← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، [قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ] (١)، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كان الناسُ على جاهليتِهم، إلا أن يُؤْمَروا بشيءٍ أو يُنْهَوا عنه، قال: فذكَروا اليتامى فنزَلت: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: فكما خِفْتم ألا تُقْسِطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا ألا تُقْسِطُوا في النساءِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: قال كانوا يُشَدِّدون في اليتامى ولا يُشَدِّدون في النساءِ، يَنْكِحُ أحدُهم النسوةَ فلا يَعْدِلُ بينَهنَّ، فقال اللهُ جل وعز: كما تخافون ألّا تَعْدِلُوا في اليتامى فخافُوا في النساءِ، فانْكِحوا واحدةً إلى أربعٍ، فإن خِفْتم ألا تَعْدِلوا فواحدةً أو ما ملَكت أيمانُكم (٣). حدَّثنا بِشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. حتى بلَغ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. يَقُولُ: كما خِفْتم الجَوْرَ في اليتامى وهمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمعِ (٤) النساءِ. وكان الرجلُ في الجاهليةِ يَتَزَوَّجُ العَشْرَ فما دونَ ذلك، فأحلَّ اللهُ جلَّ ثناؤه أربعًا، ثم صيرهنَّ إلى أربعٍ قولُه: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ

стр. 4202

خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. يقولُ: إِن خِفْتَ ألا تَعْدِلَ (١) في أربعٍ فثلاثٍ، وإلا فثنتين، وإلا فواحدةٍ، وإن خِفت ألا تَعْدِلَ في واحدةٍ فما ملَكت يمينُك (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. [قال خاف الناسُ ألا يقسطوا في اليتامى فنزلت] (٣) ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. يَقُولُ: ما حَلَّ لكم مَثْنَى وثُلاثَ ورُباع، فخافوا في النساءِ مثلَ الذي خِفْتُم في اليتامى ألا تُقْسِطُوا فيهن (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحَجّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: جاء الإسلامُ والناسُ على جاهليتِهم إلا أن يُؤْمروا بشيءٍ فيَتَّبِعوه، أو يُنْهَوا عن شيءٍ فيَجْتَنِبوه، حتى سأَلوا عن اليتامى، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مَّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: بعَث اللهُ ﵎ محمدًا ﷺ والناسُ على أمرِ جاهليتِهم، إلا أن يُؤمَروا بشيءٍ أو يُنْهَوا عنه، وكانوا يَسْأَلونه عن اليتامى فأنزل اللهُ ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. قال: فكما تخافون ألا تُقْسِطوا في اليتامى، فخافوا ألا تُقْسِطُوا وتَعْدِلُوا في النساءِ (٥).

стр. 4203

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحِ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. قال: كانوا في الجاهليةِ يَنْكِحُون عَشْرًا مِن النساءِ الأيامى، وكانوا يُعَظِّمون شأنَ اليتيمِ، فتَفَقَّدوا مِن دينِهم شأنَ اليتامى، وترَكوا ما كانوا يَنْكِحون في الجاهليةِ، [فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. ونهاهم عما كانوا يَنْكِحون في الجاهلية] (١). حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعت الضَّحَّاكَ يَقُولُ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾: كانوا في جاهليتهم لا يَرْزَءون (٢) من مالِ اليتيمِ شيئًا، وهم يَنْكِحُون عَشْرًا مِن النساءِ، ويَنْكِحُون نساءَ آبائهم فتفَقَّدوا من دينِهم شأنَ [اليتامى فسألوا نبيَّ الله ﷺ عن مخالطتِهم ولم يتفقدوا من دِينهم شأنَ] (٣) النساءِ، فوعَظهم اللهُ في اليتامى وفى النساءِ، فقال في اليتامى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ إلى ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. ووعَظهم في شأنِ النساءِ، فقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية (٤) [النساء: ٢٢]. حُدِّثت عن عمارٍ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ إلى ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يَقُولُ: فإن

стр. 4204

خِفْتم الجَوْرَ في اليتامى وغمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمعِ (١) النساء، قال: وكان الرجلُ يَتَزَوَّجُ العَشْرَ في الجاهليةِ فما دونَ ذلك، فأحلَّ الله أربعًا، وصيَّرهنَّ إلى أربعٍ، يَقُولُ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. فإن خِفْت ألا تَعْدِلَ في واحدةٍ فما ملكت يمينُك (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: فكما خِفْتم في اليتامى، فكذلك فتخوَّفوا في النساءِ أن تَزْنوا بهنَّ، ولكن انْكِحُوا ما طاب لكم مِن النساءِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرَنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. يَقُولُ: إِن تَحَرَّجتم من ولايةِ اليتامى وأكلِ أموالِهم إيمانًا وتصديقًا، فكذلك فتَحَرَّجوا من الزنى، وانْكِحُوا النساءَ نكاحًا طيبًا: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإن خِفْتم ألا تُقْسِطوا في اليتامى اللاتي أنتم وُلاتُهن فلا تَنْكِحُوهُنَّ، وانْكِحُوا أنتم ما أحلَّ لكم منهنَّ.

стр. 4205

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. قالت (١): نزَلت في اليتيمةِ تَكُونُ عندَ الرجلِ؛ هو وَلِيُّها ليس لها وليٌّ غيرُه، وليس أحدٌ يُنازِعُه فيها، ولا يُنْكِحُها لمالِها فيُضِرَّ بها ويسيءَ صحبتَها (٢). حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾: أي ما حلَّ لكم [من يتامَاكم] (٣) مِن قَراباتِكم: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤). قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ التي ذكَرناها في ذلك بتأويلِ الآية قولُ مَن قال: تأويلُها: وإن خِفْتُم ألا تُقْسِطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساءِ فلا تَنْكِحوا منهنَّ إلا ما لا تَخافون أن تَجُوروا فيه منهنَّ، مِن واحدةٍ إلى الأربعِ، فإن خِفْتُم الجَوْرَ في الواحدةِ أيضًا، فلا تَنْكِحُوها ولكن عليكم بما ملَكت أيمانُكم، فإنه أحرى ألا تَجُوروا عليهنّ. وإنما قلنا: إن ذلك أولى بتأويلِ الآية؛ لأن الله جلَّ ثناؤه افتَتح الآيةَ التي قبلَها، بالنهي عن أكلِ أموالِ اليتامى بغيرِ حقِّها، وخلطِها بغيرِها مِن الأموالِ، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ

стр. 4206

إنَّهُ كَانَ حُوبًا كبيرًا﴾ [النساء: ٢]. ثم أعلَمهم أنهم إن اتَّقَوُا الله في ذلك فتحرَّجوا فيه، فالواجبُ عليهم (١) مِن اتقاءِ اللهِ والتحرُّجِ في أمرِ النساءِ، مثلُ الذي عليهم من (٢) التحرُّج في أمرِ اليتامى، وأعلَمهم كيف المَخْلَصُ لهم مِن الجَوْرِ فيهن، كما عرَّفهم المخلَصَ لهم من الجَوْرِ في أموالِ اليتامى، فقال: انْكِحُوا - إن أمِنتم الجَوْرَ في أمرِ النساءِ على أنفسِكم - ما أبَحْتُ لكم منهنّ وحلَّلته؛ مثنى وثلاثَ وَرُبَاعَ، فإن خِفتم أيضًا الجَوْرَ في أمرِهن على أنفسِكم [من [عَجْزٍ عن] (٣) العدد إن نكحتموهن، فلا تجاوزوا واحدةً، وإن خفتم أيضا الجور على أنفسكم] (٤) في أمرِ الواحدِة، بألّا (٥) تقدِرُوا على إنصافِها، فلا تَنْكِحوها، ولكن تَسَرَّوا (٦) مِن المماليكِ، فإنكم أحرى ألا تجوروا عليهن؛ لأنهن أملاكُكم وأموالُكم، ولا يَلْزَمُكم لهن مِن الحقوقِ كالذي يَلْزَمُكم للحرائرِ، فيكونَ ذلك أقربَ لكم إلى السلامةِ مِن الإِثمِ والجَوْرِ. ففى الكلامِ - إذ كان المعنى ما قلنا - متروكٌ استُغْنِى بدَلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عن ذِكرِه، وذلك أن معنى الكلامِ: وإن خِفْتم ألّا تقسطوا في أموالِ اليتامى فتَعْدِلُوا فيها، فكذلك فخافوا ألا تُقْسِطوا في حقوقِ النساءِ اللّاتى (٧) أوجَبها اللهُ عليكم، فلا تَتَزَوَّجوا منهن إلا ما أمِنتم معه الجَوْرَ؛ مثنى وثلاثَ ورُباعَ، وإن خِفْتم أيضًا من (٨) ذلك فواحدةً، وإن خفتم في الواحدةِ فما ملَكت أيمانُكم. فتُرِك ذكرُ قولِه: فكذلك

стр. 4207

فخافوا ألّا (١) تُقْسِطوا في حقوقِ النساءِ. بدَلالةِ ما ظهَر مِن قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فإن قال قائلٌ: فأين جوابُ قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؟ قيل: قولُه: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾. غيرَ أن المعنى الذي يدلُّ على أن (٢) المرادَ بذلك ما قلنا قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. وقد بينا فيما مضى قبلُ (٣) أنّ مَعْنى الإقساط في كلامِ العربِ: العدلُ والإنصافُ، وأن القَسْطَ: الجَوْرُ والحَيفُ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ. وأما اليتامى، فإنها جمعٌ لذُكرانِ الأيتامِ وإناثِهم في هذا الموضعِ. وأما قولُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. فإنه يَعْنى: فانْكِحُوا ما حلَّ لكم منهن دونَ ما حرُم عليكم منهن. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ قال: ما حَلَّ لكم (٤). نا حميدُ بنُ مسعدةَ قال: نا يزيدُ قال: نا يونسُ عن الحسنِ: قولَه: ﴿مَا طَابَ لَكُم﴾ أي ما حلَّ لكم (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن

стр. 4208

أيوبَ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. يَقُولُ: ما أَحَلَّ لكم (١). فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. ولم يَقُلْ: فانْكِحُوا مَن طاب لكم، وإنما يُقالُ "ما" في غيرِ الناس؟ قيل: معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذي ذهبتَ إليه، وإنما معناه: فانكِحُوا نكاحًا طيبًا. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: [حدثنا أبو عاصمٍ، قال] (٢): ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مَّنَ النِّسَاءِ﴾: فانكِحُوا النساءَ نكاحًا طيبًا (٣). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. فالمعنيُّ بقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُم﴾. الفِعْلُ دونَ أعيانِ النساءِ وأشخاصِهنَّ؛ فلذلك قيل: "ما". ولم يُقَلْ: "مَن". كما يقالُ: خُذْ مِن رَقِيقى ما أَرَدْتَ. إذا عَنَيْت: خُذْ منهم إرادتَك. ولو أرَدتَ: خُذِ الذي تُرِيدُ منهم، لقلت: خُذْ مِن رَقيقى مَن أَرَدْتَ منهم. وكذلك قولُه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. بمعنى: أو مِلكَ أيمانِكم. وإنما [عنى بقولِه] (٤) جل ثناؤه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ

стр. 4209

وَرُبَاعَ﴾: فلْيَنْكِحْ كلُّ واحدٍ منكم مَثْنَى وثُلاثَ ورُباعَ، كما قيل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. [يعنى به فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهم ثمانين جلدةً] (١). وأما قولُه: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. فإنهن (٢) تُرِكَ إجْراؤُهن؛ لأنهن مَعْدولاتٌ عن اثْنينِ وثلاثٍ وأربعٍ، كما عُدِلَ عُمَرُ عن عامرٍ وزُفَرُ عن زافرٍ، فتُرِكَ إجْراؤُه. وكذلك أحادُ وثُناءُ، ومَوْحدُ ومَثْنَى ومَثلثْ ومَربعُ، لا يُجْرَى ذلك كلُّه؛ للعلةِ التي ذَكَرْتُ، من العُدولِ عن وُجوهِه. ومما يَدُلُّ على أن ذلك كذلك، أنَّ (٣) الذكرَ والأُنثى فيه سواءٌ، فقيلَ (٤) في هذه السورةِ (٥): ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. [للإناث وقيل في موضعٍ آخر: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾] (٦) يُرادُ به الجنَاحُ، والجَناحُ ذَكَرٌ، وأنه أيضًا لا يُضافُ إلى ما يُضافُ إليه الثلاثةُ والثلاثُ، وأن الألفَ واللامَ لا تَدْخلُه، فكان في ذلك دليلٌ على أنه اسمٌ للعددِ مَعْرفةٌ، ولو كان نَكِرةٌ لدخَله الألفُ واللامُ، وأُضيفَ كما يُضافُ الثلاثةُ والأربعةُ، ومما يُبَيِّنُ ذلك قولُ تَمِيمِ بن أُبَيٍّ بن مُقْبلٍ (٧):

стр. 4210

تَرَى النُّعَرَاتِ (١) الزُّرْقُ (٢) تَحْتَ لَبانِه (٣) … أُحَادَ (٤) ومَثْنَى أَصْعَقَتْها صَوَاهِلُهْ فردّ أُحادَ ومثنى على النُّعَراتِ، وهى معرفةٌ، وقد تَجْعَلُها العربُ نكرةً فتُجْرِيها، كما قال الشاعرُ (٥): قتَلنا به مِن بين مَثْنًى وَمَوْحَدِ بأربعةٍ منكمْ وآخَرَ خامسِ (٦) ومما يُبَيِّنُ أن ثُناءَ وأُحادَ غيرُ جاريةٍ قولُ الشاعرِ (٧): [ولقد قتَلْتُكُمُ] (٨) ثُناءَ وموْحَدًا … وتَرَكْتُ [مُرَّةً مثلَ أمسِ] (٩) المُدْبِرِ (١٠) ومنه قولُ [صخرٍ الغيِّ] (١١):

стр. 4211

مَنَت (١) لك أن تُلاقِيَنى المَنايا … أُحَادَ أُحَادَ في شهرٍ حلال ولم يُسْمَعْ مِن العرب صرفُ ما جاوَز الرُّباعَ والمَرْبعَ عن جهتِه، لم يُسْمَعْ منها خُماسٌ ولا المخمسُ، ولا السُّباعُ ولا المَسْبعُ، وكذلك ما فوق الرُّباعِ، إلا في بيتِ الكُميْتِ، فإنه يُرْوى له في العشرةِ عُشارٌ، وهو قولُه: (٢) فلم يَسْتَرِيثُوك (٣) حتى رَمَيـ … ـت فوقَ الرجالِ خِصالًا عُشارَا يُريدُ عَشْرًا، يقالُ: إنه لم يُسْمَعْ غيرُ ذلك. وأما قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا [فَوَاحِدَةً﴾. فإن (٤) نصبَ واحدةٍ، بمعنى: فإن خِفْتم ألا تَعْدِلوا] (٥) - فيما يَلْزَمُكم مِن العدلِ بين (٦) ما زاد على الواحدةِ مِن النساءِ عندَكم بنكاحٍ فيما أوجَبه اللهُ لهنّ عليكم - فانْكِحُوا واحدةً منهنَّ. ولو كانت القراءةُ جاءت في ذلك بالرفعِ كان جائزًا، بمعنى: فواحدةٌ كافيةٌ، أو فواحدةً مُجْزِئةٌ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وإن قال لنا قائلٌ: قد علِمت أن الحلالَ [لنا مِن جمعِ النساءِ الحرائرِ بالنكاحِ] (٧) أربعٌ، فكيف قيل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. وذلك في العددِ تسعٌ؟ قيل: إن تأويلَ ذلك: فانْكِحُوا ما طاب لكم مِن النساءِ، إما مَثْنَى إن أمِنتم الجَوْرَ مِن أنفسِكم فيما يَجِبُ لهما عليكم، وإما ثُلاثَ إن لم تخافوا

стр. 4212

ذلك؛ وإما أربعٌ إن أمِنتم ذلك فيهن، يَدُلُّ على صحةِ ذلك قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. لأن المعنى: فإن خِفْتم في الثنتين، فانكحوا واحدةً، ثم قال: فإن خِفْتم ألا تَعْدِلُوا أيضًا في الواحدةِ، فما ملَكت أيمانُكم. فإن قال قائلٌ: فإنّ [مِن قولِك: إن] (١) أمرَ الله ونهيَه على الإيجابِ والإلزامِ حتى تَقُومَ حجةٌ بأن ذلك على الندبِ (٢) والإرشاد أو (٣) الإعلامِ، وقد قال تعالى ذكرُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وذلك أمرٌ، فهل مِن دليلٍ على أنه مِن الأمرِ الذي هو على غيرِ وجهِ الإلزامِ والإيجابِ؟ قيل: نعم، والدليلُ على ذلك قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. فكان معلومًا بذلك أن قولَه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. وإن كان مَخْرِجُه مَخْرَجَ الأمرِ، فإنه بمعنى الدَّلالةِ على النهيِ عن نكاحِ ما خاف الناكحُ الجَوْرَ فيه مِن عددِ النساءِ، لا بمعنى الأمرِ بالنكاح، وأنَّ المعنىَّ به: وإن خِفْتم ألا تُقْسِطوا في اليتامى فتَحَرَّجتم فيهم، فكذلك فتَحَرَّجوا في النساءِ، فلا تَنْكحوا إلا ما أمِنتم الجَوْرَ فيه منهن، مما أحْلَلْتُه لكم منهن مِن الواحدةِ إلى الأربعِ. وقد بيَّنا في غيرِ هذا الموضعِ، بأن العربَ تُخْرِجُ الكلامَ بلفظِ الأمرِ، ومعناها فيه النهيُ أو التهديدُ والوعيدُ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وكما قال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥، والروم: ٣٤]. فخرَج (٤) ذلك مَخْرَجَ الأمرِ، والمقصودُ به التهددُ والوعيدُ، والزجرُ والنهيُ (٥)، فكذلك قولُه:

стр. 4213

﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. بمعنى النهي، فلا تَنْكِحُوا إلا ما طاب لكم من النساءِ، على النحوِ الذي [بينا، وبنحو الذي] (١) قلنا في معنى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يَقُولُ: فإن خِفْتَ أَلا تَعْدِلَ في واحدةٍ، فما ملَكت يمينُك (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ﴾: السَّرَارِيُّ (٣). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: فإِن خِفْتَ (٤) أَلا تَعْدِلَ في واحدةٍ، فما ملَكت يمينُك (٥). حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: ثنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾. قال: في الحُبِّ والمجامعةِ (٦). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.

стр. 4214

قال أبو جعفرٍ: يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿ذَلِكَ﴾ وإن خِفْتم ألا تَعْدِلُوا في مَثْنَى أو ثُلاثَ أو رُباعَ، فنكَحتم واحدةً، أو خِفْتم ألا تَعْدِلوا في الواحدةِ فَتَسَرَّرتم ملكَ أيمانِكم - فهو ﴿أَدْنَى﴾؛ يَعْنى أقربَ ﴿ألَّا تَعُولُوا﴾، يَقُولُ: ألا تَجُوروا ولا تَمِيلوا، يُقَالُ منه: عال الرجلُ فهو يَعُول عَوْلًا وعِيالةً. إِذا مال وجار، ومنه عَوْلُ الفرائضِ؛ لأن سِهامَها إذا زادَت دخَلها النقصُ؛ وأما مِن الحاجةِ، فإنما يُقالُ: عال [فلانٌ يعيلُ] (١) عَيْلةً. وذلك إذا احتاج، كما قال الشاعرُ (٢): وما (٣) يَدْرِى الفقيرُ متى غِناه … وما (٤) يَدْرى الغنيُّ متى يَعِيلُ بمعنى متى يَفْتَقِرُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: العَوْلُ: الميلُ في النساءِ (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنى حَكامٌ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. [ألَّا تَمِيلوا] (٦).

стр. 4215

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾: ألا تَمِيلوا (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا [محمدُ بنُ] (٢) المثنى، قال: ثنا أبو النعمان محمدُ بنُ الفضلِ عارمٌ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: ألا تَمِيلوا. قال ثم قال: أما سمِعت إلى قولِ أبي طالبٍ: * بميزانِ قِسْطٍ وَزْنُه غيرُ عَائِلِ (٣) * حدَّثني المثنى، قال: ثنا حَجّاجٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن [الزبيرِ بن الخِرِّيتِ] (٤)، عن عِكرمةَ في هذه الآيةِ ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: ألا تميلوا. قال: وأنشد بيتًا مِن شعرٍ زعَم أن أبا طالبٍ قاله: بميزانِ قِسْطٍ لا يُخِسُّ (٥) شَعيرةً … ووَازنِ صدقٍ وَزْنُهُ غيرُ عائلِ (٦) قال أبو جعفرٍ: ويُرْوَى هذا البيتُ على غيرِ هذه الروايةِ (٧):

стр. 4216

بميزانِ قسْطٍ (١) لا يُغِلُّ شعيرةً … له شاهدٌ مِن نفسِه غيرُ عائلِ حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: ألا تَمِيلوا (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، قال: كتَب عثمانُ بنُ عفانَ ﵁ إلى أهلِ الكوفةِ في شيءٍ عاتَبوه عليه فيه: إنى لست بميزانٍ لا أعولُ (٣). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثَّامُ (٤) بنُ عليٍّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: ألا (٥) تَمِيلوا (٦). حدَّثنا بِشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ يقولُ: أدنى ألا تَمِيلوا (٧). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: تَمِيلوا (٨).

стр. 4217

حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. يَقُولُ: ألا تَمِيلوا (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. يَقُولُ: ألّا تَمِيلوا (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. يعنى: ألا تَمِيلوا (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. يقولُ: ذلك أدنى ألا تَمِيلوا. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: ألا تَجُورواه (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونِ، وعارمٌ أبو النعمانِ، قالا: ثنا هشيمٌ، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ مثلَه. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن يونسَ، عن أبي (٥) إسحاقَ، عن مجاهدٍ:

стр. 4218

﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: تَمِيلوا (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال: ذلك أقلُّ لنَفَقَتِك، الواحدةُ أقلُّ مِن ثنتين وثلاثٍ وأربعٍ، وجاريتُك أهونُ نفقةً مِن حرَّةٍ، ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾: أهونُ عليك (٢) في العيالِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. قال أبو جعفرٍ: يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: وأعطُوا النساءَ مُهورَهنَّ عطيةً واجبةً، وفريضةً لازمةً؛ يُقالُ منه: نحَل فلانٌ فلانًا كذا وكذا، فهو يَنْحَلُه نِحْلةً ونُحْلًا. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. يَقولُ: فَرِيضةً (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: أخبرَنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾: يعنى بالنِّحْلةِ المهرَ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. قال: فريضةً مسماةً (٦).

стр. 4219

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: سمِعت ابنَ زيدٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. قال: النِّحْلَةُ في كلامِ العربِ: الواجبُ، يَقولُ: لا يَنْكِحُها إلا بشيءٍ واجبٍ لها؛ صَدُقةٍ يُسمِّيها لها واجبةٍ، وليس يَنْبَغى لأحدٍ - بعد النبيِّ ﷺ أن يَنْكِحَ امرأةً إلا بصداقٍ واجبٍ، ولا يَنْبَغى أن يَكُونَ تسميةُ الصداقِ كذِبًا بغيرِ حقٍّ (١). وقال آخرون: بل عَنى بقولِه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾: أولياءَ النساءِ، وذلك أنهم كانوا يَأخُذون صَدُقاتِهن. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عون، قال: ثنا هشيمٌ، عن سيارٍ، عن أبي صالحٍ، قال: كان الرجلُ إذا زوَّج أَيِّمَه (٢) أَخَذَ صَداقَها دونَها، فنهاهم اللهُ ﵎ عن ذلك، ونزَلت: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٣). وقال آخرون: بل كان ذلك مِن أولياءِ النساءِ، بأن يُعْطِىَ الرجلُ أختَه الرجلَ، على أن يُعْطِيَه الآخرُ أختَه، على أن لا كثيرَ مهرٍ بينَهما، فنُهوا عن ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حضرميٌّ أن ناسًا كانوا يُعْطِى هذا الرجلَ أختَه، ويَأْخُذُ أَختَ الرجلِ، ولا

стр. 4220

يَأْخُذُون كبيرَ (١) مهرٍ، فقال اللهُ ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٢). قال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلاتِ التي ذكَرناها في ذلك التأويلُ الذي قلناه، وذلك أن الله ﵎ ابتدَأ ذكرَ هذه الآيةِ بخطابِ الناكحين النساءَ، ونهاهم عن ظُلْمِهن والجَورِ عليهن، وعرَّفهم سبيلَ النجاةِ من ظلمِهنّ. ولا دَلالةَ في الآيةِ على أن الخطابَ قد صُرِف عنهم إلى غيرِهم، فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذين قيل لهم: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. هم الذين قيل لهم: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾. وأن معناه: وآتُوا مَن نكَحتم مِن النساءِ [صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلةً؛ لأنه قال في أوَّلِ الآيةِ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾] (٣). ولم يقُلْ: "فأنكحوا". فيكونَ قولُه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. مصروفًا إلى أنه معنيٌّ به أولياءُ النساءِ دونَ أزواجِهنَّ، وهذا أمرٌ مِن اللهِ أزواجَ النساءِ المدخولِ بهن، أو المسمَّى لهنّ الصداقُ، بإيتائهن (٤) صَدُقاتِهن دون المطلقاتِ قبلَ المدخولِ بهن، ممن لم يُسمَّ لها في عقدِ النكاحِ صداقٌ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾. يَعْنى بذلك جل ثناؤه: فإن وهَب لكم أيُّها الرجالُ نساؤكم شيئًا من صَدُقاتِهن طيبةً بذلك أنفسُهن، فكُلوه هنيئًا مريئًا. كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا بِشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا

стр. 4221

عُمارةُ، عن عِكرمةَ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال: المهرُ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى حَرَميُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عُمارةَ، عن عِكرمةَ (٢) في قولِ اللهِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال: الصَّدُقاتُ (٣). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا الحِمّاني، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال: الأزواجُ (٤). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عُبَيدةَ، قال: قال لى إبراهيمُ: أكلتَ مِن الهَنئِ المرِئِ؟ قلت: ما ذلك؟ قال: امرأتُك أعطَتك مِن صداقِها (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: دخَل رجلٌ على علقمةَ وهو يَأْكُلُ من طعامٍ بينَ يَدَيه؛ مِن شيءٍ أعطَتْه امرأتُه مِن صداقِها أو غيرِه، فقال له علقمةُ: ادْنُ (٦)، فَكُلْ مِن الهَنيءِ المَرِيءِ (٧).

стр. 4222

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. يَقُولُ: إذا كان غيرَ إضرارٍ ولا خديعةٍ، فهو هَنئٌ مَرِئٌ، كما قال اللهُ جل ثناؤه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال: الصَّداقُ ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: سمِعت ابنَ زيدٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. [قال: طِبن لكم بشيءٍ من الصَّداقِ (٢) نفْسًا بعد أن تُوجِبوه لهن] (٣) فكُلوه هنيئًا مريئًا. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المَعتمرُ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَمِيٌّ أن أناسًا كانوا يَتَأَثَّمون أن يُراجِعَ (٤) أحدُهم في شيءٍ مما ساق إلى امرأتِه، فقال الله : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. يَقولُ: ما طابت به نفسُها في غيرِ كُرْهٍ (٦) أو هوانٍ، فقد أحلَّ اللهُ لك ذلك أن تَأْكُلَه هنيئًا مَرِيئًا (٧).

стр. 4223

وقال آخرون: بل عَنَى بهذا القولِ أولياءَ النساءِ، فقيل لهم: إن طابت (١) النساءُ اللواتي إليكم عِصْمةُ نكاحهنَّ بصَدُقاتِهن نفسًا، فكُلُوه هَنيئًا مَرِيئًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا سيارٌ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال: كان الرجلُ إذا زوَّج ابنتَه عمَدَ إلى صداقِها فأخَذه، قال: فنزلت هذه الآيةُ في الأولياءِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢). وأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ التأويلُ الذي قُلْنا، وأن الآيةَ مخاطبٌ بها الأزواجُ؛ لأن افتتاحَ الآية مُبْتَدَأٌ بذكرِهم، وقولُه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. في سياقِه. وإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. وقد علمت أن معنى الكلامِ: فإن طابت لكم أنفسُهن بشيءٍ، وكيف وُحِّدت النفسُ والمعنى للجميعِ، وذلك أنه تعالى ذكرُه قال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾؟ قيل: أما نقلُ فعلِ النفوسِ إلى أصحابِ النفوسِ، فإن ذلك المستفيضُ في كلامِ العربِ، من كلامِها المعروفِ: ضِقْتُ بهذا الأمرِ ذراعًا وَذَرْعًا، وقَرِرْتُ بهذا الأمرِ عينًا. والمعنى: ضاق به ذراعى، وقرَّت به عينى، كما قال الشاعرُ (٣):

стр. 4224

إذا التَّيَّازُ (١) ذو العَضَلاتِ قلنا … إليكَ إليكَ ضاقَ بها ذِراعًا فنقَل صفةَ الذراعِ إلى ربِّ الذراعِ، ثم أخرَج الذراعَ مُفَسِّرةً (٢) لموقِع الفعلِ، وكذلك وحَّد النفسَ في قولِه: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مَّنْهُ نَفْسًا﴾. إذ كانت النفسُ مفسِّرةً لموقعِ الخبرِ. وأما توحيدُ النفسِ [فإن أهلَ العربيةِ اختلفوا فيه؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أجزأ النفسُ] (٣) مِن النفوسِ؛ لأنه إنما أراد الهوى، والهوى يكون جماعةً، كما قال الشاعرُ (٤): بها جِيَفُ الحَسْرَى (٥) فأما عِظامُها … فبِيضٌ وأما جلدُها فصَلِيبُ (٦) وكما قال الآخرُ (٧): في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شَجِينا (٨) وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: جائزٌ في النفسِ في هذا الموضعِ، الجمعُ والتوحيدُ، فإن طِبْنَ لكم طِبْنَ لكم عن شيءٍ منه نفسًا وأنفسًا، وضِقْت به [ذَرْعًا وذراعًا، فيَكْفِي المصدرُ من الاسمِ، وضِقْنا به أَذْرعًا وذَرْعًا وذراعًا] (٩)؛ لأنه

стр. 4225

منسوبٌ إليك، وإلى مَن تُخْبِرُ عنه، فاكتفى بالواحد من الجمعِ لذلك، ولم يَذْهَبِ الوهمُ إلى أنه ليس بمعنى جمعٍ؛ لأن قبلَه جمعًا. والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن النفسَ وقَع موقعَ الأسماءِ التي تأتى بلفظِ الواحدِ مؤدّيةً [عن معنى الجميعِ، فتجمَعُ ذلك العرب أحيانًا لمعناه، وتوحِّدُه أحيانًا استغناءً بمعرفتِهم] (١) بمعناه (٢) إذا ذكِر بلفظِ الواحدة أنه (٣) بمعنى الجمعِ، عن الجمعِ. وأما قولُه: ﴿هَنِيئًا﴾. فإنه مأخوذٌ مِن هَنَأْتُ البعيرَ بالقطِرانِ: وذلك إذا جرِب فعولِج به، كما قال الشاعرُ (٤): مُتَبَذِّلًا تَبْدُو محاسنُه … يَضَعُ الهِناءَ (٥) مواضعَ النُّقْبِ (٦) فكأن معنى قولِه: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. فكُلُوه دواءً شافيًا. يقالُ منه: هنَأنى الطعامُ ومرَأنى. أي: صار لي دواءً وعلاجًا شافيًا، وهَنِئَنى ومرِئَنى بالكسرِ، وهي قليلةٌ، والذين يَقولون هذا القولَ يقولون: يَهْنَأُنى ويَمْرَأُنى، والذين يَقولون: هنَأنى. يَقولون: يهنِئُنى ويمرِئُنى. فإذا أفرَدوا، قالوا: قد أمرَأنى هذا الطعامُ [ولا يقولون قد: أَهْنَأنى. والمصدرُ منه هَنْأً مَرْأً، وقد مَرُؤ هذا الطعامُ] (٧) مراءةً (٨). ويقالُ:

стр. 4226

هنأتُ القومَ. إذا عُلْتَهم، سُمِع مِن العربِ يقولون: إنما سمِّيتَ هانئًا لِتَهنَأَ. بمعنى: لتَعولَ وتَكْفِي. القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السُّفَهاءِ الذين نَهَى اللهُ عبادَه أن يُؤْتُوهم أموالَهم؛ فقال بعضُهم: هم النساءُ والصبيانُ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الكريمِ، عن، عن سعيدٍ بن جُبَيْرٍ، قال: اليتامَى والنساءُ (١). حدَّثَنَا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ، عن يُونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: لا تُعْطوا الصغارَ والنِّساءَ (٢). حدَّثَنَا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن يُونسَ، عن الحسنِ، قال: المرأةُ والصبيُّ (٣).

стр. 4227

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (١)، عن أبي حُرَّةَ (٢)، عن الحسن، قال: النِّساءُ والصغارُ. والنساءُ أَسْفَهُ السُّفَهاءِ (٣). حدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاق، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: السفهاءُ: ابنُك السَّفِيهُ، وامرأتُك السفيهةُ وقد ذُكِرَ أن رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "اتَّقُوا الله فِي الضَّعِيفَيْنِ: اليتيمِ والمرأةِ" (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنى الحِمَّانِيُّ، قال: أَخْبَرَنَا حُمَيدُ بنُ (٥) عبدِ الرحمنِ الرُّؤاسيُّ، عن السُّديِّ - قال: يَرُدُّه إلى عبدِ اللهِ - قال: النساءُ والصبيانُ (٦). حدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. أما السفهاءُ فالولدُ والمرأةُ (٧). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بنُ سُلَيمانَ، عن الضَّحاكِ قولَه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. يعنى بذلك: ولدَ الرجلِ وامرأتَه، وهى أسْفَهُ السُّفَهاءِ (٨).

стр. 4228

حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنَا يزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: السُّفَهَاءُ الولدُ والنساءُ أسْفَهُ السُّفَهاءِ، فيكونوا عليكم أرْبابًا (١). حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن نُبَيطٍ، عن الضَّحاكِ، قال: أبناؤُكم ونساؤكم (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانِيُّ، قال: ثنى أبي، عن سَلَمَةَ، عن الضَّحاكِ، قال: النِّسَاءُ والصِّبيانُ. حدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: أَخْبَرَنَا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُميدٍ الأعْرَجِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: النساءُ والولَدُ (٣). حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثني أبو نُعيمٍ، قال: ثنا ابن أبي غَنِيَّةَ (٤)، عن الحَكمِ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: النساءُ والولَدُ (٥). حدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: أمَر اللهُ بهذا المالِ أن يُخْزَنَ فتُحْسَنَ خِزانَتُه، ولا تُمَلَّكَه المرأةُ السَّفِيهةُ ولا الغلامُ السَّفِيهُ (٦).

стр. 4229

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ، عن أبي مالكٍ، قال: النساءُ والصبيانُ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: امرأتَك وبَنِيك. وقال: السفهاءُ الولدانُ، والنساءُ أسفَهُ السفهاءِ (٢). وقال آخرون: بل السفهاءُ: الصِّبيانُ خاصةً. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: هم اليتامَى (٣). حدَّثَنَا ابن وَكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، قال: السفهاءُ: اليتامَى. حدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أَخْبَرَنَا يُونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. يقولُ: لا تَنْحَلوا الصِّغارَ (٤). وقال آخرون: بل عَنَى بذلك السفهاءَ مِن ولدِ الرجلِ.

стр. 4230

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي مالكٍ قولَه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: لا تُعْطِ وَلَدَك السَّفِيهَ مالَك فيُفْسِدَه، الذي هو قوامُك بعدَ اللهِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. يقولُ: لا تُسَلِّطِ السَّفيهَ مِن ولدِك. فكان ابن عباسٍ يقول: نزَل ذلك في السفهاءِ، وليس اليَتامَى مِن ذلك في شيءٍ (٢). حدَّثَنَا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن فِراسٍ، عن الشعبيِّ، عن أبي بُردةَ، عن أبي موسى الأشْعَريِّ أنه قال: ثلاثةٌ يَدعون الله فلا يَسْتَجِيبُ لهم: رجلٌ كانت له امرأةٌ سيئةُ الخُلُقِ فلم يُطَلِّقْها، ورجلٌ أَعْطَى مالَه سفيهًا، وقد قال اللهُ : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. ورجلٌ كان له على رجلٍ دَينٌ، فلم يُشْهِدْ عليه (٣). حدَّثَنَا يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: سمعت ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الآية. قال: لا تُعْطِ السَّفِيهَ من ولدِك رأسًا ولا حائطًا، ولا شيئًا هو لك قَيِّمًا مِن مالِك (٤).

стр. 4231

وقال آخرون: بل السفهاءُ في هذا الموضعِ النساءُ خاصةً دونَ غيرِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتمِرُ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرميٌّ أن رجلًا عَمَد فَدَفَع مالَه إلى امرأتِه، فوَضعتْه في غيرِ الحقِّ، فقال اللهُ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (١). حدَّثَنَا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حُميدِ بن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: النساءُ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حُميدِ بن قَيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: هنَّ النساءُ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. قال: نَهَى (٣) الرجالَ أن يُعْطُوا النساءَ أموالَهم وهنَّ سفهاءُ، مَن كُنَّ أَزواجًا أو أمهاتٍ أو بناتٍ (٤). حدَّثَنَا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثَنَا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا هشامٌ، عن الحسنِ، قال: المرأةُ.

стр. 4232

حدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أَخْبَرَنَا جويبرٌ، عن الضَّحاكِ، قال: النساءُ مِن أسفهِ السفهاءِ (١). حدَّثَنَا المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن أبي عَوانةَ، عن عاصمٍ، عن مُوَرِّقٍ، قال: مَرَّت امرأةٌ بعبدِ اللهِ بن عُمرَ، لها شارةٌ وَهْيئةٌ، فقال لها ابن عمرَ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٢). والصوابُ مِن القولِ في تأويلِ ذلك عندَى، أن الله عَزَّ ذكرُه عمَّ بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. فلم يَخْصُصْ سفيهًا دونَ سفيهٍ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يُؤتىَ سفيهًا مالَه، صبيًا صغيرًا كان أو رجلًا كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى. والسفيهُ الذي لا يجوزُ لوليِّه أن يُؤْتيَه مالَه، هو المُسْتَحِقُّ الحَجْرَ بتَضْيِيعِه مالَه، وفسادِه وإفسادِه، وسوءِ تَدْبيرِه ذلك. وإنما قلنا ما قلنا مِن أن المعنيَّ بقولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. هو مَن وَصَفْنا دونَ غيرِه؛ لأن الله عز ذكرُه قال في الآيةِ التي تَتْلُوها: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. فأمَر أولياءَ اليَتامَى بدَفْعِ أموالِهم إليهم، إذا بَلَغوا النكاحَ، وأُونِسَ منهم الرُّشْدُ، وقد يَدْخُلُ في اليَتامَى الذكورُ والإناتُ، فلم يَخْصُصْ بالأمرِ بدفعِ ما لهم مِن الأموالِ الذكورَ دونَ الإناثِ، ولا الإناثَ دونَ الذكورِ. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذين أُمِرَ أولياؤهم بدَفِعِهم أموالَهم إليهم وأُجِيزَ للمسلمين مُبايَعتُهم ومُعامَلتُهم، غيرُ الذين أُمِرَ أولياؤهم بمَنْعِهم أموالَهم وحُظِرَ على المسلمين مُداينتُهم ومُعامَلتُهم.

стр. 4233

فإذا كان ذلك كذلك، فَبَيِّنٌ أن السُّفهاء الذين نهَى الله المؤمنين أن يُؤْتُوهم أموالَهم هم المُسْتَحِقون الحَجْرَ والمُسْتَوْجِبون أن يُولَى عليهم أموالُهم، وهم مَن وَصَفْنا صِفَتَهم قبلُ، وأن مَن عدا ذلك فغيرُ سَفِيهٍ؛ لأن الحَجْرَ لا يَسْتَحِقُّه مَن قد بلَغ وأُونِسَ رُشْدُه. وأما قولُ مَن قال: عنَى بالسفهاءِ النساءَ خاصةً. فإنه حمَل اللغةَ على غيرِ وجهِها، وذلك أن العربَ لا تكادُ تَجمَعُ "فعيلًا" على "فُعَلاءَ"، إلا في جمعِ الذكورِ، أو الذكورِ والإناثِ، فأما إذا أرادوا جمعَ الإناثِ خاصةً لا ذُكْرانَ معها، جمعوه على: فَعائِلَ وفَعِيلاتٍ، مثل غريبةٍ تُجمَعُ على غَرائبَ وغَريباتٍ؛ فأَما الغُرباءُ فجَمْعُ غريبٍ. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى بذلك: لا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ مِن النساءِ والصبيانِ - على ما قد ذَكَرْنا مِن اخْتِلافِ مَن حَكَيْنا قولَه قبلُ - أيُّها الرُّشداءُ، أموالَكم التي تَمْلِكونها، فتُسَلِّطوهم عليها فيُفْسِدوها ويُضَيِّعوها، ولكن ارْزُقوهم أنتم منها، إن كانوا ممن يَلْزَمُكم نَفَقَتُه، واكْسُوهم، وقولوا لهم قولًا مَعْروفًا. وقد ذَكَرْنا الرِّوايةَ عن جماعةٍ ممن قال ذلك، منهم أبو موسى الأشعريُّ، وابنُ عباسٍ، والحسنُ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، والحَضْرَمِيُّ، وسَنَذْكُرُ أقوالَ الآخرين الذين لم يُذكَرْ قولُهم فيما مَضَى قبلُ. حدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾. يقولُ: لا تُعْطِ امرأتَك وولدَك مالَك، فيكونوا هم الذين يَقُومون عليك، وأطْعِمُهم

стр. 4234

مِن مالِك واكْسُهم (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. يقولُ: لا تُسَلِّطِ السفيهَ مِن ولدِك على مالِك، وأمَرك أن تَرْزُقَه منه وتَكْسُوَه (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قال: لا تُعْطِ السفيهَ من مالِك شيئًا هو لك. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تُؤْتُوا السفهاءَ أموالَهم، ولكنه أُضِيفَ إلى الوُلاةِ؛ لأنهم قُوَّامُها ومُدَبِّروها. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. [قال: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أموالَهم. بمنزلةِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. قال: وهم اليتامى يقولُ: لا تؤتوهم أموالَهم وارزقوهم منها واكسوهم (٣). وأولى الأقوالِ بتأويلِ ذلك أن يقال: إن الله جلَّ وعزَّ نهى المؤمنين أن يُؤتوا السفهاءَ أموالَهم] (٤) وقد يدخلُ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. أَمْوالُ المَنْهِيين

стр. 4235

عن أن يُؤْتُوهم ذلك، وأموالُ السفهاءِ؛ لأن قولَه: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ غيرُ مَخْصوصٍ منها بعضُ الأموال دونَ بعضٍ، ولا تمتنعُ العربُ أن تُخاطِبَ قومًا خِطابًا، فيَخْرُجَ الكلامُ بعضُه خبرٌ عنهم، وبعضُه عن غَيَبٍ، وذلك نَحْوُ أن يقولوا: "أكَلْتم يا فلانُ أموالَكم بالباطلِ. فخاطب الواحدَ خِطابَ الجميعِ، بمعنى إنك وأصحابَك وقومك أكَلْتم أموالَكم. فكذلك قولُه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾. معناه: ولا تُؤْتُوا أيُّها الناسُ سُفهاءَكم أموالَكم التي بعضُها لكم وبعضُها لهم، فتُضَيِّعوها (٣). وإذا كان ذلك كذلك، وكان اللهُ قد عمَّ بالنهيِ عن إيتاءِ السفهاءِ الأموال كلَّها، ولم يَخْصُصُ منها شيئًا دونَ شيءٍ، كان بيِّنا بذلك أنّ معنى قولِه: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. إنما هو التي جعَل اللهُ لكم ولهم قِيامًا، ولكن السُّفهاءَ دخَل ذِكْرُهم في ذكرِ المُخاطَبين بقولِه: ﴿لَكُمْ﴾. وأما قولُه: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. [فإنه يعنى: التي جعَلها اللهُ قوامَ معايشِكم ومعايشِ سُفهائِكم التي بها تقومون] (١). "قيامًا" و "قِيَمًا" و "قِوَامًا" في معنًى واحدٍ. وإنما "القيامُ" أصلُه "القِوَامُ"، غيرَ أن القافَ التي قبلَ الواوِ لمّا كانت مكسورةً، جُعِلَت الواوُ ياءً لكسرةِ ما قبلَها، كما يُقالُ: صُمْتُ صيامًا، وحُلتُ حِيالًا، ويقالُ منه: فلانٌ قِوَامُ أهلِ بيتِه، وقيامُ أهلِ بيتِه. واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم (٢): (الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيمًا) بكسرِ القافِ وفتحِ الياءِ بغيرِ ألفٍ. وقرأه آخرون (٣): ﴿قِيَامًا﴾ بألفٍ.

стр. 4236

والقراءةُ التي نَخْتارُها: ﴿قِيَامًا﴾ بالألفِ؛ لأنها القراءةُ المعروفةُ في قراءةِ أمصارِ الإسلامِ، وإن كانت الأُخْرَى غيرَ خَطأ ولا فاسدٍ. وإنما اخترنا ما اخترنا مِن ذلك؛ لأن القراءاتِ إِذا اخْتَلَفت في الألفاظِ واتفَقَت في المعنى، فأعجبُها إلينا ما كان أظهرُ وأشهرَ في قراءةِ أمصارِ الإسلامِ. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿قِيَامًا﴾، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: الذي هو قِوَامُك بعدَ اللهِ (١). حدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: فإن المالَ هو قِيَامُ الناسِ؛ قِوَامُ معايشِهم. يقولُ: كن (٢) أنت قَيِّمَ أهلِك، ولا تُعْطِ امرأَتَك [وولدَك] (٣) مالَك، فيكونوا هم الذين يَقُومون عليك (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. يقولُ اللهُ : لا تَعْمِدُ إلى مالِك وما خَوَّلك اللهُ وجعَله لك معيشةً، فتُعْطِيَه امرأتَك أو بَنِيك ثم تَنْظُرَ إلى ما في أيديهم، ولكن أَمْسِكْ مالَك وأصْلِحْه، وكن أنت الذي تُنْفِقُ عليهم في كِسْوَتِهم ورِزْقِهم ومُؤْنَتِهم. قال: وقولُه: ﴿قِيَامًا﴾. يعنى: قِوَامَكم في

стр. 4237

معايشِكم (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا معمرٌ، عن الحسنِ قولَه: ﴿قِيَامًا﴾. قال: قِيامُ عيشِك (٢). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا (٣) بَكْرُ بنُ شرودٍ، عن (٤) مجاهدٍ أنه قرأ: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. [بالألفِ، يقولُ: قيِامُ عيشِك (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾] (٦). قال: لا تُعْطِ السفيهَ من ولدِك شيئًا هو لك قِيَمٌ مِن مالِك، وارزقوهم (٧). وأما قولُه: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلفوا في تأويلِه، فأما الذين قالوا: إنما عَنَى اللهُ جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾: أموالَ (٨) أولياءِ السُّفهاءِ، [لا أموالَ] (٩) السفهاءِ، فإنهم قالوا: معنى ذلك: وارْزُقوا أيُّها الناسُ سفهاءَكم مِن نسائِكم وأولادِكم، مِن أموالِكم طعامَهم، وما لابدَّ لهم

стр. 4238

منه، مِن مُؤنَتِهم (١) وكسْوَتِهم. وقد ذَكَرنا بعضَ قائلى ذلك فيما مَضَى، وسَنَذْكُر مَن لم نَذْكُرْ مِن قائليه. حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: نا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أُمِروا أن يَرْزُقوا سُفَهاءَهم، مِن أزواجِهم وأمهاتِهم وبناتِهم مِن أموالِهم (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾. قال: يقول: أنْفِقُوا عليهم (٣). حدَّثَنَا [محمدُ بنُ الحسينِ] (٤)، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾. يقولُ: أَطْعِمْهم (٥) مِن مالِك واكْسُهْم (٦). وأما الذين قالوا: إنما عَنَى بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾: أَموالَ السفهاءِ ألا يُؤْتيَهموها أولياؤُهم، فإنهم قالوا: معنى قولِه: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾: وارْزُقوا أيُّها الوُلاةُ - وُلاةُ أموالِ السفهاءِ - سفهاءَكم مِن أموالِهم، طعامَهم وما لابدَّ لهم مِن مُؤَنِهم وكِسْوتِهم، وقد مَضَى ذِكْرُ ذلك.

стр. 4239

قال أبو جعفرٍ: وأما الذي نراه صوابًا في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. من التأويل، فقد ذَكَرناه، ودَلَّلنا على صحةِ ما قلنا في ذلك، بما أغْنَى عن إعادتِه. فتأويلُ قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ - على التأويلِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ -: وأَنْفِقُوا على سفهائِكم من أولادِكم ونسائِكم [الذي يجبُ عليكم نفقتُه في] (١) طعامِهم وكِسْوتِهم من (٢) أموالِكم، ولا تُسَلِّطوهم على أموالِكم فيُهْلِكوها - وعلى سفهائِكم منهم، ممن لا تَجِبُ عليكم نَفَقَتُه، ومِن غيرِهم الذين تَلُون أنتم أمورَهم مِن أموالِهم، فيما لا بدَّ لهم مِن مُؤَنِهم في طعامِهم وشرابِهم وكِسْوتِهم؛ لأن ذلك هو الواجبُ مِن الحُكْمِ في قولِ جميعِ الحجةِ، لا خلافَ بينَهم في ذلك مع دَلالة ظاهرِ التنزيل على صحة ما قلنا في ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: عِدْهم عِدَةٌ جميلةٌ من البرِّ والصِّلَةِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: أُمِروا أن يقولوا لهم قولًا معروفًا في البرِّ والصَّلَةِ، يَعْنى النساءَ، وهن السفهاءُ عندَه (٣).

стр. 4240

حدَّثَنَا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ (١): ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: عِدَةً تَعِدونهم (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ادْعُوا لهم. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: إن كان ليس مِن ولدِك، ولا ممن يَجِبُ عليك أن تُنْفِقَ عليه، فقل له (٣) قولًا معروفًا، قل له (١): عافانا اللهُ وإياك، بارك (٤) اللهُ فيك (٥). قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ في ذلك بالصحةِ ما قاله ابن جُرَيجٍ، وهو أن مَعْنَى قوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. أي قولوا يا معاشَرَ وُلاةِ السفهاءِ قولًا معروفًا للسفهاء: إن صَلَحْتم ورَشَدْتم سَلَّمْنا إليكم أموالَكم، وخَلَّيْنا بينَكم وبينها، فاتقوا الله في أنفسِكم وأموالِكم. وما أَشْبَهَ ذلك مِن القولِ الذي فيه (٦) حثٌّ على طاعةِ الله، ونَهىٌ عن معصيتِه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. يعني تعالى ذِكْرُه بقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾. واخْتَبِروا عقولَ يتاماكم في
следующие страницы →