← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

الأولِ. ثم يقولون: شَهْرا ربيعٍ. لشهرِ ربيعٍ الآخرِ وجُمادى الأُولى. ثم يقولون: جُماديانِ. لجُمادى الآخرةِ ولرجبٍ. ثم يقولون لشعبانَ: رجبٌ. ثم يقولون لرمضانَ: شعبانُ. ثم يقولون لشوّالٍ: رمضانُ. ويقولون لذي القَعدةِ: شوَّالٌ. ثم يقولون لذي الحِجةِ: ذو القَعدةِ. ثم يقولون للمُحرَّمِ: ذو الحِجةِ. فيحُجُّون في المحرَّمِ، ثم يأتَنِفون، فيَحسُبُون على ذلك عِدَّةً مُستقبَلَةً على وجهِ ما ابتَدءُوا، فيقولون: المحرَّمُ، وصفرٌ، وشهرا ربيعٍ. فيحُجُّون في المحرَّمِ ليحجُّوا في كلِّ سنةٍ مرَّتَين، [ثم يُسقِطون] (١) شهرًا آخرَ، فيَعُدُّون على العِدَّةِ الأُولى، فيقولون: صَفرانِ وشَهْرا ربيعٍ. نحوَ عِدَّتِهم في أولِ ما أسقَطوا (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: صاحبُ النَّسيءِ (٣) الذي يَنسأُ لهم أبو ثمامةَ (٤)، رجلٌ من بني كِنانةَ (٥). حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ (٦)، عن أبي بشرٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: لا شبهةَ في الحَجِّ، قد بَيَّنَ اللَّهُ أمرَ الحَجِّ.

стр. 2137

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: قد استقام أمرُ الحجِّ فلا تجادِلوا فيه (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: لا شهرَ يُنسَأُ، ولا شكَّ في الحجِّ، قد بُيِّنَ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: قد عُلِم وقتُ الحَجِّ فلا جدالَ فيه، ولا شكَّ (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ والعلاءِ، عن مجاهدٍ، قال: هو شهرٌ معلومٌ لا ينازَعُ (٤) فيه. حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: لا شكَّ في الحَجِّ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا حَجاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: المِراءُ [في الحَجِّ] (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾: قد تبيَّنَ

стр. 2138

الحَجُّ. قال: كانوا يحجُّون في (١) ذي الحِجةِ عامين، وفي المحرَّمِ عامين، ثم حجُّوا في صَفرٍ عامين، وكانوا يحجُّون في كلِّ سنةٍ في كلِّ شهرٍ عامين، حتى (٢) وافَقتْ حَجَّةُ أبي بكرٍ من العامَين في ذي القَعدةِ قبلَ حَجةِ النبيِّ ﷺ بسَنةٍ، ثم حجَّ النبيُّ ﷺ مِن قابلٍ في ذي الحِجَّةِ، فذلك حينَ يقولُ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إن الزَّمانَ قد استَدارَ كهَيئَتِه يومَ خلَق اللَّهُ السماواتِ والأرضَ" (٣). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. قال: بيَّن اللَّهُ أمرَ الحَجِّ ومعالِمَه، فليس فيه كلامٌ. وأولى هذه الأقوالِ في قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: قد بطَل الجدالُ في الحَجِّ ووقتِه، واستقام أمرُه ووقتُه على وقتٍ واحدٍ، ومناسكَ مُتفِقةٍ غيرِ مختلِفةٍ، فلا (٤) تنازُعَ فيه ولا مِراءَ. وذلك أن اللَّهَ أخبَر أن وقتَ الحَجِّ أشهُرٌ معلوماتٌ، ثم نفَى عن وقتِه الاختلافَ الذي كانتِ الجاهليةُ في شِرْكِها تختلِفُ فيه. وإنما اخترنا هذا التأويلَ في ذلك ورأيناه أولى بالصوابِ مما خالَفه؛ لِما قد قدَّمنا من البيانِ آنفًا في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. مِن (٥) أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ اللَّهُ خصَّ بالنهيِ [عنه عن معنى حالِ الإحرامِ وحالِ فرضِ الحاجِّ الحجَّ، إلا وذلك الذي خَصَّ بالنهيِ] (٦) عنه في تلك الحالِ مُطْلقٌ مباحٌ، في الحالِ التي يخالفُها، وهي حالُ

стр. 2139

الإحلالِ، وذلك أن حكمَ ما خُصَّ به مِن ذلك (١) حالَ الإحرامِ، إن كان سواءً فيه حالُ الإحرامِ وحالُ الإحلالِ، فلا وجهَ لخصوصِه به حالًا دونَ حالٍ وقد عمَّ به جميعَ الأحوالِ. فإذ كان ذلك كذلك، وكان لا معنى لقولِ القائلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. أن تأويلَه: لا تُمارِ صاحبَك حتى تُغضِبَه. إلا أحدَ معنيَين: إما أن يكونَ أراد: لا تُمارِه بباطلٍ حتى تُغضِبَه. فذلك ما لا وجهَ له؛ لأن اللهَ قد نهَى عن المِراءِ بالباطلِ في كلِّ حالٍ؛ محرِمًا كان المُمارى أو مُحِلًّا، فلا وجهَ لخصوصِ حال الإحرامِ بالنهيِ عنه؛ لاستواءِ حالِ الإحرامِ والإحلالِ في نهيِ اللَّهِ عنه. أو أن يكونَ أراد: لا تمارِه بحقٍّ. وذلك أيضًا ما لا وجهَ له؛ لأن المحرمَ لو رأى رجلًا يرومُ فاحشةً، كان الواجبُ عليه مِراءَهُ في دفعِه عنها، أو رآه يُحاولُ ظلمَه والذهابَ منه بحقٍّ له قد غصَبه عليه، كان عليه مِراؤُه فيه وجدالُه حتى يَتخلَّصَه منه. والجدالُ والمراءُ لا يكونُ بينَ الناس إلا من أحدِ وجهين: إما من قِبَلِ ظلمٍ، وإما من قِبَل حقٍّ. فإذا كان من أحدِ وجهَيْه غيرَ جائزٍ فعلُه بحالٍ، ومن الوجهِ الآخرِ غيرَ جائزٍ تركُه بحالٍ، فأيُّ وجوهِه التي خُصَّ بالنهيِ عنه حالَ الإحرامِ؟ وكذلك لا وجهَ لقولِ مَن تأوَّل ذلك أنه بمعنى السِّبابِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه قد نهَى المؤمنين بعضَهم عن سِبابِ بعضٍ على لسانِ رسولِه ﷺ في كلِّ حالٍ، فقال ﷺ : "سِبابُ المسلمِ فُسوقٌ، وقِتالُه كُفْرٌ" (٢). فإذ كان المسلمُ عن سبِّ المسلمِ مَنْهِيًّا في كلِّ حالٍ من أحوالِه، مُحْرِمًا كان أو غيرَ مُحْرِمٍ، فلا وجهَ لأنْ يقالَ له: لا تَسُبَّه في حالِ الإحرامِ إذا أحرَمتَ.

стр. 2140

وفيما رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ من الخبرِ الذي حدَّثنا به محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سَيَّارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رَجَع (١) مثلَ يومِ وَلدَتْه أُمُّه" (٢). حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْلِيُّ، قال: ثنا حجّاجٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سَيَّارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، خرَج مِن ذنُوبِه كيومِ وَلَدتْه أُمُّه". حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سيارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ . وذكَر (٣) مثلَ حديثِ ابنِ المثنى، عن وهبِ بنِ جريرٍ (٤). حدَّثني ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه أيضًا (٥). حدَّثني ابنُ المثنَّى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرني منصورٌ، قال: سمِعتُ أبا حازمٍ يُحدِّثُ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه. حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ

стр. 2141

عبيدِ اللَّهِ، عن الأعمشِ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، خرَج مِن ذنونِه كما ولدَتْه أمُّه" (١). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ وأبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال: رسولُ اللَّهِ ﷺ . فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: "رجَع كما ولَدتْه أُمُّه" (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شعبةَ، عن سَيّارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ [أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال] (٣). فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: "رجَع إلى أهلِه مثلَ يومِ ولَدتْه أُمُّه". حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيرٍ (٤)، عن إبراهيمَ بنِ طهمانَ، عن منصورٍ، عن هلالِ بنِ يِسَافٍ (٥)، عن أبي حازمٍ (٦)، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن حَجَّ هذا البيتَ - يعني الكعبةَ - فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجَع كيومِ ولَدتْه أمُّه" (٧).

стр. 2142

حدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا هُشيمُ بنُ بَشيرٍ، عن سَيَّارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن حجَّ للَّهِ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجَع كهيئةِ يومِ (١) ولَدتْه أمُّه" (٢). دلالةٌ واضحةٌ (٣) على أن قولَه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. بمعنى النَّفْيِ عن الحَجِّ أن يكونَ [فيه و] (٤) في وقتِه جدالٌ ومِراءٌ، دونَ النهيِ عن جدالِ الناسِ بينَهم فيما يَعْنِيهم من الأمورِ أو لا يَعْنِيهم، وذلك أنه ﷺ أخبرَ أن (٥) مَن حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُق، استحقَّ مِن اللَّهِ مِن (٦) الكرامةِ ما وصَف أنه استحقَّه بحجِّه، تاركًا للرفثِ والفسوقِ اللَّذَينِ نهَى اللَّهُ الحاجَّ عنهما في حجِّه مِن غيرِ أن يَضُمَّ إليهما الجدالَ. فلو كان الجدالُ الذي ذكَره اللَّهُ في قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. مما نهاه اللَّهُ عنه بهذه الآيةِ على نحوِ الذي تأوَّل ذلك مَن تأوَّله مِن أنه المِراءُ والخصوماتُ، أو السِّبابُ وما أشبَه ذلك، لمَا كان ﷺ لِيخُصَّ باستحقاقِ الكرامةِ التي ذُكِر أنه يستحقُّها الحاجُّ الذي وصَف أمرَه باجتنابِ خَلَّتَين مما نهاه اللَّهُ عنه في حجِّهِ دونَ الثالثةِ التي هي مقرونةٌ بهما. ولكن لما كان معنى الثالثةِ مخالفًا معنى صاحبتَيها في أنها خبرٌ على المعنى الذي

стр. 2143

وصَفنا، وأن الأُخريَين بمعنى النهيِ (١)، أخبَر النبيُّ ﷺ أن مُجْتَنِبَهما في حجِّه مستوجبٌ ما وصَف من إكرامِ اللَّهِ إياه بما (٢) أخبَر أنه مُكْرِمُه به، إذ كانتا بمعنى النهْيِ، وكان المُنتهِي عنهما للَّهِ مُطِيعًا بانتهائِه عنهما، وترَك ذِكْرَ الثالثةِ معهما (٣)، إذ لم تكنْ في معناهما، وكانت مخالِفةً سبيلُها سبيلَهما. فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بالقراءةِ من القراءاتِ، المخالَفَةُ بينَ إعرابِ "الجدالِ"، وإعرابِ "الرَّفَثِ" و"الفسوقِ"؛ ليعلمَ سامعُ ذلك - إذا كان من أهلِ الفهمِ باللغاتِ - أن الذي من أجلِه خُولِف بينَ إعرابَيهما اختلافُ مَعْنَيَيْهما، وإن كان صوابًا قراءةُ جميعِ ذلك باتفاقِ إعرابِه على اختلافِ معانِيه، إذ كانت العربُ قد تُتْبِعُ بعضَ الكلامِ بعضًا بإعرابٍ، مع اختلافِ المعانِي، وخاصّةً في هذا النوعِ من الكلامِ. فأعجَبُ القراءاتِ في ذلك عندي - إذ كان الأمرُ على ما وصَفتُ - قراءةُ من قرَأ: (فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالَ في الحجِّ). برفعِ "الرَّفَثِ" و"الفسوقِ" وتنوينِهما، وفتحِ الجدالِ بغيرِ تنوينٍ، وذلك هو قراءةُ جماعةِ البصريين، وكثيرٍ من أهلِ مكةَ؛ منهم عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، وأبو عمرِو بنُ العلاءِ (٤). وأما قولُ من قال: معناه النهيُ عن اختلافِ المختلِفين في أتَمِّهم حجًّا. والقائلين: معناه النهيُ عن قولِ القائلِ: غدًا الحَجُّ. مخالِفًا به قولَ الآخرِ: اليومَ الحجُّ. فقولٌ في حكايتهِ الكفايةُ عن الاستشهادِ على وَهائِه وضعفِه، وذلك أنَّه قولٌ

стр. 2144

لا تُدْرَكُ صحَّتُه إلا بخبرٍ مستفيضٍ، أو (١) خبرٍ صادقٍ يوجِبُ العلمَ أن ذلك كان كذلك، فنزلت الآيةُ بالنهيِ عنه، أو أن معنى ذلك في بعضِ معاني الجدالِ دون بعضٍ، ولا خبرَ بذلك بالصفةِ التي وصَفنا. وأما دَلالتُنا على ما قلنا - من أنه نَفْيٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن شهورِ الحَجِّ - الاختلافُ الذي كانت الجاهليةُ تختلفُ فيها (٢) بينَها قبلُ كما وصَفنا. وأما دَلالتُنا على أن الجاهليةَ كانت تفعلُ ذلك، فالخبرُ المستفيضُ في أهلِ الأخبارِ أن الجاهليةَ كانت تفعلُ ذلك، مع دَلالةِ قولِ اللَّه تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ الآية [التوبة: ٣٧]. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾. يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: افعَلوا أيُّها المؤمنون ما أمَرتُكم به في حَجِّكم من إتمامِ مناسكِكم فيه، وأداءِ فرْضِكم الواجبِ عليكم في إحرامِكم، وتجنُّبِ ما أمرتُكم بتجنُّبِه من الرفَثِ والفسوقِ في حجِّكم؛ لتَستوجِبوا به الثوابَ الجزيلَ منِّي (٣)، فإنكم مهما تفعَلوا من ذلك وغيرِه من خيرٍ وعملٍ صالحٍ، ابتغاءَ مرضاتي وطلبَ ثوابي، فإنِّي به عالمٌ، ولجميعِه مُحْصٍ حتى أوفِّيَكم أجرَه، وأجازِيَكم عليه، فإني لا تخفَى عليَّ خافيةٌ، ولا يَنكتِمُ عني ما أردتُم بأعمالِكم؛ لأني مُطَّلِعٌ على سرائرِكم، وعالمٌ بضمائرِ نفوسِكم.

стр. 2145

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ كانوا يحُجُّون بغيرِ زادٍ، وكان بعضُهم إذا أحرَم رمَى بما معه من الزادِ، واستأنَف غيرَه من الأَزْوِدَةِ، فأمَر اللَّهُ مَن لم يكنْ يتزوَّدُ منهم بالتزوُّدِ لسفرِه، ومَن كان منهم ذا زادٍ أن يَتحفَّظَ بزادِه ولا يَرميَ به. ذكرُ الأخبارِ التي رُوِيَت بذلك حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عبدِ الغفارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ سُوقةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: كانوا إذا أحرَموا ومعهم أَزْوِدَةٌ رمَوا بها، واستأنَفوا زادًا آخرَ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، فنُهوا عن ذلك وأمِروا أن يتزوَّدوا الكعكَ والدقيقَ والسَّوِيقَ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخَرِّمِيُّ (٢)، قال: ثنا شَبابةُ بنُ سَوّارٍ، قال: ثنا ورقاءُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانوا يحُجُّون ولا يتزوَّدُون، فنزَلت: ﴿اوَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٣). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في

стр. 2146

قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: الكعكُ والزيتُ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ عُيَينةَ، عن ابنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: هو الكعكُ والسَّويقُ (٢). حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عِكْرمةَ، قال: كان أناسٌ يحُجُّون ولا يتزوَّدون، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٣). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عطاءٍ، كُوفيٌّ (٤)، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ عُيَينةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ عطاءٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: التمرُ والسَّويقُ (٥). حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا حنظلةُ، قال: سُئل سالمٌ عن زادِ الحاجِّ، فقال: الخبزُ واللحمُ والتمرُ. قال عمرٌو: وسمِعتُ أبا عاصمٍ (٦) مرةً يقولُ: ثنا حنظلةُ، سُئل سالمٌ عن زادِ الحاجِّ، فقال: الخبزُ والتمرُ (٧).

стр. 2147

حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن هُشيمٍ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: كان ناسٌ من الأعرابِ يحُجُّون بغيرِ زادٍ ويقولون: نتوكَّلُ على اللَّهِ. فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١). حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن عمرَ بنِ ذَرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: كان الحاجُّ منهم لا يتزوَّدُ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى، عن عمرَ بنِ ذرٍّ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا عمرُ بنُ ذرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يسافِرون ولا يتزوَّدون، فنزَلت: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. وقال الحسنُ بنُ يحيى في حديثِه: كانوا يحُجُّون ولا يتزوَّدون (٢). حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْديُّ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن عمرَ بنِ ذرٍّ، عن مجاهدٍ نحوَه. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا عمرُ بنُ ذرٍّ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يحدِّثُ. فذكَر نحوَه. حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن أبي بِشرٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان أهلُ الآفاقِ يخرُجون إلى الحَجِّ يَتوصَّلون بالناسِ بغيرِ زادٍ، يقولون: نحن مُتوَكِّلون. فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.

стр. 2148

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾. قال: كان أهلُ الآفاقِ يخرُجون إلى (١) الحجِّ يتوصَّلون بالناسِ بغيرِ زادٍ، فأُمِروا أن يتزوَّدُوا (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: كان أهلُ اليمنِ [يقولون: لا (٣) نتَزوَّدُ. فيتوكَّلونَ] (٤)، يتوصَّلون بالناسِ، فأُمِروا أن يتزوَّدوا، ولا يستَغنِموا (٥). قال: وخيرُ الزادِ التقوى. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: كانوا لا يتزوَّدون، فأُمِروا بالزادِ، وخيرُ الزادِ التقوى. حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. فكان الحسنُ يقولُ: إن ناسًا مِن أهلِ اليمنِ كانوا يحُجُّون ويسافِرون ولا يتزوَّدُون، فأمَرهم اللَّهُ بالزادِ والنفقةِ في سبيلِ اللَّهِ، ثم أنبَأَهم أن خيرَ الزادِ التقوى (٦). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ في

стр. 2149

قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: قال قتادةُ: كان ناسٌ من أهلِ اليمنِ يحُجُّون ولا يتزوَّدون. ثم ذكَر نحوَ حديثِ بِشرٍ، عن يزيدَ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: كان ناسٌ من أهلِ اليمنِ يخرُجون بغيرِ زادٍ إلى مكةَ، فأمَرهم اللَّهُ أن يتزوَّدوا، وأخبرَهم أن خيرَ الزادِ التقوى (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: كان أناسٌ يخرُجون من أهلِيهم ليست معهم أزْوِدَةٌ، يقُولون: نَحُجُّ بيتَ اللَّهِ ولا يُطْعِمُنا؟ فقال اللَّهُ: تَزوَّدوا ما يكُفُّ وجوهَكم عن الناسِ (٢). حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: أخبرنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾: فكان ناسٌ باليمنِ يحُجُّون ولا يتزوَّدون، فأمَرهم اللَّهُ أن يتزوَّدوا، وأنبَأ أن خيرَ الزادِ التقوى (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قال: السَّويقُ والدقيقُ والكعكُ (٤). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال:

стр. 2150

الخُشْكَنَانجُ (١) والسَّويقُ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عبدِ الملكِ بنِ عطاءٍ البَكّائِيِّ (٣)، قال: سمعتُ الشعبيَّ يقولُ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: هو الطعامُ، وكان يومَئذٍ الطعامُ قليلًا. قال: قلتُ: وما الطعامُ؟ قال: التمرُ والسَّويقُ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾: وخيرُ زادِ الدنيا المنفعةُ من [الحَمولةِ و] (٥) اللباسِ والطعامِ والشرابِ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: كان ناسٌ يتزوَّدون إلى عقبةٍ، فإذا انتَهَوا إلى تلك العقبةِ، توكَّلوا ولم يتزوَّدوا [طعامًا، فأُمِروا أن يَتَزَوَّدوا] (٦). حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قال: ثنا المُحاربيُّ، قال: قال سفيانُ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: أُمِروا بالسَّويقِ والكعْكِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَني أبي، أنه سمِع

стр. 2151

عكرمةَ يقولُ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾. قال: هو السَّويقُ والدقيقُ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: كانت قبائلُ مِن العربِ يُحَرِّمون الزادَ إذا خرَجوا حُجَّاجًا وعُمَّارًا؛ [إلا أن] (٢) يَتضيَّفوا الناسَ، فقال اللَّهُ لهم: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٣). حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عِكرمةَ، قال: كان الناسُ يقدَمون مكةَ بغيرِ زادٍ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٤). فتأويلُ الآيةِ إذن: فمَن فرَض في أشهرِ الحَجِّ الحَجَّ فأحرَم فيهن، فلا يَرْفُثَنَّ ولا يَفْسُقَنَّ، فإنَّ أمْرَ الحَجِّ قد استقام لكم، وعرَّفكم ربُّكم ميقاتَه وحدودَه، فاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمَركم به ونَهاكم عنه من أمرِ حَجِّكم ومناسكِكم، فإنكم مهما تفعَلوا من خيرٍ أمَركم به، أو ندَبكم إليه يعلَمْه، وتزوَّدوا من أقواتِكم ما فيه بلاغُكم إلى أداءِ فرضِ ربِّكم عليكم في حَجِّكم ومناسكِكم؛ فإنَّه لا بِرَّ للهِ في تركِكم التزوُّدَ لأنفسِكم ومسألتِكم الناسَ، ولا في تَضْييعِ أقواتِكم وإفسادِها، ولكنَّ البرَّ في تقوى ربِّكم باجتنابِ ما نهاكم عنه في سفرِكم لحَجِّكم، وفعلِ ما أمَركم فيه (٥)، فإنه خيرُ الزادِ، فمنه تزوَّدُوا.

стр. 2152

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك رُوِي الخبرُ عن الضحاكِ بنِ مُزاحمٍ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: والتقوى عملٌ بطاعةِ اللَّهِ. وقد بيَّنا معنى "التقوى" فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: اتقونِ يا أهلَ العقولِ والأفهامِ، بأداءِ فرائضِي عليكم التي أوجبتُها عليكم في حَجِّكم ومناسكِكم، وغيرِ ذلك من دِيني الذي شرَعتُه لكم، وخافُوا عقابي باجتنابِ محارمي التي حرَّمتُها عليكم - تَنْجُوا بذلك مما تخافُون من غضبي عليكم وعقابي، وتُدركوا [به ما تَأمُلُون وتَرجُون مِن رِضايَ عنكم وجزيلِ ثوابي لكم، وتُدرِكوا] (٢) ما تطلُبون من الفوزِ بجنَّاتي. وخَصَّ جلَّ ذِكرُه بالخطابِ بذلك أُولي الألبابِ؛ لأنهم أهلُ التمييزِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وأهلُ الفكرِ الصحيحِ والمعرفةِ بحقائقِ الأشياءِ التي بالعقولِ تُدْرَكُ، وبالألبابِ تُفْهَمُ، ولم يَجعلْ لغيرِهم من أهلِ الجهلِ في الخطابِ بذلك حظًّا، إذ كانوا أشباحًا كالأنعامِ، وصُوَرًا كالبهائمِ، بل هم منها أضلُّ سبيلًا. والألبابُ: جمعُ لُبٍّ، وهو العقلُ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: ليس عليكم أيُّها المؤمنون جُناحٌ. والجُنَاحُ الحَرَجُ.

стр. 2153

كما حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: وهو لا حَرَجَ عليكم في الشراءِ والبيعِ قبلَ الإحرامِ وبعدَه (١). وقولُه: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: أن تَلْتَمِسوا فضلًا من عندِ ربِّكم. يقالُ منه: ابْتَغَيْتُ فضلًا من اللَّهِ، ومن فضلِ اللَّهِ، أبتَغِيه ابتغاءً، إذا طلبتَه والتمستَه، وبَغَيتُه أبغِيه بُغَاءً (٢). كما قال عبدُ بني الحَسْحاسِ (٣): بَغاكَ وما تَبْغيه حتى (٤) وَجَدْتَه … كأنَّك قد وَاعَدْتَه أمسِ مَوْعِدا يعني: طَلَبَك والتمسَكَ. وقيل: إن معنى ابتغاءِ الفضلِ من اللَّهِ، التماسُ رزقِ اللَّهِ بالتجارةِ، وإن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ كانوا لا يَرَوْن أن يَتَّجِروا إذا أَحرَموا، يَلْتَمِسون البِرَّ بذلك، فأَعلَمهم جلَّ ثناؤُه إلا بِرَّ في ذلك، وأنَّ لهم التماسَ فضلِه بالبيعِ والشراءِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن عمرَ بنِ ذَرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يَحُجُّون ولا يتَّجِرون، فأنزَل اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: في المواسمِ (٥). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا عمرُ بنُ ذَرٍّ، قال:

стр. 2154

سمعتُ مجاهدًا يُحدِّثُ، قال: كان ناسٌ لا يتَّجِرون أيامَ الحَجِّ، فنزَلت فيهم: ﴿[لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ] (١) أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرَنا أبو ليلي، عن بُرَيدةَ (٣) في قولِ اللَّهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: إذا كنتم مُحْرِمِين أن تَبِيعوا وتَشْتَروا. حدَّثني طَلِيقُ بنُ محمدٍ الواسِطيُّ، قال: أخبرَنا أسباطُ، قال: أخبرَنا الحسنُ (٤) بن عمرٍو، عن أبي أُمَامةَ التيْميِّ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: إنّا قومٌ نُكْرِي (٥)، فهل لنا حَجٌّ؟ قال: أليس تَطوفون بالبيتِ، وتأتون المُعَرَّفَ (٦)، وتَرْمون الجِمارَ، وتحلِقُون رُءوسَكم؟ فقلنا: بلى. قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فسأله عن الذي سألتَني عنه، فلم يَدْرِ ما يقولُ له، حتى نزَل جبريلُ ﵇ بهذه الآيةِ. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فقال النبيُّ ﷺ : "أنتم حُجَّاجٌ" (٧).

стр. 2155

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهابِ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن عكرمةَ، قال: كانت تُقرَأُ هذه الآيةُ: (ليس عليكم جُناحٌ أن تَبْتَغُوا فَضْلًا من ربِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (١). حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن منصورِ بنِ المُعْتمرِ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: هو التجارةُ في البيعِ والشراءِ، والبيعُ والاشتراءُ لا بأسَ به (٢). حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرَؤُها: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا من ربِّكم في مواسمِ الحجِّ) (٣). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن عليِّ بنِ مُسْهِرٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان مَتْجَرَ الناسِ في الجاهليةِ عُكاظٌ وذو المَجازِ (٤)، فلمَّا جاء الإسلامُ كأنهم كرِهوا ذلك، حتى أنزَل اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: حدَّثنا شَبابةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن

стр. 2156

أبي أُمَيمةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ، وسُئِل عن الرجلِ يَحُجُّ ومعه تحارةٌ، فقرَأ ابنُ عمرَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانوا لا يَتَّجِرون في أيامِ الحَجِّ، فنزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا حجاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: (ليس عليكم جُناحٌ أن تَبْتَغُوا فضلًا من ربِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدَّثنا طلحةُ بنُ عمرٍو الحَضْرَميُّ، عن عطاءٍ قولَه: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسمِ الحَجِّ). هكذا قرَأها ابنُ عباسٍ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: التجارةُ في الدنيا، والأجرُ في الآخرةِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ

стр. 2157

رَبِّكُمْ﴾. قال: التجارةُ في المواسمِ، أُحِلَّت لهم في المواسمِ. قال: فكانوا لا يَبِيعون أو يَبْتَاعون في الجاهليةِ بعرفةَ [ولا بمنًى] (١). حدَّثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: كان هذا الحيُّ من العربِ لا يُعَرِّجون على كسيرٍ ولا على ضالَّةٍ [ليلةَ النَّفْرِ] (٢)، وكانوا يُسمُّونها ليلةَ الصَّدَرِ (٣)، ولا يطلُبون فيها تجارةً ولا بيعًا، فأحلَّ اللَّهُ ذلك كلَّه للمؤمنين، أن يُعَرِّجوا على حوائجِهم، ويَبْتَغوا من فضلِ ربِّهم (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ عُيَينةَ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ أبي يزيدَ، قال: سمِعتُ ابنَ الزبيرِ يقولُ: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (٥).

стр. 2158

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ عُيَينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كانت ذو المَجازِ وعُكاظٌ مَتْجَرًا للناسِ في الجاهليةِ، فلما جاء الإسلامُ ترَكوا ذلك حتى نزَلت: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (١). حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ والمثنى بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: كان بعضُ (٢) الحَاجِّ يُسَمَّوْن الدَّاجَّ (٣)، فكانوا ينزِلون في الشِّقِّ الأيسرِ من مِنًى، وكان الحَاجُّ ينزِلون عندَ مسجدِ مِنًى، فكانوا لا يتَّجِرون، حتى نزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فحَجُّوا. حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ ذَرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: كان الناسُ يَحُجُّون ولا يَتَّجِرون، حتى نزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فرُخِّص لهم في المَتْجَرِ والرُّكوبِ والزادِ (٤).

стр. 2159

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: هي التجارةُ، يقولُ: اتَّجِرُوا في الموْسمِ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمي، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: كان الناسُ إذا أحرَموا لم يَتبايَعوا حتى يَقضُوا حَجَّهم، فأحَلَّه اللَّهُ لهم (١). حدَّثني المثنى، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدثنا سفيانُ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانوا يَتَّقُون البيوعَ والتجارةَ أيامَ المَوسمِ، يقولون: أيامُ ذِكْرٍ. فأنزَل اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فحَجُّوا (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرَؤُها: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُم في مواسمِ الحَجِّ) (٣). حدَّثني المثنى، قال: حدثنا الحِمَّانيُّ، قال: حدثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: لا بأسَ بالتجارةِ في الحَجِّ. ثم قرَأ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١). حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ

стр. 2160

أنسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: كان هذا الحيُّ من العربِ لا يُعَرِّجون على كسيرٍ، ولا على ضالَّةٍ، ولا ينتظِرون لحاجةٍ، وكانوا يسمُّونها ليلةَ الصَّدَرِ، ولا يطْلُبون فيها تجارةً، فأحلَّ اللَّهُ ذلك كلَّه أن يُعرِّجوا على حاجتِهم (١)، وأن يَبْتَغُوا (٢) فضلًا مِن ربِّهم (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَنْدَلٌ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ المُهاجِرِ، عن أبي صالحٍ مولى عمرَ، قال: قلتُ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، كنتم تَتَّجِرون في الحَجِّ؟ قال: وهل كانت معايِشُهم إلا في الحَجِّ (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن العلاءِ بنِ المُسيَّبِ، عن رجلٍ من بني تَيمِ اللَّهِ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إنَّا قومٌ نُكْرِي، فيزعُمون أنَّه ليس لنا حَجٌّ! قال: ألسْتم تُحرِمُون كما يُحرِمُون، وتَطوفون كما يَطوفون، وتَرْمون كما يَرْمون؟ قال: بلى. قال: فأنتم (٥) حاجٌّ؛ جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فسأله عما سألتَ عنه، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٦).

стр. 2161

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كانوا إذا أفاضوا من عرفاتٍ لم يَتَّجِروا بتجارةٍ، ولم يُعَرِّجوا على كَسيرٍ، ولا على ضالَّةٍ، فأحلَّ اللَّهُ ذلك، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. إلى آخرِ الآيةِ (١). حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت عُكاظٌ ومَجَنَّةُ (٢) وذو المَجازِ أسواقًا في الجاهليةِ، فكانوا يَتَّجِرون فيها، فلمَّا كان الإسلامُ كأنهم تأثَّمُوا منها، فسألوا النبيَّ ﷺ ، فأنزَل اللَّهُ: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (٣). القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾: فإذا رجَعتم من حيثُ بدَأتُم. ولذلك قيل للذي يضرِبُ القِداحَ بينَ الأَيْسارِ (٤): مُفِيضٌ. لجمعِه القداحَ، ثم إفاضتِه إياها بينَ الياسِرين (٥). ومنه قولُ بشرِ بنِ أبي خازمٍ (٦) الأسديِّ (٧):

стр. 2162

فَقُلتُ لها رُدِّي إليه (١) حَياتَه (٢) … فَرَدَّتْ كما رَدّ المَنِيحَ (٣) مُفِيضُ ثم اختلَف أهلُ العربيةِ في "عرفاتٍ"، والعلةِ التي من أجلِها صُرِفت وهي مَعْرِفةٌ، وهل هي اسمٌ لبقعةٍ واحدةٍ، أم هي لجماعةِ بِقاعٍ؟ فقال بعضُ نحويِّي البصريين (٤): هي اسمٌ كان لجماعةٍ مثل مُسلماتٍ ومُؤمناتٍ، سُمِّيَت به بُقعةٌ واحدةٌ، فَصُرِفت لمَّا سُمِّيَت به البقعةُ الواحدةُ، إذ كان مصروفًا قبلَ أن تسمَّى به البقعةُ، ترْكًا منهم له على أصلِه؛ لأن التاءَ فيه صارت بمنزلةِ الياءِ والواوِ في "مسلمين ومسلمون"؛ لأنه تذكيرُه، فصار التنوينُ بمنزلةِ النونِ، فلمَّا سُمِّي به تُرِك على حالِه، كما يُترَكُ "مسلمون" إذا سُمِّي به على حالِه. قال: ومِن العربِ مَن لا يصرِفُه إذا سمَّى به، ويشبِّهُ "التاءَ" بهاءِ التأنيثِ، وذلك قبيحٌ ضعيفٌ. واستَشهد بقولِ الشاعرِ (٥): تَنَوَّرْتُها مِن أذْرِعاتٍ (٦) وأهْلُها … بيَثربَ أدْنى دارِها نَظَرٌ عَالِ قال: ومنهم مَن لا يُنوِّنُ "أذرِعات"، وكذلك "عانات" (٧)، وهو مكانٌ. وقال بعضُ نحويِّي الكوفيين: إنما انصرَفت عرفاتٌ؛ لأنهن على جماعٍ مؤنثٍ بـ "التاءِ".

стр. 2163

قال: وكذلك ما كان على (١) جماعٍ مؤنثٍ بـ "التاءِ"، ثم سَمَّيتَ به رجلًا أو مكانًا أو أرضًا أو امرأةً، انصرَفتْ. قال: ولا تكادُ العربُ تُسمِّي شيئًا من الجماعِ إلا جِماعًا، ثم تجعلُه بعدَ ذلك واحدًا. وقال آخرُ (٢) منهم: ليست عرفاتٌ حكايةً، ولا هي اسمٌ منقولٌ، ولكنَّ الموضعَ سُمِّي هو وجوانبُه بعرفاتٍ، ثم سُمِّيت بها البُقْعةُ، فهي (٣) اسمٌ للموضعِ، لا ينفردُ واحدُها. قال: وإنما يجوزُ هذا في الأماكنِ والمواضعِ، ولا يجوزُ ذلك في غيرِها من الأشياءِ. قال: ولذلك نَصَبتِ العربُ "التاءَ" في ذلك؛ لأنه موضعٌ، ولو كان مَحْكِيًّا لم يكنْ ذلك فيه جائزًا؛ لأنَّ مَن سَمَّى رجلًا بـ "مسلماتٍ" أو "مسلمين" لم يَنقُلْه في الإعرابِ عمَّا كان عليه في الأصلِ، فلذلك خالَف "عاناتٍ" و"أذرِعاتٍ" ما سُمِّي به من الأسماءِ على وجْهِ الحكايةِ. واختلَف أهلُ العلمِ في المعنى الذي مِن أجلِه قيل لعرفاتٍ: عرفاتٌ؛ فقال بعضُهم: قِيل لها ذلك مِن أجلِ أنَّ إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ لمَّا رآها عرَفها بنعتِها الذي كان لها عندَه، فقال: قد عَرَفتُ. فسُمِّيت عرفاتٍ بذلك. وهذا القولُ مِن قائلِه يدلُّ على أنَّ عرفاتٍ اسمٌ للبُقْعةِ، وإنما سمِّيتْ بذلك لنفسِها وما حولَها، كما يقالُ: ثوبٌ أخلاقٌ، وأرضٌ سَباسبُ (٤). فتُجمَعُ بما حولَها.

стр. 2164

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما أذَّن إبراهيمُ في الناسِ بالحَجِّ، فأجابُوه بالتلبيةِ، وأتاه مَن أتاه، أمَره اللَّهُ أن يخرُجَ إلى عرفاتٍ، ونعَتَها، فخرَج، فلما بلَغ الشجرةَ عندَ العقبةِ، استقبَله الشيطانُ يرُدُّه، فرماه بسبعِ حَصَياتٍ، يُكبِّرُ مع كلِّ حصاةٍ، فطار فوقَع على الجمرةِ الثانيةِ، فصدَّه أيضًا، فرَماه وكبَّر، فطار فوقَع على الجمرةِ الثالثةِ، فرماه وكبَّر، فلما رأى أنَّه لا يطيعُه، فلم يدْرِ إبراهيمُ أين يذهَبُ، فانطلَق حتى أتَى ذا المَجازِ، فلمَّا نظَر إليه فلم يعرِفْه، جاز، فلذلك سُمِّي ذا المَجازِ، ثم انطلَق حتى وقَع بعرفاتٍ، فلما نظَر إليها عَرَف النَّعتَ، قال: قد عَرَفتُ. فسُمِّي عرفاتٍ. فوقَف إبراهيمُ بعرفاتٍ، حتى إذا أمسَى ازدَلف إلى جَمْعٍ، فسمِّيَت المُزْدَلِفةَ، فوقَف بجمعٍ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن سليمانَ التَّيميِّ، عن نُعَيمِ بنِ أبِي هندٍ، قال: لما وقَف جبريلُ بإبراهيمَ ﵉ بعرفاتٍ، قال: عَرَفتُ. فسُمِّيت عَرفاتٍ لذلك (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قال ابنُ المُسَيَّبِ: قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: بعَث اللَّهُ جبريلَ إلى إبراهيمَ فحَجَّ به، حتى إذا أتَى عرفةَ، قال: قد عَرَفتُ. وكان قد أتاها مرَّةً قبلَ ذلك، ولذلك

стр. 2165

سُمِّيت عَرَفةَ (١). وقال آخرون: بل سُمِّيت بذلك بنفسِها، وببقاعٍ أُخَرَ سواها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ قال: ثنا وَكيعٌ، [عن الربيعِ] (٢) بنِ مسلمٍ القُرَشيِّ، عن ابنِ (٣) طِهْفةَ، عن أبي الطُّفَيلِ، عن ابنِ عباسٍ قال: إنما سُمِّيت عرفاتٍ؛ لأن جبريلَ كان يقولُ لإبراهيمَ: هذا موضعُ كذا، وهذا موضعُ كذا. فيقولُ: قد عَرَفتُ، [قد عرَفتُ] (٤). فلذلك سُمِّيت عَرفاتٍ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ، قال: إنما سُمِّيت عَرفةَ أن جبريلَ كان يُرِي إبراهيمَ المناسكَ، فيقولُ: عَرَفتُ، عَرَفتُ. فسُمِّي عَرفاتٍ (٦). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن زكريا، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: أصلُ الجبلِ الذي يلي عُرَنَة (٧) وما وراءَه موقفٌ، حتى يأتيَ الجبلَ جبلَ عَرفةَ (٨).

стр. 2166

وقال ابنُ أبي نجيحٍ: عرفاتٌ: [النَّبْعَةُ والنُّبَيْعَةُ] (١)، وذاتُ النابتِ، وذلك قولُ اللَّهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾. وهو الشِّعْبُ الأوسطُ. وقال زكريا: ما سال مِن الجبلِ الذي يقِفُ عليه الإمامُ إلى عَرَفةَ، فهو مِن عَرَفةَ، وما دَبَرَ ذلك الجبلِ فليس من عَرفةَ. وهذا القولُ يدلُّ على أنها سمِّيت بذلك نظيرَ ما يُسمَّى الواحدُ باسمِ الجماعةِ المختلفةِ الأشخاصِ. وأولى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك عندي أن يقالَ: هو اسمٌ لواحدٍ سُمِّي بجماعٍ، فإذا صُرِف ذُهِب به مَذْهبَ الجِماعِ الذي كان له في الأصلِ، وإذا تُرِك صَرْفُه ذُهِب به إلى أنه اسمٌ لبقعةٍ واحدةٍ معروفةٍ، فتُرِك صَرْفُه كما يُترَكُ صرفُ أسماءِ الأمصارِ والقرَى المعارفِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. يعني جلَّ ثناؤه بذلك: فإذا أفضْتُم فَكَرَرْتُم راجِعين مِن عَرفةَ إلى حيثُ بدأتُم الشخوصَ إليها منه ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾. يعني بذلك الصلاةَ والدعاءَ عندَ المَشْعرِ الحرامِ. وقد بيَّنا قبلُ أن المشاعرَ هي المعالمُ، من قولِ القائلِ: شَعَرتُ بهذا الأمرِ. أي: علِمتُ (٢). والمَشْعَرُ هو المَعْلمُ، سُمِّي بذلك لأن الصلاةَ عندَه والمُقَامَ والمَبِيتَ والدُّعاءَ مِن معالمِ الحَجِّ وفروضِه التي أمَر اللَّهُ تعالى ذكرُه بها عبادَه، وقد

стр. 2167

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن زكريا، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، قال: يُستحبُّ للحاجِّ أن يُصلِّيَ في منزلِه بالمُزْدلفةِ إن استطاع، وذلك أن اللَّهَ قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾. فأما المَشْعَرُ، فإنه هو ما بينَ جَبلي (١) المُزْدلفةِ من [حدِّها إلى مُفْضَى] (٢) مَأْزِمَيْ (٣) عَرفةَ إلى مُحَسِّرٍ، وليس مَأْزِمَا عَرفةَ من المشعرِ. وبالذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: حدثنا إسرائيلُ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: رأى ابنُ عمرَ الناسَ يزدَحِمون على الجُبيلِ بجَمْعٍ، فقال: أيُّها الناسُ، إن جَمْعًا كلَّها مَشْعَرٌ (٤). حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا حجاجٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنه سُئِل عن قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. قال: هو الجبلُ وما حولَه (٥). حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن

стр. 2168

حكيمِ بنِ جُبَيرٍ، [عن سعيدِ بنِ جبيرٍ] (١)، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما بينَ الجبلَين اللذيْن بجَمْعٍ مَشْعَرٌ (٢). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن السُّدِّيِّ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ مثلَه (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، وحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: سألتُه عن المشعرِ الحرامِ، فقال: ما بينَ جبلي المُزْدَلفةِ (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: المَشعرُ الحرامُ المُزْدَلفةُ كلُّها (٥). قال مَعْمرٌ: وقاله قتادةُ (٦). حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. قال: ما بينَ جَبلي المُزْدَلفةِ هو المشعرُ الحرامُ (٧). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: أخبرَنا [أبي، عن] (٨) أبي إسحاقَ،

стр. 2169

عن عمرِو بنِ ميمونٍ، قال: سألتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمروٍ (١) عن المشعرِ الحرامِ، فقال: إنِ انطلقتَ معي أعلمْتُكَه. قال: فانطلقتُ معه، فوقَفنا، حتى إذا أفاض الإمامُ سار وسِرْنا معه، حتى إذا هبَطَت أيدي الرِّكابِ وكُنا في أقصى الجبالِ مما يلي عرفاتٍ قال: أين السائل عن المشعرِ الحرامِ؟ أخذتَ فيه؟ قلتُ: ما أخذتُ فيه. قال: كلُّها مَشاعِرُ إلى أقصى الحَرَمِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ الأوْدِيِّ، قال: سألتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو عن المشعرِ الحرامِ، قال: إن تَلْزَمْني أُرِكَه قال: فلما أفاضَ الناسُ من عَرفةَ، تَهَبَّطَتْ (٢) أيدي الرِّكابِ في أدنى الجبالِ، قال: أين السائلُ عن المشعرِ الحرامِ؟ قال: قلتُ: ها أنا ذا (٣). قال: أخذتَ فيه؟ قلتُ: ما أخذتُ فيه. قال: حينَ تَهَبَّطَتْ (٢) أيدي الركابِ في أدنى الجبالِ، فهو مَشْعَرٌ إلى مكةَ (٤). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عُمارةَ بنِ زاذانَ، عن مكحولٍ الأزْدِيِّ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ يومَ عرفةَ عن المَشْعَرِ الحرامِ؟ فقال: الْزَمْنِي. فلما كان من

стр. 2170

الغدِ وأتَينا المُزْدَلفةَ، قال: أين السائلُ عن المشعَرِ الحرامِ؟ هذا المشعَرُ الحرامُ. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال ثنا ابن أبِي زائدةَ، قال: أخبَرَنا داودُ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: المشعرُ الحرامُ المزْدَلفةُ كلُّها. حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: أخبَرنا (١) ابنُ جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أين المُزْدَلفةُ؟ قال: إذا أفَضتَ من مَأْزِمَي عَرفةَ، فذلك إلى مُحَسِّرٍ. قال: وليس المَأْزِمان مَأْزِما عَرفةَ مِن المُزْدَلفةِ، ولكن مُفْضَاهما (٢). قال: فقِفْ بينَهما (٣) إنْ شئتَ، وأحبُّ إليَّ أنْ تَقِفَ دونَ قُزَحَ (٤)، هلُمَّ إلينا من أجلِ طريقِ الناسِ (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: رَآهم ابنُ عمرَ يزدَحمون على قُزَحَ، فقال: علامَ يزدَحِمُ هؤلاء؟ كلُّ (٦) ما ههنا مَشْعَرٌ (٧). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المشعَرُ الحرامُ المُزْدَلفةُ كلُّها.

стр. 2171

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: وذلك ليلةُ جَمْعٍ. قال قتادةُ: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: ما بينَ الجبلَين مَشْعَرٌ. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: المشعَرُ الحرامُ هو ما بينَ جبالِ المزدَلفةِ، ويقالُ: هو قَرْنُ قُزَحَ. حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: وهي المُزْدَلفةُ، وهي جَمْعٌ. وذُكِر عن عبدِ الرحمن بنِ الأسودِ ما حدَّثنا به هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ، قال: لم أجِدْ أحدًا يُخبِرُني عن المشعَرِ الحرامِ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال. ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ يقولُ: المَشْعَرُ الحرامُ ما بينَ جبلي المُزْدَلفةِ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسٌ، عن حكيمِ بنِ جُبَيرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن المشعَرِ الحرامِ؟ فقال: ما أدري. وسألتُ ابنَ عباسٍ، فقال: ما بينَ الجبلَين. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي

стр. 2172

إسحاقَ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ قال: الجبيلُ وما حولَه مشاعِرُ (١). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُوَيرٍ، قال: وقَفتُ مع مجاهدٍ على الجُبَيلِ، فقال: هذا المشعَرُ الحرامُ. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبِي إسحاقَ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الجُبَيلُ وما حولَه مشاعِرُ. قال أبو جعفر: وإنما جعَلْنا أوَّلَ حدِّ المشعَرِ مما يلي مِنًى مُنْقطعَ وادي مُحَسِّرٍ مما يلي المُزْدَلفةَ؛ لأن المثنى حدَّثني، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "عَرَفةُ كُلُّها مَوْقِفٌ إلا عُرَنَةَ، وجَمْعٌ كُلُّها مَوْقِفٌ إلا مُحَسِّرًا" (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى هُشَيمٌ، عن حَجَّاجٍ، عن ابن أبي مُلَيكَةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ الزبيرِ أنه قال: كلُّ مُزْدَلفةَ مَوقِفٌ إلا واديَ مُحَسِّرٍ (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حَجاجٍ، قال: أخبرَني مَن سمِع عُرْوةَ بنَ الزبيرِ يقولُ مثلَ ذلك. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ في خطبتِه: تَعَلَّمُنَّ أن عرفةَ كلَّها مَوْقِفٌ إلا بطنَ عُرَنَةَ، تَعَلَّمُنَّ أن المُزْدَلفةَ كلَّها مَوقِفٌ إلا بطنَ مُحَسِّرٍ (٤).

стр. 2173

غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك فإني أختارُ للحَاجِّ أنْ يجعَلَ وقوفَه لذكْرِ اللَّهِ من المشعَرِ الحرامِ على قُزَحَ وما حولَه؛ لأن أبا كريبٍ حدَّثنا، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ مُجَمِّعٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ المخزوميِّ، عن زيدِ بنِ عليٍّ، [عن أبيه] (١)، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبي رافعٍ (٢)، عن عليٍّ، قال: لما أصبَح رسولُ اللَّهِ ﷺ بالمُزْدَلفةِ، غدا فوقَف على قُزَحَ، وأردَف الفضلَ (٣)، ثم قال: "هذا الموقِفُ، وكلُّ مُزْدَلفةَ مَوقِفٌ" (٤). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ مُجَمِّعٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، عن زيدِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبي رافعٍ، عن أبي رافعٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بنحوِه. حدَّثنا هَنَّادٌ وأحمدُ بنُ حَمّادٍ الدُّولابيُّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابنِ المُنْكَدِرِ، عن سعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ يَرْبوعٍ، عن ابنِ (٥) الحويرثِ، قال: رأيتُ أبا بكرٍ واقِفًا على قُزَحَ وهو يقولُ: أيُّها الناسُ، أصْبِحوا، أيُّها الناسُ، أصْبِحوا. ثم دفَع (٦).

стр. 2174

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ، عن يوسفَ بنِ مَاهَكَ، قال: حَجَجْتُ مع ابنِ عمرَ، فلما أصبَح بجَمْعٍ صلَّى الصُّبْحَ، ثم غدَا وغدَونا معه حتى وقَف مع الإمامِ على قُزَحَ، ثم دفَع الإمامُ، فدفَع بدَفْعتِه. وأمَّا قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو (١) حينَ صار بالمُزْدَلفةِ: هذا كلُّه مشاعِرُ إلى مكةَ. فإن معناه أنها معالِمُ من معالِمِ الحَجِّ، يُنْسَكُ في كلِّ بقعةٍ منها بعضُ مناسكِ الحَجِّ، لا أن كلَّ ذلك المشعَرُ الحرامُ الذي يكونُ الواقفُ حيثُ وقَف منه إلى بطنِ مكةَ قاضِيًا ما عليه من الوقوفِ بالمشعَرِ الحرامِ من جَمْعٍ. وأما قولُ عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ: لم أجِدْ أحدًا يُخبِرُني عن المشعَرِ الحرامِ. فإنه يَحتملُ أن يكونَ أراد: لم أجِدْ أحدًا يُخبِرُني عن حدِّ أوّلِه ومُنْتَهَى آخِرِه على حقِّه وصِدْقِه؛ لأن حدودَ ذلك على صحتِها حتى لا يكونَ فيها زيادةٌ ولا نقصانٌ لا يحيطُ بها إلا القليلُ من أهلِ المعرفةِ بها، غيرَ أن ذلك وإن لم يقِفْ على حَدِّ أوّلِه ومُنْتَهَى آخرِه وقوفًا لا زيادةَ فيه ولا نقصانَ إلا مَن ذكرتُ، فموضِعُ الحاجةِ للوقوفِ لا خفاءَ به على كبيرِ (٢) أحدٍ من سكانِ تلك الناحيةِ وكثيرٍ مِن غيرِهم، وكذلك سائرُ مشاعرِ الحَجِّ والأماكنِ التي فرَض اللَّهُ على عبادِه أن يَنْسُكوا عندَها كعرفاتٍ ومِنًى والحَرَمِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: واذكُروا اللَّهَ أيُّها المؤمنون عندَ المشعرِ الحرامِ بالثناءِ عليه، والشكرِ له على أياديه عندَكم، وليكنْ ذكرُكم إياه بالخضوعِ لأمرِه، والطاعةِ

стр. 2175

له، والشكرِ له على ما أنعَم عليكم من التوفيقِ، لِما وفَّقكم له من سننِ إبراهيمَ خليلِه، بعدَ الذي كنتم (١) فيه مِن الشركِ والحَيْرةِ والعمَى عن طريقِ الحقِّ، وبعدَ الضلالةِ، كذكرِه إيَّاكم بالهدَى، حتى اسْتَنْقَذَكم من النارِ به، بعدَ أن كنتم على شفا حُفرةٍ منها، فنَجَّاكم منها، وذلك هو معنى قولِه: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾. وأما قولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾. فإن من أهلِ العربيةِ مَن يوجِّهُ تأويلَ "إن" إلى (٢) "ما"، وتأويلَ اللامِ التي في ﴿لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ إلى "إلا". فتأويلُ الكلامِ على هذا المعنى: وما كنتم من قبلِ هدايةِ اللَّهِ إيَّاكم لِما هداكم له من ملةِ خليلِه إبراهيمَ التي اصطفاها لمَنْ رضِي عنه من خلْقِه إلا من الضالين. ومنهم مَن يوجِّهُ تأويلَ "إن" إلى "قد"، فمعناه على قولِ قائلي (٣) هذه المقالةِ: واذكُروا اللَّهَ أيُّها المؤمنون كما ذكَركم بالهدَى، فهداكم لِما رضِيَه من الأديانِ والمِلَلِ، وقد كنتم من قبلِ ذلك مِن الضالين. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، ومَن المَعْنِيُّ بالأمرِ بالإفاضةِ من حيثُ أفاض الناسُ؟ ومَن الناسُ الذين أُمِروا بالإفاضةِ مِن مَوْضعِ إفاضتِهم؟ فقال بعضُهم: المَعْنِيُّ بقولِه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾: قريشٌ ومَن ولَدَته قريشٌ، الذين كانوا يُسَمَّون في
следующие страницы →