← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرني يحيى بنُ أيوبَ، عن حُميدٍ الطويلِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. وقال في حديثِه: "حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ (١) أَحْرُفٍ، قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلٌّ شَافٍ كَافٍ". حدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن حميدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" (٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ وأبو أسامةَ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن أُبيٍّ، قال: لقِي رسولُ اللَّهِ ﷺ جبريلَ عندَ أحْجارِ المِرَاءِ (٣)، فقال: "إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، مِنْهُمُ الغُلَامُ والْخَادِمُ والشَّيْخُ العاسي (٤) والعَجُوزُ". فقال جِبْريلُ: فَلْيَقْرَءوا القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ. ولفظُ الحديثِ لأبي أسامةَ (٥).

стр. 212

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، وحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ القَنَّادُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، عن إسماعيلَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عيسى بنِ (١) عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن جدِّه، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: كنتُ في المسجدِ، فدخَل رجلٌ يُصَلِّي، فقرَأ قراءةً أنْكَرْتُها عليه (٢)، ثم دخَل رجلٌ آخرُ، فقرَأ قراءةً غيرَ قراءةِ صاحبِه، فدخَلْنا جميعًا على رسولِ اللَّهِ ﷺ . قال: فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنّ هذا قرَأ قراءةً أنْكَرْتُها عليه، ثم دخَل هذا فقرَأ قراءةً غيرَ قراءةِ صاحبِه. فأمَرهما رسولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأا، فحسَّن رسولُ اللَّهِ ﷺ شأنَهما، فوقَع في نفسي مِن التكذيبِ ولا إذ كنتُ في الجاهليةِ، فلما رأَى رسولُ اللَّهِ ﷺ ما غشِيني ضرَب في صدري، ففِضْتُ عرقًا، كأنما أَنْظُرُ إلى اللَّهِ فَرَقًا، فقال لي: "يَا أُبَيُّ، أُرْسِلَ إِلَيَّ: أَنِ اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ عليه: أنْ هَوِّنْ على أُمَّتِي. فَرَدَّ عَلَيَّ في الثَّانِيَةِ: أَنِ اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَرَدَدْتُ عليه: أنْ هَوِّنْ على أُمَّتِي. فَرَدَّ عَلَيَّ فِي الثَّالِثَةِ: أَنِ اقْرَأْهُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ، ولك بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكها (٣) مَسْأَلَةٌ تَسْألُنِيهَا. فقلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي. وأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ ليَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ فيه الخَلْقُ كُلُّهم حتى إِبْراهِيمُ". إلا أن ابنَ بَيانٍ قال في حديثِه: فقال لهم (٤) النبيُّ ﷺ : "قد أصَبْتُم وأحْسَنْتُم". وقال أيضًا: فارفضَضْتُ (٥) عرقًا (٦).

стр. 213

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ نحوَه (١)، وقال: قال لي: "أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِن الشَّكِّ والتَّكْذِيبِ". وقال أيضًا: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ على حَرْفٍ، فقُلْتُ: اللَّهُمَّ رَبِّ خَفِّفْ عن أُمَّتِي. فقال: اقْرَأْهُ على حَرْفَيْنِ. فأمَرَنِي (٢) أن أقْرَأَهُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، مِن سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنَ الجَنَّةِ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ". حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عيسى بنِ أبي ليلى، عن ابنِ أبي ليلى، [وعن ابنِ أبي ليلى] (٣)، عن الحكمِ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبَيٍّ، قال: دخَلْتُ المسجدَ فصلَّيْتُ، فقرَأْتُ "النحلَ"، ثم جاء رجلٌ آخرُ، فقرَأها على غيرِ قراءتي، ثم جاء رجلٌ آخرُ فقرَأ خلافَ قراءتِنا، فدخَل (٤) نفسي مِن الشكِّ والتكذيبِ أشدُّ مما كان في الجاهليةِ، فأخَذْتُ بأيديهما، فأتَيْتُ بهما النبيَّ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، اسْتَقْرِئْ هذين. فقرَأ أحدُهما، فقال: "أَصَبْتَ". قال: ثم اسْتَقْرَأ الآخرَ، فقال: "أَصَبْتَ". فدخَل قلبي أشدُّ مما كان في الجاهليةِ مِن الشكِّ والتكذيبِ، فضرَب رسولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 214

صدري، وقال: "أعَاذَكَ اللَّهُ مِن الشَّكِّ، وَأَخْسَأَ عَنك الشَّيْطانَ". قال إسماعيلُ: ففِضْتُ عرقًا. ولم يَقُلْه ابنُ أبي ليلى. قال: فقال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ. فَقُلْتُ: إِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. حَتَّى قَالَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فقال لي: اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رُدِدْتَها مسألةٌ". قال: "فَاحْتَاجَ إِلَيَّ فِيهَا الْخَلَائِقُ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ". حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ (١)، عن ابنِ أبي ليلى، عن الحكمِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أُبَيٍّ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ، قال: [حدَّثني أبي، قال] (٢): حدَّثنا محمدُ بنُ جُحَادةَ، عن الحكمِ بنِ عُتَيْبةَ (٣)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: أتَى جبريلُ النبيَّ ﷺ وهو عندَ أَضَاةِ بني غِفارٍ (٤)، فقال: إن اللَّهَ ﵎ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ، فمَن قرَأ منها حرفًا فهو كما قرَأ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن

стр. 215

الحكمِ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، أن النبيَّ ﷺ كان عندَ أضاةِ بني غِفارٍ، قال: فأتاه جبريلُ، فقال: إنّ اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفٍ. قال: "أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَه ومَغْفِرَتَه، وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذلك". قال: ثم أتاه الثانيةَ، فقال: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفين. قال: "أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَه ومَغْفِرَتَه، وإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلك". ثم جاءه الثالثةَ، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك، أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على ثلاثةِ أحرفٍ. قال: "أسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَه ومَغْفِرَتَه، وإِن أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذلك". ثم جاءه الرابعةَ، فقال: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ، فأيَّما حرفٍ قرَءوا عليه فقد أصابوا (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عدِيٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى قال: أتَى جبريلُ النبيَّ ﷺ عندَ أَضاةِ بني غِفارٍ. فذكَر نحوَه. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا موسى بنُ داودَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: حدَّثنا شَبَابةُ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (٢).

стр. 216

حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني هشامُ بنُ سعدٍ، عن [عُبَيدِ اللَّهِ] (١) بنِ عمرَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ أنه قال: سمِعْتُ رجلًا يَقْرَأُ في سورةِ "النحلِ" قراءةً تُخالِفُ قراءتي، ثم سمِعْتُ آخرَ يَقْرَؤُها [قراءةً تُخالِفُ ذلك] (٢)، فانْطَلَقْتُ بهما إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقلتُ: إني سمِعْتُ هذين يَقْرَأان في سورةِ "النحلِ"، فسأَلْتُهما مَن أقْرَأَهما؟ فقالا: رسولُ اللَّهِ ﷺ فقلت: لَأَذْهَبَنَّ بكما إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، إذ خالفْتُما ما أقْرَأَني رسولُ اللَّهِ ﷺ . فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لأحدِهما: "اقْرَأْ". فقرَأ، فقال: "أَحْسَنْتَ". ثم قال للآخرِ: "اقْرَأْ". فقرأ، فقال: "أَحْسَنْتَ". قال أُبيٌّ: فوجَدْتُ في نفسي وَسْوسةَ الشيطانِ، حتى احْمَرَّ وجهي، فعرَف ذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ في وجهي، فضرَب بيدِه في صدري، ثم قال: "اللَّهُمَّ أَخْسِئِ الشَّيْطَانَ عنه، يا أُبَيُّ أَتَاني آتٍ مِن رَبِّي، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُك أن تَقْرَأَ القُرْآنَ على حَرْفٍ واحِدٍ. فقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عَنِّي (٣). ثم أَتَانِي الثَّانِيَةَ، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُك أن تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى [حَرْفٍ وَاحِدٍ] (٤). فَقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي. ثُمَّ أَتَانِيَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقُلْتُ مثلَ ذلك، ثُمَّ أَتَانِيَ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، ولك بِكُلِّ رَدَّةٍ مَسْأَلَةٌ، فَقُلْتُ:

стр. 217

يَا رَبِّ اغْفِرْ لِأُمَّتي، [يَا رَبِّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي] (١)، [وَاخْتَبَأْتُ الثَّالِثَةَ شفاعةَ لِأُمَّتِي] (٢) يَوْمَ القِيَامَةِ" (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: حدَّثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ عُبَيدَ اللَّهِ بنَ عمرَ، عن سَيَّارٍ (٤) أبي الحكمِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، رفَعه إلى النبيِّ ﷺ : ذكر أن رجلين اخْتَصَما في آيةٍ مِن القرآنِ، وكلٌّ يَزْعُمُ أن النبيَّ ﷺ أقْرَأه، فتَقَارأا إلى أُبيٍّ، فخالَفَهما أبيٌّ، فَتَقارَءوا إلى النبيِّ ﷺ فقال (٥): يا نبيَّ اللَّهِ، اخْتَلَفْنا في آيةٍ مِن القرآنِ، وكلُّنا يَزْعُمُ أنك أقْرَأْتَه. فقال لأحدِهما: "اقْرَأْ". قال: فقرَأ، فقال: "أَصَبْتَ". وقال للآخرِ: "اقْرَأْ". فقرَأ خلافَ ما قرَأ صاحبُه، فقال: "أَصَبْتَ". وقال لأُبيٍّ: "اقْرَأْ". فقرَأ فخالَفهما، فقال: "أَصَبْتَ". قال أُبيٌّ: فدخَلَني مِن الشكِّ في أمرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ما دخَل فيَّ مِن أمرِ الجاهليةِ. قال: فعرَف رسولُ اللَّهِ ﷺ الذي في وجهي، فرفَع يدَه، فضرَب صدري، وقال: "اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". قال: ففِضْتُ عرقًا، وكأنِّي أَنْظُرُ إلى اللَّهِ فَرَقًا، وقال: "إِنَّهُ أَتَانِي آتٍ مِن (٦) رَبِّي، فقال: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ وَاحِدٍ. فقُلْتُ: رَبِّ خَفِّفْ عن أُمَّتِي". قال: "ثم جَاءَ الثَّانيةَ (٧)،

стр. 218

فقال: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُك أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ وَاحِدٍ. فَقُلْتُ: رَبِّ خَفِّفْ عن أُمَّتِي". قال: ["ثُمَّ جَاء الثَّالِثَةَ، فقال: إِنَّ رَبَّك يَأْمُرُك أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ وَاحِدٍ. فَقُلْتُ: رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي". قال:] (١) "ثم جَاءَني الرَّابِعَةَ، فقال: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، ولك بِكُلِّ رَدَّةٍ مسْألةٌ". قال: "قُلْتُ: رَبِّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، رِب اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَاخْتَبَأْتُ الثَّالِثَةَ شَفَاعَةً لِأُمَّتِي، حَتَّى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمنِ لَيَرْغَبُ فِيهَا" (٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ (٣)، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "قال (٤) جِبْرِيلُ: اقْرَءُوا الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَقَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ. فَقَالَ: عَلَى حَرْفَيْنِ. حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَو سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فقال: كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ، ما لم تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ [بآيةِ رحمةٍ] (٥)، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ [بآيةِ عذابٍ] (٦)، كقولك: هَلُمَّ وتَعَالَ" (٧). حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني سليمانُ

стр. 219

ابنُ بلالٍ، عن يَزيدَ بنِ خُصَيْفةَ، عن بُسْرِ (١) بنِ سعيدٍ، أن أبا جُهَيْمٍ (٢) الأنصاريَّ أخْبَرَه أن رجلَيْن اخْتَلَفا في آيةٍ مِن القرآنِ، فقال هذا: تلَقَّيْتُها مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ وقال الآخرُ: تلَقَّيتُها من رسولِ اللَّهِ ﷺ . فسألا رسولَ اللَّهِ ﷺ عنها، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فلا تَمَارَوْا في القُرْآنِ، فَإِنَّ المِرَاءَ فيه كُفْرٌ" (٣). حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبَرَنا سفيانُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كلُّها شَافٍ كَافٍ" (٤). حدَّثني يونسُ، [قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ] (٥)، قال (٦): أخْبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن أبي عيسى بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن (٧) عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أَنْ أقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلٌّ كَافٍ شَافٍ" (٨).

стр. 220

حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: حدَّثنا أبو خَلْدةَ، قال: حدَّثني أبو العاليةِ، قال: قرَأ على رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن كلِّ خمسٍ رجلٌ، فاخْتَلَفوا في اللغةِ، فرضِي قراءتَهم كلِّهم، فكان بنو تَميمٍ أعْرَبَ (١) القومِ. حدَّثنا عمرُو بنُ عثمانَ (٢) العُثمانيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي أُوَيْسٍ (٣)، قال: حدَّثنا أخي، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ ﵁، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. فَاقْرَءُوا وَلَا حَرَجَ، وَلَكِنْ لَا تَخْتِمُوا (٤) ذِكْرَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ، وَلَا ذِكْرَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ" (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ (٦)، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ (٧) عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ أبي (٨) الحجاجِ (٩)، قال: حدَّثنا [عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ] (١٠)، [قال: حدَّثنا محمدُ] (١١) بنُ

стр. 221

جُحادةَ (١)، عن الحكمِ بنِ عُتَيْبةَ (٢)، عن مُجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: أتى النبيَّ ﷺ جبريلُ وهو بأَضَاةِ بني غِفارٍ، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفٍ واحدٍ. قال: فقال: "أَسْأَلُ اللهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ -[أو قال: مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ] (٣) - سَلِ اللَّهَ لَهُمُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّهم لَا يُطِيقُونَ ذلك". فَانْطَلَقَ ثُمَّ رَجَعَ، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على حرفين. فقال: "أَسأَلُ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ -[أو قال: مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ] (٣) - إِنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ ذلك، فَسَلِ اللَّهَ لهم التَّخْفِيفَ". فانْطَلَق ثم رجَع. فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمتَك القرآنَ على ثلاثةِ (٤) أحرفٍ. [فقال: "أَسْأَلُ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ - أو قال (٥): مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ - إِنَّهم لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، [سَلِ اللَّهَ] (٦) لهم التَّخْفِيفَ". فانْطَلَق ثم رجَع، فقال: إن اللَّهَ يَأْمُرُك أن تُقْرِئَ أمَّتَك القرآنَ على سبعةِ أحرفٍ] (٣)، فمَن قرَأ منها بحرفٍ فهو كما قرَأ (٧). قال أبو جعفرٍ: صحَّ وثبَت أن الذي نزَل به القرآنُ مِن ألسنِ العربِ، البعضُ منها دونَ الجميعِ؛ إذ كان معلومًا أن ألسنتَها ولُغاتِها أكثرُ مِن سبعةٍ، بما يُعْجَزُ عن إحصائِه. فإن قال: وما برهانُك على أن معنى قولِ النبيِّ ﷺ : "نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". وقولِه: "أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبعَةِ أَحْرُفٍ". هو ما ادَّعَيْتَه - مِن أنه

стр. 222

نزَل بسبعِ لغاتٍ، وأُمِر بقراءتِه على سبعةِ ألسُنٍ - دونَ أن يكونَ معناه ما قاله مخالفوك، مِن أنه نزَل بأمرٍ، وزجْرٍ، وتَرْغيبٍ، وترهيبٍ، وقَصَصٍ، ومَثَلٍ، ونحوَ ذلك مِن الأقوالِ، فقد علمتَ قائلَ ذلك مِن سلفِ الأمةِ وخيارِ الأئمةِ؟ قيل له: إن الذين قالوا ذلك لم يَدَّعُوا أن تأويلَ الأخبارِ التي تقَدَّم ذكرُناها هو ما زعمتَ أنهم قالوه في الأحرفِ السبعةِ التي نزَل بها القرآنُ دون غيرِه، فيكونَ ذلك لقولِنا مُخالِفًا، وإنما أخْبَروا أن القرآنَ نزَل على سبعةِ أحرفٍ، يَعْنون بذلك أنه نزَل على سبعةِ أوجهٍ. والذي قالوه مِن ذلك كما قالوا. وقد رَوَيْنا بمثل الذي قالوا مِن ذلك، عن النبيِّ ﷺ وعن جماعةٍ مِن أصحابِه، أخبارًا قد تقدم ذكرُنا بعضَها، وسنَسْتَقْصِي [ذكرَ باقيها] (١) ببيانِه، إذا انتهَيْنا إليه إن شاء اللَّهُ. فأما الذي تقَدَّم (٢) ذِكْرُناه مِن ذلك، فخبرُ أُبيِّ بنِ كعبٍ، مِن روايةِ أبي كُرَيْبٍ، عن ابنِ فُضَيْلٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، الذي ذكَر فيه عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، مِن سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِن (٣) الجَنَّةِ". والسبعةُ الأحرفُ هو ما قلْنا مِن أنه الألسنُ السبعةُ. والأبوابُ السبعةُ مِن الجنةِ هي المعاني التي فيها؛ مِن الأمرِ والنهيِ، والترغيبِ والترهيبِ، والقَصَصِ والمَثَلِ، التي إذا عَمِل بها العاملُ، وانتهى إلى حدودِها المُنْتَهِي، اسْتَوْجَب به الجنةَ. وليس - والحمدُ للَّهِ - في قولِ مَن قال ذلك مِن المُتَقَدِّمِين خلافٌ لشيءٍ مما قلْناه.

стр. 223

والدَّلالةُ على صحةِ ما قلْناه، مِن أن معنى قولِ النبيِّ ﷺ : "نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". إنما هو أنه نزَل بسبعِ لغاتٍ، كما تقَدَّم ذكرُنا مِن الرواياتِ الثابتةِ عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ، وسائرِ مَن قد قدَّمْنا الروايةَ عنه عن النبيِّ ﷺ في أولِ هذا البابِ، أنهم تَمارَوْا في القرآنِ، فخالَف بعضُهم بعضًا في نفسِ التلاوةِ، دون ما في ذلك مِن المعاني، وأنهم احْتَكَموا فيه إلى النبيِّ ﷺ ، فاسْتَقْرَأ كلَّ رجلٍ منهم، ثم صوَّب جميعَهم في قراءتِهم على اختلافِها، حتى ارْتاب بعضُهم لتصويبِه إياهم، فقال ﷺ للذي ارتاب منهم عندَ تصويبِه جميعَهم: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". ومعلومٌ أن تَمارِيَهم فيما تَمارَوْا فيه مِن ذلك، لو كان تَماريًا واختلافًا فيما دلَّت عليه تِلاواتُهم (١)؛ مِن التحليلِ والتحريمِ، والوعدِ والوَعيدِ، وما أشبهَ ذلك، لكان مستحيلًا أن يُصَوِّبَ (٢) جميعَهم ﷺ ، ويَأْمُرَ (٣) كلَّ قارئٍ منهم أن يَلْزَمَ قراءتَه في ذلك على النحوِ الذي هو عليه؛ لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحًا وجَب أن يَكونَ اللَّهُ جل ثناؤه قد أمَر بفعلِ شيءٍ بعينِه، وفرَضه في تلاوةِ مَن دلَّت تلاوتُه على فرضِه، ونهَى عن فعلِ ذلك الشيءِ بعينِه وزجَر عنه في تلاوةِ الذي دلَّت تلاوتُه على النهيِ والزجرِ عنه، وأباح وأطْلَق فِعْلَ ذلك الشيءِ بعينِه، وجعَل لمن شاء مِن عبادِه أن يَفْعَلَه فِعْلَه، ولمن شاء منهم أن يَتْرُكَه تَرْكَه، في تلاوةِ مَن دلَّت تلاوتُه على (٤) التخييرِ! وذلك مِن قائلِه - إن قاله - إثباتُ ما قد نفَى اللَّهُ جَلّ ثناؤه عن تنزيلِه وحكمِ

стр. 224

كتابِه، فقال تعالى ذِكرُه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. وفي نفْيِ اللَّهِ جل ثناؤه ذلك عن حكمِ كتابِه، أوضحُ الدليلِ على أنه لم يُنَزِّلْ كتابَه على لسانِ محمدٍ ﷺ إلا بحكمٍ واحدٍ مُتَّفِقٍ في جميعِ خلقِه، لا بأحكامٍ فيهم مختلفةٍ. وفي صحةِ كونِ ذلك كذلك ما يُبْطِلُ دعوى مَن ادَّعى خلافَ قولِنا في تأويلِ قولِ النبيِّ ﷺ : "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". للذين تخاصَموا إليه عندَ اختلافِهم في قراءتِهم؛ لأنه ﷺ قد أمَر جميعَهم بالثبوتِ على قراءتِه، ورضِي قراءةَ كلِّ قارئٍ منهم - على خلافِها قراءةَ خصومِه ومُنازِعيه فيها - وصوَّبها. ولو كان ذلك منه تصويبًا فيما اخْتَلَفت فيه المعاني، وكان قولُه (١) ﷺ : "أُنْزِلَ عَلَيَّ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". إعلامًا منه لهم أنه نزَل بسبعةِ أوجهٍ مختلفةٍ، وسبعةِ معانٍ مُفْتَرِقةٍ - كان ذلك إثباتًا لما قد نفَى اللَّهُ عن كتابِه مِن الاختلافِ، ونفيًا لما قد أوْجَب له مِن الائْتِلافِ. مع أن في قيامِ الحجةِ بأن النبيَّ ﷺ لم يَقْضِ في شيءٍ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ بحكمين مختلفين ولا أذِن بذلك لأمتهِ - ما يُغْنِي عن الإكثارِ في الدَّلالةِ على أن ذلك مَنْفيٌّ عن كتابِ اللَّهِ. وفي انتفاءِ ذلك عن كتابِ اللَّهِ وجوبُ صحّةِ القولِ الذي قلْناه في معنى قولِ النبيِّ ﷺ : "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". عندَ اخْتِصامِ المُخْتَصِمِين إليه فيما اخْتَلَفوا فيه مِن (٢) تلاوةِ ما تَلَوْه مِن القرآنِ، وفسادِ تأويلِ قولِ مَن خالَف قولَنا في ذلك.

стр. 225

وأُخْرى (١)، أنَّ الذين تَمارَوْا فيما تمارَوْا فيه مِن قراءتِهم (٢) فاحْتَكموا إلى النبيِّ ﷺ ، لم يَكُنْ مُنْكَرًا عندَ أحدٍ منهم أن يَأْمُرَ اللَّهُ عبادَه جل ثناؤه في كتابِه وتنزيلِه بما شاء، ويَنْهَى عما شاء، ويَعِدَ فيما أحبَّ مِن طاعاتِه، ويُوعِدَ على مَعاصِيه، ويَحْتِمَ (٣) لنبيِّه ويَعِظَه (٤) فيه، ويَضْرِبَ فيه لعبادِه الأمثالَ، فيُخاصِمَ غيرَه على إنكارِه سماعَ ذلك مِن قارئِه؛ بل على الإقرارِ بذلك كلِّه كان إسلامُ مَن أسْلَم منهم. فما الوجهُ الذي أوْجَب له إنكارَ ما أنكر، إن لم يَكُنْ كان ذلك اختلافًا منهم في الألفاظِ واللغاتِ؟ وبعدُ، فقد أبان صحةَ ما قلنا الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ نصًّا، وذلك الخبرُ الذي ذكَرْنا (٥): أن أبا كُرَيْبٍ حدَّثنا، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ جِبْرِيلُ: اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. قَالَ مِيَكائِيلُ: اسْتَزِدْه. فقال: على حَرْفَيْنِ. حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَوْ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فقال: كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ، مَا لَمْ يَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ، كقَوْلِكَ: هَلُمَّ وَتَعَالَ". فقد أوْضَح نصُّ هذا الخبرِ أن اختلافَ الأحرفِ السبعةِ إنما هو اختلافُ ألفاظٍ، كقولِك: هَلُمَّ وتعال. باتفاقِ المعاني، لا باختلافِ معانٍ مُوجِبةٍ اختلافَ أحكامٍ، وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك صحَّت (٦) الأخبارُ عن جماعةٍ مِن

стр. 226

السلفِ والخلفِ. حدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ (١) بنُ جُنادةَ السُّوَائيُّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، وحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، جميعًا عن الأعمشِ، عن شَقيقٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: إني قد سمِعْتُ القَرَأةَ (٢) فوجَدْتُهم مُتَقارِبِين، فاقْرَءُوا كما عُلِّمْتُم، وإياكم والتَّنَطُّعَ، فإنما هو كقولِ أحدِكم: هَلُمَّ وتَعالَ (٣). وحدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عمَّن سمِع ابنَ مسعودٍ يقولُ: مَن قرَأ منكم على حرفٍ فلا يَتَحَوَّلَنَّ، ولو أَعْلَمُ أحدًا أعْلَمَ مني بكتابِ اللَّهِ لَأَتَيْتُه (٤). وحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ قال: حدَّثنا شعبةُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عابسٍ، عن رجلٍ مِن أصحابِ عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: مَن قرَأ القرآنَ (٥) على حرفٍ فلا يَتَحَوَّلَنَّ منه إلى غيرِه (٦). فمعلومٌ أن عبدَ اللَّهِ لم يَعْنِ بقولِه هذا: مَن قرَأ ما في القرآنِ مِن الأمرِ والنهيِ فلا يَتَحَوَّلَنَّ منه إلى قراءةِ ما فيه مِن الوعدِ والوَعيدِ، ومَن قرَأ ما فيه مِن الوعدِ والوَعيدِ

стр. 227

فلا يَتَحَوَّلَنَّ منه إلى قراءةِ ما فيه مِن القَصَصِ والمَثَلِ. وإنما عنَى رحمةُ اللَّهِ عليه أن مَن قرَأ بحرفِه - وحرفُه قراءتُه، وكذلك تقولُ العربُ لقراءةِ رجلٍ: حرفُ فلانٍ. وتقولُ للحرفِ مِن حروفِ الهِجاءِ المُقَطَّعةِ: حرفٌ. كما تقولُ لقصيدةٍ مِن قصائدِ الشاعرِ: كلمةُ فلانٍ - فلا يَتَحَوَّلَنَّ عنه إلى غيرِه رغبةً عنه. ومَن قرَأ بحرفِ أُبيٍّ، أو بحرفِ زيدٍ، أو بحرفِ بعضِ مَن قرَأ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ببعضِ الأحرفِ السبعةِ - فلا يَتَحَوَّلَنَّ عنه إلى غيرِه رغبةً عنه، فإن الكفرَ ببعضِه كفرٌ بجميعِه، والكفرُ بحرفٍ مِن ذلك كفرٌ بجميعِه. يعني بالحرفِ ما وصَفْنا مِن قراءةِ بعضِ مَن قرَأ ببعضِ الأحرفِ السبعةِ. وقد حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن الأعمشِ، قال: قرَأ أنسٌ هذه الآيةَ: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطئًا وأَصْوَبُ قِيلًا). فقال له بعضُ القومِ: يا أبا حمزةَ، إنما هي ﴿وَأَقْوَمُ﴾. فقال: "أقومُ" و"أصوبُ" و"أهْيَأُ" (١) واحدٌ. وحدَّثني محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ أنه كان يَقْرَأُ القرآنَ على خمسةِ أحرفٍ. وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن سالمٍ، أن سعيدَ بنَ جُبيرٍ كان يَقْرَأُ القرآنَ على حرفين. وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، قال: كان يزيدُ بنُ الوليدِ يَقْرَأُ القرآنَ على ثلاثةِ أحْرُفٍ.

стр. 228

أفَتَرَى الزاعمَ أن تأويلَ قولِ النبيِّ ﷺ : "أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". إنما هو أنه نزَل (١) على الأوجهِ السبعةِ التي ذكَرْنا؛ مِن الأمرِ، والنهيِ، والوعدِ، والوَعيدِ، والجَدَلِ، والقَصَصِ، والمَثَلِ - كان يَرَى أن مُجاهِدًا وسعيدَ بنَ جُبيرٍ لم يقرأا مِن القرآنِ إلا ما كان مِن وجهيه أو وجوهِه الخمسةِ دون سائرِ مَعانيه؟ لئن كان ظنَّ ذلك بهما لقد ظنَّ بهما غيرَ الذي يُعْرفانِ به مِن منازِلِهما مِن القرآنِ، ومعرفتِهما بآيِ الفُرْقانِ. وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: نُبِّئْتُ أن جبرائيلَ وميكائيلَ أتَيا النبيَّ ﷺ ، فقال له جبرائيلُ: اقْرَإِ القرآنَ على حرفين. فقال له ميكائيلُ: اسْتَزِدْه. فقال: اقْرَإِ القرآنَ على ثلاثةِ أحرفٍ. فقال له ميكائيلُ: اسْتَزِدْه. قال: حتى بلَغ سبعةَ أحرفٍ. قال محمدٌ: لا تَخْتَلِفُ في حَلالٍ ولا حَرامٍ، ولا أمرٍ ولا نَهْيٍ، هو كقولك: تعالَ وهَلُمَّ وأقْبِلْ. قال: وفي قراءتِنا ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٢٩]. وفي قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (إن كانت إلا زَقْيةً واحدةً) (٢). وحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا شعيبٌ - يعني ابنَ الحَبْحابِ - قال: كان أبو العاليةِ إذا قرَأ عندَه رجلٌ لم يَقُلْ: ليس كما تقْرَأُ. وإنما يقولُ: أما أنا فأَقْرَأُ كذا وكذا. قال: فذكَرْتُ ذلك لإبراهيمَ النَّخَعيِّ، فقال: أُرَى

стр. 229

صاحبَك قد سمِع أنه مَن كفَر بحرفٍ منه فقد كفَر به كلِّه (١). حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أنْبَأنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخْبَرَني سعيدُ بنُ المسيبِ أن الذي ذكَر اللَّهُ تعالى ذِكْرُه ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. إنما افتَتَن أنه كان يَكْتُبُ الوحيَ، فكان يُمْلِي (٢) عليه رسولُ اللَّهِ ﷺ : سمِيعٌ عليمٌ، أو عزيزٌ حكيمٌ، أو غير ذلك مِن خواتمِ الآيِ، ثم يَشْتَغِلُ عنه رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو على الوحيِ، فيَسْتَفْهِمُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فيقولُ: أعزيزٌ حكيمٌ، أو سميعٌ عليمٌ، أو عزيزٌ عليمٌ؟ فيقولُ له رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أيَّ ذلك كتَبْتَ فهو كذلك". ففتَنه ذلك، فقال: إنَّ محمدًا وكَل ذلك إليَّ فأَكْتُبُ ما شئتُ. وهو الذي ذكَر لي سعيدُ بنُ المسيبِ مِن الحروفِ السبعةِ. حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ قال: مَن كفَر بحرفٍ مِن القرآنِ أو بآيةٍ منه فقد كفَر به كلِّه (٣). قال أبو جعفرٍ: فإن قال لنا قائلٌ: فإذْ (٤) كان تأويلُ قولِ النبيِّ ﷺ : "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". عندَك ما وصَفْتَ، بما عليه اسْتَشْهَدْتَ، فأوْجِدْنا حرفًا في كتابِ اللَّهِ مَقْرُوءًا بسبعِ لغاتٍ، فنُحَقِّقَ بذلك قولَك، وإلَّا، فإن لم تَجِدْ ذلك كذلك، كان معلومًا بِعَدَمِكَهُ صحّةُ قولِ مَن زعَم أن تأويلَ ذلك أنه نزَل بسبعةِ مَعانٍ؛ وهو الأمرُ، والنهيُ، والوعدُ، والوَعيدُ، والجَدَلُ، والقَصَصُ، والمثَلُ، وفسادُ قولِك. أو تقولَ في ذلك: إن الأحرفَ السبعةَ لغاتٌ في القرآنِ سبعٌ، مُتَفَرِّقةٌ

стр. 230

في جميعِه، مِن لغاتِ أحياءٍ مِن قبائلِ العربِ مُخْتلفةِ الألسنِ، كما كان يقولُه بعضُ مَن لم يُنْعِمِ (١) النظرَ في ذلك، فيصيرُ بذلك إلى القولِ بما لا يَجْهَلُ فسادَه ذو عقلٍ، ولا يَلْتَبِسُ خطَؤُه على ذي لُبٍّ؛ وذلك أن الأخبارَ التي بها احْتَجَجْتَ لتصحيحِ مقالتِك في تأويلِ قولِ النبيِّ ﷺ : "نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". وهي الأخبارُ التي روَيْتَها (٢) عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ، رحمةُ اللَّهِ عليهم، وعمّن روَيْتَ ذلك عنه مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، بأنهم تَمارَوْا في تلاوةِ بعضِ القرآنِ، فاخْتَلَفوا في قراءتِه دونَ تأويلِه، وأنْكَر بعضٌ قراءةَ بعضٍ، مع دعْوَى كلِّ قارئٍ منهم قراءةً منها أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أقْرَأه ما قرَأ بالصفةِ التي قرَأ، ثم احْتَكموا (٣) إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فكان مِن حكمِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بينَهم أن صوَّب قراءةَ كلِّ قارئٍ منهم، على خلافِها قراءةَ أصحابِه الذين نازعوه فيها، وأمَر كلَّ امرئٍ منهم أن يَقْرَأَ كما عُلِّم، حتى خالَط قلبَ بعضِهم الشكُّ في الإسلامِ؛ لما رأَى من تَصْويبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ قراءةَ كلِّ قارئٍ منهم على اختلافِها، ثم جَلاه اللَّهُ عنه ببيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أن القرآنَ أُنْزِل على سبعةِ أحرفٍ. فإن كانت الأحرفُ السبعةُ التي نزَل بها القرآنُ عندَك - كما قال هذا القائلُ - مُتَفَرِّقةً في القرآنِ، مُثْبَتةً اليومَ في مَصاحفِ أهلِ الإسلامِ، فقد بطَلَت معاني الأخبارِ التي روَيْتَها عمَّن رويتَ (٤) عنه مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أنهم اخْتَلَفوا في قراءةِ سورةٍ مِن القرآنِ، فاخْتَصَموا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأمَر كلًّا أن يَقْرَأَ كما عُلِّم؛ لأن

стр. 231

الأحرفَ السبعةَ إذا كانت لغاتٍ متفرقةً في جميعِ القرآنِ، فغيرُ مُوجِبٍ حرفٌ مِن ذلك اختلافًا بينَ تاليه؛ لأن كلَّ تالٍ فإنما يَتْلُو ذلك الحرفَ تِلاوةً واحدةً، على ما هو به في المصحفِ، وعلى ما أُنْزِل. وإذ كان ذلك كذلك، بطَل وجهُ اختلافِ الذين رُوِي عنهم (١) أنهم اخْتَلَفوا في قراءةِ سورةٍ، وفسَد معنى أمرِ النبيِّ ﷺ كلَّ قارئٍ منهم أن يَقْرَأَه على ما عُلِّم؛ إذ كان لا معنى هنالك يُوجِبُ اخْتِلافًا في لفظٍ، ولا افتراقًا في معنًى، وكيف يَجوزُ أن يكونَ هنالك اختلافٌ بينَ القومِ، والمُعَلِّمُ واحدٌ، والعلمُ واحدٌ غيرُ ذي أوجهٍ؟ وفي صحةِ الخبرِ عن الذين رُوِي عنهم الاختلافُ في حروفِ القرآنِ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بأنهم اخْتَلفوا وتَحاكموا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ في ذلك، على ما تقَدَّم وَصْفُناه - أبينُ الدَّلالةِ على فسادِ القولِ بأن الأحرفَ السبعةَ إنما هي أحرفٌ سبعةٌ متفرقةٌ في سورِ القرآنِ، لا أنها لغاتٌ مختلفةٌ في كلمةٍ واحدةٍ باتفاقِ المعاني. مع أن المُتَدَبِّرَ إذا تدَبَّر قولَ هذا القائلِ، في تأْويلِه قولَ النبيِّ ﷺ : "أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". وادعائِه أن معنى ذلك أنها سبعُ لغاتٍ متفرقةٍ في جميعِ القرآنِ، ثم جمَع بينَ قِيله ذلك واعتلالِه لقِيله ذلك بالأخبارِ التي رُوِيَت عمَّن رُوِي ذلك عنه مِن الصحابةِ والتابعِين أنه قال: هو بمنزلةِ قولِك: تعالَ وهلمَّ وأقبلْ. وأن بعضَهم قال: هو بمنزلةِ قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (إلا زَقيَةً). وهي في قراءتِنا: ﴿إِلَّا صَيْحَةً﴾. وما أشبه ذلك من حُجَجِه - علِم أن حججَه مُفْسِدةٌ في ذلك مقالتَه، وأن مقالتَه فيه مُضادَّةٌ حُجَجَه؛ لأن الذي نزَل به القرآنُ عندَه إحدى القراءتين: إمَّا ﴿صَيْحَةً﴾ (٢)، وإمَّا (زقية)، وإما "تعالَ"، أو "أقبلْ"، أو "هَلُمّ"، لا جميعُ

стр. 232

ذلك؛ لأن كلَّ لغةٍ مِن اللغاتِ السبعِ عندَه في كلمةٍ أو حرفٍ مِن القرآنِ، غيرُ الكلمةِ أو الحرفِ الذي فيه اللغةُ الأخرى. وإذ كان ذلك كذلك، بَطل اعتلالُه لقولِه بقولِ مَن قال: ذلك بمنزلةِ "هلُمَّ"، و"تعالَ"، و"أقبلْ"؛ لأن هذه الكلماتِ هي ألفاظٌ مختلفةٌ يَجْمَعُها في التأويلِ معنًى واحدٌ. وقد أبْطَل قائلُ هذا القولِ الذي حكَيْنا قولَه اجتماعَ اللغاتِ السبعِ في حرفٍ واحدٍ مِن القرآنِ، فقد تبَيَّن بذلك إفسادُه (١) حجتَه لقولِه بقولِه، وإفسادُه (١) قولَه بحجتِه. فقيل له: ليس القولُ في ذلك بواحدٍ مِن الوجهين اللذين وصَفْتَ، بل الأحرفُ السبعةُ التي أَنْزَل اللَّهُ بها القرآنَ هن لغاتٌ سبعٌ، في حرفٍ واحدٍ وكلمةٍ واحدةٍ، باختلافِ الألفاظِ واتفاقِ المعاني، كقولِ القائلِ: "هلم"، و"تَعالَ" و"أقْبِل"، و"إليَّ"، و"قَصْدي"، و"نحْوِي"، و"قُرْبِي"، ونحوِ ذلك مما تَخْتَلِفُ فيه الألفاظُ بضُروبٍ مِن المَنْطِقِ، وتَتَّفِقُ فيه المعاني، وإن اختلفتْ بالبيانِ به الألسنُ، كالذي رَوَينا آنفًا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وعمّن رَوَيْنا ذلك عنه مِن الصحابةِ، أن ذلك بمنزلةِ قولِه (٢): "هلم"، و"تعال"، و"أقبل". وقولِه: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً﴾، و (إلا زَقْيَةً). فإن قال: ففي أيِّ كتابِ اللَّهِ نَجِدُ حرفًا واحدًا مَقْروءًا بلغاتٍ سبعٍ مختلفاتِ الألفاظِ مُتَّفِقاتِ المعنى، فنُسَلِّمَ لك صحةَ ما ادَّعَيْتَ مِن التأويلِ في ذلك؟ قيل: إنا لم نَدَّعِ أن ذلك موجودٌ اليومَ، وإنما أخْبرْنا أن معنى قولِ النبيِّ ﷺ : "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". على نحوِ ما جاءت به الأخبارُ التي تقَدَّم

стр. 233

ذِكْرُناها، وهو ما وصَفْنا، دون ما ادَّعاه مُخالِفونا في ذلك، للعللِ التي قد بيَّنَّا. فإن قال (١): فما بالُ الأحرفِ الأُخَرِ الستةِ غيرُ موجودةٍ، إن كان الأمرُ في ذلك على ما وصَفْتَ، وقد أقْرَأَهن رسولُ اللَّهِ ﷺ أصحابَه، وأمَر بالقراءةِ بهن، وأنْزَلَهن اللَّهُ مِن عندِه على نبيِّه ﷺ ، أنُسِخَت فرُفِعَت، فما الدَّلالةُ على نَسْخِها ورَفْعِها؟ أمْ نسِيَتْهن الأمةُ؟ فذلك تَضْييعُ ما قد أُمِروا بحفظِه، أم ما القصةُ في ذلك؟ قيل له: لم تُنْسَخْ فتُرْفَعَ، ولا ضيَّعَتْها الأمَّةُ وهي مأمورةٌ بحفظِها، ولكنَّ الأمَّةَ أُمِرَت بحفظِ القرآنِ، وخُيِّرَت في قراءتِه وحفظِه بأيِّ تلك الأحرفِ السبعةِ شاءَت، كما أُمِرَت إذا هي حنَثَتْ في يمينٍ وهي مُوسِرةٌ، أن تُكَفِّرَ بأيِّ الكفَّاراتِ الثلاثِ شاءت؛ إما بعتقٍ، أو إطعامٍ، أو كِسوةٍ، فلو أجْمَعَ جميعُها على التكفيرِ فيها (٢) بواحدةٍ مِن الكفاراتِ الثلاثِ، دونَ حَظْرِها التكفيرَ فيها (٣) بأيِّ الثلاثِ شاء المُكَفِّرُ، كانت مُصيبةً حُكْمَ اللَّهِ، مُؤَدِّيةٌ في ذلك الواجبَ عليها مِن حقِّ اللَّهِ. فكذلك الأمةُ أُمِرَت بحفظِ القرآنِ وقراءتِه، وخُيِّرَت في قراءتِه بأيِّ الأحرفِ السبعةِ شاءت، فرأَتْ -لعلةٍ مِن العللِ أوْجَبَت عليها الثباتَ على حرفٍ واحد- قراءتَه بحرفٍ واحدٍ، ورفْضَ القراءةِ بالأحرفِ الستةِ الباقيةِ، ولم تَحْظُرْ قراءتَه بجميعِ حروفِه على قارئِه، بما أُذِن له في قراءتِه به. فإن قال: وما العلةُ التي أوْجَبَت عليها الثباتَ على حرفٍ واحدٍ دونَ سائرِ الأحرفِ الستةِ الباقيةِ؟

стр. 234

قيل: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدَّرَاوَرْديُّ، عن عُمارةَ بنِ غَزِيَّةَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ، عن أبيه زيدٍ، قال: لما قُتِل أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ باليَمامةِ، دخَل عمرُ بنُ الخطَّابِ علَى أبي بكرٍ، فقال: إن أصحابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ باليمامةِ تَهافَتوا تَهافُتَ الفَراشِ في النارِ، وإني أَخْشَى ألا يَشْهَدوا موطنًا إلا فعَلوا ذلك حتى يُقْتَلوا - وهم حملةُ القرآنِ - فيَضِيعَ القرآنُ ويُنْسَى، فلو جَمَعْتَه وكتَبْتَه. فنفَر منها أبو بكرٍ، وقال: أَفْعَلُ ما لم يَفْعَلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ ! فتَراجَعا في ذلك، ثم أرْسَل أبو بكرٍ إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال زيدٌ: فدخَلْتُ عليه، وعمرُ مُحْزَئِلٌّ (١)، فقال أبو بكرٍ: إن هذا قد دعاني إلى أمرٍ فأبَيْتُ عليه، وأنت كاتبُ الوحيِ، فإن تَكُنْ معه اتَّبَعْتُكما، وإن تُوافِقْني لا أَفْعَلْ. قال: فاقْتَصَّ أبو بكرٍ قولَ عمرَ، وعمرُ ساكتٌ، فنفَرْتُ مِن ذلك، وقلتُ: نَفْعَلُ ما لم يَفْعَلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ إلى أن قال عمرُ كلمةً: وما عليكما لو فعَلْتُما ذلك؟ قال: فذهَبْنا نَنْظُرُ، فقلْنا: لا شيءَ، واللَّهِ ما علينا في ذلك شيءٌ. قال زيدٌ: فأمَرَني أبو بكرٍ فكتَبْتُه في قِطَعِ الأُدُمِ وكِسَرِ الأكْتافِ والعُسُبِ (٢)، فلما هلَك أبو بكرٍ، وكان عمرُ، كتَب ذلك في صحيفةٍ واحدةٍ، فكانت عندَه، فلما هلَك كانت الصحيفةُ عندَ حفصةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ، ثم إن حذيفةَ بنَ اليمانِ قدِم مِن غزوةٍ كان غزاها في فرجِ (٣) إرْمِينِيَةَ، فلم يَدْخُلْ بيتَه حتى أتَى عثمانَ بنَ عفانَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين،

стр. 235

أدْرِكِ الناسَ. فقال عثمانُ، وما ذاك؟ قال: غزَوْتُ فرجَ إرْمِينِيَةَ، فحضَرها أهلُ العراقِ وأهلُ الشامِ، فإذا أهلُ الشامِ يَقْرَءون بقراءةِ أُبيِّ بنِ كعبٍ، فيَأْتُون بما لم يَسْمَعْ أهلُ العراقِ، فيُكَفِّرُهم أهلُ العراقِ، وإذا أهلُ العراقِ يَقْرَءون بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، فيَأْتُون بما لم يَسْمَعْ أهلُ الشامِ، فيُكَفِّرُهم أهلُ الشامِ. قال زيدٌ: فأمَرَني عثمانُ بنُ عفانَ (١) أكْتُبُ له مصحفًا. وقال: إني مُدْخِلٌ معك رجلًا لَبيبًا فَصيحًا، فما اجْتَمَعْتُما عليه فاكْتُباه، وما اخْتَلَفْتُما فيه فارْفَعاه إليَّ. فجعَل (٢) أبانَ بنَ سعيدِ بنِ العاصِ. قال: فلما بلغا: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. قال زيدٌ: فقلتُ: (التابوه). وقال أبانُ بنُ سعيدٍ: ﴿التَّابُوتُ﴾. فرفَعْنا ذلك إلى عثمانَ فكتَب: ﴿التَّابُوتُ﴾. قال: فلما فرَغْتُ عرَضْتُه (٣) معه عَرْضةً، فلم أَجِدْ فيه (٤) هذه الآيةَ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. إلى قوِله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. قال: فاسْتَعْرَضْتُ المهاجرين أَسْألُهم عنها، فلم أَجِدْها عندَ أحدٍ منهم، ثم اسْتَعْرَضْتُ الأنصارَ أَسْألُهم عنها، فلم أَجِدْها عندَ أحدٍ منهم، حتى وجَدْتُها عندَ خُزَيْمةَ بنِ ثابتٍ، فكتَبْتُها، ثم عَرَضتُه عَرْضَةً أخرى، فلم أَجِدْ فيه هاتين الآيتَيْن: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخرِ السورةِ. [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] فاسْتَعْرَضْتُ المهاجرِين، فلم أَجِدْها عند أحدٍ منهم، [ثم اسْتَعْرَضْتُ الأنْصارَ أَسْأَلُهم عنها، فلم أَجِدْها عندَ أحدٍ منهم] (٥)، حتى وجَدْتُها مع رجلٍ آخرَ يُدْعَى خزيمةَ أيضًا، فأثْبَتُّها في آخرِ "براءة"، ولو تَمَّتْ ثلاثَ آياتٍ لجعَلْتُها سورةً على حِدَةٍ، ثم

стр. 236

عرَضْتُه عَرْضةً أخرى فلم أَجِدْ فيه شيئًا، ثم أرْسَل عثمانُ إلى حفصةَ يَسْأَلُها أن تُعْطِيَه الصَّحيفةَ، وحلَف لها لَيَرُدَّنَّها إليها، فأعْطَتْه إياها، فعرَض المصحفَ عليها، فلم يَخْتَلِفا في شيءٍ، فردَّها إليها، وطابت نفسُه، وأمَر الناسَ أن يَكْتُبوا مَصاحفَ، فلما ماتت حفصةُ أرْسَل إلى عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ في الصَّحيفةِ بعَزْمةٍ، فأعطاهم إياها، فغُسِلَت غَسْلًا (١). وحدَّثني [به أيضًا] (٢) يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، عن عُمارةَ بنِ غَزِيَّةَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن خارجةَ بنِ زيدٍ، عن أبيه زيدِ بنِ ثابتٍ، بنحوِه سواءً (٣). وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قِلابَةَ، قال: لما كان في خِلافةِ عثمانَ، جعَل المُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قراءةَ الرجلِ، والمُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قراءةَ الرجلِ، فجعَل الغِلْمانُ يَلْتَقون فيَخْتَلِفون، حتى ارْتَفَع ذلك إلى المُعَلِّمِين، قال أيوبُ: فلا أَعْلَمُه إلا قال: حتى كفَر بعضُهم بقراءةِ بعضٍ. فبلَغ ذلك عثمانَ،

стр. 237

فقام خطيبًا، فقال: أنتم عندي تَخْتَلِفون فيه وتَلْحَنون، فمَن نأَى (١) عني مِن أهلِ الأمصارِ أشدُّ فيه اخْتِلافًا، وأشدُّ لَحْنًا، اجْتَمِعوا [يا أصحابَ] (٢) محمدٍ، فاكْتُبوا للناسِ إمامًا. قال أبو قِلابةَ: فحدَّثني [مالكٌ أبو أنسٍ] (٣)، قال: كنتُ في مَن يُمْلَى عليهم، قال: فربما اخْتَلَفوا في الآيةِ، فيَذْكُرُون الرجلَ قد تَلَقَّاها مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولعله أن يكونَ غائبًا، أو في بعضِ البَوادِي، فيَكْتُبون ما قبلَها وما بعدَها، ويَدَعُون موضعَها حتى يَجِيءَ أو يُرْسَلَ إليه، فلما فرَغ مِن المصحفِ، كتَب عثمانُ إلى أهلِ الأمصارِ: إني قد صنَعْتُ كذا وكذا، ومحَوْتُ ما عندي، فامْحُوا ما عندَكم (٤). حدَّثني يونُسُ بن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: أخْبَرني يونُسُ، قال: قال ابنُ شهابٍ: أخْبَرني أنسُ بنُ مالكٍ الأنصاريُّ، أنه اجْتَمَع لغزوةِ أَذْرَبِيجانَ وإرْمِينِيَةَ أهلُ الشامِ وأهلُ العراقِ، فتَذاكَروا القرآنَ، فاخْتَلَفوا فيه حتى كاد يَكونُ بينَهم فتنةٌ، فركِب حذيفةُ بنُ اليَمانِ لمَّا رأَى اختلافَهم في القرآنِ إلى عثمانَ، فقال: إن الناسَ قد اخْتَلَفوا في القرآنِ (٥)، حتى إني واللَّهِ لَأَخْشَى أن يُصِيبَهم مثلُ ما أصاب اليهودَ والنصارى مِن الاختلافِ. قال: ففزِع لذلك فزعًا شديدًا، فأرْسَل إلى حفصةَ،

стр. 238

فاسْتَخْرَج الصحفَ (١) التي كان أبو بكرٍ أمَر زيدًا بجمعِها، فنسَخ منها مَصاحفَ، فبعَث بها إلى الآفاقِ (٢). حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن الزهريِّ، قال: قُبِض النبيُّ ﷺ ولم يَكُنِ القرآنُ جُمِع، وإنما كان في الكَرانيفِ (٣) [والعُسُبِ والسَّعَفِ] (٤). حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن مُجالِدٍ، عن الشعبيِّ، عن صَعْصَعةَ، أن أبا بكرٍ أولُ مَن ورَّث الكَلالةَ، وجَمَع المصحفَ (٥). وما أشبهَ ذلك مِن الأخبارِ التي يَطولُ باستيعابِ جميعِها الكتابُ، والآثارِ الدالةِ على أن إمامَ المسلمين وأميرَ المؤمنين عثمانَ بنَ عفانَ رحمةُ اللَّهِ عليه، جَمَع المسلمين؛ نظرًا منه لهم، وإشْفاقًا منه عليهم، ورأفةً منه بهم، حِذارَ الرِّدَّةِ (٦) مِن بعضِهم بعدَ الإسلامِ، و (٧) الدخولِ في الكفرِ بعدَ الإيمانِ، إذ ظهَر مِن بعضِهم بمحضَرِه وفي عصرِه التكذيبُ ببعضِ الأحرفِ السبعةِ التي نزَل عليها القرآنُ، مع سَماعِ أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ النهيَ عن التكذيبِ بشيءٍ منها، وإخبارِه إياهم أن المِراء فيها كفرٌ، فحمَلهم رحمةُ اللَّهِ عليه، إذ رأَى ذلك ظاهرًا بينَهم في عصرِه، وبحَداثةِ عهدِهم بنزولِ القرآنِ، وفِراقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ

стр. 239

إياهم، بما أمِن عليهم معه عظيمَ البلاءِ في الدينِ؛ مِن تلاوةِ القرآنِ على حرفٍ واحدٍ، وجَمَعهم على مصحفٍ واحدٍ (١)، وخرَّق (٢) ما عدا المصحف الذي جَمَعهم عليه، وعزَم على كلِّ مَن كان عندَه مصحفٌ مُخالِفٌ المصحفَ الذي جَمَعَهم عليه أن يُخَرِّقَه (٣)، فاسْتَوْثَقَت له الأمةُ على ذلك بالطاعةِ، ورأَت أن فيما فعَل مِن ذلك الرشدَ والهدايةَ، فترَكَت القراءةَ بالأحرفِ الستةِ التي عزَم عليها إمامُها العادلُ في تركِها، طاعةً منها له، ونظرًا منها لأنفسِها ولمن بعدَها مِن سائرِ أهلِ ملَّتِها، حتى دَرَسَت مِن الأمةِ معرفتُها، وتعَفَّت آثارُها، فلا سبيلَ اليومَ لأحدٍ إلى القراءةِ بها، لدُثورِها وعُفُوِّ آثارِها، وتتابعِ المسلمين على رفضِ القراءةِ بها، مِن غيرِ جُحودٍ منها (٤) صحتَها وصحةَ شيءٍ منها، ولكن نظرًا منها لأنفسِها ولسائرِ أهلِ دينِها، فلا قراءةَ للمسلمين اليومَ إلا بالحرفِ الواحدِ الذي اخْتارَه لهم إمامُهم الشفيقُ الناصحُ، دونَ ما عداه مِن الأحرفِ الستةِ الباقيةِ. فإن قال بعضُ مَن ضعُفَت معرفتُه: وكيف جاز لهم تركُ قراءةٍ أقْرَأَهموها رسولُ اللَّهِ ﷺ وأمَرهم بقراءتِها؟ قيل: إن أمرَه إياهم بذلك لم يَكُنْ أمرَ إيجابٍ وفرضٍ، وإنما كان أمرَ إباحةٍ ورُخْصةٍ؛ لأن القراءةَ بها لو كانت فرضًا عليهم، لَوجَب أن يكونَ العلمُ (٥) بكلِّ حرفٍ مِن تلك الأحرفِ السبعةِ عندَ مَن يَقومُ بنقلِه الحُجَّةُ، ويَقْطَعُ خبرُه العذرَ،

стр. 240

ويُزِيلُ الشكَّ مِن قَرَأَةِ الأمةِ، وفي تركِهم نقلَ ذلك كذلك أوضحُ الدليلِ على أنهم كانوا في القراءةِ بها مُخَيَّرِين، بعدَ (١) أن يكونَ في نَقَلةِ القرآنِ مِن الأمَّةِ مَن تَجِبُ بنقلِه الحجةُ ببعضِ تلك الأحرفِ السبعةِ، فإذ (٢) كان ذلك كذلك، لم يَكُنِ القومُ بتركِهم نقلَ جميعِ القراءاتِ السبعِ تارِكِين ما كان عليهم نقلُه، بل كان الواجبُ عليهم مِن الفعلِ ما فعَلوا، إذ كان الذي فعَلوا مِن ذلك، كان هو النَّظَرَ للإسلامِ وأهلِه، فكان القيامُ بفعلِ الواجبِ عليهم بهم أولى مِن فعلِ ما لو فعَلوه كانوا إلى الجنايةِ على الإسلامِ وأهلِه أقربَ منهم إلى السلامةِ مِن ذلك. فأما ما كان مِن اختلافِ القرأةِ في رفعِ حرفٍ وجرِّه ونصبِه، وتَسْكينِ حرفٍ وتحريكِه، ونقلِ حرفٍ إلى آخرَ، مع اتفاقِ الصورةِ، فمِن معنى قولِ النبيِّ ﷺ : "أُمِرْتُ أن أقْرَأَ الْقُرْآنَ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ" - بمَعْزِلٍ؛ لأنه معلومٌ أنه لا حرفَ مِن حروفِ القرآنِ مما اخْتَلَفَت القرأَةُ في قراءتِه بهذا المعنى يُوجِبُ المِراءُ به كفْرَ المُمارِي به في قولِ أحدٍ مِن علماءِ الأمةِ (٣). وقد أوْجَب ﷺ بالمراءِ فيه الكفرَ مِن الوجهِ الذي تَنازَع فيه المُتَنازِعون إليه، وتَظاهَرَت عنه بذلك الروايةُ، على ما قد قدَّمْنا ذكرَها في أولِ هذا البابِ (٤).

стр. 241

فإن قال لنا قائلٌ: فهل لك مِن علمٍ بالألسنِ السبعةِ التي نزَل بها القرآنُ؟ وأيِّ الألسنِ هي مِن ألسنِ العربِ؟ قلْنا: أما الألسنُ الستةُ التي قد نزَلَت القراءةُ بها فلا حاجةَ بنا إلى معرفتِها؛ لأنا لو عرَفْناها لم نَقْرَأ اليومَ بها، مع الأسبابِ التي قدَّمْنا ذكرَها. وقد قيل: إن خمسةً منها لعَجُزِ هَوازنَ، واثنين منها لقريشٍ وخُزاعةَ. رُوِي جميعُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وليست الروايةُ به (١) عنه مِن روايةِ مَن يَجوزُ الاحتجاجُ بنقلِه، وذلك أن الذي روَى عنه أن خمسةً منها مِن لسانِ العَجُزِ مِن هَوازنَ، الكلبيُّ (٢) عن أبي صالحٍ (٣)، وأن الذي روَى عنه أن اللسانين الآخرَيْن لسانُ قريشٍ وخزاعةَ، قتادةُ، وقتادةُ لم يَلْقَهُ ولم يَسْمَعْ منه. حدَّثني بذلك بعضُ أصحابِنا، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ نصرٍ الخُزاعيُّ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بنُ عديٍّ، عن سعيدِ بنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل القرآنُ بلسانِ قريشٍ ولسانِ خُزاعةَ، وذلك أن الدارَ واحدةٌ (٤). وحدَّثني بعضُ أصحابِنا، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أبي الأسودِ الدُّئليِّ، قال: نزَل القرآنُ بلسانِ الكعبَيْن؛ كعبِ بنِ عمروٍ، وكعبِ بنِ لُؤَيٍّ. فقال خالدُ بنُ سلَمةَ لسعدِ بنِ إبراهيمَ: ألا تَعْجَبُ مِن هذا

стр. 242

الأعْمَى (١)، يَزْعُمُ أن القرآنَ نزَل بلسانِ الكعبَيْن، وإنما نزَل بلسانِ قريشٍ (٢). قال أبو جعفرٍ: والعَجُزُ مِن هَوازِنَ؛ سعدُ بنُ بكرٍ، وجُشَمُ (٣) بنُ بكرٍ، ونصرُ بنُ معاويةَ، وثَقيفٌ. وأما معنى قولِ النبيِّ ﷺ إذ ذكَر نزولَ القرآنِ على سبعةِ أحرفٍ: "إن كلَّها شافٍ كافٍ". فإنه كما قال جل ثناؤُه في وصفِه القرآنَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. جعَله اللَّهُ للمؤمنين شفاءً، يَسْتَشْفُون بمواعظِه مِن الأدواءِ العارضةِ لصدورِهم، مِن وَساوسِ الشيطانِ وخَطَراتِه (٤)، فيَكْفِيهم ويُغْنِيهم عن كلِّ ما عداه مِن المواعظِ ببيانِ آياتِه. القولُ في البيانِ عن معنى قولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : "أُنزِلَ القُرآنُ مِن سبعةِ أبوابِ الجَنَّةِ". وذكرُ الأخبارِ المرويةِ (٥) بذلك. قال أبو جعفرٍ: اختَلَفَت النَّقَلَةُ في ألفاظِ الخبرِ بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فرُوِي عن ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "كان الكِتابُ الأوَّلُ نَزَل مِن بَابٍ واحِدٍ، وعلى حَرْفٍ واحِدٍ، ونَزَل القُرآنُ مِن سبعةِ أبوابٍ، وعلى سبعةِ أحْرُفٍ؛ [زَاجِرٌ، وآمِرٌ] (٦)، وحَلالٌ، وحَرامٌ، ومُحْكَمٌ، ومُتَشابِهٌ، وأمْثالٌ، فأحِلُّوا حلالَه، وَحَرِّمُوا حرامَه، وافْعَلُوا ما أُمِرْتُم به، وانْتَهُوا عما نُهِيتُم عنه، واعْتَبِرُوا بأمْثالِه

стр. 243

واعْمَلُوا بمُحْكَمِه، وآمِنُوا بمُتَشابهِه، وقُولُوا: آمَنَّا به كلٌّ من عندِ رَبِّنا". حدَّثني بذلك يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ، عن عُقَيْلِ بنِ خالدٍ، عن سَلَمةَ بنِ أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن أبيه، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ (١). ورُوِي عن أبي قِلابةَ، عن النبيِّ ﷺ مرسلًا غيرُ ذلك. حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا عَبّادُ بنُ زكريا، عن عوفٍ، عن أبي قِلابةَ، قال: بلَغَني أن النبيَّ ﷺ قال: "أُنزِلَ القُرْآنُ على سبعةِ أَحْرُفٍ؛ أمْرٌ، وزَجْرٌ، وتَرْغِيبٌ، وتَرْهِيبٌ، وجَدَلٌ، وقَصَصٌ، ومَثَلٌ" (٢). ورُوِي عن أُبيٍّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ في ذلك ما حدَّثني به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عبدِ (٣) اللَّهِ بنِ عيسى بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أبيه، عن جدِّه، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ أَمَرَني أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ على حَرْفٍ واحِدٍ، فقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عن أُمَّتِي. قال: اقْرَأْه على حَرْفَيْن. فقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عن أُمَّتي. فأمَرَني أن أقْرَأَه على سبعةِ أَحْرُفٍ، من سَبْعَةِ أبْوابٍ من الجنَّةِ، كلُّها شافٍ كافٍ" (٤).

стр. 244

ورُوِي عن ابنِ مسعودٍ مِن قِيلِه (١) خلافُ ذلك كلِّه، وهو ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا المُحارِبيُّ، عن الأحوصِ (٢) بنِ حَكيمٍ، عن ضَمْرةَ بنِ حَبيبٍ، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: إن اللَّهَ أنْزَل القرآنَ على خمسةِ أحرُفٍ؛ حلالٌ، وحرامٌ، ومُحْكَمٌ، ومُتَشَابِهٌ، وأمثالٌ، فأحِلَّ الحلالَ، وحَرِّمِ الحَرامَ، واعْمَلْ بالمُحْكَمِ، وآمِنْ بالمتشابهِ، واعْتَبِرْ بالأمثالِ (٣). وكلُّ هذه الأخبارِ التي ذكَرْناها عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مُتَقارِبةُ المعاني؛ لأن قولَ القائلِ: فلانٌ مُقيمٌ على بابٍ مِن أبوابِ هذا الأمرِ، وفلانٌ مقيمٌ على وَجْهٍ مِن وجوهِ هذا الأمرِ، وفلانٌ مقيمٌ على حرفٍ مِن هذا الأمرِ. سواءٌ، ألا تَرَى أن اللَّهَ تعالى ذكرُه وَصف قومًا (٤) عبَدوه على وجهٍ مِن وجوهِ العباداتِ، فأخْبَر عنهم أنهم عبَدوه على حرفٍ فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]. يعْني أنهم عبَدوه على وجهِ الشكِّ، لا على اليقينِ به (٥) والتسليمِ لأمرِه. فكذلك روايةُ مَن روَى عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "نَزَل القُرآنُ مِن سَبعةِ أَبْوابٍ" و"نَزَل على سَبْعَةِ أَحْرْفٍ". سَواءٌ معناهما مُؤْتَلِفٌ، وتأويلُهما غيرُ مختلفٍ في هذا الوجهِ. ومعنى ذلك كلِّه الخبرُ منه ﷺ عما خصَّه اللَّهُ به وأمتَه مِن الفضيلةِ والكرامةِ

стр. 245

التي لم يُؤْتِها أحدًا في تنزيلِه؛ وذلك أن كلَّ كتابٍ تقَدَّم كتابَنا نزولُه على نبيٍّ مِن أنبياءِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهم، فإنما نزَل بلسانٍ واحدٍ، متى حُوِّل إلى غيرِ اللسانِ الذي نزَل به كان ذلك له ترجمةً (١) وتفسيرًا، لا تلاوةً له على ما أنْزَله اللَّهُ، وأنْزَل كتابَنا بألسنٍ سبعةٍ، بأيِّ تلك الألسنِ السبعةِ تلاه التالي كان له تاليًا على ما أنْزَله اللَّهُ لا مُتَرْجِمًا ولا مُفَسِّرًا، حتى يُحَوِّلَه عن تلك الألسنِ السبعةِ إلى غيرِها، فيصيرَ فاعلُ ذلك حينَئذٍ - إذا أصاب معناه - له مترجِمًا، كما كان التالي بعضَ (٢) الكتبِ التي أنْزَلها اللَّهُ بلسانٍ واحدٍ، إذا تلاه بغيرِ اللسانِ الذي نزَل به، له مترجِمًا، لا تاليًا على ما أنْزَله اللَّهُ به. فذلك معنى قولِ النبيِّ ﷺ : "كان الكِتابُ الأوَّلُ نَزَل على حَرْفٍ واحِدٍ، ونَزَل القُرآنُ على سبعةِ أحْرُفٍ". وأما معنى قولِه ﷺ : "إِنَّ الكِتابَ الأوَّلَ نَزَل مِن بابٍ واحِدٍ، ونَزَل القُرآنُ مِن سبعةِ أبْوابٍ". فإنه ﷺ عنَى بقولِه: "نَزَل الكِتابُ الأوَّلُ مِن بابٍ واحِدٍ" - واللَّهُ أعلمُ - ما نزَل مِن كتبِ اللَّهِ على مَن أنْزَله مِن أنبيائِه، خاليًا مِن الحدودِ والأحكامِ والحلالِ والحرامِ، كزَبورِ داودَ، الذي إنما هو تذكيرٌ ومَواعظُ، وإنجيلُ عيسى، الذي هو تَمْجيدٌ ومَحامدُ وحضٌّ على الصَّفْحِ والإعْراضِ، دونَ غيرِها مِن الأحكامِ والشرائعِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن الكتبِ التي نزَلت ببعضِ المعاني السبعةِ التي يَحْوِي جميعَها كتابُنا الذي خصَّ اللَّهُ به نبيَّنا محمدًا ﷺ وأمَّتَه. فلم يكنِ المتعبِّدون بإقامتِه يَجِدون لرِضَا اللَّهِ تعالى ذكرُه مَطْلَبًا يَنالُون به الجنةَ،

стр. 246

ويسْتَوْجِبون به (١) منه القُرْبَةَ، إلا مِن الوجهِ الواحدِ الذي أُنْزِل به كتابُهم، وذلك هو البابُ الواحدُ مِن أبوابِ الجنةِ الذي نزَل منه ذلك الكتابُ. وخصَّ اللَّهُ - جلَّ وعزَّ - نبيَّنا محمدًا ﷺ وأمَّتَه بأن أَنْزَل عليهم كتابَه على أوجهٍ سبعةٍ مِن الوجوهِ التي يَنالُون بها رِضْوانَ اللَّهِ، ويُدْرِكون بها الفوزَ بالجنةِ إذا أقاموها، فكلُّ (٢) وجهٍ مِن أوجُهِه السبعةِ بابٌ مِن أبوابِ الجنةِ الذي نزَل منه القرآنُ؛ لأن العاملَ بكلِّ وجهٍ مِن أوجُهِه (٣) السبعةِ عاملٌ على (٤) بابٍ مِن أبوابِ الجنةِ، وطالبٌ مِن قِبَلِه الفوزَ بها، فالعملُ بما أمَر اللَّهُ جلَّ ذكرُه في كتابِه بابٌ مِن أبوابِ الجنةِ، وتركُ ما نهَى اللَّهُ عنه فيه بابٌ آخرُ ثانٍ مِن أبوابِها، وتحليلُ ما حَلَّل اللَّهُ فيه بابٌ ثالثٌ مِن أبوابِها، وتحريمُ ما حرَّم اللَّهُ فيه بابٌ رابعٌ مِن أبوابِها، والإيمانُ بمُحْكَمِه المُبَيَّنِ بابٌ خامسٌ مِن أبوابِها، والتسليمُ لمُتَشابِهِه الذي اسْتَأْثَر اللَّهُ بعلمِه وحجَب علمَه عن خلقِه، والإقرارُ بأن كلَّ ذلك مِن عندِ ربِّه، بابٌ سادسٌ مِن أبوابِها، والاعتبارُ بأمثالِه والاتعاظُ بعِظاتِه بابٌ سابعٌ مِن أبوابِها. فجميعُ ما في القرآنِ مِن حروفِه السبعةِ وأبوابِه السبعةِ التي نزَل منها، جعَله اللَّهُ لعبادِه إلى رِضوانِه هاديًا، ولهم إلى الجنةِ قائدًا، فذلك معنى قولِه ﷺ : "نزَل القُرآنُ مِن سبعةِ أبوَابٍ من (٥) الْجَنَّةِ". وأما قولُه ﷺ في القرآنِ: "إنَّ لكلِّ حَرْفٍ منه حَدًّا" (٦). يعني الكلِّ وجهٍ مِن

стр. 247

أوجُهِه السبعةِ حدًّا حده اللَّهُ جلَّ ثناؤُه، لا يَجوزُ لأحدٍ أن يَتَجاوَزَه. وقولُه ﷺ : "وإنَّ لكُلِّ حَرْفٍ منها ظَهْرًا وبَطْنًا". فظهرُه الظاهرُ في التلاوةِ، وبطنُه ما بطَن مِن تأويلِه. وقوله ﷺ : "وإنَّ لكُلِّ حَدٍّ من ذلك مُطَّلَعًا". فإنه يعني أن لكلِّ حدٍّ مِن حدودِ اللَّهِ التي حدَّها فيه، مِن حلالٍ وحرامٍ وسائرِ شرائعِه، مِقْدارًا مِن ثوابِ اللَّهِ وعقابِه يُعايِنُه في الآخرةِ، ويَطَّلِعُ عليه، ويُلاقِيه في القيامةِ، كما قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: لو أن لي ما في الأرضِ مِن صفراءَ وبيضاءَ لافْتَدَيْتُ به مِن هولِ المُطَّلَعِ (١). يعْني بذلك ما يَطَّلِعُ عليه ويهجُمُ عليه مِن أمرِ اللَّهِ بعد وفاتِه. القولُ في الوجوهِ التي مِن قِبَلِها يُوصَلُ إلى معرفةِ تأويلِ القرآنِ قال أبو جعفرٍ: قد قلنا في الدَّلالةِ على أن القرآنَ كلَّه عربيٌّ، وأنه نزَل بألسنِ بعضِ العربِ دون ألسنِ جميعِها، وأن قراءةَ المسلمين اليومَ، ومَصاحفَهم التي هي بينَ أظهرِهم، ببعضِ الألسنِ التي نزَل بها القرآنُ دون جميعِها. وقلنا في البيانِ عما يَحْوِيه القرآنُ مِن النورِ والبُرْهانِ، والحِكْمةِ والتِّبيانِ (٢)، التي أوْدَعها اللَّهُ إياه، مِن أمرِه ونهيِه، وحلالِه وحرامِه، ووعدِه ووَعيدِه، ومُحْكمِه ومُتَشابهِه، ولطائفِ حُكْمِه - ما فيه الكفايةُ لمَن وُفِّق لفهمِه. ونحن قائلون في البيانِ عن وجوهِ مطالبِ تأويلِه: قال اللَّهُ جل ثناؤُه وتقَدَّسَت أسماؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقال أيضًا

стр. 248

له (١) جل ذكرُه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. فقد تبَيَّن ببيانِ اللَّهِ جل ذكرُه أن مما أنْزَل اللَّهُ مِن القرآنِ على نبيِّه ﷺ ما لا يُوصَلُ إلى علمِ تأويلِه إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ ، وذلك تأويلُ جميعِ ما فيه مِن وجوهِ أمرِه، واجبِه ونَدْبِه وإرشادِه، وصنوفِ نهيِه، ووظائفِ حقوقِه، وحدودِه، ومبالغِ فرائضِه، ومقاديرِ اللازمِ بعضَ خَلْقِه لبعضٍ، وما أشبه ذلك مِن أحكامِ آيهِ التي لم يُدْرَكْ علمُها إلا ببيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ لأُمَّتِه. وهذا وجهٌ له لا يجوزُ لأحدٍ القولُ فيه إلا ببيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ [له تأويلَه] (٢)، بنصٍّ منه عليه، أو بدَلالةٍ قد نصبَها دالَّةٍ أمَّتَه على تأويلِه. وأن منه ما لا يَعْلَمُ تأويلَه إلا اللَّهُ الواحدُ القَهَّارُ، وذلك ما فيه مِن الخبرِ عن آجالٍ حادثةٍ، وأوقاتٍ آتِيةٍ؛ كوقتِ قيامِ الساعةِ، والنَّفْخِ في الصُّورِ، ونُزولِ عيسى ابنِ مريمَ، وما أشْبَهَ ذلك، فإن تلك أوقاتٌ لا يَعْلَمُ أحدٌ حدودَها، ولا يَعْرِفُ أحدٌ مِن تأويلِها إلا [بالخبرِ عن أشراطِها] (٣)، لاسْتِئْثارِ اللَّهِ بعلمِ ذلك على خلقِه.

стр. 249

وبذلك (١) أنْزَل رَبُّنا (٢) مُحْكَمَ كتابِه، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وكان نبيُّنا محمدٌ ﷺ إذا ذكَر شيئًا مِن ذلك لَمْ يَدُلَّ عليه إلا بأشراطِه، دونَ تحديدِه بوقتِه (٣)، كالذي رُوِي عنه ﷺ أنه قال لأصحابِه إذ ذكَر الدجالَ: "إن يَخْرُجْ وأنا فِيكم، فأنا حَجِيجُه، وإن يَخْرُجْ بَعْدِي، فاللَّهُ خَلِيفَتِي عليكم" (٤). وما أشْبَهَ ذلك مِن الأخبارِ التي يَطولُ باستيعابِها الكتابُ، الدالةِ على أنه ﷺ لم يكنْ عندَه علمُ أوقاتِ شيءٍ منه بمقاديرِ السنينَ والأيامِ، وأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما كان عرَّفه مجيئَه بأشراطِه، ووقْتَه بأدلتِه (٥). وأن منه ما يَعْلَمُ تأويلَه كلُّ ذي علمٍ باللسانِ الذي نزَل به القرآنُ، وذلك إقامةُ إعرابِه، ومعرفةُ المُسَمَّياتِ بأسمائِها اللازمةِ غيرِ المُشْتَرَكِ فيها، والموصوفاتِ بصفاتِها الخاصةِ دون ما سواها، فإن ذلك لا يَجْهَلُه أحدٌ منهم، وذلك كسامعٍ منهم لو سمِع تاليًا يَتْلُو: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢]. لم يَجْهَلْ أن معنى الإفسادِ هو ما يَنْبَغِي تركُه مما هو مضَرَّةٌ، وأن الإصلاحَ هو ما يَنْبَغِي فِعْلُه مما فعلُه منفعةٌ، وإن جَهِل المعانيَ التي جعَلها اللَّهُ إفسادًا، والمعانيَ التي جعَلها اللَّهُ إصْلاحًا، فالذي يَعْلَمُه ذو اللسانِ الذي بلسانِه نزَل القرآنُ، مِن تأويلِ القرآنِ، هو ما

стр. 250

وصفتُ مِن معرفةِ أعيانِ المُسَمَّياتِ بأسمائِها اللازمةِ غيرِ المشترَكِ فيها، والموصوفاتِ بصفاتِها الخاصةِ، دونَ الواجبِ مِن أحكامِها وصفاتِها وهيئاتِها التي خصّ اللَّهُ بعلمِها نبيَّه ﷺ ، فلا يُدْرَكُ علمُه إلا ببيانِه، دونَ ما استَأْثر اللَّهُ بعلمِه دونَ خلقِه. وبمثلِ ما قلنا في (١) ذلك رُوِي الخبرُ عن ابنِ عباسٍ. حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبي الزنادِ، قال: قال ابنُ عباسٍ: التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ؛ وجهٌ تَعْرِفُه العربُ مِن كلامِها، وتفسيرٌ لا يُعْذَرُ أحدٌ بجَهالتِه، وتفسيرٌ يَعْلَمُه العلماءُ، وتَفْسيرٌ لا يَعْلَمُه إلا اللَّهُ (٢). قال أبو جعفرٍ: وهذا الوجهُ الرابعُ الذي ذكَره ابنُ عباسٍ مِن أن أحدًا لا يُعْذَرُ بجَهالتِه، معنًى غيرُ الإبانةِ عن وجوهِ مَطالبِ تأويلِه، وإنما هو خبرٌ عن أن مِن تأويلِه ما لا يَجوزُ لأحدٍ الجهلُ به. وقد رُوِي بنحوِ ما قلْنا في ذلك أيضًا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خبرٌ في إسنادِه نظرٌ. حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّدَفيُّ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعْتُ عمرَو بنَ الحارثِ يُحَدِّثُ عن الكلبيِّ، عن أبي صالحٍ مولى أمِّ هانئٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أُنْزِل القُرآنُ على أربعَةِ أَحْرُفٍ؛ حَلَالٌ وحَرَامٌ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِالجَهالَةِ به، وتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُه العَرَبُ، وتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُه العُلَماءُ، ومُتَشَابِهٌ لا يَعْلَمُه إلَّا اللَّهُ، وَمَن ادَّعَى عِلْمَه سِوَى اللَّهِ فهو كاذِبٌ" (٣).
следующие страницы →