← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

آخر المخطوط (ص) ج ٢٥

стр. 177

الأسانيد الدائرة الضعيفة في التفسير

стр. 178

الكلام على الأسانيد الدائرة الضعيفة: لما كان تفسير الطبري يدور في غالب أسانيده على عدة أسانيد متكررة، آثرنا أن نصدِّر النصَّ المحقق ببعض الأقوال التي يمكن الحكم من خلالها على هذه الأسانيد الضعيفة، وسكتنا عن الأسانيد الدائرة الصحيحة؛ وذلك لعدم إثقال الكتاب بالحواشي المتكررة، وتوفيرًا لجهد الباحث في الوصول إلى الحكم على أغلب أسانيد الكتاب، وقد رتبناها على حسب كثرة ورودها على النحو التالي: * سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: قال يحيى بن سعيد: سعيد بن أبي عروبة لم يسمع التفسير من قتادة. وقال أبو حاتم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يكن لسعيد بن أبي عروبة كتب، إنما كان حفظ ذلك كله، وزعموا أن سعيدًا قال: لم أكتب إلا تفسير قتادة، وذلك أن أبا معشر كتب إليَّ أن أكتبه (١). * جويبر عن الضحاك: قال أحمد بن حنبل: ما كان عن الضحاك فهو على ذاك أيسر، وما كان بسند عن النبي ﷺ فهو منكر. وقال يحيى: جويبر لم يكن بالقوي عن الضحاك قال: فقلت: فعن غيره؟ قال: ليس هو بقوي في غيره؛ هو ضعيف. وقال أحمد بن سيار المروزي: كان من أهل بلخ وهو صاحب الضحاك، وله رواية ومعرفة بأيام الناس وحاله حسن في التفسير، وهو لين في الرواية. وقال سفيان الثوري: لولا جويبر لم آت علم الضحاك بن مزاحم (٢). _________ (١) الجرح ١/ ٢٤٠، ٤/ ٦٥، وتهذيب الكمال ١١/ ٨. (٢) تهذيب الكمال ٥/ ١٦٧ - ١٧١.

стр. 179

* ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: قال ابن عيينة ويحيى القطان وابن حبان: لم يسمع عبد الله بن أبي نجيح التفسير من مجاهد إنما نظر في كتاب القاسم بن أبي بزة عن مجاهد. وهو يروى أيضًا عن عبد الله بن كثير عن مجاهد. والقاسم وعبد الله بن كثير ثقتان. وقال شيخ الإسلام: إن تفسير مجاهد من أصح التفسير (١). - عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير: لم يسمع عطاء بن دينار التفسير من سعيد بن جبير. قال أحمد بن صالح: تفسيره فيما نُرى عن سعيد بن جبير صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير. وقال أبو حاتم: كتب عبد الملك بن مروان إلى سعيد بن جبير أن يكتب إليه تفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فأخذه عطاء من الديوان، فرواه (٢). - حجاج عن ابن جريج عن مجاهد. - وحجاج عن ابن جريج عن ابن عباس. لم يدرك ابن جريج ابن عباس، يروى عن أصحابه عنه. وقال ابن المديني: لم يلق أحدًا من الصحابة. _________ (١) تاريخ الدوري ٣/ ١٠٣ (٤٢٦)، وثقات ابن حبان ٧/ ٥، وجامع التحصيل ص ٢١٨، ومجموع الفتاوى ١٧/ ٤٠٨، ٤٠٩، وتهذيب الكمال ١٦/ ٢١٥ - ٢١٩، والإتقان ٤/ ٢٣٨. (٢) المراسيل ص ١٥٨، والجرح ٦/ ٣٢٢، وجامع التحصيل ص ٢٣٧، وتهذيب الكمال ٢٠/ ٦٧ - ٦٩.

стр. 180

وقال ابن معين: سمع من مجاهد حرفًا واحدًا في القراءة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ لم يسمع منه غيره، كان أتاه ليسمع منه فأتاه فوجده قد مات. وقال ابن حبان: ابن جريج نظر في كتاب القاسم بن أبي بزة عن مجاهد في التفسير فروى عن مجاهد من غير سماع (١). * علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لم يسمع عليُّ بن أبي طلحة التفسير من ابن عباس، كما نص عليه غير واحد، وقيل: بينهما مجاهد أو سعيد بن جبير. وفي ثبوت هذه الصحيفة اختلاف بين أهل العلم (٢). * محمد بن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن جده عن ابن عباس: إسناد مسلسل بالضعفاء؛ عطية العوفي - الراوي عن ابن عباس - فمن دونه ضعفاء (٣). * ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: وتروى من طريق محمد بن حميد عن سلمة بن الفضل - وهما ضعيفان - عن ابن إسحاق، ومن طريق أبي كريب عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق. _________ (١) الجرح ١/ ٢٤٥، وفضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٨٧، والعلل لابن المديني ص ٤٩، وسؤالات ابن الجنيد (٣٧٦، ٥٩٥، ٥٩٦)، وسؤالات الدوري ٣/ ٨٣ (٣٤٩)، وثقات ابن حبان ٧/ ٥، وجامع التحصيل ص ٢٢٩، ٢٣٠، وتهذيب الكمال ١٨/ ٣٣٨ - ٣٥٤. (٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٧٥، وجامع التحصيل ص ٢٤٠، ٢٤١، والفتح ٨/ ٤٣٨، ٤٣٩، والإتقان ٤/ ٢٣٧، وتفسير ابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني ٢/ ٥٥، ٥٦. (٣) الإتقان ٤/ ٢٣٩، تفسير الطبري، تحقيق الشيخ شاكر ١/ ٢٦٣، ٢٦٤.

стр. 181

ومحمد بن أبي محمد مجهول. وقد قال المصنف عن هذا الإسناد: لم تثبت صحته (١). * أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: الربيع، قال ابن حبان: الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه؛ لأن فيها اضطرابًا كثيرًا. وأبو جعفر، قال ابن عبد البر: هو عندهم ثقة عالم بتفسير القرآن (٢). * الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: وتروى أحيانًا من طريق هشام بن محمد الكلبي عن أبيه: هشام ضعيف، وأبوه متهم بالكذب، وأبو صالح باذام، ويقال: باذان ضعيف، ولم يسمع من ابن عباس. وقد قال المصنف عن هذا الإسناد: ليست من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله. وقال مرة: في إسناده نظر، ومرة: غير مرتضى (٣). * بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس: بشر بن عمارة ضعيف. _________ (١) تعليق الطبري ٩/ ١٨٥، وتهذيب الكمال ٢٦/ ٣٨٢، ٣٨٣، والإتقان ٤/ ٢٣٩. (٢) الثقات ٤/ ٢٢٨، وتهذيب الكمال ٩/ ٦٠ - ٦٢، ٣٣/ ١٩٢ - ١٩٦، وتهذيب التهذيب ٣/ ٢٣٨، ٢٣٩، ١٢/ ٥٦، ٥٧، والإتقان ٤/ ٢٤٠. (٣) تعليق الطبري ص ٦١ من النص المحقق، ٢/ ٣٤، والإتقان ٤/ ٢٣٩.

стр. 182

والضحاك لم يسمع من ابن عباس، إنما لقى سعيد بن جبير بالري فأخذ عنه التفسير (١). وقال ابن كثير: إسناد ضعيف منقطع. * أسباط بن نصر عن السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: أسباط بن نصر: وثقه ابن معين، وتوقف فيه أحمد، وقال النسائي: ليس بالقوي. والسدي: وثقه أحمد، ولينه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وأبو صالح باذام - ويقال: باذان - ضعيف، ولم يسمع من ابن عباس. وقد قال المصنف عن هذا الإسناد: إن كان ذلك صحيحًا، ولست أعلمه صحيحًا إذ كنت بإسناده مرتابا. وقال ابن كثير: هذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة (٢). _________ (١) تعليق الطبري ص ٨٦ من النص المحقق، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٩، وتهذيب الكمال ١٣/ ٢٩١ - ٢٩٧، والإتقان ٤/ ٢٣٩. (٢) تعليق الطبري ص ٣٧٥ من النص المحقق، وتحقيق الشيخ شاكر ١/ ١٥٦ - ١٦٠، ٣٤٨، ٤٣٦، ٤٥٤، ٤٦٢، وتهذيب الكمال ٣/ ١٣٦، وجامع التحصيل ص ١٤٨، والبداية والنهاية ١/ ٣٤، وتفسير ابن كثير ١/ ١١٠، وتحقيق أبي إسحاق الحويني ١/ ١١٧، ٤٨٨، وتهذيب التهذيب ١/ ٣١٤، والإتقان ٤/ ٢٣٨.

стр. 183

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) [قُرِئ على أبي جعفرٍ محمدِ بنِ جريرٍ الطَّبَرِيِّ، في سنةِ ستٍّ وثلاثِمائةٍ، قال] (٢): الحمدُ للَّهِ الذي حَجَّت (٣) الألبابَ بَدائعُ حُكْمِه (٤)، وخصَمَت العقولَ لَطائفُ حُجَجِه، وقَطعَت عُذْرَ المُلْحِدِين عَجائبُ صُنْعِه، وهتَف (٥) في أسماعِ العالمين ألْسُنُ أدلَّتِه، شاهدةً أنه اللَّهُ الذي لا إلهَ إلَّا هو، الذي لا عِدْلَ له مُعادِلٌ (٦)، ولا مِثْلَ له مُماثِلٌ، ولا شريكَ له مُظاهِرٌ، ولا ولدَ له ولا والدٌ، ولم يَكُنْ له صاحبةٌ، ولا كُفُوًا أحدٌ، وأنه الجبارُ الذي خضَعَت لجَبروتِه الجَبابرةُ، والعزيزُ الذي ذلَّت لعزَّتِه الملوكُ الأعِزَّةُ، وخشَعَت لمَهابةِ سَطْوتِه (٧) ذَوُو المَهابةِ، وأذْعَن له جميعُ الخلقِ بالطاعةِ، طَوْعًا وكَرْهًا، كما قال جلَّ ثناؤه وتقدَّسَتْ أسماؤه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].

стр. 184

فكلُّ موجودٍ إلى وَحْدانيتِه داعٍ، وكلُّ مَحْسوسٍ إلى ربُوبيتِه هادٍ، بما وسَمهم به مِن آثارِ الصَّنْعةِ؛ مِن نقصٍ وزيادةٍ، وعجزٍ وحاجةٍ، وتصَرُّفٍ في عاهاتٍ عارضةٍ (١)، ومُقارَنةِ أحداثٍ لازمةٍ؛ لِتَكونَ له الحُجَّةُ البالغةُ، ثم أرْدَف ما شهِدت به مِن ذلك أدلتُه، وأكَّد ما اسْتَنارت في القلوبِ منه بهجتُه، برسلٍ ابْتَعَثهم إلى (٢) عبادِه، دُعاةً إلى ما اتَّضَحَت لديهم صحتُه، وثبَتَت في العقولِ حُجَّتُه؛ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. ولِيَذَّكَّرَ أولو النُّهَى والحِلْمِ، فأمَدَّهم بعونِه، وأبانَهم مِن سائرِ خلقِه، بما دلَّ به على صدقِهم مِن الأدلةِ، وأيَّدَهم به مِن الحُجَجِ البالغةِ، والآيِ المُعْجِزةِ؛ لئلا يقولَ القائلُ منهم (٣): ﴿مَا هَذَا (٤) إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣، ٣٤]. فجعَلهم سُفَراءَه (٥) بينَه وبينَ خلقِه، وأُمناءَه على وَحْيِه، واخْتَصَّهم بفضلِه، واصْطَفاهم برسالتِه، ثم جعَلهم فيما خصَّهم به مِن مَواهبِه، ومَنَّ به عليهم مِن كَراماتِه - مَراتبَ مُختلفةً، ومَنازلَ مُفْتَرقةً، ورفَع بعضَهم فوقَ بعضٍ دَرَجاتٍ مُتَفاضِلاتٍ مُتَبايِناتٍ؛ فكرَّم بعضَهم بالتَّكْليمِ والنَّجْوَى، وأيَّد بعضَهم برُوحِ القُدُسِ، وخصَّه بإحياءِ الموتى، وإبْراءِ أُولِي العاهةِ والعَمَى، وفضَّل نبيَّنا محمدًا ﷺ مِن الدرجاتِ بالعُلْيا، ومِن المراتبِ بالعُظْمَى، فحَباه مِن أقسامِ كَرامتِه بالقسمِ الأفْضلِ، وخصَّه مِن درجاتِ النبوَّةِ بالحظِّ الأجْزَلِ، ومِن الأتْباعِ والأصحابِ بالنصيبِ الأوْفرِ، وابْتَعَثه بالدَّعوةِ التامَّةِ، والرسالةِ العامةِ، وحاطه

стр. 185

وحيدًا، وعصَمه (١) فَريدًا، مِن كلِّ جبارٍ عاندٍ، وكلِّ شيطانٍ ماردٍ، حتى أظْهَر به الدينَ، وأوْضَح به السبيلَ، وأنْهَج (٢) به مَعالمَ الحقِّ، ومحَق به مَنارَ الشركِ، وزهَق به الباطلُ، واضْمَحَلَّ به الضلالُ، وخُدَعُ الشيطانِ، وعبادةُ الأصنامِ والأوْثانِ، مُؤَيَّدًا بدَلالةٍ على الأيامِ باقيةٍ، وعلى الدُّهورِ والأزْمانِ ثابتةٍ، وعلى مرِّ (٣) الشهورِ والسنينَ دائمةٍ، يَزدادُ ضِياؤُها على كَرِّ الدُّهورِ إشْراقًا، وعلى مرِّ الليالي والأيامِ ائْتِلاقًا (٤)، خِصِّيصَى (٥) مِن اللَّهِ له بها دونَ سائرِ رسلِه الذين قهَرَتهم الجبَابرةُ، واسْتَذَلَّتهم الأممُ الفاجرةُ، فتعفَّت بعدَهم منهم الآثارُ، وأخْمَلَت ذكرَهم الليالي والأيامُ، ودونَ مَن كان منهم مُرْسَلًا إلى أمةٍ دونَ أمةٍ، وخاصةٍ دونَ عامَّةٍ، وجماعةٍ دون كافَّةٍ. فالحمدُ للَّهِ الذي كرَّمَنَا بتصديقِه، وشرَّفَنا باتِّباعِه، وجعَلَنا مِن أهلِ الإِقْرارِ والإيمانِ به، وبما دعا إليه وجاء به، صلى اللَّهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم، أزْكَى صَلواتِه، وأفضلَ سلامِه، [وأتمَّ تحيّاتِه] (٦). ثُمَّ أمَّا بعدُ، فإن مِن جَسيمِ ما خصَّ اللَّهُ به أمَّةَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ مِن الفَضيلةِ، وشرَّفهم به على سائرِ الأممِ مِن المنازلِ الرفيعةِ، وحَبَاهم به مِن الكرامةِ السَّنِيّةِ، حِفْظَه ما حفِظ عليهم جل ذكرُه وتقدَّست أسماؤُه، مِن وحيِه وتَنْزِيلِه، الذي جعَله على

стр. 186

حقيقةِ نُبُوَّةِ نبيِّهم ﷺ دَلالةً، وعلى ما خصَّه به مِن الكرامةِ علامةً واضحةً، وحُجَّةً بالغةً، أبانه به مِن كلِّ كاذبٍ ومُفْتَرٍ، وفصَل به بينَهم وبينَ كلِّ جاحدٍ ومُلْحِدٍ، وفرَق به بينَهم وبينَ كلِّ كافرٍ ومشركٍ، الذي لو اجْتَمَع جميعُ مَن بينَ أقطَارِها؛ مِن جِنِّها وإنْسِها، وصغيرِها وكبيرِها، على أن يأتوا بسورةٍ من مثلِه، لم يأتوا بمثلِه ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظَهيرًا (١)، فجعَله لهم في دُجَى الظُّلَمِ نورًا ساطعًا، وفي سُدَفِ (٢) الشُّبَهِ (٣) شِهابًا لامعًا، وفي مَضَلَّةِ المَسَالكِ دليلًا هاديًا، وإلى سُبُلِ النجاةِ والحقِّ حاديًا، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. حرَسه بعينٍ منه لا تَنامُ، وحاطه برُكْنٍ منه لا يُضامُ، لا تَهِي على الأيامِ دَعائمُه، ولا تَبِيدُ على طولِ الأزمانِ مَعالمُه، ولا يَجورُ (٤) عن قصدِ المَحَجَّةِ تابعُه، ولا يَضِلُّ عن سُبُلِ الهُدَى مُصاحِبُه، مَن اتَّبَعه فاز وهَدَى، ومَن حاد عنه ضلَّ وغَوَى، فهو مَوْئِلُهم الذي إليه عندَ الاخْتلافِ يَئِلون، ومَعْقِلُهم الذي إليه في النَّوازل يَعْتَقِلون (٥)، وحِصْنُهم الذي به مِن وَساوسِ الشيطانِ يَتَحَصَّنون، وحِكْمةُ ربِّهم التي إليها يَحْتَكِمون، وفَصْلُ قَضائِه بينَهم الذي إليه يَنْتَهون، وعن الرِّضا به يَصْدُرون، وحَبْلُه الذي بالتَّمَسُّكِ (٦) به مِن الهَلَكةِ يَعْتَصِمون. اللهم فوفِّقْنا لإصابةِ صَوابِ القولِ في مُحْكَمِه ومُتَشابِهِه، وحَلالِه وحَرامِه،

стр. 187

وعامِّه وخاصِّه، ومُجْمَلِه ومُفَسَّرِه، وناسخِه ومَنْسوخِه، وظاهرِه وباطنِه، وتأْويلِ آيِه، وتفسيرِ مُشْكِلِه، وألْهِمْنا التمسكَ به، والاعْتِصامَ بمُحْكَمِه، والثَّباتَ (١) على التسليمِ لمُتَشابِهِه، وأوْزِعْنا الشكرَ على ما أنْعَمْتَ به علينا، مِن حفظِه، والعلمِ بحُدودِه، إنك سميعُ الدعاءِ، قريبُ الإجابةِ، وصلى اللَّهُ على محمدٍ النبيِّ وآلِه، وسلَّم تسليمًا. اعْلَموا عبادَ اللَّهِ، رحِمكم اللَّهُ، أن أحقَّ ما صُرِفت إلى علمِه العِنايةُ، وبُلِغت في معرفتِه الغايةُ، ما كان للَّهِ في العلمِ به رِضًا، وللعالمِ به إلى سبيلِ الرشادِ هُدًى، وأنّ أجْمَعَ ذلك لباغيه، كتابُ اللَّهِ الذي لا ريبَ فيه، وتَنْزيلُه الذي لا مِرْيةَ فيه، الفائزُ بجَزيلِ الذُّخْرِ وسَنِيِّ الأجرِ تاليه، الذي لا يَأْتيه الباطلُ مِن بينِ يديه ولا مِن خلفِه، تنزيلٌ مِن حكيمٍ حميدٍ (٢). ونحن في شرحِ تأويلِه وبيانِ ما فيه مِن معانيه، مُنْشِئون، إن شاء اللَّهُ ذلك، كتابًا مُسْتَوْعِبًا لكلِّ ما بالناسِ إليه الحاجةُ مِن علمِه، جامعًا، ومِن سائرِ الكتبِ غيرِه في ذلك كافيًا، ومُخْبِرون في كلِّ ذلك بما انْتَهَى إلينا مِن اتفاقِ الحجةِ فيما اتَّفَقَت عليه منه، واختلافِها فيما اختَلَفَت فيه منه، ومُبَيِّنو (٣) عِلَلِ كلِّ مذهبٍ مِن مذاهبِهم، ومُوَضِّحو الصحيحِ لدينا مِن ذلك، بأوْجَزِ ما أمْكَن مِن الإيجازِ في ذلك، وأخْصَرِ ما أمْكَن مِن الاخْتِصارِ فيه، واللَّهَ أسْأَلُ (٤) عونَه وتوفيقَه لما يُقَرِّبُ مِن مَحابِّه، ويُبْعِدُ مِن مَساخِطِه، وصلَّى اللَّهُ على صَفْوتِه مِن خلقِه وعلى آلِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

стр. 188

و (١) أولُ ما نَبْدَأُ به مِن القِيلِ في ذلك الإبانةُ عن الأسبابِ التي البِدايةُ بها أَوْلَى، وتقديمُها قبلَ ما عداها أحْرَى؛ وذلك البيانُ عما في آيِ القرآنِ مِن المعاني التي مِن قِبَلِها يَدْخُلُ اللَّبْسُ على مَن لم يُعانِ رِياضةَ العلومِ العربيةِ، ولم تَسْتَحْكِمْ معرفتُه بتَصاريفِ وُجوهِ مَنْطِقِ الألسنِ السَّلِيقيَّةِ الطبيعيةِ. القولُ في البيانِ عن اتِّفاقِ مَعاني آيِ القرآنِ ومعاني مَنْطِقِ مَن نزَل بلسانِه مِن وجهِ البيانِ، والدَّلالةُ على أن ذلك مِن اللَّهِ - جل وعز - هو الحكمةُ البالغةُ، مع الإبانةِ (٢) عن فضلِ المعنى الذي به بايَن القرآنُ سائرَ الكلامِ قال أبو جعفرٍ: إن مِن عظيمِ (٣) نعمِ اللَّهِ على عبادِه، وجَسيمِ مِنَّتِه (٤) على خلقِه، ما منَحهم مِن فضلِ البَيانِ، الذي به عن ضمائرِ صُدورِهم يُبينون، وبه على عَزائمِ نفوسِهم يَدُلُّون، فذلَّل به منهم الألسنَ، وسهَّل به عليهم المُسْتَصْعبَ، فبه إياه يُوَحِّدون، وإياه به يُسَبِّحون ويُقَدِّسون، وإلى حاجاتِهم به يَتَوَصَّلون، وبه بينَهم يَتَحاوَرون، فيتَعارَفون ويَتَعامَلون. ثم جعَلهم جل ذكرُه - فيما منَحهم مِن ذلك - طبقاتٍ، ورفَع بعضَهم فوقَ بعضٍ درجاتٍ، فبَيْنَ خَطيبٍ مُسْهِبٍ، وذَلِقِ اللسانِ مُهْذِبٍ، ومُفْحَمٍ عن نفسِه لا يُبِينُ، وعَيِيٍّ عن ضميرِ قلبِه لا يُعَبِّرُ، وجعَل أعْلاهم فيه رُتْبةً، وأرْفَعَهم فيه درجةً، أبْلَغَهم فيما أراد به بلاغًا، وأبينَهم عن نفسِه به بيانًا، ثم عرَّفهم في تنزيلِه ومُحْكَمِ

стр. 189

آيِ كتابِه، فضْلَ ما حَباهم به من البيانِ، على مَن فضَّلهم به عليه مِن ذي البَكَمِ والمُسْتَعْجِمِ اللسانِ، فقال تعالى ذكرُه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]. فقد وضَح إذن لذَوِي الأفْهامِ، وتبَيَّن لأُولي الألبابِ، أنَّ فضْلَ أهلِ البيانِ على أهلِ البَكَمِ والمُسْتَعْجِمِ اللسانِ، بفضلِ اقْتِدارِ هذا مِن نفسِه على إبانةِ ما أراد إبانتَه عن نفسِه ببيانِه، واسْتِعْجامِ لسانِ هذا عما حاوَل إبانتَه بلسانِه. فإن كان ذلك كذلك، وكان المعنى الذي به بايَن الفاضلُ (١) المفضولَ في ذلك، فصار به فاضلًا، والآخرُ مفضولًا، هو ما وصَفْنا (٢) مِن فضلِ إبانةِ ذي البيانِ عما قصَّر عنه المُسْتَعْجِمُ اللسانِ، وكان ذلك مُخْتَلِفَ الأقْدارِ، مُتَفاوِتَ الغاياتِ والنِّهاياتِ، فلا شكَّ أن أعْلَى منازلِ البيانِ دَرَجةً، وأسْنَى مَراتبِه مرتبةً، أبْلَغُه في حاجةِ المُبِينِ عن نفسِه، وأبينُه عن مرادِ قائلِه، وأقربُه (٣) مِن فهمِ سامعِه، فإن تجاوَز ذلك المِقْدارَ، وارْتَفع عن وُسْعِ الأنامِ، وعجَز عن أن يأتِيَ بمثلِه جميعُ العبادِ، كان حُجَّةً وعَلَمًا لرسلِ الواحدِ القهارِ، كما كان حجةً وعَلَمًا لها إحياءُ الموتى وإبراءُ الأبْرصِ وذَوِي العَمَى، بارتفاعِ ذلك عن مقاديرِ أعلى منازلِ طبِّ المتطبِّبِين، وأرْفَعِ مراتبِ علاجِ المُعالجِين، إلى ما يَعْجِزُ عنه جميعُ العالَمِين، وكالذي كان لها حُجَّةً وعَلَمًا قطعُ مسافةِ شهرَيْن في الليلةِ الواحدةِ، بارتفاعِ ذلك عن وُسْعِ الأنامِ، وتعَذُّرِ مثلِه على جميعِ العبادِ، وإن كانوا على قطعِ القليلِ مِن المسافةِ قادرين، ولليسيرِ منه فاعلين.

стр. 190

فإن كان ما وصَفْنا مِن ذلك كالذي وصَفْنا، فبَيِّنٌ ألا بيانَ أبْيَنُ، ولا حِكْمةَ أبلغُ، ولا مَنْطِقَ أعلى، ولا كلامَ أشرفُ، مِن بيانٍ ومَنْطِقٍ تحَدَّى به امرُؤٌ قومًا، في زمانٍ هما فيه رُؤساءُ صناعةِ الخُطَبِ والبلاغةِ، وقِيل الشعرِ والفَصاحةِ، والسَّجْعِ والكِهانة (١)، على (٢) كلِّ (٣) خطيبٍ منهم وبليغٍ، وشاعرٍ منهم وفَصيحٍ، وكلِّ ذي سَجْعٍ وكِهانةٍ - فسفَّه أحلامَهم، وقصَّر بعقولِهم (٤)، وتبَرَّأ مِن دينِهم، ودعا جميعَهم إلى اتِّباعِه، والقَبولِ منه، والتَّصديقِ به، والإقرارِ بأنه رسولٌ إليهم مِن ربِّهم، وأخْبَرهم أنّ دَلالتَه على صدقِ مقالتِه، وحجّتَه على حقيقةِ نبوتِه، ما أتاهم به مِن البيانِ والحكمةِ والفُرْقانِ، بلسانٍ مثلِ ألسنتِهم، ومَنْطِقٍ موافقةٍ معانيه معانيَ مَنْطِقِهم، ثم أنْبَأ جميعَهم أنهم عن أن يأتوا بمثلِ بعضِه عَجَزةٌ، ومِن القُدْرةِ عليه نَقَصةٌ، قأقرَّ جميعُهم بالعجزِ، وأذْعَنوا له بالتَّصْديقِ، وشهِدوا على أنفسِهم بالنقصِ، إلا مَن تجاهَل منهم وتَعامَى، واسْتَكْبَر وتعاشَى، فحاوَل تكَلُّفَ ما قد علِم أنه عنه عاجزٌ، ورام ما قد تيَقَّن أنه عليه غيرُ قادرٍ، فأبْدَى مِن ضعفِ عقلِه ما كان مُسْتَتِرًا، ومن عِيِّ لسانِه ما كان مَصُونًا، فأتَى بما لا يَعْجِزُ عنه الضعيفُ الأخْرَقُ، والجاهلُ الأحمقُ، فقال (٥): والطاحناتِ طحنًا، والعاجناتِ عجنًا، فالخابزاتِ خبزًا، والثارداتِ ثَرْدًا، واللاقماتِ لَقْمًا. ونحو ذلك مِن الحَماقاتِ (٦) المُشْبِهةِ دَعْواه الكاذبةَ.

стр. 191

فإذْ كان تَفاضُلُ مراتبِ البَيانِ، وتَبايُنُ منازلِ دَرَجاتِ الكلامِ بما وصَفْنا قبلُ، وكان اللَّهُ تعالى ذِكْرُه وتقَدَّست أسماؤُه أحْكمَ الحُكماءِ، وأحْلَمَ الحُلماءِ، كان معلومًا أن أبينَ البيانِ بيانُه، وأفضلَ الكلامِ كلامُه، وأنَّ قدرَ فضلِ بيانِه جل ذكرُه على بيانِ (١) جميعِ خلقِه، كفضلِه على جميعِ عبادِه. فإن كان ذلك كذلك، وكان غيرَ مُبِينٍ منا عن نفسِه مَن خاطَب غيرَه بما لا يَفْهَمُه عنه المخاطَبُ، كان معلومًا أنه غيرُ جائزٍ أن يُخاطِبَ جل ذكرُه أحدًا مِن خلقِه إلا بما يَفْهَمُه المخاطَبُ، ولا يُرْسِلَ إلى أحدٍ منهم رسولًا برسالةٍ إلا بلسانٍ وبيانٍ يَفْهَمُه المُرْسَلُ إليه؛ لأن [المُخاطَبَ و] (٢) المُرْسَلَ إليه إن لم يَفْهَمْ ما خُوطِبَ به وأُرْسِل به إليه، فحالُه قبلَ الخطابِ وقبلَ مَجيءِ الرسالةِ إليه وبعدَه سَواءٌ، إذ لم يُفِدْه الخطابُ والرسالةُ شيئًا كان به قبلَ ذلك جاهلًا، واللَّهُ جل ذكرُه يَتَعالَى عن أن يُخاطِبَ خِطابًا أو يُرْسِلَ رسالةً لا تُوجِبُ فائدةً لمن خُوطِب أو أُرْسِلَت إليه؛ لأن ذلك فينا مِن فعلِ أهلِ النقصِ والعَبَثِ، واللَّهُ تعالى عن ذلك مُتَعالٍ، ولذلك قال جل ثناؤُه في مُحْكَمِ تَنْزيلِه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. وقال لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. فغيرُ جائزٍ أن يَكونَ به (٣) مُهْتَدِيًا مَن كان بما (٤) يُهْدَى إليه جاهلًا. فقد تبَيَّنَ إذن - بما عليه دلَّلْنا مِن الدَّلالةِ - أن كلَّ رسولٍ للَّهِ جل

стр. 192

ثناؤُه أرْسَله إلى قومٍ، فإنما أرْسَله بلسانِ مَن أرْسَله إليه، وكلَّ كتابٍ أنْزَله على نبيٍّ، ورسالةٍ أرْسَلَها إلى أُمَّةٍ، فإنما أنْزَلَه بلسانِ مَن أنْزَلَه أو أرْسَله إليه. فاتَّضَح بما قلْنا ووصَفْنا أنَّ كتابَ اللَّهِ الذي أنْزَله إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ [بلسانِ محمدٍ ﷺ ، وإذْ كان لسانُ محمدٍ ﷺ ] (١) عربيًّا، فبَيِّنٌ أن القرآنَ عربيٌّ، وبذلك أيضًا نطَق مُحْكَمُ تنزيلِ ربِّنا، فقال جل ذكرُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]. وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وإذْ كانت واضحةً صحةُ ما قلْنا - بما عليه اسْتَشْهَدْنا مِن الشَّواهدِ، ودلَّلْنا عليه مِن الدَّلائلِ - فالواجبُ أن تكونَ معاني كتابِ اللَّهِ المُنَزَّلِ على نبيِّنا محمدٍ ﷺ ، لمعاني كلامِ العربِ موافقةً، وظاهرُه لظاهرِ كلامِها ملائمًا، وإن بايَنه كتابُ اللَّهِ بالفَضيلةِ (٢) التي فضَل بها سائرَ الكلامِ والبَيانِ، بما قد تقَدَّم وَصْفُناه (٣). فإذْ كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ - إذ كان موجودًا في كلامِ العربِ الإيجازُ والاخْتِصارُ، والاجْتِزاءُ (٤) بالإخْفاءِ مِن الإظْهارِ، وبالقلةِ مِن الإكْثارِ في بعضِ الأحوالِ، واسْتِعْمالُ الإطالةِ والإكْثارِ، والتَّرْدادِ والتَّكْرارِ، وإظهارُ المعاني بالأسماءِ دونَ الكِنايةِ عنها (٥)، والإسرارُ في بعضِ الأوقاتِ، والخبرُ عن الخاصِّ في المرادِ بالعامِّ الظاهرِ، وعن العامِّ في المرادِ بالخاصِّ الظاهرِ، وعن الكِنايةِ والمرادُ منه المُصَرَّحُ، وعن

стр. 193

الصفةِ والمرادُ الموصوفُ، وعن الموصوفِ والمرادُ الصفةُ، وتقديمُ (١) ما هو في المعنى مُؤَخَّرٌ، وتأخيرُ ما هو في المعنى مُقَدَّمٌ، والاكْتِفاءُ ببعضٍ مِن بعضٍ، وبما يَظْهَرُ عما يُحْذَفُ (٢)، وإظهارُ ما حظُّه الحذفُ - أن يكونَ ما في كتابِ اللَّهِ المُنَزَّلِ على نبيِّه محمدٍ ﷺ مِن ذلك، في كلِّ ذلك له نَظيرًا، وله مِثْلًا وشَبيهًا (٣). ونحن مُبَيِّنو جميعِ ذلك في أماكنِه، إن شاء اللَّهُ ذلك، وأيَّد (٤) منه بعونٍ وقوةٍ. القولُ في البَيانِ عن الأحْرُفِ التي اتَّفَقَت فيها ألفاظُ العربِ وأَلفاظُ غيرِها مِن بعضِ أجناسِ الأممِ قال أبو جعفرٍ: إن سأَلَنا سائلٌ، فقال: إنك ذكَرْتَ أنه غيرُ جائزٍ أن يُخاطِبَ اللَّهُ أحدًا مِن خلقِه إلا بما يَفْهَمُه، وأن يُرْسِلَ إليه رسالةً إلا باللسانِ الذي يَفْقَهُه، فما أنت قائلٌ فيما حدَّثكم به محمدُ بنُ حُمَيْدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، قال: حدَّثنا عَنْبَسةُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحْوَصِ، عن أبي موسى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. قال: الكِفْلان ضِعْفان مِن الأجرِ، بلسانِ الحبشةِ. وفيما حدَّثكم به ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، قال حدَّثنا عَنْبَسةُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٦].

стр. 194

قال: بلسانِ الحبشةِ إذا قام الرجلُ مِن الليلِ قالوا: نشَأ. وفيما حدَّثكم به ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، قال. حدَّثنا عَنْبَسةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]. قال: سبِّحي، بلسانِ الحبشةِ. قال أبو جعفرٍ: وكُلُّ ما قلْنا في هذا الكتابِ: حدَّثكم. فقد حدَّثونا به. وفيما حدَّثكم به محمدُ بنُ خالدِ بنِ خِداشٍ (١) الأزْدِيُّ، قال: حدَّثنا سَلْمُ (٢) بنُ قُتَيْبةَ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، ﵄، أنه سُئِل عن قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١]. قال: هو بالعربيةِ الأسدُ، وبالفارسيةِ شار (٣)، وبالنَّبَطيةِ أريا، وبالحبشيةِ قَسْورةٌ. وفيما حدَّثكم به ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بنِ أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: قالت قريشٌ: لولا أُنْزِل هذا القرآنُ (٤) أعجميًّا وعربيًّا؟ فأنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. فأنْزَل اللَّهُ بعدَ هذه الآيةِ في القرآنِ بكلِّ لسانٍ، فمنه (٥): ﴿حِجَارَةً

стр. 195

مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢]. قال: فارسيةٌ أُعْرِبَت "سنكَئْ وكَلْ" (١). وفيما حدَّثكم به محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ، قال: في القرآنِ مِن كلِّ لسانٍ (٢). وفيما أشْبَهَ ذلك مِن الأخْبارِ التي يَطُولُ بذكرِها الكتابُ، مما يَدُلُّ على أن فيه مِن غيرِ لسانِ العربِ؟ قيل له: إن الذي قالوه مِن ذلك غيرُ خارجٍ مِن معنى ما قلْنا - مِن أجلِ أنهم لم يقولوا: هذه الأحرفُ وما أشْبَهَها لم تَكُنْ للعربِ كلامًا، ولا كان ذاك لها مَنْطِقًا قبلَ نزولِ القرآنِ، ولا كانت بها العربُ عارفةً قبلَ مجيءِ الفُرْقانِ - فيكونَ ذلك قولًا لقولِنا خِلافًا، وإنما قال بعضُهم: حرفُ كذا بلسانِ الحبشةِ معناه كذا، وحرْفُ كذا بلسانِ العجمِ معناه كذا. ولم نَسْتَنْكِرْ أن يكونَ مِن الكلامِ ما يَتَّفِقُ فيه ألفاظُ جميعِ أجناسِ الأممِ المختلفةِ الألْسُنِ بمعنًى واحدٍ، فكيف بجنسَيْن منها؟ كما قد وجَدْنا اتفاقَ كثيرٍ منه فيما قد علِمْناه مِن الألسنِ المختلفةِ، وذلك كالدرهمِ والدينارِ والدَّوَاةِ والقلمِ والقِرْطاسِ، وغيرِ ذلك - مما يُتْعِبُ إحصاؤُه، ويُمِلُّ تَعدادُه، كرِهْنا إطالةَ الكتابِ بذكرِه - مما اتَّفَقَت فيه الفارسيةُ والعربيةُ باللفظِ والمعنى. ولعل ذلك كذلك في سائرِ الألسنِ التي يُجْهَلُ مَنْطِقُها، ولا يُعْرَفُ كلامُها. فلو أن قائلًا قال فيما ذكَرْنا مِن الأشياءِ التي عدَدْنا، وأخْبَرْنا اتفاقَه في اللفظِ والمعنى بالفارسيةِ والعربيةِ، وما أشْبَه ذلك، مما سكَتْنا عن ذكرِه: ذلك كلُّه فارسيٌّ لا

стр. 196

عربيٌّ، أو ذلك كلُّه عربيٌّ لا فارسيٌّ، أو قال: بعضُه عربيٌّ وبعضُه فارسيٌّ. أو قال: كان مَخْرَجُ أصلِه مِن عندِ العربِ، فوقَع إلى العجمِ فنطَقوا به. أو قال: كان مَخْرَجُ أصلِه مِن عندِ الفرسِ، فوقَع إلى العربِ فأعْرَبَته. كَانَ مُسْتَجْهَلًا؛ لأنَّ العربَ ليست بأوْلَى أن تكونَ كان مَخْرَجُ أصلِ ذلك منها إلى العجمِ، ولا العجمَ بأحقَّ أن تكونَ كان مخرجُ أصلِ ذلك منها إلى العربِ، إذْ كان استعمالُ ذلك بلفظٍ واحدٍ ومعنًى واحدٍ موجودًا في الجنسَيْن. وإذْ كان ذلك موجودًا على ما وصَفْنا في الجنسَيْن، فليس أحدُ الجنسين بأَولى أن يكونَ أصلُ ذلك كان مِن عندِه مِات الجنسِ الآخرِ، والمُدَّعِي أنَّ مخرجَ أصلِ ذلك إنما كان من أحدِ الجنسين إلى الآخرِ - مُدَّعٍ (١) أمرًا لا يُوصَلُ إلى حقيقةِ صحَّتِه إلا بخبرٍ (٢) يُوجِبُ العلمَ، ويُزِيلُ الشكَّ، ويَقْطَعُ العُذْرَ مَجِيئُه (٣). بل الصوابُ في ذلك عندَنا أن يُسَمَّى عربيًّا أعْجميًّا، أو حبشيًّا عربيًّا؛ إذْ كانت الأُمَّتانِ له مستعملتَيْن في بيانِها ومنطلقِها، استعمالَ سائرِ مَنْطِقِها وبيانِها، فليس غيرُ ذلك مِن كلامِ كلِّ أمةٍ منهما بأولى أن يَكونَ إليها منسوبًا منه. فكذلك سبيلُ كلِّ كلمةٍ واسمٍ اتَّفَقت ألفاظُ (٤) أجناسِ أممٍ فيها وفي (٥) معناها، ووُجِد ذلك مُسْتَعْمَلًا في كلِّ جنسٍ منها، استعمالَ سائرِ مَنْطِقِهم (٦)، فسبيلُ

стр. 197

إضافتِه إلى كلِّ جنسٍ منها سبيلُ ما وصَفْنا مِن الدرهمِ والدينارِ والدَّواةِ والقلمِ، التي اتَّفَقَت ألسنُ الفرسِ والعربِ فيها بالألفاظِ الواحدةِ، والمعنى الواحدِ، في أنه مُسْتَحِقٌّ إضافتَه إلى كلِّ جنسٍ مِن تلك الأجناسِ باجتماعٍ وافتراقٍ (١). وذلك هو معنى قولِ (٢) مَن رَويْنا عنه القولَ في الأحرفِ التي مضَت في صدرِ هذا البابِ (٣)، مِن نسبةِ بعضِهم بعضَ ذلك إلى لسانِ الحبشةِ، ونسبةِ بعضِهم بعضَ ذلك إلى لسانِ الفرسِ، ونسبةِ بعضِهم بعضَ ذلك إلى لسانِ الرومِ؛ لأنَّ مَن نسَب شيئًا مِن ذلك إلى ما نسَبه إليه، لم يَنْفِ - بنسبتِه (٤) إياه إلى ما نسَبه إليه - أن يكونَ عربيًّا، ولا مَن قال منهم: هو عربيٌّ. نفَى ذلك أن يكون مُسْتَحِقًّا النسبةَ إلى مَن هو مِن كلامِه مِن سائرِ أجناسِ الأممِ غيرِها، وإنما يكونُ الإثباتُ دليلًا على النفيِ فيما لا يَجوزُ اجْتماعُه مِن المعاني، كقولِ القائلِ: فلانٌ قائمٌ. فيكونُ بذلك مِن قولِه دالًّا على أنه غيرُ قاعدٍ، ونحوِ ذلك مما يَمْتَنِعُ اجتماعُه لتنافيهما. فأما ما جاز اجتماعُه، فهو خارجٌ مِن هذا المعنى، وذلك كقولِ القائلِ: فلانٌ قائمٌ مُكَلِّمٌ فلانًا. فليس في تَثْبيتِ القيامِ له ما دلَّ على نفيِ كلام آخرَ؛ لجوازِ اجتماعِ ذلك في حالٍ واحدةٍ مِن شخصٍ واحدٍ، فقائلُ ذلك صادقٌ إذا كان صاحبُه على ما وصَفه به. فكذلك ما قلْنا في الأحرفِ التي ذكَرْنا، وما أشْبَهَها، غيرُ مستحيلٍ أن يكونَ عربيًّا بعضُها أعجميًّا، وحبشيًّا بعضُها عربيًّا؛ إذ كان موجودًا استعمالُ ذلك في كلتا الأُمَّتَيْنِ، فناسِبُ ما نسَب مِن ذلك إلى إحدى الأُمَّتَيْن أو كلتيهما مُحِقٌّ غيرُ مُبْطِلٍ.

стр. 198

فإن ظنَّ ذو غَباءٍ أن اجتماعَ ذلك في الكلامِ مستحيلٌ - كما هو مستحيلٌ في أنسابِ بني آدمَ - فقد ظن جهلًا، وذلك أن أنسابَ بني آدمَ مَحصورةٌ على أحدِ الطرفَيْن دونَ الآخرِ، لقولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. وليس ذلك كذلك في المنطِقِ والبيانِ؛ لأن المنطِقَ إنما هو منسوبٌ إلى مَن كان به معروفًا استعمالُه. فلو عُرِف استعمالُ بعضِ الكلامِ في أجناسٍ من الأممِ - جنسَيْن (١) أو أكثرَ - بلفظٍ واحدٍ ومعنًى واحدٍ، كان ذلك منسوبًا إلى كلِّ جنسٍ مِن تلك الأجناسِ، لا يَسْتَحِقُّ جنسٌ منها أن يكونَ به أولى مِن سائرِ الأجْناسِ غيرِه؛ كما لو أن أرضًا بينَ سَهْلٍ وجبلٍ، لها هواءُ السهلِ وهواءُ الجبلِ، أو بينَ برٍّ وبحرٍ، لها هواءُ البرِّ وهواءُ البحرِ، لم يَمْتَنِعْ ذو عقلٍ صحيحٍ أن يَصِفَها بأنها سُهْليةٌ جبليةٌ، أو بأنها بريةٌ بحريةٌ، إذ لم تَكُنْ نسبتُها إلى إحدى صفتَيْها [نافيةً حقَّها مِن النسبةِ إلى الأخرى، ولو أفْرَد لها مُفْرِدٌ إحدى صفتَيْها] (٢) ولم يَسْلُبْها صفتَها الأخرى، كان صادقًا مُحِقًّا. وكذلك القولُ في الأحرفِ التي تقَدَّم ذكرُناها (٣) في أولِ هذا البابِ. وهذا المعنى الذي قلْناه في ذلك، هو معنى قولِ مَن قال: في القرآنِ مِن كلِّ لسانٍ. عندَنا بمعنى - واللَّهُ أعلمُ - أن فيه مِن كلِّ لسانٍ اتَّفَق فيه لفظُ العربِ ولفظُ غيرِها مِن الأممِ التي تَنْطِقُ به، نظيرَ ما وصَفْنا مِن القولِ فيما مضَى. وذلك أنه غيرُ جائزٍ أن يُتَوَهَّمَ على ذي فِطْرةٍ صحيحةٍ مُقِرٍّ بكتابِ اللَّهِ، ممَّن قد قرَأ القرآنَ، وعرَف حدودَ اللَّهِ، أن يَعْتَقِدَ أن بعضَ القرآنِ فارسيٌّ لا عربيٌّ، وبعضَه

стр. 199

نَبَطيٌّ لا عربيٌّ، بعضَه [روميٌّ لا عربيٌّ] (١)، وبعضَه حَبَشيٌّ لا عربيٌّ، بعدَ ما أخْبَر اللَّهُ تعالى ذكرُه عنه أنه جعَله قرآنًا عربيًّا؛ لأن ذلك إن كان كذلك، فليس قولُ القائلِ: القرآنُ حبشيٌّ أو فارسيٌّ. ولا نسبةُ مَن نسَبه إلى بعضِ ألسنِ الأممِ التي بعضُه بلسانِها دونَ العربِ، بأولى بالتَّطْويلِ (٢) مِن قولِ القائلِ: هو عربيٌّ. ولا قولُ القائلِ: هو عربيٌّ. بأولى بالصحةِ والصوابِ مِن قولِ ناسِبِه إلى بعضِ الأجناسِ التي ذكَرْنا، إذ كان الذي بلسانِ غيرِ العربِ مِن سائرِ ألسنِ أجناسِ الأممِ فيه، نَظيرَ الذي فيه مِن لسانِ العربِ. وإذْ كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ إذن خطأُ قولِ مَن عَم أن القائلَ مِن السلفِ: في القرآنِ مِن كلِّ لسانٍ. إنما عنَى بقِيلِه ذلك أن فيه مِن البيانِ ما ليس بعربيٍّ، ولا جائزةً نسبتُه (٣) إلى لسانِ العربِ. ويقالُ لمَن أبَى ما قلْنا - ممَّن زعَم أن الأحرفَ التي قدَّمْنا ذكرَها في أولِ البابِ وما أشْبَهَها، إنما هي كلامُ أجناسٍ من (٤) الأممِ سوى العربِ، وقَعَت إلي العربِ فعرَّبَتْه (٥) -: ما برهانُك على صحةِ ما قلتَ في ذلك مِن الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له، فقد علِمْتَ مَن خالَفك في ذلك، فقال فيه خلافَ قولِك؟ وما الفرقُ بينَك وبينَ مَن عارَضك في ذلك، فقال: هذه الأحرفُ وما أشبهَها مِن الأحرفِ غيرِها

стр. 200

أصلُها عربيٌّ، غيرَ أنها وقَعَت إلى سائرِ أجناسِ الأممِ غيرِها، فنطَقَت كلُّ أُمَّةٍ منها ببعضِ ذلك بألسنتِها، مِن الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له؟ فلن يَقولَ في شيءٍ مِن ذلك قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه. فإن اعْتَلَّ في ذلك بأقوالِ السلفِ التي قد ذكَرْنا بعضَها وما أشبهَها، طُولِب مطالبتَنا مَن تأوَّل عليهم في ذلك تأويلَه، بالذي قد تقَدَّم في بيانِنا، وقيل له: ما أنْكَرْتَ أن يكونَ مَن نسَب شيئًا مِن ذلك منهم إلى مَن نسَبه مِن أجناسِ الأممِ سوى العربِ، إنما نسَبه إلى إحدى نسبتَيْه التي هو لها مُسْتَحِقٌّ، مِن غيرِ نفيٍ منه عنه النسبةَ الأخرى. ثم يقالُ له: أرأيتَ مَن قال لأرضٍ سُهْليةٍ جبليةٍ: هي سُهْليةٌ. ولم يُنْكِرْ أن تكون جبليةً. أو قال: هي جبليةٌ. ولم يَدْفَعْ أن تكونَ سُهْليةً، أَنافٍ عنها أن تكونَ لها الصفةُ الأخرى بقيلِه ذلك؟ فإن قال: نعم. كابَر عقلَه، وإن قال: لا. قيل له: فما أنْكَرْتَ أن يكونَ قولُ مَن قال في سجِّيل: هي فارسيةٌ. وفي القِسْطاسِ: هي روميةٌ. نظيرَ ذلك. وسُئِل الفَرْقَ بينَ ذلك، فلن يقولَ في أحدِهما قولًا إلَّا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه. القولُ في اللغةِ التي نزَل بها القرآنُ مِن لُغاتِ العربِ قال أبو جعفرٍ: قد دلَّلْنا على صحةِ القولِ، بما فيه الكفايةُ لمن وُفِّق لفهمِه، على أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أنْزَل جميعَ القرآنِ بلسانِ العربِ دونَ غيرِها مِن ألسنِ سائرِ أجناسِ الأممِ، وعلى فسادِ قولِ مَن زعَم أن منه ما ليس بلسانِ العربِ ولغتِها (١). فنقولُ الآن - إذْ كان ذلك صحيحًا - في الدَّلالةِ عليه بأيِّ ألسنِ العربِ أُنْزِل: أبألسنِ جميعِها، أم بألسنِ بعضِها؟ إذ كانت العربُ، وإن جمَع جميعَها اسمُ أنهم

стр. 201

عربٌ، فهم مُخْتَلِفو الألسنِ بالبيانِ، مُتبايِنو المنطِقِ والكلامِ. وإذْ كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ جل ذكرُه قد أخْبَر عبادَه أنه قد جعَل القرآنَ عربيًّا، وأنه أُنْزِل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، ثم كان ظاهرُه (١) مُحْتَمِلًا خُصوصًا وعُمومًا، لم يَكُنْ لنا السبيلُ إلى العلمِ بما عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه مِن خُصوصِه وعمومِه، إلا ببيانِ مَن جُعِل إليه بيانُ القرآنِ، وهو رسولُ اللَّهِ ﷺ . فإن كان ذلك كذلك، وكانت الأخبارُ قد تظاهَرت عنه ﷺ بما حدَّثنا به خَلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن أبي (٢) حازمٍ، عن أبي سلمةَ، قال: لا أعْلَمُه إلا عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أُنْزِلَ القُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فالمِرَاءُ فِي القُرآنِ كُفْرٌ" ثلاثَ مراتٍ "فما عَرَفْتُم منه فاعْمَلُوا به، وما جَهِلْتُم منه فرُدُّوه إِلى عَالِمِه" (٣). وحدَّثني عُبَيْدُ بنُ أسْباطَ بنِ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أُنْزِلَ القُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ؛ عَلِيمٌ حَكِيمٌ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (٤). وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثني عَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٥).

стр. 202

وحدَّثنا محمدُ بنُ حُمَيدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا جَريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن مُغيرةَ (١)، عن واصلِ بنِ حَيَّانَ، عمَّن ذكَره، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أُنْزِلَ القُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لكُلِّ حَرْفٍ منها ظَهْرٌ وبَطْنٌ، ولكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ، ولكُلِّ حَدٍّ مُطَّلَعٌ" (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قَال: حدَّثنا مِهْرانُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ الهَجَريِّ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: حدَّثنا عاصمٌ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: اخْتَلَف رجلان في سورةٍ، فقال هذا: أقْرَأَني النبيُّ ﷺ . وقال هذا: أقْرَأَنِي النبيُّ ﷺ . فأتَى النبيَّ ﷺ فأَخْبَر بذلك، قال: فتغَيَّر وجهُه، وعندَه رجلٌ، فقال: اقرَءُوا كما عُلِّمْتُم - فلا أدْرِي أبشيءٍ أُمِر، أم بشيءٍ ابْتَدَعه مِن قِبَلِ نفسِه - فإنما أَهلَكَ مَن كان قبلَكم اخْتِلافُهم على

стр. 203

أنبيائِهم. قال: فقام كلُّ رجلٍ منا، وهو لا يَقْرَأُ على قراءةِ صاحبِه (١). نحوَ هذا ومعناه. حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى بنِ سعيدٍ الأُمويُّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الأعمشُ، [وحدَّثني أحمدُ بنُ منيعٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأمويُّ، عن الأعمشِ] (٢)، عن عاصمٍ، عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: تمارَيْنا في سورةٍ مِن القرآنِ، فقلْنا: خمسٌ وثلاثون، أو ستٌّ وثلاثون آيةً. قال: فانْطَلَقْنا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فوجَدْنا عليًّا يُناجِيه (٣)، قال: فقلنا: إنا اخْتَلَفْنا في القراءةِ، قال: فاحْمَرَّ وجهُ رسولِ اللَّهِ ﷺ وقال: "إِنَّما هَلَكَ مَن كان قَبْلَكم باخْتِلَافِهم بَيْنَهم". قال: ثم أسَرَّ إلى عليٍّ شيئًا، فقال لنا عليٌّ: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكُم أنْ تَقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتم (٤). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا (٥) عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن عيسى بنِ قِرْطاسٍ،

стр. 204

[عن زيدٍ القَصَّارِ] (١)، عن زيدِ بنِ أَرْقمَ، قال: كنا معه في المسجدِ، فحدَّثنا ساعةً، ثم قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقال: أقْرَأَني عبدُ اللَّهِ بن مسعودٍ سورةً أقْرَأَنيها زيدٌ، وأقْرَأَنيها أُبَيُّ بنُ كعبٍ، فاخْتَلَفتْ قراءتُهم، فقراءةُ (٢) أيِّهم آخُذُ؟ قال: فسكَت رسولُ اللَّهِ ﷺ ، قال: وعليٌّ إلى جنبِه، فقال عليٌّ: لِيَقْرَأْ كلُّ إنسانٍ كما عُلِّم، كلٌّ حسنٌ جميلٌ (٣). حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخْبَرني عُرْوةُ بنُ الزبيرِ، أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمةَ وعبدَ الرحمنِ بنَ عبدٍ القارِيَّ، أخْبَراه أنهما سمِعا عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: سمِعْتُ هشامَ بنَ حَكيمٍ يَقْرَأُ سورةَ "الفرقانِ" (٤) في حياةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فاسْتَمَعْتُ لقراءتِه، فإذا هو يَقْرَؤُها على حروفٍ كثيرةٍ لَمْ يُقْرئْنِيها رسولُ اللَّهِ ﷺ كذلك (٥)، فكِدْتُ أُساوِرُه (٦) في الصلاةِ، فتصَبَّرْتُ حتى سلَّم، فلما سلَّم لبَّبْتُه (٧) بردائِه، فقلتُ: مَن أقْرَأك هذه السورةَ التي سمِعْتُك تَقْرَؤُها؟ قال: أقْرَأَنِيها رسولُ اللَّهِ ﷺ . قال (٥): فقلْتُ: كذبْتَ، فواللَّهِ إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ هو (٨) أقْرَأَنِي هذه السورةَ التي سمِعْتُك تَقْرَؤُها. فانْطَلَقْتُ به أَقُودُه إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إني سمِعْتُ

стр. 205

هذا يَقْرَأُ سورةَ الفُرْقانِ على حروفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها، وأنت أقْرَأْتَنِي سورةَ "الفُرْقانِ"! قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ". فقرَأ عليه القراءةَ التي سمِعْتُه يَقْرَؤُها، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "هكذا أُنْزِلَتْ". ثم قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْرَأْ يَا عُمَرُ". فقرَأْتُ القراءةَ التي أقْرَأَني رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "هكذا أُنْزِلَتْ". ثم قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا (١) " (٢). حدَّثني أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: [حدَّثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال] (٣): حدَّثنا [حربُ بنُ أبي ثابتٍ] (٤) مِن بني سُلَيْمٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلْحةَ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قرَأ رجلٌ عندَ عمرَ بنِ الخطابِ فعيَّر عليه، فقال: لقد قرَأْتُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ فلم يُغَيِّرْ عليَّ. قال: فاخْتَصَما عندَ النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ألم تُقْرِئْني آيةَ كذا وكذا؟ قال: "بَلَى". قال: فوقَع في صدرِ عمرَ شيءٌ، فعرَف النبيُّ ﷺ ذلك في وجهِه، قال: فضرَب صدرَه، وقال: "ابْعَدْ شَيْطَانًا". قالها ثلاثًا، ثم قال: "يَا عمرُ، إِنَّ الْقُرْآنَ كُلَّه صَوابٌ، مَا لَم تَجْعَلْ رَحْمَةً عَذَابًا، أَوْ عَذَابًا رَحْمَةً" (٥).

стр. 206

حدَّثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَيْمونٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّهِ - يعني ابنَ عمرَ - عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: سمِع عمرُ بنُ الخطابِ رجلًا يَقْرَأُ القرآنَ، فسمِع آيةً على غيرِ ما سمِع مِن النبيِّ ﷺ ، فأتَى به عمرُ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ هذا قرَأ آيةَ كذا وكذا. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ" (١). حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرني هشامُ بنُ سعدٍ، عن عليِّ بنِ أبي عليٍّ، عن زُبَيْدٍ، عن عَلْقمةَ النَّخَعيِّ، قال: لما خرَج عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ مِن الكوفةِ اجْتَمَع إليه أصحابُه فودَّعهم، ثم قال: لا تَنازَعوا في القرآنِ؛ فإنه لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَلاشَى (٢)، ولا يَتْفَهُ (٣) لكثرةِ الردِّ، وإن شريعةَ الإسلامِ وحدودَه وفرائضَه فيه واحدةٌ، ولو كان شيءٌ مِن الحرفَيْن يَنْهَى عن شيءٍ يَأْمُرُ به الآخرُ، كان ذلك الاختلافَ، ولكنه جامعٌ ذلك كلَّه، لا تَخْتَلِفُ فيه الحدودُ ولا الفرائضُ، ولا شيءٌ مِن شرائعِ الإسلامِ، ولقد رأيْتُنا نَتَنازَعُ فيه عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فيَأْمُرُنا فنَقْرَأُ عليه، فيُخْبِرُنا أَنَّا كلَّنا مُحْسِنٌ، ولو أَعْلَمُ (٤) أحدًا أعْلَمَ بما أنْزَلَ اللَّهُ على رسولِه منِّي لطلَبْتُه حتى أَزْدادَ عِلمَه إلى علمي، ولقد قرأْتُ من لسانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ سبعين سورةً، وقد كنتُ علِمْتُ أنه يُعْرَضُ عليه القرآنُ في كلِّ رمضانَ، حتى كان عامُ قُبِض، فعُرِض عليه مرَّتَيْن، فكان إذا فرَغ أَقْرَأُ عليه، فيُخْبِرُني أنِّي مُحْسِنٌ، فمَن قرَأ على قراءتي فلا يَدَعَنَّها رغبةً عنها، ومَن قرَأ على شيءٍ مِن هذه

стр. 207

الحروفِ فلا يَدَعَنَّه رغبةً عنه، فإنه مَن جحَد بآيةٍ جحَد به كلِّه (١). حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أنْبَأَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرني يونُسُ، وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا رِشْدينُ بنُ سعدٍ، عن عُقَيْلِ بنِ خالدٍ، جميعًا عن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني عُبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ، أن ابنَ عباسٍ حدَّثه، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ على حَرْفٍ، فَراجَعْتُه، فلم أزَلْ أَسْتَزِيدُه فَيَزِيدُنِي، حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". قال ابنُ شِهابٍ: بلَغَني أن تلك السبعةَ الأحرفِ إنما هي في الأمرِ االذى يَكونُ واحدًا، لا يَخْتَلِفُ في حلالٍ ولا حرامٍ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي مَخْلَدٍ الواسطيُّ ويونسُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّدَفيُّ، قالا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن عُبيدِ اللَّهِ، أخْبَره أبوه، أن أمَّ أيوبَ أخْبَرَته، أن النبيَّ ﷺ قال: "نزلَ (٣) القُرْآنُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ، أَيَّهَا قَرَأْتَ

стр. 208

أَصَبْتَ" (١). حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى السُّدِّيُّ (٢)، قال: أنْبَأَنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سليمانَ بنِ صُرَدَ يَرْفَعُه قال: "أَتَاني مَلَكَانِ فقال أَحدُهما: اقْرَأْ. قَالَ: عَلَى كم؟ قال: على حَرْفٍ. قال: زِدْهُ. حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" (٣). حدَّثنا ابنُ البَرْقِيَّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مَرْيمَ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثني عُقَيْلُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَاسْتَزَدْتُه فزَادَنِي، ثم اسْتَزَدْتُه فَزَادَنِي، حتَّى انْتَهَى إلى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" (٤). حدَّثني الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ أبي يَزيدَ، عن أبيه، أنه سمِع أمَّ أيوبَ تُحَدِّثُ عن النبيِّ ﷺ ، فذكَر نحوَه. [يعني نحوَ حديث ابنِ أبي مَخْلَدٍ] (٥).

стр. 209

حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ مُوسى، قال: حدَّثنا أبو الربيعِ السَّمَّانُ، قال: أخبرني [عُبَيدُ اللَّهِ] (١) بنُ أبي يزيدَ، عن أبيه، عن أمِّ أيوبَ، أنها سمِعَت النبيَّ ﷺ يقولُ: "نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَمَا قَرَأْتَ أَصَبْتَ". حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن فلانٍ العَبْديِّ - قال أبو جعفرٍ: ذهَب عني اسمُه - عن سليمانَ بنِ صُرَدَ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: رُحْتُ إلى المسجدِ، فسمِعْتُ رجلًا يَقْرَأُ، فقلتُ: مَن أَقْرَأَك؟ فقال: رسولُ اللَّهِ ﷺ . فانْطَلَقْتُ به إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقلتُ: اسْتَقْرِئْ هذا. قال: فقرَأ، فقال: "أَحْسَنْتَ". قال: فقلتُ: إنك (٢) أقْرَأْتَني كذا وكذا. فقال: "وَأَنْتَ قَدْ أَحْسَنْتَ". قال: فقلتُ: قد أحسَنْتَ! قد أحسَنْتَ! قال: فضرَب بيدِه على صدري، ثم قال: "اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْ أُبَيٍّ الشَّكَّ". قال: ففِضْتُ عرفًا، وامْتَلأ جوفي فَرَقًا (٣)، ثم قال: "إِنَّ المَلَكَيْنِ أتَيَاني، فقال أحَدُهما: اقْرَإِ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ. وقال الآخَرُ: زِدْهُ. قال: فَقُلْتُ (٤): زِدْنِي. قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ. حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، [فقال: اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ] (٥) " (٦).

стр. 210

حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مَيْمونٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، جميعًا عن حُمَيْدٍ الطَّويلِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: ما حاك (١) في صدري شيءٌ منذ أسْلَمْتُ، إلا أني [قرَأْتُ آيةً] (٢)، فقرَأها رجلٌ غيرَ قِراءتي، فقلتُ: أقْرَأَنيها رسولُ اللَّهِ ﷺ . فقال الرجلُ: أقْرَأَنيها رسولُ اللَّهِ ﷺ . فأتَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فقلتُ: أقْرَأْتَني آيةَ كذا وكذا؟ قال: "بَلَى". قال الرجلُ: ألم تُقْرِئْني آيةَ كذا وكذا؟ قال: "بَلَى، إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي، فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمينِي وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي، فقال جِبْرِيلُ: اقْرَإِ القُرْآنَ على [حَرْفٍ وَاحِدٍ] (٣)، وقال مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ. قال جِبْرِيلُ: اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ. فقال مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ. حَتَّى بلَغ ستةً أو سبعةً" (٤) الشكُّ من أبي كُرَيْبٍ. وقال ابنُ بَشَّارٍ في حديثِه: "حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ - ولم يَشُكَّ (٥) فيه - وَكُلٌّ شَافٍ كَافٍ". ولفظُ الحديثِ لأبي كُريبٍ (٦).

стр. 211

وحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرني يحيى بنُ أيوبَ، عن حُميدٍ الطويلِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. وقال في حديثِه: "حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ (١) أَحْرُفٍ، قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلٌّ شَافٍ كَافٍ". حدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن حميدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" (٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ وأبو أسامةَ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن أُبيٍّ، قال: لقِي رسولُ اللَّهِ ﷺ جبريلَ عندَ أحْجارِ المِرَاءِ (٣)، فقال: "إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، مِنْهُمُ الغُلَامُ والْخَادِمُ والشَّيْخُ العاسي (٤) والعَجُوزُ". فقال جِبْريلُ: فَلْيَقْرَءوا القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ. ولفظُ الحديثِ لأبي أسامةَ (٥).

стр. 212

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، وحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ القَنَّادُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، عن إسماعيلَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عيسى بنِ (١) عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن جدِّه، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: كنتُ في المسجدِ، فدخَل رجلٌ يُصَلِّي، فقرَأ قراءةً أنْكَرْتُها عليه (٢)، ثم دخَل رجلٌ آخرُ، فقرَأ قراءةً غيرَ قراءةِ صاحبِه، فدخَلْنا جميعًا على رسولِ اللَّهِ ﷺ . قال: فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنّ هذا قرَأ قراءةً أنْكَرْتُها عليه، ثم دخَل هذا فقرَأ قراءةً غيرَ قراءةِ صاحبِه. فأمَرهما رسولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأا، فحسَّن رسولُ اللَّهِ ﷺ شأنَهما، فوقَع في نفسي مِن التكذيبِ ولا إذ كنتُ في الجاهليةِ، فلما رأَى رسولُ اللَّهِ ﷺ ما غشِيني ضرَب في صدري، ففِضْتُ عرقًا، كأنما أَنْظُرُ إلى اللَّهِ فَرَقًا، فقال لي: "يَا أُبَيُّ، أُرْسِلَ إِلَيَّ: أَنِ اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ عليه: أنْ هَوِّنْ على أُمَّتِي. فَرَدَّ عَلَيَّ في الثَّانِيَةِ: أَنِ اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَرَدَدْتُ عليه: أنْ هَوِّنْ على أُمَّتِي. فَرَدَّ عَلَيَّ فِي الثَّالِثَةِ: أَنِ اقْرَأْهُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ، ولك بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكها (٣) مَسْأَلَةٌ تَسْألُنِيهَا. فقلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي. وأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ ليَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ فيه الخَلْقُ كُلُّهم حتى إِبْراهِيمُ". إلا أن ابنَ بَيانٍ قال في حديثِه: فقال لهم (٤) النبيُّ ﷺ : "قد أصَبْتُم وأحْسَنْتُم". وقال أيضًا: فارفضَضْتُ (٥) عرقًا (٦).

стр. 213

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ نحوَه (١)، وقال: قال لي: "أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِن الشَّكِّ والتَّكْذِيبِ". وقال أيضًا: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ على حَرْفٍ، فقُلْتُ: اللَّهُمَّ رَبِّ خَفِّفْ عن أُمَّتِي. فقال: اقْرَأْهُ على حَرْفَيْنِ. فأمَرَنِي (٢) أن أقْرَأَهُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، مِن سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنَ الجَنَّةِ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ". حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عيسى بنِ أبي ليلى، عن ابنِ أبي ليلى، [وعن ابنِ أبي ليلى] (٣)، عن الحكمِ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبَيٍّ، قال: دخَلْتُ المسجدَ فصلَّيْتُ، فقرَأْتُ "النحلَ"، ثم جاء رجلٌ آخرُ، فقرَأها على غيرِ قراءتي، ثم جاء رجلٌ آخرُ فقرَأ خلافَ قراءتِنا، فدخَل (٤) نفسي مِن الشكِّ والتكذيبِ أشدُّ مما كان في الجاهليةِ، فأخَذْتُ بأيديهما، فأتَيْتُ بهما النبيَّ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، اسْتَقْرِئْ هذين. فقرَأ أحدُهما، فقال: "أَصَبْتَ". قال: ثم اسْتَقْرَأ الآخرَ، فقال: "أَصَبْتَ". فدخَل قلبي أشدُّ مما كان في الجاهليةِ مِن الشكِّ والتكذيبِ، فضرَب رسولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 214

صدري، وقال: "أعَاذَكَ اللَّهُ مِن الشَّكِّ، وَأَخْسَأَ عَنك الشَّيْطانَ". قال إسماعيلُ: ففِضْتُ عرقًا. ولم يَقُلْه ابنُ أبي ليلى. قال: فقال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ. فَقُلْتُ: إِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. حَتَّى قَالَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فقال لي: اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رُدِدْتَها مسألةٌ". قال: "فَاحْتَاجَ إِلَيَّ فِيهَا الْخَلَائِقُ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ". حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ (١)، عن ابنِ أبي ليلى، عن الحكمِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أُبَيٍّ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ، قال: [حدَّثني أبي، قال] (٢): حدَّثنا محمدُ بنُ جُحَادةَ، عن الحكمِ بنِ عُتَيْبةَ (٣)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: أتَى جبريلُ النبيَّ ﷺ وهو عندَ أَضَاةِ بني غِفارٍ (٤)، فقال: إن اللَّهَ ﵎ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ، فمَن قرَأ منها حرفًا فهو كما قرَأ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن

стр. 215

الحكمِ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، أن النبيَّ ﷺ كان عندَ أضاةِ بني غِفارٍ، قال: فأتاه جبريلُ، فقال: إنّ اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفٍ. قال: "أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَه ومَغْفِرَتَه، وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذلك". قال: ثم أتاه الثانيةَ، فقال: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفين. قال: "أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَه ومَغْفِرَتَه، وإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلك". ثم جاءه الثالثةَ، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك، أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على ثلاثةِ أحرفٍ. قال: "أسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَه ومَغْفِرَتَه، وإِن أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلك". ثم جاءه الرابعةَ، فقال: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ، فأيَّما حرفٍ قرَءوا عليه فقد أصابوا (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عدِيٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى قال: أتَى جبريلُ النبيَّ ﷺ عندَ أَضاةِ بني غِفارٍ. فذكَر نحوَه. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا موسى بنُ داودَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: حدَّثنا شَبَابةُ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (٢).
следующие страницы →