← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

السُّدُسُ﴾: [أَضَرُّوا بالأمِّ] (١)، ولا يَرِثون، ولا يَحْجُبُها الأخُ الواحدُ من الثلثِ، ويَحْجُبُها ما فوق ذلك. وكان أهلُ العلمِ يَرَوْن أنهم إنما حجَبوا أمَّهم مِن الثلثِ، لأن أباهم يَلِى نكاحَهم والنفقةَ عليهم دونَ أمِّهم (٢). وقال آخَرون: بل نُقِصت الأمُّ السدسَ، وقُصِر بها على سدسٍ واحدٍ؛ معونةً لإخوةِ الميتِ بالسدسِ الذي حجَبوا أمَّهم عنه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: السدسُ الذي حجَبتْه الإخوةُ الأمَّ، لهم، إنما حجبوا أمَّهم عنه ليكونَ لهم دونَ أبيهم (٣). وقد رُوِى عن ابن عباسٍ خلافُ هذا القولِ، وذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن الحسنُ بن محمدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: الكَلالةُ مَن لا ولدَ له ولا والدَ (٤). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى ذلك بالصوابِ أن يقالَ في ذلك: إن اللَّهِ تعالى ذكرُه فرَض للأمِّ معَ الإخوةِ السدسَ؛ لما هو أعلمُ به مِن مصلحةِ خَلقِه، وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك كان لِما أُلْزِم الآباءُ لأولادِهم، وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك لغيرِ ذلك، وليس

стр. 4307

ذلك مما كُلِّفْنا عِلْمَه، وإنما أُمِرنا بالعملِ بما علِمنا وأما الذي رُوِى عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، فقولٌ لما عليه الأُمَّةُ مخالفٌ، وذلك أنه لا خلافَ بين الجميعِ ألا ميراثَ لأخِي ميتٍ مع والدِه، فكَفى إجماعُهم على خلافِه شاهدًا على فسادِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. أن الذي قسَم اللَّهُ ﵎ لولدِ الميتِ الذكورِ منهم والإناثِ ولأبويه مِن تَرِكتِه مِن بعدِ وفاتِه، إنما يَقْسِمُه لهم على ما قسَمه لهم في هذه الآيةِ، مِن بعدِ قضاءِ دَينِ الميتِ الذي مات وهو عليه مِن تركتِه، ومِن بعدِ تنفيذِ وصيتِه في بابِها، بعدَ قضاءِ دَينِه كلِّه، فلم يَجْعَل تعالى ذكره لأحدٍ مِن ورثةِ الميتِ، ولا لأحدٍ ممن أوصَى له بشيءٍ، إلا مِن بعدِ قضاءِ دَينِه مِن جميعِ تركتِه، وإن أحاط بجميعِ ذلك، ثم جعَل أهلَ الوصايا بعدَ قضاءِ دَينِه شركاءَ ورثتِه فيما بقِى لِما أوصَى لهم به، ما لم يُجَاوِزُ ذلك ثلثَه، فإن جاوَز ذلك ثلثَه جُعِل الخيارُ في إجازةِ ما زاد على الثلثِ مِن ذلك أو ردِّه إلى ورثتِه، إِن أَحَبُّوا أجازوا الزيادةَ على ثلثِ ذلك، وإن شاءوا رَدُّوه، فأمَّا ما كان مِن ذلك إلى الثلثِ، فهو ماضٍ عليهم. وعلى كلِّ ما قلْنا من ذلك الأُمَّة مجمعةٌ. وقد رُوِى عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بذلك خبرٌ، وهو ما حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ الأعورِ، عن عليٍّ ﵁، قال: إنكم تقرَءون هذه الآيةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وإن رسولَ اللَّهِ ﷺ قضَى بالدَّيْنِ قبلَ الوصيةِ (١).

стр. 4308

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: ثنا زكريا بنُ أبي زائدةَ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ رضوانُ اللَّهِ عليه، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (١). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِيَاثٍ، قال: ثنا أشعثُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مثلَه. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن ابن مجاهدٍ، عن أبيه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. قال: يُبْدَأُ بالدَّين قبلَ الوصيةِ (٢). واخْتَلفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ: ﴿يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣). وقرَأ بعضُ أهلِ مكةَ والشامِ والكوفةِ: (يُوصَى بها). على معنى ما لم يُسَمَّ فاعلُه (٤). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القراءتينِ بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. على مذهبِ ما قد سُمِّى فاعلُه؛ لأن الآيةَ كلَّها خبرٌ عمن قد سُمِّى فاعلُه، ألا ترَى أنه يقولُ: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. فكذلك الذي هو أَوْلَى بقولِه: ﴿يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. أن

стр. 4309

يكونَ خبرًا عمن قد سُمِّى فاعلُه؛ لأن تأويلَ الكلامِ: ولأبويه لكلِّ واحدٍ منهما السدسُ مما ترَك إن كان له ولدٌ، مِن بعدِ وصيةٍ يُوصِى بها أو دَينٍ يُقْضَى عنه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾: هؤلاء الذين أوصاكم اللَّهُ به فيهم - مِن قسمةِ ميراثِ ميتِكم فيهم، على ما سَمَّى لكم وبيَّنه في هذه الآيةِ - ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. يقولُ: أعطُوهم حقوقَهم مِن ميراثِ ميتِهم الذي أوصيتُكم أن تُعْطُوهُموها، فإنكم لا تَعْلَمون أيُّهم أدنى وأشدُّ نفعًا لكم، في عاجلِ دنياكم وآجلِ أُخْراكم. واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾؛ فقال بعضُهم: يعنى بذلك: أيُّهم أقربُ لكم نفعًا في الآخرةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. يقولُ: أطوعُكم للَّهِ مِن الآباءِ والأبناءِ، أرفعُكم درجةً يومَ القيامةِ؛ لأن اللَّهَ سبحانه يُشَفِّعُ المؤمنين بعضَهم في بعضٍ (١). وقال آخَرون: معنى ذلك: لا تَدْرُون أَيُّهم أقربُ لكم نفعًا في الدنيا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 4310

نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: في الدنيا (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفَة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾، قال بعضُهم: في نفعِ الآخرةِ. وقال بعضُهم: في نفعِ الدنيا (٢). وقال آخرون في ذلك بما قلنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. قال: أيُّهم خيرٌ لكم في الدِّين والدنيا، الوالدُ أو الولدُ الذين يَرِثونكم، لم يُدْخِلْ عليكم غيرَهم، فرضِى لهم المواريثَ، لم يأتِ بآخَرين يَشْرَكُونهم في أموالِكم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾. يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: وإن كان له إخوةٌ فلأُمِّه السدسُ ﴿فَرِيضَةً﴾. يقولُ: سهامًا معلومةً مُوَقَّتَةً بيَّنها اللَّهُ لهم. ونصب قولَه: ﴿فَرِيضَةً﴾ على المصدرِ من قولِه ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ - ﴿فَرِيضَةً﴾. فَأَخْرَج ﴿فَرِيضَةً﴾

стр. 4311

مِن معنى الكلامِ، إذ كان معناه ما وصَفتُ. وقد يجوزُ أن يكونَ نصَبَه على الخروجِ مِن قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ - ﴿فَرِيضَةً﴾، فتكونُ "الفريضةُ" منصوبةً على الخروجِ مِن قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (١). كما تقولُ: هو لك هبةً، وهو لك صدقةً منِّي عليك. وأمَّا قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. فإنه يعنى جلَّ ثناؤُه: إن اللَّهَ لم يَزَلْ ذا علمٍ بما يُصْلِحُ خلقه أيُّها الناسُ، فانتهوا إلى ما يَأْمُرُكم، يُصْلِحْ لكم أمورَكم. ﴿حَكِيمًا﴾. يقولُ: لم يَزَلْ ذا حكمةٍ في تدبيرِه، وهو كذلك فيما يَقْسِمُ لبعضِكم مِن ميراثِ بعضٍ، وفيما يَقْضِي بينكم مِن الأحكامِ، لا يَدْخُلُ حكمه خَلَلٌ ولا زَلَلٌ؛ لأنه قضاءُ مَن لا يخْفَى عليه مواضعُ المصلحةِ في البدءِ والعاقبةِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ولكم أيُّها الناسُ نصفُ ما ترَك أزواجُكم بعد وفاتهنَّ مِن مالٍ وميراثٍ، إن لم يكنْ لهنَّ ولدٌ يومَ يَحْدُثُ بهنَّ الموتُ، لا ذكَرٌ ولا أنثى، ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾. أي: فإن كان لأزواجِكم يومَ يَحْدُثُ بهنَّ الموتُ ولدٌ ذَكَرٌ أو أنثى، ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ مِن مالٍ وميراثٍ، ميراثًا لكم عنهنَّ. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. يقولُ: ذلكم لكم ميراثًا عنهنَّ، مما يَبْقَى مِن تَرِكاتِهنَّ وأموالِهنَّ، مِن بعدِ قضاءِ دُيُونِهِنَّ التي يَمُتْنَ وهى عليهن، ومِن بعدِ إنفاذِ وصاياهن الجائزةِ، إن كُنَّ أَوْصِينَ بها.

стр. 4312

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾: ولأزواجِكم أيها الناسُ ربعُ ما ترَكتم بعدَ وفاتِكم مِن مالٍ وميراثٍ، إن حدَث بأحدِكم حَدَثُ الوفاةِ ولا ولدَ له ذكرٌ ولا أُنثى، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ﴾. يقولُ: فإن حدَث بأحدِكم حدثُ الموتِ، وله ولدٌ ذكَرٌ أو أنثى، واحدًا كان الولدُ أو جماعةً، ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾، يقولُ: فلأزواجِكم حينَئذٍ مِن أموالِكم وتَركتِكم التي تُخَلِّفُونها بعدَ وفاتِكم، الثُّمُنُ، مِن بعد قضاءِ ديونِكم التي حدَث بكم حدثُ الوفاةِ وهى عليكم، ومِن بعدِ إنفاذِ وصاياكم الجائزةِ التي تُوصون بها. وإنما قيل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. فقدَّم ذكرِ "الوصيةِ" على ذكرِ "الدَّينِ"؛ لأن معنى الكلامِ: إن الذي فرَضتُ لمن فرَضْتُ له منكم في هذه الآياتِ، إنما هو له مِن بعدِ إخراجِ أيِّ هذين كان في مال الميت منكم، مِن وصيةٍ أو دَينٍ. فلذلك كان سواءً تقديمُ ذكرِ الوصيةِ قبلَ ذكرِ الدَّينِ، وتقديمُ ذكرِ الدَّينِ قبلَ ذكرِ الوصيةِ؛ لأنه لم يُرِدْ مِن معنى ذلك إخراجَ (١) الشيئين؛ الدَّينِ والوصيةِ مِن مالِه، فيكونَ ذكرُ الدَّين أوْلَى أن يُبْدَأَ به مِن ذكرِ الوصيةِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وإن كان رجلٌ أو امرأةٌ يُورَثُ كَلالةً. ثم اخْتَلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرأَةِ أَهل الإسلامِ: ﴿وَإِنْ

стр. 4313

كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾. بمعنى: وإن كان رجلٌ يُورَثُ مُتَكَلِّلُه (١) النَّسَبُ. فـ "الكلالةُ" على هذا القولُ مصدرٌ مِن قولِهم: تَكَلَّله النَّسَبُ تَكَلُّلًا وكَلالةً. بمعنى: تعطَّف عليه النسبُ. وقرأه بعضُهم: (وإنْ كان رجلٌ يُورثُ كَلالَةً) (٢). بمعنى: وإن كان رجلٌ يُورِثُ مَن يَتَكَلَّلُه. بمعنى: مَن يَتَعَطَّفُ عليه بنسَبه من أخٍ أو أُختٍ. واختلف أهلُ التأويلِ في "الكلالةِ"؛ فقال بعضُهم: هي ما خلا الوالدَ والولدَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الوليدُ بنُ شُجَاعِ السَّكُونيُّ، قال: ثنى على بنُ مُسْهِرٍ، عن عاصمٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: قال أبو بكرٍ ﵁: إنى قد رأيتُ في الكَلالةِ رأيًا، فإن كان صوابًا فمِن اللَّهِ وحدَه لا شريكَ له، وإن يَكُ خطأً فمنِّى والشيطانِ، واللَّهُ منه بريءٌ، وإن الكَلالةَ ما خلا الولدَ والوالدَ. فلمَّا اسْتُخْلِف عمرُ ﵁ قال: إني لأَسْتَحْيِي مِن اللَّهِ ﵎ أن أُخَالِفَ أبا بكرٍ في رأيٍ رآه (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عاصمٌ الأحولُ، قال: ثنا الشَّعْبِيُّ، أن أبا بكر ﵁ قال في الكَلالةِ: أقولُ فيها برأيي، فإن

стр. 4314

كان صوابًا فمن الله: هو ما دونَ الولدِ والوالدِ. قال: فلمَّا كان عمرُ ﵁ قال: إنى لأَسْتَحْيِي (١) الله أن أُخَالِفَ أبا بكرٍ (٢). حدَّثنا [يونسُ بنُ عبد الأعلى] (٣)، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن عاصمٍ الأحول، عن الشعبيِّ، أن أبا بكرٍ وعمرَ بنَ الخَطابِ ﵄، قالا: الكَلالةُ مَن لا ولدَ له ولا والدَ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن عِمرانَ بن حُدَيْرٍ، عن السُّمَيْطِ، قال: كان عمرُ رجلًا أَيْسَرَ (٥)، فخرَج يومًا وهو يقولُ بيدِه هكذا، يُدِيرُها، إلا أنه قال: أَتَى عليَّ حينٌ ولستُ أدرى ما الكَلالةُ؟ ألا وإن الكَلالةَ ما خلا الولدَ والوالدَ (٦). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن أبي بكرٍ، قال: الكَلالةُ ما خلا الولدَ والوالدَ (٧).

стр. 4315

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا سفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس، قال: الكَلالةُ مَن لا ولدَ له ولا والدَ (١). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سَمِعتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ عن عمرو بن دينارٍ، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس، قال: الكَلالةُ مَن لا ولد له ولا والد (٢). حدَّثنا محمد بن بشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد ابن الحَنَفِيَّةِ، عن ابن عباس، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد (٣). حدَّثنا ابن بشَّارٍ وابن وكيعٍ، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيلُ (٤)، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْمِ بن عبدِ، عن ابن عباس بمثلِهِ (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْمٍ بن عبدٍ السَّلُوليِّ، عن ابن عباس، قال: الكلالة ما خلا الوالد والولد (٦). حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالح، عن

стр. 4316

عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة﴾. قال: الكَلالةُ من لم يترُك والِدًا ولا ولدًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ عُبَيْدٍ المُحَارِبيُّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْمِ بن عبدٍ، قال: ما رأيتُهم إلا قد اتَّفقوا أنه من مات ولم يَدَعْ ولدًا ولا والدًا أنه كلالةٌ. حدَّثنا تَمِيمُ بنُ المُنتَصِرِ، قال: ثنا إسحاق بن يوسفَ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْم بن عبدٍ، قال: ما رأيتُهم إلا قد أجمعوا أن الكلالة الذي ليس له ولدٌ ولا والدٌ. حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْم بن عبدِ، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أشعثَ، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْم بن عبدٍ، قال: أدركتُهم وهم يقولون: إذا لم يَدَعِ الرجل ولدًا ولا والدًا وُرِث كلالةً. حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة﴾: والكلالةُ الذي لا ولد له ولا والد، لا أب ولا جَدَّ، ولا ابن ولا ابنة، فهؤلاء الإخوةُ مِن الأُمِّ. حدَّثني محمد بن المثنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، عن شُعْبَةَ، عن الحكم، قال في الكلالةِ: ما دونَ الولدِ والوالدِ (٢).

стр. 4317

حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: الكَلالَةُ كلُّ مَن لا يَرِثُه والدٌ ولا ولدٌ، وكلٌّ مَن لا ولد له ولا والد، فهو يُورَثُ كَلالَةٌ، مِن رجالهم ونسائهم. حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والزُّهْرِيِّ وأبى إسحاق، قال (١): الكَلالةُ مَن ليس له ولدٌ ولا والدٌ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمد بن حميدٍ (٣)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ وقتادة وأبي إسحاق مثله. وقال آخرون: الكلالة ما دون الولد. وهذا قولٌ عن ابن عباسٍ، وهو الخبر الذي ذكرناه قبلُ من رواية طاوس عنه، أنه ورث الإخوة من الأمِّ السدسَ معَ الأبوين (٤). وقال آخرون: الكلالة ما خلا الوالد. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا سهل بن يوسفَ، عن شُعْبَةَ، قال: سألتُ الحكَمَ عن الكلالة؟ قال: فهو ما دونَ الأبِ (٥). واختلف أهل العربية في الناصب للكلالةِ؛ فقال بعضُ البصريين: إن شئتَ نصبتَ ﴿كَلَالَةً﴾ على خبر ﴿كَانَ﴾، وجَعَلْتَ ﴿يُورَثُ﴾ مِن صفةِ

стр. 4318

الرجل، وإن شئتَ جَعَلتَ ﴿كَانَ﴾ تَسْتَغْنى عن الخبر نحو "وقع"، وجعلتَ نصْبَ ﴿كَلَالَةً﴾ على الحال، أي: يُورث كَلالةً. كما يقال: يُضْرَبُ قائمًا. وقال بعضُهم: قوله: ﴿كَلَالَةً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، لا يكون الموروثُ كلالةً، وإنما الوارث الكلالةُ. قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى: أن "الكلالة" منصوبٌ على الخروج من قوله: ﴿يُورَثُ﴾، وخبرُ ﴿كَانَ﴾ - ﴿يُورَثُ﴾، والكلالة وإن كانت منصوبةً بالخروج من ﴿يُورَثُ﴾، فليست منصوبةً على الحالِ، ولكنْ على المصدر من معنى الكلام؛ لأن معنى الكلام: وإن كان رجلٌ يُورَثُ مُتَكَلِّلُه النَّسَبُ كَلالةً. ثم تَرَك ذكر "متكلّله"، اكتفاءً بدَلالة قوله: ﴿يُورَثُ﴾. عليه. واختلف أهل العلم في المُسَمَّى "كلالةً"؛ فقال بعضهم: الكلالةُ الموروثُ، وهو الميتُ نفسه، سُمِّى بذلك إذا ورثه غيرُ والده وولده. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ قوله (١) في "الكلالةِ"، قال: الذي لا يَدَعُ ولدًا ولا والدًا. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن سليمان الأحول، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كنتُ آخِرَ الناسِ عهدًا بعمر ﵁، فسمعتُه يقولُ: القولُ (٢) ما قلتُ. قلتُ: وما قلت؟ قال: الكلالةُ مَن لا ولد له (٣).

стр. 4319

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي ويحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سُليم (١) بن عبدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: الكَلالةُ مَن لا ولد له ولا والدَ. وقال آخرون: الكلالة هي الورثة الذين يرثون الميت، إذا كانوا إخوةً أو أخوات أو غيرهم إذا لم يكونوا ولدًا ولا والدًا. على ما قد ذكرنا من اختلافهم في ذلك. وقال آخرون: بل الكلالة الميتُ والحيُّ جميعًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: الكلالةُ الميتُ الذي لا ولد له ولا والد، والحيُّ، كلُّهم كَلالةٌ، هذا يَرِثُ بالكلالةِ، وهذا يُورَثُ (٢) بالكلالة (٣). قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندى ما قاله هؤلاء، وهو أن الكلالة الذين يرثون الميتَ مَن عدا ولده ووالده؛ وذلك لصحة الخبر الذي ذكرناه عن جابرِ بن عبدِ اللهِ أنه قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إِنما يَرِثْنى كَلالَةٌ، فكيف

стр. 4320

بالميراثِ (١)؟ ولما (٢) حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عَن ابْنِ عَونٍ، عَن عَمْرِو بن سعيدٍ، قال: كُنَّا مع حُميدِ بن عبدِ الرحمنِ في سوق الرقيق، قال: فقام من عندنا ثم رجع، فقال: هذا آخِرُ ثلاثةٍ من بنى سعدٍ حدثوني هذا الحديث، قالوا: مرض سعدٌ بمكة مرضًا شديدًا، قال: فأتاه رسولُ الله ﷺ يعودُه، فقال: يا رسول الله، لى مالٌ كثيرٌ، وليس لى وارثٌ إلا كلالةٌ، فأُوصى بمالى كُلِّه؟ فقال: "لا" (٣). حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا إسحاق بن سُوَيدٍ، عن العلاء بن زيادٍ، قال: جاء شيخٌ إلى عمر ﵁، فقال: إنى شيخٌ، وليس لي وارثٌ إلا كلالةٌ، أعرابٌ مُتَراخٍ نسبُهم، أفأُوصِي بثلث مالي؟ قال: لا (٤). فقد أنبأتُ هذه الأخبار عن صحة ما قلنا في معنى الكلالة، وأنها وَرَثَةُ الميتِ دون الميت ممن عدا والده وولده. القول في تأويل قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾. يعنى بقوله جل ثناؤُه: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾: وللرجل الذي يُورَثُ كَلالةً

стр. 4321

﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾، يعنى: أَخًا أو أُختًا من أُمِّه. كما حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن يعلى بن عطاءٍ، عن القاسم، عن سعدٍ أنه كان يقرأ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾. قال سعدٌ: لأُمِّه (١). حدَّثنا محمد بن المُثنَّى، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن يَعْلَى بن عطاءٍ، قال: سمعتُ القاسم بن ربيعة يقولُ: قرأتُ على سعد: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾. قال سعدٌ: لأُمِّه (٢). حدَّثني محمد بن المثنَّى، قال: ثنا وهب بن جريرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن يَعْلَى بَنِ عطاءٍ، عن القاسم بن ربيعة [بن قائِفٍ] (٣)، قال: قرأتُ على سعدٍ. فذكر نحوه. حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا يَعْلى بن عطاءٍ، عن القاسم بن ربيعة، قال: سمعتُ سعد بن أبي وقَّاصٍ قرأ: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة وَلَهُ أُخْتٌ من أُمِّه) (٤). حدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾: فهؤلاء الإخوة من الأمِّ، إن كان واحدًا فله السدُسُ، وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاءُ في الثلُث، ذكَرُهم وأُنثاهم فيه سواءٌ (٥).

стр. 4322

حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾: فهؤلاء الإخوةُ من الأُمِّ، فهم شركاء في الثلثِ، سواءٌ الذكرُ والأُنثى. وقوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾. إذا انفرد الأخُ وحدَه، أو الأختُ وحدها، ولم يكن أخٌ غيرُه أو غيرُها من أُمِّه، فله السدُسُ من ميراث أخيه لأمِّه، فإن اجتمع أخٌ وأختٌ، أو أخوان لا ثالث معهما لأمِّهما، أو أختان كذلك، أو أخٌ وأختٌ ليس معهما غيرهما من أُمِّهما، فلكلِّ واحدٍ منهما من ميراث أخيهما لأمِّهما السدُسُ، ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾. يعنى: فإن كان الإخوة والأخواتُ لأمِّ الميت الموروث كلالةً أكثر من اثنين، ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾. يقولُ: فالثلثُ الذي فرَضْتُ لاثنيهم - إذا لم يكن غيرُهما من أمِّهما ميراثًا لهما من أخيهما الميتِ الموروثِ كَلالةً - شَرِكةٌ بينهم، إذا كانوا أكثر من اثنين إلى ما بلغ عددُهم، على عدد رءوسهم، لا يُفَضَّلُ ذَكَرٌ منهم على أنثى في ذلك، ولكنه بينهم بالسَّوِيَّةِ. فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾. ولم يُقَل: لهما أخٌ أو أختٌ. وقد ذُكر قبلَ (١) ذلك رجلٌ أو امرأة، فقيل: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة﴾؟ قيل: إن من شأن العرب إذا قدَّمت ذِكْرَ اسمين قبل الخبر، فعطفت أحدهما على الآخرِ بـ "أو"، ثم أتَت بالخبر - أضافت الخبرَ إليهما أحيانًا، وأحيانًا إلى أحدهما، وإذا أضافت إلى أحدهما، كان سواءً عندها إضافة ذلك إلى أيِّ الاسمين اللذين ذكرتهما، أضافته، فتقولُ: مَن كان عنده غلامٌ أو جاريةٌ، فَلْيُحْسِنُ إِليه - يعنى: فَلْيُحْسِنُ إلى الغلام - و: فَلْيُحْسِنْ إليها - يعنى: فَلْيُحْسِنْ

стр. 4323

إلى الجارية - و: فَلْيُحْسِنُ إليهما. وأمَّا قوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ - وقد تقدَّم ذكر الأخ والأختِ بعطف أحدهما على الآخر. والدَّلالة على أن المراد بمعنى الكلام أحدهما في قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ - فإن ذلك إنما جاز لأن معنى الكلام: ولكلِّ واحدٍ من المذكورين السدُسُ. القولُ في تأويل قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾. يعنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا﴾. أي: هذا الذي فرضتُ لأخى الميت الموروث كلالةً وأخته أو إخوته وأخواته من ميراثِه وتركتِه، إنما هو لهم من بعدِ قضاءِ دَيْنِ الميتِ الذي كان عليه يومَ حدَث به حدَثُ الموتِ مِن تَرِكتِه، وبعد إنفاذ وصاياه الجائزة التي يُوصى بها في حياته لمن أَوْصَى له بها بعد وفاتِه. كما حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: والدَّيْنُ أحقُّ ما بُدِئَ به مِن جميع المال، فيُؤَدَّى عن أمانة الميت، ثم الوصيةُ، ثم يَقْسِمُ أهل الميراث ميراثَهم. وأمَّا قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. فإنه يعنى تعالى ذكرُه: من بعدِ وصيةٍ يُوصَى بها غيرَ مُضَارٌّ ورثته في ميراثهم عنه. كما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. قال: في ميراث أهله (١). حدَّثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. قال: في ميراث أهله.

стр. 4324

حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذ، قال: حدَّثنا يزيد، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾. وإن الله ﵎ كره الضِّرارَ في الحياة وعند الموت، ونهَى عنه، وقدَّم فيه، فلا تَصْلُحُ مُضَارَّةٌ في حياةٍ ولا موتٍ (١). حدَّثني نصرُ بن عبد الرحمن الأوديُّ، قال: ثنا عبيدةُ بن حميدٍ، وثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، جميعًا عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. قال: الضِّرارُ في الوصية من الكبائرِ (٢). حدَّثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: الضرار في الوصية من الكبائر. حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بِشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الحيْفُ في الوصية من الكبائر. حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ وعبد الأعلى، قالا: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الضرارُ والحَيْفُ في الوصية من الكبائر.

стр. 4325

حدَّثني موسى بن سهلٍ الرَّمليُّ، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم [أبو النَّضْرِ] (١)، قال: ثنا عمرُ (٢) بن المُغيرة، قال: ثنا داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الضِّرارُ في الوصيةِ مِن الكبائرِ" (٣). حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا أبو عمرٍو التَّيْمِيُّ، عن أبي الضُّحى، قال: دخَلت مع مسروقٍ على مريضٍ، فإذا هو يُوصى، قال: فقال له مسروقٌ: اعْدِلْ لا تَضْلِلْ (٤). ونُصبت ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ على الخروج من قوله: ﴿يُوصَى بِهَا﴾. وأما قوله: ﴿وَصِيَّةٌ﴾. فإن نصبه من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. وسائرِ ما أَوْصى به في الاثنين، ثم قال: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ مصدرًا من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾. وقد قال بعضُ أهل العربية (٥): ذلك منصوبٌ من قوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ - ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾. وقال: هو مثلُ قولك: لك درهمان نفقةً إلى أهلك. والذي قلناه بالصواب أولى؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه افتَتح ذكر قسمة المواريث في

стр. 4326

هاتين الآيتين بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾. ثم ختَم ذلك بقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾. أخْبَر أن جميعَ ذلك وصيةٌ منه به عبادَه. فنصبُ قوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ على المصدر من قولِه: ﴿يُوصِيكُمُ﴾. أولى من نصبه على التفسيرِ مِن قولِه: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾؛ لما ذكرنا. ويعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾: عهدًا مِن اللهِ إليكم فيما يجبُ لكم من ميراث مَن مات منكم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: والله ذو علمٍ بمصالح خلقِه ومضارِّهم، ومَن يَسْتَحِقُّ أن يُعْطَى مِن أقرباء مَن مات منكم وأنسبائِه مِن ميراثِه، ومَن يُحْرَمُ ذلك منهم، ومبلغ ما يَسْتَحِقُّ به كلُّ مَن استحقَّ منهم قَسْمًا، وغيرِ ذلك مِن أمورِ عبادِه ومصالِحهم. ﴿حَلِيمٌ﴾. يقولُ: ذو حِلمٍ عن (١) خلقِه، وذو أناةٍ في تركه معاجلتَهم بالعقوبةِ، على ظلمِ بعضِهم بعضًا، في إعطائِهم الميراث لأهل الجلد والقوة من ولد الميتِ، وأهلِ الغَنَاءِ والبأسِ منهم، دونَ أهل الضعفِ والعجزِ مِن صِغار ولده وإناثهم. القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾. قال أبو جعفرٍ: اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: يعني به: تلك شروطُ اللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن

стр. 4327

السُّدِّيِّ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. يقولُ: شروطُ اللهِ (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: تلك طاعةُ الله. ذكرُ مَن قال ذلك: حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. يعني: طاعة الله. يعنى: المواريثُ التي سمَّى الله (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: تلك سنَّةُ اللهِ وأمرُه. وقال آخَرون: بل معنى ذلك: تلك فرائضُ اللهِ. قال أبو جعفر: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب ما نحن مُبَيِّنوه، وهو أن حدَّ كلِّ شيءٍ ما فصَل بينَه وبينَ غيره، ولذلك قيل لحدود الدارِ وحدودِ الأرَضين: حدودٌ؛ لفصولِها بيَن ما حُدَّ بها وبينَ غيره، فكذلك قولُه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. معناه: هذه القسمةُ التي قسَمها لكم ربُّكم، والفرائضُ التي فرَضها لأحيائكم من موتاكم في هذه الآية، على ما فرَض وبيَّن في هاتين الآيتين، ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾. يعنى: فصولُ ما بين طاعةِ الله ومعصيتِه في قَسْمِكم مواريثَ موتاكم. كما قال ابن عباسٍ، وإنما تُرِك "طاعة" (٣)، والمعنيُّ بذلك حدودُ طاعة الله؛ اكتفاءً بمعرفة المخاطَبين بذلك بمعنى الكلام من ذكرها. والدليلُ على صحة ما

стр. 4328

قلنا في ذلك قولُه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. [والآيةُ] (١) التي بعدها: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]. فتأويلُ الآية إذن: هذه القسمةُ التي قسَم بينكم أيُّها الناسُ عليها ربُّكم مواريث موتاكم، فصولٌ فصَل بها لكم بيَن طاعتِه ومعصيتِه، وحدودٌ لكم تنتهون إليها، فلا تَتَعَدَّوْها؛ ليعلَمَ (٢) منكم أهلَ طاعتِه مِن أهل معصيته، فيما أمَركم به مِن قسمةِ مواريثِ موتاكم بينَكم، وفيما نهاكم عنه منها. ثم أَخْبَر جَلَّ ثناؤُه عمَّا أعدَّ لكلِّ فريقٍ منهم، فقال لفريق أهلِ طاعتِه في ذلك: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في العملِ بما أمَره به، والانتهاء إلى ما حدَّه له، في قسمة المواريثِ وغيرها، ويَجْتَنِبُ ما نهاه عنه في ذلك وغيره، ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. فقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾. يعني: بساتين تَجْري من تحتِ غُروسِها وأشجارها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: باقين فيها أبدًا، لا يموتون فيها، ولا يَفْنَوْن، ولا يخرُجون منها، ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: وإدخالُ الله إياهم الجِنانَ التي وصَفها على ما وصَف مِن ذلك، ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يعنى: الفَلْجُ العظيمُ. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن

стр. 4329

مجاهدٍ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾ الآيةَ. قال: في شأن المواريث التي ذكَر قبلُ (١). حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ: التي حدَّ لخلقه، وفرائضُه بينَهم مِن الميراث والقسمةِ، فانْتَهُوا إليها، ولا تَعَدَّوْها إلى غيرها (٢). القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومن يَعْصِ الله ورسوله في العمل بما أمَراه به مِن قسمةِ المواريثِ على ما أمَراه بقسمةِ ذلك بينَهم، وغير ذلك من فرائضِ اللهِ، مخالفًا أمرَهما إلى ما نَهَياه عنه، ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾. يقولُ: ويَتَجاوَزْ فصولَ طاعتِه التي جعَلها تعالى فاصلةً بينَها وبينَ معصيتِه، إلى ما نهاه عنه من قسمةِ تَرِكاتِ موتاهم بين ورثتِه، وغير ذلك من حدوده، ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾. يقولُ: باقيًا فيها أبدًا، لا يموتُ، ولا يَخْرُجُ منها أبدًا، ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. يعنى: وله عذابٌ مُذِلُّ مَن عُذِّب به، مُخْزٍ له. وبنحوِ ما قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ

стр. 4330

حُدُودَهُ﴾ الآية: في شأن المواريثِ التي ذكَر قبلُ. قال ابن جُرَيْج: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: مَن أصاب من الذُّنوب ما يُعَذِّبُ اللهُ عليه. فإن قال قائلٌ: أو مُخَلَّدٌ (١) في النار مَن عصَى الله ورسولَه في قسمة المواريث؟ قيل: نعم، إذا جمَع إلى معصيتهما في ذلك شكًّا في أن الله فرض عليه ما فرَض على عبادِه في هاتين الآيتين، أو علم ذلك فحادَّ الله ورسوله في أمرهما، على ما ذكَر ابن عباس مِن قولِ مَن قال حين نزَل على رسول الله ﷺ قولُ الله ﵎: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى تمام الآيتين. أَيُوَرَّثُ مَن لا يَرْكَبُ الفرسَ ولا يُقاتِلُ العدوَّ ولا يَحُوزُ الغنيمةَ، نصفَ المال أو جميع المال (٢)؟ استنكارًا منهم قسمةَ اللهِ ما قسَم لصغارِ ولد الميتِ ونسائِه وإناثِ ولده، فمن (٣) خالَف قسمةَ اللهِ ما قسَم مِن ميراثِ أهل الميراث بينَهم، على ما قسَمه في كتابِه، وخالَف حكمَه في ذلك وحكمَ رسولِه، استنكارًا منه حكمَهما، كما اسْتَنكره الذين ذكَر أمرَهم ابن عباسٍ، ممن كان بينَ أظهُرِ أصحاب رسول الله ﷺ من المنافقين، الذين فيهم نزَلت وفي أشكالِهم هذه الآية - فهو من أهل الخلودِ في النار؛ لأنه باستنكاره حُكْمَ اللهِ في تلك يَصِيرُ باللهِ كافرًا، ومن ملَّةِ الإسلام خارجًا. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾.

стр. 4331

يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾: والنساءُ اللاتى يَأْتِينَ بالزنى، أي: يَزنِينَ، ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ وهن مُحْصَنَاتٌ ذواتُ أزواجٍ، أو غيرُ ذواتِ أزواجٍ، ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. يقولُ: فاسْتَشْهِدوا عليهنَّ بما أَتَيْنَ به من الفاحشةِ أربعةَ رجالٍ مِن رجالِكم، يعني: من المسلمين، ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ عَلَيْهِنَّ، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾. يقولُ: فاحْبِسوهنَّ في البيوتِ ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾. يقولُ: حتى يمتن ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. يعنى: أو يَجْعَلَ اللهُ لهنَّ مَخْرَجًا وطريقًا إلى النجاة مما أَتَيْنَ به مِن الفاحشة. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ (١) محمدُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾: أمر بحبسِهنَّ في البيوتِ حتى يمتن، ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال: الحَدُّ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. قال: الزنى، كان أمر بحبسِهنَّ حينَ يَشْهَدُ عليهنَّ أربعةٌ حتى يَمُتْنَ، ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.

стр. 4332

والسبيلُ: الحَدُّ (١). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. إلى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: فكانت المرأة إذا زنَت حُبِست في البيت حتى تموتَ، ثم أنْزَل الله ﵎ بعدَ ذلك: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فإن كانا مُحْصَنَيْن رُجِما، فهذا سبيلُهما الذي جعَل اللهُ لهما (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: فقد جعَل الله لهنَّ، وهو الجَلْدُ والرجمُ. حدَّثني بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾. حتى بلغ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: كان هذا من قبل الحدودِ، فكانا يُؤْذَيانِ بالقول جميعًا، وبحبسِ المرأةِ، ثم جعَل الله لهنَّ سبيلًا، فكان سبيلَ مَن أَحْصَن جلدُ مائةٍ، ثم رَمْىٌ بالحجارة، وسبيلَ مَن لم يُحْصنْ جَلْدُ مائةٍ، ونفىُ سنةٍ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءُ بن أبي رَبَاحٍ وعبد الله بن كثيرٍ: الفاحشةُ الزنى. والسبيلُ:

стр. 4333

الحدُّ؛ الرجمُ والجلدُ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ إلى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. هؤلاء اللاتي قد نكَحن وأَحْصَنَّ. إذا زنَت المرأةُ فإنها كانت تُحبَسُ في البيتِ، ويَأْخُذُ زوجها مهرَها فهو له، فذلك قولُه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] - ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]: الزنى (٢)، ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. حتى جاءت الحدودُ فنسَختها، فجُلِدت ورُجِمت، وكان مهرُها ميراثًا، فكان السبيلُ هو الجلدَ (٣). حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ بن مُزاحِمٍ يقولُ في قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال: الحَدُّ، نسَخ الحدُّ هذه الآية (٤). حدَّثنا أبو هشام الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن إسرائيل، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال: جلدُ مائةٍ الفاعل والفاعلةَ.

стр. 4334

حدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن وَرْقَاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الجلدُ. حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قَتادةَ، عن الحسن، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللهِ الرَّقاشيِّ، عن عُبادة بن الصامت، أن النبيَّ ﷺ كان إذا نزَل عليه الوحيُ نكَس رأسَه، ونكَس أصحابُه رءوسَهم، فلمَّا سُرِّي عنه رفَع رأسَه فقال: "قد جعَل الله لهن سبيلًا، الثَّيِّبُ بالثَّيِّب، والبكْرُ بالبكر، أما الثَّيِّبُ فيجلدُ ثم يُرْجَمُ، وأمَّا البِكْرُ فيُجْلَدُ ثم يُنْفَى" (١). حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، [عن الحسن] (٢)، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللهِ، عن عُبادة بن الصامت، قال: قال نبيُّ الله ﷺ : "خُذُوا عنِّي قد جعَل الله لهنَّ سبيلًا، الثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ، [البِكْرُ بالبكر] (٣)، [والثَّيِّبُ] (٢) يُجْلَدُ مائةٌ ويُرْجَمُ بالحجارة، والبِكْرُ جلدُ مائةٍ ونفىُ سنَةٍ" (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن الحسن، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللهِ أخى بنى رَقَاشِ، عن عُبادةَ بن الصامتِ، أن رسول الله ﷺ كان إذا نُزِّل عليه (٥)، كُرِب لذلك، وتَرَبَّد له وجهُه، فأنزل الله عليه ذاتَ يومٍ، فلقى ذلك، فلمَّا سُرِّي عنه، قال: "خُذُوا عنِّى؛ قد جعَل الله لهنَّ سبيلًا، الثَّيِّبُ بالثيِّبِ، جلدُ مائةٍ ثم رجمٌ بالحجارة، والبِكْرُ بالبكر، جلدُ مائةٍ ثم نفيُ سنةٍ" (٦).

стр. 4335

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهَبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال: يقولُ: لا تَنْكِحوهنَّ حتى يتوفَّاهُنَّ الموتُ، ولم يُخْرِجْهنَّ مِن الإِسلام، ثم نسَخ هذا، وجعَل السبيل (١) أن يُجْعَلَ لهنَّ سبيلًا. قال: فجعل لها السبيل، إذا زنت وهى مُحْصَنَةٌ، رُجمت وأُخْرِجت، وجعَل السبيلَ للبكر جلدَ مائةٍ. حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ [قال: أخبرنا يزيدُ] (٢)، قال: أخبرنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ في قوله: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال: الجَلدُ والرَّجْمُ (٣). حدَّثنا ابنُ (٤) المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ (٥) جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قَتادةَ، عن الحسن، عن حِطَّانَ بن عبد اللهِ الرَّقَاشيِّ، عن عُبادة بن الصامت، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "خُذُوا عَنِّي، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، الثَّيِّبُ بالطَّيِّبِ، والبِكْرُ بالبِكْرِ، الثَّيِّبُ يُجْلَدُ ويُرْجَمُ، والبِكْرُ يُجْلَدُ ويُنفى" (٦). حدَّثني يحيى بنُ إبراهيم المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن

стр. 4336

الأعمش، عن إسماعيل بن مسلمٍ البصريِّ، عن الحسن، عن عُبادة بن الصامت، قال: كُنَّا جلوسًا عند النبيِّ ﷺ إذا احمرَّ وجهه، وكان يَفْعَلُ ذلك إذا نزل عليه الوحى، فأخذه كهيئةِ الغَشْى؛ لِما يَجِدُ مِن ثِقَل ذلك، فلمَّا أفاق قال: "خُذُوا عنِّى قد جعَل الله لهنَّ سبيلًا، البِكْرانِ يُجْلَدانِ ويُنْفَيانِ سَنَةً، والثَّيِّبَانِ يُجْلَدانِ ويُرْجَمانِ" (١). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قولُ مَن قال: السبيلُ التي جعلها الله جلَّ ثناؤُه للثَّيِّبَين المحَصَنين الرجمُ بالحجارة، وللبِكْرَيْنِ جلد مائةٍ ونفىُ سنةٍ؛ لصحَّة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه رجَم ولم يجلدْ (٢)، وإجماع الحجَّة التي لا يجوز عليها فيما نقلته مجمعةً عليه - الخطأُ والسهو والكذبُ، وصحة الخبر عنه أنه قضى في البِكْرَيْنِ بجلدِ مائةٍ ونَفْي سَنةٍ، فكان في الذي صحَّ عنه من تركه جلدَ مَن رُجمِ مِن الزُّناةِ في عصره دليلٌ واضحٌ على وَهَاءِ الخبر الذي رُوى عن الحسن، عن حِطَّانَ، عن عبادة، عن النبي ﷺ أنه قال: "السبيلُ للثَّيِّبِ المُحصن الجلد والرجمُ". وقد ذكر أن هذه الآيةَ في قراءةِ عبدِ اللهِ: (واللاتى يَأْتِينَ بالفاحشةِ مِن نسائكم) (٣). والعربُ تقولُ: أتيتُ أمرًا عظيمًا، وبأمرٍ عظيمٍ، وتكلَّمْتُ بكلامٍ قبيحٍ، وكلامًا قبيحًا. القول في تأويل قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: والرجل والمرأة اللذان

стр. 4337

يَأْتِيَانِهَا﴾، يقولُ: يأتيان الفاحشة. والهاءُ والألفُ في قوله: ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ عائدةٌ على "الفاحشة" التي في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. والمعنى: واللذان يأتيان منكم الفاحشة فآذُوهما. ثم اختلف أهل التأويل في المَعْنِيِّ بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾؛ فقال بعضُهم: هما البِكْرانِ اللذان لم يُحْصنا، وهما غيرُ اللاتي عُنِينَ بالآية قبلها. وقالوا: قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. مَعْنيٌّ به الثَّيِّبات المُحصنات بالأزواج. وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾. يعني به: البكرانِ غير المُحَصَنين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ذكر الجوارى والفتيان اللذين لم ينكحوا، فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ (١). حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: البِكران ﴿فَآذُوهُمَا﴾. وقال آخرون: بل عُنى بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: الرجلان الزانيان. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ:

стр. 4338

﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾. قال: الرجلان الفاعلان، لا يَكْنِى. حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: الزانيان (١). وقال آخرون: بل عُنى بذلك الرجلُ والمرأةُ، إلا أنه لم يُقصَد به بكرٌ دونَ ثَيِّبٍ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾. قال: الرجلُ والمرأة (٢). حدَّثنا محمد بن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيد النحويِّ، عن عكرمة والحسن البصريِّ، قالا: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]: فذكر الرجلَ بعد المرأة، ثم جمعهما جميعًا، فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٣). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءٌ وعبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ قولَه: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾. قال: هذه للرجل والمرأة جميعًا (٣).

стр. 4339

قال أبو جعفر: وأَوْلَى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: قولُ مَن قال: عُنى به البكران غيرُ المحصنين إذا زَنَيا، وكان أحدُهما رجلًا والآخَرُ امرأةً؛ لأنه لو كان مقصودًا بذلك قصد البيان عن حكم الزناة من الرجال، كما كان مقصودًا بقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. قصد البيان عن حكم الزواني، لقيل: والذين يأتونها منكم فآذوهم. أو قيل: والذي يأتيها منكم. كما قيل في التي قبلها: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾. فَأَخْرَج ذكرهنَّ على الجميعِ، ولم يَقُلْ: واللتان يأتيان الفاحشة. وكذلك تَفْعَلُ العربُ إذا أرادت البيانَ على الوعيد على فعلٍ، أو الوعد عليه، أَخْرَجَت أسماء أهله بذكر الجميع أو الواحد، وذلك أن الواحد يَدُلُّ على جنسه، ولا تُخْرِجُها بذكر اثنين، فتقولُ: الذين يفعلون كذا فلهم كذا، والذي يفعل كذا فله كذا. ولا تقولُ: اللذان يفعلان كذا فلهما كذا، إلا أن يكون فعلًا لا يكون إلا من شخصين مختلفين، كالزنى لا يكونُ إلا من زانٍ وزانيةٍ. فإذا كان ذلك كذلك قيل بذكر الاثنين، يُرادُ بذلك الفاعل والمفعولُ به. فأَمَّا أَن يُذْكَرَ بذكرِ الاثنين، والمراد بذلك شخصان في فعل قد يَنْفَرِدُ كلُّ واحد منهما به، أو في فعلٍ لا يكونان فيه مشتركين، فذلك ما لا يُعْرَفُ في كلامها. وإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن قال: عُنى بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾. الرجلان، وصحة قول من قال: عُنى به الرجل والمرأةُ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنهما غيرُ اللواتي تقدَّم بيانُ حُكْمِهن في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾؛ لأن هذين اثنان، وأولئك جماعةٌ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الحبس كان للثَّيِّباتِ عقوبةً حتى يُتَوَفَّينَ من قبل أن يَجعَلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا؛ لأنه أغلَظُ في العقوبة من الأذى الذي هو تعنيفٌ

стр. 4340

وتوبيخٌ، أو سَبٌّ وتغييرٌ، كما كان السبيل التي جُعلت لهنَّ من الرَّجم أغلظ من السبيل التي جُعِلَت للأبكارِ مِن جَلْدِ المائةِ ونَفْي السنة. القولُ في تأويل قوله: ﴿فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾. اختلف أهل التأويل في "الأذى" الذي كان الله تعالى ذكرُه جعَله عقوبةً لِلَّذِين يأتيان الفاحشة من قبل أن يَجعَلَ لهما سبيلًا منه؛ فقال بعضُهم: ذلك الأذى، أذًى بالقول واللسان، كالتَّعْيير والتوبيخ على ما أتَيا من الفاحشة. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرُ بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَآذُوهُمَا﴾. قال: كانا يُؤْذَيَانِ بالقول جميعًا (١). حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾: فكانت الجارية والفتى إذا زَنَيا يُعَنَّفان ويُعَيَّران حتى يَتْرُكا ذلك (٢). وقال آخرون: كان ذلك الأذى أذًى باللسان، غير أنه كان سَبًّا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن عمرٍو (٣)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ،

стр. 4341

عن مجاهدٍ: ﴿فَآذُوهُمَا﴾. يعنى: سبًّا (١). وقال آخرون: بل كان ذلك الأذى باللسان واليد. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾: فكان الرجلُ إذا زنَى أُوذِيَ بالتَّعْيير وضُرِب بالنِّعالِ (٢). قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه كان أمر المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين إذا أتَيا ذلك وهما من أهل الإسلام، والأذى قد يَقَعُ بكلِّ (٣) مَكْروهٍ نالَ الإنسانَ؛ مِن قولٍ سيِّئ باللسان، أو فعلٍ. وليس في الآية بيان أيِّ (٤) ذلك كان أُمر به المؤمنون يومئذٍ، ولا خبرٌ به عن رسول الله ﷺ ، مِن نَقْلِ الواحد ولا نقل الجماعة الموجبِ مَجِيئُها قطعَ العُذْرِ. وأهلُ التأويل في ذلك مُخْتَلِفون، وجائزٌ أن يكون ذلك أذًى باللسان أو (٥) اليد، وجائزٌ أن يكون كان أذًى بهما (٦)، وليس في العلم بأيِّ (٧) ذلك كان من أيٍّ نفعٌ في دينٍ ولا دُنيا، ولا في

стр. 4342

الجهل به مَضَرَّةٌ إذ كان الله جلّ ثناؤُه قد نسَخ ذلك من مُحْكَمِه بما أوجب من الحكم على عباده فيهما، وفى اللاتي قبلهما، فأما الذي أوجب من الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في سورة "النور" بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. وأما الذي أوجب في اللاتي قبلهما، فالرَّجمُ الذي قضى به رسول الله ﷺ فيهما، وأجمع أهلُ التأويل جميعًا على أن الله تعالى ذكرُه قد جعل لأهل الفاحشة من الزُّناة والزَّوانى سبيلًا بالحدود التي حكم بها فيهم. وقال [جماعةٌ من] (١) أهل التأويل: إن الله سبحانه نسخ بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾. قال: كلُّ ذلك نَسَخته الآية التي في "النور" بالحدِّ المفروض (٢). حدَّثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية. قال: هذا نَسخته الآية في سورة "النور" بالحدِّ المفروض (٢). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسين بن واقدٍ، عن يزيد

стр. 4343

النحويِّ، عن عكرمة والحسن البصريِّ، قالا في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية: نسخ ذلك بآية الجَلْدِ، فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾: فَأَنزَل اللهُ بعد هذا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، فإن كانا مُحْصَنَين رُجِما في سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ (٢). حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّي: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية: جاءت الحدود فنسَخَتها. حُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: نَسَخ الحدُّ هذه الآية (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سُفيان، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الآية. قال: نسختها الحدود. وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾. نَسَختها الحدود (١). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية: ثم نُسخ هذا، وجُعل السبيلُ لها إذا زَنَت

стр. 4344

وهى مُحْصَنَةٌ رُجِمَت وأُخْرِجَت، وجُعِل السبيلُ للذَّكَرِ جلد مائة. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥]. قال: نَسختها الحدود (١). وأما قوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾. فإنه يعنى به جلّ ثناؤُه: فإن تابا من الفاحشة التي أتيا، فراجعا طاعة الله بينهما، ﴿وَأَصْلَحَا﴾. يقولُ: وأصلحا دِينَهما بمُراجعة التوبة من فاحشتهما، والعمل بما يُرْضِى الله. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾. يقولُ: فاصفَحوا عنهما، وكُفُّوا عنهما الأذى الذي كنتُ أمرتكم أن تُؤذوهما به عقوبة لهما على ما أتيا من الفاحشة، ولا تُؤذوهما بعد توبتهما. وأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. فإنه يعنى: إن الله لم يَزَلْ راجعًا لعبيده إلى ما يُحِبُّون، إذا هم راجعوا ما يُحِبُّ منهم من طاعته، رحيمًا بهم، يعني: ذا رحمة ورأفة. القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾: ما التوبة على الله لأحدٍ من خلقه إلا للذين يعملون السوء من المؤمنين بجهالة، ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، يقولُ: ما اللهُ براجعٍ لأحدٍ من خلقه إلى ما

стр. 4345

يُحِبُّه من العفو عنه، والصفح عن ذنوبه التي سَلَفت منه، إلا للذين يأتُون ما يأتونه من ذنوبهم جهالةً منهم، وهم بربِّهم مؤمنون، ثم يُراجعون طاعةَ اللهِ، ويُنيبُونَ (١) منه إلى ما أمرهم الله به، من الندم عليه والاستغفار وترك العود إلى مثله، من قبل نزول الموت بهم. وذلك هو "القريبُ" الذي ذكره الله تعالى ذكره فقال: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا في معنى قوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه، وذهب إلى أن عمله السوء هو الجهالة التي عناها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أبي العالية أنه كان يُحدِّثُ أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كلُّ ذنبٍ أصابه عبدٌ فهو بجهالة (٢). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرَأَوا أن كلَّ شيءٍ عُصِى به فهو جهالةٌ، عمدًا كان أو غيره (٣). حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾، قال: كلُّ مَن
следующие страницы →