يسمِ اللَّهِ الرحمن الرحيمِ
تفسير سورة "القدر"
القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: إنا أنزلنا هذا القرآنَ جملةً واحدةً إلى السماء الدنيا في ليلة القَدْرِ، وهى ليلةُ الحكمِ التي يَقْضِى اللَّهُ فيها قضاءَ السَّنة، وهو مصدرٌ مِن قولهم: قَدَر اللَّهُ عليَّ هذا الأمرَ. فهو يَقْدُرُ قَدْرًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ،، قال: نزَل القرآنُ كلُّه جملةً واحدةً في ليلةِ القدرِ في رمضانَ إلى السماءِ الدنيا، فكان اللَّهُ إذا أراد أَنْ يُحْدِثَ في الأرضِ شيئًا أنزَله منه حتى جمَعه (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أنزل اللَّهُ القرآن إلى السماء الدنيا في ليلةِ القَدْرِ، وكان اللَّهُ إذا أراد أن يُوحِيَ منه شيئًا أوحاه، فهو قولُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ. فذكر نحوه،
стр. 16487
وزاد فيه: وكان بين أوله وآخره عشرون سنةً.
قال: ثنا عمرو بنُ عاصمٍ الكلابيُّ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ التيميُّ، قال: ثنا عمرانُ أبو العوَّامِ، قال: ثنا داودُ بن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ أنه قال في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قال: نزَل أَوَّلُ القرآنِ في ليلةِ القَدْرِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن حكيمِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَل القرآن في ليلةٍ من السماءِ العليا إلى السماءِ الدنيا، جملةً واحدةً، ثم فُرِّق في السنينَ. قال: وتلا ابن عباسٍ هذه الآيةَ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]. قال: نزل متفرِّقًا (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قال: بلغنا أنَّ القرآن نزل جملةً واحدةً إلى السماءِ الدنيا (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: أنزل القرآنُ جملةً واحدةً، ثم أنزل ربُّنا في ليلةِ القدرِ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٣) [الدخان: ٤].
قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قال: أُنزِل القرآنُ جملةً واحدةً في ليلةِ القدرِ إلى سماءِ الدنيا، فكان بموقعِ النجومِ، فكان اللَّهُ يُنزله على رسوله، بعضَه في إِثْرِ بعضٍ.
стр. 16488
ثم قرأ: ﴿[وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا] (١) لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (٢) [الفرقان: ٣٢].
وبنحو الذي قلنا في [معنى القدرِ] (٣) قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾: ليلة الحكمِ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قال: ليلةِ الحكمِ.
[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ] (٥)، عن سفيانَ، عن محمدِ بن سُوقةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: يُؤذَنُ للحُجاج في ليلةِ القَدْرِ، فيُكتبون بأسمائهم وأسماءِ آبائهم، فلا يُغادَرُ منهم أحدٌ، ولا يُزادُ فيهم، ولا يُنقَصُ منهم (٦)
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا ربيعةُ بن كلثومٍ، قال: قال رجلٌ
стр. 16489
للحسن وأنا أسمعُ: أرأيتَ ليلة القدر في كلِّ رمضان هي؟ قال: نعم، واللَّهِ الذي لا إله إلا هو إنَّها لفى كلِّ رمضانٍ، وأنَّها لليلةُ القَدْرِ، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]. فيها يَقْضِى اللَّهُ كلَّ أجلٍ وعملٍ ورزقٍ إلى مثلِها (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاق، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عمرَ (٢)، قال: ليلةُ القَدْرِ في كلِّ رمضانٍ (٣).
وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ يقولُ: وما أشْعَرك يا محمدٌ أيُّ شيءٍ ليلة القدر!.
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. اختلَف أهل التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: العملُ في ليلةِ القدرِ بما يُرْضِى اللَّهَ خيرٌ مِن خيرٌ من العملِ في غيرها ألفَ شهرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: بلَغنى عن مجاهدٍ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قال: عملُها وصيامُها وقيامها خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ (٤).
قال: ثنا الحكم بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائى قولَه: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قال: عملٌ فيها خيرٌ مِن عمل ألفِ شهرٍ (٥).
стр. 16490
وقال آخرون: معنى ذلك أنَّ ليلةَ القدرِ خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ ليس فيها ليلةُ القدر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾: ليس فيها ليلةُ القدر (١).
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْم، عن المُثنَّى بن الصبَّاح، عن مجاهدٍ، قال: كان في بني إسرائيلَ رجلٌ يقومَ الليلَ حتى يصبحَ، ثم يجاهدُ العدوَّ بالنهارِ حتى يُمْسِىَ، ففعَل ذلك ألفَ شهرٍ، فأنزَل اللَّهِ هذه الآيةَ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قيامُ تلك الليلةِ خيرٌ من عملِ ذلك الرجل (٢).
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني أبو الخطاب الجاروديُّ سهيلٌ، قال: ثنا سَلْمُ بن قتيبةَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ الفضلِ، عن عيسى بن مازنٍ، قال: قلتُ للحسنِ بن عليٍّ ﵁: يا مُسوِّدَ وجوهِ المؤمنين، عمَدْتَ (٣) إلى هذا الرجل فبايعْتَ له! يعنى معاويةَ بنَ أبي سفيانَ. فقال: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أُرِى في منامه بني أميةً يَعْلُون منبرَه خليفةً خليفةً، فشقَّ ذلك عليه، فأنزَل اللَّهِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ
стр. 16491
الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. يعنى مُلْكَ بني أميةَ. قال القاسمُ: فحسبنا مُلْكَ بني أميةَ، فإذا هو ألفُ شهرٍ (١).
وأشبهُ الأقوال في ذلك بظاهرِ التنزيلِ قولُ مَن قال: عملٌ في ليلةِ القَدْرِ خَيرٌ مِن عملِ ألفِ شهرٍ ليس فيها ليلةُ القَدْرِ. وأما الأقوالُ الأُخَرُ، فدعاوى معانٍ (٢) باطلةِ، لا دلالةَ عليها من خبرٍ ولا عقلٍ، ولا هي موجودةٌ في التنزيلِ.
وقولُه: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: تَنزِلُ الملائكة وجبريلُ معهم، وهو الروحُ، في ليلةِ القدرِ، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. يعنى: بأمرِ (٣) ربِّهم؛ مِن كلِّ أمرٍ قضاه اللَّهُ في تلك السنةِ، من رزقٍ وأجلٍ وغيرِ ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. قال: يُقْضَى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها (٤).
فعلى هذا القولُ منتهى الخبر وموضع الوقفِ ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾.
وقال آخرون: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾: لا يلْقَون مؤمنًا ولا
стр. 16492
مؤمنةً إلا سلَّموا عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثتُ عن يحيى بن زيادٍ الفرَّاءِ، قال: ثني أبو بكر بنُ عياشٍ، عن الكلبيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرأُ: (مِنْ كُلِّ امْرِيءٍ سَلَامٌ) (١).
وهذه القراءةُ من قرَأ بها وجَّه معنى (من كلِّ امرئٍ): مِن كُلِّ مَلَكٍ؛ كأن معناه عنده: تَنزِلُ الملائكة والروحُ فيها بإذنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ مَلَكٍ تسليمٌ (٢) على المؤمنين والمؤمناتِ. ولا أرى القراءةَ بها جائزةً؛ لإجماع الحجة من القرأةِ على خلافِها، وأنها خلافٌ لما في مصاحف المسلمين، وذلك أنه ليس في مصحفٍ من مصاحفِ المسلمين في قوله: ﴿أَمْرٍ﴾ ياءٌ، وإذا قُرِئت: (مِنْ كُلِّ امرئٍ) لحقتها همزةٌ، تصيرُ في الخطِّ ياءً.
والصواب من القولِ في ذلك القولُ الأوَّلُ الذي ذكَرناه قبلُ، على ما تأوَّله قتادةُ.
وقولُه: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: سلامٌ ليلةُ القدرِ مِن الشرِّ كلِّه؛ مِن أوَّلها إلى طلوعِ الفجرِ من ليلتها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿سَلَامٌ
стр. 16493
هِيَ﴾. قال: خيرٌ، ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ﴾. أي: هي خيرٌ كلها إلى مطلعِ الفجرِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهدٍ: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. قال: مِن كلِّ أمرٍ سلامٌ.
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾. قال: ليس فيها شرٌّ (٢)، هي خيرٌ كلُّها ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن عبدِ الرحمن بن أبي ليلى في قولِه: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ﴾. قال: لا يَحْدُثُ فيها أمرٌ.
وعُنى بقوله: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: إلى مطلَعِ الفجرِ.
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾؛ فقرأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ، سوى يحيى بن وثَّابٍ والأعمشِ والكسائيِّ: ﴿مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ بفتحِ اللَّامِ (٣)، بمعنى: حتى طلوعِ الفجرِ. تقولُ العربُ: طلَعتِ الشمسُ طُلوعًا ومَطْلَعًا. وقرَأ ذلك يحيى بنُ وثَّابٍ والأعمشُ والكسائيُّ: (حَتَّى مَطْلِعِ الْفَجْرِ). بكسرِ اللَّامِ (٤)، توجيهًا منهم ذلك إلى الاكتفاء بالاسمِ من المصدرِ، وهم يَنْوُون بذلك
стр. 16494
المصدرَ.
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا فتح اللَّامِ (١)؛ لصحةِ معناه في العربية، وذلك أنَّ المطلع بالفتحِ هو الطُّلوعُ، والمطلِعَ بالكسرِ هو الموضعُ الذي يَطْلُعُ منه، ولا معنى للموضعِ الذي يَطلُعُ منه في هذا الموضع.
آخرُ تفسير سورةِ "القدرِ"
стр. 16495
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسيرُ سورةِ "لم يكن"
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لم يكن هؤلاء الكفارُ من أهلِ التوراةِ والإنجيلِ والمشركون من عبدةِ الأوثانِ، ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. يقولُ: منتهين، حتى يأتيَهم هذا القرآنُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. قال: لم يكونوا ليَنْتهوا حتى يتبيَّنَ لهم الحقُّ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. قال: منتهين عما هم فيه (٢).
стр. 16496
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. أي: هذا القرآنُ.
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾. قال: لم يكونوا منتهين حتى يأتيهم، ذلك المنفَكُّ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّ أهلَ الكتابِ وهم المشركون، لم يكونوا تاركين صفةً محمدٍ في كتابهم حتى بُعِث، فلما بُعِث تفرَّقوا فيه.
وأولى الأقوال في ذلك بالصحةِ أنْ يقالَ: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين متفرقين في أمر محمدٍ، حتى تأتيهم البيِّنةُ - وهى إرسالُ اللَّهِ إيَّاه رسولا إلى خَلْقِه - رسولٌ مِن اللَّهِ.
وقولُه: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. في هذا الموضعِ عندى مِن انفكاكِ الشيئين أحدِهما مِن الآخرِ، ولذلك صَلَحَ بغيرِ خبرٍ، ولو كان بمعنى "ما زال"، احتاج إلى خبرٍ يكونُ تمامًا له.
واستُؤنف قولُه: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾. وهى نكرةٌ، على (البيِّنةِ) وهى معرفةٌ، كما قيل: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ﴾ [البروج: ١٥]. فقال: حتى يأتيَهم بيانُ أمرِ محمدٍ أنه رسولُ اللَّهِ، ببَعثةِ اللَّهِ إيَّاه إليهم. ثم تَرْجَم عن البيِّنةِ، فقال: تلك البيِّنةُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾. يقولُ: يقرأُ صحفًا مطهَّرةً مِن الباطل.
﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. يقولُ: في الصحفِ المطهرةِ كتبٌ مِن اللهِ قيِّمةٌ عادلةٌ مستقيمةٌ، ليس فيها خطأٌ؛ لأنها مِن عند اللَّهِ.
وبنحوَ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 16497
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾: يذكُرُ القرآنَ بأحسنِ الذكرِ، ويُثْنى عليه بأحسنِ الثناءِ (١).
وقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. يقولُ: وما تفرَّق اليهودُ والنصارى في أمرِ محمدٍ ﷺ ، فكذَّبوا به، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. يعنى: من بعدِ ما جاءت هؤلاء اليهودَ والنصارى ﴿الْبَيِّنَةُ﴾. يعنى: بيانُ أمرِ محمدٍ أنه رسولٌ بإرسالِ اللَّهِ إيَّاه إلى خَلْقِه. يقولُ: فلما بعَثه اللَّهُ تفرَّقوا فيه، فكذَّب به بعضُهم، وآمن بعضُهم، وقد كانوا قبلَ أنْ يُبْعَثَ غيرَ مُتفرِّقين فيه أنه نبيٌّ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: وما أمَر اللَّهِ هؤلاء اليهودَ والنصارى الذين هم أهلُ الكتابِ، إلَّا أن يعبدوا اللَّهَ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ: مُفْرِدين له الطاعةَ، لا يَخْلِطون طاعتَهم ربَّهم بشركٍ. فأشرَكت اليهودُ بربِّها بقولهم: إنَّ عزيرًا ابنُ اللَّهِ. والنصارى بقولهم في المسيح مثلَ ذلك، وجحودهم نبوَّةَ محمدٍ ﷺ .
وقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾. وقد مضَى بيانُنا معنى "الحنيفيِّةِ" قبلُ بشواهدِه المُغْنيةِ عن إعادتها (٢)، غير أنَّا نذكُرُ بعض ما لم نذكُرْ قبلُ مِن الأخبارِ في ذلك.
стр. 16498
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدٍ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. يقولُ: حُجَّاجًا مسلمين غيرَ مشركين، يقولُ: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾: ويَحُجُّوا، ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾: والحنيفيَّةُ: الختانُ، وتحريمُ الأمهاتِ والبناتِ والأخواتِ والعماتِ والخالاتِ، والمناسكُ (١).
وقولُه: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾. يقولُ: وليقيموا الصلاةَ، وليؤتوا الزكاةَ.
وقولُه: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. يعنى أنَّ هذا الذي ذُكِر أنه أمَر به هؤلاء الذين كفروا من أهلِ الكتابِ والمشركين، هو الدينُ القيِّمةُ. ويعنى بالقيِّمة المستقيمةَ العادلةَ. وأُضيف "الدينُ" إلى "القيِّمةِ"، والدينُ هو القَيِّمُ، وهو من نعته؛ لاختلافِ لفظَيْهما. وهى في قراءةِ عبدِ اللَّهِ (٢) فيما ذُكر لنا: (وذلك الدينُ الْقَيِّمَةُ) (٣).
وأُنِّثت ﴿الْقَيِّمَةِ﴾؛ لأنها جُعلت صفةً للملَّةِ، كأنه قيل: وذلك الملَّةُ القيِّمةُ، دونَ اليهوديةِ والنصرانيةِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
стр. 16499
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: هو الدينُ الذي بعث اللَّهِ به رسولَه، وشرَع لنفسه، ورضِي به (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾، ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. قال: هو واحدٌ، قيِّمةٌ: مستقيمةٌ معتدلةٌ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين كفروا باللَّهِ ورسوله محمدٍ ﷺ فجحَدوا نبوَّته، مِن اليهودِ والنصارى والمشركين، جميعهم ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ماكثين، لابثين فيها أبدًا لا يخرجون منها ولا يموتون فيها، ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: هؤلاء الذين كفروا من أهلِ الكتابِ والمشركين، هم شرُّ مَن بَرَأه اللَّهُ وخَلَقه. والعربُ لا تَهْمِزُ البريةَ، وبتركِ الهمزِ فيها قرَأَتْها قرأةُ الأمصارِ، غيرَ شيءٍ يُذكَرُ عن نافعِ بن أبي نعيمٍ، فإنه حكَى بعضُهم عنه أنه كان يَهمِزُها (٣)، وذهَب بها إلى قولِ اللَّهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]. وأنها فعيلة من ذلك. وأما الذين لم يَهْمِزُوها، فإنَّ لتركهم الهمزَ في ذلك وجهين؛ أحدُهما: أنْ يكونوا تركوا الهمزَ فيها كما تركَوه من المَلَكِ، وهو "مَفْعَلٌ" من:
стр. 16500
أَلَك، أو لأك. ومن: يَرى، وتَرى، ونَرى. وهو "يفعلُ" مِن: رأيتُ. والآخرُ: أَنْ يكونوا وجَّهوها إلى أنها "فعيلةٌ" مِن البَرَى (١) وهو الترابُ. حُكى عن العربِ سماعًا: بفيك (٢) البَرَى. يعني به الترابَ.
وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إنَّ الذين آمنوا باللَّهِ ورسولِه محمدٍ، وعبدوا اللَّهَ مخلصين له الدينَ حنفاءَ، وأقاموا الصلاةَ، وآتوُا الزكاةَ، وأطاعوا اللَّهَ فيما أمَر ونهى، ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾. يقولُ: مَن فعَل ذلك من الناس فهم خيرُ البريةِ.
وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا عيسى بنُ فرقدٍ، عن أبي الجارودِ، عن محمدِ بن عليٍّ: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾. فقال النبيُّ ﷺ : "أنت يا عليُّ وشيعتُك" (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ عندَ ربِّهم يومَ القيامةِ، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. يعنى: بساتينُ إقامةٍ لا ظعنَ فيها، تجرى من تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. [يقولُ: ماكثين فيها أبدًا] (٤)، لا يخرجون عنها، ولا يموتون فيها، ﴿﵃﴾ بما أطاعوه في الدنيا وعمِلوا لخلاصِهم
стр. 16501
مِن عقابِه في ذلك، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ لما (١) أعطاهم مِن الثوابِ يومئذٍ على طاعتِهم ربَّهم في الدنيا، وجزاهم عليها مِن الكرامةِ.
وقولُه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الخيرُ الذي وصفْتُه ووعدْتُه الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ يومَ القيامةِ، ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. يقولُ: لمن خاف اللَّهِ في الدنيا في سرِّه وعلانيتِه، فاتقاه بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصيه.
آخر تفسيرِ سورةِ "لم يكن"
стр. 16502
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورةِ "إذا زلزلت"
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﷻ وتقدَّسَت أسماؤُه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ لقيام الساعةِ، ﴿زِلْزَالَهَا﴾ فرُجَّت رجًّا.
والزَّلزالُ مصدرٌ إذا كُسِرت الزايُ، وإذا فُتِحت كان اسمًا، وأُضِيف الزلزالُ إلى الأرضِ وهو صفتُها، كما يقالُ: لأُكرمَنَّك كرامتَك. بمعنى: لأُكرمنَّك كرامةً. وحَسُن ذلك في ﴿زِلْزَالَهَا﴾، لموافقتها سائرَ (١) رءوسِ الآياتِ التي بعدَها.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: زُلْزِلَتِ الأرضُ على عهدِ عبدِ اللَّهِ، فقال لها عبدُ اللَّهِ: مالك؟ أمَا إنها لو تكلَّمت قامتِ الساعةُ.
وقولُه: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. يقولُ: وأخرجتِ الأرضُ ما في بطنِها مِن الموتى أحياءً، والميتُ في بطنِ الأرضِ ثِقْلٌ لها، وهو فوقَ ظهرِها حيًّا ثِقلٌ عليها.
стр. 16503
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ القزازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. قال: الموتى (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. قال: يعنى الموتى.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا (٢) عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾: مَن في القبورِ (٣).
وقولُه: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الناسُ إذا زُلزلتِ الأرضُ لقيام الساعة: ما لِلأرضِ (٤) وما قصَّتُها؟ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾.
كان ابنُ عباسٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثنى ابنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾. قال: الكافرُ، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. يقولُ: يومَئِذٍ تحدثُ الأرضُ أخبارها (١)
стр. 16504
وتحديثُها أخبارها على القولِ الذي ذكرناه عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، أنْ تتكلَّمَ فتقول: إنَّ اللَّهَ أَمَرنى بهذا، وأوحى إليَّ به، وأَذِن لي فيه.
وأما سعيدُ بن جبيرٍ، فإنه كان يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ بن عبدِ الملك، قال: سمِعتُ سعيدَ بن جبيرٍ يقرأُ (١) في المغربِ مرَّةً: (يَوْمَئِذٍ تُنْبِيُّ أخبارها). ومرَّةً: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (٢).
فكأنَّ معنى ﴿تُحَدِّثُ﴾ كان عندَ سعيدٍ: تُنْبِئُ (٣). وتنبيئُها أخبارَها إخراجُها أثقالَها مِن بطنِها إلى ظهرِها. وهذا قولٌ عندى صحيحُ المعنى. وتأويلُ الكلامِ على هذا المعنى: يومَئِذٍ تُبيِّنُ الأرضُ أخبارَها بالزلزلة والرَّجَّةِ، وإخراجِ الموتى مِن بطونها إلى ظهورِها، بوحيِ اللَّهِ إليها وإذنِه لها بذلك. وذلك معنى قولِه: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾: يقولُ (٤): ﴿رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾.
стр. 16505
قال: أمَرها فألقَتْ ما فيها وتخلَّت.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. قال: أَمَرها (١).
وقد ذكر عن عبد اللَّهِ أنه كان يقرأُ ذلك: (يَوْمَئِذٍ تُنَبَّئُ (٢) أخبارها) (٣).
وقيل: معنى ذلك أنَّ الأرضَ تحدِّثُ أخبارها مِن كان على ظهرها مِن أهلِ الطاعةِ والمعاصى، وما عمِلوا عليها مِن خيرِ أو شرٍّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. قال: ما عُمِل عليها مِن خيرٍ أو شرٍّ، ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. قال: أعلَمها ذلك.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. قال: ما كان فيها وعلى ظهرِها مِن أعمال العبادِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. قال: تخبرُ الناس بما عمِلوا عليها (١).
وقيل: عُنِى بقوله: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾: أوحَى إليها.
стр. 16506
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني ابنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾. قال: أوحى إليها (١).
وقولُه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾. قيل: إنَّ معنى هذه الكلمةِ التأخيرُ بعدَ: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾. قالوا: ووجْهُ الكلامِ: يومئذِ تحدِّثُ أخبارَها بأنَّ ربَّك أوحَى لها، ليُرَوا أعمالَهم، يومَئذٍ يصدُرُ الناسُ أشتاتًا. قالوا: ولكنه اعترض بين ذلك بهذه الكلمة.
ومعنى قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾: يومَئِذٍ يصدُرُ الناسُ عن موقف الحسابِ فرقًا متفرِّقين؛ فأخذٌ ذاتَ اليمينِ إلى الجنةِ، وآخذٌ ذات الشمالِ إلى النارِ.
وقولُه: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: يومئذٍ يصدُرُ الناسُ أشتاتًا متفرِّقين، عن اليمين وعن الشمالِ، ليُرَوا أعمالَهم، فيَرى المحسنُ في الدنيا المطيعُ للهِ عملَه وما أعدَّ اللهُ له يومَئذٍ مِن الكرامةِ، على طاعته إيَّاه كانت في الدنيا، ويرى المسيءُ العاصى للهِ عملَه، وجزاء عمله، وما أعدَّ اللَّهُ له مِن الهوانِ والخزيِ في جهنمَ، على معصيته إيَّاه كانت في الدنيا، وكفره به.
وقولُه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. يقولُ: فمن عمِل في الدنيا وزنَ ذرَّةٍ مِن خيرٍ، يَرَ ثوابه هنالك، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. يقولُ تعالى: ومَن كان عمل في الدنيا وزنَ ذرَّةٍ شَرًا، يَرَ جزاءَه هنالك.
وقيل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾. والخبرُ عنها في الآخرةِ، لفهمِ السامعِ
стр. 16507
معنى ذلك؛ لما قد تقدَّم مِن الدليل قبلُ على أنَّ معناه: فمن عمل. وذلك دلالةُ قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ على ذلك، ولكن لما كان مفهومًا معنى الكلامِ عندَ السامعين، وكان في قولِه: ﴿يَعْمَلْ﴾ حثٌ لأهل الدنيا على العمل بطاعةِ اللَّهِ، والزجرِ عن معاصيه، مع الذي ذكرتُ مِن دلالةِ الكلام قبلَ ذلك، على أنَّ ذلك مرادٌ به الخبر عن ماضي فعلِه، وما لهم على ذلك - أُخرج (١) الخبرُ على وجْهِ الخبرِ عن مستقبلِ الفعلِ.
وبنحوِ الذي قلنا مِن أنَّ جميعهم يَرَوْن أعمالهم، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. قال: ليس مؤمنٌ ولا كافرٌ عمِل خيرًا ولا شرًّا في الدنيا، إلا آتاه اللهُ إيَّاه؛ فأما المؤمنُ فيُريه حسناته وسيئاتِه فيغفرُ اللَّهُ له سيئاتِه، وأما الكافرُ فيَرُدُّ حسناتِه ويعذِّبُه بسيئاتِه (٢).
وقيل في ذلك غيرُ هذا القولِ؛ فقال بعضُهم: أما المؤمنُ فيُعجِّلُ له عقوبةَ سيئاتِه في الدنيا ويؤخِّرُ له ثوابَ حسناتِه، والكافرُ يعجِّلُ له ثوابَ حسناته ويؤخِّرُ له عقوبةَ سيئاتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بن عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا محمدُ بن بشرٌ، قال:
стр. 16508
حدَّثنيه محمدُ بنُ مسلمٍ الطائفيُّ، عن عمرٍو بن قتادةَ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القرظيَّ وهو يفسِّرُ هذه الآيةَ: ﴿فَمَنْ (١) يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾. قال: مَن يعملْ مثقالَ ذرَّةٍ مِن خيرٍ مِن كافرٍ، يَرَ ثوابه في الدنيا في نفسه وأهلِه ومالَه وولدِه، حتى يخرُجَ مِن الدنيا وليس له عندَه خيرٌ، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ مِن مؤمنٍ، يَرَ عقوبتَه في الدنيا في نفسِه وأهله ومالِه وولدِه، حتى يخرُجَ مِن الدنيا وليس له عندَه شيءٌ (٢).
حدَّثني محمودُ (٣) بنُ خِداشٍ، قال: ثنا محمدُ بن يزيدُ الواسطيُّ، قال: ثنا محمد بنُ مسلمٍ الطائفيُّ، عن عمرٍو بن دينارٍ، قال: سألتُ محمدَ بنَ كعبٍ القرظيَّ عن هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. قال: مَن يعمل مثقالَ ذَرَّةٍ مِن خيرٍ مِن كافرٍ، يَرَ ثوابها في نفسِه وأهلِه ومالِه، حتى يخرُجَ (٤) وليس له خيرٌ، ومَن يعملْ مثقالَ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ مِن مُؤمِنٍ، يَرَ عقوبتَها في نفسِه وأهلِه ومالِه (٥)، حتى يخرُجَ وليس له شرٌّ.
حدَّثني أبو الخطابِ الحسانيُّ، قال: ثنا الهيثمُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سماكُ بنُ عطيةَ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسِ، قال: كان أبو بكرٍ ﵁ يأكلُ مع النبيِّ ﷺ ، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. فرفع أبو بكرٍ يدَه، (٦) وقال: يا رسول
стр. 16509
اللَّهِ، إني أُجزَى بما عملتُ مِن مثقال ذرَّةٍ مِن شرٍّ؟ فقال: "يا أبا بكرٍ، ما رأيتَ في الدنيا مما تكْرهُ فبمثاقيلِ (١) ذرٍّ الشرٍّ، ويَدَّخِرُ اللَّهِ لك مثاقيلَ الخير حتى تُوفَّاه يومَ القيامة" (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، [قال: ثنا عبدُ الوهابِ] (٣)، قال: ثنا أيوبُ، قال: وجَدنا في كتاب أبي قِلابةَ، عن أبى إدريسَ، أنَّ أبا بكرٍ كان يأكلُ مع النبيِّ ﷺ ، فأُنزلت هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. قال: فرفَع أبو بكرٍ يده مِن الطعامِ، وقال: إني لراءٍ ما عمِلتَ. قال: لا أعلمُه إلا قال: ما عمِلتُ (٤) مِن خيرٍ وشرٍّ. فقال النبيُّ ﷺ : (إنَّ ما تَرى مما تكْرَهُ فهو مثاقيلُ ذَرٍّ شرٍّ كثيرٍ، ويَدَّخِرُ اللَّهُ لك مثاقيلَ ذرِّ الخيرِ حتى تُعْطاه يومَ القيامةِ". وتصديقُ ذلك في كتابِ اللَّهِ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٥) [الشورى: ٣٠].
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليه، قال: ثنا أيوبُ، قال: قرأتُ في كتاب أبي قلابةَ، قال نزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وأبو بكرٍ يأكلُ (٦)، فأمسَك وقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنى
стр. 16510
لراءٍ ما عمِلتُ مِن خيرٍ أو (١) شرٍّ؟ فقال: (أرأيتَ ما رأيتَ مما تكْرَهُ، فهو مِن مثاقيل ذرِّ الشرِّ، ويُدَّخَرُ مثاقيلُ ذرِّ الخير، حتى تُعْطَوه يومَ القيامةِ". قال أبو إدريس: فأرَى مصداقَها في كتابِ اللَّهِ، قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٢).
حدَّثني يعقوب بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: قالت عائشةُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن عبدَ اللَّهِ بنَ جُدْعانَ كان يصلُ الرحم، ويفعلُ ويفعل، هل ذاك نافعه؟ قال: "لا، إنه لم يقُلْ يومًا: رَبِّ اغْفِرْ لى خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ".
حدَّثنا ابنُ وكيعٌ، قال: ثنا حفصٌ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ابنُ جُدْعانَ كان في الجاهلية يصلُ الرحمَ، ويُطعِمُ المسكينَ، فهل ذاك نافعُه؟ قال: "لا يَنْفَعُه، إنه لم يقُلْ يومًا: رَبِّ اغْفِرْ لى خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ" (٣).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عامر الشعبيِّ، أنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنين قالت: يا رسولَ اللَّهِ، إن عبد اللَّهِ بن جُدْعان كان يصلُ الرحمَ، ويَقْرِى الضيفَ، ويَفُكُّ العانىَ، فهل ذلك نافعه شيئًا؟ قال: "لا، إنَّه لم يقُلْ يوما: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ".
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن داود، عن عامرٍ، عن (٤) علقمةَ،
стр. 16511
أن سلمةَ بن يزيدَ الجُعْفِيَّ، قال: يا رسولَ اللَّهِ، إن أُمَّنا هَلكتْ في الجاهلية؛ كانت تصلُ الرحمَ، وتَقْرِى الضيفَ، وتفعلُ وتفعلُ، فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: "لا" (١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن علقمةَ بن قيسٍ، عن سلمةَ بن يزيدُ الجُعْفيِّ، قال: ذهَبْتُ أنا وأخى إلى رسول اللَّهِ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّنا كانت في الجاهليةِ تَقْرِى الضيفَ، وتصلُ الرحمَ، هل ينفعُها عملُها ذلك شيئا؟ قال: "لا". (٢).
حدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ بن صُدْرانَ وابنُ عبدِ الأعلى، قالا: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا داودُ بن أبى هندٍ، عن الشعبيِّ، عن علقمةَ، عن سلمةَ بن يزيدَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه.
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن [عمرو بن] (٣) قتادةَ، عن محمدِ بن كعبٍ أنه قال: أما المؤمنُ فيرى حسناته في الآخرة، وأما الكافرُ فيرى حسناتِه في الدنيا (٤).
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا أبو نَعامةَ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ بُشيرٍ الضبيُّ - جدُّه سلمانُ (٥) بنُ عامرٍ - أن سلمان (٥) - بنَ عامرٍ جاء رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فقال: إنَّ أبى كان يصلُ الرَّحِمَ، ويَفِى بالذمَّةِ، ويُكرم الضيفَ.
стр. 16512
قال: "مات قبل الإسلام؟ ". قال: نعم. قال: "لن يَنْفَعَه ذلك". فولَّى، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "عليَّ بالشيخِ". فجاء فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إنها لن تَنْفَعَه، ولكنَّها تكونُ في عَقِبِه، فلن يخْزَوْا أبدًا، ولن يَذلُّوا أبدًا، ولن يَفْتَقِرُوا أبدًا" (١).
حدَّثنا ابنُ المثنى وابن بشارٍ، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عمرانُ، عن قتادةَ عن أنسٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ اللَّهِ قال: (إِنَّ الله لا يَظْلِمُ المؤمنَ حسنةً، يُثاب عليها الرزْقَ في الدنيا، ويُجْزَى بها في الآخرة، وأما الكافرُ فيُعْطِيه بها في الدنيا، فإذا كان يومُ القيامةِ لم يكن له حسنةٌ" (٢)
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ليثٌ، قال: ثنى المعلَّى، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ما أَحْسَن مِن محسنٍ مؤمنٍ أو كافرٍ إلا وقع ثوابُه على اللَّهِ في عاجلِ دنياه أو آجلِ آخرتِه" (٣).
حدَّثني يونس بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنى [حُيَيُّ (٤) ابنُ عبدِ اللَّهِ، عن أبي عبدِ] (٥) الرحمنِ الحُبُليِّ (٦)، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو بن العاصِ أنه قال: أُنزِلت (٧): ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾. وأبو بكرٍ الصدِّيقُ قاعدٌ، فبكى حينَ أُنزِلت، فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ : (ما يُبْكيك يا أبا بكرٍ؟ ". قال: يُبْكِيني هذه السورةُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (لولا أنَّكم تُخْطِئونَ وتُذنبون فيَغْفِرُ اللَّهِ لكم، لخلق
стр. 16513
اللَّهِ أُمَّةً يُخطئون ويُذنبون فيَغْفِرُ لهم" (١).
فهذه الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ تُنْبِئ عن أن المؤمنَ إنما يَرَى عقوبةَ سيئاتِه في الدنيا وثوابَ حسناتِه في الآخرةِ، وأنَّ الكافرَ يَرَى ثوابَ حسناتِه في الدنيا وعقوبةَ سيئاتِه في الآخرةِ، وأنَّ الكافرَ لا ينفعُه في الآخرةِ ما سلَف له مِن إحسانٍ في الدنيا مع كُفْرِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عليٍّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، قال: أدركتُ سبعينَ مِن أصحابِ عبد اللَّهِ، أصغرُهم الحارثُ بنُ سُوَيْدٍ، فسمعتُه يقرأُ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ حتى بلَغ إلى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. قال: إنَّ هذا إحصاءٌ شديدٌ (٢).
وقيل: إن الدَّرَّةَ دُودةٌ حمراءُ ليس لها وزنٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني إسحاق بن وهبٍ العلَّافُ ومحمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ. قال: ثنا شبيبٍ بن بشرٍ، عن عكرمةَ، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾. قال ابنُ سنانٍ في حديثهِ: مثقالَ ذَرَّةٍ حمراءَ. وقال ابنُ وهبٍ في حديثه: نملةٍ حمراءَ. قال إسحاقُ، قال يزيدُ بن هارونَ: وزعَموا أن هذه الدودةَ الحمراءَ ليس لها وزنٌ (٣).
آخر تفسيرِ سورةِ "الزلزلةِ"
стр. 16514
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسيرُ سورةِ "والعاديات"
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدست أسماؤُه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالعادياتِ ضَبْحًا الخيلُ التي تعدو، وهي تُحمْحِمُ (١)
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدٍ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: الخيلُ. وزعم غيرُ ابن عباسٍ أنها الإبلُ (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
стр. 16515
في قول اللَّهِ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال ابنُ عباسٍ: هو في القتالِ (١).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الخيلُ (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، قال: سُئل عكرمةُ عن قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: ألم تَرَ إلى الفَرَسِ إذا جرَى كيف يَضْبَحُ.
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: ليس شيءٌ مِن الدوابِّ يَضْبَحُ غيرَ الكلبِ والفرسِ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: الخَيلُ تَضْبَحُ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الخيلُ، عَدَتْ حتى ضَبَحتْ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الخيلُ تَعْدو حتى تَضْبَحَ (٥).
стр. 16516
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، سفيانَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ مثلَ حديثِ بشرٌ، عن يزيدُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سعيدٌ (١)، قال: سمعتُ سالمًا يقرأُ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الخيلُ عَدَتْ (٢) ضَبْحًا.
قال: ثنا وكيعٌ عن واصلٍ عن عطاءٍ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: الخيلُ (٣).
قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ بن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنُ عباسٍ، قال: ما ضبَحَتْ دابةٌ قطُّ إلا كلبٌ أو فرسٌ (٤).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الخيلُ.
حدَّثني سعيدٌ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هي الخيلُ. [يعنى قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: هي الخيلُ] (٥).
وقال آخرون: هي الإبلُ.
стр. 16517
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الإبلُ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.
حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ الرمليُّ، قال: ثني عمي يحيى بنُ عيسى الرمليُّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبد اللَّهِ [مثله.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبد اللَّهِ] (٢): ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: هي الإبلُ، إذا ضبَحَتْ تنفَّسَت.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا أبو صخرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ، حدَّثه، قال: بينما أنا في الحِجْرِ جالسٌ، أتاني رجلٌ يسألُ عن: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. فقلتُ له: الخيلُ حينَ تُغِيرُ في سبيل اللَّهِ، ثم تأْوِى إلى الليلِ، فيصنعون طعامَهم، ويورون نارَهم، فانفتَل عنى، فذهَب إلى عليّ بن أبى طالبٍ ﵁ وهو تحتَ سِقاية زمزمَ، فسأله عن: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. فقال: سألتَ عنها أحدًا قبلى؟ قال: نعم، سألتُ عنها ابنُ عباسٍ، فقال: الخيلُ حينَ تُغِيرُ في سبيل اللَّهِ. قال: اذْهَبْ فَادْعُه لى. فلما وقفتُ على رأسِه قال: تُفْتِى الناسَ بما لا علمَ لك به، والله لكانت أوَّلَ غزوةٍ في
стр. 16518
الإسلامِ لبدرٌ، وما كان معنا إلا فرسان؛ فَرَسٌ للزبيرِ، وفَرَسٌ للمقدادِ، فكيف تكونُ العادياتُ ضَبْحًا، إنما العادياتُ ضَبْحًا مِن عرفةَ إلى مزدلفةَ إلى منًى. قال ابنُ عباسٍ: فنَزَعْتُ عن قولِى ورَجعْتُ إلى الذي قال عليٌّ ﵁ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: الإِبلِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول اللَّهِ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: قال ابنُ مسعودٍ: هو في الحجِّ (٣).
حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو بن دينارٍ، عن عبيدِ بنُ عميرٍ، قال: هي الإبل، يعني: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ (٤).
حدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن إبراهيمَ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. قال: قال ابنُ مسعودٍ: هي الإبلُ.
وأولى القولين في ذلك عندى بالصواب قولُ مِن قال: عُنِى بالعادياتِ الخيلُ. وذلك أن الإبلَ لا تَضْبَحُ، وإنما تَضْبَحُ الخيلُ، وقد أخبَر اللَّهُ تعالى أنها تعدو ضَبْحًا،
стр. 16519
والضَّبْحُ هو ما قد ذكَرْتُ قبلُ.
وبما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي صالحٍ، قال: قال عليٌّ ﵁: الضبحُ مِن الخيلِ الحَمْحَمةُ، ومن الإبلِ النَّفَسُ (١).
قال: ثنا سفيانُ، عن ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: سمعتُ ابنُ عباسٍ يَصِفُ الصُّبْحَ: أَحْ أحْ (٢).
وقولُه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. اختلف أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: هي الخيلُ تُورِى النار بحوافرِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةً، قال: ثنا أبو رجاءٍ، قال: سُئل عكرمةَ عن قولِه: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: أَوْرَتْ وقَدَحَتْ (٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: هي الخيلُ. وقال الكَلْبيُّ: تَقْدَحُ بحوافرِها حتى يخرُجَ منها النارُ (٤).
стр. 16520
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن واصلٍ، عن عطاءٍ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: أَوْرَتِ النارَ بحوافرِها (١)
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾: تُورِى الحجارةَ بحوافرِها (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّ الخيلَ هِجْنَ الحربَ بين أصحابِهنَّ ورُكْبانهنَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾.
قال: هِجْنَ الحرب بينهم وبين عدوِّهم (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: هِجْنَ الحربَ بينَهم وبينَ عدوِّهم.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك الذين يُورون النارَ بعدَ انصرافهم مِن الحربِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبى معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: سألني عليٌّ ﵁، عن: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. فقلتُ له: الخيلُ حينَ (٣) تُغِيرُ في
стр. 16521
سبيلِ اللَّهِ، ثم تأْوِى إلى الليلِ، فيصنعون (١) طعامَهم ويُورون نارَهم (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: مكرُ الرجال.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ قَدْعا. قال: المكرُ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: مكرُ الرجالِ (٤).
وقال آخرون: هي الألسنةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا يونسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ. عن سماكِ بن حربٍ، عن عكرمةَ، قال: يُقالُ في هذه الآية: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: هي الألسنةُ (٥).
стр. 16522
وقال آخرون: هي الإبلُ حيَن تسيرُ (١) تَنْسِفُ بمناسمِها (٢) الحَصَى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبد اللَّهِ: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال: إذا نسفتِ الحَصَى بمناسبها، فضرب الحَصَى بعضُه بعضًا، فتخرُجُ منه النارُ (٣).
وأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ: إنَّ اللَّهِ تعالى ذكرُه أقسَم بالمورياتِ التي تُورى النيرانَ قدحًا، فالخيلُ تُورِى بحوافرِها، والناسُ يُورونها بالزَّندِ، واللسانُ مثلًا يُورى بالمنطقِ، والرجالُ يُورون بالمكرِ مثلًا، وكذلك الخيلُ تُهيِّجُ الحربَ بينَ أهلِها إذا التقَتْ في الحربِ، ولم يضعِ اللَّهِ دلالةً على أنَّ المراد مِن ذلك بعضٌ دونَ بعضٍ، فكلُّ ما أَوْرَت النارَ قدْحًا، فداخلةٌ فيما أقسَم به؛ لعمومِ ذلك بالظاهرِ.
وقولُه: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فالمغيراتِ صُبْحًا على عدوِّها علانيةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبى معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ، قال: سألني رجلٌ عن ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾، فقال: الخيلُ تُغِيرُ في سبيلِ اللَّهِ (٤).
стр. 16523
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، قال: سألتُ عكرمة عن قولِه: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. قال: أغارَتْ على العدوِّ صُبْحًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. قال: الخيلُ (٢).
[حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ] (٣): ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. قال: هي الخيلُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. قال: أغار القومُ بعدما أصبحوا، على عدوِّهم.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. قال: أغارت حينَ أصبَحَتْ (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا، مِهْرانُ، عن سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ قال: أغار القوم حين أصبحوا.
وقال آخرون: عُنى بذلك الإبلُ حينَ تَدْفَعُ بُرُكْبانِها (٥) مِن جَمْعِ يومَ النحرِ إلى مِنًى.
стр. 16524
ذكر من قال ذلك
• حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبد الله: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٢)﴾: حين يُفيضُون مِن جمعٍ (١).
وأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ الله جلَّ ثناؤه أقسَم بالمغيراتِ صُبْحًا، ولم يَخْصُصْ من ذلك مُغِيرةً دونَ مُغيرةٍ، فكلُّ مُغيرةٍ صُبْحًا، فادخلةٌ فيما أقسَم به، وقد كان زيدُ بن أسلمَ يذكُرُ تفسيرَ هذه الأحرفِ ويأباها، ويقولُ: إنما هو قسمٌ أقسَم اللهُ به.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾. قال: هذا قسمٌ أقسَم اللهُ به. وفي قولِه: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾. قال: كلُّ هذا قسمٌ. قال: ولم يكنْ أبى ينظُرُ فيه إذا سُئل عنه، ولا يذكُرُه (٢)، يريدُ به القسمَ.
وقوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. يقول تعالى ذكره: فرفَعْن بالوادى غُبارًا. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويقالُ: إنه الترابُ. والهاء في قوله ﴿بِهِ﴾ كنايةُ اسمِ الموضع، وكُنِّى عنه، ولم يَجْرِ له ذكرٌ؛ لأنَّه معلومٌ أن الغبارَ لا يُثارُ إلا من موضعٍ، فاستغنى (٣) بفهمِ السامعين بمعناه مِن ذكرِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 16525
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. قال: الخيلُ (١).
• حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن واصلٍ، عن عطاء وابن زيدٍ، قال: النَّقْعُ: الغُبارُ.
• حدثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. قال: هي أثارت الغبارَ. يعنى الخيلَ.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، قال: سُئل عكرمةُ عن قولِه: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. قال: أثارت الترابَ بحوافرِها.
• حدَّثنا ابن حميد قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيد، عن قتادة: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. قال: أثَرْن بحوافرها نقعَ الترابِ.
• حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة مثلَه.
• حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾. قال: أثَرْن به غبارًا (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أبو صخرٍ، عن أبى معاوية البجليِّ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال لي عليٌّ: إنما