فتأويلُ الكلامِ: ورسولًا إلى بني إسرائيلَ بأني قد جئْتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم بأن أخْلُقَ لكم مِن الطينِ كهيئةِ الطيرِ.
والطيرُ جمعُ طائرٍ.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ أهل الحجازِ: (كهيئةِ الطائرِ فأَنْفُخُ فيه فيَكُونُ طائرًا). على التوحيدِ (١).
وقرَأه آخرون: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، على الجماعِ فيهما (٢).
وأعجب القراءاتِ إليَّ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾. على الجِماعِ فيهما جميعًا؛ لأن ذلك كان مِن صفةِ عيسى أنه يَفْعَلُ ذلك بإذنِ اللهِ، وأنه الموافقُ لخطِّ المصحفِ. واتِّباعُ خطِّ المصحفِ مع صحةِ المعنى واستِفاضة القراءةِ به، أعجبُ إليَّ مِن خلافِ المُصحفِ.
وكان خلقُ عيسى ما كان يَخْلُقُ مِن الطيرِ كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، أن عيسى صلواتُ اللهِ عليه جلَس يومًا مع غِلمانٍ مِن الكُتّابِ، فأَخَذ طينًا، ثم قال: أَجْعَلُ لكم مِن هذا الطينِ طائرًا؟ قالوا: وتَستطيعُ ذلك؟! قال: نعم بإذن ربي. ثم هيَّأَه حتى إذا جعَله في هيئةِ الطائرِ نفَخ فيه، ثم قال: كن طائرًا بإذنِ اللهِ. فخرَج يَطِيرُ بينَ كفَّيْهِ، فخرَج الغلمانُ بذلك مِن أمرِه، فذكَروه لمعلِّمِهم، فأفشَوه في الناسِ، وتَرَعْرَعَ، فهمَّت به بنو إسرائيلَ، فلمّا خافت أمُّه عليه، حُمَيِّرٍ على حُميِّرٍ لها، ثم خرَجت به هاربةً (٣).
стр. 3537
وذُكر أنه لمّا أراد أن يَخْلُقَ الطيرَ من الطينِ سألهم: أيُّ الطيرِ أشدُ خلقًا؟ فقيل له: الخُفّاشُ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قوله: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾. قال: أيُّ الطيرِ أَشدُّ خلقًا؟ قالوا: الخُفاشُ، إنما هو لحمٌ. قال: ففعَل (١).
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ وقد قيل: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر﴾؟
قيل: لأن معنى الكلام: فأَنْفُخُ في الطيرِ. ولو كان ذلك: فأَنْفُخُ فيها. كان صحيحًا جائزًا، كما قال في المائدةِ: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠]. يريدُ: فتَنْفُخُ في الهيئةِ.
وقد ذُكِر أن ذلك في إحدى القراءتين: (فأنْفُخُها) بغير "في" (٢). وقد تَفْعَلُ العربُ مثلَ ذلك، فتقولُ: رُبَّ ليلةٍ قد بتُّها، وبتُّ فيها. قال الشاعرُ (٣):
ما شُقَّ جَيْبٌ ولا قامَتْكَ نائحةٌ … ولا بكَتْكَ جِيادٌ عندَ أَسْلابِ
بمعَنى: ولا قامت عليك. وكما قال آخَرُ:
إحدَى بَنِي عَيِّذِ اللهِ (٤) اسْتَمَرَّ بها … حُلْوُ العُصارةِ حتى يُنْفَخَ الصُّوَرُ
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾.
يَعنى بقولِه: ﴿وَأُبْرِئُ﴾: وأَشْفِى. يُقالُ منه: أَبْرَأ اللهُ المريضَ [من مرضِه] (٥).
стр. 3538
إذا شفاه منه، فهو يُبْرئُه إبراءً، وبرَأ المريضُ فهو يَبْرأُ بَرْءًا. وقد يقالُ أيضًا: بَرِئَ المريضُ فهو يَبْرأُ، لغتانِ معْروفتانِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى الأَكْمَةِ؛ فقال بعضُهم: هو الذي لا يُبْصِرُ بالليلِ ويُبْصِرُ بالنهارِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾. قال: الأكمهُ الذي يُبْصِرُ بالنهارِ ولا يُبْصِرُ بالليلِ، فهو يَتَكَمَّهُ (١).
حدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخرون: هو الأعمى الذي ولَدتْه أمُّه كذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: كُنا نُحَدَّثُ أَن الأكمةَ الذي وُلِد وهو أعمَى، مضمومَ (٢) العَينينِ (٣).
حدَّثني المُثَنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قَتادةَ
стр. 3539
في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ قال: كُنا نُحدَّثُ أن الأكمهَ الذي وُلِد وهو أعمَى، مضمومَ العينينِ.
حُدِّثتُ عن المِنجابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ (١) عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحّاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الأكمهُ الذي يُولَد وهو أعمَى (٢).
وقال آخرون: بل هو الأعمَى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾: هو الأعمى (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الأعمَى (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال: الأَكْمَهُ الأعمَى (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنفيُّ، عن عبّادِ بن منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال: الأعمَى (٦).
стр. 3540
وقال آخرون: هو الأعمشُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حَفْصُ بْنُ عمرَ، عن الحكَمِ بن أَبَانٍ، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال: الأعمشُ (١).
والمعروفُ عندَ العربِ مِن معنَى الكَمَه العمَى، يُقالُ منه: كَمِهَت عينُه، فهى تَكمَهُ كمَهًا، وكمَّهْتُها (٢)، أنا، إذا أعميتَها، كما قال سويدُ بنُ أبى كاهلٍ (٣):
[كمَّهَتْ عَيْنَيه] (٤) حتى ابْيضَّتا … فهْو يَلْحَى نَفْسَهُ لمَّا نَزَعْ
ومنه قول رؤبة (٥):
هَرَّجْتُ (٦) فَارْتَدَّ ارتِدادَ الأكمَهِ
في غائلاتِ (٧) الحائِرِ (٨) المُتَهْتِهِ (٩)
وإنما أخبَر اللهُ عن عيسى صلواتُ اللهِ عليه أنه يَقُولُ ذلك لبنى إسرائيلَ؛ احتجاجًا منه بهذه العِبَرِ والآياتِ عليهم في نبوَّتِه، وذلك أن الكَمَةَ
стр. 3541
والبَرَصَ لا علاجَ لهما فيَقْدرَ على إبرائِه ذو طبٍّ بعلاجٍ (١)، فكان ذلك مِن أدلتِه على صِدقِ قيلِه: إنه للهِ رسولٌ؛ لأنه مِن المعجزاتِ، مع سائرِ الآياتِ التي أعطاه اللهُ إياها دَلالةً على نبوَّتِه.
فأمَّا ما قال عكرمةُ، من أن الكَمَهَ العَمَشُ، وما قاله مجاهدٌ مِن أنه سوءُ البصرِ بالليلِ، فلا معنَى لهما؛ لأن الله لا يَحْتَجُّ على خلقِه بحجةٍ تَكُونُ لهم السبيلُ إلى معارضتِه فيها، ولو كان مما احْتَجَّ به عيسى على بني إسرائيلَ في نبوّتِه أنه يُبْرِئُ الأعْمَشَ، أو الذي يبصِرُ بالنهارِ ولا يبصرُ بالليلِ، لقَدَروا على معارضتِه بأن يَقُولوا: وما في هذا لك من الحُجةِ، وفينا خَلْقٌ ممن يُعَالِجُ ذلك وليسوا للهِ أنبياءَ ولا رسلًا؟ ففى ذلك دَلالةٌ بيِّنَةٌ على صحةِ ما قلنا مِن أن الأكمَهَ هو الأعمَى الذي لا يُبْصِرُ شيئًا، لا ليلًا ولا نهارًا، وهو بما قال قتادةُ من أنه المولودُ كذلك أشبهُ؛ لأن عِلاجَ مثلِ ذلك لا يدَّعيه أحدٌ مِن البشرِ إلا مَن أعطاه اللهُ مثلَ الذي أعطَى عيسى، وكذلك علاجُ الأبرصِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾.
وكان إحياءُ عيسى الموتَى بدعاءِ اللهِ، يَدْعُو لهم، فيَسْتَجِيبُ له.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سَهلِ بن عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: لمّا صار عيسى ابنَ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ سَنةً، أَوْحَى اللهُ إلى أمِّه وهى بأرضِ مصرَ، وكانت هرَبت مِن قومِها حينَ ولَدته إلى أرضِ مصرَ: أن اطلُعى به إلى الشامِ. ففعَلت الذي أُمِرت به، فلم
стр. 3542
تَزَلْ بالشامِ حتى كان ابنَ ثلاثين سنةً، وكانت نبوَّتُه ثلاثَ سنينَ، ثم رفَعه اللهُ إِليه. قال: وزعَم وَهْبٌ أنه ربما اجتمَع على عيسى مِن المرضَى في الجماعةِ الواحدةِ خمسون ألفًا، مَن أطاق منهم أن يَبْلُغَه بلَغه، ومَن لم يُطِقْ منهم ذلك أتاه عيسى يَمْشِى إليه، وإنما كان يُداوِيهم بالدعاءِ إلى اللهِ (١).
وأما قولُه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ﴾. فإنه يَعْنى: وأُخبِرُكم بما تأْكلون ممّا لم أُعاينْه وأشاهدْه معكم (٢) في وقتِ أكلِكُمُوه، ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾. يعْنى بذلك: وما تَرْفَعونه فتُخَبِّئُونه ولا تَأْكُلُونه. يُعْلِمُهم أن مِن حُجَّتِه أيضًا على نبوّتِه - مع المعجزاتِ التي أعلَمهم أنه يأتى بها حُجّةٌ على نُبُوَّتِه وصدقِه في خبَرِه أن الله أرسلَه إليهم؛ مِن خلقِ الطيرِ مِن الطينِ، وإبراءِ الأكْمَهِ والأبرصِ، وإحياءِ الموتَى بإذنِ اللهِ، التي لا يُطِيقُها أحدٌ مِن البشرِ إلا مَن أعطاه اللهُ ذلك؛ عَلَمًا له على صدقِه، وآيةً له على حقيقةِ قولِه، مِن أنبيائِه ورسلِه، ومَن أحِبَّ مِن خلقِه - إنباءَه عن الغيبِ الذي لا سبيلَ لأحدٍ من البشرِ الذين سبيلُهم سبيلُه، عليه.
فإن قال قائلٌ: وما كان في قولِه لهم: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ مِن الحجةِ له على صدقِه، وقد رأَينا المتَنَجِّمةَ والمُتَكَهنةَ تخبرُ بذلك كثيرًا فتصيبُ؟
قيل: إن المُتَنَجِّمَ والمُتَكَهِّنَ معلومٌ منهما عندَ مَن يُخْبِرانِه (٣) بذلك أنهما يُنَبِّئانِ به عن استخراجٍ له ببعضِ الأسبابِ المؤديةِ إلى علمِه، ولم يَكُنْ ذلك كذلك مِن عيسى صلواتُ اللهِ عليه، ومِن سائرِ أنبياءِ الله ورسُلِه، وإنما كان عيسى يُخْبِرُ به عن
стр. 3543
غيرِ استخراجٍ ولا طلبٍ لمعرفتِه باحتيالٍ، ولكن ابتدَاءً بإعلامِ اللهِ إياه، مِن غيرِ أصلٍ تقدَّم ذلك احْتَذَاه، أو بنَى عليه أو فزِع إليه، كما يَفْزَعُ المتنجِّمُ إلى حسابِه، والمتكهِّنُ إلى رَئِيِّه، فذلك هو الفصلُ بينَ عِلمِ الأنبياءِ بالغيوبِ وإخبارِهم عنها، وبينَ علمِ سائرِ المتكذِّبةِ على اللهِ، أو المدَّعيةِ علمَ (١) ذلك.
كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما بلَغ عيسى تسعَ سنينَ أو عَشْرًا أو نحوَ ذلك، أدْخَلَتْه أُمُّه الكُتَّابَ، فيما يَزْعُمون، فكان عندَ رجلٍ مِن المُكْتِبينَ يُعَلِّمُه كما يُعَلِّمُ الغِلمانَ، فَلَا يَذْهَبُ يُعَلِّمُه شَيئًا مما يُعَلِّمُه الغلمانَ إلا بَدَره إلى علمِه قبلَ أن يُعَلِّمَه إياه، فيَقُولُ: ألا تَعْجَبون لابنِ هذه الأرملةِ، ما أَذْهَبُ أُعَلِّمُه شيئًا إلا وجَدتُه أعلمَ به منّى (٢).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: لمّا كَبِر عيسى أسلَمته أمُّه يَتَعَلَّمُ التَّوْراةَ، فكان يَلْعَبُ مع الغِلمانِ، غِلمانِ القريةِ التي كان فيها، فيُحَدِّثُ العلمانَ بما يَصْنَعُ آباؤُهم (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قال: كان عيسى ابن مريمَ إذْ كان في الكُتّابِ يُخْبِرُهم بما يَأْكُلون في بُيوتِهم وما يَدِّخِرون.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا
стр. 3544
تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قال: إنّ عيسى ابنَ مريمَ كان يَقولُ للغلامِ في الكُتّاب: يا فلانُ، إنْ أهْلُك قد خبَّئوا لك كذا وكذا مِن الطعامِ، فتُطْعِمُنى منه؟ (١)
فهكذا فِعْلُ الأنبياءِ وحُجَجُها، إنما تَأْتِى بما أتتْ به مِن الحُجَجِ بما قد يُوصَلُ إليه ببعضِ الحِيَلِ، على غيرِ الوجهِ الذي يَأْتى به غيرُها، بل مِن الوجهِ الذي يَعْلَمُ الخَلْقُ أنه لا يُوصَلُ إليه مِن ذلك الوجهِ بحيلةٍ إلا مِن قِبَلِ اللهِ.
وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قال: بما أكَلْتم البارحةَ، وما خبَّأْتم منه. عيسى ابن مريمَ يَقُولُه (٢).
حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جرَيجٍ، قال: قال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، يعنى قولَه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا
стр. 3545
تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قال: الطعامُ والشيءُ يَدَّخِرونه في بيوتِهم، غَيْبًا عَلَّمه اللهُ إياه (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾، قال: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ﴾: ما أكَلتم البارحةَ مِن طعامٍ وما خبَّأتم منه.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كان - يَعْنى عيسى ابنَ مريمَ - يُحَدِّثُ الغِلمانَ وهو معهم في الكُتّابِ بما يَصْنَعُ آباؤُهم، وبما يَرْفَعون لهم، وبما يَأْكُلون، ويَقُولُ للغلامِ: انْطَلِقْ فقد رفَع لك أهلُك كذا وكذا، وهم يَأْكُلون كذا وكذا. فيَنْطَلِقُ الصبيُّ، فيَبْكي على أهلِه حتى يُعْطُوه ذلك الشيءَ، فيقولون له: مَن أخبَرك بهذا؟ فيَقُولُ: عيسى. فذلك قولُ اللهِ : ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ فحبَسوا صبيانَهم عنه وقالوا: لا تَلْعَبوا مع هذا الساحرِ. فجمَعوهم في بيتٍ، فجاء عيسى يَطْلُبُهم فقالوا: ليس هم ههنا. فقال: ما في هذا البيتِ؟ فقالوا: خنازيرُ. قال عيسى: كذلك يكُونون، ففتَحوا عنهم فإذا هم خنازيرُ، فذلك قولُه: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (٢) [المائدة: ٧٨].
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنفيُّ، عن عبّادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. قال: ما تُخَبِّئون، مخافةَ الذي يُمسِكُ [أن يُخْلفَه] (٣).
стр. 3546
وقال آخرون: إنما عنَى بقولِه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾: ما تَأْكُلون من المائدةِ التي تَنْزِلُ عليكم، وما تَدَّخِرون منها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾: فكان القومُ لمّا سأَلوا المائدةَ، فكانت خِوانًا (١) يُنْزِلُ عليه أينما كانوا ثمرًا من ثمارِ الجنةِ، فأمَر القومَ أَلا يَخُونُوا فيه ولا يُخَبِّئوا ولا يَدَّخِروا لغدٍ. بلاءٌ ابتلاهم اللهُ به، فكانوا إذا فعَلوا مِن ذلك شيئًا أنبأَهم به عيسى ابن مريمَ، فقال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ قَالَ: أُنَبِّئُكم بما تَأْكُلُونَ مِن المائدةِ وما تَدَّخِرون منها. قال: وكان أخَذ عليهم في المائدةِ حينَ نَزَلت، أن يَأْكُلوا ولا يَدَّخِروا. فادَّخَروا وخانوا، فجُعِلوا خنازيرَ حينَ ادَّخَروا وخانوا، فذلك قولُه ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥].
قال ابن يحيى: قال عبدُ الرزاقِ: قال معمرٌ، عن قتادةَ، عن خِلاسِ بن عمرٍو، عن عمارِ بن ياسرٍ (٢).
وأصلُ ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ مِن الفعلِ "تَفْتَعِلون"، مِن قولِ القائلِ: ذخَرت
стр. 3547
الشيءَ. بالذال، فأنا أَذْخَرُه، ثم قيل: يَدَّخِرُ. كما قيل: يَدَّكِرُ. مِن. ذَكَرْتُ الشيءَ. يُرادُ به يَذْتَخِرُ، فلما اجتمَعت الذالُ والتاءُ وهما مُتَقارِبتا المخرجِ، ثَقُل إظهارُهما على اللسانِ، فأُدْغِمت إحداهما في الأخرى، وصُيِّرَتا دالًا مشدَّدةً، صيَّروها عَدْلًا بين الذالِ والتاءِ، ومِن العربِ مَن يُغَلِّبُ الذالَ على التاءِ، فَيُدْغِمُ التاءَ في الذالِ، فَيَقُولُ: وما تَذَّخِرون، وهو مُذَّخَرٌ لك، وهو مُذَّكِرٌ. واللغةُ التي بها القراءةُ الأُولى، وذلك إدغامُ الذالِ في التاءِ، وإبدالُهما دالًا مشددةً، لا يَجُوزُ القراءةُ بغيرِها؛ لتظاهرِ النقلِ مِن القرأةِ بها، وهى اللغةُ الجُودَى، كما قال زُهيرٌ (١):
[إن الكريمَ] (٢) الذي يُعْطِيكَ نائلَهُ … عَفُوًا وَيُظْلَمُ أحيانا فَيَطَّلِمُ
يُروى بالظاءِ، يريدُ: فيَفْتَعِلُ. مِن الظلمِ، ويُرْوى بالطاءِ أيضًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: إِنَّ في خَلْقى من الطينِ الطيرَ بإذنِ اللهِ، وفي إبرائى الأكْمَهَ والأبرصَ، وإحيائى الموتى، وإنبائى إيّاكم بما تَأْكُلون وما تَدَّخرون في بيوتِكم، ابتداءً من غيرِ حسابٍ وتَنْجِيمٍ، ولا كهانةٍ وعرافةٍ - لعبرةً لكم ومتفَكَّرًا تتفكَّرون في ذلك، فتَعْتَبِرون به أنى محقٌّ في قولى لكم: إنى رسولٌ مِن ربِّكم إليكم. وتَعْلَمون به أنى فيما أدْعُوكم إليه مِن أمرِ اللهِ ونهيِه صادقٌ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يعنى: إن كنتم مُصَدِّقين حُجَجَ اللهِ وآياتِه، مُقرِّين بتوحيدِه، ونبيِّه موسى والتوراةِ التي جاءَكم بها.
القولٌ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ
стр. 3548
بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وبأني قد جئْتُكم بآيةٍ من ربِّكم، وجئْتُكم مصدِّقًا لما بينَ يَدَيَّ من التوراةِ. ولذلك نصَب ﴿مُصَدِّقًا﴾ على الحالِ مِن ﴿جِئْتُكُمْ﴾. والذي يَدُلُّ على أنه نُصِب على قولِه: ﴿وَجِئْتُكُمْ﴾ دونَ العطفِ على قولِه: ﴿وَجِيهًا﴾ قوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ولو كان عطْفًا على قولِه: ﴿وَجِيهًا﴾، لكان الكلامُ: ومصدِّقًا لما بينَ يديْه مِن التَّوْرَاةِ، ولِيُحِلَّ لكم بعض الذي حُرِّم عليكم.
وإنما قيل: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. لأن عيسى صلواتُ اللهِ عليه كان مؤمنًا بالتوراةِ مقِرًّا بها، وأنها مِن عندِ اللهِ، وكذلك الأنبياءُ، كلُّهم يُصَدِّقون بكلِّ ما كان قبلَهم من كتبِ اللهِ ورسلِه، وإن اختلَف بعضُ شرائعِ أحكامِهم؛ لمخالفةِ اللهِ بينهم في ذلك، مع أنَّ عيسى كان - فيما بلَغَنا - عاملًا بالتوراةٍ لم يخالفْ شيئًا مِن أحكامِها، إلا ما خفَّف اللهُ عن أهلِها في الإنجيلِ ممَّا كان مشدَّدًا عليهم فيها.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعقِلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنبِّهٍ يقولُ: إن عيسى كان على شريعةِ موسى، صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، وكان يَسْبِتُ ويَسْتَقبِلُ بيتَ المقدسِ، فقال لبني إسرائيلَ: إني لم أدْعُكم إلى خلافِ حرفٍ مما في التوراةِ، إلا لأُحِلَّ لكم بعضَ الذي حُرِّم عليكم، وأَضَعَ عنكم مِن الآصارِ (١).
حدَّثني بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ
стр. 3549
يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾: كان الذي جاء به عيسى أَلْيَنَ مما جاء به موسى، وكان قد حُرِّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبلِ والثُّروبُ (١)، وأشياءُ مِن الطيرِ والحِيتانِ (٢).
حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قال: كان الذي جاء به عيسى ألينَ مما جاء به موسى. قال: وكان حُرِّم عليهم فيما جاء به موسى مِن التوراةِ لحومُ الإبلِ والثُّروبُ، فأحَلَّها لهم على لسانِ عيسى - وحُرِّمَت عليهم الشحومُ، وأُحِلَّت لهم فيما جاء به عيسى - وفى أشياءَ مِن السمكِ، وفى أشياءَ من الطيرِ، مما لا صِيصِيَة (٣) له، وفي أشياءَ حرَّمها عليهم، وشدَّدها عليهم، فجاءَهم عيسى بالتَّخفيفِ منه في الإنجيلِ، فكان الذي جاء به عيسى ألْينَ مِن الذي جاء به موسى صلواتُ اللهِ عليه (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، قال: لحومُ الإبلِ والشحومُ، لمَّا بُعِث عيسى أحَلَّها لهم، وبُعِث إلى اليهودِ فاخْتَلَفوا وتفَرَّقوا (٥).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. أي: لِما سبَقَنى منها،
стр. 3550
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. أي: أُخْبِرُ كم أنه كان حرامًا عليكم فترَكْتُموه، ثم أُحِلُّه لكم تَخْفيفًا عنكم، فتُصِيبون يُسْرَه، وتَخْرُجون مِن تِباعَتِه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحَنفيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسن: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قال: كان حُرِّم عليهم أشياءُ، فجاءَهم عيسى ليُحِلَّ لهم الذي حُرَّم عليهم، يَبْتَغِي بذلك شُكْرَهم (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
يعنى بذلك: وجئتُكم بحُجَّةٍ وعِبْرةٍ مِن ربِّكم، تَعْلَمون بها حقيقةَ ما أقولُ لكم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: ما بيَّن لهم عيسى مِن الأشياءِ كلَّها، وما أعطاه ربُّه (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ما بيَّن لهم عيسى مِن الأشياءِ كلِّها.
ويعنى بقولِه: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: مِن عِندِ رَبِّكم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ
стр. 3551
فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾.
يعنى بذلك: وجئتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم تَعْلَمون بها يقينًا صدقى فيما أقولُ، فاتَّقُوا الله يا معْشرَ بني إسرائيلَ فيما أمَرَكم به ونهاكم عنه في كتابِه الذي أنْزَله على موسى، فأَوْفُوا بعهدِه الذي عاهَدْتُموه فيه، وأطيعوني فيما دعَوْتُكم إليه مِن تَصْدِيقي فيما أَرْسَلَنى به إليكم ربي وربُّكم، فاعْبُدوه، فإنه بذلك أَرْسَلَني إليكم، وبإحْلالِ بعضِ ما كان مُحَرَّمًا عليكم في كتابِكم، وذلك هو الطريقُ القَويمُ، والهَدْىُ المتينُ الذي لا اعْوِجاجَ فيه.
كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾: تَبَرِّيًا مِن الذي يَقولون فيه - يعنى: ما يَقولُ فيه النصارى - واحْتِجاجًا لربِّه عليهم. ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي قد حمَلْتكم عليه وجئْتُكم به (١).
واخْتَلَفَ القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾؛ فقرأَتْه عامةُ قرَأَةِ الأمصارِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ بكسرِ ألفِ ﴿إِنَّ﴾. على ابتداءِ الخبرِ.
وقرَأَه بعضُهم: (أَنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُم). بفتحِ ألفِ (أنَّ) (٢)، بتأويلِ: وجئتكم بآيةٍ مِن ربِّكم أن الله ربي وربُّكم. على ردّ "أن" على "الآيةِ"، والإبدالِ منها.
стр. 3552
والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا ما عليه قَرأَةُ الأمصارِ، وذلك كسرُ ألفِ ﴿إِنَّ﴾. على الابتداءِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ على صحةِ ذلك، وما اجْتَمَعَت عليه فحُجَّةٌ، وما انْفَرَد به المنفَرِدُ عنها فرأىٌ، ولا يُعْتَرَضُ بالرأيِ على الحُجَّةِ.
وهذه الآيةُ، وإن كان ظاهرُها خبرًا، ففيه الحجةُ البالغةُ مِن اللهِ لرسولِه محمدٍ ﷺ ، على الوفدِ الذين حاجُّوه مِن أهلِ نَجْرانَ، بإخبارِ اللهِ عن أن عيسى كان بريئًا مما نسَبه إليه مَن نسَبه إلى غيرِ الذي وصَف به نفسَه، مِن أنه للهِ عبدٌ كسائرِ عبيدِه مِن أهلِ الأرضِ، إلا ما كان اللهُ جلَّ ثناؤُه خصَّه به مِن النبوةِ والحُجَجِ التي آتاه دليلًا على صدقِه - كما آتَي (١) سائرَ المرسَلين غيرِه مِن الأعلامِ والأدلةِ على صدقِهم - [وحُجَّةً على نبوتِه] (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾: فلمَّا وجَد عيسى منهم الكفرَ.
و "الإحساسُ" هو الوجودُ، ومنه قولُ اللهِ : ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨].
فأما "الحسُّ" بغير ألفٍ، فهو: الإفناءُ والقتلُ، ومنه قولُه: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. و "الحسُّ أيضًا: العطفُ والرِّقةُ. ومنه قولُ
стр. 3553
الكُمَيْتِ (١):
هل مَن بَكَى الدارَ رَاجٍ أَن تَحِسَّ له … أو يُبْكِىَ الدارَ ماءُ العَبْرَةِ الخَضِلُ (٢)
يعنى بقولِه: أن تَحِسَّ له: أن تَرِقَّ له.
فتأويلُ الكلامِ: فلمَّا وجَد عيسى مِن بنى إسرائيلَ الذين أرْسَله اللهُ إليهم، جحودًا لنبوتِه، وتكذيبًا لقولِه، وصدًّا عمّا دعاهم إليه مِن أمرِ اللهِ، قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ يعنى بذلك: قال عيسى: مَن أعْواني على المكذِّبين بحجةِ اللهِ والمُوَلِّين عن دينِه، والجاحدِين نبوةَ نبيِّه، إلى اللهِ ؟
ويعنى بقولِه: ﴿إلَى اللهِ﴾: مع اللهِ.
وإنما حَسُن أن يُقالَ: ﴿إلَى اللهِ﴾. بمعنى: مع اللهِ؛ لأن مِن شأنِ العربِ إذا ضمُّوا الشيءَ إلى غيرِه، ثم أرادوا الخبرَ عنهما بضمِّ أحدِهما مع الآخرِ إِذا ضُمَّ إليه، جعلوا مكانَ "مع" "إلى" أحيانًا، وأحيانًا تُخبِرُ عنهما بـ"مع"، فتقولُ: الذَّوْدُ (٣) إلى الذودِ إبلٌ. بمعنى: إذا ضمَمْتَ الذَّوْدَ إلى الذودَ صارت إبلًا. فأما إذا كان الشيءُ مع الشيءٍ لم يَقُولوه بـ"إلى"، ولم يَجْعَلوا مكانَ "مع" "إلى"، غيرُ جائزٍ أن يُقال: قدِم فلانٌ وإليه مالٌ. بمعنى: ومعه مالٌ.
وبمثلِ ما قلْنا في تأويلِ قولِه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال جماعةٌ
стр. 3554
مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ يقولُ: مع اللهِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ يقولُ: مع اللهِ (١).
وأما سببُ استِنْصارِ عيسى ﵇ من اسْتَنْصَرَ مِن الحَوَارِيِّين، فإِنَّ بينَ أهلِ العلمِ فيه اختلافًا؛ فقال بعضُهم: كان سببَ ذلك ما حدَّثني به موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: لما بعَث اللهُ عيسى، فأمَرَه بالدعوةِ، نفَتْه بنو إسرائيلَ وأَخْرَجوه، فخرَج هو وأمُّه يَسِيحون في الأرضِ، فنزَل في قريةٍ على رجلٍ، فضافَهم وأحْسَن إليهم، وكان لتلك المدينةِ ملكٌ جبارٌ مُعْتَدٍ، فجاء ذلك الرجلُ يومًا وقد وقَع عليه هَمٌ وحُزْنٌ، فدخَل منزلَه ومَرْيَمُ عندَ امرأتِه، فقالت مريمُ لها: ما شأنُ زوجِك؟ أراه حَزينًا! قالت: لا تَسْأَلى، قالت: أخْبِرينى لعل الله يُفَرِّجُ كُرْبتَه. قالت: فإن لنا مَلِكًا يَجْعَلُ على كلِّ رجلٍ منا يومًا يُطْعِمُه هو وجنودَه، ويَسْقِيهم مِن الخمرِ، فإن لم يَفْعَلْ عاقَبَه، وإنه قد بلَغت نَوبتُه اليومَ الذي يُرِيدُ أن يَصْنَعَ له فيه، وليس لذلك عندَنا سَعَةٌ. قالت: فقولي له: لا يَهْتَمُّ، فإنى آمُرُ ابنى فيَدْعُو له فيُكْفَى ذلك. قالت مريمُ لعيسى في ذلك، قال عيسى: يا أُمَّهْ، إنى إن فعَلْتُ كان في ذلك شَرٌّ. قالت: فلا تُبالِ، فإنه قد أحْسَن إلينا وأكْرَمَنا. قال عيسى: فقولي له: إذا اقْتَرَب ذلك،
стр. 3555
فامْلأْ قُدورَك وخَوابيَك (١) ماءً، ثم أَعْلِمْنى (٢). فلمَّا مَلأهن أَعْلَمه، فدعا الله، فتحوَّل ما في القدورِ لحمًا ومَرَقًا وخبزًا، وما في الخَوابي [خمرًا، لم يَرَ الناسُ مثلَه قطُّ، وآتاه طعامًا] (٣)، فلمَّا جاء المَلِكُ أكَل، فلما شرِب الخمرَ سأل: مِن أين هذا الخمرُ؟ قال له: هي مِن أرض كذا وكذا. قال المَلِكُ: فإن خمرى أُوتَى بها مِن تلك الأرضِ، فليس هي مثلَ هذه. قال: مثل هذه. قال: هي مِن أرضِ أُخرى. فلما خلَّط على المَلكِ، اشْتَدَّ عليه، قال: فأنا أُخْبِرُك، عندى غلامٌ لا يَسْأَلُ الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وإنه دعا الله، فجعَل الماءَ خمرًا. قال الملكُ، وكان له ابنٌ يريدُ أن يَسْتَخْلِفَه، فمات قبلَ ذلك بأيامٍ، وكان أحبَّ الخلقِ إليه، فقال: إن رجلًا دعا الله حتى جعَل الماءَ خمرًا، لَيُسْتَجابَنَّ له حتى يُحْيىَ ابنى. فدعا عيسى فكلَّمه، فسأَله أن يَدْعُوَ الله فيُحْيِيَ ابنَه، فقال عيسى: لا تَفْعَلْ، فإنه إن عاش كان شرًّا. فقال الملكُ: لا أُبالى أليس أراه؟ فلا أُبالى ما كان. فقال عيسى ﵇: فإن أحْيَيْتُه تَتْرُكونى أنا وأمى نَذْهَبُ أينما شِئْنا؟ قال الملكُ: نعم. فدعا الله، فعاش الغلامُ. فلمَّا رآه أهلُ مَمْلكتِه قد عاش، تَنادَوْا بِالسِّلاحِ. وقالوا: أَكَلَنا هذا، حتى إذا دنا موتُه يريدُ أن يَسْتَخْلِفَ ابنَه، فيَأْكُلَنا كما أَكَلَنا أبوه! فاقْتَتَلُوا. وذهَب عيسى وأمُّه، وصحِبهما يَهوديٌّ، وكان مع اليهوديِّ رَغيفان، ومع عيسى رغيفٌ، فقال له عيسى: شارِكْني. فقال اليهوديُّ: نعم. فلما رأَى أنه
стр. 3556
ليس مع عيسى إلا رغيفٌ نَدِم. فلمَّا ناما جعَل اليهوديُّ يريدُ أن يَأْكُلَ الرغيفَ، فلما أكَل لُقمةً قال له عيسى: ما تَصْنَعُ؟ فيقولُ: لا شيءَ. فيَطْرَحُها، حتى فرَغ من الرغيفِ كلِّه. فلما أصْبَحا قال له عيسى: هَلُمَّ طعامَك. فجاء برغيفٍ، فقال له عيسى: أين الرغيفُ الآخرُ؟ قال: ما كان معى إلا واحدٌ. فسكت عنه عيسى. فانْطَلَقوا، فمرُّوا براعي غنمٍ، فنادَى عيسى: يا صاحبَ الغنم، أَجْزِرْنا شاةً مِن غنمِك. قال: نعم، أرْسِلْ صاحبَك يَأْخُذْها. فأَرْسَل عيسى اليهوديَّ، فجاء بالشاةِ، فذبَحوها وشوَوْها، ثم قال لليهوديِّ: كلْ ولا تَكْسِرُ عظمًا. فأكَلا، فلما شبِعوا قذَف عيسى العظامَ في الجلدِ، ثم ضرَبها بعصاه، وقال: قومى بإذنِ اللهِ. فقامت الشاةُ تَثْغُو (١)، فقال: يا صاحبَ الغنمِ، خُذْ شاتَك. فقال له الراعى: مَن أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريمَ. قال: أنت الساحرُ! وفرَّ منه. قال عيسى لليهوديِّ: بالذي أحيا هذه الشاةَ بعد ما أكَلْناها، كم كان معك رغيفًا؟ فحلَف ما كان معه إلا رغيفٌ واحدٌ. فمرُّوا بصاحبِ بقرٍ، فنادَى عيسى، فقال: يا صاحبَ البقرِ، أجْزِرْنا مِن بقرِك هذه عِجْلًا. قال: ابْعَثْ صاحبَك يَأْخُذْه. قال: انْطَلِق يا يهوديُّ فجِئْ به. فانْطَلَق فجاء به. فذبَحه وشوَاه، وصاحبُ البقرِ يَنْظُرُ، فقال له عيسى: كُلْ ولا تَكْسِرُ عظمًا. فلمَّا فرَغوا قذَف العِظامَ في الجلدِ، ثم ضرَبه بعصاه، وقال: قُمْ بإذنِ اللهِ. فقام وله خُوارٌ. قال: خُذْ عجلَك. قال: ومَن أنت؟ قال: أنا عيسى. قال: أنت السَّحَّارُ! ثم فرَّ منه. قال اليهوديُّ: يا عيسى أحْيَيْتَه بعدَ ما أكَلْناه! قال عيسى: فبالذي أحْيَا الشاةَ بعد ما أكَلْناها، والعجلَ بعدَ ما أكَلْناه، كم كان معك رغيفًا؟ فحلَف
стр. 3557
باللهِ ما كان معه إلا رغيفٌ واحدٌ. فَانْطَلَقا حتى نزَلا قريةً، فنزل اليهوديُّ أعلاها، وعيسى في أسفلِها، وأخَذ اليهوديُّ عصا مثلَ عصا عيسى (١)، وقال: أنا الآن أُحْيى الموتى. وكان مَلِكُ تلك المدينةِ مريضًا شديدَ المرضِ، فانْطَلَق اليهوديُّ يُنَادِى: مَن يَبْتَغِى طبيبًا. حتى أتى مَلِكَ تلك القريةِ، فأُخْبِر بوَجَعِه، فقال: أدْخِلونى عليه، فأنا أُبْرِئُه، وإن رأيْتُموه قد مات فأنا أُحْيِيه. فقيل له: إن وجَعَ الملكِ قد أعْيا الأطِباءَ قبلَك، ليس مِن طبيبٍ يُداوِيه ولا يُفِيءُ (٢) دواؤُه شيئًا إلا أُمِر به فصُلِب. قال: أَدْخِلونى عليه، فإني سأبرئُه. فأُدْخِل عليه، فأَخَذ برِجْلِ المَلِكِ،، فضرَبه بعصاه حتى مات، فجعَل يَضْرِبُه بعصاهُ وهو ميتٌ، ويقولُ: قُمْ بإذنِ اللهِ. فأُخِذ ليُصْلَبَ، فبلَغ عيسى، فأقْبَل إليه، وقد رُفِع على الخشبةِ، فقال: أرأيْتُم إِن أَحْيَيْتُ لكم صاحبَكم أتَتْرُكون لي صاحبي؟ قالوا: نعم. فأحْيا اللهُ المَلِكِ لعيسى، فقام وأُنْزِل اليهوديُّ، فقال اليهوديُّ (٣): يا عيسى، أنت أعْظَمُ الناسِ على مِنَّةً، واللهِ لا أفارِقُك أبدًا (٤).
قال عيسى - فيما حدَّثنا به محمدُ بنُ الحسينِ بن موسى، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ - لليهوديِّ: أَنْشُدُك بالذي أحْيَا الشاةَ والعِجلَ بعدَ ما أكَلْناهما، وأحْيَا هذا بعدَ ما مات، وأَنْزَلَك مِن الجِذْعِ بعدَ ما رُفِعْتَ (٥) عليه لتُصْلَبَ، كم كان معك رغيفًا؟ قال: فحلَف بهذا كلِّه، ما كان معه
стр. 3558
إلا رغيفٌ واحدٌ. قال: لا بأسَ. فانْطَلَقا حتى مرَّا على كَنْزٍ قد حفَرَتْه السِّباعُ والدوابُّ، فقال اليهوديُّ: يا عيسى، لِمَن (١) هذا المالُ؟ قال عيسى: دَعْه، فإن له أهلًا يَهلِكون عليه. فجعَلَت نفسُ اليهوديِّ تَطَلَّعُ إلى المالِ، ويَكْرَه أَن يَعْصِيَ عيسى، فانْطَلَق مع عيسى، ومرَّ بالمالِ أربعةُ نفرٍ. فلمَّا رأَوْهِ اجْتَمَعوا عليه، فقال اثنان لصاحِبَيْهما: انْطَلِقا فابْتاعا لنا طعامًا وشرابًا ودوابَّ نَحْمِلُ عليها هذا المالَ. فانْطَلَق الرجلان فابْتاعا دوابَّ وطعامًا وشرابًا، وقال أحدُهما لصاحبِه: هل لك أن نَجْعَلَ لصاحبَيْنا في طعامِهما سُمًّا، فإذا أكَلا ماتا، فكان المالُ بينى وبينَك؟ فقال الآخَرُ: نعم. ففعَلا، وقال الآخَران: إذا ما أَتَيَانا بالطعامِ، فَلْيَقُمْ كُلُّ واحدٍ إلى صاحبِه فيَقْتُله، فيكونَ الطعامُ والدوابُّ بينى وبينَك. فلما جاءا بطعامَهما قاما فقتَلاهما، ثم قعَدا على الطعامِ فأكَلا منه منه فماتا، وأُعْلِم ذلك عيسى،، فقال لليهوديِّ: أخْرِجْه حتى نَقْتَسِمَه. فَأَخْرَجه، فقسَمه عيسى بينَ ثلاثةٍ، فقال اليهوديُّ: يا عيسى، اتَّقِ الله ولا تَظْلِمْنى، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثةُ؟ قال له عيسى: هذا لي، وهذا لك، وهذا الثلُثُ لصاحبِ الرغيفِ. قال اليهوديُّ: فإن أخْبَرْتُك بصاحبِ الرَّغيفِ تُعْطِيني هذا المالَ؟ فقال عيسى: نعم. قال: أنا هو. قال عيسى: خُذْ حظى وحظَّك وحظَّ صاحبِ الرغيفِ، فهو حظُّك مِن الدنيا والآخرةِ. فلمَّا حمَله مشَي به شيئًا، فخُسِف به، وانْطَلَق عيسى ابن مريمَ، فمرَّ بالحَوارِيِّين وهم يَصْطادون السمكَ، فقال: ما تَصْنَعون؟ فقالوا: نَصْطادُ السمكَ. فقال: أفلا تَمْشون حتى نَصْطادَ الناسَ؟ قالوا: ومَن أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريمَ. فآمنوا به، وانْطَلَقوا معه، فذلك قولُ اللهِ : ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
стр. 3559
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادِ بن منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. قال: اسْتَنْصَر فنصَره الحَوارِيون، وظهَر عليهم (١).
وقال آخَرون: كان سبب اسْتِنْصارِ عيسى مَن اسْتَنْصَر؛ لأن مَن اسْتَنْصَر الحَوارِيين عليه كانوا أرادوا قتلَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ قال: كفروا وأرادُوا قتلَه، فذلك حينَ اسْتَنْصَر قومَه، قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ (٢).
والأنصارُ جمعُ نَصِيرٍ، كما الأشْرافُ جمعُ شَريفٍ، والأشهادُ جمعُ شَهيدٍ.
وأما "الحواريُّون"، فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في السببِ الذي مِن أجلِه سُمُّوا حَواريِّين؛ فقال بعضُهم: سُمُّوا بذلك لبياضِ ثيابِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المُحارِبيُّ، قال: مما روَى أبي، قال: ثنا قيسُ بنُ الرَّبيعِ، عن مَيْسرةَ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: إنما سُمُّوا الحواريين لبياضِ ثِيابهم (٣).
стр. 3560
وقال آخَرون: سُمُّوا بذلك لأنهم كانوا قَصَّارِين يُبيِّضون الثيابَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن أبي أَرْطَاةَ، قال: الحواريُّون الغسَّالون الذين يحورُون الثيابَ؛ يَغْسِلونها (١).
وقال آخرون: هم خاصةُ الأنبياءِ وصَفُوتُهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن رَوْحِ بن القاسمِ، أن قتادةَ ذكَر رجلًا مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ، فقال: كان مِن الحواريِّين. فقيل له: مَن الحَوارِيُّون؟ قال: الذين تصْلُحُ لهم الخِلافةُ (٢).
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ [بن الحارثِ] (٣) قال: ثنا بشرُ بنُ (٤) عُمَارَةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [المائدة: ١١٢]. قال: أصْفياءُ الأنبياء (٥).
وأشبه الأقوالِ التي ذكَرْنا في معنى الحواريِّين قولُ مَن قال: سُمُّوا بذلك لبياضِ ثيابِهم، ولأنهم كانوا غسَّالين.
وذلك أن الحَوَرَ عندَ العربِ شدةُ البياضِ، ولذلك سُمِّيَ الحُوَّارَى مِن
стр. 3561
الطعامِ: حُوَّارَى؛ لشدةِ بياضِه، ومنه قيل للرجلِ الشديدِ البياضِ مُقْلةِ العينَيْن: أحورُ. وللمرأةِ: حوراءُ.
وقد يَجوزُ أن يكونَ حواريُّو عيسى كانوا سُمُّوا بالذي ذكَرْنا مِن تبييضِهم الثيابَ، وأنهم كانوا قَصَّارِين، فعُرِفوا بصحبةِ عيسى، واخْتيارِه إيَّاهم لنفسِه أصحابًا وأنصارًا، فجرَى ذلك الاسمُ لهم، واسْتُعْمِل حتى صار كلُّ خاصةٍ للرجلِ مِن أصحابِه وأنصارِه حَوَارِيَّه، ولذلك قال النبي ﷺ : "لكلِّ (١) نبيٍّ حَوارِيٌّ، وحَوارِيَّ الزبيرُ" (٢). يعنى خاصتُه، وقد تُسَمِّي العربُ النساء اللَّواتي مَساكنُهن القرَى والأمصارُ: "حَوَارِيَّاتٍ"، وإنما سُمِّينَ بذلك لغلبةِ البياضِ عليهن، ومن ذلك قولُ أبي جَلْدةَ اليَشْكُريِّ (٣):
فقلْ للحَواريَّاتِ (٤) يَبْكِين غيرَنا … ولا تَبْكِنا إلا الكلابُ النَّوابِحُ
ويعنى بقولِه: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: قال هؤلاء الذين صفتُهم ما ذكَرْنا مِن تبْيِيضِهم الثيابَ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: صدَّقْنا باللهِ واشهَد أنت يا عيسى بأننا مسلمُون.
وهذا خبرٌ من اللهِ أن الإسلامَ دينُه الذي ابْتَعَث به عيسى والأنبياءَ قبلَه، لا النصرانيةَ ولا اليهوديةَ، وتَبْرِئَةٌ مِن اللهِ لعيسى ممَّن انْتَحَل النصرانيةَ، ودان بها، كما برَّأ إبراهيمَ من سائرِ الأديانِ غيرِ الإسلامِ، وذلك احْتِجاجٌ مِن اللهِ تعالَى ذكرُه لنبيِّه ﷺ على وفدِ نَجْرانَ.
стр. 3562
كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ والعُدْوانَ ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ وهذا قولُهم الذي أصابُوا به الفضلَ مِن ربِّهم، ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ لا كما يقولُ هؤلاء الذين يُحاجُّونك فيه - يعنى وفدَ نصارَى نَجْرانَ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ عن الحَواريِّين أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾ أَي: صدَّقْنا ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ يعنى: بما أنْزلتَ على نبيِّك عيسى مِن كتابِك، ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ يعنى بذلك: صِرْنا أتباعَ عيسى، على دينِك الذي ابْتَعَثْتَه به، وأعوانَه على الحقِّ الذي أرْسَلْتَه به إلى عبادِك.
وقولُه: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يقولُ: فأَثْبِتْ أسماءَنا مع أسماءِ الذين شهِدُوا بالحقِّ، وأَقَرُّوا لك بالتوحيدِ، وصدَّقوا رُسُلَك، واتَّبعوا أمرَك ونهيَك، فاجْعَلنا في عِدادِهم ومعهم، فيما تُكْرِمُهم به مِن كَرامتِك، وأَحِلَّنا مَحَلَّهم، ولا تَجْعَلْنا ممَّن كفَر بك، وصدَّ عن سبيلِك، وخالَف أمرَك ونهيَك.
يُعَرِّفُ خلقَه جلَّ ثناؤُه بذلك سبيلَ الذين رضِىَ أقوالَهم وأفعالَهم، ليَحْتَذوا طريقَهم، ويَتَّبِعُوا مِنْهاجَهم، فيَصِلوا إلى مثلِ الذي وصَلوا إليه مِن درجاتِ كرامتِه، ويُكَذِّبُ بذلك الذين انْتَحَلوا مِن المِلَلِ غيرَ الحَنيفيَّةِ المسلمةِ، في دَعْواهم على أنبياءِ اللهِ، أنهم كانوا على غيرِها، ويَحْتَجُ به على الوفدِ الذين حاجُّوا رسولَ اللهِ ﷺ مِن
стр. 3563
أهلِ نَجْرانَ، بأنَّ قِيلَ مَن ﵁ مِن أتْباعِ عيسى، كان خلافَ قِيلِهم، ومِنْهاجَهم غيرُ مِنْهاجِهم.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. أي: هكذا كان قولُهم وإيمانُهم (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾.
يعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومكَر الذين كفَروا من بني إسرائيلَ. وهم الذين ذكَر اللهُ أن عيسى أحَسَّ منهم الكفرَ.
وكان مكرُهم الذي وصَفَهم اللهُ به مُواطَأةَ بعضِهم بعضًا على الفَتْكِ بعيسى وقتلِه، وذلك أن عيسى صلواتُ اللهِ عليه بعدَ إخْراجِ قومِه إيَّاه وأمَّه مِن بين أظهُرِهم، عاد إليهم، فيما حدَّثنا محمدُ بنَ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ثم إن عيسى سار بهم، يعْنى بالحَوارِيِّين الذين كانوا يَصْطادون السمكَ، فآمَنوا به واتَّبَعوه إذ دعاهم، حتى أتَى بنى إسرائيلَ ليلًا فصاح فيهم، فذلك قولُه: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ الآية [الصف: ١٤].
وأما مكرُ اللهِ بهم، فإنه - فيما ذكَر السُّدِّيُّ - إلقاؤُه شَبَهَ عيسى على بعضِ أتْباعِه، حتى قتَله الماكِرون بعيسى، وهم يَحْسَبونه عيسى، وقد رفَع اللهُ عيسى قبلَ ذلك.
стр. 3564
كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ثم إن بني إسرائيلَ حصَروا عيسى وتسعةَ عشَرَ رجلًا من الحَوارِيِّين في بيتٍ، فقال عيسى لأصحابِه: مَن يَأْخُذُ صُورتي فيُقْتَلَ وله الجنةُ؟ فأخَذها رجلٌ منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماءِ، فذلك قولُه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. فلمَّا خرَج الحَوَارِيُّون أبْصَروهم تسعةَ عشرَ، فأخْبَروهم أن عيسى قد صُعِد به إلى السماءِ، فجعَلوا يَعُدُّون القومَ، فيَجِدُونهم يَنْقُصون رجلًا مِن العِدَّةِ، ويَرَوْن صورة عيسى فيهم، فشكُّوا فيه، وعلى ذلك قتَلوا الرجلَ، وهم يُرَوْنَ أنه عيسى، وصلَبوه، فذلك قول الله : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧].
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معْنى مَكْرِ اللهِ بهم اسْتِدْراجَه إياهم؛ ليَبْلُغَ الكتابُ أجلَه، كما قد بيَّنا ذلك في قولِ اللهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (١) [البقرة: ١٥].
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومكَر اللهُ بالقومِ الذين حاوَلوا قتلَ عيسى مع كفرِهم باللهِ، وتكذيبِهم عيسى فيما أتاهم به مِن عندِ ربِّهم، إذ قال اللهُ جل ثناؤُه: إنى مُتَوَفِّيك. فهو ﴿إِذْ﴾ صلةٌ مِن قولِه: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ يعنى: ومكَر اللهُ بهم حينَ قال اللهُ لعيسى: إنى مُتوفِّيك ورافِعُك إلى فتوَفَّاه ورفَعه إليه.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنَى "الوفاةِ" التي ذكَرها اللهُ في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: هي وفاةُ نومٍ. وكان معنَى الكلامِ على مَذْهَبِهِم: إني مُنِيمُك
стр. 3565
ورافعُك في نومِك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. قال: يعنى وفاةَ المنَامِ؛ رفَعه اللهُ في مَنامِه. قال الحسنُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ لليهودِ: "إن عيسَى لم يَمُتْ، وإنه راجِعٌ إليكم قبلَ يومِ القيامةِ" (١).
وقال آخَرون: معنى ذلك: إنى قابضُك مِن الأرضِ فرافِعُك إليَّ. قالوا: ومعنَى الوفاةِ القبضُ. كما يُقالُ: تَوفَّيْتُ مِن فلانٍ مالىَ عليه. بمعنى: قبَضْتُه واسْتَوْفَيْتُه. قالوا: فمعنَى قولِه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. أي: قابضُك مِن الأرض حيًّا إلى جِوارِى، وآخِذُك إلى ما عندِى بغيرِ موتِ، ورافعُك مِن بين المشركين وأهلِ الكفرِ بك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شَوْذَبٍ، عَن مَطَرٍ الوَرَّاقِ في قولِ اللهِ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. قال: مُتَوفِّيك مِن الدنيا، وليس بوفاةِ موتٍ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعمرٌ، عن
стр. 3566
الحسنِ في قولِه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. قال: مُتَوَفِّيكَ مِن الأرضِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: فرَفْعُه إياه إليه تَوَفِّيه إياه، وتَطْهيرُه مِن الذين كفرُوا (٢).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، أن كعبَ الأحْبارِ قال: ما كان اللهُ لِيُمِيتَ عيسى ابنَ مريمَ، إنما بعَثه اللهُ داعيًا ومُبَشِّرًا يَدعو إليه وحدَه، فلما رأَى عيسى قلَّةَ مَن اتَّبَعه، وكثرةَ مَن كذَّبه، شكَا ذلك إلى اللهِ ، فأَوْحَى اللهُ إليه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. وليس مَن رفَعْتُه عندى ميِّتا، وإنى سأَبْعَثُك على الأعورِ الدجالِ، فتَقْتُلُه، ثم تَعِيشُ بعدَ ذلك أربعًا وعشرين سنةً، ثم أُمِيتُك مِيتةَ الحيِّ. قال كعبُ الأحبارِ: وذلك يُصَدِّقُ حديثَ رسولِ اللهِ ﷺ حيثُ قال: "كيف تَهْلِكُ أمةٌ أنا في أوَّلِها، وعيسى في آخرها؟ " (٣).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. أي: قابضُك.
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي
стр. 3567
مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ﴾. قال: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ قابضُك. قال: و ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ و ﴿وَرَافِعُكَ﴾ واحدٌ. قال: ولم يَمُتْ بعدُ حتى يَقْتُلَ الدجالَ، وسيَموتُ. وقرَأ قولَ اللهِ : ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾. قال: رفَعه اللهُ إليه قبلَ أن يكونَ كهْلًا. قال: ويَنْزِلُ كَهْلًا (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ، في قولِ اللهِ : ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ الآية كلّها. قال: رفَعه اللهُ إليه، فهو عندَه في السماءِ (٢).
وقال آخَرون: معنى ذلك: إنِّي مُتَوَفِّيك وفاةَ موتٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنَى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. يقولُ: إني مُمِيتُك (٣).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ اليَمانيِّ أنه قال: توَفَّى اللهُ عيسى ابنَ مريمَ ثلاثَ ساعاتٍ مِن النهارِ، حتى رفَعه إليه (٤).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: والنصارَى يَزْعُمون
стр. 3568
أنه توَفَّاه سبعَ ساعاتٍ مِن النهارِ، ثم أحْياه اللهُ (١).
وقال آخَرون: معنى ذلك: إذْ قال اللهُ: يا عيسى إني رافعُك إليَّ ومُطَهِّرُكَ مِن الذين كفَروا، ومُتَوَفِّيك بعدَ إنْزالى إياك إلى الدنيا. وقالوا (٢): هذا مِن المُقَدَّمِ الذي معْناه التأخيرُ، والمؤَخَّرِ الذي معناه التقديمُ.
قال أبو جعفرٍ: وأولَى هذه الأقوالِ بالصحةِ عندَنا قولُ مَن قال: معنى ذلك: إنى قابضُك من الأرضِ ورافعُك إليَّ. لتَواتُرِ الأخْبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "يَنْزِلُ عيسى ابن مريمَ، فيَقْتُلُ الدجالَ، ثم يَمْكُثُ في الأرضِ - مدةً ذكَرَها، [اخْتَلَف الرواةُ] (٣) في مَبْلَغِها - ثم يَموتُ، فيُصَلِّي عليه المسلمون ويَدْفِنونه".
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن مسلمٍ الزهريِّ، عن حَنْظلةَ بن عليٍّ الأسْلَميِّ، عن أبي هريرةَ قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لَيُهْبِطَنَّ اللهُ عيسى ابنَ مريمَ حَكَمًا عَدْلًا، وإمامًا مُقْسِطًا، يَكْسِرُ الصَّليبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزيرَ، ويَضَعُ الجزيةَ، ويُفيضُ المالَ حتى لا يَجِدَ مَن يَأْخُذُه، ولَيَسْلُكَنَّ الرَّوْحاءَ حاجًا أو معتمرًا، أو لَيُثَنِّيَنَّ (٤) بهما جميعًا" (٥).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الحسنِ بن دينارٍ، عن
стр. 3569
قتادةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن آدمَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ "الأنبياءُ إخْوةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهم شَتَّى، ودينُهم واحدٌ، وأنا أوْلَى الناسِ بعيسى ابن مريمَ؛ لم يَكُنْ بينى وبينَه نبيٌّ، وإنه خَليفتي على أمَّتي، وإنه نازلٌ، فإذا رأيْتُموه فاعْرِفوه، فإنه رجلٌ مَرْبوعُ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبَياضِ، سَبْطُ الشعَرِ كأن شعَرَه يَقْطُرُ، وإن لم يُصِبْه بَلَلٌ، بينَ مُمَصَّرَتين (١)، يَدُقُّ الصليبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَفِيضُ المالُ، ويُقاتِلُ الناسَ على الإسلامِ حتى يُهْلِكَ اللهُ في زمانِه المِلَلَ كلَّها، ويُهْلِكُ اللهُ في زمانِه مَسيحَ الضَّلالةِ الكذَّابَ الدجالَ، وتَقَعُ في الأرضِ الأَمَنةُ، حتى تَرْتَعَ الأسودُ مع الإبلِ، والنَّمِرُ مع البقرِ، والذئابُ مع الغنَمِ، وتَلْعَبَ الغِلمانُ بالحَيَّاتِ، لا يَضُرُّ بعضُهم بعضًا، فيَثْبُتُ في الأرضِ أربعين سنةً، ثم يُتَوَفَّى، ويُصَلِّي المسلمون عليه ويَدْفِنُونه" (٢).
قال أبو جعفرٍ: ومعلومٌ أنه لو كان قد أماته اللهُ لم يَكُنْ بالذي يُمِيتُه مِيتةً أُخرى، فيَجْمَعَ عليه مِيتَتَيْن؛ لأن الله إِنما أَخْبَر عِبادَه أَنه يَخْلُقُهم ثم يُمِيتُهم، ثم يُحْيِيهم، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠].
فتأويلُ الآيةِ إذن: قال اللهُ لعيسى: يا عيسى إنى قابِضُك مِن الأرضِ، ورافعُك إليَّ، ومُطَهِّرُك من الذين كفَروا فجحَدوا نبوَّتَك.
وهذا الخبرُ وإن كان مخرجُه مخرجَ خبرٍ، فإن فيه مِن الله احْتجاجًا على الذين حاجُّوا رسولَ اللهِ ﷺ في عيسى مِن وفدِ نَجْرانَ، بأن عيسى لم يُقْتَلْ ولم
стр. 3570
يُصْلَبْ، كما زعَموا، وأنهم واليهودَ - الذين أقَرُّوا بذلك، وادَّعَوْا على عيسى - كَذَبَةٌ في دَعواهم وزعمِهم.
كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ بن الزبيرِ: ثم أَخْبَرَهم - يعنى الوفدَ مِن نَجْرانَ - وردَّ عليهم فيما أَخْبَروا هم (١) واليهودُ (٢) بصلبِه، كيف رفَعه وطهَّره منهم، فقال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٣).
﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فإنه يعنى: مُنَظِّفُك فمُخَلِّصُك ممَّن كفَر بك وجحَد ما جئتَهم به مِن الحقِّ، مِن اليهودِ وسائرِ المِلَلِ غيرِها.
كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: إذ همُّوا منك بما همُّوا (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: طهَّره مِن اليهودِ والنصارى والمَجوسِ، ومِن كفارِ قومِه (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى
стр. 3571
يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وجاعلُ الذين اتَّبَعوك على مِنْهاجِك ومِلَّتِكَ مِن الإسلامِ وفِطْرتِه، فوقَ الذين جحَدوا نبوَّتَك، وخالَفوا بسبيلِهم جميعَ أهلِ المللِ، فكذَّبوا بما جئتَ به، وصدُّوا عن الإقرارِ به، فمُصَيِّرُهم فوقَهم ظاهِرِين عليهم.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: هم أهلُ الإسلامِ الذين اتَّبَعوه على فطْرتِه وملتِه وسُنَّتِه، فلا يزَالون ظاهِرِين على مَن ناوَأَهم إلى يومِ القيامةِ (١).
حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ثم ذكَر نحوَه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ثم ذكَر نحوَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، قال: ناصرُ مَن اتَّبَعك على الإسلامِ على الذين كفَروا إلى يومِ القيامةِ (٣).
стр. 3572
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ (١)، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أما ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾، فيُقالُ: هم المؤمنون. [ويقال: بل] (٢) هم الرُّومُ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قال: جعل الذين اتَّبَعوه فوقَ الذين كفَروا إلى يومِ القيامةِ. قال: المسلمون من فوقِهم، وجعَلهم أعلى ممَّن ترك الإسلامَ إلى يومِ القيامةِ (٤).
وقال آخَرون: معنَى ذلك: وجاعلُ الذين اتَّبَعوك مِن النصارى فوقَ اليهودِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: الذين كفَروا مِن بني إسرائيلَ، ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ قال: الذين آمَنوا به مِن بنى إسرائيلَ وغيرِهم ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ النصارى فوقَ اليهودِ إلى يومِ القيامةِ. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ من النصارى إلا وهم فوقَ يهودَ في شرقٍ ولا غربٍ، هم في البُلْدانِ كلِّها مُسْتَذَلُّون (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ
стр. 3573
تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾.
يعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ إِلَيّ﴾: ثم إلى اللهِ أيُّها المختلِفون في عيسى ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾. يعنى: مَصيرُكم يومَ القيامةِ، ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: فأَقْضِى حينَئذٍ بينَ جميعِكم في أمرِ عيسى بالحقِّ ﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمرِه.
وهذا مِن الكلامِ الذي صُرِف مِن الخبرِ عن الغائبِ إلى المُخاطَبةِ، وذلك أن قولَه: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. إنما قُصِد به الخبرُ عن مُتَّبِعى عيسى والكافِرين به.
وتأويلُ الكلامِ: وجاعلُ الذين اتَّبَعوك فوقَ الذين كفَروا إلى يومِ القيامةِ، ثم إليَّ مَرْجِعُ الفريقَيْن؛ الذين اتَّبَعوك والذين كفَروا بك، فأَحْكُمُ بينَهم فيما كانوا فيه يَخْتَلِفون. ولكن ردَّ الكلامَ إلى الخطابِ لسبوقِ (١) القولِ، على سبيل ما ذكَرْنا مِنَ الكلامِ الذي يَخْرُجُ على وجهِ الحكايةِ، كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢].
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾.
يعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: فأما الذين جحَدوا نبوَّتَك يا عيسى، وخالَفوا مِلَّتَك، وكذَّبوا بما جئتَهم به مِن الحقِّ، وقالوا فيك الباطلَ، وأضافوك إلى غيرِ الذي يَنْبَغِى أن يُضِيفوك إليه، مِن اليهودِ والنصارَى، وسائرِ أصنافِ الأديانِ، فإني أُعَذِّبُهم عذابًا شديدًا، أمَّا في الدنيا فبالقتلِ والسِّباءِ والذِّلَّةِ
стр. 3574
والمَسْكنة، وأما في الآخِرةِ فبنارِ جهنمَ خالِدين فيها أبدًا. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. يقولُ: وما لهم مِن عذابِ اللهِ مانعٌ، ولا عن أليمِ عقابِه لهم دافعٌ، بقوةٍ ولا شَفاعةٍ؛ لأنه العزيزُ ذو الانتقامِ.
وأما قولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فإنه يعْنى تعالى ذكرُه: وأما الذين آمَنوا بك يا عيسى - يقولُ: صدَّقوك - فأَقَرُّوا بنبوَّتِك وبما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندِى، ودانُوا بالإسلامِ الذي بعَثْتُك به، وعمِلوا بما فرَضْتُ مِن فَرائضِى على لسانِك، وشرَعْتُ مِن شَرائعي، وسنَنْتُ مِن سُننى.
كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: أَدَّوْا فَرائضِى (١).
﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ يقولُ: فيُعْطِيهم جزاءَ أعمالِهم الصالحةِ كامِلًا، لا يُبْخَسون منه شيئًا ولا يُنْقَصُونه.
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه يعْنى: واللهُ لا يُحِبُّ مَن ظَلَم غيرَه حقًّا له، أو وضَع شيئًا في غير موضعِه.
فنفَى جلَّ ثناؤُه عن نفسِه بذلك أن يَظْلِمَ عبادَه، فيُجازِىَ المسيءَ ممَّن كفَر جزاءَ المحسنين ممَّن آمَن به، أو يُجازِىَ المحسِنَ مُمَّن آمَن به واتَّبَع أمرَه، وانْتَهى عما نهاه عنه فأطاعَه، جزاءَ المُسِيئين ممَّن كفَر به، وكذَّب رسلَه، وخالَف أمرَه ونهيَه، فقال: إنى لا أُحِبُّ الظالمينَ، فكيف أَظْلِمُ خَلْقى؟
وهذا القولُ مِن اللهِ تعالى ذكرُه وإن كان خرَج مَخرجَ الخبر، فإنه (٢) وعيدٌ منه
стр. 3575
للكافرين به وبرسلِه، ووعدٌ منه للمؤمنينَ به وبرسلِه؛ لأنه أعْلَمَ الفريقين جميعًا أنه لا يَبْخَسُ هذا المؤمنَ حقَّه ولا يَظْلِمُ كرامتَه فيضَعَها في من كفَر به وخالَف أمرَه ونهيَه، فيكونَ لها بوضعِها في غيرِ أهلِها ظالمًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾.
يعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذه الأنْباءُ التي أَنْبَأ بها نبيَّه عن عيسى وأمِّه مريمَ، وأمِّها حَنَّةَ، وزكريا وابنِه يحيَى، وما قصَّ مِن أمرِ الحَوارِيِّين واليهودِ مِن بنى إسرائيلَ - نتلوها عليك يا محمدُ. يقولُ: نَقْرَؤُها عليك يا محمدُ، على لسانِ جبريلَ بوحْيِناها إليك. ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾. يقولُ: مِن العِبَرِ والحُجَجِ على مَن حاجَّك مِن وفدِ نَصارَى نَجْرانَ ويهودِ بني إسرائيلَ، الذين كذَّبوك وكذَّبوا ما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندِى. ﴿وَالذِّكْرِ﴾. يعنى: والقرآنِ ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾. يعني ذا الحِكْمةِ الفاصلةِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وبينَك وبينَ ناسبِى المسيحِ إلى غيرِ نسَبِه.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾: القاطعِ الفاصلِ الحقِّ، الذي لم يَخْلِطه الباطلُ، من الخبرِ عن عيسى، وعما اخْتَلَفوا فيه مِن أمرِه، فلا تَقْبَلَنَّ خبرًا غيرَه (١).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ قال: القرآنُ (٢).