← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

المرْفَقَيْن، وإن شاء الآباطَ. والعلةُ التي مِن أجلِها جعَلْناه مُخَيَّرًا فيما جاوَز الكفين أن اللَّهَ لم يَحُدَّ في مسحِ ذلك بالترابِ في التيممِ حدًّا لا يَجُوزُ التَّقْصيرُ عنه، فما مسَح المُتَيمِّمُ مِن يديه أجْزَأَه، إلا ما أُجْمِع عليه، أو قامَت الحُجَّةُ بأنه لا يُجْزِئُه التَّقْصيرُ عنه (١)، وقد أجْمَع الجميعُ على أن التَّقْصيرَ عن الكفَّيْن غيرُ مُجْزِئ، فخرَج ذلك بالسُّنَّةِ، وما عدا ذلك فمُخْتَلَفٌ فيه، وإذ كان مختلفًا فيه، وكان الماسحُ بكفيه داخلًا في عمومِ الآيةِ كان خارجًا مما لزِمه مِن فرضِ ذلك. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الجُنُبِ، هل هو ممَّن دخَل في رُخصةِ التيممِ إذا لم يَجِد الماء أم لا؟ فقال جماعةُ (٢) أهلِ التأويلِ مِن الصحابِة والتابعين ومن بعدَهم مِن الخالِفين: حُكْمُ الجنبِ فيما لزِمه مِن التيممِ إذا لم يَجِدِ الماءِ حُكْمُ مَن جَاء مِن الغائطِ وسائرِ مَن أحْدَث ممَّن جُعِل التيممُ له طُهورًا لصلاتِه. وقد ذكَرْتُ قولَ بعضِ مَن تأوَّل قولَ اللَّهِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: أو جامعْتُموهن، وتركنا ذكرَ الباقين؛ لكثرةِ مِن قال ذلك. واعتلَّ قائلو هذه المَقالةِ بأن للجنبِ التَّيَمُّمَ إذا لم يَجِدِ الماءَ في سفرِه بإجماعِ الحُجَّةِ على ذلك؛ نقْلًا عن نبيِّها ﷺ ، الذي يَقْطَعُ العُذْرَ، ويُزِيلُ الشَّكَّ. وقال جماعةٌ مِن المُتَقَدِّمين: لا يُجْزِئُ الجنبَ غيرُ الاغْتِسالِ بالماءِ، وليس له أن يُصَلِّي بالتَّيممِ، والتَّيممُ لا يُطَهِّرُه. قالوا: وإنما جُعِل التيممُ رُخصةً لغيرِ الجنبِ، وتأَوَّلوا قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. قالوا:

стр. 4657

وقد نهَى اللهُ الجنبَ أن يَقْرَبَ مُصَلَّى المسلمين إلا مُجْتازًا فيه حتى يَغْتَسِل، ولم يُرخِّصْ له في التَّيممِ. قالوا: وتأويلُ قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: أو لامَسْتُموهن باليدِ دونَ الفرجِ ودونَ الجماعِ. قالوا: فلم نَجِدِ الله رخَّص للجنبِ في التيممِ، بل أمره بالغُسْلِ، وأَلّا يَقْرَبَ الصَّلاةَ إلا مُغْتَسِلًا. قالوا: فالتُّيممُ لا يُطَهِّرُه لصلاتِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعْمشِ، عن شَقِيقٍ، قال: كنتُ مع عبدِ اللهِ بن مسعودٍ وأبي موسى الأشْعَريِّ، فقال أبو موسى: يا أبا عبدِ الرحمنِ، أرأَيْت رجلًا أجْنَب، فلم يَجِدِ الماءِ شهرًا أيَتَيَمَّمُ؟ فقال عبدُ اللهِ: لا يَتَيَمَّمُ، وإن لم يَجِدِ الماءِ شهرًا. فقال أبو موسى: فكيف تَصْنَعون بهذه الآيةِ في سورةِ المائدةِ ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فقال عبدُ اللهِ: إِن رُخِّص لهم في هذا لأَوْشَكوا إذا بَرَد عليهم الماءُ أن يَتَيَمَّموا بالصَّعيدِ. فقال له أبو موسى: إنما كرِهْتُم هذا لهذا؟ قال: نعم. قال أبو موسى: ألم تَسْمَعْ قول عمارٍ لعمرَ: بَعَثْنى رسولُ اللهِ ﷺ في حاجةٍ فأَجْنَبْتُ، فلم أَجِدَ الماءَ، فتَمَرَّغْتُ في الصَّعيدِ، كما تمرَّغُ الدَّابَّةُ؟ قال: فذكَرْتُ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فقال: "إنما يَكْفيك أن تَصْنَعَ هكذا". وضرَب بكفَّيْه ضربةً واحدةً، ومسَح بهما وجهَه، ومسَح كفَّيْه. فقال عبدُ اللهِ: ألم تَرَ عمرَ لم يَقْنَعْ لقولِ عمارٍ (١)!. حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن سَلمةَ، عن أبي

стр. 4658

مالكٍ، وعن عبدِ اللهِ بن عبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى، [عن عبدِ الرحمنِ بن أبزى] (١)، قال: كنا عندَ عمرَ بن الخطابِ، فأتاه رجلٌ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّا نَمكُثُ الشهرَ والشهرَيْن لا نَجِدُ الماءَ. فقال عمرُ: أمَّا أنا فلو لم أَجِدِ الماءَ لم أَكُنْ لِأُصَلِّيَ حتى أَجِدَ الماءَ. فقال عمارُ بنُ ياسرٍ: أَتَذْكُرُ يا أميرَ المؤمنين حيثُ كنتَ (٢) بمكانِ كذا وكذا، ونحن نَرْعَى الإبلَ، فتَعْلَمُ أَنَّا أَجْنَبنا؟ قال: نعم. فأمَّا (٣) أنا فتَمَرَّغْتُ في الترابِ، فاتَيْنا النبيَّ ﷺ ، فضَحِك وقال: "إن كان الصَّعيدُ لَكافِيك". وضرَب بكفِّيه الأرضَ، ثم نفَخ فيهما، ثم مسَح وجهَه وبعضَ ذراعيه؟ فقال: اتَّقِ الله يا عمارُ. فقال: يا أمير المؤمنين، إن شئتَ لم أَذْكُرْه. فقال: لا، ولكن نُوَلِّيك مِن ذلك ما توَلَّيْتَ (٤). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سألتُ (٥) إبراهيمَ في دُكَّانِ مسلمٍ الأعورِ، فقلتُ: أَرأَيْتَ إن لم نَجِدِ الماءَ وأنت جنبٌ؟ قال: لا أُصَلِّى (٦). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك: أن الجنبَ ممَّن أمَره اللهُ جلَّ ثناؤُه بالتيممِ، إذا لم يَجِدِ الماءَ، والصلاةِ بقولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. وقد بيَّنَّا أن معنى المُلامَسةِ في هذا الموضعِ الجماعُ ثَمَّ، بنقلِ الحُجَّةِ التي لا يَجوزُ الخطأُ فيما نقَلَته مُجْمِعةً عليه، ولا السهْوُ ولا

стр. 4659

التَّواطُؤُ والتشاعُرُ (١)، بأن حكمَ الجنبِ في ذلك حكمُ سائرِ مَن أَحْدَث فلزمه التَّطهُّرُ لصلاتِه مع ما قد رُوِى في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ مِن الأخبارِ التي قد ذكَرْنا بعضَها وترَكْنا ذكْرَ كثيرٍ منها؛ استغناءً بما ذكَرْنا منها عما لم نَذْكُرْ، وكراهةً منا إطالةَ الكتابِ باسْتِقْصاءِ جميعِه. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، و (٢) هل ذلك أمرٌ مِن اللهِ بالتَّيممِ كلَّما لزِمه طلبُ الماءِ، أم ذلك أمْرٌ منه بالتيممِ كلما لزِمه الطلبُ وهو مُحْدِثٌ حدثًا يَجِبُ عليه منه الوضوءُ بالماءِ، لو كان للماءِ واجدًا؟ فقال بعضُهم: ذلك أمرٌ مِن اللهِ بالتيممِ كلما لزِمه فرضُ الطلبِ بعدَ الطلبِ، مُحْدثًا كان أو غيرَ مُحْدِثٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن الحجاجِ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ ﵁، أنه كان يَقولُ: التيممُ لكلِّ صلاةٍ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ مثلَه.

стр. 4660

حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عَبْدانُ، قال: حدَّثنا ابن المُباركِ، قال: أخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: أخبرنا عامرٌ الأحْوَلُ، عن نافعٍ أنه حدثه عن ابن عمرَ مثلَ ذلك (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نُوحٍ، قال: حدَّثنا مُجالدٌ، عن الشعبيِّ، قال: لا يُصَلِّي بالتيممِ إلا صلاةً واحدةً (٢). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابن المُباركِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاة، ويَتَأوَّلُ هذه الآيةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٣). [حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا سُوَيدٌ] (٤)، قال: أخْبرَنا ابن المُباركِ [عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: يَتيممُ الذي لا يجدُ الماءَ لكلِّ صلاةٍ (٥). حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ] (٤)، قال: ثنا الفِرْيابيُّ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بن سعيدٍ وعبدِ الكريمِ و (٦) رَبيعةَ بن أبى عبدِ الرحمنِ، قالوا: التيممُ لكلِّ صلاةٍ. حدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عِمْرانُ القَطَّانُ، عن قتادةَ، عن النخعيِّ، قال: يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاةٍ (٧). وقال آخَرون: بل ذلك أمرٌ مِن اللهِ بالتيممِ بعدَ طلبِ الماءِ مَن لزِمه فرضُ الطلبِ

стр. 4661

إذا كان مُحْدِثًا، فأمَّا مِن لم يَكُنْ أحْدَث بعدَ تطهُّرِه بالترابِ، فلزِمه فرضُ الطلبِ، فليس عليه تَجْديدُ تَيمُّمِه، وله أن يُصَلِّي بتيميه الأولِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا سُفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: التيممُ بمنزلةِ الوضوءِ (١). حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى السُّديُّ، قال: أخبرنا عمرُ بنُ شاكرٍ، عن الحسنِ، قال: يُصَلِّي المُتَيمِّمُ بتيممِه ما لم يُحْدِثُ، فإن وجد الماء فلْيَتَوَضَّأُ (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أَخْبَرَنا هِشامٌ، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ يُصَلِّي الصَّلواتِ كلَّها بوُضوءٍ واحدٍ ما لم يُحْدِثُ، وكذلك المُتَيمِّمُ (٢) (١). [حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخْبَرنا هشامٌ، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ يُصَلِّي الصَّلواتِ كلَّها بوضوءٍ واحدٍ (١). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: يُصَلِّي الصَّلواتِ بالتيممِ ما لم يُحدِث] (٣) (٤). حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا سُفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن

стр. 4662

عَطاءٍ، قال: التيممُ بمنزلةِ الوضوءِ (١). قال أبو جعفرٍ: وأوْلى القولين في ذلك عندنا بالصوابِ قولُ مَن قال: يَتَيَمَّمُ المُصَلِّى لكلِّ صلاةٍ لزِمه طلبُ الماء للتَّطهُّرِ لها فرضًا؛ لأن الله تعالى ذكرُه أمَر كلَّ قائمٍ إلى الصلاةِ بالتطهُّرِ بالماءِ، فإن لم يَجِدِ الماءَ فالتيممُ، ثم أَخْرَجَ القائمَ إلى الصلاةِ - مِن كان قد تقدَّم قيامَه إليها الوضوءُ بالماءِ - سنةُ رسولِ اللهِ ﷺ ، إلا أن يَكونَ قد أحْدَث حَدَثًا يَنقُضُ طَهارتَه، فيَسْقَطَ فرضُ الوضوءِ منه بالسنة، وأما القائمُ إليها وقد تقَدَّم قيامَه إليها التيممُ لصلاةٍ قبلَها، ففرضُ التيممِ له لازمٌ بظاهرِ التَّنْزيلِ بعدَ طلبِه الماءَ إذا أعْوَزَه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الله لم يَزَلْ عَفُوًّا عن ذنوبِ عبادِه، بتَرْكِه العقوبةَ على كثيرٍ منها ما لم يُشْرِكوا به، كما عفا لكم (٢) أيُّها المؤمنون عن قيامِكم إلى الصلاةِ التي فرَضَها عليكم في مساجدِكم، وأنتم سُكارَى. ﴿غَفُورًا﴾ يقولُ: ولم يَزَلْ يَسْتُرُ ذنوبهَم بتركِه مُعاجَلتَهم العذابَ على خَطاياهم، كما ستَر عليكم أيُّها المؤمنون بتركِه مُعاجَلتَكم على صلاتِكم في مساجدِكم سُكارى، يقولُ: فلا تَعودُوا لمثلِها فيَنالَكم بعَوْدِكم لما قد نهَيْتُكم عنه مِن ذلك عقوبةٌ (٣) مُنَكِّلةٌ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾.

стр. 4663

قال أبو جعفرٍ ﵀: اخْتَلَف أهلِ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ فقال قومٌ: معناه ألم تُخْبَرْ (١)؟ وقال آخَرون: معناه ألم تَعْلَمْ؟ والصوابُ مِن القولِ في ذلك: ألم تَرَ بقلبِك (٢) يا محمدُ علمًا إلى الذين أُوتُوا نَصيبًا، وذلك أن الخبرَ والعلمَ لا يَجْلِبان رُؤْيةً (٣)، ولكنه رُؤيةُ القلبِ بالعلمِ بذلك (٤) كما قلنا فيه. وأما تأويلِ قولِه: ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. فإنه يعنى: إلى الذين أعْطُوا حَظًّا مِن كتاب الله، فعلموه. وذُكِر أن الله جلَّ ثناؤُه عنى بذلك طائفةً مِن اليهودِ؛ الذين كانوا حَوالَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾: فهم أعداءُ اللهِ اليهودُ، اشْتَرَوُا الضَّلالة. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عِكْرمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قولِه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ

стр. 4664

عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٤ - ٤٦] قال: نزَلت في رفاعةَ بن زيدِ بن السائبِ اليهوديِّ (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابن (٢) إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ أو عِكْرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رفاعةُ بنُ زيدِ بن التابوتِ مِن عُظمائهم - يعنى مِن عُظماء اليهودِ - إذا كَلَّم رسولَ اللهِ ﷺ لَوَى لسانَه وقال: راعِنا سمعَك يا محمدُ حتى نَفْهَمَك. ثم طعَن في الإسلامِ وعابَه، فأنزَل اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣). [النساء: ٤٤ - ٤٦]. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن (٤) إسحاقَ بإسنادِه، عن ابن عباسٍ مثلَه (٥). القول في تأويلِ قولِه: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾: اليهودَ الذين أُوتوا نصيبًا مِن الكتابِ، يَخْتارون الضلالةِ؛ وذلك الأخْذُ على غيرِ طريقِ الحقِّ، ورُكوبُ غيرِ سبيلِ الرُّشْدِ والصوابِ، على (٦) العلمِ منهم بقصْدِ السبيلِ

стр. 4665

ومنهج الحقِّ، وإنما عنَى الله جلَّ ثناؤُه بوَصْفهم باشترائِهم الضلالةَ مُقامَهم على التكذيبِ لمحمدٍ (١) ﷺ ، وتَرْكَهم الإيمانَ به، وهم عالمِون أن سبيلَ الحقِّ الإيمانُ به وتَصْديقُه بما قد وَجَدوا مِن صفتِه في كتبِهم التي عندَهم. وأمَّا قولُه: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾. فإنه (٢) يعنى بذلك: ويريدُ هؤلاء اليهودُ الذين وصفهم جلَّ ثناؤُه بأنهم أوتوا نصيبًا مِن الكتابِ أن تَضِلُّوا أنتم يا معشرَ أصحابِ محمدٍ ﷺ المُصَدِّقِين به. ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ يقولُ: أن تَزولوا عن قَصْدِ الطريقِ ومَحَجَّةِ الحقِّ، فتُكذِّبوا بمحمد وتكونوا ضُلَّالًا مثلَهم. وهذا مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه تَحذيرٌ منه عبادَه المؤمنين أن يَسْتَنصِحوا أحدًا مِن أعداءِ الإسلامِ في شيءٍ مِن أمرِ دينِهم، أو أن يسمَعوا شيئًا مِن طَعْنِهم في الحقِّ. ثم أخبرَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عن عَداوةِ هؤلاءِ اليهودِ الذين نهىَ المؤمنين أن يَسْتَنصحوهم في دينِهم بأمرِهم (٣) إياهم، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: واللهُ أعلمُ منكم بعداوةِ هؤلاءِ اليهودِ لكم أيُّها المؤمنون. يقولُ: فانتَهُوا إلى طاعتي فيما (٤) نَهيتُكم عنه مِن استنصاحِهم في دينِكم، فإنى أعلمُ بما هم عليه لكم مِن الغشِّ والعداوةِ والحسدِ، وأنهم إنما يَبْغونكم الغَوائلَ، ويطلُبون أن تَضِلُّوا عن مَحَجَّةِ الحَقِّ، فتَهْلِكُوا. وأمَّا قولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾. فإنه يقولُ (٥): فباللهِ أيُّها

стр. 4666

المؤمنون فثِقُوا، وعليه فتوَكَّلوا، وإليه فارغَبوا دونَ غيرِه (١) يَكْفِكم (٢) مَهَمَّكم، ويَنْصُرُكم على أعدائِكم؛ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ يقولُ: وكفاكم وحسْبُكم باللهِ ربَّكُم وَلِيًّا يَلِيكم ويلى أمورَكم بالحياطةِ لكم، والحراسةِ مِن أن يَسْتفِزَّكم أعداؤُكم عن دينِكم، أو يَصُدُّوكم عن اتِّباعِ نبيِّكم؛ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يقولُ: وحَسْبُكم أيضًا باللهِ ناصرًا لكم على أعدائِكم وأعداءِ دينِكم، وعلى مَن بَغاكم الغَوائل، وبَغَى دينَكم العوَجَ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: ولقولِه تعالى ذكره: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وَجْهان مِن التأويلِ: أحدُهما: أن يكونَ معناه: ألم تَرَ إلى الذين أُوتوا نَصيبًا مِن الكتابِ مِن الذين هادوا يُحَرِّفون الكَلِمَ. فيكونَ قولُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. مِن صلةِ ﴿الَّذِينَ﴾. وإلى هذا القولِ كانت عامَّةُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ الكوفة يُوَجِّهون قولَه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ﴾. والآخَرُ منهما: أن يكونَ معناه: مِن الذين هادوا مَن يُحَرِّفُ الكَلِمَ عن مَواضعِه. فتكونَ "مِن" محذوفةً من الكلامِ؛ اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. عليها. وذلك أن "مِن" لو ذُكرت في الكلام كانت بعضًا لـ" مِن"،

стр. 4667

فاكتُفِى بدَلالةٍ "مِن" عليها. والعربُ [تَفْعَلُ ذلك إذا ابْتدأت بـ "مِنْ" في مبتدأ الكلامِ] (١)، تقولُ: [مِنَّا يقولُ ذلك، ومِنَّا لا يقولُه] (٢). بمعنى: مِنَّا مَن يقولُ ذلك، ومِنَّا مَن لا يقولُه. فتحذفُ "مَن" اكتفاءً بدلالةِ "مِن" عليه، كما قال ذو الرُّمَّة (٣): فَظَلُّوا ومنهم (٤) دَمْعُه سابِقٌ (٥) له … وآخَرُ يَثْني (٦) دَمْعَةَ العَيْنِ بالمهلِ (٧) يعني: ومنهم مَن دَمْعُه. وكما قال اللهُ ﵎: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]. وإلى هذا المعنى كانت عامةُ أهلِ العربيةِ مِن أهل البصرةِ يُوجهون تأويلَ قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾. غير أنهم كانوا يقولون: المُضْمَرُ في ذلك القومُ (٨)، كأن معناه عندَهم: مِن الذين هادوا قومٌ يُحَرِّفون الكَلِمَ، ويقولون: نظيرُ قولِ النابغةِ (٩): كأنك مِن جِمالِ بنى أُقَيْشٍ … يُقَعْقَعُ خَلْفٌ رِجْلَيهِ بِشَنِّ يعني: كأنك جَمَلٌ مِن جِمالِ بني أُقَيْشٍ. فأمَّا [نحويو الكوفيين] (١٠) فيُنْكِرون [أن يكونَ] (١١) المُضْمَرُ مع "مِن" إلا

стр. 4668

"مَن" أو ما أشبَهها (١). والقولُ الذي هو أَولى بالصوابِ عندى في ذلك قولُ مَن قال: قولُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ مِن صِلة: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ لأن الخبرَين جميعًا والصِّفَتَين مِن صفة نوعٍ واحدٍ مِن الناسِ، وهم اليهودُ الذين وَصَف اللهُ جلَّ ثناؤُه صِفَتَهم في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. وبذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ، فلا حاجةَ بالكلامِ - إذ كان الأمرُ كذلك - إلى أن يكونَ فيه متروكٌ. وأما تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. فإنه يقولُ: يُبَدِّلون معناها ويُغَيِّرونها عن تأويلِها (٢) والكَلِمُ جماعُ كلمةٍ، وكان مجاهدٌ يقولُ: عَنَى بالكلم التوراةَ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾: تَبْدِيلُ اليهودِ التوراة (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣). وأمَّا قولُه: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. فإنه يعنى: عن أماكنِه ووجوهِه التي هي وجوهُه.

стр. 4669

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: مِن الذين هادوا يقولون: سِمعنا يا محمدُ قولَك، وعَصينا أمرَك. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةً، عنبسة، [عن محمدِ] (١) بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. قال: قالت اليهودُ: سَمِعنا ما تقولُ، ولا نُطِيعُك. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: حدَّثنا] (٢) عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. قالوا: [سَمِعنا، ونحن لا نُطِيعُك] (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. الله قال أبو جعفرٍ رحمه وهذا خبرٌ مِن اللهِ عن اليهودِ الذين كانوا حَوالَىْ (٥) مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ في عصره، أنهم كانوا يَسُبُّون رسول اللهِ ﷺ

стр. 4670

ويُؤْذونه بالقَبيحِ مِن القولَ، ويقولون له: اسمَعْ منا غيرَ مُسْمَعٍ، كقولِ القائلِ للرجلِ يَسُبه: اسمَعْ، لا أسمَعَك (١) اللهُ. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. قال: هذا قولُ أهلِ الكتابِ يهودَ - كهيئةِ ما [تقولُ للإنسانِ] (٢): اسمَعْ لا سَمِعتَ - أذًى لرسولِ اللهِ ﷺ ، وشَتْمًا له واستهزاءً به (٣). حُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. قال: يقولون (٤) لك: واسمَعْ لا سَمِعتَ (٥). وقد رُوِى عن مجاهدٍ والحسنِ، أنهما كانا يَتأوَّلان ذلك بمعنى: واسمَعْ غيرَ مقبولٍ منك. ولو كان ذلك معناه لقيل: واسمَعْ غير مسموعٍ. ولكن معناه: واسمَعْ لا تَسمَعْ. ولذلك قال اللهُ جلَّ وعز: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾. فوصَفهم بتَحريفِ الكلامِ بألسنتهم، والطَّعْنِ في الدين بسَب النبيِّ ﷺ . وأما القولُ الذي ذكرتُه عن مجاهدٍ [والحسنِ فحدثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمن، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ] (٦):

стр. 4671

﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. يقولُ: غير مقبولٍ ما تقولُ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. قال: غيرَ مُسْتَمِعٍ. قال ابن جُريج، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾: غيرَ مقبولٍ ما تقولُ. حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. قال: كما تقولُ: اسمَعْ غَيرَ مَسْموعٍ منك (٣). وحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كان ناسٌ منهم يقولون: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. كقولك: اسمَعْ غيرَ صاغرٍ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾.

стр. 4672

قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَاعِنَا﴾: وراعنا سمعك؛ افهَمْ عَنَّا وأفهِمْنا. وقد بيَّنَّا تأويلَ ذلك في سورةِ البقرةِ بأدلته بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه (١). ثم أخبرَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول اللهِ ﷺ ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾. يعنى: تَحْريكًا منهم ألسنتَهم (٢) بتَحريفٍ منهم لمعناه إلى المكروهِ مِن مَعْنَيَيه، واستخفافًا منهم بحقِّ النبيِّ ﷺ ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾. كما حدَّثني الحسنُ (٣) بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: قال قتادةُ: كانت اليهودُ يقولون للنبيِّ ﷺ : راعِنا سمعَك، يَسْتهزئون بذلك، فكانت في (٤) اليهودِ قبيحةً، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَاعِنَا﴾ سمعَك، ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ والليُّ: تَحْريكُهم ألسنتَهم بذلك، ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ (٥). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾: كان الرجلُ مِن المشركين يقولُ: أَرْعِنى سمعَك. يَلْوى بذلك لسانَه، يعني: يُحَرِّفُ معناه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 4673

أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، إلى: ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾: فإنهم كانوا يَسْتَهزئون، ويلوون ألسنتَهم برسولِ اللهِ ﷺ ، ويطعَنون في الدينِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾. قال: راعِنا طعنَهم في الدينِ، ولَيَّهم بألسنتهم ليُبْطِلوه ويُكَذِّبوه. قال: والرَّاعِنُ: الخطأُ مِن الكلام. حُدِّثتُ عن المِنْجابِ (١)، قال: ثنا بَشْرٌ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾. قال: تَحريفًا بالكذب (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولو أن هؤلاءِ اليهودَ الذين وَصَف الله صِفَتَهم، قالوا للنبيِّ ﵇: سَمِعنا يا محمدُ قولك، وأطَعنا أمرَك، وقَبلنا ما جئتَنا به مِن عندِ ربِّك، واسمَعْ منا، وانظُرْنا ما نقولُ، وانتَظِرْنا نفهَمْ عنك ما تقولُ لنا ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾. يقولُ: لكان ذلك خيرًا لهم عندَ اللَّهِ وأقومَ، يقولُ: وأعدلَ وأصوبَ في القولِ، وهو مِن الاستقامة مِن قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. بمعنى: وأصوبُ قِيلًا. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:

стр. 4674

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. قال: يقولون: اسمَعْ مِنَّا، فإِنَّا قد سمعنا وأطَعنا، وانْظُرْنا، فلا تَعْجَلْ علينا. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، [عن عِكْرمَة ومجاهدٍ] (١) قولَه: ﴿وَانْظُرْنَا﴾. قال: اسمَعْ مِنَّا. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَانْظُرْنَا﴾. قال: أفهِمْنا. حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن (٢) ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَانْظُرْنَا﴾. قال: أفهِمْنا (٣). [حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله] (٤). قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذي قاله مجاهدٌ وعِكْرِمةُ مِن تَوْجيههما معنى: ﴿وَانْظُرْنَا﴾. إلى: اسمَعْ مِنَّا، وتَوْجِيهِ مجاهدٍ ذلك إلى: أفهِمْنا. ما لا يُعرَفُ في كلامِ العربِ، إلا أن يكونَ أراد بذلك من تَوْجيهه إلى: أفهِمْنا، انتظرْنا نَفهَمْ ما تقولُ. أو: انتظِرْنا نَقُلْ حتى تَسمَعَ مِنَّا. فيكونَ ذلك معنًى مفهومًا، وإن كان غيرَ تأويلِ الكلمةِ ولا تفسيرٍ لها ولا يُعرَفُ: "انظُرْنا" في كلامِ العربِ، إلا بمعنى انتظِرْنا

стр. 4675

وانظُرْ إلينا. فأما انظُرْنا (١) [بمعنى انتظِرْنا] (٢)، فمنه قولُ الحُطَيئةِ (٣): [وقَدْ نَظَرْتُكُمُ أعشاءَ صادرةٍ … للخِمْسِ طال بها حَوْزِى وتَنْساسِي] (٤) وأما "انظُرْنا" بمعنى، انظُرْ إلينا، فمنه قولُ عبدِ اللهِ بن قيسِ الرُّقيَّاتِ (٥): ظاهراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنظُرْ … نَ كما يَنْظُرُ الأَراكَ الظِّباءُ [بمعنى كما يَنظُرُ] (٦) إلى الأَرَاكِ الظِّبَاءُ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولكنَّ الله ﵎ أخْرَى هؤلاء اليهودَ، الذين وَصَف صفتَهم في هذه الآيةِ، فأقصَاهم وأبعدَهم مِن الرُّشْدِ [واتِّباعِ] (٧) الحقِّ، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ يعني: بجحودِهم نُبوَّة نبيِّه محمدٍ ﷺ ، وما جاءهم به مِن عندِ ربِّهم مِن الهُدَى والبيناتِ. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: فلا يصدِّقون بمحمدٍ ﷺ ، وما جاءهم به مِن عندِ ربِّهم، ولا يَقرُّون بنبوَّته ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقولُ: لا يُصَدِّقون بالحقِّ الذي جئتَهم به يا محمدُ إلا إيمانًا قليلًا.

стр. 4676

كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: لا يؤمنون هم إلا قليلًا (١). وقد بَيَّنَّا وَجْهَ ذلك بعلَلِه في سورةِ "البقرةِ" (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: اليهودَ مِن بني إسرائيلَ الذين كانوا حَوالَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، قال اللهُ لهم: يا أيُّها الذين أُنزِل إليهم الكتاب فأُعْطُوا العلمَ به، ﴿آمِنُوا﴾ يقولُ: صدِّقوا، ﴿بِمَا نَزَّلْنَا﴾ (٣) [يعني: بما أنزلنا] (٤) إلى محمدٍ مِن الفُرْقانِ، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. يعنى: مُحقِّقًا للذى معكم مِن التوراةِ التي أنزَلتُها إلى موسى بن عِمْرانَ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: طَمْسُه إياه مَحْوُه آثارَها حتى تصيرَ كالأقْفَاءِ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن نَطْمِسَ أبصارها، فنُصَيِّرَها عُمْيًا، ولكنَّ الخبرَ خَرج بذِكْرِ الوَجْهِ، والمرادُ به بصرُه، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: فنجعلَ (٥) أبصارَها مِن قبَلِ أقْفائِها.

стр. 4677

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾. إلى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾. وطَمْسُها أن تُعْمَى، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. يقولُ: أن نجعلَ وجوهَهم مِن قِبَلِ أقفِيتِهم، فيَمْشون القَهْقَرى، ونجعَلَ لأحدِهم عينَين في قَفاه (١). حدَّثني أبو العالية إسماعيلُ بنُ الهيثمِ العَبْديُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، عن فُضَيلِ بن مَرْزُوقٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. قال: نجعَلَها في أقفائِها، فتَمْشي على أعقابِها القَهْقَرَى (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسْديُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بن موسى، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مَرْزُوقٍ، عن عطيةَ بنحوِه، إلا أنه قال: طَمْسُها أن يَرُدُّها في (٣) أقفائِها (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. قال: نُحوِّل وجوهَها قِبَلَ ظهورها (٤). وقال آخرون: بل معنى ذلك: مِن قبل أن نُعْمِيَ قومًا عن الحقِّ، فَنَرُدَّها (٥) على أدبارِها في الضلالةِ والكفرِ.

стр. 4678

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: فنَرُدَّها [عن الصِّراطِ] (١) الحقِّ، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. قال (٢): في الضلالِة (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾: عن (٤) صِراطِ الحَقِّ، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: في الضلالِة. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبرَنا ابن المُباركِ قراءةً عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال (٥) مَعْمَرٌ، و (٦) قال: الحسنُ: ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾. يقولُ: نَطْمِسَها عن الحقِّ، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: على ضَلالتِها (٧). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قولِه: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ

стр. 4679

السَّبْتِ﴾. قال: نَزَلت في مالكِ بن الصَّيفِ، ورِفاعةَ بن زيدِ بن التابوتِ، مِن بنى قَيْنُقاعَ، أمَّا: ﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. يقولُ: فنُعْمِيَها عن الحقِّ، ونُرْجِعَها كفارًا (١). حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: يعنى أن نَرُدَّهم عن الهدى والبَصيرةِ، فقد رَدَّهم على أدبارِهم، فكَفَروا بمحمدٍ ﷺ وما جاء به (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: مِن قبلِ أن نَمْحُوَ آثارَهم مِن وجوهِهم التي هم بها، وناحيتِهم التي هم بها نُزولٌ (٣)، فنَرُدُّها على أدبارِها مِن حيثُ جاءوا (٤) منه بَدِيًّا (٥) مِن الشامِ. ذكر مِن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. قال: كان أبي يقولُ: إلى الشام (٦).

стр. 4680

وقال آخرون (١): بل معنى ذلك: مِن قَبْلِ أن نَطْمِسَ وجوهًا فَنَمْحُو آثارَها ونُسَوِّيَها، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: بأن نجعلَ الوجوهَ مَنابِتَ للشَّعَرِ، كما وجوهُ القِرَدةِ مَنابِتُ للشَّعَرِ؛ لأن شُعورَ بنى آدمَ في أدبارِ وجوهِهم، فقالوا: إذا أنْبَتَ الشُّعورَ في وجوهِهم، فقد رَدَّها على أدبارِها، بتَصْييرِه إيَّاها كالأقفاءِ وأدبارِ الوجوهِ (٢). قال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مِن قال: معنى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾: مِن قبل أن نَطْمِسَ أبصارَها، ونَمْحُو آثارَها، فنُسَوِّيها كالأقْفاءِ، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: فنَجْعلَ أبصارَها في أدبارِها. يعنى بذلك: فنَجعَلَ الوجوهَ في أدبارِ الوجوهِ، فيكونُ معناه: فنُحوِّلَ الوجوهَ أقْفاءِ، والأقفاءَ وجوهًا، فيَمْشوا (٣) القَهْقَرَى. كما قال ابن عباسٍ وعطيةُ ومَن قال ذلك. وإنما قُلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن الله جلَّ ثناؤه خاطَب بهذه الآيةِ اليهودَ الذين وَصَف صفتَهم بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾. ثم حَذَّرهم تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. الآيةَ بأسَه وسَطُوتَه، وتَعْجيلَ عِقابِه لهم، إن هم لم يُؤْمِنوا بما أمَرهم بالإيمانِ به، ولا شَكّ

стр. 4681

أنهم كانوا لمَّا أمَرهم بالإيمانِ به يومَئذٍ كفارًا. وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ فسادُ قولِ مَن قال: تأويلُ ذلك: [من قبلِ] (١) أن نُعْمِيها عن الحقِّ فنَرُدَّها في الضلالةِ، [وما] (٢) وَجْهُ رَدِّ مَن هو في الضلالِة فيها؟ وإنما يُرَدُّ في الشيءِ مِن كان خارجًا منه، فأما مَن هو فيه، فلا وَجْهَ لأَنْ يقالَ: يَرُدُّه فيه. وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا أن الله جلَّ ثناؤه قد تَهَدَّد الذين ذكَرهم في هذه الآيةِ، بِرَدِّه وجوهَهم على أدبارِهم، كان بَيِّنًا فسادُ تأويلِ مَن قال: معنى ذلك: يُهَدِّدُهم بِرَدِّهم في ضَلالتِهم. فأما الذين قالوا: معنى ذلك: مِن قبلِ أن نجعَلَ الوجوهَ مَنابِتَ للشَّعَرِ، كَهَيْئةِ وجوهِ القِرَدةِ، فقولٌ لقولِ أهلِ التأويلِ مُخالفٌ، وكَفَى بخُروجِه عن قولِ أهلِ العلمِ مِن الصحابةِ والتابعين، فمَن بعدهم مِن الخالِفين، على خطِئه شاهدًا. وأما قولُ مَن قال: معناه: مِن قبل أن نَطْمِسَ وجوهَهم التي هم فيها، فنَرُدُّهم إلى الشامِ مِن مساكنِهم بالحجازِ ونَجْدٍ، فإنه وإن كان قولًا له وَجْهٌ، فممَّا (٣) يدلُّ عليه ظاهرُ التنزيلِ بعيدٌ، وذلك أن المعروفَ مِن الوجوهِ في كلامِ العربِ [إذا هي ذُكرت مطلقةً غيرَ موصولةٍ بما (٤) يَدُلُّ على أنها عُنى بها غيرُ الوجوهِ التي هي خلافُ الأقفاءِ، أنه مرادٌ بها] (٥) التي هي خلافُ الأقفاءِ، وكتابُ الله جلَّ ثناؤُه يُوَجَّهُ (٦) تأويلُه إلى

стр. 4682

الأغلب في كلامِ مَن نَزَل بلسانه، حتى [يأتىَ ما] (١) يَدُلُّ على أنه مَعْنِيٌّ به غيرُ ذلك مِن الوجوهِ التي (٢) يجِبُ التسليمُ له. وأما الطَّمْسُ: فهو العُفُوُّ والدُّثورُ في استواءٍ، ومنه يقالُ: طُمِسَتْ أَعلامُ الطريقِ تَطْمِسُ طُمُوسًا. إذا دَثَرَتْ وعفَت (٣)، فانْدقَّت (٤) واستَوتْ بالأرضِ، كما قال كعبُ بنُ زُهَيرٍ (٥): مِن كُلِّ نَضَّاخَةِ (٦) الذِّفْرَى إِذا عَرَقَت … عُرْضَتُها طَامِسُ الأعلامِ مَجْهولُ يعني بطامِس (٧) الأعلامِ: دائِرَ الأعلامِ مُنْدَقَّها (٨)، ومِن ذلك قيل للأعمى الذي قد تَعَفَّى غَرُّ (٩) ما بينَ جَفْنَى عَيْنَيه فدُثِر: أعمى مَطْموسٌ وطَمِيسٌ. كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦]. قال أبو جعفرٍ: [الغَرُّ: الشَّقُّ] (١٠) الذي بينَ الجَفْنَيْنِ (١١). فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ كما وَصَفتَ مِن تأويلِ الآية، فهل كان ما تَوَعَّدهم به؟

стр. 4683

قيل: لا (١)، لم يكن؛ لأنه آمَن منهم جماعةٌ؛ منهم عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ، وثَعْلَبَةُ بنُ سَعْيَةَ (٢)، وأُسَيْدُ (٣) بنُ سَعْيَةَ (٢)، وأَسَدُ بنُ عُبَيدٍ، ومُخَيْرِيقٌ (٤)، وجماعةٌ غيرُهم، فدفَع عنهم بإيمانِهم. ومما يُبَيِّنُ عن أن هذه الآيةَ نزَلَت في اليهودِ الذين ذَكَرنا صفتَهم، ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، وحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ جميعًا، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، أو (٥) عِكْرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: كَلَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ رؤساءَ مِن أحبارِ يهودَ؛ منهم عبدُ اللهِ بن صُوريَا، وكعبُ بنُ أسدٍ (٦)، فقال لهم: "يا معشرَ يهودَ، اتَّقُوا الله وأسْلِموا، فواللهِ إنكم لتَعْلَمون أن الذي جِئْتُكم به لحَقٌّ". فقالوا: ما نَعْرِفُ ذلك يا محمدُ. وجَحَدُوا ما عَرَفوا، وأصَرُّوا على الكفرِ، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾. إلى آخرِ الآيةِ (٧). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن عيسى بن المُغِيرةِ، قال:

стр. 4684

تَذاكَرْنا عندَ إبراهيمَ إسلامَ كعبٍ، فقال: أسلَم كعبٌ في زمنِ عمَر، أقبَل وهو يريدُ بيتَ المَقْدسِ، فمَرَّ على المدينة، فخَرَج إليه عمرُ، فقال: يا كعبُ؛ أسِلمْ. قال: ألَسْتُم تَقْرَءون في كتابِكم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. وأنا قد حَمَلتُ التوراة. قال: فتَرَكه، ثم خَرَج حتَّى انتَهى إلى حِمْصَ. قال: فسَمِع رجلًا مِن أهلِها حزينا، وهو يقولُ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. الآية. فقال كعبٌ: يا ربِّ آمَنْتُ، يا ربِّ أَسْلَمْتُ. مخافةَ أن تُصِيبَه هذه (١) الآيةُ، ثم رجع فأتَى أهلَه باليمن، ثم جاء بهم مسلمين (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾: أو نَلْعَنَكم، فنُخْزِيَكم، ونجعلكم قردةً، [﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ يقول: كما أَخْزَيْنا الذين اعتدَوا في السبتِ مِن أسلافِكم. قيل ذلك] (٣) على وَجْهِ الخطابِ في قولِه: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. كما قال : ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس:٢٢]. وقد يحتملُ أن يكونَ معناه: مِن قَبْل أن نَطْمِسَ وجوهًا، فنَرُدُّها على أدبارِها، أو نَلْعَنَ أصحابَ الوجوه، فجعل الهاءَ والميمَ في قولِه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾. مِن ذكرِ

стр. 4685

أصحابِ الوجوهِ، إذ كان في الكلامِ دَلالةٌ على ذلك. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قولِه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾. أي: نُحوِّلَهم قِرَدةً (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾. يقولُ: أو نجعَلَهم قِرَدةً (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾: أو نَجَعَلَهم قِرَدةً (٣). حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾: [قال: هم يهودُ جميعًا، نَلْعَنُ هؤلاء، كما لَعَنَّا الذين لَعَنَّا منهم مِن أصحابِ السبتِ] (٤). وأما قولُه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. فإنه يعنى: وكان جميعُ ما أمَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أن يكونَ كائنًا مخلوقًا موجودًا، لا يمتنعُ عليه خلقُ شيءٍ شَاء خَلْقَه.

стр. 4686

والأمرُ في هذا الموضعِ المأمورُ، سُمِّى أمرَ اللهِ جلَّ ثناؤُه؛ لأنه عن أمرِه كان وبأمرِه. والمعنى: وكان ما أمَر اللهُ به مفعولًا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١): فإن الله لا يغفرُ الشِّرْكَ به والكفرَ، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾: الشركِ، ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾: مِن أهلِ الذنوب والآثامِ. فإذا كان ذلك معنى الكلامِ، فإن (٢) قولَه: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾. في موضعِ نصبٍ بوقوعِ ﴿يَغْفِرُ﴾ (٣) عليها، وإن شئتَ قلتَ (٤) بفَقْدِ الخافضِ الذي كان يَخْفِضُها لو كان ظاهرًا. وذلك أن يُوجَّه معناه إلى: إن الله لا يَغْفِرُ أَن (٥) يُشْرَكَ به، على تأويلِ الجَزاءٍ، كأنه قيل: إن الله [لا يغفرُ] (٦) ذَنْبًا مع شِرْكٍ أو عن شِرْكٍ به. وعلى هذا التأويلِ، يَتَوجَّه أن [تكونَ "أن" في موضعِ خَفْضٍ] (٧) في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ (٨).

стр. 4687

وذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في سببِ (١) أقوامٍ ارْتابوا في أمرِ المشركين حينَ (٢) نَزَلَت: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. ذكرُ الخبر بذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ثنى مُجَبَّرٌ (٣)، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنه قال: لمَّا نزَلت: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. الآية. قام رجلٌ، فقال: والشِّرْكُ يا نبيَّ اللهِ. فكَرِه ذلك النبيُّ ﷺ ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٤). حُدِّثت عن عَمَّارٍ [بن الحسنِ] (٥)، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال: أخبرَنى مُجَبَّرٌ (٣)، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنه قال: لما نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. قام رجلٌ فقال: والشِّرْكُ يا نبيَّ اللهِ. فكره ذلك النبيُّ ﵇، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا الهيثمُ بنُ حَمَّادٍ (٦)،

стр. 4688

قال: ثنا بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَنيُّ، عن ابن عمرَ، قال: كُنَّا معشرَ أصحابِ النبيِّ ﷺ ، لا نَشُكُّ في قاتلِ المؤمنِ (١)، وآكِلِ مالِ اليتيم، وشاهدِ الزورِ، وقاطعِ الرَّحِمِ، حتى نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فأمسَكْنا عن الشهادِة (٢). وقد أبانَت هذه الآيةُ أن كلَّ صاحبِ كبيرةٍ ففى مَشِيئةِ اللهِ، إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقَبه عليه ما لم تكُنْ كبيرتُه (٣) شِرْكًا باللهِ ﵎. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يُشْرِكْ باللهِ في عبادتِه غيرَه مِن خَلْقِه، ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، يقولُ: فقد اختَلَق إثمًا عظيما، وإنما جعَله عز ذكرُه مُفْتَرِيًا؛ لأنه قال زُورًا وإفكًا بجُحودِه وحدانيةَ اللهِ، وإقرارِه بأن للهِ شَريكًا مِن خلقِه أو (٤) صاحبةً أو ولدًا. فقائلُ ذلك مُفْتَرٍ، وكذلك كلُّ كاذبٍ فهو مُفْتَرٍ في كذبِه مُخْتَلِقٌ له.

стр. 4689

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ألم تَرَ يا محمدُ بقلْبِك الذين يُزَكُّون أنفسَهم مِن اليهودِ فيُبَرِّئُونها مِن الذنوبِ، ويُطَهِّرونها. واختَلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي كانت اليهودُ تُزَكِّي به أنفسَها؛ فقال بعضُهم: كانت تَزْكِيتُهم أنفسَهم قولَهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: وهم أعداءُ اللَّهِ اليهودُ، زَكَّوا أنفسَهم بأمرٍ لم يَبْلُغوه، فقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. وقالوا: لا ذنوبَ لنا (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الحسنَ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٢) [البقرة: ١١١]. وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن عُبَيدِ بن سُليمانَ، عن الضحاكِ، قال: قالت اليهودُ: ليست لنا ذنوبٌ إلا كذُنوبِ أولادِنا يومَ

стр. 4690

يُولَدون، فإن كانت لهم ذنوبٌ، فإن لنا ذنوبًا، فإنما نحن مِثْلُهم. قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: قال أهلُ الكتابِ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. وقالوا: نحن على الذي يُحِبُّ الله. فقال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. حينَ زعَموا أنهم يَدْخُلون الجنةَ، وأنهم أبناءُ اللَّهِ وأحباؤه وأهل طاعتِه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: نَزَلَت في اليهودِ، [قالت (٣) اليهودُ] (٤): إنا نُعَلِّمُ أبناءَنا التوراةَ صِغارًا، فلا تكونُ لهم ذنوبٌ، وذنوبُنا مثلُ ذنوبِ أبنائِنا، ما عَمِلنا بالنهارِ كُفِّر عنا بالليلِ (٥). وقال آخرون: بل كانت تَزْكيتُهم أنفسَهم، تَقْديمَهم أطفالَهم لإمامتِهم في صلاتِهم، زعمًا منهم أنهم لا ذنوبَ لهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: يهودُ كانوا يُقَدِّمون صِبْيانَهم في

стр. 4691

الصلاةِ فَيَؤمُّونهم، يَزْعُمون أنهم لا ذنوبَ لهم، فتلك التَّزْكيةُ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يُقَدِّمون الصِّبْيانَ أمامَهم في الدعاءِ والصلاةِ، يَؤمُّونهم، ويزعُمون أنهم لا ذنوبَ لهم، فتلك تَزْكيةٌ. قال ابن جُرَيجٍ: هم اليهودُ والنصارى. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: نَزَلَت في اليهودِ كانوا يُقَدِّمون صِبْيانَهم، يقولون: ليست لهم ذنوبٌ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن [أبي مَكِينٍ] (٣)، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: كان أهلُ الكتابِ يُقَدِّمون الغِلمانَ الذين لم يَبْلُغوا الحِنْثَ (٤) يُصَلُّون بهم، يقولون: ليس لهم ذنوبٌ. فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية (٥).

стр. 4692

وقال آخرون: بل تزكيتُهم أنفسَهم كانت قولَهم: إن أبناءَنا يَسْتَشْفِعون (١) لنا ويُزَكُّوننا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: وذلك أن اليهودَ قالوا: إن أبناءَنا (٢) تُوفُّوا وهم لنا قُرْبةٌ عند الله، ويَسْتَشْفِعون لنا (١) ويُزَكُّوننا. فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه لمحمدٍ ﵇: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٣). وقال آخرون: بل ذلك كان منهم تزكيةً مِن بعضِهم لبعضٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المَسْعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، [عن جدِّه] (٤)، عن الأعمشِ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: إن الرجلَ ليَغْدو بدينِه، [ثم يَرْجِعُ] (٥) وما معه منه شيءٌ، يَلْقَى الرجلَ ليس يَملِكُ له نفعًا ولا ضرًّا، فيقولُ: واللهِ إنك [لذيْتَ وذَيْتَ] (٦). فلعلَّه (٧) أن

стр. 4693

يَرجِعَ، ولم يَحْلَ (١) مِن حاجتهِ بشيءٍ، وقد أسْخَط الله عليه، ثم قرَأ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. الآية (٢). قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى تَزْكية القومِ الذين وَصَفهم اللهُ بأنهم يُزَكُّون أنفسَهم: وَصْفُهم إياها بأنها لا ذنوبَ لها ولا خَطايا، وأنهم لله جلَّ ثناؤُه أبناءٌ وأحباءُ، كما أخبرَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم كانوا يقولونه؛ لأن ذلك هو أظهرُ مَعانيه، لإخبارِ اللهِ عنهم أنهم (٣) إنما كانوا يُزَكُّون أنفسَهم دونَ غيرِها. وأما الذين قالوا: معنى ذلك، تَقْديمُهم أطفالهَم للصلاةِ، فتأويلٌ لا تُدْرَكُ صحتُه إلا بخبرٍ حُجَّةٍ يُوجِبُ العلم. وأما قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. فإنه تكذيبٌ مِن الله المُزَكِّين أنفسَهم مِن اليهودِ والنصارى، المُبَرِّئيها مِن الذنوبِ. يقولُ اللهُ لهم: ما الأمرُ كما زعَمتم؛ أنه لا ذنوب لكم ولا خَطايا، وأنكم بُرَآءُ مما يَكْرَهُه اللهُ، ولكنكم أهلُ فِرْيةٍ وكذبٍ على اللهِ، وليس المُزكَّى مَن زَكَّى نفسَه، ولكنه الذي يُزَكِّيه الله، واللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ مِن خلقِه، [فيطهِّرُه ويبرِّئُه] (٤) مِن الذنوبِ؛ بتَوفيقه لاجْتِنابِ ما يَكْرَهُه مِن مَعاصيه إلى ما يَرْضاه مِن طاعِته.

стр. 4694

وإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لقوله جلّ ثناؤُه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. فأخبَر (١) أنهم يَفْتَرون على اللهِ الكذبَ بدَعْواهم أنهم أبناءُ اللهِ وأحباؤُه، وأن اللهُ جلَّ ثناؤُه قد طَهَّرهم مِن الذنوبِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولا يَظْلِمُ اللَّهُ هؤلاء الذين أخبرَ عنهم أنهم يُزَكُّون أنفسَهم ولا غيرَهم مِن خلقه، فيُبْخَسَهم - في تَرْكه تَزْكيتَهم وتَزْكيةَ مَن تَرَكَ تَزْكيتَه، وفى تَزْكِيةِ مَن زَكَّى مِن خلقه - شيئًا مِن حقوقِهم، ولا يَضَعُ شيئًا في غيرِ موضعهِ، ولكنه يُزَكِّي مَن يَشَاءُ مِن خَلقِه، فيُوَفِّقُه، ويَخذُلُ مَن يشاءُ مِن أهل مَعاصِيه، كلُّ ذلك إليه وبيدِه، وهو في كلِّ ذلك غيرُ ظالمٍ أحدًا، ممن زَكَّاه أو لم يُزَكِّه، فَتِيلًا. واختَلف أهلُ التأويلِ في معنى الفَتِيلِ؛ فقال بعضُهم: هو ما خَرَجَ مِن بين الإصْبَعَين والكَفَّين مِن الوَسَخِ، إذا فَتَلْتَ إحداهما بالأخرى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، [قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ] (٢)، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن قابوسَ [بن أبي ظَبْيانَ] (٣)، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الفَتِيلُ: ما خَرَج مِن بين إصْبَعَيكَ (٤).

стр. 4695

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكّام، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدَانيِّ، عن التِّميميِّ (١)، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: ما فَتَلْتَ بينَ إصْبَعَيك. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن يزيدَ (٢) بن دِرْهمٍ أبى العلاءِ، قال: سَمِعتُ أبا العالية، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: الفَتِيلُ: هو الذي يخرُجُ مِن بين إِصْبَعَى الرجلِ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال (٣): الفَتِيلُ: هو أن تَدْلُكَ (٤) إصْبَعَيكَ، فما خرَج منهما (٥) فهو ذلك. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: الفَتِيلُ: الوَسَخُ الذي يَخْرُجُ مِن بين الكَفِّين (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: الفَتِيلُ ما فَتَلْتَ به يَدَيك، فَخَرَجَ وَسَخٌ (٧).
следующие страницы →