← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

واقدٍ أبى رجاءٍ الهَرَوىِّ، قال: لا تَجِدُه (١) سَيِّئَ المَلَكَةِ إلا وجَدْتَه مختالاً فخورًا. وتلا: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. ولا عاقًّا إلا وجَدْتَه جبَّارً اشقيًّا. وتلا: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (٢) [مريم: ٣٢]. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤه: إن اللَّهَ لا يُحِبُّ المختالَ الفخورَ، الذي يَبْخَلُ وَيَأْمُرُ الناسَ بالبخلِ، فـ ﴿الَّذِينَ﴾ يَحْتَمِلُ أن يكونَ فى موضعِ رفعٍ ردًّا على ما فى قولِه: ﴿فَخُورًا﴾ مِن ذكرٍ (٣)، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ نصبًا على النعتِ لـ "مَن". والبخلُ فى كلامِ العربِ: منعُ الرجلِ سائلَه ما لديه وعندَه مِن (٤) فضلٍ عنه. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن ابنِ طاوسٍ عن أبيه فى قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. قال: البخلُ أن يَبْخَلَ الإنسانُ بما في يديه، والشُّحُّ: أن يَشحَّ على ما في أيدى الناسِ. قال: يُحِبُّ أن يكونَ له ما في أيدى الناس بالحلِّ والحرامِ، لا يَقْنَعُ (٥). واختلفت القَرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (بالبَخَلِ) بفتحِ الباءِ والخاءِ، وقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ

стр. 4587

وبعضُ البصريين بضمِّ الباء: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ (١). وهما لغتان فصيحتان بمعنًى واحدٍ، وقراءتان معروفتان، غيرُ مختلفتَى المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ في قراءتِه. وقد قيل: إن اللهَ جل ثناؤه عنَى بقولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. الذين كتَموا اسمَ محمدٍ ﷺ الله وصفتَه من اليهودِ، ولم يُبَيِّنوه للناسِ، وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم في التوراةِ والإنجيلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حّدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، عن أبيه، عن الحَضْرَمىِّ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: فهم اليهودُ، بِخلوا بما عندَهم مِن العلمِ وكتَموا ذلك (٢). حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. ما بين ذلك في يهودَ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. وهم أعداءُ اللهِ أهلُ الكتابِ، بخِلوا بحقِّ اللهِ

стр. 4588

عليهم، وكتَموا الإسلامَ ومحمدًا ﷺ ، وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم في التوراةِ والإنجيلِ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: أمَّا ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾، فهم اليهودُ، ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: اسمَ محمدٍ ﷺ ، [وأما] (٢) ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾: يَبْخَلون باسمِ محمدٍ ﷺ ، ويَأْمُرُ بعضُهم بعضًا بكتمانِه (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ مسلمٍ الرازىُّ: قال: ثنى أبو جعفرٍ الرازىُّ، قال: ثنا يحيى، [عن عارمٍ] (٤)، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ فى قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. قال: هذا للعلمِ، [ليس للدنيا منه شيءٌ] (٥). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. قال] (٦): هؤلاء يهودُ، وقرَأ: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: يَبْخَلون بما آتاهم اللهُ مِن الرزقِ، ويَكْتُمون ما آتاهم اللهُ مِن الكتبِ، إذا سُئلوا عن الشئِ وما أَنْزَل اللهُ كتَموه. وقرَأ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣].

стр. 4589

مِن بخلِهم (١). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدٍ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان كَرْدَمُ بنُ زيدٍ -حليفُ كعبِ بنِ الأشرفِ- وأسامةُ بنُ حَبيبٍ ونافِعُ بْنُ أَبِى نافعٍ، وبَحْرِيٌّ بنُ عَمرٍو، وحُيَىُّ بنُ أَخْطَبَ، ورفاعةُ بنُ زيدِ بنِ التابوتِ، يأتون رجالاً مِن الأنصارِ -وكانوا يُخالِطُونهم، يَتَنصَّحون لهم- مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فيقولون لهم: لا تُنْفِقوا أموالكم، فإِنَّا نَخْشَى عليكم الفقرَ فى ذَهابِها، ولا تُسارِعوا في النفقةِ، فإنكم لا تَدْرُون ما يكونُ. فأنْزَل اللهُ فيهم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. أى مِن النبوَّةِ التي فيها تصديقُ ما جاء به محمدٌ ﷺ . ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ (٢). فتأويلُ الآيةِ على التأويلِ الأولِ: واللهُ لا يُحِبُّ ذَوِى الخُيَلاءِ والفخرِ الذين يَبْخَلُون بتبيينِ ما أمَرهم اللهُ بتبيينِه للناسِ مِن اسمِ محمدٍ ﷺ ونعتِه وصفتِه التي أنْزَلها في كتبِه على أنبيائِه، وهم به عالمون، ويَأْمُرون الناسَ الذين يَعْلَمون ذلك، مثلَ علمِهم [بكتمانِه مَنْ] (٣) أَمَرهم اللهُ بتبيينِه له، ويَكْتُمون ما آتاهم اللهُ مِن علمِ ذلك ومعرفتِه مَن حرَّم اللهُ عليه كتمانَه إيَّاه. وأمَّا على تأويلِ ابنِ عباسٍ وابنِ زيدٍ: إن اللهَ لا يُحِبُّ مَن كان مُختالًا فخورًا،

стр. 4590

الذين يَبْخَلون على الناسِ بفضلِ ما رزَقهم اللهُ مِن أموالِهم. ثم سائرُ تأويلِهما وتأويلِ غيرِهما سواءٌ. وأَوْلَى الأقوالِ بالصوابِ فى ذلك ما قاله الذين قالوا: إن اللهَ وصَف هؤلاءِ القومَ الذين وصَف صفتَهم في هذه الآيةِ بالبخلِ، بتعريفِ مَن جهِل أمرَ محمدٍ ﷺ ، أنه حقٌّ، وأن محمدًا للهِ نبىٌّ مبعوثٌ، وغيَر ذلك من الحقِّ الذي كان اللهُ تعالى ذكرُه قد بيَّنه فيما أوْحَى إلى أنبيائِه مِن كتبِه، فبخِل بتبيينِه للناسِ هؤلاء، وأمَروا مَن كانت حالُه حالَهم في معرفتِهم به أن يَكْتُموه مَن جهِل ذلك، ولا يُبَيِّنوه للناسِ. وإنما قلنا: هذا القولُ أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن اللهَ جل ثناؤه وصَفهم بأنهم يَأْمُرون الناسَ بالبخلِ، ولم يَبْلُغْنَا عن أُمَّةٍ مِن الأممِ أنها كانت تَأْمُرُ الناسَ بالبخلِ دِيانةً ولا تَخَلُّقًا، بل ترَى ذلك قبيحًا، ويُذَمُّ فاعلُه، ولا يُمْتَدَحُ؛ وإن هي تخلَّقت بالبخلِ واسْتَعْمَلته في أنفسِها، فالسخاءُ والجودُ تَعُدُّه مِن مكارمِ الأفعالِ، وتَحُثُّ عليه، ولذلك قلنا: إن بخلَهم الذى وصَفهم اللهُ به، إنما كان بخلاً بالعلمِ الذي كان اللهُ آتاهموه، فبخِلوا بتبيينِه للناسِ، وكتَموه دونَ البخلِ بالأموالِ، إلا أن يكونَ معنى ذلك: الذين يَبْخَلون بأموالِهم التى يُنْفِقُونها في حقوقِ اللهِ وسبلِه، ويَأْمُرون الناسَ مِن أهلِ الإسلامِ بتركِ النفقةِ في ذلك، فيكونُ بخلُهم بأموالِهم وأمرِهم الناسَ بالبخلِ، فهذا المعنى على ما ذكَرْنا مِن الروايةِ عن ابنِ عباسٍ، فيكونُ لذلك وجةٌ مفهومٌ في وصفِهم بالبخلِ، وأمرِهم به. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾. يعنى بذلك جل ثناؤُه: ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: وجعَلْنا للجاحدينَ نعمةَ اللهِ التى أنْعَم بها عليهم مِن المعرفةِ بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ ، المكذَّبين به بعدَ علمِهم به، الكاتمين نَعْتَه

стр. 4591

وصفتَه مَن أمَرهم اللهُ ببيانِه له مِن الناسِ، ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ يعنى: العقابَ المُذِلَّ مَن عُذِّب بخلودِه فيه، عتادًا له فى آخرتِه إذا قدِم على ربِّه، وآخَذه بما سلَف منه مِن جحودِه فرضَ اللهِ الذى فرَض عليه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأعتَدْنا للكافرين باللهِ مِن اليهودِ، الذين وصَف اللهُ صفتَهم عذابًا مُهِينًا، ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾. و ﴿وَالَّذِينَ﴾ في موضعِ خفضٍ عَطْفاً على الكافرين. وقولُه: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾. يعنى: يُنفِقُه مراءاةَ الناسِ في غيرِ طاعةِ اللهِ أو غيرِ سبيلِه، ولكن في سبيلِ الشيطانِ، ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يقولُ: ولا يُصَدِّقون بوحْدانيَّةِ اللهِ، ولا بالمعادِ (١) إليه يومَ القيامةِ -الذي فيه جزاءُ الأعمالِ- أنه كائنٌ، وقد قال مجاهدٌ: إن هذا مِن صفةِ اليهودِ. وهو صفةُ أهلِ النفاقِ الذين كانوا أهلَ شركٍ، فأظْهَروا الإسلامَ تقيَّةٌ مِن رسولِ اللهِ ﷺ و أهلِ الإيمانِ به، وهم على كفرِهم مقيمون، أشبهُ منهم بصفةِ اليهودِ؛ لأن اليهودَ كانت تُوَحِّدُ اللهَ، وتُصَدِّقُ بالبعثِ والمَعَادِ، وإنما كان كفرُها تكذيبَها بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ . وبعدُ؛ ففى فصلِ اللهِ بينَ صفةِ الذين لا يُؤْمِنون باللهِ ولا باليومِ الآخِرِ، وصفةِ الفريقِ الآخَرِ الذين وصَفهم في الآيةِ قبلَها وأخبر أن لهم عذابًا مُهِينًا، بالواوِ الفاصلةِ بينَهم - ما يُنْبِئُ عن أنهما صفتانِ مِن نوعيْن مِن الناسِ مختلفَي المعاني، وإن كان

стр. 4592

جميعُهم أهلَ كفرٍ باللهِ، ولو كانت الصفتان كلتاهما صفةَ نوعٍ مِن الناسِ لقيل إن شاء اللهُ: وأعْتَدنا للكافرين عذابًا مُهينًا، الذين يُنفِقون أموالَهم رئاءَ الناسِ. ولكن فصَل بينَهم بالواوِ لما وصَفْنا. فإن ظنَّ ظانٌّ أن دخولَ الواوِ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ فى عطفِ صفةٍ على صفةٍ لموصوفٍ واحدٍ فى كلامِ [العربِ. قيل: ذلك] (١) وإن كان كذلك، فإن الأفصحَ في كلامِ العربِ إذا أُرِيد ذلك، تركُ إدخالِ الواوِ، وإذا أُرِيد بالثانى وصفٌ آخرُ غيرُ الأَوَّلِ، إدخالُ (٢) الواوِ، وتوجيهُ كلامِ اللهِ إلى الأفصحِ الأشهرِ مِن كلامِ مَن نزَل بلسانِه كتابُه أَوْلَى بنا مِن توجيهِه إلى الأنكرِ مِن كلامِهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يَكُنِ الشيطانُ له خليلاً وصاحبًا، يَعْمَلُ بطاعتِه ويَتَّبِعُ أمرَه، ويَتْرُكُ أمرَ اللَّهِ، فى إنفاقِه مالَه رئاءَ الناسِ في غيرِ طاعتِه وجُحودِه وحْدانيَّةَ اللهِ والبعثَ بعدَ المماتِ - ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾. يقولُ: فساء الشيطانُ قرينًا، وإنما نُصِب القرينُ؛ لأن فى "ساء" ذكرًا مِن الشيطانِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. وكذلك تَفْعَلُ العربُ في "ساء" ونظائرِها. ومنه قولُ عَدِيٍّ بنِ زيدٍ (٣): عن المرءِ لا تَسْأَلْ وأبْصِرُ (٤) قرينَه … [فإنَّ القَرينَ] (٥) بالمُقارَنِ مُقْتَدِ (٦)

стр. 4593

يُرِيدُ بالقرينِ الصاحبَ والصديقَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾. يعنى بذلك جل ثناؤُه: أىُّ شيءٍ على هؤلاء الذين يُنْفِقُون أموالَهم رِئَاءَ الناسِ، ولا يُؤمِنون باللهِ ولا باليومِ الآخرِ ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لو صدَّقوا بأن اللَّهَ واحدٌ لا شريكَ له، وأخْلَصوا له التوحيدَ، وأيْقَنوا بالبعثِ بعدَ المماتِ، وصدَّقوا بأن اللهَ مجازيهم بأعمالِهم يومَ القيامةِ، ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: وأدَّوْا زكاةَ أموالِهم التى رزَقهم اللهُ، وأعطاهموها طيبةً بها أنفسُهم، ولم يُنفِقوها رئاءَ الناسِ، التماسَ الذِّكْرِ والفخرِ عندَ أهلِ الكفرِ باللهِ، والمحمدةِ بالباطلِ عندَ الناسِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ بهؤلاء الذين وصَف صفتَهم أنهم يُنفِقون أموالهَم رِئَاءَ الناسِ نفاقاً، وهم باللهِ واليومِ الآخرِ مكذِّبون ﴿عَلِيمًا﴾. يقولُ: ذا علمٍ بهم وبأعمالِهم وما يَقْصِدون ويُرِيدُون بإنفاقِهم، وما يُنفقون مِن أموالِهم، وأنهم يُرِيدُون بذلك الرياءَ والسُّمعةَ والمحمدةَ في الناسِ، وهو حافظٌ عليهم أعمالَهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منها حتى يُجَازِيَهم بها جزاءَهم عندَ (١) مَعادِهم إليه. القولُ (*) في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾. قال أبو جعفر، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وماذا عليهم لو آمَنوا باللهِ واليومِ الآخرِ، وأنفَقوا مما رزَقهم الله، فإن اللهَ لا يَبْخَسُ أحدًا مِن خلقِه أنْفَق في سبيلِه

стр. 4594

مما رزَقه مِن ثوابِ نفقتِه في الدنيا، ولا مِن أجرِها يومَ القيامةِ ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [يعنى: ميزانَ ذرةٍ] (١) أي ما يَزِنُها ويكونُ على قدرِ ثقلِها في الوزنِ، ولكنه يُجازيه به، ويُثيبُه عليه. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾. قال: لأن تَفْضُلَ حسناتى [سيئاتي بِمثقالِ] (٢) ذرَّةٍ أحبُّ إليَّ مِن الدنيا وما فيها (٣). حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: لأن تَفْضُل حسناتى على سيئاتي ما يَزِنُ ذرةً أحبُّ إليَّ مِن أن تكونَ لى الدنيا جميعًا. وأمَّا الذرَّةُ، فإنه ذُكِر عن ابن عباسٍ أنه قال فيها، كما حدَّثني إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شَبيبُ بنُ بِشرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾. قال: رأسُ نملةٍ حمراءَ (٤). [حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القَزّازُ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: حدثنا ابن بِشرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: حمراءَ. قال أبو جعفرٍ] (٥): قال لى إسحاقُ بنُ وهبٍ: قال يزيدُ بنُ هارونَ: زعَموا أن

стр. 4595

هذه الذرَّةَ (١) الحمراءَ ليس لها وزنٌ (٢). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك صحَّت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ . [ذكرُ مَن قال ذلك] (٣) حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى ومحمدُ بنُ بشّارٍ، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عمرانُ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إن الله لا يَظْلِمُ المؤمنَ حسنةً، يُثابُ عليها الرزقَ في الدنيا، ويُجْزَى بها في الآخرةِ، وأمَّا الكافرُ فيَطْعَمُ بها في الدنيا، فإذا كان يومُ القيامةِ لمْ تكن له (٤) حسنةٌ" (٥). حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا زيدُ بنُ أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، [عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ: ﷺ ] (٦) "والذي نفسي بيدِه، ما أحدُكم بأشدَّ مناشدةً في الحقِّ يَرَاهُ مُصِيبًا له مِن المؤمنين في إخوانِهم إذا رأَوْا أن قد خلَصوا مِن النارِ، يقولون: أي ربَّنا، إخوانُنا كانوا يُصَلُّون معَنا ويَصُومون معَنا ويَحُجُّون معَنا ويُجاهِدُون معَنا، قد أخَذَتْهم النارُ، فيقولُ اللهُ لهم: اذْهَبوا فمَن عرَفْتُم صورتَه فأَخْرِجوه، ويُحَرِّمُ صُوَرَهم (٧)

стр. 4596

على النارِ، فيَجِدون الرجلَ قد أخَذَتْه النارُ إلى [قدَمَيه وإلى] (١) أنصَافِ ساقَيْه وإلى ركبتَيْه وإلى حَقْوَيْه (٢)، فيُخرِجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يَعُودون فيَتَكَلَّمون، فيقولُ: اذْهَبُوا فَمَن (٣) وجَدْتُم في قلبِه مثقالَ قيراطِ (٤) خيرٍ فأَخْرِجُوه. فيُخْرِجُون منها بشرًا كثيرًا، ثم يَعُودون فيَتَكَلَّمون [فيقولُ: اذهبوا فمَن وجدتم في قلبِه مثقالَ نصفِ قيراطِ خيرٍ فأخرجوه. فيُخْرِجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمون] (٥) "فَلا يَزالُ يقولُ ذلك لهم حتى يقولَ: اذْهَبوا، فمَن وجَدْتُم في قلبِه مثقالَ ذرةٍ فأَخْرجوه". فكان أبو سعيدٍ إذا حدَّث بهذا الحديثِ، قال: إن لم تُصَدِّقوا فاقرءوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. "فيقولون: ربَّنا لم نَذَرْ فيها خيرًا" (٦). [حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبرنا أبى، قال: حدَّثنا الأوزاعِيُّ، قال: حدَّثني مَن سمِع زيدَ بنَ أسلمَ يُحدِّثُ عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه، إلا أنه قال: "فيقولُ اللهُ - في المرةِ الثانيةِ -: أخرجوا مَن وجدتُم في قلبِه مثقالَ دينارٍ مِن خيرٍ"، وفى الثالثةِ: "نصفِ دينارٍ"، وفى الرابعةِ: "مثقالَ حبةٍ مِن خَردَلٍ". وسائرُ الحديثِ نحوَه] (٧).

стр. 4597

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: حدثنا أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن ابن (١) أبى هلالٍ، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (٢). وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا صدقةُ بنُ أبى سهلٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، عن زاذانَ، قال: أتيتُ ابنَ مسعودٍ، فقال: إذا كان يومُ القيامةِ جمَع اللهُ الأَوَّلينَ والآخرين، ثم نادَى منادٍ مِن عندِ اللَّهِ: ألا مَن كان (٣) يَطْلُبُ مَظْلِمةً فَلْيَجِئْ إلى حقِّه فَلْيَأْخُذْه. قال: فيَفْرَحُ واللَّهِ المَرَّءُ (٤) أَن يدورَ (٥) له الحقُّ على والدِه، أو ولدِه، أو زوجتِه، [أو أختِه] (٦) فيَأْخُذَه منه، وإن كان صغيرًا، ومصداقُ ذلك في كتابِ اللهِ: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]. فيقالُ له: آتِ هؤلاء حقوقَهم. أي: أعطِ هؤلاءِ حقوقَهم. فيقولُ: يا (٧) [ربِّ، مِن أين وقد ذهَبتِ الدنيا؟ فيقولُ اللهُ لملائكتِه: أي ملائكتي، انْظُروا في أعمالِه الصالحةِ، فأَعْطُوهم منها. فإن بقِي مثقالُ ذرَّةٍ مِن حسنةٍ، قالت الملائكةُ: يا ربَّنا - وهو أعلمُ بذلك منها - أعطيْنا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وبقِى له مثقالُ ذرَّةٍ مِن حسنةٍ. [فيقولُ للملائكةِ] (٨): ضعِّفوها لعبدى، وأدْخِلوه بفضلِ رحمتى الجنةَ. ومصداقُ ذلك في كتابِ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. أي الجنةَ

стр. 4598

يُعطيها. وإن فنِيتْ حسناتُه وبقِيتْ سيِّئاتُه، قالت الملائكةُ - وهو أعلمُ بذلك -: إلهَنا، فنِيت حسناتُه، وبَقِيت سيِّئاتُه، وبقِى طالبون كثيرٌ؟ فيقولُ اللَّهُ: ضَعُوا (١) عليها مِن أوزارِهم واكْتُبوا له كتابًا إلى النارِ. قال صدقةُ: أو: صكًّا إلى جهنمَ. شَكَّ صدقةُ أيَّهما قال (٢). حُدِّثْتُ عن محمدِ بن عُبيد، عن هارونَ بن عنترةَ (٣)، عن عبدِ اللَّهِ بن السائبِ، قال: سمِعتُ زاذانَ يقولُ: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعود: يُؤْخَذُ بيدِ العبدِ والأَمَةِ يومَ القيامةِ، فيُنادي منادٍ على رءوسِ الأوَّليَن والآخرين: هذا فلانُ بنُ فلانٍ، مَن كان له حقٌّ فليأتِ إلى حقِّه. فَتَفْرَحُ المرأةُ أن يَذُوبَ (٤) لها الحَقُّ على أبيها (٥)، أو على أخيها، أو على زوجِها [ثم قرَأ ابن مسعودٍ] (٦): ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]. فيَغْفِرُ اللَّهُ مِن حقِّه ما شاء، ولا يَغْفِرُ مِن حقوقِ الناسِ شيئًا، فيَنْصِبُ (٧) للناسِ فيقولُ: [أتُوا إلى الناسِ حقوقهم] (٨) فيقولُ: ربِّ، فنِيت الدنيا، مِن أين (٩) أُوتِيهم حقوقَهم؟ فيقولُ: خُذوا مِن أعمالِه الصالحةِ، فأَعْطُوا كلَّ ذى حقٍّ حقَّه بقدرِ طَلِبَتِه (١٠). فإن كان وليًّا للهِ، ففضَل له مثقالُ ذرَّةٍ ضاعفها له حتى يُدْخِلَه بها الجنةَ، ثم قرَأ علينا:

стр. 4599

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، [قال: أدخِلوه (١) الجنةَ] (٢). وإن كان عبدًا شقيًّا قال الملَكُ: ربِّ، فنِيت حسناتُه، وبقِى طالبون (٣) كثيرٌ. فيقولُ: خُذوا مِن سيئاتِهم، فأَضِيفوها إلى سيئاتِه، ثم صُكُّوا له صَكًّا إلى النارِ (٤). قال أبو جعفرٍ: فتأويلُ الآيةِ على تأويلِ عبدِ اللهِ هذا: إن الله لا يَظْلِمُ عبدًا وجَب له مثقالُ ذرّةٍ قِبَلَ عبدٍ له آخرَ في معادِه ويومَ لقائِه فما فوقه، فَيَتْرُكَه عليه فلا يَأْخُذَه للمظلومِ مِن ظاِلمِه، ولكنه يَأْخُذُه منه له، ويَأْخُذُ مِن كُلِّ ظالمٍ للمظلومِ (٥) تَبِعَتَه قِبَلَه، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾. يقولُ: وإن تُوجَدْ (٦) له حسنةٌ [بعدَ ذلك] (٧) يُضَاعِفُها، بمعنى: يُضَاعِفُ له ثوابَها وأجرَها، ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يقولُ: ويُعْطِه مِن عندِه أجرًا عظيمًا، والأجرُ العظيمُ الجنةُ، على ما قاله عبدُ اللهِ. ولكلا التأويلينِ وجهٌ مفهومٌ، أعنى التأويلَ الذي قاله ابن مسعودٍ، والذي قاله قتادةُ، وإنما اخترنا التأويلَ الأولَ لموافقتِه الأثرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، مع دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ على صحَّتِه، إذ كان في سياقِ الآيةِ التي قبلَها، التي حثَّ اللهُ جلَّ ثناؤُه فيها على النفقةِ في طاعتِه، وذمَّ النفقةَ في طاعةِ الشيطانِ. ثم وصَل (٨) ذلك بما وعَد المُنفقينَ (٩) في طاعتِه بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً

стр. 4600

يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. واخْتَلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ (١) العراقِ: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ بنصبِ الحسنةِ، بمعنى: وإن تكُ زِنَةُ الذرَّةِ حسنةً يُضَاعِفُها. وقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ (٢) المدينةِ: (وَإِنْ تَكُ حسنةٌ) برفعِ الحسنةِ، بمعنى: وإن تُوجَدْ حسنةٌ (٣)، على ما ذكَرتُ عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ مِن تأويلِ ذلك. وأمَّا قولُه: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾، فإنه جاء بالألفِ، ولم يقلْ: "يُضَعِّفْها". لأنه أُرِيد به - في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ -: يُضَاعِفُها أضعافًا كثيرةً؛ ولو أُرِيد به في قولِه: يُضَعِّف ذلك ضِعْفين لقيلَ: "يُضَعِّفْها" بالتشديدِ (٤). ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الذين وعَدهم اللهُ بهذه الآيةِ ما وعَدهم فيها؛ فقال بعضُهم: هم جميعُ أهلِ الإيمانِ باللهِ وبمحمدٍ ﷺ . واعتلُّوا في ذلك بما حدَّثنا به الفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن مُبارَكِ بن فَضَالةَ، عن عليّ بن زيدٍ، عن أبي عثمانَ النَّهْدَيِّ، قال: لقِيتُ أبا هريرةَ فقلتُ له: إنه بلَغنى أنك تقولُ: إن الحسنةَ لتُضَاعَفُ ألفَ ألفِ حسنةٍ! قال: وما أعْجَبَك من ذلك؟ فواللهِ، لقد سمِعتُه - يعنى النبيَّ ﷺ - يقولُ: "إن الله

стр. 4601

لَيُضَاعِفُ الحسنةَ ألفَىْ (١) ألفِ حسَنةٍ" (٢). وقال آخرون: بل ذلك للمهاجرين (٣) خاصَّةً دونَ أهلِ البوادى والأعرابِ. واعتلُّوا في ذلك بما حدَّثنا به محمدُ بنُ هارونَ أبو نَشيطٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيْرٍ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ العوفيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في الأعرابِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. قال: فقال رجلٌ: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أعظمُ مِن ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وإذا قال اللهُ لشيءٍ: عظيمٌ. فهو عظيمٌ (٤). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القولينِ في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: عنَى بهذه الآيةِ المهاجرين دونَ الأعرابِ، وذلك أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ في أخبارِ اللهِ أو أخبارِ رسولِه ﷺ شيءٌ يَدْفَعُ بعضُه بعضًا، فإذا كان صحيحًا وعدُ اللَّهِ مَن جاء مِن عبادِه المؤمنين بالحسنةِ مِن الجزاءِ عشرَ أمثالِها، ومَن جاء بالحسنةِ منهم أن يُضاعِفَها له، وكان الخبران اللذان ذكَرْناهما عنه ﷺ صحيحين - كان غيرَ جائزٍ إلا أن يكونَ أحدُهما مُجْمَلًا، والآخَرُ مُفَسَّرًا، إذ كانت أخبارُه ﷺ يُصَدِّقُ بعضُها بعضًا. وإذ كان ذلك كذلك، صحَّ أن خبَر أبى هريرةَ معناه أن الحسنةَ لتُضَاعَفُ للمهاجرين مِن أهلِ الإيمانِ ألفَىْ ألفِ حسنةٍ، وللأعرابِ منهم عشرَ أمثالِها، على ما

стр. 4602

رُوى عن (١) ابن عمرَ عن النبيِّ ﷺ . وأن قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. [يعنى: مَن جاء بالحسنةِ مِن أعرابِ المؤمنين فله عشرُ أمثالِها] (٢)، ومَن جاء بالحسنةِ مِن مهاجريهم يُضَاعَفْ له، ويُؤْتِهُ اللَّهُ مِن لَدُنْه أَجرًا [عظيمًا. وأما قولُه: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾] (٣). فإنه يعنى: ويُعْطِه مِن عندِه أجرًا عظيمًا. يعنى: عِوَضًا من حسنتِه عظيمًا، وذلك العوضُ العظيمُ الجنةُ. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا صدقةُ بنُ أبى سهلٍ، قال: ثنا أبو عَمروٍ، عن زاذانَ، عن ابن مسعودٍ: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، أي: الجنةَ يُعطيها (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرَنى عبَّادُ بنُ أبى صالحٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: الأجرُ العظيمُ الجنةُ (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. الجنةَ (٦). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ

стр. 4603

وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه، إن الله لا يَظْلِمُ عبادَه مثقالَ ذرَّةٍ، فكيف بهم ﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، يعنى بمَن يَشْهَدُ عليها بأعمالِها وتصديقِها رُسُلَها (١) أو تكذيبِها إيَّاها (٢)، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، يقولُ: وَجِئْنَا بك يا محمدُ ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾: أي على أُمَّتِك ﴿شَهِيدًا﴾، [يقولُ: شاهدًا] (٣). كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. قال: إن النبيِّين يَأْتُون يومَ القيامةِ، منهم مَن أَسْلَم معَه مِن قومِه الواحدُ، والاثنان، والعشرةُ، وأقلُّ وأكثرُ مِن ذلك، حتى يأتىَ (٤) لوطٌ، لم يُؤْمِنْ معَه إلا ابنَتاه (٥)، فيقالُ لهم: هل بلَّغْتُم ما أُرسِلْتُم به؟ فيقولون: نعم. فيقالُ لهم: مَن يَشْهَدُ لكم؟ فيقولون: أُمَّةً محمدٍ. [فتُدعى أمهُ محمدٍ] (٦)، فيقالُ لهم: أَتَشْهَدون أن الرُّسُلَ أوْدَعوا عندَكم شهادةً، فيمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: ربَّنا نَشْهَدُ أَنهم قد بلَّغوا كما شهِدوا في الدنيا بالتبليغِ. فيقالُ: مَن يَشْهَدُ على ذلك؟ فيقولون: محمدٌ. فيُدْعَى محمدٌ ﷺ ، فيَشْهَدُ أن أُمَّتَه قد صدَقوا، وأن الرسلَ قد بلَّغوا، فذلك قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ

стр. 4604

شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. حدَّثنا القاسمُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ قولَه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾. قال: رسولُها، يَشْهَدُ عليها أن قد أبْلَغهم ما أرْسَله اللهُ به إليهم، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. قال: كان النبيُّ ﷺ إذا أتَى عليها فاضت عيناه (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ (٢)، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣]. قال: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ الجمعةِ، فذلك قولُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٣). حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزُّهْريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن المسعوديِّ، عن جعفرِ بن عَمرِو بن حُرَيْثٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "شَهِيدًا عَلَيْهِم مَا دُمْتُ فِيهِم، فَلَمَّا (٤) تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم [وأنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] (٥) ".

стр. 4605

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أبى الوزيرِ (١)، قال: ثنا سفيانُ بن عُيَيْنَةَ، عن المسعوديِّ، عن القاسمِ، أن النبيَّ ﷺ قال لابنِ مسعودٍ: "اقْرَأْ عليَّ". قال: أَقْرَأُ عليك، وعليك أُنزِلَ؟ قال: "إِنِّي أُحِبُّ أَن أَسْمَعَه مِن غيرِى". فقرَأ ابن مسعودٍ [النساءَ، حتى بلَغ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. قال: قال: اسْتَعبر النبيُّ ﷺ ، وكفَّ ابن مسعودٍ] (٢). قال المسعوديُّ: فحدَّثنى جعفرُ بنُ عَمرِو بن حُرَيْثٍ، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ -قال: "شَهِيدًا عَلَيْهِم (٣) ما دُمْتُ فِيهِم، فإذَا تَوَفَّيتَنِي كُنتَ أنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم، وأنتَ على كلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يومَ نَجَئُ مِن كلِّ أُمَّةٍ بشهيدٍ، ونجيءُ بك على أمتِك يا محمدُ شهيدًا، ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: يَتَمَنَّى الذين جحَدوا وحدانيَّةَ اللهِ، ﴿وَعَصَوُا﴾ رسولَه، ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾. واخْتَلفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ أهلِ الحجازِ ومكةَ والمدينةِ: (لَوْ تَسَّوَّى بهم الأرضُ) بتشديدِ السينِ والواوِ وفتحِ التاءِ، بمعنى: لو تَتَسَوَّى بهم الأرضُ، ثم أُدْغِمت التاءُ الثانية في السينِ، يُرادُ به (٥): أنهم يَوَدُّون لو صاروا ترابًا،

стр. 4606

فكانوا سواءً هم والأرضُ. وقرَأ ذلك آخرون: (لَوْ تَسَوَّى بهمُ الأرضُ). بفتحِ التاءِ وتخفيفِ السيِن، [وهى قراءةُ عامَّةِ قرَأَةِ أهلِ الكوفةِ بالمعنى الأوَّلِ، غيرَ أنهم ترَكوا تشديدَ السينِ] (١)، واعتلُّوا بأن العربَ لا تكادُ تَجْمَعُ بينَ تشديديْنِ في حرفٍ واحدٍ. وقرَأ ذلك آخرون: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾. بمعنى: لو سوَّاهم (٢) اللهُ والأرضَ، فصاروا ترابًا مثلَها بتصييرِه إيَّاهم، كما يَفْعَلُ ذلك بمَن ذكَر أنه يَفْعَلُه به مِن البهائمِ (٣). وكلُّ هذه القراءاتِ متقارباتُ المعانى (٤)، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لأن مَن تمنَّى منهم أن يكونَ يومئذٍ ترابًا، إنما يَتَمَنَّى أن يكونَ كذلك بتكوينِ اللهِ إيَّاه كذلك، وكذلك من تمنَّى منهم (٥) أن يكونَ اللهُ جعَله كذلك، فقد تمنَّى أن يكونَ ترابًا. غيرَ (٦) أن الأمرَ وإن كان كذلك، فأعجبُ القراءةِ إليَّ في ذلك: (لَوْ تَسَوَّى بهم الأرضُ). بفتحِ التاءِ وتخفيفِ السينِ؛ كراهيةَ الجمعِ بينَ تشديدينِ في حرفٍ واحدٍ، وللتوفيقِ في المعنى بيَن ذلك، وبيَن قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ

стр. 4607

تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]. فأخْبَر اللهُ عنهم، أنهم يَتَمَنَّوْن (١) أن يَكونوا (٢) كانوا ترابًا، ولم يُخْبِرْ عنهم أنهم قالوا: يا ليتنى كنتُ ترابًا. فكذلك قولُه: (لو تَسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ) فيُسَوَّوْا (٣) هم؛ وهى أعجبُ إليَّ ليوافقَ ذلك المعنى الذي [أخْبَر عنهم] (٤) بقولِه: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. وأمَّا قولُه: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثً﴾. فإن أهلَ التأويلِ تأوَّلوه بمعنى: ولا تَكْتُمُ الله جوارِحُهم حديثًا وإن جحَدَتْ (٥) أفواهُهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عَمرٌو، عن مُطَرِّفٍ، عن المِنهالِ ابن (٦) عَمرٍو، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: أتى رجلٌ إلى ابن عباسٍ، فقال: سمِعتُ الله يقولُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقال في آيةٍ أخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. فقال ابن عباسٍ: أمَّا قولُه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لمَّا رَأَوْا أنه لا يَدْخُلُ الجنةَ إلا أهلُ الإسلامِ، قالوا: تعالَوْا فَلْنَجْحَدْ. فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فختَم اللهُ على أفواهِهم، وتكلَّمت أيديهم وأرجلُهم، فلا يكتمونَ الله حديثًا (٧).

стр. 4608

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن رجلٍ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباسٍ، فقال: أشياءُ تَخْتَلِفُ عليَّ في القرآنِ. فقال: ما هو؟ أشكٌّ في القرآنِ؟ قال: ليس بالشكِّ، ولكنه اختلافٌ. قال: فهاتِ ما اخْتَلف عليك مِن ذلك. قال: أَسْمَعُ الله يقولُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. فقد كتَموا. فقال ابن عباسٍ: أمَّا قولُه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فإنهم لمَّا رَأَوْا يومَ القيامةِ أن الله يَغْفِرُ لأهلِ الإسلامِ ويَغْفِرُ الذنوبَ ولا يَغْفِرُ شَرْكًا، ولا يَتَعاظَمُه ذنبٌ أن يَغْفِرَه - جحَد المشركون، فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. رجاءَ أن يَغْفِرَ لهم، فختَم على أفواهِهم وتكلَّمت أيديهم وأرجلُهم بما كانوا يَعْمَلون، فعندَ ذلك: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا جُويبِرٌ (٢)، عن الضحَّاكِ، أن نافعَ بنَ الأزرقِ أتَى ابنَ عباسٍ فقال: يا ابنَ عباسٍ، قولَ اللهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؟ فقال له ابن عباسٍ: إني أَحْسَبُك قُمْتَ مِن عندِ أصحابِك، فقلتَ: أُلْقِى على ابن عباسٍ متشابهَ القرآنِ. فإذا رجَعْتَ إليهم، فأخبِرْهم أن الله جامعُ الناسِ يومَ القيامةِ في بَقيعٍ واحدٍ، فيقولُ المشركون:

стр. 4609

إن اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِن أحدٍ شيئًا إلا ممَّن وحَّده. فيقولون: تَعَالَوْا نَقُل (١). فَيَسْأَلُهم، فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: فيَخْتِمُ اللَّهُ على أفواهِهم، ويَسْتَنْطِقُ جوارحَهم، فتَشْهَدُ عليهم جوارحُهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تَمَنَّوْا لو أن الأرضَ سُوِّيت بهم، ولا يَكْتَمون الله حديثًا (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: حدثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. يعنى: أن تُسَوَّى (٣) الأرضُ بالجبالِ [والأرضُ] (٤) عليهم (٥). فتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ الذي حكَيْناه عن ابن عباسٍ: يومَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَروا وعَصَوا الرسولَ لو تُسَوَّى بهِمُ الأرضُ [ولم يَكتُموا] (٦) الله حديثًا. [كأنهم تَمَنَّوْا أنهم سُوُّوا معَ الأرضِ، وأنهم لم يكونوا كتَموا الله حديثًا] (٧). وقال آخرون: معنى ذلك: يومئذٍ لا يَكْتُمون الله حديثًا، ويَوَدُّون لو تُسَوَّى

стр. 4610

بهم الأرضُ (١)، وليس بُمنْكتمٍ (٢) عن اللهِ شيءٌ من حدِيثِهم؛ لعلمه جلَّ ذكرُه بجميعِ حديثِهم وأمرِهم، [وإن هم كتَموه] (٣) بألسنتِهم فجحَدوه، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. قال أبو جعفر، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسولَه، ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾. لا تُصَلُّوا ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. وهو جمعُ سَكْرَانَ، حتى تعلموا ما تقرَءون في صلاتِكم، وتقولون فيها، ممَّا أمَركم اللهُ، [جلَّ ثناؤُه] (٤)، أو ندَبكم إلى قِبلِه فيها، مما نهاكم عنه وزجَركم. ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في السُّكْرِ الذي عناه اللهُ بقولِه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك السُّكْرَ (٥) مِن الشرابِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ (٦)، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ عن عليٍّ، أنه كان هو وعبدُ الرحمنِ ورجلٌ آخرُ شرِبوا الخمرَ، فصلَّى بهم عبدُ الرحمنِ، فقرَأ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾

стр. 4611

فخلَط فيها، فنزَلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المِنْهَالِ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن [عبدِ اللهِ] (٢) بن حبيبٍ، أن (٣) عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ صنَع طعامًا وشرابًا، فدعا نفرًا مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ، فأكَلوا وشرِبوا حتى ثِملوا (٤)، فقدَّموا عليًّا يُصَلِّي بهم المغربَ، فقرَأ: قل يا أيُّها الكافرون، أَعْبُدُ ما تَعْبُدُون، وأنتم عابدون ما أَعْبُدُ، وأنا عابدٌ ما عبَدْتُم، لكم دينُكم ولى دينِ. فَأَنْزَل اللهُ ﵎ هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. وذلك أن رجالًا كانوا يأتون الصلاةَ وهم سُكَارى] (٥) قبل أن تُحَرَّمَ الحمرُ، فقال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآيةَ (٦).

стр. 4612

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرة، عن أبي رَزينٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. قال: نزَل هذا وهم يَشْرَبون الخمرَ، قال: وكان هذا قبلَ أن يَنزِلَ تحريُم الخمرِ (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي رَزينٍ، قال: كانوا يَشْرَبون [الخمرَ (٢) بعدَ] (٣) ما أُنْزِلت التي في البقرةِ، [وبعدَ] (٤) التي في النساءِ، فلما أُنْزِلت التي في المائدةِ ترَكوها. حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نجَيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. قال: نُهُوا أن يُصَلُّوا وهم سكارى، ثم نسَخها تحريمُ الخمرِ (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجَيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. قال: كانوا يَجْتَنِبون السُّكْرَ عندَ حضورِ الصلواتِ، ثم نُسِخ [في تحريمِ] (٦) الخمرِ (٧).

стр. 4613

[حدَّثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي وائلٍ وأبى رَزينٍ وإبراهيمَ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. وقولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]. قالوا: كان هذا قبلَ أن يَنزِلَ تحريمُ الخمرِ. [حدثنا ابن حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: كان عليٌّ في نَفَرٍ مِن أصحابِ النبيِّ، ﵇، في بيتِ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، فطعِموا، فأتاهم بخمرٍ فشرِبوا منها، وذلك قبل أن تُحرَّمَ الخَمرُ، فحضَرتِ الصلاةُ، فقدَّموا عليًّا، فقرَأ بهم: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. فلم يقرأها كما ينبغى، فأنزل اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾] (١). وقال آخَرون: معنى ذلك: لا تَقْرَبوا الصلاةَ وأنتم سُكارى من النومِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. قال: سكرَ النومِ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ نُبَيطٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. قال:

стр. 4614

لم يَعْنِ بها سكرَ الخمرِ، وإنما عنَى بها سكرَ النومِ. قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين في ذلك بتأويلِ الآية، تأويلُ من قال: ذلك نهيٌ من اللهِ المؤمنين عن أن يقرَبوا الصلاةَ وهم سكارى من الشراب قبلَ تحريمِ الخمرِ؛ للأخبارِ المتظاهرةِ عن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، بأن ذلك كذلك (١)، وأن هذه الآيةَ نزَلت فيمن ذُكِرت أنها نزَلت فيه. فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يكونُ ذلك معناه، والسكرانُ في حالِ زوالِ عقلِه، نظيرُ المجنونِ في حال زوالِ عقلِه، وأنت ممن تُحِيلُ تكليفَ المجانين لفقدِهم الفهمَ، بما يُؤْمَرُ ويُنْهَى؟ قيل له: إن السكرانَ لو كان في معنى المجنونِ لكان غيرَ جائزٍ أمرُه ونهيُه، ولكنَّ السكرانَ هو الذي يَفْهَمُ ما يَأْتِي وما يَذَرُ، غيرَ أن الشرابَ قد أَثْقَل لسانَه، [وأجزاءَ جسمِه وأخدَرَها] (٢)، حتى عجَز عن إقامةِ قراءتِه في صلاتِه وحدودِها (٣) الواجبة عليه فيها من غيرِ زوالِ عقلِه، فهو بما أُمِر به ونُهِى عنه عارفٌ فَهِمٌ، وعن أداءِ بعضِه عاجزٌ بخَدَرِ جسمِه من الشرابِ؛ فأما من صار إلى حدٍّ لا يَعْقِلُ ما يأتى ويَذَرُ، فذلك مُنْتَقِلٌ من السُّكْرِ إلى الخَبَلِ [ومعدودٌ في المجانينِ] (٤) المجانين، وليس ذلك الذي خُوطِب (٥) بقولِه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾. لأنَّ ذلك مجنونٌ، وإنما خُوطِب به السكرانُ، والسكرانُ (٦) ما وصَفْنا صفتَه. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.

стр. 4615

اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا تَقْرَبوا الصلاةَ وأنتم سُكارى حتى تَعْلَموا ما تقولون، ولا تَقْرَبوها وأنتم جُنُبٌ إلا عابري سبيلٍ، يعنى: إلا أن تكونوا مجتازى طريقٍ، أي (١): مسافرين، حتى تَغْتَسِلوا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا (٢): ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: المسافرُ. وقال ابن (٣) المُثَنَّى: في السفرِ (٤). وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. يقولُ: لا تَقْرَبوا الصلاةَ وأنتم جنبٌ، إذا وجَدْتُم الماءَ، فإن لم تَجِدوا الماءَ، فقد أحْلَلْتُ لكم أن تَمْسَحوا بالأرضِ (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ، عن عبَّادِ بن عبدِ اللهِ، أو عن زِرٍّ، عن عليٍّ ﵁: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.

стр. 4616

قال: إلا أن تكونوا (١) مسافرين فلا تَجدوا الماءَ فتَيَمَّموا (٢). حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: المسافرُ (٣). [حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلمةَ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه] (٤). حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عَنْبَسَةَ، عن ابن أبي ليلى، عن المِنْهَالِ بن (٦) عَمرٍو، عن (٧) عبَّادِ بن عبدِ اللهِ، عن عليٍّ، ﵁، قال: نزَلت في السفرِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. وعابرُ السبيلِ: المسافرُ إذا لم يَجِدِ الماءَ تَيَمَّم (٢).

стр. 4617

حدَّثنا ابن حُميدٍ (١)، قال: ثنا هارونُ، عن ابن مجاهدٍ، عن أبيه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: المسافرُ إذا لم يَجِدِ الماء فإنه يَتَيَمَّمُ [ويدخُلُ ويصلِّى] (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، [وعن] (٣) ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قالا (٤): هو الرجلُ (٥) يكونُ في السفرِ فتُصِيبُه الجنابةُ فيتَيَمَّم ويُصَلِّي (٦). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: مسافرين لا يَجِدون الماءَ فيَتَيَمَّمون صعيدًا طيبًا، حتى (٧) يَجِدوا الماءَ فيَغْتَسِلوا (٨). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: مُسافِرين لا يَجِدون ماءً. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مِسْعَرٍ، عن بُكَيْرِ بن الأَخْنَسِ، عن الحسنِ بن مسلمٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: إلا أن يَكونوا

стр. 4618

مسافِرِين، فلم (١) يَجِدوا ماءً فيَتَيَمَّموا (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن الحكمِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: المسافرُ تُصيبُه الجنَابةُ، فلا يَجِدُ ماءً، فيتَيَمَّمُ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبارَكِ، عن سفيانَ، عن سالمِ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، وعن منصورٍ، عن الحَكَم في قولِه: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. قالا (٤): المسافرُ الجُنُبُ لا يَجِدُ الماءَ، فيَتَيَمَّمُ فيُصَلِّي (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: إلا أن يكونَ مُسافِرًا (٥). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن الحكمِ بنحوه (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، قال: كنا نَسْمَعُ أنه في السفرِ (٦). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا

стр. 4619

جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. هو المسافرُ الذي لا يَجِدُ الماءَ، فلا بدَّ له مِن أَن يَتَيَمَّمَ ويُصَلِّيَ [فهو يَتَيَمَّمُ ويُصَلِّي (١)] (٢). قال: كان أبي يقولُ ذلك (٣). وقال آخَرون: معنى ذلك: لا تَقْرَبوا المُصَلَّى للصلاةِ وأنتم سُكارَى حتى تَعْلَموا ما تقولون، ولا تَقْرَبوه جُنُبًا حتى تَغْتَسِلوا إلا عابرى سبيلٍ، يعني: إلا مُجْتازِين فيه للخروجِ منه. فقال أهلُ هذه المَقالةِ: أُقيمَت الصلاةُ مُقامَ المُصَلَّى والمسجدِ، إذ كانت صلاةُ المسلمين المكتوبةُ (٤) في مساجدهم أيَّامَئذٍ لا يَتَخَلَّفون عن التجميعِ (٥) فيها، فكان في النهيِ عن أن يَقْرَبوا الصلاةَ كفايةٌ عن ذكرِ المساجدِ والمُصَلَّى الذي يُصَلُّون فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن عبد الكريم الجَزَريِّ، عن أبي عُبيدةَ بن عبدِ اللهِ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: هو المَمَرُّ (٦) في المسجدِ (٧).

стр. 4620

حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، عن ابن يَسَارٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: لا تَقْرَبِ (١) المسجدَ إلا أن يكونَ طريقُك فيه، فثَمُرُ مَارًّا [ولا] (٢) تَجْلِسَ (٣). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قَتادةَ، عن سعيدٍ في الجُنُبِ: يَمُرُّ في المسجدِ مُجْتازًا، وهو قائمٌ، لا يَجْلِسُ، وليس بمُتَوَضِّئِ. وتلا هذه الآية: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن نَهْشَلٍ، عن الضَّحَّاك عن ابن عباسٍ، قال: لا بأسَ للحائضِ والجُنُبِ أن يَمُرَّا في المسجدِ ما لم يَجْلِسا فيه (٥). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا أبو الزبيرِ، [عن جابرٍ] (٦)، قال: كان أحدُنا يَمُرُّ في المسجدِ [وهو جُنبٌ، مُجْتازًا] (٧).

стр. 4621

[حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: الجنبُ يَمُرُّ في المسجدِ] (١)، ولا يَقْعُدُ فيه. حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قالا جميعًا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: إذا لم يَجِدْ طريقًا إلا في (٢) المسجدِ، يَمُرُّ فيه (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غَسَّانَ مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: لا بأسَ أن يَمُرَّ الجنبُ في المسجدِ إذا لم يَكُنْ له طريقٌ غيرُه (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه (٣). حدَّثني المثنى، [قال: حدثني الحِمَّانيُّ] (٤) قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قال: الجُنُبُ يَمُرُّ في المسجدِ ولا يَجْلِسُ فيه، ثم قرَأ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٥). [حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عبدِ الكريمِ، عن أبي عبيدَة مثلَه] (٦).

стр. 4622

حدَّثني المثنى، [قال: ثنا الحمانيُّ] (١)، قال: ثنا شَريكٌ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ مثلَه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن الحسنِ بن (٣) عُبيدِ اللهِ، عن أبي الضُّحَى مثلَه (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ، قال: لا بأسَ للحائضِ والجنبِ أن يَمُرَّا في المسجدِ ولا يَقْعُدا فيه (٥): حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن الزهريِّ، قال: رُخِّص للجنبِ أن يَمُرُّ في المسجدِ (٦). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ عن قولِ اللهِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: أن رجالًا من الأنصارِ كانت أبوابُهم في المسجدِ فكانت (٧) تُصِيبُهم جَنابةٌ، ولا ماءَ عندَهم، فيُريدون الماءَ ولا يَجِدون مَمرًّا إلا في المسجدِ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٨).

стр. 4623

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصرٍ، قال: أَخْبَرنا ابن المُباركِ، عن شعبةَ (١)، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: لا يَجْتازُ في المسجدِ إلَّا ألا يَجِدَ طريقًا غيرَه. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن ابن مُجاهدٍ، عن أبيه، قال: لا يَمُرُّ الجنُب في المسجدِ يَتَّخِذُه طريقًا. وأولى القولين بتأويلِ ذلك، تأويلُ من تأوَّله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. إلا مُجْتازِى (٢) طريقٍ فيه. وذلك أنه قد بيَّن حكمَ المسافرِ إذا عَدِم الماءَ وهو جُنبٌ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. فكان معلومًا بذلك أن (٣) قولَه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. لو كان مَعْنِيًّا به المسافرُ، لم يَكُن لإعادةِ ذكرِه في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. معنًى مفهومٌ، وقد مضَى ذكرُ حُكْمِه قبلَ ذلك. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: يا أيُّها الذين آمنوا لا تَقْرَبُوا المساجدَ للصلاةِ مُصَلِّين فيها، وأنتم سكارَى حتى تَعْلَموا ما تَقولون، ولا تَقْرَبوها أيضًا جُنبًا حتى تَغْتَسِلوا، إلا عابرى سبيلٍ. والعابرُ السبيلَ المُجْتازُه (٤) مَرًّا وقَطْعًا، يقالُ منه: عبَرْتُ الطريقَ، فأنا أَعْبُرُه

стр. 4624

عَبْرًا وعُبورًا. ومنه قيل: عبرَ فلانٌ النهرَ. إذا قطَعه وجازه، ومنه قيل للناقةِ القويةِ على الأسْفارِ (١): هي عُبْرُ أسفارٍ، [وعِبْرُ أسفارٍ] (٢). لقوتِها على قَطْعِ (٣) الأسْفارِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ مِن جُرحٍ أو جُدَرِيٍّ، وأنتم جنبٌ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ (٤)، قال: ثنا أبو المُنَبِّهِ (٥) الفضلُ بنُ سُلَيْمٍ، عن الضحاكِ، عن ابن مسعودٍ قولَه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. قال: المريضُ الذي قد أُرْخِص له في التَّيَمُّمِ هو الكسيرُ والجَريحُ، فإذا أصابَت الجَنابةُ الكَسيرَ اغْتَسَل [ولم يَحُلَّ جَبائرَه] (٦)، والجَريحُ لا يَحُلُّ جراحتَه إلا جِراحةً لا يَخْشَى عليها (٧). حدَّثنا تَميمُ (٨) بن المُنْتَصِرِ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يُوسُفَ، عن شَريكٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. قال: هي للمريضِ الذي به الجِراحةُ التي يَخافُ منها أن يَغْتَسِلُ (٩)، فرُخِّص له في التَّيمُّمِ.

стр. 4625

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. والمرضُ: هو الجِراحُ، والجِراحةُ التي يُتَخَوَّفُ [عليه من] (١) الماءِ، إن أصابه ضَرَّ صاحبَه، فذلك يَتَيَمَّمُ صَعِيدًا طَيِّبًا (٢). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن عزرةَ (٣)، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. قال: إذا كان به جُروحٌ أو قُروحٌ يَتَيَمَّمُ (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. قال: مِن القُروحِ تكونُ في الذِّراعَيْن (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. قال: القروحُ في الذِّراعَيْن (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: صاحبُ الجِراحةِ التي يُتَخَوَّفُ عليه (٦) يَتَيَمَّمُ. ثم قرَأ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٧).
следующие страницы →