← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

[حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: الجنبُ يَمُرُّ في المسجدِ] (١)، ولا يَقْعُدُ فيه. حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قالا جميعًا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: إذا لم يَجِدْ طريقًا إلا في (٢) المسجدِ، يَمُرُّ فيه (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غَسَّانَ مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: لا بأسَ أن يَمُرَّ الجنبُ في المسجدِ إذا لم يَكُنْ له طريقٌ غيرُه (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه (٣). حدَّثني المثنى، [قال: حدثني الحِمَّانيُّ] (٤) قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قال: الجُنُبُ يَمُرُّ في المسجدِ ولا يَجْلِسُ فيه، ثم قرَأ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٥). [حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عبدِ الكريمِ، عن أبي عبيدَة مثلَه] (٦).

стр. 4622

حدَّثني المثنى، [قال: ثنا الحمانيُّ] (١)، قال: ثنا شَريكٌ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ مثلَه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن الحسنِ بن (٣) عُبيدِ اللهِ، عن أبي الضُّحَى مثلَه (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ، قال: لا بأسَ للحائضِ والجنبِ أن يَمُرَّا في المسجدِ ولا يَقْعُدا فيه (٥): حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن الزهريِّ، قال: رُخِّص للجنبِ أن يَمُرُّ في المسجدِ (٦). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ عن قولِ اللهِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: أن رجالًا من الأنصارِ كانت أبوابُهم في المسجدِ فكانت (٧) تُصِيبُهم جَنابةٌ، ولا ماءَ عندَهم، فيُريدون الماءَ ولا يَجِدون مَمرًّا إلا في المسجدِ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٨).

стр. 4623

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصرٍ، قال: أَخْبَرنا ابن المُباركِ، عن شعبةَ (١)، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال: لا يَجْتازُ في المسجدِ إلَّا ألا يَجِدَ طريقًا غيرَه. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن ابن مُجاهدٍ، عن أبيه، قال: لا يَمُرُّ الجنُب في المسجدِ يَتَّخِذُه طريقًا. وأولى القولين بتأويلِ ذلك، تأويلُ من تأوَّله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. إلا مُجْتازِى (٢) طريقٍ فيه. وذلك أنه قد بيَّن حكمَ المسافرِ إذا عَدِم الماءَ وهو جُنبٌ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. فكان معلومًا بذلك أن (٣) قولَه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. لو كان مَعْنِيًّا به المسافرُ، لم يَكُن لإعادةِ ذكرِه في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. معنًى مفهومٌ، وقد مضَى ذكرُ حُكْمِه قبلَ ذلك. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: يا أيُّها الذين آمنوا لا تَقْرَبُوا المساجدَ للصلاةِ مُصَلِّين فيها، وأنتم سكارَى حتى تَعْلَموا ما تَقولون، ولا تَقْرَبوها أيضًا جُنبًا حتى تَغْتَسِلوا، إلا عابرى سبيلٍ. والعابرُ السبيلَ المُجْتازُه (٤) مَرًّا وقَطْعًا، يقالُ منه: عبَرْتُ الطريقَ، فأنا أَعْبُرُه

стр. 4624

عَبْرًا وعُبورًا. ومنه قيل: عبرَ فلانٌ النهرَ. إذا قطَعه وجازه، ومنه قيل للناقةِ القويةِ على الأسْفارِ (١): هي عُبْرُ أسفارٍ، [وعِبْرُ أسفارٍ] (٢). لقوتِها على قَطْعِ (٣) الأسْفارِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ مِن جُرحٍ أو جُدَرِيٍّ، وأنتم جنبٌ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ (٤)، قال: ثنا أبو المُنَبِّهِ (٥) الفضلُ بنُ سُلَيْمٍ، عن الضحاكِ، عن ابن مسعودٍ قولَه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. قال: المريضُ الذي قد أُرْخِص له في التَّيَمُّمِ هو الكسيرُ والجَريحُ، فإذا أصابَت الجَنابةُ الكَسيرَ اغْتَسَل [ولم يَحُلَّ جَبائرَه] (٦)، والجَريحُ لا يَحُلُّ جراحتَه إلا جِراحةً لا يَخْشَى عليها (٧). حدَّثنا تَميمُ (٨) بن المُنْتَصِرِ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يُوسُفَ، عن شَريكٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. قال: هي للمريضِ الذي به الجِراحةُ التي يَخافُ منها أن يَغْتَسِلُ (٩)، فرُخِّص له في التَّيمُّمِ.

стр. 4625

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. والمرضُ: هو الجِراحُ، والجِراحةُ التي يُتَخَوَّفُ [عليه من] (١) الماءِ، إن أصابه ضَرَّ صاحبَه، فذلك يَتَيَمَّمُ صَعِيدًا طَيِّبًا (٢). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن عزرةَ (٣)، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. قال: إذا كان به جُروحٌ أو قُروحٌ يَتَيَمَّمُ (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. قال: مِن القُروحِ تكونُ في الذِّراعَيْن (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. قال: القروحُ في الذِّراعَيْن (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: صاحبُ الجِراحةِ التي يُتَخَوَّفُ عليه (٦) يَتَيَمَّمُ. ثم قرَأ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٧).

стр. 4626

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. والمرضُ أن يُصِيبَ الرجلَ [الجَرْحُ والقُروحُ والجُدَرِيُّ] (١)، فيخافَ على نفسِه من بردِ الماءِ وأذاه، يَتَيَمَّمُ بالصَّعِيدِ، كما يَتَيَمَّمُ المسافرُ الذي لا يَجِدُ الماءَ (٢). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قَتادةَ، عن عاصمٍ - يعنى الأحْوَلَ - عن الشعبيِّ، أنه سُئِل عن (٣) المَجْدورِ تُصيبُه الجَنابةُ؟ قال: ذهَب فُرْسانُ هذه الآيةِ (٤). [حدَّثني ابن المثنى، قال: حدَّثني عمرُو بن أبي سَلمةَ، عن سعيدٍ بن (٥) عبدِ العزيزِ أن عطاءً الخُراسانِيِّ، قال في الرجلِ تكونُ به الجائفةُ والمَأْمومَةُ (٦) والجُدَرِيُّ، أنهم يَتيمَّمون، ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. فذَكرتُ ذلك للزهريِّ فلم يَعرفْه] (٧) (٨). وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثني به يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ … ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً

стр. 4627

فَتَيَمَّمُوا﴾. قال: المريضُ الذي لا يَجِدُ أحدًا يَأْتِيه بالماءِ، ولا يَقْدِرُ عليه، وليس له خادِمٌ ولا عَوْنٌ، فإذا لم يَسْتَطِعْ أن يَتَنَاوَلَ الماءَ، وليس عندَه مَن يَأْتِيه به، ولا يَحْبو إليه - تيَمَّم وصلَّى إذا حانَتْه (١) الصلاةُ. قال: هذا كلُّه قولُ أَبِي، إذا كان لا يَسْتَطيعُ أن يَتَناوَلَ الماءَ، وليس عندَه مَن يَأْتيه به، فلا يَتْرُكِ الصلاةَ، [وهو أعْذَرُ] (٢) مِن المسافرِ (٣). فتأويلُ الآيةِ إذن: وإن كنتم جَرْحَى أو بكم قُروحٌ أو كَسْرٌ أو عِلَّةٌ، لا تَقْدِرون معها على الاغتِسالِ من الجَنابةِ، وأنتم مُقيمون غيرُ مسافرين، فتيمَّموا صَعيدًا طيبًا. وأما قولُه: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. فإنه يعنى: أو إن كنتم مُسافرين، وأنتم أَصِحَّاءُ جُنُبٌ، فتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيِّبًا (٤). وكذلك تأويلُ قولِه: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ يقولُ: وإن (٥) جاء أحدٌ منكم مِن الغائطِ، قد قضَى حاجتَه، وهو مسافرٌ صحيحٌ، فلْيَتَيَمَّمْ صَعيدًا طيبًا أيضًا (٦). والغائطُ: ما اتَّسَع مِن الأوْدِيةِ وتصَوَّب، وجُعِل كِنايةَ عن قَضاءِ حاجةِ الإنسانِ؛ لأن العربَ كانت تَخْتارُ قَضاءَ حاجتِها في الغِيطانِ، فكثُر ذلك منها، حتى غلَب ذلك عليهم، فقيل لكلِّ من قضَى حاجتَه، التي كانت تُقْضَى في الغِيطان حيث قضاها مِن الأرضِ: مُتَغَوِّطٌ. و (٦) جاء فلانٌ مِن الغائطٍ. يعني: قضَى

стр. 4628

حاجتَه التي كانت تُقْضَى في الغيطانِ (١) مِن الأرضِ. وذُكِرَ عن مُجاهِدٍ أنه قال في الغائطِ: الوادى. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. قال: إن (٢) الغائطَ الوادي (٣). القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. قال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه ذلك: أو باشَرْتُم النساءَ بأبدانِكم (٤). ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في اللَّمْسِ الذي عناه اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك الجِماعَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ذكَروا اللَّمْسَ، فقال ناسٌ من المَوالى: ليس بالجماعِ. وقال ناسٌ مِن العربِ: اللَّمْسُ الجماعُ. قال: فأَتَيْتُ ابنَ عباسٍ، فقلتُ: إنّ ناسًا مِن الموالى والعربِ اخْتَلَفوا في اللمسِ، فقالت الموالي: ليس الجماعَ. وقالت العربُ: الجماعُ. قال: مِن أيِّ الفريقَيْن كنتَ؟ قلتُ: [كنتُ من] (٥) الموالي. قال:

стр. 4629

غُلِب فريقُ المَوالى؛ إن المسَّ و (١) اللَّمسَ والمُباشَرةَ الجِماعُ، ولكنَّ الله يَكْنِى ما شاء بما شاء (٢). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بِشرٍ (٣)، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يُحدِّث عن ابن عباسٍ، أنه قال: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. قال: هو الجماعُ (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: اختَلفتُ أنا وعطاءٌ وعبيدُ بنُ عميرٍ في قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فقال عبيدُ بنُ عميرٍ: هو الجماعٌ. وقلتُ أنا وعطاءٌ: هو اللَّمْسُ. قال: فدخَلْنا على ابن عباسٍ، فسأَلْناه، فقال: غُلِب فريقُ المَوالى وأصابَت العربُ، هو الجِماعُ، ولكنَّ الله يَعِفُّ ويَكْنِى (٥). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عِكرمةَ وسعيدِ بن جبيرٍ وعطاءِ بن أبي رَباحٍ وعُبيدِ بن عُميرٍ، اخْتَلَفوا فِي المُلامَسةِ، فقال

стр. 4630

سعيدُ بنُ جُبيرٍ وعطاءٌ: المُلامَسةُ ما دونَ الجِماعِ. وقال عُبيدٌ: هو النِّكاحُ. فخرَج عليهم ابن عباس، فسأَلوه، فقال: أخطَأ المَوْلَيَان، وأصاب العربيُّ، الملامسةُ النكاحُ، ولكنَّ الله يَكْنِى ويَعِفُّ. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: اجْتَمَع سعيدُ بنُ جبيرٍ وعطاءٌ وعبيدُ بنُ عميرٍ، فذكَر نحوَه. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ عَثْمةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، عن قتادةَ، قال: قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ وعطاءٌ في اللِّماسِ (١): الغَمْرُ باليد. وقال عُبيدُ بنُ عُميرٍ: الجِماعُ. فخرَج عليهم ابن عباسٍ فقال: أخْطَأ المَوْلَيانِ، وأصاب العربيُّ، ولكنَّه يَعِفُّ ويَكْنِى. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: [حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا خالدٌ الحذاءُ، عن عكرمة، قال] (٢): قال ابن عباسٍ: اللمسُ الجماعُ (٣). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ وعبدُ الوَهَّابِ، عن خالدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: اللمسُ والمَسُّ والمُباشَرَةُ: الجماعُ، ولكنَّ الله يَكْنِى بما شاء (٤).

стр. 4631

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: ثنا إسحاقُ الأزْرقُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ الأحْولِ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن (١) ابن عباسٍ، قال: المُلامَسةُ الجِماعُ، ولكنَّ الله كَريمٌ يَكْنِي عما شاء (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن داودَ، عن جعفرِ بن أبى وَحْشِيَّةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: اخْتَلَفت العربُ والمَوالِي في المُلامَسةِ على بابِ ابن عباسٍ، فقالت العربُ: الجماعُ. وقالت المَوالِي: باليدِ. قال: فخرج ابن عباسٍ، فقال: غُلِب فريق الموالى، الملامسةُ: الجِماعُ (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ قال: كنا على بابِ ابن عباسٍ. فذكَر نحوَه. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قعَد قومٌ على بابِ ابن عباسٍ. فذكَر نحوَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. والملامَسةُ هو النكاحُ (٤). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيْرٍ، عن الأعمشِ، عن عبدِ الملكِ بن مَيْسَرةَ،

стр. 4632

عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: اجْتَمَعَت المَوالى والعربُ في المسجدِ وابنُ عباسٍ في الصُّفَّةِ، فاجْتَمَعَت الموالى على [أن اللمسَ ما] (١) دونَ الجماعِ، واجْتَمَعَت العربُ على أنه الجِماعٌ، فقال ابن عباسٍ: من أيِّ الفريقَيْن أنت؟ قلتُ: مِن الموالى. قال: غُلِبَت الموالي (٢). حدَّثنا ابن وَكيعٍ قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: اللمسُ الجماعُ (٣). وبه عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن بكرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٤). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هو الجماعُ (٥). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا مالكٌ، عن زُهَيْرٍ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٦). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن داودَ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. قال: الجِماعُ (٧). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أشعثَ، عن الشعبيِّ، عن

стр. 4633

عليٍّ ﵁، قال: الجِماعُ (١). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: الجماعُ (٢). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا مالكٌ [عن زُهَيرٍ] (٣)، عن خُصيفٍ، قال: سأَلْتُ مجاهدًا، فقال ذلك (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ والحسنِ، قالا: غِشْيانُ النساءِ (٥). وقال آخَرون: عنَى اللهُ بذلك كلَّ لمسٍ، بيدٍ كان أو بغيرِها مِن أعْضاءِ جسدِ الإنسانِ، وأَوْجَبوا الوضوءَ على (٦) مَن مسَّ بشَيْءٍ (٧) من جسدِه شيئًا مِن جسدِها مُفْضِيًا إليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن

стр. 4634

مُخارِقٍ، عن طارقِ بن شِهابٍ، عن عبدِ الله، أنه قال شيئًا هذا معناه: الملامسةُ ما دونَ الجِماعِ (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن هِلالٍ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، أو عن أبي عُبيدةَ - منصورٌ الذي شكَّ - قال: القُبلةُ مِن اللَّمس (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُخارِقٍ، عن طارقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: اللمسُ ما دونَ الجِماعِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: قال ابن مسعودٍ: اللمسُ ما دونَ الجماعِ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: القُبْلَةُ مِن اللَّمْسِ (٤). حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن

стр. 4635

فُضَيْل، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: القُبْلَةُ من اللَّمْسِ، وفيها الوضوءُ (١). حدَّثنا تَميمُ بنُ المُنْتَصرِ، قال: أَخْبَرَنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ مثلَه. حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: أخْبرَنا سُلَيمُ بنُ أَخْضَرَ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: سأَلْتُ عَبيدةَ عن قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. قال: فأشار بيدِه هكذا. وحكاه سُلَيْمٌ، وأراناه أبو عبدِ اللهِ (٢)، فضمَّ أصابِعَه (٣). حدَّثني يعقوبُ وابنُ وَكيعٍ قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سَلَمَةَ بن عَلْقَمَةَ، عن محمدٍ، قال: سأَلْتُ عَبيدةَ، عن قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فقال بيدِه، فظننتُ ما عنَى، فلم أَسْأَلْه (٤). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، قال: ذكَروا عندَ محمدٍ مَسَّ الفرجِ، وأَظُنُّهم ذكَروا ما قال ابن عمرَ في ذلك، فقال محمدٌ: قلتُ لعَبيدةَ: قولَه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فقال بيدِه. فقال ابن عونٍ بيدِه، كأنه يتناوَل شيئًا يَقْبِضُ عليه (٥). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا خالدٌ، عن محمدٍ، قال: قال

стр. 4636

عَبيدةُ: اللمسُ باليدِ (١). [حدَّثني يعقوبُ] (٢)، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن هشامٍ، عن محمدٍ، قال: سأَلْتُ عَبيدةَ عن هذه الآيةِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فقال بيدِه، وضمَّ أصابعَه، حتى عرَفْتُ الذي أراد. حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَنى عبدُ (٣) اللهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يَتَوَضَّأُ مِن قُبْلِةِ المرأةِ، ويَرَى فيها الوضوءَ، ويقولُ: هي مِن اللِّماسِ (٤). حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانِ، قال: أَخْبَرَنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ، قال: المُلامَسةُ ما دونَ الجماعِ (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا مُحِلُّ بنُ مُحْرِزٍ، عن إبراهيمَ، قال: اللمسُ مِن شهوةٍ يَنْقُضُ الوضوءَ (٦). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن الحكمِ وحمادٍ، أنهما قالا: اللمسُ ما دونَ الجِماعِ (٧).

стр. 4637

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عطاءٍ قال: المُلامَسةُ ما دونَ الجِماعِ (١). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن الشعبيِّ، عن أصحابِ عبدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ، قال (٢): ما دونَ الجماعِ (٣). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن بَيانٍ، عن عامرٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: الملامسةُ ما دونَ الجماعِ (٤). [حدَّثنا ابن وكيعٍ] (٥) قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (٦). [حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن منصور، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه] (٥). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (٦). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن سعيدٍ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللهِ: المُلامَسةُ ما دونَ الجماعِ. ثم قرَأ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.

стр. 4638

[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا ابن بشرٍ، عن زكريا، قال عامرٌ: المُلامسةُ ما دونَ الجماعِ] (١) (٢). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن هشامٍ، عن ابن سِيرينَ، قال: سأَلْتُ عَبيدَة عن: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فقال بيدِه هكذا، فعرَفْتُ ما يَعْنى (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه وحسنِ بن صالحٍ، عن منصورٍ، عن هلال بن يسافٍ، عن أبي عُبيدةَ، قال: القبلةُ مِن اللمسِ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن زُهَيْرٍ، عن خُصَيفٍ، عن أبي عُبيدةَ: القُبلةُ والشيءُ (٥). قال أبو جعفرٍ: وأولى القولَيْن في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: عنَى اللهُ بقولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: الجماعَ دونَ غيرِه من معاني اللمسِ؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قبل بعضَ نسائِه، ثم صلَّى ولم يَتَوَضَّأُ. حدَّثني بذلك إسماعيلُ بن موسى السُّديُّ، قال: أَخْبَرَنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، عن الأعمشِ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ، ثم يُقَبِّلُ، ثم يُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأُ (٥). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن حَبيبٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن النبيَّ ﷺ قبل بعضَ نسائِه، ثم خرَج إلى الصلاةِ ولم يَتَوَضَّأُ. قلتُ: مَن

стр. 4639

هي إلا أنتِ. فضحِكَت (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن حجاجٍ، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن زَيْنبَ السَّهْميةِ، عن النبيِّ ﷺ أنه كان يُقَبِّلُ، ثم يُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأُ (٢). حدَّثنا أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا شِهابُ (٣) بنُ عبادٍ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليثٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، وعن أبي رَوْقٍ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَنالُ منى القُبْلَة بعدَ الوُضوءِ، ثم لا يُعيدُ الوُضوءَ (٤). حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُمَويُّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا يزيدُ بنُ سِنانٍ، عن عبدِ الرحمنِ الأوْزاعيِّ، عن يحيى بن أبى كَثيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يُقَبِّلُها وهو صائمٌ، ثم لا يُفْطِرُ، ولا يُحْدِثُ وُضوءًا (٥). ففى صحةِ الخبرِ فيما ذكَرْنا عن رسولِ اللهِ ﷺ الدَّلالةُ الواضحةُ على أن اللَّمْسَ في هذا الموضعِ لَمْسُ الجِماعِ، لا جَميعُ معاني اللَّمْسِ، كما قال الشاعرُ (٦): وهُنَّ يَمْشين بنا هَمِيسَا إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَميسَا

стр. 4640

يعنى بذلك: نَنِكْ لِماسًا (١). وذُكر أن هذه الآيةَ نزَلَت في قومٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أصابَتْهم جَنابةٌ وهم جراحٌ (٢). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصر، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عن محمدِ بن جابرٍ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، في المريضِ لا يَسْتَطيعُ الغُسْلَ مِن الجَنابةِ أو الحائضِ، قال: يُجْزِئُهم التَّيممُ. [وقال: أصابَ] (٣) أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ جِراحةٌ، ففشَتْ فيهم، ثم ابْتُلُوا بالجَنابةِ، فشكَوْا ذلك إلى النبيِّ ﷺ ، فنزَلَت: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الآية كلّها (٤). وقال آخَرون: بل نزَلَت في قومٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ أَعْوَزَهم الماءُ، فلم يَجِدُوه في سَفرٍ لهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمان، قال: سَمِعْتُ عُبيدَ اللهِ بنَ عمرَ، عن عبدِ الرحمنِ بن القاسمِ، عن عائشةَ، أنها قالت: كنتُ في مَسيرٍ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، حتى إذا كنا بذاتِ الجَيْشِ (٥)، ضَلَّ عِقْدى، فَأَخْبَرْتُ بذلك

стр. 4641

النبيَّ ﷺ ، فأمَر بالْتماسِه، فالْتُمِس فلم يُوجَدْ، فأناخ النبيُّ ﷺ ، وأناخ الناسُ، فباتوا ليلتَهم تلك، فقال الناسُ: حبَسَت عائشةُ النبيَّ ﷺ . قالت: فجاء إليَّ أبو بكرٍ، ورأسُ النبيِّ ﷺ في حِجْرِى وهو نائمٌ، فجعَل يَهْمِرُني ويَقْرُصُنى ويَقولُ: مِن: أجلِ عِقْدِك حبَسْتِ [النبيَّ ﷺ ] (١)! قالت: فلا أَتَحَرَّكُ مَخافةَ أن يَسْتَيْقِظَ النبيُّ ﷺ ، وقد أَوْجَعَنى فلا أَدْرِى كيف أَصْنَعُ، فلمَّا رآني لا أُحيرُ (٢) إليه انْطَلَق؛ فلمَّا اسْتَيْقَظَ النبيُّ ﷺ وأراد الصلاةُ فلم يَجِدْ ماءً، قالت: فأَنْزَلَ اللهُ تعالى آيةَ التَّيممِ. قالت: فقال ابن حُضَيْرٍ: ما هذا بأوَّلِ بَرَكتِكم يا آل أبي بكرٍ (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مُلَيْكةَ، أن النبيَّ ﷺ كان في سفرٍ، ففقدت عائشةُ قِلادةً لها، فأمَر الناسَ بالنُّزولِ، فنزَلوا وليس معهم ماءٌ، فأَتى أبو بكرٍ على عائشةَ، فقال لها: شَقَقْتِ على الناسِ. وقال أيوبُ بيدِه، يَصِفُ أنه قرَصَها، قال: ونزَلَت آيةُ التَّيمُّمِ، ووُجِدَت القِلادةُ في مُناخِ البَعيرِ، فقال الناسُ: ما رأَيْنا قطُّ امرأةً أعْظَمَ بَركةً منها (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الهِلاليُّ، قال: ثني عِمْرانُ بنُ محمدٍ الحَدَّادُ، قال: ثنى الربيعُ بنُ بدرٍ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن رجلٍ منا مِن بَلَعْرَجِ (٥)، يقال له: الأسْلَعُ. قال: كنتُ أَخْدِمُ النبيَّ ﷺ ، وأَرْحَلُ له، فقال لى ذاتَ ليلةٍ: "يا أَسْلَعُ، قُمْ فارْحَلْ لى". قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أصابَتْنَى جَنابةٌ. فسكَتَ ساعةً، ثم دعاني،

стр. 4642

وأتاه جبريلُ ﵇ بآيةِ الصَّعيدِ، ووصَف لنا ضرْبَتَيْن (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ خالدٍ، قال: حدثنا الربيعُ بنُ بدرٍ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن رجلٍ منا، يقالُ له: الأَسْلَعُ. قال: كنتُ أَخْدِمُ النبيَّ ﷺ . فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: فسكَتَ رسولُ اللهِ ﷺ شيئًا - أو قال: ساعةً. الشكُّ مِن عمرٍو - قال: وأتاه جبريلُ ﵇ بآيةِ الصَّعيدِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "قُمْ يا أَسْلَعُ فَتَيَمَّمُ". قال: فتَيَمَّمْتُ، ثم رَحَلْتُ له، قال: فسِرْنا حتى مرَرْنا بماءٍ، فقال: "يا أَسْلَعُ، مَسَّ - أو: أمِسَّ - هذا جِلْدَك". قال: وأَرانى التَّيَمُّمَ، كما أراه أبوه؛ ضَرْبةً للوجهِ، وضَرْبةً لليدين و (٢) المِرْفقَيْن (٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بُغيلٍ (٤)، قال: ثنا زُهَيْرُ بنُ مُعاويةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بن خُثَيْمٍ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ عُبِيدِ اللهِ بن أبي مُلَيْكَةَ، أنه حدَّثه ذَكْوانُ أبو عمرٍو حاجبُ عائشةَ، أن ابنَ عباسٍ دخَل عليها في مرضِها، فقال: أَبْشِرِى، كنتِ أَحَبَّ نساءِ رسول اللهِ ﷺ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ولم يَكُنْ رسولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ إلا طَيِّبًا، وسقَطَت قِلادَتُك ليلةَ الأَبْوَاءِ (٥)، فَأَصْبَح رسولُ اللهِ ﷺ يَلْتَقِطُها، حتى أصْبَح في المَنْزِلِ، فأصْبَح الناسُ ليس معهم ماءٌ، فأنْزَل اللهُ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فكان ذلك من سببِك، وما أذِن اللهُ لهذه

стр. 4643

الأُمَّةِ مِن الرُّخْصَةِ (١). حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيْرٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنها اسْتعَارَت مِن أسماءَ قِلادةً، فهَلَكَت، فبعَث رسولُ اللهِ ﷺ رِجالًا في طلبِها، فوجَدوها، وأدْرَكَتهم الصلاةُ وليس معهم ماءٌ، فصلَّوْا بغيرِ وُضوءٍ. فشكَوْا ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأنْزَل اللهُ آيةَ التَّيممِ، فقال أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ لعائشةَ: جزاكِ اللهُ خيرًا، فواللهِ ما نزَل بكِ أمرٌ تَكْرَهينه إلا جعَل اللهُ لكِ وللمسلمين فيه خيرًا (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنى عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: أَخْبَرَني عمرُو بنُ الحارثِ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ القاسمِ، حدَّثه عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ، أنها قالت: سقَطَت قِلادةٌ لى بالبَيْداءِ، ونحن داخِلون إلى المدينةِ، فأناخ رسولُ اللهِ ﷺ ونزَل، فبينا رسولُ اللهِ ﷺ في حِجْرى راقدٌ، أقْبَل أبي، فلكَزَنى لكْزةً (٣)، ثم قال: حبِسْتِ الناسَ [في قِلادةٍ! فقالت عائشةُ: فَبِيَ الموتُ؛ لِمكان رسول اللهِ ﷺ منى وقد أوجعَنى] (٤)، ثم إن رسولَ اللهِ ﷺ اسْتَيْقَظ وحضَرَت الصبحُ، فالتُمِس ماءٌ (٥)، فلم يُوجَدْ، ونزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآيةَ [المائدة: ٦]. قال: أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ: لقد بارَك اللهُ

стр. 4644

للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركةٌ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ شَبِيبٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بن خُثَيْمٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبى مُلَيْكَةَ، قال: دخلَ ابن عباسٍ على عائشةَ، فقال: كنتِ أعْظمَ المسلمين بركةً على المسلمين، سقَطَت قِلادتُكَ بالأَبْواءِ، فَأَنْزَل اللهُ فيك آيةَ التيممِ (٢). [حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن هشامِ بن (٣) عُروة، عن أبيه، قال: سقَطت قِلادةٌ لها ليلةَ بالأبْواءِ، فأرسَل رسولُ اللهِ ﷺ من رجلَين، فأدركَتْهما الصلاةُ، ولم يكنْ معهما ماءٌ، فلم يَدْرِيا كيف يَصنعان، فأنزَل اللهُ التيممَ، فقال لها أُسيدُ بنُ حُضَيرٍ: جزاكِ اللهُ خيرًا، فما نزَل بك أمرٌ تَكرهينه إلا جعَل اللَّهُ لكِ منه مَخرجا، وجعَل للمسلمين فيه خيرًا (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدثنا ابن أبى عديٍّ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ، قالت: كنا في مَسيرٍ ففقدتُ قِلادتي فالتمستُها، فجاء أبو بكرٍ، فقال: حبَستِ الناسَ وقد حضَرت الصلاةُ وليس ماءٌ! فقلتُ: أبي، فقدتُ قِلادَتى، فقال: قبَّحَها اللهُ مِن قِلادَةٍ. فأناخَ، وأناخ الناسُ، ونزَلت آيةُ التُّيمُّمِ، فتيمَّم الناسُ وصَلُّوا الغَداةَ. قال ابن أبى مُلَيكَةَ: إنها كانت مباركةً] (٥) (٦).

стр. 4645

واخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ البصريين والكوفيين ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، بمعنى: أو لَمَسْتُم نساءَكم ولمَسْنَكم. وقرَأ ذلك عامةُ قرِأة الكوفيين: (أوْ لَمَسْتُمُ النِّساء) بمعنى: أو لَمَسْتُم أنتم أيُّها الرجالُ نساءَكم (١). وهما قراءتان مُتَقارِبتا المعنى؛ لأنه لا يَكونُ الرجلُ لامِسًا امرأتَه إلا وهى لامِستُه، فاللَّمْسُ في ذلك يَدلُّ على معنى اللِّماس، واللِّماسُ على معنى اللمسِ مِن كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه، فبأيِّ القراءتين قرَأ ذلك القارئُ فمُصيبٌ؛ لاتفاقِ معنَيَيهْما. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. قال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾: أو لمَسْتُم النساءَ، فطلَبْتُم الماءَ لتَتَطَهَّرُوا به، فلم تَجِدوه بثمنٍ ولا غيرِ ثمنٍ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾. يقولُ: فتعَمَّدوا. وهو "تفَعَّلوا" مِن قوِل القائلِ: تيَمَّمْتُ كذا - إِذا قصَدْتَه وتَعَمَّدْتَه - فأنا أَتَيَمَّمُه. وقد يقال منه: يمَّمَه فلانٌ فهو يُتَمِّمُه، وأمَّمْتُه (٢) أنا وأمَمْتُه خفيفةً، وتَيَمَّمْتُ وتأمَّمْتُ، ولم يُسمَع فيها يَمَمْتُ خَفيفةً، ومنه قولُ أغْشَى بني ثعلبةَ (٣): تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكم دونَه … من الأرضِ من مَهْمَةٍ ذى شَزَنْ يعني بقوله: تيمَّمت: تعَمَّدْتُ وقصَدْتُ. وقد ذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فأُمُّوا صَعِيدًا) (٤).

стр. 4646

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عَبْدانُ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ المبارك، قال: سمِعْتُ سفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. قال: تَحَرَّوْا؛ تعَمَّدوا (١) صَعيدًا طيِّبًا (٢). وأما الصَّعيدُ، فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو الأرضُ الملساءُ التي لا نَباتَ فيها ولا غَرَاسَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. قال: [الصعيدُ الأرضُ] (٣) التي ليس فيها شجرٌ ولا نباتٌ (٤). وقال آخرون: بل هو الأرضُ المستويةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الصعيدُ المُسْتَوِى. وقال آخَرون: بل الصعيدُ الترابُ.

стр. 4647

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلَائيُّ، قال: الصعيدُ الترابُ (١). وقال آخَرون: الصعيدُ وجهُ الأرضِ. وقال آخَرون: بل هو وجهُ الأرضِ ذاتِ الغُبارِ والترابِ. وأولى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: هو وجهُ الأرضِ الخاليةِ مِن الغُروسِ والنباتِ والبناء، المُسْتَوِيةِ. ومنه قولُ ذِى الرُّمَّةِ (٢). كأنَّه بالضُّحَى تَرْمِي الصَّعيد به … دَبَّابةٌ في عِظامِ الرأْسِ خُرْطُومُ (٣) يعنى: تَضْرِبُ به وجهَ الأَرضِ. وأما قولُه: ﴿طَيِّبًا﴾ فإنه يعنى به: طاهرًا مِن الأقذارِ والنَّجاساتِ. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿طَيِّبًا﴾، فقال بعضُهم: حلالًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدانُ (٤)، قال: أخْبرَنا ابن المبارَكِ، قال: سمِعْتُ سفيان يقولُ في قولِه: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. قال (٥): حَلالًا (٦).

стр. 4648

وقال بعضُهم بما حدَّثني عبدُ اللهِ، قال: ثنا عبْدانُ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ قراءةً، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. قال: أطيبُ (١) ما حولَك. قلتُ: مكانٌ [جُرُزٌ غيرُ بَطِحٍ] (٢)، أَيُجْزِئُ عنى؟ قال: نعم (٣). ومعنى الكلامِ: فإن لم تَجِدوا ماءً أيُّها الناسُ، وكنتُم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحدٌ منكم مِن الغائطِ أو لامستُمُ النساءِ، فأرَدْتُم أن تُصَلُّوا ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾. يقولُ: فتعَمَّدوا وجهَ الأرضِ الطاهرَ، و ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾. قال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه بذلك: فامْسَحوا منه بوجوهِكم وأيديكم. ولكنه تركَ ذكْرَ "منه" اكْتِفاء بدَلالةِ الكلامِ عليه والمسحُ منه بالوجهِ أن يَضْرِبَ المُتَيمِّمُ بيديه على وجهِ الأرضِ الطاهرِ، أو ما قام مَقامَه، فيَمْسَحَ بما علقِ مِن الغبارِ وجهَه، فإن كان الذي علقِ به مِن الغُبارِ كثيرًا، فنفَخ عن يديه أو نفَضَهما فجائزٌ، وإن لم يَعْلَقُ بيديه مِن الغُبارِ شيءٌ وقد ضرَب بيديه أو إحداهما الصعيدَ، ثم مسَح بهما أو بها وجهَه، أجْزَأه ذلك؛ لإجماعِ جميعِ الحُجَّةِ على أن المتيمِّمَ لو ضرَب بيديه الصعيدَ، وهو أرضُ رَمْلٍ فلم يَعْلَقْ بيديه منها شيءٌ فتيَمَّم به، أن ذلك مُجْزِئُه، لم يُخالف ذلك مَن يَجوزُ

стр. 4649

أَن يُعْتَدُّ خِلافًا (١)، فلمَّا كان ذلك إجماعًا منهم كان معلومًا أن الذي يُراد به مِن ضَرْبِ الصَّعيدِ باليدين مباشرةُ الصَّعيدِ بهما بالمعنى الذي أمَر اللهُ بمباشرتِه بهما، لا لأخذ تُرابٍ منه. وأمَّا المسحُ باليدين، فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في الحدِّ الذي أمرَ اللهُ بمسِحه مِن اليدين. فقال بعضُهم: حدُّ ذلك الكفَّانِ إلى الزَّنْدَين، وليس على المُتَيمِّمُ مسحُ ما وراءَ ذلك مِن الساعدَيْن. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني أبو السائبِ سَلْمُ بن جُنادةُ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حُصَيْنٍ، عن أبي مالكٍ، قال: تيَمَّم عمَّارٌ، فضرَب بيديه الترابَ ضربةً واحدةً، ثم مسَح يديه (٢) واحدةً على الأخرى، ثم مسَح وجهَه، ثم ضرَب بيديه أُخرى، فجعَل يَلْوِى يدَه على الأخرى، ولم يَمْسَحِ الذِّراعَ (٣). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ابن أبي خالدٍ، قال: رأَيْتُ الشَّعْبيَّ وصَف لنا التيممَ، فضرَب بيديه إلى الأرضِ ضربةً، ثم نفَضَهما، ومسَح وجهَه، ثم ضرَب أخرى، فجعَل يَلْوِى كفَّيه إحداهما على الأخرى، ولم يَذْكُرْ أنه مسَح الذِّراعَ (٤).

стр. 4650

حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن حُصَيْنٍ، عن أبي مالكٍ، قال: وضَع عمار بن ياسر كفيه في التراب، ثم رفعهما، فنفَخَهما، فمسَح وجهَه وكفَّيْه، ثم قال: هكذا التيممُ (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا أبو تُميْلَةَ، قال: ثنا سَلَّامٌ مولى حفصٍ، قال: سمِعْتُ عكرمةَ يقولُ: التيممُ ضربتان؛ ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ للكفَّيْن. حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن الأوزاعيِّ، و (٢) سعيدٍ وابنِ جابرٍ، أن مَكْحولًا كان يقولُ: التيممُ ضربةٌ للوجهِ والكفين إلى الكوع. ويَتَأَوَّلُ مَكْحولٌ القرآنُ في ذلك: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله في التيمم ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، ولم يَسْتَثْنِ فيه كما اسْتَثْنَى في الوضوء إلى المرافق، قال مَكْحولٌ: قال اللهُ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. فإنما تُقْطَعُ يد السارق مِن مَفْصِلِ الكُوعِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ التِّنِّيسيُّ، عن ابن جابرٍ، أنه رأَى مَكْحولًا يَتَيَمَّمُ؛ يَضْرِبُ (٤) بيديه على الصَّعيدَ، ثم يَمْسَحُ بهما

стр. 4651

وجهه وكفيه بواحدةٍ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ أنه قال: التيمُّمُ ضربةٌ للوجهِ والكفَّيْن (٢). وعلةُ مِن قال هذه المقالةَ مِن الأثَرِ ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عَبْدةُ ومحمدُ بنُ بشرٍ، عن ابن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن عبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى، عن أبيه، عن عمارِ بن ياسرٍ، أنه سأَل رسولَ اللهِ ﷺ عن التيممِ، فقال: "مَرَّةً بالكفين و (٣) الوجهِ" (٤). وفي حديثِ ابن (٥) بشرٍ: أن عمارًا سأَل النبيَّ ﷺ عن التيممِ. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عُبيدُ (٦) بنُ سعيدٍ القُرشيُّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن ابن أبْزَى، قال: جاء رجلٌ إلى عمرَ، فقال: إنى أجْنَبْتُ، فلم أَجِدِ الماء (٧)، فقال له عمارٌ: أَمَا تَذْكُرُ أنَّا كنا (٨) في مسيرٍ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فأَجْنَبْتُ أنا وأنت، فأمَّا أنت فلم تُصَلِّ، وأمَّا أنا فتمَعَّكْتُ (٩) في الترابِ وصلَّيْتُ، فأُتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فذكَرْتُ ذلك له، فقال: "إنما كان يَكْفِيك". وضرَب بكفِّيه الأرضَ،

стр. 4652

ونفَخ فيهما، ومسَح وجهَه وكفيه مرةً واحدةً (١)؟ وقالوا: أمَر اللهُ في التَّيمُّمِ بمسِح الوجهِ واليدينِ، فما مسِح مِن وجهِه ويديه في التيمُّمِ أجْزَاه، إلا أن يمْنَعَ مِن ذلك ما يَجِبُ التَّسليمُ له مِن أصلٍ أو قياسٍ. وقال آخَرون: حدُّ المسحِ الذي أمَر اللهُ به في التيممِ أن يَمْسَحَ جميعَ الوجهِ واليدين إلى المرفقين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرانُ بن موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، أن ابنَ عمرَ تَيَمَّم بِمِرْبَدِ النَّعَمِ (٢)، فضربَ ضربةٌ فمسَح وجهَه، وضرَب ضربةً [فمسَح يديه] (٣) إلى المرفقين (٤). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سَمِعْتُ عُبيدَ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ، أنه قال: التيممُ مَسْحتانِ، يَضْرِبُ الرجلُ بيديه الأرضَ، يَمْسَحُ بهما وجهَه، ثم يَضْرِبُ بهما مرةً أخرى، فيَمْسَحُ يديه إلى المرفقين (٥). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى، عن (٦) عُبيدِ اللهِ، قال: أخْبرَنى نافعٍ، عن ابن

стр. 4653

عمرَ في التيممِ، قال: ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ للكفين إلى المرفقين (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن عُبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ قال: كان يقولُ في المسِح في التيممِ إلى المرفقين (٢). حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا ابن عونٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ عن التيممِ، فضربَ بيديه على الأرضِ، فمسَح بهما وجهَه، وضرَب بيديه، فمسَح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنَهما (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وقال في هذه الآيةِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. قال: أمرَ أن يُمسَحَ في التيممِ ما أمَر أن يُغْسَلَ في الوضوءِ، وأبْطَل ما أمَر أن يُمسَحَ في الوضوءِ؛ الرأسُ والرَّجْلان (٤). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، وحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثني محمدُ بنُ أبي عديٍّ جميعًا، عن داودَ، عن الشعْبيِّ في التيممِ، قال: ضربةٌ للوجهِ واليَدينِ (٥) إلى المرفقين (٦). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةً، عن الشعْبيِّ، قال: أمَر بالتيممِ

стр. 4654

فيما أمَر بالغَسْلِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أيوبَ، قال: سأَلْتُ سالمَ بنَ عبدِ الله عن التيممِ، فضربَ بيديه على الأرضِ ضربةً، فمسَح بهما وجهَه، ثم ضرب بيديه على الأرضِ ضربةً أخرى، فمسَح بهما يديه إلى المرفقين (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: وأخبرنا حَبيبُ بنُ الشَّهيدِ، عن الحسنِ، أنه سُئِل عن التيممِ فقال: ضربةٌ يَمسَحُ بها وجهَه، ثم ضربةٌ أخرى يَمْسَحُ بها يديه إلى المرفقين (٣). وعلَّةُ مِن قال هذه المَقالةَ أن التيممَ بدلٌ مِن الوضوءِ، فعلى المُتيمِّمِ أن يَبْلُغَ بالترابِ مِن وجهَه ويديه ما كان عليه أن يَبْلُغَه بالماءِ منهما في الوضوءِ. واعْتَلُّوا مِن الأثَرِ بما (٤) حدَّثني به موسى بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا نُعَيْم بنُ حمادٍ، قال: ثنا خارجةُ بنُ مُصْعبٍ، عن عبدِ اللهِ بن عَطاءٍ، عن موسى بن عُقبَةَ، عن الأعْرجِ، عن أبي جُهَيْمٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَبولُ، فسلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، [فلما فرَغ] (٥) قام إلى حائطٍ، فضربَ بيديه عليه، فمسَح بهما وجهَه، ثم ضرَب بيديه على الحائطِ، فمسَح بهما يديه إلى المرفقين، ثم ردَّ عليَّ السلامَ (٦).

стр. 4655

وقال آخَرون: الحدُّ الذي أمَرَ اللَّهُ أَن يُبْلَغَ بالترابِ إليه في التيممِ الآباطُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أَبي سَلَمَةَ التَّنِّيسيُّ، عن الأوْزاعيِّ، عن الزهريِّ، قال: التيممُ إلى الآباطِ (١). وعلةُ مَن قال ذلك أن اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه أمَر بمسحِ اليدِ في التيممِ، كما أمَر بمسح الوجهِ، وقد أجْمَعوا أن عليه أن يَمْسَحَ جميعَ الوجهِ، فكذلك عليه أن [يمسحَ] (٢) جميعَ اليدِ، ومِن طرفِ الكفِّ إلى الإبِطِ يدٌ. واعْتَلُّوا مِن الخبرِ بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا صَيْفيُّ بنُ رِبْعيٍّ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ، عن أبي اليَقْظانِ، قال: كنا مع رسولِ اللهِ، ﷺ فهلَك عِقْدٌ لعائشةَ، فأقام رسولُ اللهِ ﷺ ، حتى أضاء الصبحُ، فتغَيَّظ أبو بكرٍ على عائشةَ، فنزَلَت عليه الرُّخْصةُ؛ المسحُ بالصَّعيد، فدخَل أبو بكرٍ فقال لها: إنك لمُبارَكَةٌ، نزَل فيك رُخصةٌ. فضرَبْنا بأيدينا ضربةً لوجوهِنا (٣) وضربةً بأيدينا إلى المنَاكبِ والآباطِ (٤). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن الحدَّ الذي لا يُجْزِئُ المُتَيممَ أن يُقصِّرَ عنه في مَسْحِه بالترابِ مِن يديه، الكفَّان إلى الزَّنْدَيْن؛ لإجماعِ الجميعِ على أن التَّقْصيرَ عن ذلك غيرُ جائزٍ، ثم هو فيما جاوَز ذلك مُخَيَّرٌ إن شاء بلَغ بمسحِه

стр. 4656

المرْفَقَيْن، وإن شاء الآباطَ. والعلةُ التي مِن أجلِها جعَلْناه مُخَيَّرًا فيما جاوَز الكفين أن اللَّهَ لم يَحُدَّ في مسحِ ذلك بالترابِ في التيممِ حدًّا لا يَجُوزُ التَّقْصيرُ عنه، فما مسَح المُتَيمِّمُ مِن يديه أجْزَأَه، إلا ما أُجْمِع عليه، أو قامَت الحُجَّةُ بأنه لا يُجْزِئُه التَّقْصيرُ عنه (١)، وقد أجْمَع الجميعُ على أن التَّقْصيرَ عن الكفَّيْن غيرُ مُجْزِئ، فخرَج ذلك بالسُّنَّةِ، وما عدا ذلك فمُخْتَلَفٌ فيه، وإذ كان مختلفًا فيه، وكان الماسحُ بكفيه داخلًا في عمومِ الآيةِ كان خارجًا مما لزِمه مِن فرضِ ذلك. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الجُنُبِ، هل هو ممَّن دخَل في رُخصةِ التيممِ إذا لم يَجِد الماء أم لا؟ فقال جماعةُ (٢) أهلِ التأويلِ مِن الصحابِة والتابعين ومن بعدَهم مِن الخالِفين: حُكْمُ الجنبِ فيما لزِمه مِن التيممِ إذا لم يَجِدِ الماءِ حُكْمُ مَن جَاء مِن الغائطِ وسائرِ مَن أحْدَث ممَّن جُعِل التيممُ له طُهورًا لصلاتِه. وقد ذكَرْتُ قولَ بعضِ مَن تأوَّل قولَ اللَّهِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: أو جامعْتُموهن، وتركنا ذكرَ الباقين؛ لكثرةِ مِن قال ذلك. واعتلَّ قائلو هذه المَقالةِ بأن للجنبِ التَّيَمُّمَ إذا لم يَجِدِ الماءَ في سفرِه بإجماعِ الحُجَّةِ على ذلك؛ نقْلًا عن نبيِّها ﷺ ، الذي يَقْطَعُ العُذْرَ، ويُزِيلُ الشَّكَّ. وقال جماعةٌ مِن المُتَقَدِّمين: لا يُجْزِئُ الجنبَ غيرُ الاغْتِسالِ بالماءِ، وليس له أن يُصَلِّي بالتَّيممِ، والتَّيممُ لا يُطَهِّرُه. قالوا: وإنما جُعِل التيممُ رُخصةً لغيرِ الجنبِ، وتأَوَّلوا قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. قالوا:

стр. 4657

وقد نهَى اللهُ الجنبَ أن يَقْرَبَ مُصَلَّى المسلمين إلا مُجْتازًا فيه حتى يَغْتَسِل، ولم يُرخِّصْ له في التَّيممِ. قالوا: وتأويلُ قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: أو لامَسْتُموهن باليدِ دونَ الفرجِ ودونَ الجماعِ. قالوا: فلم نَجِدِ الله رخَّص للجنبِ في التيممِ، بل أمره بالغُسْلِ، وأَلّا يَقْرَبَ الصَّلاةَ إلا مُغْتَسِلًا. قالوا: فالتُّيممُ لا يُطَهِّرُه لصلاتِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعْمشِ، عن شَقِيقٍ، قال: كنتُ مع عبدِ اللهِ بن مسعودٍ وأبي موسى الأشْعَريِّ، فقال أبو موسى: يا أبا عبدِ الرحمنِ، أرأَيْت رجلًا أجْنَب، فلم يَجِدِ الماءِ شهرًا أيَتَيَمَّمُ؟ فقال عبدُ اللهِ: لا يَتَيَمَّمُ، وإن لم يَجِدِ الماءِ شهرًا. فقال أبو موسى: فكيف تَصْنَعون بهذه الآيةِ في سورةِ المائدةِ ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فقال عبدُ اللهِ: إِن رُخِّص لهم في هذا لأَوْشَكوا إذا بَرَد عليهم الماءُ أن يَتَيَمَّموا بالصَّعيدِ. فقال له أبو موسى: إنما كرِهْتُم هذا لهذا؟ قال: نعم. قال أبو موسى: ألم تَسْمَعْ قول عمارٍ لعمرَ: بَعَثْنى رسولُ اللهِ ﷺ في حاجةٍ فأَجْنَبْتُ، فلم أَجِدَ الماءَ، فتَمَرَّغْتُ في الصَّعيدِ، كما تمرَّغُ الدَّابَّةُ؟ قال: فذكَرْتُ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فقال: "إنما يَكْفيك أن تَصْنَعَ هكذا". وضرَب بكفَّيْه ضربةً واحدةً، ومسَح بهما وجهَه، ومسَح كفَّيْه. فقال عبدُ اللهِ: ألم تَرَ عمرَ لم يَقْنَعْ لقولِ عمارٍ (١)!. حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن سَلمةَ، عن أبي

стр. 4658

مالكٍ، وعن عبدِ اللهِ بن عبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى، [عن عبدِ الرحمنِ بن أبزى] (١)، قال: كنا عندَ عمرَ بن الخطابِ، فأتاه رجلٌ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّا نَمكُثُ الشهرَ والشهرَيْن لا نَجِدُ الماءَ. فقال عمرُ: أمَّا أنا فلو لم أَجِدِ الماءَ لم أَكُنْ لِأُصَلِّيَ حتى أَجِدَ الماءَ. فقال عمارُ بنُ ياسرٍ: أَتَذْكُرُ يا أميرَ المؤمنين حيثُ كنتَ (٢) بمكانِ كذا وكذا، ونحن نَرْعَى الإبلَ، فتَعْلَمُ أَنَّا أَجْنَبنا؟ قال: نعم. فأمَّا (٣) أنا فتَمَرَّغْتُ في الترابِ، فاتَيْنا النبيَّ ﷺ ، فضَحِك وقال: "إن كان الصَّعيدُ لَكافِيك". وضرَب بكفِّيه الأرضَ، ثم نفَخ فيهما، ثم مسَح وجهَه وبعضَ ذراعيه؟ فقال: اتَّقِ الله يا عمارُ. فقال: يا أمير المؤمنين، إن شئتَ لم أَذْكُرْه. فقال: لا، ولكن نُوَلِّيك مِن ذلك ما توَلَّيْتَ (٤). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سألتُ (٥) إبراهيمَ في دُكَّانِ مسلمٍ الأعورِ، فقلتُ: أَرأَيْتَ إن لم نَجِدِ الماءَ وأنت جنبٌ؟ قال: لا أُصَلِّى (٦). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك: أن الجنبَ ممَّن أمَره اللهُ جلَّ ثناؤُه بالتيممِ، إذا لم يَجِدِ الماءَ، والصلاةِ بقولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. وقد بيَّنَّا أن معنى المُلامَسةِ في هذا الموضعِ الجماعُ ثَمَّ، بنقلِ الحُجَّةِ التي لا يَجوزُ الخطأُ فيما نقَلَته مُجْمِعةً عليه، ولا السهْوُ ولا

стр. 4659

التَّواطُؤُ والتشاعُرُ (١)، بأن حكمَ الجنبِ في ذلك حكمُ سائرِ مَن أَحْدَث فلزمه التَّطهُّرُ لصلاتِه مع ما قد رُوِى في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ مِن الأخبارِ التي قد ذكَرْنا بعضَها وترَكْنا ذكْرَ كثيرٍ منها؛ استغناءً بما ذكَرْنا منها عما لم نَذْكُرْ، وكراهةً منا إطالةَ الكتابِ باسْتِقْصاءِ جميعِه. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، و (٢) هل ذلك أمرٌ مِن اللهِ بالتَّيممِ كلَّما لزِمه طلبُ الماءِ، أم ذلك أمْرٌ منه بالتيممِ كلما لزِمه الطلبُ وهو مُحْدِثٌ حدثًا يَجِبُ عليه منه الوضوءُ بالماءِ، لو كان للماءِ واجدًا؟ فقال بعضُهم: ذلك أمرٌ مِن اللهِ بالتيممِ كلما لزِمه فرضُ الطلبِ بعدَ الطلبِ، مُحْدثًا كان أو غيرَ مُحْدِثٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن الحجاجِ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ ﵁، أنه كان يَقولُ: التيممُ لكلِّ صلاةٍ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ مثلَه.

стр. 4660

حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عَبْدانُ، قال: حدَّثنا ابن المُباركِ، قال: أخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: أخبرنا عامرٌ الأحْوَلُ، عن نافعٍ أنه حدثه عن ابن عمرَ مثلَ ذلك (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نُوحٍ، قال: حدَّثنا مُجالدٌ، عن الشعبيِّ، قال: لا يُصَلِّي بالتيممِ إلا صلاةً واحدةً (٢). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابن المُباركِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاة، ويَتَأوَّلُ هذه الآيةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٣). [حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا سُوَيدٌ] (٤)، قال: أخْبرَنا ابن المُباركِ [عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: يَتيممُ الذي لا يجدُ الماءَ لكلِّ صلاةٍ (٥). حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ] (٤)، قال: ثنا الفِرْيابيُّ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بن سعيدٍ وعبدِ الكريمِ و (٦) رَبيعةَ بن أبى عبدِ الرحمنِ، قالوا: التيممُ لكلِّ صلاةٍ. حدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عِمْرانُ القَطَّانُ، عن قتادةَ، عن النخعيِّ، قال: يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاةٍ (٧). وقال آخَرون: بل ذلك أمرٌ مِن اللهِ بالتيممِ بعدَ طلبِ الماءِ مَن لزِمه فرضُ الطلبِ
следующие страницы →