تفسير سورة "والعصر"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القول في تأويل قوله جل ثناؤُه وتقدست أسماؤه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وَالْعَصْرُ﴾؛ فقال بعضهم: هو قَسَمٌ، أقسم ربنا تعالى ذكره بالدهرِ. فقال: العصر: هو الدهرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾. قال: العصر: ساعةٌ من ساعات النهار.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمر، عن الحسن: ﴿وَالْعَصْرِ﴾. قال: هو العشيُّ (١).
والصوابُ من القول في ذلك أن يقال: إن ربَّنا أقسم بالعصرِ، والعصر اسمٌ للدهر، وهو العشيُّ والليل والنهارُ، ولم يخصص مما شمله هذا الاسم معنى دونَ معنى، فكل ما لزمه هذا الاسم، فداخل فيما أقسم به جلّ ثناؤه.
وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. يقول: إن ابن آدم لفى هلَكةٍ ونقصانٍ.
وكان عليٌّ ﵁ يقرأُ ذلك: (إن الإنسانَ لفي خُسْرٍ، وإنه فيه إلى آخرِ
стр. 16557
الدهرِ) (١).
حدثني [عبد الأعلى] (٢) بن واصلٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ الفضل بن دكين، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرٍو ذى مُرٍّ، قال: سمعتُ عليًّا ﵁ يقرأُ هذا الحرف: (والعصر ونوائب الدهر، إن الإنسان لفي خُسْرٍ، وإنه فيه إلى آخر الدهر) (٣).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: قتادة: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾: ففى بعض القراءاتِ (٤): (وإنه فيه إلى آخر الدهر).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرٍو ذى مُرٍّ، أن عليا ﵁ قرأها: (والعصر ونوائب الدهر، إن الإنسان لفى خُسْرٍ).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِي خُسْرٍ﴾: إِلا مَنْ آمَن (٥).
﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقول: إلا الذين صدقوا الله ووحَّدوه، وأقرُّوا له بالطاعة (٦)، وعملوا الصالحات، وأدَّوا ما لزمهم من فرائضه:
стр. 16558
واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه.
واستثنى الذين آمنوا من الإنسان؛ لأن الإنسان بمعنى الجمع، لا بمعنى الواحد.
وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: وأوصى بعضُهم بعضًا بلزومِ العمل بما أنزل الله في كتابه من أمره، واجتناب ما نهى عنه فيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾: والحقُّ كتابُ اللهِ (١).
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن الحسن (٢): ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾. قال: الحقُّ: كتابُ اللهِ (٣).
حدثني عمران بن بكّارِ الكَلاعِيُّ، قال: ثنا خطاب بنُ عثمانَ، قال: ثنا عبد الرحمن بن سنان أبو رَوْحِ السَّكوني، حِمْصي لقيتُه بِإِرْمِينِيَةَ، قال: سمعت الحسن يقولُ في: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾. قال: الحقُّ كتابُ اللهِ. وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. يقولُ: وأوصى بعضُهم بعضًا بالصبر على العمل بطاعةِ اللَّهِ.
стр. 16559
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
قال: الصبر: طاعة الله (١).
حدثني عمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلاعيُّ، قال: ثنا خطاب بنُ عثمان، قال: ثنا عبد الرحمن بن سنان أبو رَوْح، قال: سمعت الحسن يقولُ في قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. قال: الصبر طاعةُ اللَّهِ.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسن (٢): ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. قال: الصبر طاعة الله (١).
آخرُ تفسير سورة "والعصر"
стр. 16560
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورةِ "ويلٌ لكلِّ همزةٍ"
القول في تأويل قوله جل ثناؤُه وتقدست أسماؤه: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ﴾: الوادى يسيل من صديدِ أهل النار وقيحهم، ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾. يقولُ: لكلِّ مغتابٍ للناس، يغتابهم ويغُضُّهم (١). كما قال زيادٌ الأعجم (٢):
تُدْلى بوُدِّى إذا لاقَيْتَنى كَذِبًا … وإن أُغَيَّبْ فأنت الهامِزُ اللُّمَزَهْ
ويعني باللمزةِ: الذي يعيبُ الناسَ، ويطعُنُ فيهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا مُشَرَّفُ (٣) بنُ أبانٍ، قال: ثنا وكيعٌ، [عن أبيه] (٤)، عن رجلٍ لم يسمِّه، عن أبي الجوزاء، قال: قلت لابن عباس: مَنْ هؤلاء (٥) الذين
стр. 16561
بدَأهم الله بالويلِ؟ قال: هم المَشَّاءون بالنميمةِ، المفرقون بين الأحبة، الباغُون أكبرَ العيب (١).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن رجل من أهل البصرةِ، عن أبي الجوزاء، قال: قلت لابن عباس: من هؤلاء الذين ندبهم الله إلى الويل؟ ثم ذكر نحوَ حديثِ مُشرَّف (٢) بن أبانٍ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾. قال: الهمزةُ: يأكل لحوم الناسِ، واللمزةُ: الطَّعَّانُ (٣).
وقد روى عن مجاهد خلافُ هذا القولِ، وهو ما حدثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾. قال: الهمزةُ: الطَّعَّانُ، واللمزةُ: الذي يأكل لحوم الناس (٤).
حدثنا مُشرَّفُ (٥) بن أبانٍ الخطابُ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
ورُوِى عنه أيضًا خلافُ هذين القولين، وهو ما حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾. قال: أحدُهما الذي يأكل لحوم الناسِ، والآخرُ الطَّعَّانُ.
стр. 16562
وهذا يدلُّ على أن الذي حدث بهذا الحديث قد كان أُشكل عليه تأويل الكلمتين؛ فلذلك اختلَف نقلُ الرواة عنه ما رَوَوا على ما ذكرت.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾: أما الهمزة فآكل لحوم الناس، وأما اللمزةُ فالطَّعَّانُ عليهم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: الهمزة: آكل لحوم الناس، واللمزةُ: الطَّعَّانُ عليهم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن خثيم (١)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾. قال: ويلٌ لكلِّ طعانٍ مغتاب (٢).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: الهمزة يهمزه في وجهه، واللمزةُ (٣) من خلفه (٤).
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: قال: يهمزُه ويلمزه بلسانه وعينه، ويأكل لحوم الناسِ، ويطعُنُ عليهم (٥).
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء (٦)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الهمزة باليد، واللمزةُ باللسان (٧).
стр. 16563
وقال آخرون في ذلك ما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾. قال: الهمزةُ: الذي يهمزُ الناسَ بيدِه، ويضربهم بلسانه، واللمزةُ: الذي يلمزُهم بلسانه ويَعيبُهم (١).
واختُلف في المعنيِّ بقوله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِيَ بذلك رجلٌ من أهل الشرك بعينه. فقال بعضُ من قال هذا القول: هو جميل بن عامرٍ الجُمَحيُّ. وقال آخرون منهم: هو الأخنس بنُ شَرِيقٍ.
ذكرُ مَن قال: عُنِي به مشركٌ بعينه
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾. قال: مشركٌ كان يلمزُ الناسَ ويَهْمِزُهم (٢).
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن رجل من أهلِ الرَّقَّةِ، قال: نزَلَتْ في جميلِ بن عامرٍ الجُمحيِّ.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء في قوله: ﴿هُمَزَة لُّمَزَةٍ﴾. قال: ليست بخاصةٍ لأحدٍ، نزلت في جميل بن عامر. قال ورقاءُ: زعَم الرقاشيُّ.
وقال بعضُ أهل العربية (٣): هذا من نوعِ ما تذكر العرب اسم الشيء العامِّ وهى
стр. 16564
تقصدُ به الواحد، كما يقال في الكلام، إذا قال رجلٌ لأحدٍ: لا أزورك أبدًا: كل من لم يزُرنى فلست بزائرِه. وقائلُ ذلك يقصد جواب صاحبه القائل له: لا أزورك أبدًا.
وقال آخرون: ذلك (١) معنيٌّ به كلُّ من كانت هذه الصفةُ صفته، ولم يُقصد به قصد آخر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾. قال: ليست بخاصةٍ لأحدٍ (٢).
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقال: إن الله عمَّ بالقول كلَّ همزةٍ لمزةٍ؛ كلُّ مَن كان بالصفة التي وُصف هذا الموصوفُ بها، سبيله سبيله كائنًا ما (٣) كان من الناس.
وقوله: ﴿الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَدَهُ﴾. يقولُ: الذي جمع مالا وأحصى عددَه، ولم ينفقه في سبيلِ اللَّهِ، ولم يُؤَدَّ حقَّ الله فيه، ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه.
واختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأه من قرَأةِ أهل المدينة أبو جعفرٍ، وعامةُ قرأة الكوفة سوى عاصمٍ: (جَمَّع) بالتشديد (٤)، وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة
стр. 16565
والحجاز سوى أبى جعفرٍ؛ وعامة قرأة البصرة، ومن الكوفة عاصم: ﴿جَمَعَ﴾ بالتخفيف (١)، وكلُّهم مجمعون على تشديد الدال من ﴿وَعَدَدَّهُ﴾، على الوجه الذي ذكَرتُ من تأويله. وقد ذُكر عن بعض المتقدمين بإسنادٍ غير ثابتٍ، أنه قرَأه: (جمع مالًا وعَدَدَه) بتخفيف الدال (٢)، بمعنى: جمع مالًا، وجمع عشيرته وعَدَدَه، وهذه قراءةٌ لا أستجيز القراءة بها؛ بخلافها قراءة الأمصار، وخروجها عما عليه الحجة مجمعةٌ في ذلك.
وأما قوله: ﴿جَمَعَ مَالًا﴾: فإن التشديد والتخفيف فيهما صوابان؛ لأنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.
وقوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخَلَدَهُ﴾. يقولُ: يحسب أن ماله الذي جمعه وأحصاه، وبخل بإنفاقه، مُخلِدُه في الدنيا فمزيلٌ عنه الموت! وقيل: ﴿أَخْلَدَهُ﴾. والمعنى: يُخلِدُه؛ كما يقال للرجل الذي يأتى الأمر الذي يكون سببًا لهلاكه: عَطِب والله فلانٌ، وهلك والله فلانٌ. بمعنى أنه يعطبُ من فعله ذلك، ولمَّا يهلِكْ بعدُ ولم يعطَبْ، وكالرجل يأتى الموبقة من الذنوبِ: دخل والله فلان النار.
وقوله: ﴿كَلَّا﴾. يقول تعالى ذكره: ما ذلك كما ظنَّ، ليس ماله مُخلِدَه. ثم أخبر جل ثناؤُه أنه هالِكٌ ومعذَّبٌ على أفعاله ومعاصيه التي كان يأتيها في الدنيا، فقال جل ثناؤه: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾. يقولُ: ليقذفَنَّ يوم القيامة في الحطَمةِ. والحطمةُ اسمٌ من أسماءِ النارِ، كما قيل لها: جهنم، وسَقَرُ، ولَظَى. وأحسبها سمِّيت بذلك؛ لحَطْمِها كلَّ ما أُلقى فيها، كما يقال للرجل المأكولِ: الحُطَمَةُ.
стр. 16566
وذُكِر عن الحسن البصرى أنه كان يقرأُ ذلك: (لَيَنْبَذانِّ في الحُطَمَةِ). يعنى هذا الهمزةَ اللمزةَ ومالَه؛ فثنَّاه لذلك (١).
وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾. يقولُ: وأيُّ شيءٍ أشْعَرَك يا محمد ما الحطمةُ؟ ثم أخبره عنها ما هي، فقال جلَّ ثناؤُه:
هي ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾. يقولُ: التي يطَّلِعُ ألمُها ووَهَجها القلوب.
والاطلاعُ والبلوغُ قد يكونان بمعنًى؛ حُكى عن العرب سماعًا: متى طَلَعْتَ أرضنا؟ و: طلعت أرضى. بلغتُ.
وقوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إن الحطَمة التي وصفتُ صفتها، ﴿عَلَيْهِم﴾. يعنى: على هؤلاء الهمازين اللمَّازين، ﴿مُوْصَدَةٌ﴾. يعنى: مُطبقَةٌ، وهى تُهمَزُ ولا تُهمَزُ، وقد قُرئنا جميعًا (٢).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ، عن ابن ظهير، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في: ﴿مُوْصَدَةٌ﴾. قال: مُطبَقَةٌ (٣).
حدثني عبيد بن أسباط، قال: ثني أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية في
стр. 16567
قوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ﴾. قال: مُطبقَةٌ (١).
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيد، قال: في النارِ رجلٌ، في شِعْبٍ من شعابها، ينادى مقدار ألف عام: يا حَنَّانُ يا مَنَّانُ. فيقولُ ربُّ العزَّة لجبريل: أخرج عبدى من النار. فيأتيها فيجدها مطبقةً، فيرجعُ فيقولُ: يا ربِّ، ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ﴾. فيقولُ: يا جبريل، فُكَّها وأخرج عبدى من النار. فيفكُّها، ويخرج مثل الخيال، فيطرحه (٢) على ساحل الجنة حتى يُنبتَ اللهُ له شعرًا ولحما ودمًا (٣).
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ﴾. قال: مُطبقة (٤).
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن مُضَرَّسِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: سمعت الضحاك: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ﴾. قال: مُطبقة (٥).
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾. قال: عليهم مغلقةٌ.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُؤْصَدَةٌ﴾: أي: مُطبَقةٌ (٦).
стр. 16568
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ﴾ قال: مُطبَقةٌ، والعرب تقول: أوصد البابَ: أغلَق.
وقوله: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. اختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأةِ المدينة والبصرة: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ بفتح العين والميم (١). وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: (في عُمُدٍ) بضمِّ العين والميم (٢).
والقولُ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماء من القرأة، ولغتان صحيحتان، والعرب تجمعُ العمودَ عُمُدًا وعَمَدًا، بضمِّ الحرفين وفتحهما، وكذلك تفعلُ في جمعِ إهابٍ؛ تجمعه أُهُبًا، بضمِّ الألفِ والهاء، وأَهَبًا بفتحهما، وكذلك القضيمُ (٣)، فبأيتهما قرأ القارئَ فمصيبٌ.
واختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: [معنى ذلك] (٤): إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددةٍ، أي: مغلقة مطبقة عليهم. وكذلك هو في قراءة عبدِ الله فيما بلغنا (٥).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن قتادة: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (إنها عليهم مؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) (٦).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنما دخلوا في عمدٍ، ثم مُدَّت عليهم تلك العمدُ
стр. 16569
بعمادٍ.
ذكر من قال ذلك
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. قال: أدخلهم في عمدٍ، فمُدَّت عليهم بعمادٍ، وفى أعناقهم السلاسلُ، فسُدَّت بها الأبواب (١).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿فِي عَمَدٍ﴾: من حديدٍ مغلولين فيها، وتلك العمدُ من نارٍ، قد احترقت من النار فهى من نارٍ، ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ (٢): لهم (٣).
وقال آخرون: هي عَمَدٌ يعذَّبون بها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾: كنا نحدَّثُ أنها عمدٌ يعذَّبون بها في النارِ (٤).
قال بشرٌ: قال يزيد: في قراءةِ قتادةَ: ﴿عَمَدٍ﴾.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادة: ﴿فِي عَمَدٍ
стр. 16570
مُمَدَّدَةٍ﴾. قال: عمودٍ يعذَّبون به في النارِ.
وأولى هذه (١) الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: معناه أنهم يعذَّبون بعمدٍ في النارِ. والله أعلم كيف تعذيبه إياهم بها، ولم يأتِنا خبرٌ تقومُ به الحجة بصفةِ تعذيبهم بها، ولا وُضِع لنا عليها دليلٌ، فندركَ به (٢) صفة ذلك، فلا قول فيه غيرَ الذي قلنا يصحُّ عندنا.
آخر تفسير سورة "الهمزة"
стр. 16571
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسيرُ سورةِ "الفيلِ"
القولُ في تأويل قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ألم تنظر يا محمد بعين قلبك، فترى بها كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؛ الذين قدموا من اليمن يريدون تخريب الكعبة من الحَبَشةِ ورئيسهم أبرهةَ الأشرم الحبشيِّ؟
﴿أَلَم يَجْعَل كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾. يقولُ: ألم يجعل سعيَ الحبشة أصحاب الفيل في تخريب الكعبة، ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾. يعني: في تضليلهم عما أرادوا وحاولوا من تخريبها.
وقوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. [يقولُ تعالى ذكره: وأرسل عليهم ربك طيرًا متفرِّقةً] (١)، يتبع بعضُها بعضًا من نواحٍ شتَّى. وهي جماعٌ لا واحد لها، مثل الشماطيطِ (٢) والعباديد (٣) ونحو ذلك.
وزعم أبو عُبيدة (٤) معمرُ بنُ المثنى، أنه لم ير أحدًا يجعلُ لها واحدًا.
стр. 16572
وقال الفرَّاءُ (١): لم أسمع من العربِ في توحيدها شيئًا. قال: وزعم أبو جعفر الرُّوَاسِيُّ، وكان ثقةً، أنه سمع أن واحدها "إيَّالةٌ". قال: وكان الكسائيُّ يقولُ: سمِعتُ النحويين يقولون: إبَّوْلٌ. مثلَ العِجَّوْلِ. قال: وقد سمعتُ بعض النحويين يقولُ: واحدُها "إبَّيلٌ".
وبنحو الذي قلنا في الأبابيل قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلةَ، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: فِرَقٌ (٢).
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا حماد بن سلمةَ، عن عاصم، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ، قال: الفِرَقُ.
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: يتبع بعضها بعضا (٣).
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: هي التي يتبَعُ بعضُها بعضًا.
стр. 16573
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داود، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارثِ بن نوفلٍ، أنه قال في: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: هي الأقاطيعُ، كالإبل المؤَبَّلةِ (١).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: متفرقةً.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا الفضل، عن الحسن: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: الكثيرة (٢).
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن جابر، عن ابن سابطٍ، و (٣) عن أبي سلمةَ، قالا (٤): الأبابيل: الزُّمَرُ (٥).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللهِ: ﴿أَبَابِيلَ﴾. قال: هي شتَّى متتابعة مجتمعةٌ (٦).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: الأبابيل: الكثيرة.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قتادة، قال:
стр. 16574
الأبابيل: الكثيرة (١).
[حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. يقولُ: متتابعة، بعضُها على أثَرِ بعض.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: الأبابيلُ: المختلفة، تأتى من هاهنا، وتأتى من هاهنا، أنتهم من كلِّ مكانٍ] (٢).
وذُكِر أنها كانت طيرًا خرجت (٣) من البحر، وقال بعضهم: جاءت من قبل البحرِ.
ثم اختلفوا في صفتها؛ فقال بعضُهم: كانت بيضاءَ.
وقال آخرون: كانت سوداءَ.
وقال آخرون: كانت خضراء، لها خراطيمُ كخراطيم الطيرِ، وأكُفٌّ كأكفِّ الكلابِ.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن ابن عون، عن محمد بن سيرينَ في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: قال ابن عباسٍ: هي طيرٌ، وكانت طيرًا لها خراطيمُ كخراطيمِ الطير، وأكفٌّ كأكفِّ الكلابِ.
حدَّثني الحسن بن خلف الواسطيُّ، قال: ثنا وكيعٌ ورَوْحُ بنُ عبادةَ، عن ابن
стр. 16575
عونٍ، عن ابن سيرينَ، عن ابن عباس مثله (١).
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن عون، عن ابن عباس نحوه.
حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حُصين (٢)، عن عكرمة في قوله: ﴿طيرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: كانت طيرًا خُضْرًا، خرجت من البحر، لها رءوسٌ كرءوس السباع (٣).
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عُميرٍ: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: هي طيرٌ سودٌ بحريةٌ، في [مناقيرها وأظافيرها] (٤) الحجارة (٥).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيانَ، عن عبيد بن عمير: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: سود بحرية، في أظافيرها ومناقيرها الحجارةُ.
قال: ثنا مهرانُ، عن خارجةَ، عن عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عباسٍ، قال: لها خراطيمُ كخراطيم الطيرِ، وأكفٌّ كأكفِّ الكلابِ.
стр. 16576
حدثنا يحيى بنُ طلحة اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قال: طيرٌ خُضْرٌ، لها مناقيرُ صُفْرٌ، تختلف عليهم (١).
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير، قال: طير سود تحمل الحجارة في أظافيرها ومناقيرها (٢).
وقوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ترمِي هذه الطيرُ الأبابيلُ التي أرسلها الله على أصحاب الفيلِ، أصحاب الفيلِ، بحجارة من سجيلٍ.
وقد بيَّنا معنى ﴿سِجِّيلٍ﴾ في موضعٍ غير هذا (٣)، غير أنَّا نذكُرُ بعضَ ما قيل من ذلك في هذا الموضع، من أقوالِ مَن لم نذكره في ذلك الموضع.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بِحِجَارَةٍ مَّن سِجِّيلٍ﴾. قال: طينٌ في حجارة (٤).
حدَّثني الحسين بن محمدٍ الذارعُ، قال: ثنا يزيد بن زريعٍ، قال: ثنا سعيد، عن
стр. 16577
قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: من طينٍ.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: سَنْكَ وكَلْ (١).
حدثني الحسين بن محمد الذارعُ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن عمارة بن أبي حفصةَ، عن عكرمة في قوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: من طينٍ.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن شرقيٍّ، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: سَنكَ وكِلْ (٢).
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حصينٌ، عن عكرمةَ، قال: كانت ترميهم بحجارةٍ معها. قال: فإذا أصاب أحدهم خرج به الجُدَرِيُّ. قال: كان أولَ يوم رُئى فيه الجدريُّ. قال: لم يُرَ قبلَ ذلك اليوم ولا بعدَه (٣).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن موسى بن أبى عائشةَ، قال: ذكر أبو الكَنُودِ، قال: دونَ الحِمَّصة وفوقَ العدسةِ.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبى
стр. 16578
عائشة، قال: كانت الحجارة التي رُمُوا بها أكبر من العدسةِ، وأصغر من الحِمَّصةِ.
قال: ثنا أبو أحمد الزبيريُّ، قال: ثنا إسرائيل، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن عمرانَ مثلَه.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: "سجِّيلٌ" بالفارسيةِ: سَنكَ وكَلْ؛ حَجَرٌ وطينٌ (١).
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن (٢) ابن سابطٍ، قال: هي بالأعجمية: سَنكَ وكِلْ (١).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت مع كلِّ طائرٍ (٣) ثلاثة أحجارٍ؛ حجران في رِجْلَيه وحجرٌ في منقارِه، فجعلت ترميهم بها.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: هي من طينٍ (٤).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: هي طيرٌ بِيضٌ، خرجت من قبل البحر، مع كلِّ طيرٍ ثلاثة أحجارٍ؛ حجران في رجليه وحجرٌ في منقارِه، لا يصيب شيئًا إلا هشَمه (٥).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث بن
стр. 16579
يعقوبَ أن أباه أخبرَه أنه بلَغه أن الطير التي رمَتْ بالحجارة كانت تحملها بأفواهها، ثم إذا ألقتها نَفِط (١) لها الجلدُ.
وقال آخرون: معنى ذلك: ترميهم بحجارة من السماء الدنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال: السماء الدنيا. قال: والسماء الدنيا اسمها سِجِّيلٌ، وهى التي أنزل الله جل وعزَّ على قوم لوطٍ (٢).
قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلالٍ، أنه بلغه أن الطير التي رمَتْ بالحجارة، أنها طير تخرج من البحرِ، وأن ﴿سِجِّيلٍ﴾: السماء الدنيا.
وهذا القولُ الذي قاله ابن زيد لا نعرفُ لصحته وجهًا في خبر ولا عقلٍ ولا لغةٍ، وأسماء الأشياء لا تُدرَكُ إلا من لغة سائرةٍ، أو خبر من الله تعالى ذكره.
وكان السبب الذي من أجله حلَّتْ عقوبةُ اللهِ تعالى بأصحاب الفيلِ، مسيرَ أبرهة الحبشي بجنده معه الفيل إلى بيت الله الحرام لتخريبه.
وكان الذي دعاه إلى ذلك فيما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضلِ، قال: ثنا ابنُ إسحاق، أن أبرهة بنى كنيسةً بصنعاءَ، وكان نصرانيًّا، فسمَّاها القُلَّيْسَ. لم يُرَ مثلُها في زمانها بشيءٍ من الأرضِ، وكتب إلى النَّجاشيِّ
стр. 16580
ملك الحبشةِ: إني قد بنَيتُ لك أيُّها الملك كنيسةً لم يُبنَ مثلُها لملك كان قبلك، ولستُ بمنتَهٍ حتى أصرف إليها حاجَّ العرب. فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشيِّ، غضِب رجلٌ من النَّسَأةِ (١) أحد بني فُقَيمٍ، ثم أحدِ بني مالك، فخرَج حتى أتى القُلَّيسَ فقعد فيها (٢)، ثم خرج فلحق بأرضه، فأُخْبِر أبرهةُ بذلك، فقال: من صنعَ هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحُجُّ العرب إليه بمكةَ، لما سمع من قولك: أصرفُ إليه حاجَّ العربِ. فغضب، فجاء فقعَد فيها، أي: إنها ليست لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبرهةُ، وحلف ليسيرنَّ إلى البيتِ فيهدِمُه، وعندَ أبرهة رجالٌ من العرب قد قدموا عليه يلتمسون فضله؛ منهم محمدُ بنُ خُزَاعيِّ ابن حزابة الذَّكوانيُّ، ثم السُّلَميُّ، في نفر من قومه، معه أخٌ له يقال له: قيسُ بنُ خُزاعيٍّ. فبينما هم عندَه، غَشِيَهم عيدٌ لأبرهة، فبعث إليهم فيه بغذائه، وكان يأكلُ الخُصَى، فلما أتى القومَ بغذائه، قالوا: والله لئن أكلنا هذا لا تزال تسبُّنا به العرب ما بقِينا. فقام محمدُ بنُ خُزاعيٍّ، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك، إن هذا يوم عيدٍ لنا، لا نأكل فيه إلا الجنوب والأيدى. فقال له أبرهةُ: فسنبعثُ إليكم ما أحبَبْتم، فإنما أكرمتكم بغذائى لمنزلتكم عندى.
ثم إن أبرهة توَّج محمد بن خُزَاعِيٍّ، وأمَّره على مضَرَ، وأمره أن يسير في الناسِ، يدعوهم إلى حجِّ القُلَّيْسِ؛ كنيسته التي بناها، فسار محمد بن خزاعيٍّ، حتى إذا نزل ببعض أرضِ بني كنانةَ - وقد بلغ أهلَ تِهامةَ أمرُه وما جاء له - بعَثوا إليه رجلًا من هُذَيلٍ يقال له: عُرُوةُ بنُ حياضٍ الملاصيُّ. فرماه بسهمٍ فقتله، وكان مع
стр. 16581
محمدِ بن خُزاعيٍّ أخوه قيسُ بنُ خُزاعيٍّ، فهرَب حينَ قُتل أخوه، فلحق بأبرهةَ، فأخبره بقتله، فزاد ذلك أبرهة غضبًا وحَنَقًا، وحلف ليغزوَنَّ بني كنانة، وليهدمنَّ البيت.
ثم إن أبرهةَ حينَ أجمع السير إلى البيتِ، أمر الحبشان فتهيَّأت وتجهَّزت، وخرَج معه بالفيلِ، وسمعت العرب بذلك، فأعظموه وفَظِعوا به (١)، ورأوا جهادَه حقًّا عليهم حين سمعوا أنه يريدُ هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج رجلٌ كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: ذو نَفْرٍ. فدعا قومَه ومَن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهادِه عن بيت الله وما يريدُ من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعَرَض له وقاتله، فهُزِم وتفرَّق أصحابه، وأُخِذ له ذو نَفْرٍ أسيرًا، [فأُتِيَ به] (٢)، فلما أراد قتله قال له (٣) ذو نَفْرٍ: أَيُّها الملك، لا تقتُلْنى؛ فإنه عسى أن يكونَ بقائى معك خيرًا لك من قتلى. فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاقٍ، وكان أبرهة رجلا حليمًا.
ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريدُ ما خرَج له، حتى إذا كان بأرضِ خثعمٍ، عرَضَ له نُفَيلُ بنُ حبيب الخثعميُّ في قبيلى خثعمٍ؛ شَهران وناهس، ومَن تَبعه (٤) من قبائل العرب، فقاتله، فهزَمه أبرهةُ، وأخذ له أسيرًا، فأتى به، فلما همَّ بقتله قال له نفيلٌ: أيُّها الملكُ، لا تقتلنى، فإنى دليلك بأرض العرب، وهاتان يداى لك على قبيلَي خثعمٍ؛ شهرانَ وناهسٍ، بالسمع والطاعة. فأعفاه وخلَّى سبيله، وخرج به
стр. 16582
معه يدله على الطريق، حتى إذا مرَّ بالطائف، خرج إليه مسعودُ بنُ مُعَتِّبٍ في رجالِ ثقيفٍ، فقال: أيُّها الملك، إنما نحن عبيدُك، سامعون لك مطيعون، ليس لك عندَنا خلافٌ، وليس بيتُنا هذا بالبيت الذي تريدُ - يعنون اللاتَ - إنما تريدُ البيت الذي بمكة - يعنون الكعبةَ - ونحن نبعث معك مَن يَدُلُّك. فتجاوَزَ عنهم، وبعثوا معه (١) أبا رِغالٍ، فخرج أبرهةُ ومعه أبو رغالٍ، حتى أنزله المُغَمِّسَ، فلما أنزله به مات أبو رغالٍ هنالك، فرجمت العرب قبرَه، فهو القبرُ الذي يرجمُ الناسُ بالمغمِّسِ.
ولما نزل أبرهة المغمِّسَ، بعث رجلا من الحبشة يقال له: الأسودُ بنُ مقصودٍ. على خيلٍ له حتى انتهى إلى مكةَ، فساق إليه أموالَ أهلِ مكةَ من قريش وغيرهم، وأصاب منها (٢) مائتى بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، وهمت قريش وكنانة وهُذَيْلٌ ومن كان (٣) بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك، وبعَث أبرهة حناطة الحميريَّ إلى مكة، وقال له: سَلْ عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملكَ يقول لكم: إني لم آتِ لحربِكم، إنما جئتُ لهدم البيتِ، فإن لم تَعَرَّضُوا دونه بحربٍ فلا حاجة لي بدمائِكم، فإن لم يُرِدْ حربى فأتنى به.
فلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له (٤): عبد المطلب بن هاشم بن عبدِ منافِ بن قُصَيٍّ. فجاءه فقال له ما أمره به أبرهةُ، فقال له عبدُ المطلب: والله ما نريد حربَه، وما لنا بذلك من طاقةٍ، هذا بيتُ الله الحرام،
стр. 16583
وبيت خليله إبراهيم ﵇ أو كما قال - فإن يمنَعه فهو بيتُه وحَرَمُه، وإن يُخَلِّ بينه وبينه فوالله ما عندنا [من دفعٍ] (١) عنه. أو كما قال له (٢)، فقال له حناطة: فانطلق إلى الملكِ، فإنه قد أمرنى أن آتيَه بك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعضُ بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذى نَفْرٍ، وكان له صديقا، فَدُلَّ عليه، فجاءه وهو في محبسه، فقال: يا ذا نَفْرٍ، هل عندك غناء فيما نزَل بنا؟ فقال له ذو نَفْر (٣): وما غَناءُ رجل أسير بيدَى (٤) ملك، ينتظر أن يقتُلَه غُدُوًّا أو عشيًّا؟! ما عندى غناء في شيءٍ مما نزل بك، إلا أن أنيسًا سائس (٥) الفيل لي صديق، فسأرسل إليه فأوصيه بك، وأُعظِّم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريدُ، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. قال: حسبى. فبعث ذو نَفْرٍ إلى أُنيس، فجاء به، فقال: يا أنيس، إن عبد المطلب سيد قريشٍ، وصاحب عمر مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب الملك له مائتى بعيرٍ، فاستأذن له عليه، وانفعه عندَه بما استطعت. فقال: أفعلُ.
فكلم أُنيسٌ أبرهة، فقال: أيها الملك، هذا سيد قريش بيابك يستأذن عليك، وهو صاحب غير مكةَ، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، فأذن له عليك، فليكلمك بحاجتِه، وأحسن إليه. قال: فأذن له أبرهةُ، وكان عبد المطلب رجلًا عظيما وسيمًا جسيما، فلما رآه أبرهه أجله وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يُجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على
стр. 16584
بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لتُرجمانه: قل له: ما حاجتك إلى الملكِ؟ فقال له ذلك التُّرجُمان، فقال له عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يردَّ عليَّ مائتي بعيرٍ أصابها لي. فلما قال له ذلك قال أبرهة لتُرجُمانه: قل له: قد كنتَ أعجبتني حين رأيتك، ثم زَهِدتُ فيك حين كلَّمتَني؛ أتكلمنى في مائتى بعير أصَبتُها لك، وتترك بيتًا هو دينُك ودين آبائك، قد جئتُ لهدمه فلا تكلِّمُني فيه؟! قال له عبد المطلب: إنى أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليُمْنَعَ منى. قال: أنت وذاك (١)، اردُدْ إليَّ إبلى.
وكان فيما زعَم بعضُ أهل العلم قد ذهَب مع (٢) عبد المطلب إلى أبرهة حين بعَث إليه حُناطةَ - يَعْمَرُ (٣) بنُ نُفَاثَةَ بن علي بن الدُّئِلِ بن بكرِ بن عبدِ مناةِ (٤) بن كنانةَ، وهو يومئذ سيِّدُ كنانةَ، وخُويلد بن وائلةَ الهُذَليُّ، وهو يومَئِذٍ سيدُ هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامةَ، على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأتى عليهم، والله أعلم.
وكان أبرهة قد ردَّ على عبد المطلب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكةَ، والتحرُّزِ في شَعَفِ (٥) الجبال والشعاب؛ تخوُّفًا عليهم من [مَعَرَّةِ الجيش] (٦)، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحَلْقَةِ البابِ؛ باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعُون اللَّهَ ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذٌ بحَلْقة باب الكعبة:
стр. 16585
يا رَبِّ لا أَرْجُو لهم سواكا
يا رَبِّ فَامْنَعْ مِنهُمُ حِماكا
إن عدوَّ البيتِ مَنْ عاداكا
امنعهم أَنْ يُخْرِبوا قُرَاكا
وقال أيضًا:
لا هُمَّ إِنَّ العبد يمـ … نَعُ رَحْلَهُ فامنَعْ حِلالك
لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ … ومحالُهم غَدْوًا مِحالَكْ
فلئن فعلت فربما … أَوْلى فأمرٌ ما بدَا لَكْ
ولئن فعلت فإنه … أمرٌ تُتِمُّ به فعالَكْ (١)
وكنتَ إذا أتى باغ بسَلْمٍ … نُرَجِّى أن تكونَ لنا كذلكْ
فولَّوْا لم ينالُوا غيرَ خِزْيٍ … وكان الحَيْنُ يُهلكهم هنالِكْ
ولم أسمع بأرجسَ من رجالٍ … أرادوا العِزَّ فانتَهَكوا حرامَكْ
جَرُّوا جموعَ بلادِهِمْ … والفيلَ كي يَسْبُوا عِيالَكْ
ثم أرسَل عبد المطلبِ حَلْقةَ باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريشٍ إلى شَعَفِ الجبال فتحرَّزُوا فيها، ينتظرون ما أبرهةُ فاعلٌ بمكة إذا دخلها، فلما أصبَح أبرهةُ تهيَّأَ لدخول مكةَ، وهيَّأَ فيلَه وعَبَّأ جيشَه، وكان اسمُ الفيلِ محمودًا، وأبرهةُ مُجْمعٌ لهدم البيتِ، ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجَّهوا الفيلَ، أقبَل نُفَيلُ بنُ
стр. 16586
حبيبٍ الخثعميُّ حتى قام إلى جنبِه، ثم أخذ بأذنِه فقال: ابرُكْ محمود، وارجع راشدًا من حيثُ جئتَ، فإنك في بلدِ الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبَرَك الفيل، وخرج نُفَيلُ بنُ يشتدُّ حتى أصعد في الجبلِ، وضربوا الفيل ليقوم فأبَى، وضربوا في رأسه بالطَّبَرْزِينِ (١) ليقوم فأبَى، فأدخلوا مَحاجِنَ لهم في مَرَاقِّه (٢)، فبزَغوه (٣) بها ليقوم فأبَى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يُهَروِلُ، ووجهوه إلى الشام ففعَل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرقِ ففعَل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحرِ أمثال الخطاطيف، مع كلِّ طير ثلاثة أحجارٍ يحمِلُها؛ حجرٌ في منقارِه، وحجران في رجليه مثل الحِمَّصِ والعَدَسِ، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلَّهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدِرُون الطريق الذي منه جاءوا، ويسألون عن نُفَيلِ بن حبيب، ليدلهم على الطريق إلى اليمنِ، فقال نُفَيلُ بنُ حبيب حين رأى ما أَنزَل الله بهم من نقمته:
أين المَفَرُّ والإلَهُ الطالِبْ
والأَشْرَمُ المَغْلُوبُ غَيْرُ الغَالِبُ
فخرَجوا يتساقطون بكلِّ طريق، ويهلكون على كلِّ مَنْهلٍ، فأُصِيبَ أبرهة في جسدِه، وخرجوا به معهم، تسقط (٤)، أنامله أُنْمُلةً أُنملةٌ، كلما سقطت أنملةٌ أَتبَعَتُها مِدَّةٌ تُمثُّ (٥) قيحًا ودمًا، حتى قَدِموا به صنعاء وهو مثلُ فرخِ الطيرِ، فما مات حتى انصَدَع
стр. 16587
صدره عن قلبهِ، فيما يزعُمون (١).
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يعقوب بن عتبةَ بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدَّث أن أول ما رُئيتِ الحصبةُ والجُدَرِيُّ بأرض العربِ ذلك العامَ، وأنَّه أولُ ما رُئى بها مُرارُ الشجرِ، الحرملُ والحنظلُ والعُشَرُ، ذلك العام (٢).
حدثنا بشرٌ، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ﴾: أقبل أبرهة الأشرم من الحبشة (٣) ومن معه من غزاة (٤) أهل اليمن، إلى بيتِ اللهِ ليهدِمَه؛ من أجل بيعة لهم أصابها العرب بأرض اليمن، فأقبلوا بفيلهم، حتى إذا كانوا بالصِّفَاحِ برَك، فكانوا إذا وجَّهوه إلى بيتِ اللَّهِ أَلقَى بجِرَانِهِ الأرضَ، وإذا وجَّهوه إلى بلدهم انطلق وله هَرْولةٌ، حتى إذا كان بنخلة اليمانية بعث الله عليهم طيرًا بيضًا أبابيل، والأبابيل: الكثيرة، مع كلِّ [طائر منها] (٥) ثلاثة أحجار؛ حجران في رجليه، وحجرٌ في منقاره، فجعلت ترميهم بها حتى جعلهم اللهُ كعصفٍ مأكولٍ. قال: فنجَا أبو يَكسُومَ، وهو أبرهةُ، فجعل كلما قدم أرضًا تساقطَ بعضُ لحمِه، حتى أتى قومه، فأخبرهم الخبرَ ثم هلَك.
وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾. يعنى تعالى ذكرُه: فجعَل الله أصحابَ الفيلِ كزرعٍ أكَلَتْه الدواب فراثَتْه، فيَبِس وتفرقت أجزاؤُه. شبَّه تقطُّعَ
стр. 16588
أوصالهم بالعقوبةِ التي نزلت بهم، وتفرُّقَ آراب أبدانهم بها، بتفرُّقِ أجزاء الرَّوَثِ الذي حدث عن أكل الزرعِ.
وقد كان بعضُهم يقولُ: العَصْفُ هو القشرُ الخارج الذي يكون على حبِّ الحِنْطَة من خارج كهيئة الغلافِ لها.
ذكر من قال: عُنى بذلك ورقُ الزرعِ
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: ورقِ الحنطة (١).
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: هو التِّبنُ (٢).
وحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾: كزرعٍ مأكول (٣).
حدثني محمدُ بنُ عمارة الأسديُّ، قال: ثنا زُريقُ بن مرزوقٍ، قال: ثنا هبيرةُ، عن سلمةَ بن نُبَيطٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: هو الهَبُّورُ (٤)، بالنَّبَطِيَّة. وفي رواية: المقهورُ.
стр. 16589
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: ورقِ الزرع وورق البقلِ، إذا أكلته البهائم فراثَته، فصار دَرِينًا (١).
ذكرُ مَن قال: عُنى به قشرُ الحبِّ
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: البُرُّ يُؤكَلُ ويُلْقِي عَصْفَه الريحُ، والعَصْفُ: الذي يكونُ فوقَ البُرِّ؛ هو لِحاءُ البُرِّ (٢).
وقال آخرون في ذلك بما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنانٍ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ: ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال: كطعامٍ مطعومٍ.
آخر تفسير سورة "الفيلِ"
стр. 16590
تفسير سورة "قريش"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدست أسماؤه: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾.
اختلفت القرأةُ في قراءة: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إيلَافِهِمْ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصار بياء بعد همزةٍ: ﴿لإِيلَافِ﴾، و ﴿إلَافِهِمْ﴾، سوى أبى جعفرٍ، فإنه وافق في قوله: ﴿لإيلَافِ﴾. فقرأه بياءٍ بعد همزةٍ، واختلف عنه في قوله: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾؛ فرُوى عنه أنه كان يقرؤُه (إِلْفِهِمْ) على أنه مصدرٌ من: ألِف يألفُ ألفًا، بغير ياء (١). وحكَى بعضُهم عنه أنه كان يقرؤه: (إِلَافِهِمْ) بغيرِ ياءٍ، مقصورةَ الألفِ.
والصواب من القراءة في ذلك عندى من قرَأه: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ﴾ بإثباتِ الياء فيهما بعد الهمزة، من: آلفَتُ الشيءَ أُولِفه إيلافًا؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه (٢). وللعرب في ذلك لغتان؛ آلفتُ، وألفتُ. فمن قال: آلفَتُ بمدِّ الألفِ، قال: فأنا أُولِفُ إيلافًا، ومَن قال: ألِفت. بقصرِ الألف، قال: فأنا آلَفُ إلْفًا، وهو رجلٌ آلَفٌ إِلْفًا (٣).
стр. 16591
وحُكِى عن عكرمة أنه كان يقرأُ ذلك: (لِيَأْلَفْ (١) قريش إِلْفَهم رحلةَ الشتاءِ والصيفِ).
حدَّثني بذلك أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي مكينٍ، عن عكرمة (٢).
وقد رُوى عن النبيِّ ﷺ في ذلك ما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن شهر بن حوشبٍ، عن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعتُ النبي ﷺ يقرأ: (إلْفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ) (٣).
واختلف أهلُ العربية في المعنى الجالبِ هذه اللام في قوله: ﴿لإيلافِ (٤) قُرَيْشٍ﴾؛ فكان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ: الجالبُ لها قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفِ مَّأْكُول﴾ [القيل: ٥]. فهي في قول هذا القائل صلةٌ لقوله (٥): "جعلهم". فالواجب على هذا القولِ أن يكون معنى الكلام: ففعلنا بأصحاب الفيلِ هذا الفعل نعمةً منا على أهل هذا البيتِ، وإحسانًا منا إليهم، إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء والصيف. فتكون اللام في قوله: ﴿لإِيلَافِ﴾ بمعنى "إلى"، كأنه قيل: نعمةً لنعمةٍ، وإلى نعمةٍ. لأن "إلى" موضع اللامِ، واللام موضعَ "إلى". وقد قال معنى هذا القول بعضُ أهل التأويلِ.
стр. 16592
ذكرُ مَن قال ذلك *
حدثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشَّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. قال: إيلافهم ذلك، فلا يشُقُّ عليهم رحلة شتاءٍ ولا صيفٍ (١).
حدثني إسماعيل بن موسى السديُّ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن إبراهيم بن المهاجرِ، عن مجاهد: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. قال: نعمتى على قريشٍ.
حدّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهلاليُّ، قال: ثنا فَرْوةُ بنُ أَبي المَغْراءِ الكِنْديُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد مثله.
حدثنا عمرو بن عليٍّ، قال: ثنا عامرُ بنُ إبراهيمَ الأصبهانيُّ، قال: ثنا خطابُ بنُ جعفر بن أبى المغيرة، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. قال: نعمتى على قريشٍ (٢).
وكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ (٣) يقولُ: قد قيل هذا القولُ، ويقال: إنه ﵎ عجَّب نبيَّه ﷺ فقال: اعجَبْ يا محمد لنِعَمِ اللهِ على قريشٍ في إيلافِهم
стр. 16593
رحلةَ الشتاء والصيفِ. ثم قال: فلا يتشاغَلوا بذلك عن الإيمان بالله واتِّباعك.
يستدلُّ بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾.
وكان بعضُ أهل التأويل [يوجّه تأويل ذلك إلى نحوِ القولِ الذي ذكرنا عن بعض البصريين، غير أنه كان] (١) يوجه تأويل قوله: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. إلى أُلفةِ بعضهم بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. فقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] إلى آخرِ السورة. قال: هذا الإيلافِ قريش؛ صنعتُ هذا بهم لألفة قريشٍ؛ لئلا أفرِّقَ أُلفَتَهم وجماعتَهم. إنما جاء صاحبُ الفيلِ ليستبيدَ حريمَهم، فصنَع الله به به (٢) ذلك (٣).
وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصوابِ أن يقال: إن هذه اللامَ بمعنى التعجبِ، وإن معنى الكلام: اعجَبوا لإيلافِ قريشٍ رحلة الشتاءِ والصيفِ، وتركِهم عبادةَ ربِّ هذا البيتِ، الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف (٤). والعرب إذا جاءت بهذه اللام، فأدخلوها في الكلام للتعجبِ، اكتفوا بها دليلا على التعجب من إظهار الفعل الذي يجلبها، كما قال الشاعرُ:
أغَرَّكَ أن قالوا لقُرَّةَ شاعرًا … فيا لِأباهُ من عَرِيفٍ وشاعِرِ
стр. 16594
فاكتُفِى باللام دليلًا على التعجب من إظهار الفعل، وإنما الكلامُ: أَغرَّكَ أن قالوا: اعجَبوا لقرَّةَ شاعرًا. فكذلك قوله: ﴿لإِيلَافِ﴾.
وأما القولُ الذي قاله من حكَينا قولَه: إنها من صلة قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾. فإن ذلك لو كان كذلك، لوجَب أن يكون ﴿لإيلَافِ﴾ بعضَ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، وأن لا تكونَ سورةً منفصلةً من ﴿أَلَمْ تَرَ﴾. وفى إجماع جميعِ المسلمين على أنهما سورتان تامَّتان، كلُّ واحدة منهما منفصلةٌ عن (١) الأخرى - ما يبينُ عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك، ولو كان قوله: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ من صلة قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥]. لم تكن ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ * تامةً حتى توصل بقوله: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ﴾؛ لأن الكلام لا يتمُّ إلا بانقضاء الخبر الذي ذُكر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: (إلْفِهم رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ). يقولُ: لزومهم (٢).
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. قال: نهاهم عن الرحلة، وأمَرهم أن يعبُدوا ربَّ هذا البيت، وكفاهم المؤنةَ، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف، فلم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف، فأطعمهم بعد ذلك من جوع،
стр. 16595
وآمنهم من خوفٍ، وألِفوا الرحلةَ، فكانوا إذا شاءوا ارتحَلوا، وإذا شاءوا أقاموا، فكان ذلك من نعمة الله عليهم.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة قال: كانت قريشٌ قد ألفوا بُصْرَى واليمنَ؛ يختلفون إلى هذه في الشتاء، وإلى هذه في الصيف، ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾. فأمرهم أن يقيموا بمكة (١).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبى صالح: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشِ (١) إيلَافِهِمْ﴾. قال: كانوا تُجَّارًا، فعلم الله حبَّهم للشامِ (٢).
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. قال: عادة قريشٍ؛ عادتُهم رحلةُ الشتاء والصيف (٣).
حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ﴾: كانوا ألفوا الارتحالَ في القيظِ والشتاءِ.
وقوله: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾. مخفوضةٌ على الإبدال، كأنه قال: لإيلافِ قريش، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف.
وأما "الرحلةُ" فنُصبت بقوله: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾. ووقوعه عليها.
وقوله: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. يقولُ: رحلة قريشٍ الرحلتين؛ إحداهما