← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عبدِ الرحمنِ، عن سفيانَ، وحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هي واجبةٌ على أهلِ الميراثِ ما طابت به أنفسُهم (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ أنه سُئِلَ عن قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. فقال سعيدٌ: هذه الآيةُ يَتَهاونُ بها الناسُ. قال: وهما وَليَّانِ: أحدُهما يَرِثُ، والآخرُ لا يَرِثُ، والذي يَرِثُ هو الذي أُمِرَ أن يَرْزُقَهم (٢) - قال: يُعْطِيهم - قال: والذي لا يَرِثُ هو الذي أُمِرَ أن يقولَ لهم قولًا معروفًا، وهى مُحْكَمةٌ وليست بمنسوخةٍ (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةُ، عن إبراهيمَ بنحوِ ذلك، وقال: هي مُحْكمةٌ، وليست بمنسوخةٍ (٤). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مَطَرٍ (٥)، عن الحسنِ، قال: هي ثابتةٌ، ولكنَّ الناسَ بَخِلوا وشَحُّوا (٦).

стр. 4272

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مَنْصورٌ، عن (١) الحسنِ، قال (٢): هي مُحْكَمةٌ، وليست بمنسوخةٍ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبادُ بنُ العوَّامِ، عن الحجاجِ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هي قائمةٌ يُعْمَلُ بها (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾: ما طابت به الأنفسُ حقًّا واجبًا. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ والزهريِّ، قالا في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. قالا (٥): هي مُحْكمةٌ (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا منصورٌ، عن قتادةَ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، قال: ثلاثُ آياتٍ مُحْكماتٍ مدنياتٍ ترَكهن الناسُ: هذه الآيةُ، وآيةُ الاسْتِئذانِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨]. وهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (٧) [الحجرات: ١٣].

стр. 4273

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: هي ثابتةٌ. وقال آخرون: منسوخةٌ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ومحمدُ بنُ المُثنى، قالا: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: كانت هذه الآيةُ قِسمةً قبلَ المواريثِ، فلما أنزَل اللهُ المواريثَ لأهلِها جُعِلَتِ الوصيةُ لذَوِى القَرابةِ الذين يَحزنون ولا يَرِثون. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن قتادةَ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: هي منسوخةٌ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: كانت هذه قبلَ الفرائضِ وقِسمةِ الميراثِ (١)، فلما كانت الفرائضُ والمواريثُ نُسِخَتْ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: نَسَختها آيةُ الميراثِ (٣).

стр. 4274

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ مثلَه. حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ الآية إلى قولِه: ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: وذلك قبلَ أن تَنْزِلَ الفرائضُ، فأنزل اللهُ ﵎ بعدَ ذلك الفرائضَ، فأعْطَى كلَّ ذى حقٍّ حقَّه، فجُعِلت الصدقةُ فيما سمَّى المُتوفَّى (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جُوبيرٌ، عن الضحّاكِ، قال: نسَختها المواريثُ (٢). وقال آخرون: هي محكمةٌ وليست بمنسوخةٍ، غيرَ أن معنى ذلك: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ يَعْنِى بها قِسْمَةَ المَيِّتِ مالَه بوصيتِه لمَن كان يُوصِى له به. قالوا: وأُمِرَ بأن يَجْعَلَ وصيتَه في مالِه لمَن سمَّاه اللهُ تعالى في هذه الآيةِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا [سعيدُ بنُ يحيى] (٣) الأُمَوِيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ، عن ابن أبى مُلَيكةَ، عن القاسمِ بن محمدٍ أن عبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرحمنِ قسَم ميراثَ أبيه وعائشةُ حيةٌ، فلم يَدَعْ في الدارِ أحدًا إلا أعطاه، وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو

стр. 4275

الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. قال القاسمُ: فذَكَرتُ ذلك لابنِ عباسٍ، فقال: ما أصاب، إنما هذه الوصيةُ، يريدُ المَيِّتَ أن يُوصِىَ لقرابتِه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن جُريجٍ، قال: أخبرني ابن أبى مُليكةَ، أن القاسمَ بنَ محمدٍ أخبره أن عبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرحمنِ بن أبي بكرٍ قسَم، فذكَر نحوَه (١). حدَّثنا عِمرانُ بنُ موسى القَزّازُ (٢)، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: أُمِرَ أن يُوصِىَ بثُلُثِه في قرابتِه (٣). حدَّثنا [ابن المثنَّى] (٤)، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن المُسيبِ، قال: إنما ذلك عندَ الوصيةِ في ثُلُثِه (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن المُسيبِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. قال: هي الوصيةُ مِن الناسِ (٣). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: القسمةُ الوصيةُ، كان الرجلُ إذا أَوْصَى قالوا: فلانٌ يَقْسِمُ مالَه. فقال: ارْزُقوهم منه. يقولُ: أَوْصُوا لهم. يقولُ للذى

стр. 4276

يُوصِى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. إن لم تُوصُوا لهم، فقولوا لهم خيرًا (١). قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ مَن قال: هذه الآيةُ مُحكَمةٌ غيرُ منسوخةٍ، وإنما عنَى بها الوصيةَ لأُولِى قُرْبَى المُوصِى، وعنى باليتامى والمساكينِ أن يُقالَ لهم قولٌ معروفٌ. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصحةِ مِن غيرِه؛ لما قد بينَّا في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا وغيرِه (٢) أن شيئًا مِن أحكامِ اللهِ ﵎ التي أثْبَتها في كتابِه، أو بَيَّنها على لسانِ رسولِه ﷺ ، غيرُ جائزٍ فيه أن يُقالَ له: ناسخٌ لحكمٍ آخرَ. أو: منسوخٌ لحكمٍ آخرَ. إلا والحُكمان اللذان قُضِىَ لأحدِهما بأنه ناسخٌ والآخرُ بأنه منسوخٌ، نافٍ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، غيرُ جائزٍ اجتماعُ الحُكْمِ بهما في وقتٍ واحدٍ، بوجهٍ مِن الوجوهِ، وإن كان جائزًا صرفُه إلى غيرِ النسخِ، أو يقومَ بأن أحدَهما ناسخٌ والآخرَ منسوخٌ (٣) - حجةٌ يجِبُ التسليمُ لها. وإذ كان ذلك كذلك؛ لما قد دلَّلنا في غيرِ موضعٍ - وكان قولُه تعالى ذِكْرُه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. مُحْتمِلًا أن يكونَ مرادًا به: وإذا حضَر قسمةَ مالِ قاسمٍ مالَه بوصيةٍ، أولو قرابتِه واليتامى والمساكينُ، فارزقوهم منه. يُرادُ به (٤): فأَوْصوا لأُولِى قرابتِكم الذين لا يرِثونكم منه، وقولوا لليتامى والمساكينِ قولًا معروفًا. كما قال في موضعٍ آخرَ: ﴿كُتِبَ

стр. 4277

عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. ولا يكونُ منسوخًا بآيةِ الميراثِ - لم يَكُنْ لأحدٍ صرفُه إلى أنه منسوخٌ بآيةِ الميراثِ، إذ كان لا دَلالةَ على أنه منسوخٌ بها مِن كتابٍ أو سنةٍ ثابتةٍ، وهو مُحْتَمِلٌ مِن التأويلِ ما بَيَّنا. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾. قِسْمةَ الموصِى مالَه بالوصيةِ أولو قرابتِه واليتامى والمساكينُ، ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. يقول: فاقسِموا لهم منه بالوصيةِ. يعنى: فأَوْصوا لأُولِى القُرْبَى مِن أموالِكم، ﴿وَقُولُوا لَهُمْ﴾. يعنى الآخرين، وهم اليتامى والمساكينُ، ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. يعنى: يُدْعَى لهم بخيرٍ، كما قال ابن عباسٍ وسائرُ مَن ذكَرنا قولَه قبلُ. وأما الذين قالوا: إن الآيةَ منسوخةٌ بآيةِ المواريثِ. والذين قالوا: هي مُحْكمةٌ، والمأمورُ بها ورثةُ المَيِّتِ. فإنهم وَجَّهوا قولَه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. [يقولُ: فأعطوهم منه] (١) وقولوا لهم قولًا معروفًا. وقد ذكَرنا بعضَ مَن قال ذلك، وسنذكُرُ بقيةَ مَن قال ذلك ممن لم نَذْكُرْه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾: أمَر اللهُ جل ثناؤه المؤمنين عندَ قسمةِ مواريثِهم أن يَصِلوا أرحامَهم ويتاماهم مِن الوصيةِ إن كان أَوْصَى، وإن لم تَكُنْ وصيةٌ، وصَل إليهم مِن

стр. 4278

مواريثِهم (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾. الآية. يعنى: عندَ قسمةِ الميراثِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، أن أباه أعطاه مِن ميراثِ المُصْعَبِ حينَ قسَم مالَه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا عوفٌ، عن ابن سيرينَ، قال: كانوا يَرْضَخُون لهم عندَ القِسْمةِ (٣). حدَّثنا بِشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، عن الحسنِ، عن حِطَّانَ، أن أبا موسى أمَر أن يُعْطَوا إذا حضَر قِسْمةَ الميراثِ أولو القُرْبَى واليتامى والمساكينُ والجيرانُ مِن الفقراءِ. حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وابنُ أبى عديٍّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن يونسَ بن جُبَيرٍ، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، قال: قسَم أبو موسى بهذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ (٤).

стр. 4279

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدٌ ويحيى بنُ سعيدٍ، عن شُعْبةَ، عن قتادةَ، عن يونسَ بن جُبَيرٍ، عن حِطَّانَ، عن أبي موسى في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية. قال: قضَى بها أبو موسى. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرة، عن العلاءِ بن بَدْرٍ في الميراثِ إذا قُسِم، قال: كانوا يُعْطُون منه التابوتَ والشئَ الذي يُسْتَحيا مِن قِسْمتِه (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن الحسنِ وسعيدِ بن جبيرٍ، كانا يقولان: ذاك عندَ قسمةِ الميراثِ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبي العاليةِ والحسنِ، قالا: يَرْضَخون ويقولون قولًا معروفًا. في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ (٣). ثم اخْتَلف الذين قالوا: هذه الآيةُ مُحْكَمةٌ، وإن القسمةَ لأولِى القُرْبَى واليتامى والمساكينِ واجبةٌ على أهل الميراثِ، إن كان بعضُ أهلِ الميراثِ صغيرًا فقسَم عليه الميراثَ وليُّ مالِه؛ فقال بعضُهم: ليس لوليِّ مالِه أن يَقْسِمَ مِن مالِه

стр. 4280

ووصيتِه (١) شيئًا؛ لأنه لا يَمْلِكُ مِن المالِ شيئًا، ولكنه يقولُ لهم قولًا معروفًا. قالوا: والذي أمَره اللهُ بأن يقولَ لهم قولًا (٢) معروفًا، هو وليُّ مالِ اليتيمِ إذا قسَم مالَ اليتيمِ بينَه وبينَ شُرَكاءِ اليتيمِ، إلا أن يكونَ وليُّ مالِه أحدَ الورثةِ، فيُعْطِيَهم مِن نصيبِه، ويُعْطِيَهم مَن يجوزُ أمرُه في مالِه مِن أنصبائِهم. قالوا: فأما مِن مالِ الصغيرِ [الذي يُوَلَّى على] (٣) مالِه، فلا يجوزُ لوليِّ مالِه أن يُعْطِيهَم منه شيئًا. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبى سعيدٍ، قال: سألت سعيدَ بنَ جُبَيرٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. قال: إن كان المَيِّتُ أَوْصَى لهم بشيءٍ أُنْفِذَتْ لهم وَصيتُهم، وإن كان (٤) الورثةُ كبارًا رَضَخُوا لهم، وإن كانوا صغارًا، قال وليُّهم: إنى لست أمْلِكُ هذا المالَ، وليس لى، وإنما هو للصغارِ، فذلك قولُه: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٥). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: هما وَليَّان: وليُّ يَرِثُ، ووليٌّ لا

стр. 4281

يَرِثُ، فأما الذي يَرِثُ فيُعْطَى، وأما الذي لا يَرِثُ، فقولوا له قولًا معروفًا (١). حدَّثني ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنى داودُ (٢)، عن الحسنِ وسعيدِ بن جبيرٍ، كانا يقولان: ذلك عندَ قِسمةِ الميراثِ؛ إن كان الميراثُ لمَن قد أدرَك، فله أن يكسُوَ منه، وأن يُطْعِمَ الفقراءَ والمساكينَ، وإن كان الميراثُ ليتامى صغارٍ، فيقولُ الوليُّ: إنه لِيتامى صغارٍ. ويقولُ لهم قولًا معروفًا (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي سعيدٍ (٤)، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: إن كانوا كبارًا رَضَخُوا، وإن كانوا صغارًا اعْتَذَروا إليهم. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن سليمانَ الشيبانيِّ، عن عِكْرمةَ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾. قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: إذا وَلِىَ شيئًا مِن ذلك يَرْضَخُ لأقرباءِ الميتِ، وإن لم يَفْعَلْ اعْتَذَر إليهم، وقال لهم قولًا معروفًا (٥). حدَّثنا محمدُ (٦) بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. هذه تكونُ على ثلاثةِ أوجهٍ: أمَّا وجهٌ (٧) فيُوصِى لهم وصيةً،

стр. 4282

فيَحْضُرون ويأخذون وَصِيتَهم. وأما الثاني: فإنهم يَحْضُرون فيَقْتَسِمون إذا كانوا رجالًا، فيَنْبغِى لهم أن يُعطوهم. وأما الثالثُ: فتكونُ الورثةُ صغارًا، فيقومُ وَلِيُّهم إذا قسَم بينَهم، فيقولُ للذين حضروا: حَقُّكم حقٌّ، وقرابتُكم قرابةٌ، ولو كان لى في الميراثِ نصيبٌ لأعْطَيتُكم، ولكنهم (١) صِغارٌ، فإِن [يَكْبَروا فسيعرِفون] (٢) حَقَّكم. فهذا القولُ المعروفُ (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن سعيدٍ أنه قال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: إذا كان الوارثُ عندَ القسمةِ، فكان الإناءُ والشئُ الذي لا يُستطاعُ أن يُقْسَمَ، فليَرْضَخْ لهم، وإن كان الميراثُ لليتامى، فلْيقلْ لهم قولا معروفًا. وقال آخرون منهم: ذلك واجبٌ في أموالِ الصغارِ والكبارِ لأُولِى القُربى واليتامى والمساكينِ، فإن كان الورثةُ كِبارًا تَوَلَّوا عندَ القِسمةِ إعطاءَهم ذلك، وإن كانوا صِغارًا تَولَّى إعطاءَ ذلك منهم وليُّ مالِهم. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. فحدَّث عن محمدٍ، عن عَبِيدةَ أنه وَلِىَ وصيةً، فأمَر بشاةٍ فذُبِحت، وصنَع طعامًا لأهلِ (٤) هذه

стр. 4283

الآيةِ، وقال: لولا هذه الآيةُ لكان هذا مِن مالى. قال (١): وقال الحسنُ: لم تُنْسَخْ، كانوا يَحْضُرون فيُعْطُون الشئَ والثوبَ الخَلِقَ. قال يونسُ: إن محمدَ بنَ سيرينَ وَلِىَ وصيةً - أو قال: أيتامًا - فأمر بشاةٍ فذُبِحت، فصنَع طعامًا كما صنَع عَبِيدةُ (٢). حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرنا هشامُ بنُ حسانَ، عن محمدٍ، أن عَبِيدةَ قسَم ميراثَ أيتامٍ، فأمر بشاةٍ فاشْتُريت مِن مالِهم، وبطعامٍ فصُنِعَ، وقال: لولا هذه الآيةُ لأحببتُ أن يكونَ مِن مالى. ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الآية (٣). فكأن مَن ذهَب مِن القائلين القولَ الذي ذكَرناه عن ابن عباسٍ وسعيدِ بن جبيرٍ، ومَن قال: يَرْضَخُ عندَ قِسْمةِ الميراثِ لأُولِى القُرْبَى واليتامى والمساكينِ. تَأوَّل قولَه: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾: فأَعْطُوهم منه. وكأن الذين ذهَبوا إلى ما قال عَبِيدةُ وابنُ سيرينَ تأوَّلوا قولَه: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾: فأَطْعموهم منه. واخْتَلفوا في تأويلِ قولِه: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؛ فقال بعضُهم: هو أمرٌ مِن اللهِ تعالى ذِكْرُه ولاةَ اليتامى أن يقولوا لأولِى قرابتِهم ولليتامى والمساكينِ إذا حَضَروا قِسْمَتَهم مالَ مَن وَلُوا عليه مالَه مِن الأموالِ بينَهم وبينَ شركائِهم مِن الورثةِ

стр. 4284

فيها، أن يَعْتذِروا إليهم، على نحو ما قد ذكرناه فيما مضَى مِن (١) الاعتذارِ. كما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: هو الذي لا يَرثُ، أُمِرَ أن يقولَ لهم قولًا معروفًا. قال: يقولُ: إن هذا المالَ لقومٍ غَيَبٍ، أو ليتامى صغارٍ، ولكم فيه حقٌّ، ولسنا نَمْلِكُ أن نُعْطِيَكم منه شيئًا. قال: فهذا القولُ المعروفُ. وقال آخرون: بل المأمورُ بالقولِ المعروفِ الذي أمَر جل ثناؤُه أن يُقالَ له، هو الرجلُ الذي يُوصِى في مالِه، والقولُ المعروفُ هو الدعاءُ لهم بالرزقِ والغِنَى وما أَشْبَهَ ذلك مِن قولِ الخيرِ. وقد ذكَرنا قائلى ذلك أيضًا فيما مضَى (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ﴿وَلْيَخْشَ﴾: ليَخَفِ الذين يَحضُرون موصيًا يُوصِى في مالِه أن يَأْمُرَه بتفريقِ مالِه وصيةً به في من لا يَرِثُه، ولكن ليَأْمُرُه أَن يُبْقِىَ مالَه لولدِه، كما لو كان هو الموصِيَ، يَسُرُّه أَن يحثَّه مَن يحضُرُه على حفظِ مالِه لولده، وألا يَدَعَهم عالةً مع ضعفهم وعجزِهم عن التصرفِ والاحتيالِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ

стр. 4285

ابن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخرِ الآية: فهذا في الرجل يحضُرُه الموتُ، فيسمَعُه يُوصِى بوصيةٍ تضرُّ بورثتِه، فأمَر اللَّهِ سبحانَه الذي يسمَعُه أن يتقىَ اللَّهَ ويُوفِّقَه ويُسَدِّدَه للصوابِ، وليَنْظُرْ لورثتِه كما كان يُحِبُّ أن يصنَعَ لورثتِه إذا خَشِيَ عليهم الضَّيْعةَ (١). حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾: يعنى الذي يَحْضُرُه الموتُ، فيقال له: تَصَدَّقْ مِن مالِك، وأَعْتِقْ وأَعْطِ منه في سبيلِ اللَّهِ. فنُهوا أن يَأْمُروه بذلك، يعنى أن مَن حضَر منكم مريضًا عندَ الموتِ، فلا يَأْمُرُه أَن يُنْفِقَ مالَه في العتقِ، أو الصدقةِ، أو في سبيلِ اللَّهِ، ولكن يَأْمُرُه أن يُبَيِّنَ مالَه وما عليه مِن دَيْنٍ، ويُوصِيَ في مالِه لذَوِى قرابتِه الذين لا يَرِثون، ويُوصِيَ لهم بالخُمُسِ أو الرُّبُعِ، يقولُ: أليس يَكْرَهُ (٢) أحدُكم إذا مات وله وَلَدٌ ضعافٌ - يعنى: صغارٌ - أن يَتْرُكَهم بغيرِ مالٍ، فيكونوا عِيالًا على الناسِ، فلا يَنبَغِى أن تَأْمُروه بما لا تَرْضَوْن به لأنفسِكم ولا أولادِكم، ولكن قولوا الحَقَّ مِن ذلك (٣). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:

стр. 4286

﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾. قال: يقولُ: مَن حضَر ميِّتًا فَلْيَأْمُرْه بالعدلِ والإحسانِ، وَليَنْهَه عن الحَيْفِ والجَورِ في وصيَّتِهِ، وَلْيَخْشَ على عِيالِه ما كان خائفًا على عيالِه لو نزَل به الموتُ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾. قال: إذا حضَرتَ وصيةَ ميِّتٍ، فمُرْه بما كنتَ آمِرًا نفسَك بما تَتَقَرَّبُ به إلى اللَّهِ، وخَفْ في ذلك ما كنتَ خائفًا على ضَعَفةٍ (١) لو تركتَهم بعدَك. يقول: فاتَّقِ اللَّهِ وقل قولًا سديدًا إن هو زاغ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا: ثنا أسباطُ، عن السُدِّيِّ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: الرجلُ يحضُرُه الموتُ، فيحضُرُه القومُ عندَ الوصيَّةِ، فلا ينبغى لهم أن يقولوا له: أوص بمالِك كلِّه، وقدِّمْ لنفسِك، فإن اللَّهَ سيرزقُ عيالَك. ولا يترُكوه يُوصِي بمالِه كلِّه، يقولُ للذين حضَروا: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾. فيقولُ: كما يخافُ أحدُكم على عيالِه لو مات - إنْ يَتْركْهم صِغارًا ضعافًا، لا شيءَ لهم - الضيعةَ بعدَه، فَلْيَخَفْ ذلك على عيالِ أخيه المسلمِ، فيقولَ له القولَ السديدَ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ،

стр. 4287

قال: ذهَبتُ أنا والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ (١) إلى سعيدِ بن جُبيرٍ، فسألناه عن قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ الآية. قال: قال: الرجلُ يَحْضُرُه الموتُ، فيقولُ له مَن يَحْضُرُه: اتَّقِ اللَّهَ، صِلْهم، أَعْطِهم، بِرَّهم. ولو كانوا هم الذين يأمُرُهم بالوصيَّةِ، لأحَبُّوا أن يُبْقُوا لأولادِهم (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾. قال: يَحْضُرُهم اليتامى فيقولون: اتقِ اللَّهِ وصِلْهم وأَعْطِهم. فلو كانوا هم لأَحَبُّوا أن يُبْقوا لأولادِهم (٣). حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ الآية. يقولُ: إذا حضَر أحدُكم مَن حضَره الموتُ عندَ وصيَّتِه، فلا يقلُ: أَعْتِقْ مِن مالِك، وتَصَدَّقْ. فيُفَرِّقَ مالَه، ويَدَعَ أهلَه عُيَّلًا، ولكن مُرُوه فَلْيَكْتُبُ مَا لَهُ مِن دَينٍ وما عليه، ويجعَلْ مِن مالِه لذَوِي قرابته خُمُسَ مالِه، ويَدَعْ سائرَه لورثتِه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية. قال: هذا يُفَرِّقُ المالَ حين يُقَسِّمُ، فيقولُ الذين يَحْضُرون: أقللتَ، زِدْ فلانًا. فيقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾.

стр. 4288

فَلْيَخْشَ أولئك، وليقولوا فيهم مثلَ ما يُحِبُّ أحدهم أن يقالَ في ولدِه بالعدلِ إذا أكْثَر: أبقِ على ولدِك (١). وقال آخَرون: بل معنى ذلك: وَلْيَخْشَ الذين يَحْضُرون المُوصِىَ وهو يُوصِى - - الذين لو ترَكوا مِن خلفِهم ذُرِّيَّةٌ ضعافًا، فخافوا عليهم الضيعةَ مِن ضعفِهم وطفولتِهم - أن يَنْهَوْه عن الوصيةِ لأقربائِه، وأن يَأْمُروه بإمساكِ مالِه، والتحفُّظِ به لولدِه، وهم لو كانوا مِن أقرباءِ المُوصِى، لسرَّهم أن يُوصِيَ لهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، قال: ذهبتُ أنا والحكمُ بنُ عُتَيْبَةَ (٢)، فأتيْنا مِقْسَمًا، فسألناه - يعنى عن قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ الآية - فقال: ما قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ؟ فقلنا: كذا وكذا. فقال: ولكنه الرجلُ يَحْضُرُه الموتُ، فيقولُ له مَن يَحْضُرُه: اتق اللَّهِ وأَمْسِكْ عليك مالَك، فليس أحدٌ أحقَّ بمالِك مِن ولدِك. ولو كان الذي يُوصِى ذا قرابةٍ لهم، لأحَبُّوا أن يُوصِىَ لهم (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، قال: قال مِقْسَمٌ: هم الذين يقولون: اتقِ اللَّهَ وأَمْسِكْ عليك مالَك. فلو كان ذا قرابةٍ لهم لأَحبُّوا أن يُوصِيَ لهم (٤).

стр. 4289

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، عن أبيه، قال: زعم حَضْرَميٌّ، وقرَأ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾. قال: قالوا: حَقيقٌ أن يأمُرَ صاحبَ الوصيةِ بالوصيةِ لأهلِها، كما أن لو كانت ذُرِّيَّةُ نفسِه بتلك المنزلةِ، لأحبَّ أن يُوصِىَ لهم، وإن كان هو الوارثَ، فلا يَمْنَعْه ذلك أن يَأْمُرَه بالذي يَحِقُّ عليه، فإنَّ وَلَدَه لو كانوا بتلك المنزلةِ أحبَّ أن يُحَثَّ عليه، فَلْيَتَّقِ هو، [فَلْيَأْمُرْه] (١) بالوصيَّةِ وإن كان هو الوارثَ. أو نحوًا من ذلك (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ ولاةَ اليتامى أن يَلُوهم بالإحسانِ إليهم في أنفسِهم وأموالِهم، ولا يأكُلوا أموالَهم إسرافًا وبِدارًا أن يَكْبَروا، وأن يكونوا لهم كما يُحِبُّون أن يكونَ وَلاهُ وَلَدِه الصغارِ بعدَهم لهم بالإحسانِ إليهم، لو كانوا هم الذين ماتوا وترَكوا أولادَهم يتامى صغارًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾: يعنى بذلك الرجلَ يموتُ وله أولاد صغار ضعاف، يخافُ عليهم العَيْلةَ والضَّيعةَ، ويخافُ بعده ألا يُحْسِنَ إليهم مَن يَليهم، يقولُ: فإِن وَلِى مثل ذُرِّيَّتِه ضعافًا يتامى، فَلْيُحْسِن إليهم، ولا يأكلْ أموالهم إسرافًا وبدارًا خشيةَ أن يَكْبَروا، فَلْيَتَّقوا اللَّهَ وَلْيَقُولوا قولًا سديدًا (٣).

стр. 4290

وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: يَكْفِهم اللَّهُ أمرَ ذُرِّيتهم بعدَهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عطيةَ بن رُدَيحِ (١) بن عطيةَ، قال: ثني عمى محمدُ بنُ رُدَيحٍ (١)، عن أبيه، عن السَّيْبانيِّ (٢)، قال: كنا بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَيامَ مَسْلَمَةَ بن عبدِ الملكِ، وفينا ابن مُحَيْرِيزٍ وابنُ الدَّيْلَميِّ وهانئُ بنُ كُلْثُومٍ، قال: فجَعَلْنَا نَتَذَاكَرُ ما يكونُ في آخرِ الزمانِ، قال: فضِقْتُ ذَرْعًا بما سمِعتُ. قال: فقلتُ لابنِ الدَّيْلَميِّ: يا أبا بشرٍ، بودِّى أنه لا يُولَدُ لى ولدٌ أبدًا. قال: فضرَب بيده على مَنْكِبي، وقال: يابنَ أخى لا تَفْعَلْ، فإنه ليست مِن نَسَمَةٍ كتَب اللَّهِ لها أن تَخْرُجَ مِن صُلْبِ رجلٍ إلا وهى خارجةٌ، إن شاء وإن أبَى. قال: ألا أَدُلُّك على أمرٍ إن أنت أدْرَكته نجَّاك اللَّهُ منه، وإن ترَكتَ ولدَك مِن بعدِك حفِظهم اللَّهُ فيك؟ قال: قلتُ: بلى. قال: فتلا عندَ ذلك هذه الآيةَ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٣). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى التأويلاتِ بالآيةِ قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: وَلْيَخْشَ الذين لو ترَكوا مِن خلفِهم ذريةً ضعافًا خافوا عليهم العَيْلَةَ، لو كانوا فرَّقوا أموالَهم في حياتِهم، أو قَسَّموها وصيةً منهم بها لأُولى قرابتِهم وأهلِ اليُتمِ والمسكنةِ، فأَبْقَوْا أموالَهم لولدِهم؛ خشيةَ العَيْلةِ عليهم بعدَهم، معَ ضعفِهم وعجزِهم عن المطالبِ، فَلْيَأْمُرُوا مَن حضَروه وهو يُوصِى لذَوِى قرابتِه، وفي اليتامى والمساكينِ، وفي غيرِ

стр. 4291

ذلك - بمالِه بالعدل، وَلْيَتَّقوا اللَّهَ وليقولوا قولًا سديدًا، وهو أن يُعَرِّفوه ما أباح اللَّهُ له مِن الوصيةِ، وما اختاره للمُوصِين (١) مِن أهلِ الإيمانِ باللَّهِ وبكتابِه وسُنَّتِه. وإنما قلنا: ذلك بتأويلِ الآيةِ أَوْلَى مِن غيرِه من التأويلاتِ؛ لِما قد ذكَرنا فيما مضَى قبلُ مِن أن معنى قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: وإذا حضر الوصيَّةَ (٢) أولو القربى واليتامى والمساكينُ فأوصوا لهم - بما قد دَلَّلنا عليه مِن الأدلةِ. فإذ كان ذلك تأويلَ قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ الآية. فالواجبُ أن يكونَ قولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾. تأديبًا منه عبادَه في أمرِ الوصيةِ بما أذِنهم فيه، إذ كان ذلك عَقِيبَ الآيةِ التي قبلَها في حكمِ الوصيةِ، وكان أظهر معانيه ما قلنا، فإلحاقُ حكمِه بحكمِ ما قبلَه أولى، مع اشتباهِ معانيهما، مِن صرفِ حكمِه إلى غيرِه بما هو له غيرُ مُشْبِهٍ. وبمعنى ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. قال مَن ذكَرنا قولَه في مُبْتَدأِ تأويلِ هذه الآيةِ، وبه كان ابن زيدٍ يقولُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. قال: يقولُ قولًا سديدًا، يَذْكُرُ هذا المسكينَ ويَنْفَعُه، ولا يُجْحِفُ بهذا اليتيمِ وارثِ المؤدِّي ولا يُضِرُّ به؛ لأنه صغيرٌ لا يَدْفَعُ عن نفسِه، فانْظُرْ له كما يُنْظَرُ لوَلَدِك لو كانوا صغارًا. والسديدُ مِن الكلامِ هو العدلُ والصوابُ.

стр. 4292

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾. يقولُ: بغيرِ حقٍّ. ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ يومَ القيامةِ، بأكلِهم أموالَ اليتامى ظلمًا في الدنيا، نارَ جَهَنَّمَ، ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ بأكلهم ﴿سَعِيرًا﴾. كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾. قال: إذا قام الرجلُ يأكلُ مالَ اليتيمِ ظلمًا، يُبْعَثُ يومَ القيامةِ ولهبُ النارِ يخرُجُ مِن فيه ومِن مسامعِه ومِن أُذُنَيه وأنفِه وعينَيْهِ، يَعْرِفُه مَن رآه بأْكلِ (١) مالِ اليتيمِ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: أخبرَني أبو هارونَ العَبْدِيُّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: حدَّثنا النبيُّ ﷺ عن ليلةِ أُسْرِى به، قال: "نظَرتُ فإذا أنا بقومٍ لهم مشافِرُ كمشافِرِ الإِبلِ، وقد وُكِّل بهم مَن يأخُذُ بمشافرِهم، ثم يجعَلُ في أفواهِهم صخرًا من نارٍ يخرُجُ مِن أسافِلِهم. قلتُ: يا جبريلُ، مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يَأْكُلون أموالَ اليتامى ظُلمًا إنما يأكَلون في بطونِهم نارًا (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ

стр. 4293

سَعِيرًا﴾. قال: قال أبي: إن هذه لأهلِ الشرْكِ حين كانوا لا يُوَرِّثُونهم ويأكُلون أموالَهم (١). وأمَّا قولُه: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. فإنه مأخوذٌ من الصَّلا، والصَّلا: الاصْطِلاءُ بالنارِ، وذلك التسخُّنُ بها، كما قال الفَرَزْدَقُ (٢): وقاتَلَ كَلْبُ الحَيِّ عن نارِ أهْلِهِ … ليَرْبضَ فيها والصَّلا مُتَكَنَّفُ وكما قال العَجَّاجُ (٣): وَصَالِيَاتٌ (٤) للصَّلا صُلِيُّ ثم اسْتُعْمِل ذلك في كلِّ مَن باشَر بيدِه أمرًا مِن الأمورِ، مِن حربٍ أو قتالٍ أو خصومةٍ أو غيرِ ذلك، كما قال الشاعرُ (٥): لم أَكُنْ مِن جُنَاتِها علِم اللَّهُ … وإنِّي بحرِّها اليومَ صالِي فجعَل ما باشر مِن شدَّةِ الحربِ وأَذَى (٦) القتال بمنزلةِ مباشرةِ أذى النارِ وحرِّها. واختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قَرَأَةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، بفتحِ الياءِ (٧)، على التأويلِ الذي قلناه.

стр. 4294

وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين وبعضُ الكوفيِّين: (وَسَيُصْلَوْنَ سَعِيرًا). بضمِّ الياءِ (١)، بمعنى: يُحْرَقُون. مِن قولِهم: شاةٌ مَصْلِيَّةٌ. يعنى: مشويةٌ. قال أبو جعفرٍ: والفتحُ بذلك أَوْلَى مِن الضمِّ؛ لإجماعِ جميعِ القَرَأَةِ على فتحِ الياءِ مِن قولِه: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]. ولدلالةِ قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] علَى أن الفتحَ بها أولى من الضمِّ. وأما السعيرُ، فإنه شدَّةُ حرِّ جهنَّمَ، ومنه قيل: اسْتَعرت الحربُ: إذا اشتدَّتْ. وإنما هو "مسعور"، ثم صُرِف إلى "سَعِير"، كما (٢) قيل: كفٌّ خَضِيبٌ، ولحيةٌ دَهِينٌ. وإنما هي مخضوبةٌ صُرِفت إلى "فَعِيل". فتأويلُ الكلامِ إذن: وسَيَصْلَوْن نارًا مُسْعَرَةً، أي: موقودةً مُشْعَلةٌ، شديدًا حرُّها. وإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه قال: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢]. فوصَفها بأنها مسعورةٌ. ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه أن أكَلَةَ أموالِ اليتامى يَصْلونها وهي كذلك، فالسعيرُ إذن في هذا الموضعِ صفةٌ للجحيمِ على ما وصَفنا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾: يَعْهَدُ اللَّهِ إليكم ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. يقولُ يَعْهَدُ إليكم ربُّكم إذا مات الميِّتُ منكم،

стр. 4295

وخلَّف أولادًا ذكورًا وإناثًا، فلوَلَدِه الذكورِ والإناثِ ميراثُه أجمعُ بينَهم، للذكَرِ منهم مثلُ حظِّ الأُنثيين، إذا لم يكنْ له وارثٌ غيرُهم، سواءٌ فيه صغارُ وَلدِه وكبارُهم (١) وإناثُهم، في أن جميعَ ذلك بينَهم، للذكرِ مثلُ حظِّ الأُنثيين. ورُفِع قولُه: ﴿مِثْلُ﴾. بالصفةِ، وهى اللامُ التي في قولِه: ﴿لِلذَّكَرِ﴾. ولم يُنْصَبْ بقولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾. لأن الوصيةَ في هذا الموضعِ عهدٌ وإعلامٌ بمعنى القولِ، والقولُ لا يَقَعُ على الأسماءِ المُخْبَرِ عنها، فكأنه قيل: يقولُ اللَّهُ ﵎: لكم في أولادِكم للذكرِ منهم مثلُ حظِّ الأُنثيين. وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على النبيِّ ﷺ تبيينًا مِن اللَّهِ الواجبَ مِن الحكمِ في ميراثِ (٢) مَن مات وخلَّف ورثةً، على ما بيَّن؛ لأن أهلَ الجاهليةِ كانوا لا يَقْسِمون مِن ميراثِ الميتِ لأحدٍ من ورثتِه بعدَه، ممن كان لا يُلاقى العَدُوَّ، ولا يُقاتِلُ في الحروبِ مِن صغارِ ولدِه، ولا للنساءِ منهم، وكانوا يَخُصُّون بذلك المُقاتِلَةَ دونَ الذُّرِّيَّةِ، فأخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أن ما خلَّفه الميتُ بين مَن سَمَّى وفرَض له ميراثًا في هذه الآيةِ وفي آخرِ هذه السورةِ، فقال في صغارِ وَلَدِ الميتِ وكبارِهم وإناثِهم: لهم ميراثُ أبيهم إذا لم يكنْ له وارثٌ غيرُهم، للذكرِ منهم مثْل حظِّ الأنثيين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: كان أهلُ

стр. 4296

الجاهليةِ لا يُوَرِّثون الجوارىَ ولا الضعفاءَ (١) من الغِلْمانِ، لا يَرِثُ الرجلَ مِن وَلدِه إلا مَن أطاق القتالَ، فمات عبدُ الرحمنِ أخو حسَّانَ الشاعرِ (٢)، وترَك امرأةً يُقالُ لها: أمُّ كُجَّةَ (٣)، وترَك خمسَ أخواتٍ (٤)، فجاءت الورثةُ يأخذون مالَه، فشكَت أمُّ كُجَّةَ (٣) ذلك إلى النبيِّ ﷺ ، فأنْزَل اللَّهُ ﵎ هذه الآيةَ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾. ثم قال في أُمِّ كُجَّةَ: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: وذلك أنه لمَّا نزَلت الفرائضُ التي فرَض اللَّهُ فيها ما فرَض للولدِ الذكرِ والأنثى والأبوين، كرِهها الناسُ أو بعضُهم، وقالوا: تُعْطَى المرأةُ الربعَ و (٦) الثمنَ، وتُعْطَى الابنةُ النصفَ، ويُعْطَى الغلامُ الصغيرُ، وليس مِن هؤلاء أحدٌ يُقاتِلُ القومَ، ولا يَحُوزُ الغنيمةَ! اسْكُتوا عن هذا الحديثِ، لعلَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ينساه، أو نقولُ له فيُغَيِّره. فقال بعضُهم: يا رسولَ اللَّهِ، أَنُعْطِى الجاريةَ نصفَ ما ترَك أبوها وليست تَرْكَبُ الفرسَ ولا تُقاتِلُ القومَ! ونُعْطِى الصبيَّ الميراثَ وليس يُغْنى شيئًا! وكانوا يفعَلون ذلك في الجاهليةِ، لا يُعْطُون الميراثَ إلا مَن قاتَلَ، يُعْطُونه الأكبرَ

стр. 4297

فالأكبرَ (١). وقال آخَرون: بل نزَل ذلك مِن أجلِ أن المالَ كان للولدِ قبلَ نزولِه، وللوالدينِ الوصيةُ، فنسَخ اللَّهِ ﵎ ذلك بهذه الآيةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ أو عطاءٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. قال: كان المالُ للولدِ، وكانت الوصيةُ للوالدينِ والأقربينَ، فنسَخ اللَّهُ مِن ذلك ما أحبَّ، فجعَل للذكرِ مثلَ حظِّ الأنثيين، وجعَل للأبوينِ لكلِّ واحدٍ منهما السدسَ مع الولدِ، وللزوجِ الشَّطْرَ والربعَ، وللزوجةِ الربَع والثمنَ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: كان المالُ، وكانتِ الوصيةُ للوالدينِ والأقربينَ، فنسَخ اللَّهُ ﵎ مِن ذلك ما أحبَّ، فجعَل للذَّكرِ مثلَ حظِّ الأنثيينِ. ثم ذكَر نحوَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثله. ورُوِى عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا وهبُ بنُ جرير، قال: ثنا شعبةُ، عن محمدِ بن المُنكَدِرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ،

стр. 4298

قال: دخَل عليَّ رسولُ الله ﷺ وأنا مريضٌ، فتوضَّأ ونضَح عليَّ مِن وَضُوئِه، فأفقتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنما يَرِثُنى كَلالةٌ، فكيف بالميراثِ؟ فنزلت آيةُ الفرائضِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُريجٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ المُنكَدِرِ، عن جابرٍ، قال: عادني رسولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكرٍ ﵁ في بني سِلمةَ يمشيان، فوَجَدانى لا أَعْقِلُ، فدعا بماءٍ (٢) فتوضَّأَ، ثم رشَّ عليَّ، فأفقْتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، كيف أَصْنَعُ في مالى؟ فنزَلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾. يعنى بقولِه: ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾: [فإن كان المتروكاتُ] (٤) نساءً فوق اثنتين، ويعنى بقولِه: ﴿نِسَاءً﴾: بنات الميتِ ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾. يقولُ: أكثرَ في العددِ مِن اثنتين، ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾. يقولُ: فلِبَناتِه الثُّلثان مما ترَك بعدَه مِن ميراثِه دونَ سائرِ ورثتِه، إذا لم يكن الميتُ خلَّف ولدًا ذكرًا معَهن. واختلف أهلُ العربية في المعنى بقولِه: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي

стр. 4299

البصرةِ بنحوِ الذي قلنا: فإن كان المتروكاتُ نساءً. وهو أيضًا قولُ بعضٍ نحويِّي الكوفةِ. وقال آخَرون منهم: بل معنى ذلك: فإن كان الأولادُ نساءً. وقالوا: إنما ذكَر اللَّهِ الأولادَ، فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. ثم قسَم الوصيةَ، فقال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾: وإن كان الأولادُ واحدةً (١). ترجمةً منه بذلك عن "الأولادِ". قال أبو جعفرٍ: والقولُ الأَوَّلُ الذي حكَيناه عمَّن حكَيْناه عنه مِن البصريِّين أَوْلَى بالصوابِ في ذلك عندى؛ لأن قولَه: وإن كُنَّ. لو كان معنيًّا به الأولادُ، لقيل: وإن كانوا. لأن الأولادَ تَجْمَعُ الذكورَ والإناثَ، وإذا كان كذلك، فإنما يقالُ: كانوا. لا: كنَّ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. يعنى بقولِه: وإن كانتِ المتروكةُ ابنةً واحدةً، ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾. يقولُ: فلِتِلْك الواحدةِ نصفُ ما ترَك المَيِّتُ مِن ميراثِه، إذا لم يكنْ مَعها غيرُها مِن ولدِ الميتِ ذكرٌ ولا أنثى. فإن قال قائلٌ: فهذا فرضُ الواحدةِ مِن النساءِ وما فوقَ الاثنتين، فأين فريضةُ الاثنتينِ؟ قيل: فريضتُهم بالسُّنَّةِ المنقولةِ نقْلَ الوِراثةِ التي لا يجوزُ فيها الشكُّ (٢). وأما قولُه: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾. فإنه يعنى: ولأَبَوَي الميت، ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ مِن تَرِكَتِه، وما خلَّف مِن مالِه سواءٌ فيه الوالدةُ والوالدُ، لا يَزْدَادُ واحدٌ

стр. 4300

منهما على السدسِ، ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾: ذكَرًا كان الولدُ أو أنثى، واحدًا كان أو جماعةً. فإن قال قائلُ: فإن كان كذلك التأويلُ، فقد يَجِبُ ألا يُزَادَ الوالدُ معَ الابنةِ الواحدةِ على السدسِ مِن ميراثِه عن ولدِه الميتِ. وذلك إن قلتَه، قولٌ خلافٌ لما عليه الأُمَّةُ مُجْمِعةٌ، مِن تصييرِهِم باقىَ تركةِ الميتِ مع الابنةِ الواحدةِ بعدَ أخذِها نصيبَها منها لوالدِه أجمعَ؟ قيل: ليس الأمرُ في ذلك كالذى ظننتَ، وإنما لكلِّ واحدٍ مِن أبويِ الميتِ السدسُ مِن تَرِكته مع ولدِه، ذكَرًا كان الولدُ أو أنثى، واحدًا كان أو جماعةً، فريضةً من اللَّهِ لهُ مُسَمَّاةً، فإمَّا (١) زِيدَ على ذلك مِن بقيةِ النصفِ مع الابنةِ الواحدةِ، إذا لم يكنْ غيرُه وغيرُ ابنةٍ للميتِ واحدةٍ، فإنما زِيدَها ثانيًا لقُربِ (٢) عَصَبَةِ الميتِ إليه، إذ كان حكمُ كلِّ ما أبقَتْه سهامُ الفرائضِ فلأَوْلى عصَبةِ الميتِ، وأقربِهِم إليه بحكمِ ذلك لها على لسانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ (٣)، وكان الأبُ أقربَ عصبةِ ابنِه وأولاها به، إذا لم يكنْ لابنِه الميتِ ابنٌ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ﴾: فإن لم يكنْ للميتِ ﴿وَلَدٌ﴾ ذكرٌ ولا أنثى، ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ دونَ غيرِهما من ولدٍ وارثٍ، ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. يقولُ: فلأُمِّه مِن تَرِكَتِه وما خلَّف بعدَه، ثلثُ جميعِ ذلك. فإن قال قائلٌ: فمَن الذي له الثُّلُثَانِ الآخَرانِ؟ قيل له: الأبُ. فإن قال: بماذا؟

стр. 4301

قلتُ: بأنه أقربُ أهلِ (١) الميتِ إليه، ولذلك ترَك ذكْرَ تسميةِ مَن له الثُّلثان الباقيان، إذ كان قد بيَّن على لسانِ رسولِه ﷺ العبادِه أن كلَّ ميتٍ فأقربُ عصبتِه به أَوْلَى بميراثِه، بعدَ إعطاءِ ذَوِى السِّهامِ المفروضةِ سهامَهم مِن ميراثِه. وهذه العلةُ هي العلةُ التي مِن أجلِها سمَّى للأُمِّ ما سَمَّى لها، إذا لم يكنِ الميتُ خلَّف وارثًا غيرَ أبويه؛ لأن الأُمَّ ليست بعصبةٍ في حالٍ للميتِ، فبيَّن اللَّهُ جلَّ ثناؤه لعبادِه ما فرَض لها مِن ميراثِ ولدِها الميتِ، وترَك ذكرَ مَن له الثلثان الباقيان منه معها، إذ كان قد عرَّفهم في جملةِ بيانِه لهم مَن له بقايا تركةِ الأموالِ، بعدَ أخذِ أهلِ السهامِ سهامَهم وفرائضَهم، وكان بيانُه ذلك [مغنيًا لهم عن] (٢) تكريرِ حكمِه معَ كلِّ مَن قسَم له حقًّا مِن ميراثِ ميتٍ، وسمَّى له منه سهمًا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ذكرُه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. إن قال قائلٌ: وما المعنى الذي مِن أجلِه ذُكِر حكمُ الأبويْنِ (٣) معَ الإخوةِ، وتُرِك ذكرُ حكمِهما معَ الأخِ الواحدِ؟ قلتُ (٤): اختلافُ حكمِهما مع الإخوةِ الجماعةِ والأخِ الواحدِ، فكان في إبانةِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤه لعبادِه حكمَهما فيما يَرِثان من ولدِهما الميتِ معَ إخوتِه غنًى وكفايةٌ عن أن حكمَهما فيما ورِثا منه غيرُ مُتغيِّرٍ عما كان لهما ولا أخَ للميتِ ولا وارثَ غيرُهما، إذ كان معلومًا عندهم أن كلَّ مُسْتَحِقٍّ حقًّا بقضاءِ اللَّهِ ذلك له لا يَنْتَقِلُ حقُّه الذي قضَى به له ربُّه جلَّ ثناؤه عما قضَى به له إلى غيرِه إلا بنقلِ اللَّهِ ذلك عنه إلى مَن نقَله إليه مِن خلقِه، فكان في فرْضِه تعالى ذكرُه للأُمِّ ما

стр. 4302

فرَض - إذا لم يكن لولدِها الميتِ وارثٌ غيرُها وغيرُ والدِه، [ولا أخَ] (١) - الدَّلالةُ الواضحةُ للخلقِ، أن ذلك المفروضَ - و (٢) هو ثُلُثُ مالِ ولدِها الميتِ - حقٌّ لها واجبٌ، حتى يُغَيِّرَ ذلك الفرضَ مَن فرَض لها، فلمَّا غيَّر تعالى ذكرُه ما فرَض لها مِن ذلك مع الإخوةِ الجماعةِ، وترَك تغييرَه مع الأخِ الواحدِ، عُلِم بذلك أن فرضَها غيرُ متغيِّرٍ عما فُرِض لها إلا في الحالِ التي غيَّره فيها مَن لزِم العبادَ طاعتُه، دونَ غيرِها مِن الأحوالِ. ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في عددِ الإخوةِ الذين عناهم اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾؛ فقال جماعةُ أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، والتابعين لهم بإحسانٍ، ومَن بعدهم مِن علماءِ أهلِ الإسلامِ، في كلِّ زمانٍ: عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾: اثنين كان الإخوةُ أَو أكثرَ منهما، أُنثَيَيْنِ كانتا، أو كُنَّ إناثًا، أو ذكَرينِ كانا، أو كانوا ذكورًا، أو كان أحدُهما ذكرًا والآخرُ أنثى. واعتلَّ كثيرٌ ممن قال ذلك بأن ذلك قالتْه الأمةُ عن بيانِ اللَّهِ جل ثناؤُه على لسانِ رسولِه ﷺ ، فنقلته أُمَّة نبيِّه ﵇ نقلًا مستفيضًا، قطَع العذرَ مجيئُه، ودفَع الشكَّ فيه عن قلوبِ الخلقِ ورودُه. ورُوى عن ابن عباسٍ ﵁ أنه كان يقولُ: بل عنَى اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾: جماعةٌ أقلُّها ثلاثةٌ، وكان يُنْكِرُ أن يكونَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه حجَب الأُمَّ عن ثلثِها معَ الأبِ (٣) بأقلَّ من ثلاثةِ إخوةٍ، فكان يقولُ في أبوين وأخوين: للأمِّ الثلثُ، وما بقى فللأبِ. كما قال أهلُ العلمِ في أبوين وأخٍ واحد.

стр. 4303

ذكرُ الروايةِ عنه بذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا ابن أَبي فُدَيْكٍ، قال: ثني ابن أبي ذئبٍ، عن شُعْبَةَ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ أنه دخَل على عثمانَ ﵁، فقال: لمَ صار الأخَوان يَرُدَّان الأمَّ إلى السدسِ، إنما قال اللَّهُ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾. والأخَوان في لسانِ قومِك وكلامِ قومك ليسا بإخوةٍ؟ فقال عثمانُ ﵁: هل أستطيعُ نقضَ أمرٍ كان قبلى، وتوارَثَه الناسُ، ومضَى في الأمصارِ (١)؟ قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن المَعْنِيَّ بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾. اثنان من إخوةِ الميتِ فصاعدًا، على ما قاله أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، دونَ ما قاله ابن عباسٍ ﵁؛ لنقلِ الأمَّةِ وراثةً صحةَ ما قالوه مِن ذلك عن الحجةِ، وإنكارِهم ما قاله ابن عباسٍ في ذلك. فإن قال قائلٌ: وكيف قيل في الأخوين: إخوةٌ. وقد علِمتَ للأخوين في منطقِ العرب مثالًا لا يُشْبِهُ مثالَ الإخوةِ في منطقِها؟ قيل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإن من شأنِها التأليفَ بين الكلامين [يتقاربُ معنياهما] (٢)، وإن اختلفا في بعضِ وجوهِهما، فلمَّا كان ذلك كذلك، وكان مستفيضًا في منطقِها منتشرًا مُستعمَلًا في كلامِها: ضرَبتُ مِن عبدِ اللَّهِ وعَمْرٍو رءوسَهما، وأَوْجَعَتُ [مِن أَخَويْك] (٣) ظهورَهما. وكان ذلك أشدَّ استفاضةً في منطقِها مِن أن يقالَ: أَوْجَعتُ منهما ظهرَهما. وإن كان مقولًا: أَوْجَعتُ ظهرَيهما (٤). كما قال

стр. 4304

الفَرَزْدَقُ (١): بما في فؤادَيْنا من الشوقِ (٢) والهوى … فَيَبْرَأُ مُنْهاضُ الفؤادِ المُشَغَّفُ (٣) غيرَ أن ذلك وإن كان مقولًا، فأفصحُ منه: بما في أفئدتِنا. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. فلمَّا كان ما وصَفتُ مِن إخراجِ كلِّ ما كان في الإنسانِ واحدًا إذا ضُمَّ إلى الواحدِ منه آخرُ مِن إنسانٍ آخرَ، فصارا اثنين مِن اثنين، بلفظِ (٤) الجمعِ (٥)، أفصحَ في منطقِها، وأشهرَ في كلامِها، وكان الأخوان شخصين، كلُّ واحدٍ منهما غيرُ صاحبِه مِن نفسَيْن مختلفينِ، أشبَه معنياهما (٦) معنى ما كان في الإنسانِ مِن أعضائِه واحدًا لا ثانيَ له، فأُخرِج اثناهما (٧) بلفظِ اثْنَى (٨) العضوَيْن اللذين وصَفتُ، فقيل: إخوةٌ. في معنى الأخَوَين، كما قيل ظهورٌ في معنى الظهرين، وأفواهٌ في معنى فموين، وقلوبٌ في معنى قلبين. وقد قال بعضُ النحويين: إنما قيل إخوة لأن أقلَّ الجمعِ اثنان، وذلك [أن ذلك] (٩) ضَمُّ شيءٍ إلى شيءٍ صارا جميعًا (١٠) بعدَ أن كانا فردَيْن، فَجُمِعا لِيُعْلَمَ أَن الاثنين جمعٌ.

стр. 4305

وهذا وإن كان كذلك في المعنى، فليس بعلَّةٍ تُنْبئُ عن جوازِ إخراجِ ما قد جرَى الكلامُ مستعملًا مستفيضًا على ألسنِ العربِ لاثْنَيْه بمثالٍ وصورةٍ، غيرِ مثالِ ثلاثةٍ فصاعدًا منه وصورتِها؛ لأن مَن قال: أخواك قاما. فلا شكَّ أنه قد علِم أنَّ كلَّ واحدٍ مِن الأخوين فردٌ، ضُمَّ أحدُهما إلى الآخرِ فصارا جميعًا، بعد أن كانا شتَّى. [غيرَ أن] (١) الأمرَ، وإن كان كذلك فلا تَسْتَجِيزُ العربُ في كلامِها أن يقالَ: أخواك قاموا. فيَخْرُجُ قولُهم: "قاموا"، وهو لفظٌ للخبر عن الجميعِ خبرًا عن الأخوينِ، وهما بلفظِ الاثنين، لأن لكلِّ ما قد جرَى به الكلامُ على [ألسنتِهم معروفًا عندهم بمثالٍ] (٢) وصورةٍ إذا غيَّره مغيِّرٌ عمَّا قد عرَفوه فيهم نَكِروه، فكذلك الأخوان، وإن كانا مجموعين ضُمَّ أحدُهما إلى صاحبِه، فلهما مثالٌ في المنطقِ وصورةٌ غيرُ مثالِ الثلاثةِ منهم فصاعدًا وصورتِهم، فغيرُ جائزٍ أن أن يُغَيَّرَ أحدُهما إلى الآخرِ إلا بمعنًى مفهومٍ، وإذ كان ذلك كذلك، فلا قولَ أوْلى بالصحةِ مما قلنا قبلُ. فإن قال قائلٌ: ولم نُقِصتِ الأمُّ عن ثلثِها بمصيرِ إخوةِ الميتِ معَها؛ اثنين فصاعدًا؟ قيل: اخْتَلفتِ العلماءُ في ذلك؛ فقال بعضُهم: نُقصتِ الأمُّ عن ذلك [وورثه الأبُ] (٣)؛ لأن على الأبِ مُؤَنَهم دون أمِّهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ

стр. 4306

السُّدُسُ﴾: [أَضَرُّوا بالأمِّ] (١)، ولا يَرِثون، ولا يَحْجُبُها الأخُ الواحدُ من الثلثِ، ويَحْجُبُها ما فوق ذلك. وكان أهلُ العلمِ يَرَوْن أنهم إنما حجَبوا أمَّهم مِن الثلثِ، لأن أباهم يَلِى نكاحَهم والنفقةَ عليهم دونَ أمِّهم (٢). وقال آخَرون: بل نُقِصت الأمُّ السدسَ، وقُصِر بها على سدسٍ واحدٍ؛ معونةً لإخوةِ الميتِ بالسدسِ الذي حجَبوا أمَّهم عنه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: السدسُ الذي حجَبتْه الإخوةُ الأمَّ، لهم، إنما حجبوا أمَّهم عنه ليكونَ لهم دونَ أبيهم (٣). وقد رُوِى عن ابن عباسٍ خلافُ هذا القولِ، وذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن الحسنُ بن محمدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: الكَلالةُ مَن لا ولدَ له ولا والدَ (٤). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى ذلك بالصوابِ أن يقالَ في ذلك: إن اللَّهِ تعالى ذكرُه فرَض للأمِّ معَ الإخوةِ السدسَ؛ لما هو أعلمُ به مِن مصلحةِ خَلقِه، وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك كان لِما أُلْزِم الآباءُ لأولادِهم، وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك لغيرِ ذلك، وليس

стр. 4307

ذلك مما كُلِّفْنا عِلْمَه، وإنما أُمِرنا بالعملِ بما علِمنا وأما الذي رُوِى عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، فقولٌ لما عليه الأُمَّةُ مخالفٌ، وذلك أنه لا خلافَ بين الجميعِ ألا ميراثَ لأخِي ميتٍ مع والدِه، فكَفى إجماعُهم على خلافِه شاهدًا على فسادِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. أن الذي قسَم اللَّهُ ﵎ لولدِ الميتِ الذكورِ منهم والإناثِ ولأبويه مِن تَرِكتِه مِن بعدِ وفاتِه، إنما يَقْسِمُه لهم على ما قسَمه لهم في هذه الآيةِ، مِن بعدِ قضاءِ دَينِ الميتِ الذي مات وهو عليه مِن تركتِه، ومِن بعدِ تنفيذِ وصيتِه في بابِها، بعدَ قضاءِ دَينِه كلِّه، فلم يَجْعَل تعالى ذكره لأحدٍ مِن ورثةِ الميتِ، ولا لأحدٍ ممن أوصَى له بشيءٍ، إلا مِن بعدِ قضاءِ دَينِه مِن جميعِ تركتِه، وإن أحاط بجميعِ ذلك، ثم جعَل أهلَ الوصايا بعدَ قضاءِ دَينِه شركاءَ ورثتِه فيما بقِى لِما أوصَى لهم به، ما لم يُجَاوِزُ ذلك ثلثَه، فإن جاوَز ذلك ثلثَه جُعِل الخيارُ في إجازةِ ما زاد على الثلثِ مِن ذلك أو ردِّه إلى ورثتِه، إِن أَحَبُّوا أجازوا الزيادةَ على ثلثِ ذلك، وإن شاءوا رَدُّوه، فأمَّا ما كان مِن ذلك إلى الثلثِ، فهو ماضٍ عليهم. وعلى كلِّ ما قلْنا من ذلك الأُمَّة مجمعةٌ. وقد رُوِى عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بذلك خبرٌ، وهو ما حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ الأعورِ، عن عليٍّ ﵁، قال: إنكم تقرَءون هذه الآيةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وإن رسولَ اللَّهِ ﷺ قضَى بالدَّيْنِ قبلَ الوصيةِ (١).

стр. 4308

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: ثنا زكريا بنُ أبي زائدةَ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ رضوانُ اللَّهِ عليه، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (١). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِيَاثٍ، قال: ثنا أشعثُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مثلَه. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن ابن مجاهدٍ، عن أبيه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. قال: يُبْدَأُ بالدَّين قبلَ الوصيةِ (٢). واخْتَلفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ: ﴿يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣). وقرَأ بعضُ أهلِ مكةَ والشامِ والكوفةِ: (يُوصَى بها). على معنى ما لم يُسَمَّ فاعلُه (٤). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القراءتينِ بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. على مذهبِ ما قد سُمِّى فاعلُه؛ لأن الآيةَ كلَّها خبرٌ عمن قد سُمِّى فاعلُه، ألا ترَى أنه يقولُ: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. فكذلك الذي هو أَوْلَى بقولِه: ﴿يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. أن

стр. 4309

يكونَ خبرًا عمن قد سُمِّى فاعلُه؛ لأن تأويلَ الكلامِ: ولأبويه لكلِّ واحدٍ منهما السدسُ مما ترَك إن كان له ولدٌ، مِن بعدِ وصيةٍ يُوصِى بها أو دَينٍ يُقْضَى عنه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾: هؤلاء الذين أوصاكم اللَّهُ به فيهم - مِن قسمةِ ميراثِ ميتِكم فيهم، على ما سَمَّى لكم وبيَّنه في هذه الآيةِ - ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. يقولُ: أعطُوهم حقوقَهم مِن ميراثِ ميتِهم الذي أوصيتُكم أن تُعْطُوهُموها، فإنكم لا تَعْلَمون أيُّهم أدنى وأشدُّ نفعًا لكم، في عاجلِ دنياكم وآجلِ أُخْراكم. واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾؛ فقال بعضُهم: يعنى بذلك: أيُّهم أقربُ لكم نفعًا في الآخرةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. يقولُ: أطوعُكم للَّهِ مِن الآباءِ والأبناءِ، أرفعُكم درجةً يومَ القيامةِ؛ لأن اللَّهَ سبحانه يُشَفِّعُ المؤمنين بعضَهم في بعضٍ (١). وقال آخَرون: معنى ذلك: لا تَدْرُون أَيُّهم أقربُ لكم نفعًا في الدنيا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 4310

نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: في الدنيا (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفَة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾، قال بعضُهم: في نفعِ الآخرةِ. وقال بعضُهم: في نفعِ الدنيا (٢). وقال آخرون في ذلك بما قلنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. قال: أيُّهم خيرٌ لكم في الدِّين والدنيا، الوالدُ أو الولدُ الذين يَرِثونكم، لم يُدْخِلْ عليكم غيرَهم، فرضِى لهم المواريثَ، لم يأتِ بآخَرين يَشْرَكُونهم في أموالِكم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾. يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: وإن كان له إخوةٌ فلأُمِّه السدسُ ﴿فَرِيضَةً﴾. يقولُ: سهامًا معلومةً مُوَقَّتَةً بيَّنها اللَّهُ لهم. ونصب قولَه: ﴿فَرِيضَةً﴾ على المصدرِ من قولِه ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ - ﴿فَرِيضَةً﴾. فَأَخْرَج ﴿فَرِيضَةً﴾
следующие страницы →