومحالٌ أن يَحْتَجَّ على قومٍ كانوا منكِرين معنًى من المعانى بما كانوا له منكِرين، وإنما الحجةُ على كلِّ قومٍ ما (١) لا يقدِرون على دفعِه؛ مما يعايِنونه ويُحِسُّونه، أو يقِرُّون به وإن لم يكونوا له مُحِسِّين. وإذ كان ذلك كذلك، وكان القومُ كانوا (٢) للنارِ التي كان اللهُ يتوعَّدُهم بها في الآخرةِ، منكِرين، وكانوا لأهلِ الهَرَمِ والخَرَفِ من بعدِ الشبابِ والجَلَدِ شاهِدين - عُلِم أنه إنما احتَجَّ عليهم بما كانوا له معايِنين؛ من تصريفِه خلقَه، ونقلِه إياهم من حالِ التقويمِ الحسَنِ والشبابِ والجَلَدِ إلى الضعفِ والهرَمِ وفناءِ العمرِ وحدوثِ الخَرَفِ. وقولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى هذا الاستثناءِ؛ فقال بعضُهم: هو استثناءٌ صحيحٌ من قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قالوا: وإنما جاز استثناءُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهم جمعٌ، من الهاءِ في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ﴾ وهى كنايةُ الإنسانِ، والإنسانُ في لفظِ واحدٍ؛ لأن

стр. 16461

الإنسانَ وإن كان في لفظِ واحدٍ فإنه في معنى الجمعِ؛ لأنه بمعنى الجنسِ، كما قيل: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١، ٢]. قالوا: ولذلك (١) جاز أن يقالَ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. فيضافُ "أفعل" إلى جماعةٍ. قالوا: ولو كان مقصودًا به قصدُ واحدٍ بعينِه، لم يجزْ ذلك، كما لا يقالُ: هذا أفضلُ قائِمينَ. ولكن يقالُ: هذا أفضلُ قائمٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن سعيدِ بن سابقٍ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن عكرمةَ، قال: من قرَأ القرآنَ لم يُرَدَّ إلى أرذلِ العُمُرِ. ثم قرَأ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: لا يكونُ حتى لا يَعْلَمَ من بعدِ علمٍ شيئًا (٢). فعلى هذا التأويلِ قولُه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ لخاصٍّ من الناسِ، غيرُ داخلٍ فيهم الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ؛ لأنه مستثنًى منهم. وقال آخرون: بل الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ قد يدخُلون في الذين رُدُّوا إلى أسفلِ سافلين؛ لأن أرذْلَ العُمُرِ قد يُردُّ إليه المؤمنُ والكافرُ. قالوا: وإنما استُثنِى قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. من معنًى مضمرٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قالوا: ومعناه: ثم ردَدناه أسفلَ سافلين، فذهَبت عقولُهم وخَرِفوا،

стр. 16462

وانقطَعت أعمالُهم، فلم (١) تُثبَتْ لهم بعدَ ذلك حسنةٌ، إلا الذين آمَنوا وعَمِلوا الصالحاتِ، فإن الذي كانوا يَعْمَلونه من الخيرِ في حالِ صحةِ عقولِهم وسلامةِ أبدانِهم، جارٍ لهم بعد هَرَمِهم وخَرَفِهم. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. استثناءً منقطِعًا؛ لأنه يَحْسُنُ أن يقالَ: ثم ردَدناه أسفلَ سافلين، إلا الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ، لهم أجرٌ غيرُ ممنونٍ، بعدَ أن يُردَّ أسفلَ سافلين. ذكرُ مَن قال معنى هذا القولِ حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عَديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال: فأيُّما رجلٍ كان يعملُ عملًا صالحًا وهو قويٌّ شابٌّ فعجَز عنه، جرَى له أجرُ ذلك العملِ حتى يموتَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. يقولُ: إذا كان يعملُ بطاعةِ اللهِ في شبيبتِه كلِّها، ثم كبِر حتى ذهَب عقلُه، كُتِب له مثلُ عملِه الصالحِ الذي كان يعملُ في شبيبتِه، ولم يُؤاخَذْ بشيءٍ ممَّا عمِلَ في كِبَرِه وذَهَابِ عقلِه؛ من أجلِ أنه مؤمنٌ وكان يطيعُ اللهِ في شبيبتِه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال: إلى أرذلِ العمرِ، فإذا بلَغ المؤمنُ إلى أرذلِ

стр. 16463

العمرِ، كُتِب له كأحسنِ ما كان يعملُ في شبابِه وصحتِه، فهو قولُه: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فإنه يُكتبُ له من الأجرِ مثلُ ما كان يعملُ في الصحةِ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن حمادِ بن أبى سليمانَ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: إذا بلَغ من الكبرِ ما يَعْجِزُ عن العملِ، كُتِب له ما كان يعملُ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فإنه يُكتَبُ لهم حسناتُهم، ويُتجاوَزُ لهم عن سيئاتِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّام، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: هم الذين أدرَكهم الكبرُ؛ لا يُؤْخَذون (٢) بعملٍ عَمِلوه في كبرِهم وهم هَرْمَى لا يعقِلون (٣).

стр. 16464

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاء، قال: سُئل عكرمة عن قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال: يُوَفِّيه اللَّهُ أَجرَه أو عمله، ولا يؤاخذه إذا رُدَّ إلى أرذل العمرِ (١). حدَّثني يعقوب، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمان، قال: سمعت الحكم يحدِّثُ عن عكرمة: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: الشيخُ الهَرْمُ، لم يضره كبره أن ختم الله له بأحسن ما كان يعملُ (٢). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: من أدركه الهرَمُ وكان يعملُ صالحًا، كان له مثلُ أجره إذ (٣) كان يعملُ (٤). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم رددناه أسفل سافلين في جهنم، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلهم أجرٌ غيرُ ممنون. فعلى هذا التأويل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مستثنون من الهاءِ في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ﴾. وجاز استثناؤهم منها إذ كانت كتايةً للإنسان، وهو بمعنى الجمع، كما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٢، ٣]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن

стр. 16465

مجاهد: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: إلا مَن آمَن (١). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، قال: قال الحسنُ في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: في النارِ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال الحسن: وهى كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢) [العصر: ١ - ٣]. وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصحةِ قولُ من قالُ: معناه: ثم ردَدناه إلى أرذلِ العمرِ، إلا الذين آمنوا وعمِلوا الصالحات في حال صحتِهم وشبابهم، فلهم أجرٌ غيرُ ممنون بعدَ هَرَمِهم، كهيئة ما كان لهم من ذلك على أعمالهم في حالِ ما كانوا يعملون وهم أقوياءُ على العمل. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصحة. لما وصفنا من الدلالة على صحةِ القولِ بأن تأويلَ قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: إلى أرذل العمرِ. واختلفوا في تأويل قوله: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لهم أجرٌ غيرُ منقوصٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. يقولُ: غير (٣) منقوصٍ (٤).

стр. 16466

وقال آخرون: بل معناه: غيرُ محسوبٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غيرُ محسوبٍ (١). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثلَه. حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال: غير محسوبٍ. قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال: غيرُ محسوبٍ. وقد قيل: إن معنى ذلك: فلهم أجرٌ غيرُ مقطوعٍ. وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: فلهم أجرٌ غيرُ منقوصٍ، كما كان له أيامَ صحتِه وشبابه. وهو عندى من قولهم: حَبْلٌ (٢) مَنِينٌ. إذا كان ضعيفًا؛ ومنه قولُ الشاعر (٣): أَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثمانيةٌ … ما في عطائِهمُ مَنْ ولا سَرَفُ يعنى أنه ليس فيه نقصٌ ولا خطأٌ.

стр. 16467

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾. اختلَف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ﴾؛ فقال بعضُهم: لله معناه: فمن يكذِّبُك يا محمد بعد هذه الحجج التي احتجَجْنا بها، ﴿بِالدِّينِ﴾. يعنى: بطاعةِ اللهِ وما بعَثك به من الحقِّ، وأن اللَّهَ يبعَثُ مَن في القبور. وقالوا: "ما" في معنى (مَنْ)؛ لأنه عُنِى به ابن آدمَ ومَن بُعث إليه النبيُّ ﷺ . وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما يكذبك أيُّها الإنسانُ بعد هذه الحججِ بالدين؟! ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، قال: قلتُ لمجاهدٍ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾. غُنِى به النبيُّ ﷺ ؟ قال: مَعاذَ اللَّهِ! غنى به الإنسانُ (١). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيان، عمَّن سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾. قلت: يعني به النبيَّ ﷺ ؟ قال: مَعَاذَ اللَّهِ! إنما يعنى به الإنسان. حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾: أَعُنى به النبيُّ ﷺ قال: معاذ الله! إنما عُنِى به الإنسان.

стр. 16468

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾: إنما يعنى الإنسانَ، يقولُ: خلَقتُك في أحسنِ تقويمٍ، فما يكذبُك أيُّها الإنسانُ بعدُ بالدينِ (١)؟ وقال آخرون: إنما عنى بذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وقيل له: استيقِنْ مع ما جاءك من اللَّهِ من البيان - أن اللَّهَ أحكمُ الحاكمين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أي: استيقِنْ بعدَ ما جاءك من اللَّهِ البيانُ، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (٢)؟ وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصواب قولُ مَن قال: معنى "ما" معنى (مَنْ). ووجَّهَ تأويلَ الكلام إلى: فمن يكذِّبُك يا محمدُ بعدَ الذي جاءك من هذا البيانِ من اللَّهِ - ﴿بِالدِّينِ﴾؟ يعنى: بطاعة اللَّهِ، ومجازاته العباد على أعمالهم. وقد تأوَّل ذلك بعضُ أهلِ العربية (٣) بمعنى: فما الذي يكذِّبُك بأن الناسَ يُدانُون بأعمالِهم؟ وكأنه قال: فمن يَقْدِرُ على تكذيبك بالثوابِ والعقابِ، بعدَ ما تبين له خلقُنا الإنسان على ما وصَفنا؟ واختلَفوا في معنى قوله: ﴿بِالدِّينِ﴾؛ فقال بعضُهم: بالحساب.

стр. 16469

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ الطُّفَاوِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن النضرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾. قال: الحساب (١). وقال آخرون: بل (٢) معناه: بحُكم اللَّهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾. يقولُ: ما يكذبُك بحُكمِ اللَّهِ (٣). وأَولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الدينُ في هذا الموضعِ الجزاءُ والحسابُ. وذلك أن أحدَ معاني الدينِ في كلامِ العربِ الجزاءُ والحسابُ، ومنه قولُهم: كما تَدِينُ تُدانُ. ولا أَعْرِفُ من معاني الدَّينِ "الحُكمَ" في كلامِهم، إلا أن يكونَ مرادًا بذلك: فما يكذِّبُك بعد بأمر اللَّهِ الذي حكم به عليك أن تُطِيعَه فيه؟ فيكونَ ذلك. وقولُه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. يقول تعالى ذكره: أليس اللَّهِ يا محمدُ بأحكمِ مَن حكَم في أحكامه وفصْلِ قضائِه بين عبادِه؟ وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا قرَأ ذلك، فيما بلغنا، قال: "بلى". حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ

стр. 16470

الْحَاكِمِينَ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان إذا قرَأها قال: "بلى، وأنا على ذلك من الشاهِدين" (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: كان ابن عباس إذا قرَأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. قال: سبحانَك اللهَّم وبلى (٢). حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: كان قتادةُ إذا تلَا: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. أَحْسَبه كان يَرْفَعُ ذلك، وإذا قرَأ (٣): ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]. قال: بلى. وإذا تلَا: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]. قال: آمنتُ باللَّهِ وبما أنزَل (٤). آخرُ سورةِ "والتين".

стр. 16471

تفسيرُ سورةِ "اقرأ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدست أسماؤه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾. يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: محمدًا. يقول: اقرَأْ يا محمدُ بذكرِ ربِّك الذي خلَق. ثم بين الذي خلق فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾. يعنى: من الدم، وقال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾. والمراد به: من عَلَقَةٍ؛ لأنه ذهَب إلى الجمعِ، كما يقالُ: شجرة وشجرٌ، وقصبَةٌ وقَصَبٌ، وكذلك علقةٌ وعَلَقٌ. وإنما قال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾، والإنسانُ في لفظِ واحدٍ؛ لأنه في معنى جمع، وإن كان في لفظِ واحدٍ؛ فلذلك قيل: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾. وقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾. يقولُ: اقْرَأْ يا محمدُ ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ خَلْقَه الكتاب والخَطَّ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. قرأ حتى بلغ: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾. قال: القلمُ نعمةٌ من اللَّهِ عظيمةٌ، لولا ذلك لم يقُمْ ولم يَصْلُحْ عيشٌ (١). وقيل: إن هذه أوَّلُ سورة نزلت في القرآن على رسول اللَّهِ ﷺ .

стр. 16472

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ البصريُّ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سَمِعتُ النعمان بن راشدٍ يقولُ عن الزهريِّ، عن عروةَ، عائشةَ أنها عن قالت: كان أولُ ما ابتُدئ به رسولُ اللَّهِ ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقةَ كانت تَجيءُ مثل فَلَقِ الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاءُ، فكان بغارِ حِراءٍ يَتَحنَّثُ فيه اللياليَ ذواتِ العددِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أهلِه، ثم يرجعُ إلى أهله فيَتَزَوَّدُ لمثلِها، حتى فجَأَه الحقُّ، فأتاه فقال: يا محمدُ، أنت رسولُ اللَّهِ. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "فجتَوتُ لركبَتيَّ وأنا قائمٌ، ثم رجَعتُ تَرْجُفُ بَوادِرى (١)، ثم دخلتُ على خديجةَ، فقلتُ: زمِّلوني زمِّلوني. حتى ذهَب عنى الرَّوْعُ، ثم أتاني، فقال: يا محمدُ (٢)، أنت رسولُ اللَّهِ". قال: "فلقد همَمتُ أن أطرَحَ نفسى من حالقٍ من جبل، [فَتَبَدَّى لى] (٣) حينَ همَمتُ بذلك، فقال: يا محمدُ، أنا جبريلُ وأنت رسولُ اللَّهِ. ثم قال: ﴿اقْرَأْ﴾. قلت: "ما أقرأُ؟ ". قال: (فأخذني فغَطَّنى ثلاثَ مراتٍ، حتى بلَغ منى الجَهْدُ، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. فقرَأتُ، فأتَيتُ خديجة، فقلتُ: لقد أشفَقتُ على نفسى. فأخبَرتُها خبرى، فقالت: أَبْشِرْ، فواللَّهِ لا يُخزيك اللَّهِ أبدًا، وواللَّهِ إنك لتصلُ الرحمَ، وتَصْدُقُ الحديثَ، وتؤدِّى الأمانةَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِى الضيفَ، وتُعِينُ على نوائب الحقِّ. ثم انطَلَقَتْ بي إلى ورقةَ بن نوفلِ بن أسدٍ، قالت: اسمَعْ من ابن أخيك. فسألني، فأخبَرته خبرى، فقال: هذا الناموسُ الذي أُنزِل على موسى، ليتني فيها جَذَعٌ (٤)، ليتنى أكونُ حَيًّا حينَ يُخْرِجُك قومك. قلتُ: أَوَ مُخْرِجيَّ هم؟

стр. 16473

قال: نَعمْ، إنه لم يَجِئْ رجلٌ قطُّ بما جئتَ به إلا عُودِىَ، ولئن أَدْرَكنى يومُك أَنصُرْك نصرًا مؤزرًا. ثم كان أول ما نزل عليَّ من القرآن بعد "اقرأ": ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ [القلم: ١ - ٥] و ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢]، و (١) ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ " (٢) [الضحى: ١، ٢]. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: ثنى عروة، أن عائشة أخبرته. وذكَر نحوه، غيرَ أنه لم يقلْ: "ثم كان أوّلُ ما أُنزِل عليَّ من القرآن". الكلامَ إلى آخرِ (٣). حدَّثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبدُ الواحد، قال: ثنا سليمانُ الشيبانيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ شدّادٍ، قال: أتى جبريلُ محمدًا ﷺ ، فقال: يا محمدُ، اقْرَأْ. فقال: "وما أقرَأُ؟ ". قال: فضمَّه، ثم قال: يا محمد، اقْرَأْ. قال: "وما أقرأُ؟ ". قال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. قال: فجاء إلى خديجة، فقال: (يا خديجةُ، ما أُراه إلا قد عُرض لى". قالت: كلا، واللَّهِ ما كان ربُّك يفعلُ ذلك بك، وما أتيتَ فاحشةً قطُّ. قال: فأَتَتْ خديجة ورقةً، فأخبَرته الخبرَ، قال: لئن كنتِ صادقةً إن زوجَكِ لنبيٌّ، ولَيَلْقَيَنَّ من أمتِه شدةً، ولئن أدرَكتُه

стр. 16474

لأُومِنَنَّ بِهِ. قال: ثم أبطَأ عليه جبريلُ، فقالت له خديجةُ: ما أرَى ربَّك إلا قد قلاك. فأنزل اللَّهِ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (١) [الضحى: ١ - ٣]. حدَّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ - قال إبراهيم: قال سفيانُ: حفظه لنا ابن إسحاقَ -: إِن أَوَّلَ شَيءٍ أُنزِل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ بشرِ بن الحكمِ النَّيْسابوريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمد بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ: إن أولَ سورة أُنزِلت من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عبيدِ بن عميرٍ، قال: أول سورةٍ نزَلت على محمد رسولُ اللَّهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٣). قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمِعتُ عبيد بن عميرٍ يقولُ. فذكَر نحوَه.

стр. 16475

حدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسلم، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: ثنا قرةُ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ العُطارديُّ، قال: كنا في المسجدِ الجامعِ، ومُقرِئُنا أبو موسى الأشعريُّ، كأني أنظرُ إليه بينَ بُردَين أبيضَين. قال أبو رجاءٍ: عنه أخَذتُ هذه السورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وكانت أول سورة نزلت على محمدٍ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بن إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءٍ بن يسارٍ، قال: أولُ سورة نزلت من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ بُن مهديٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أولُ ما نزَل من القرآنِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. وزاد ابن مهديٍّ: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ (١) حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمعت عبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: أولُ ما أُنزِل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٢). قال: ثنا وكيعٌ، عن قُرَّةَ بن خالدٍ، عن أبي رجاءٍ العُطارديُّ، قال: إني لأنظُرُ إلى أبي موسى وهو يقرأُ القرآنَ في مسجد البصرةِ وعليه بُردان أبيضان، فأنا أخَذتُ منه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وهى أولُ سورةٍ أُنزِلت على محمدٍ ﷺ (٣).

стр. 16476

قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ، قال: إن أولَ سورةٍ أُنزِلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ثم ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه: وقوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: علَّم الإنسان الخطَّ بالقلمِ ولم يكُنْ يَعْلَمُه، مع أشياءَ غيرِ ذلك مما علَّمه ولم يكُنْ يَعْلَمُه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. قال: علَّم الإنسانَ خطًّا بالقلمِ. وقوله: ﴿كَلَّا﴾. يقول تعالى ذكرُه: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسانَ؛ أن يُنَعِمَ عليه ربُّه بتسويتِه خَلْقَه، وتعليمه ما لم يكنْ يعلم، وإنعامِه بما لا كُفْءَ له، ثم يكفرَ بربِّه الذي فعَل به ذلك، ويَطْغَى عليه؛ أن رأه استَغنَى. وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. يقولُ: إن الإنسانَ ليتجاوزُ حدَّه، ويستكبِرُ على ربِّه فيكفُرُ به؛ لأن رأى نفسه استَغنَتْ. وقيل: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾؛ لحاجة "رأَى" إلى اسمٍ وخبرٍ، وكذلك تفعَلُ العرب في كلِّ فعْلٍ اقتضى الاسمَ والفعلَ، إذا أوقَعه المخبِرُ عن نفسِه على نفسِه مُكَنيًا

стр. 16477

عنها، فيقولُ: متى تُراك خارجًا؟ ومتى تَحْسَبُك سائرًا؟ فإذا كان الفعلُ لا يقتضى إلا منصوبًا واحدًا، جعلوا موضعَ المكنيِّ "نفسه"، فقالوا: قتَلْتَ نفسَك. ولم يقولوا: قَتَلْتَكَ. ولا: قتلَه (١). وقولُه: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾. يقولُ: إن إلى ربِّك يا محمدُ مَرْجِعَه، فذائقٌ من أليمِ عقابه ما لا قِبَلَ له به. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾. ذُكِر أن هذه الآيةَ وما بعدَها نزَلت في أبي جهلِ بن هشامٍ، وذلك أنه قال فيما بلَغنا: لئن رأيتُ محمدًا يصلِّى لأطأَنَّ رقبته. وكان فيما ذُكِر قد نَهَى رسولَ اللَّهِ ﷺ ، أن يُصَلَّى، فقال اللَّهِ لنبيِّه محمد ﷺ : أرأيتَ يا محمد أبا جهلٍ الذي يَنْهاك أن تُصَلِّى عِندَ المَقامِ، وهو مُعرِضْ عن الحقِّ مكذِّبٌ به؟! يُعَجِّبُ جَلَّ ثناؤُه نبيَّه والمؤمنين من جهلِ أبى جهلٍ، وجراءتِه على ربَّه، في نهيه محمدًا عن الصلاةِ لربِّه، وهو مع أياديه عنده مكذِّبٌ به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. قال: أبو جهلٍ، يَنْهَى

стр. 16478

محمدًا ﷺ إذا صلى (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾: نزلت في عدوِّ اللَّهِ أبى جهلٍ؛ وذلك لأنه قال: لئن رأيتُ محمدًا يصلِّى لأطأَنَّ على عنقه. فأنزل اللَّهِ ما تسمعون. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. قال: قال أبو جهلٍ: لئن رأيتُ محمدًا يصلِّى لأطأَنَّ على عنقِه. قال: وكان يقال: لكلِّ أمةٍ فرعونٌ. وفرعونُ هذه الأمةِ أبو جهلٍ (٢). حدَّثنا إسحاقُ بن شاهينٍ الواسطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلى، فجاءه أبو جهل فنهَاه أن يصلِّىَ، فأنزل اللَّهُ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ (٣). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أرأيتَ إن كان محمدٌ ﴿عَلَى الْهُدَى﴾. يعني: على استقامةٍ وسَدَادٍ في صلاته لربِّه، ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾: أو أمر محمدٌ هذا الذي يَنْهَى

стр. 16479

الصلاةِ باتقاءِ اللَّهِ وخوفِ عقابه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾. قال: محمدٌ، كان على الهدى، وأمرَ بالتقوى (١). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أرأيت إن كذَّب أبو جهلٍ بالحقِّ الذي بَعَث به محمدًا ﴿وَتَوَلَّى﴾. يقولُ: [وأدبَر عنه فلم يصدِّقْ به] (٢)؟ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: يعنى أبا جهل (١). القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يعلَمْ أبو جهلٍ إذ يَنْهَى محمدًا عن عبادةِ ربِّه والصلاةِ

стр. 16480

له، بأن اللَّهَ يراه، فيخاف سطوتَه وعقابَه؟ وقيل: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾. فكُرِّرت ﴿أَرَأَيْتَ﴾ مراتٍ ثلاثًا على البدلِ. والمعنى: أرأيتَ الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى، وهو مكذِّبٌ متولٍّ عن ربِّه، ألم يَعْلَمُ بأن اللَّهِ يراه؟! وقولُه: ﴿كَلَّا﴾. يقولُ: ليس كما يقولُ (١): إنه يطأُ عنقَ محمدٍ. يقولُ: لا يقدِرُ على ذلك ولا يصلُ إليه. وقولُه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾. يقولُ: لئن لم ينتهِ أبو جهلٍ عن محمدٍ، ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾. يقولُ: لنأخذَنَّ مُقدَّمِ رأسه، فلنُضِيمَنَّه (٢) ولَنُذِلَّنَّه. يقالُ منه: سَفَعْتُ بيده. إذا أَخَذْتَ بيده. وقيل: إنما قيل: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾. والمعنى: لنسوِّدَنَّ وجهَه. فاكتُفِيَ بذكرِ الناصيةِ من الوجه كلِّه، إذ كانت الناصيةُ في مقدَّمِ الوجه. وقيل: معنى ذلك: لنأخذَنَّ بناصيته إلى النارِ، كما قيل (١): ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقولُه: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. فخفَض ﴿نَاصِيَةٍ﴾ ردًّا على "الناصية" الأولى بالتكرير. ووصَف الناصيةَ بالكذبِ والخطيئةِ، والمعنى لصاحبِها. وقولُه: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلْيَدْعُ أبو جهلٍ أهلَ مجلسِه وأنصارَه من عشيرتِه وقومِه. والنادى هو المجلسُ. وإنما قيل ذلك فيما بلَغنا لأن أبا جهلٍ لما نهَى النبيَّ ﷺ عن الصلاةِ عندَ المقامِ،

стр. 16481

انتهَرَه رسولُ اللَّهِ ﷺ وأغلَظ له، فقال أبو جهلٍ: علامَ يتوعَّدُنى محمدٌ وأنا أكثرُ أهل الوادى ناديًا؟ فقال اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ (١)، فليدعُ حينَئذٍ ناديَه، فإنه إن دعا ناديَه، دعَونا الزبانيةَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الأخبارُ وقال أهلُ التأويلِ. ذكرُ الآثارِ المرويةِ في ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ جُمَيعٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، جميعًا عن داود بن أبي هند، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عندَ المَقامِ، فمرَّ به أبو جهلِ بنُ هشامٍ، فقال: يا محمدُ، ألم أنهكَ عن هذا؟ وتوعَّده، فأغلَظ له رسولُ اللَّهِ ﷺ وانتهره، فقال: يا محمدُ، بأيِّ شيءٍ تهدِّدُني؟ أما واللَّهِ إني لأكثرُ هذا الوادى ناديًا. فأنزَل اللَّهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. قال ابن عباسٍ: لو دعا ناديَه، أخَذَته زبانيةُ العذابِ من ساعته (٢). حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهين، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلِّى، فجاءه أبو جهلٍ فنهاه أن يصلّى، فأنزَل اللَّهِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ إلى قولِه: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. فقال: لقد علم أنى أكثرُ هذا الوادى ناديًا. فغضب النبيُّ ﷺ فتكلَّم بشيءٍ - قال داودُ: ولم أحفَظْه - فأنزَل اللَّهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾.

стр. 16482

فقال ابن عباسٍ: فواللَّهِ لو فعَل لأخَذَته الملائكةُ من مكانِه (١). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ (٢)، عن أبيه، قال: ثنا نُعَيمُ بنُ أَبي هند، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال أبو جهلٍ: هل يُعَفِّرُ محمدٌ وجهَه بينَ أظهُركم؟ قال: فقيل: نعم. قال: فقال: واللاتِ والعُزَّى لئن رأَيتُه يصلِّى كذلك، لأَطأَنَّ على رقبته، أو (٣) لأُعَفِّرَنَّ وجهَه في التراب. قال: فأتَى رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو يُصلِّى ليطأَ على رقبته. قال: فما فَجِئَهم (٤) منه إلا وهو يَنكِصُ على عَقِبَيْه ويَتَّقِى بيديه. قال: فقيل له: ما لَكَ؟! قال: فقال: إن بيني وبينَه خنْدقًا من نارٍ، وهولًا وأجنحةً. قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لو دنَا لاختطَفَتْه الملائكةُ عُضْوًا عُضْوًا". قال: وأنزل اللَّهِ - لا أدرِى في حديثِ أبي هريرة أم لا -: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. يعني أبا جهل ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (٥) (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾: الملائكة، ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٦).

стр. 16483

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: أخبَرنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، عن الوليد بن العَيْزارِ، عن ابن عباسٍ، قال: قال أبو جهلٍ: لئن عاد محمدٌ يصلِّى عندَ المَقامِ لأقتلَنَّه. فأنزَل اللَّهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. حتى بلَغ هذه الآية: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. فجاء النبيَّ ﷺ وهو يصلِّى، فقيل له: ما يَمْنَعُك؟ قال: قد اسوَدَّ ما بيني وبينَه من الكتائبِ. قال ابن عباسٍ: واللَّهِ لو تحرَّك لأخَذَته الملائكةُ والناسُ يَنْظُرون إليه (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا زكريا بنُ عديٍّ، قال: ثنا عبيد اللَّهِ بن عمرٍو، عن عبد الكريم، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال أبو جهلٍ: لئن رأَيتُ [رسولَ اللَّهِ] (٢) يصلِّى عند الكعبة لآتيَنَّه حتى أطأ على عنقِه. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لو فعَل لأخَذَتْه الملائكةُ عِيانًا (٣). وبالذي قلنا في معنى "النادى" قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾. يقولُ: فليدعُ ناصرَه (٤).

стр. 16484

حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. قال: الملائكةَ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي سنانٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذَيلِ: الزبانيةُ أرجُلُهم في الأرضِ ورءوسُهم في السماءِ (٢). حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾: قال النبيُّ ﷺ : لو فعل أبو جهلٍ لأخَذته الزبانيةُ الملائكةُ عِيانًا". حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. قال: الملائكة (٣). حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾. قال: الملائكةَ (٣). وقولُه: ﴿كَلَّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ليس الأمرُ كما يقولُ أبو جهلٍ، إذ

стр. 16485

ينهَى محمدًا ﷺ عبادةِ ربِّه والصلاةِ له، ﴿لَا تُطِعْهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : لا تُطِعْ أبا جهلٍ فيما أمَرك به من تركِ الصلاةِ لربِّك، ﴿وَاسْجُدْ﴾ لربِّك، ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ منه، بالتحبُّبِ إليه بطاعتِه، فإن أبا جهلٍ لن يَقْدِرَ على ضَرِّك، ونحن نمنعُك منه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾: ذُكِر لنا أنها نزَلت في أبي جهلٍ، قال: لئن رأَيتُ محمدا يصلِّى لأطأَنَّ على (١) عنقِه. فأنزَل اللَّهِ: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. قال نبيُّ اللَّهِ ﷺ حينَ بلَغه الذي قال أبو جهلٍ: "لو فعَل لاختَطَفَته الزبانيةُ". آخرُ سورةِ اقرأ باسمِ ربِّك"، والحمدُ لله وحده

стр. 16486

يسمِ اللَّهِ الرحمن الرحيمِ تفسير سورة "القدر" القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾. يقولُ تعالى ذكره: إنا أنزلنا هذا القرآنَ جملةً واحدةً إلى السماء الدنيا في ليلة القَدْرِ، وهى ليلةُ الحكمِ التي يَقْضِى اللَّهُ فيها قضاءَ السَّنة، وهو مصدرٌ مِن قولهم: قَدَر اللَّهُ عليَّ هذا الأمرَ. فهو يَقْدُرُ قَدْرًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ،، قال: نزَل القرآنُ كلُّه جملةً واحدةً في ليلةِ القدرِ في رمضانَ إلى السماءِ الدنيا، فكان اللَّهُ إذا أراد أَنْ يُحْدِثَ في الأرضِ شيئًا أنزَله منه حتى جمَعه (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أنزل اللَّهُ القرآن إلى السماء الدنيا في ليلةِ القَدْرِ، وكان اللَّهُ إذا أراد أن يُوحِيَ منه شيئًا أوحاه، فهو قولُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ. فذكر نحوه،

стр. 16487

وزاد فيه: وكان بين أوله وآخره عشرون سنةً. قال: ثنا عمرو بنُ عاصمٍ الكلابيُّ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ التيميُّ، قال: ثنا عمرانُ أبو العوَّامِ، قال: ثنا داودُ بن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ أنه قال في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قال: نزَل أَوَّلُ القرآنِ في ليلةِ القَدْرِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن حكيمِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَل القرآن في ليلةٍ من السماءِ العليا إلى السماءِ الدنيا، جملةً واحدةً، ثم فُرِّق في السنينَ. قال: وتلا ابن عباسٍ هذه الآيةَ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]. قال: نزل متفرِّقًا (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قال: بلغنا أنَّ القرآن نزل جملةً واحدةً إلى السماءِ الدنيا (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: أنزل القرآنُ جملةً واحدةً، ثم أنزل ربُّنا في ليلةِ القدرِ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٣) [الدخان: ٤]. قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قال: أُنزِل القرآنُ جملةً واحدةً في ليلةِ القدرِ إلى سماءِ الدنيا، فكان بموقعِ النجومِ، فكان اللَّهُ يُنزله على رسوله، بعضَه في إِثْرِ بعضٍ.

стр. 16488

ثم قرأ: ﴿[وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا] (١) لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (٢) [الفرقان: ٣٢]. وبنحو الذي قلنا في [معنى القدرِ] (٣) قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾: ليلة الحكمِ (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قال: ليلةِ الحكمِ. [حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ] (٥)، عن سفيانَ، عن محمدِ بن سُوقةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: يُؤذَنُ للحُجاج في ليلةِ القَدْرِ، فيُكتبون بأسمائهم وأسماءِ آبائهم، فلا يُغادَرُ منهم أحدٌ، ولا يُزادُ فيهم، ولا يُنقَصُ منهم (٦) حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا ربيعةُ بن كلثومٍ، قال: قال رجلٌ

стр. 16489

للحسن وأنا أسمعُ: أرأيتَ ليلة القدر في كلِّ رمضان هي؟ قال: نعم، واللَّهِ الذي لا إله إلا هو إنَّها لفى كلِّ رمضانٍ، وأنَّها لليلةُ القَدْرِ، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]. فيها يَقْضِى اللَّهُ كلَّ أجلٍ وعملٍ ورزقٍ إلى مثلِها (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاق، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عمرَ (٢)، قال: ليلةُ القَدْرِ في كلِّ رمضانٍ (٣). وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ يقولُ: وما أشْعَرك يا محمدٌ أيُّ شيءٍ ليلة القدر!. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. اختلَف أهل التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: العملُ في ليلةِ القدرِ بما يُرْضِى اللَّهَ خيرٌ مِن خيرٌ من العملِ في غيرها ألفَ شهرٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: بلَغنى عن مجاهدٍ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قال: عملُها وصيامُها وقيامها خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ (٤). قال: ثنا الحكم بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائى قولَه: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قال: عملٌ فيها خيرٌ مِن عمل ألفِ شهرٍ (٥).

стр. 16490

وقال آخرون: معنى ذلك أنَّ ليلةَ القدرِ خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ ليس فيها ليلةُ القدر. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾: ليس فيها ليلةُ القدر (١). وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْم، عن المُثنَّى بن الصبَّاح، عن مجاهدٍ، قال: كان في بني إسرائيلَ رجلٌ يقومَ الليلَ حتى يصبحَ، ثم يجاهدُ العدوَّ بالنهارِ حتى يُمْسِىَ، ففعَل ذلك ألفَ شهرٍ، فأنزَل اللَّهِ هذه الآيةَ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قيامُ تلك الليلةِ خيرٌ من عملِ ذلك الرجل (٢). وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني أبو الخطاب الجاروديُّ سهيلٌ، قال: ثنا سَلْمُ بن قتيبةَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ الفضلِ، عن عيسى بن مازنٍ، قال: قلتُ للحسنِ بن عليٍّ ﵁: يا مُسوِّدَ وجوهِ المؤمنين، عمَدْتَ (٣) إلى هذا الرجل فبايعْتَ له! يعنى معاويةَ بنَ أبي سفيانَ. فقال: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أُرِى في منامه بني أميةً يَعْلُون منبرَه خليفةً خليفةً، فشقَّ ذلك عليه، فأنزَل اللَّهِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ
следующие страницы →