← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

والمُتابَعةُ صومُ الشهرين ممَّا (١) لا يَقْطَعُه بإفطارِ بعضِ أيامِه لغيرِ علةٍ حائلةٍ بينَه وبينَ صومِه. ثم قال جل ثناؤُه: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾. يعنى: رجعةً (٢) مِن اللهِ لكم إلى التيسيرِ عليكم (٣)، بتخفيفِه عنكم ما خفّف عنكم مِن فرضِ تحريرِ الرقبةِ المؤمنةِ إذا أعْسَرْتُم بها، بإيجابِه عليكم صومَ شهرين مُتتابعين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. يقولُ: ولم يَزَلِ اللهُ عليمًا بما يُصْلِحُ عبادَه فيما يُكَلِّفُهم مِن فرائضِه، وغير ذلك، حكيمًا بما يَقْضِى فيهم ويُرِيدُ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يَقْتُلْ مؤمنًا عامدًا قتلَه، مُريدًا إتلافَ نفسِه ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: فثوابُه مِن قتلِه إياه ﴿جَهَنَّمُ﴾، يعنى: عذابَ جهنمَ ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، يعني: باقيًا فيها، والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾ مِن ذكرِ جهنمَ، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: وغضِب اللهُ عليه بقتلِه إياه متعمِّدًا، ﴿وَلَعَنَهُ﴾. يقولُ: وأَبْعَدَه مِن رحمتِه وأخْزاه، ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. وذلك ما لا يَعْلَمُ قدْرَ مبلغِه سواه. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ القتلِ الذي يَسْتَحِقُّ صاحبُه أن يُسَمَّى متعمِّدًا، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أنه إذا ضرَب رجلٌ رجلًا بحدِّ حَدِيدٍ يَجْرَحُ بحدِّه، أو

стр. 4902

يَبْضَعُ (١) ويَقْطَعُ، فلم يُقلِعْ عنه ضربًا به، حتى أتْلَف نفسَه، وهو في حالِ ضربِه إياه به قاصدٌ ضربَه، أنه عامدٌ قتلَه. ثم اخْتَلَفوا فيما عدا ذلك؛ فقال بعضُهم: لا عمدَ إلا ما كان كذلك على الصفةِ التي وصَفْنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءٌ: العَمدُ: السلاحُ، أو قال: الحديدُ. قال: وقال سعيدُ بنُ المسيّبِ: هو السلاحُ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيْمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: العمدُ ما كان بحَديدةٍ، وما كان بدونِ حَديدةٍ فهو شِبْهُ العمدِ، لا قَوَدَ فيه (٣). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: العمدُ ما كان بحَديدةٍ، وشِبْهُ العمدِ ما كان بخَشَبةٍ، وشِبْهُ العمدِ لا يَكونُ إلا في النفسِ (٣). حدَّثني أحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن طاوسٍ،

стр. 4903

قال: مَن قُتِل في عصبيَّةٍ (١) في رِمِّيَّا (٢) يَكونُ بينهم (٣) بحجارةٍ، أو جلدٍ بالسِّياطِ، أو ضرْبٍ بالعصِيِّ فهو خطأٌ، ديتُه ديةُ الخطأِ، ومَن قُتِل عمدًا فهو قَودُ يدِه (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن (٥) مُغيرةَ، عن الحارثِ وأصحابِه في الرجلِ يَضْرِبُ الرجلَ فيَكونُ مريضًا حتى يَموتَ، قال: أَسْأَلُ الشُّهود أنه ضرَبه، فلم يَزَلْ مَرِيضًا مِن ضربتِه حتى مات، فإن كان بسلاحٍ فهو قَوَدٌ، وإن كان بغيرِ ذلك فهو شِبْهُ العمدِ. وقال آخَرون: كلُّ ما عَمَد به (٦) الضاربُ إتلافَ نفسِ المضروبِ فهو عمدٌ، إذا كان الذي ضرَب به (٦) الأَغْلَبُ منه أنه يَقْتُلُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، عن حِبَّانَ بن أبي جَبَلةَ، عن عُبَيدِ بن عُميرٍ، أنه قال: وأيُّ عمدٍ هو أعْمدُ مِن أن يَضْرِبَ رجلًا بعضًا، ثم لا يُقْلِعَ عنه حتى يَموتَ (٧)؟

стр. 4904

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا خنَقَه بحبلٍ حتى يَموتَ، أو ضرَبه بخشبةٍ حتى يموتَ فهو القَوَدُ. وعلةُ مَن قال: كلُّ ما عدا الحديدَ خطأٌ ما حدَّثنا به ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي عازبٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ : كلُّ شيءٍ خطأٌ إلا السيفَ، ولكلِّ خطأٍ أَرْشٌ (١) " (٢). وعلةُ مَن قال: حكمُ كلِّ ما قُتِل المضروبُ به مِن شيءٍ حكمُ السيفِ في أن مَن قُتِل به فهو (٣) قَتيلُ عمدٍ، ما حدَّثنا به ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن يهوديًّا قتَل جاريةً على أوْضاحٍ (٤) لها بينَ حَجَرَيْن، فأُتِي به النبيُّ ﷺ ، فقتَله بينَ حجرين (٥). قالوا: فأقاد النبيُّ ﷺ مِن قاتلٍ بحجرٍ، وذلك غيرُ حَديدٍ. قالوا: وكذلك حكمُ كلِّ من قتَل رجلًا بشيءٍ الأغْلَبُ منه أنه يَقْتُلُ مثلَ المقتولِ به، نظيرُ حكمِ اليهوديِّ القاتلِ الجاريةَ بينَ حجرين (٦). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: كلُّ مَن

стр. 4905

ضرَب إنسانًا بشيءٍ، الأغلبُ منه أنه يُتْلِفُه، فلم يُقْلِعْ عنه حتى أتْلَفه (١) نفسَه به، أنه قاتلُ عمدٍ ما كان المضروبُ به مِن شيءٍ؛ لِلذى ذكَرْنا مِن الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ . وأما قولُه: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: معناه: فجزاؤُه جهنمُ إن جازاه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي مِجْلَزٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: هو جزاؤُه، وإن شاء تجاوز عنه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سيَّارٍ (٣)، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: جزاؤُه (٤) إن جازاه (٥). وقال آخَرون: عُنِى بذلك رجلٌ بعينِه، كان أسْلَم فارْتَدَّ عن إسلامِه وقتَل رجلًا مؤمنًا. قالوا: فمعنى الآيةِ: ومَن يَقْتُلْ مؤمنًا متعمِّدًا مُسْتَحِلًّا قتله، فجزاؤُه جهنمُ

стр. 4906

خالدًا فيها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ، أن رجلًا مِن الأنصارِ قتَل أخا مِقْيَسِ بن ضُبابةَ (١)، فأعطاه النبيُّ ﷺ الديةَ فقبِلها، ثم وثَب على قاتلِ أخيه فقتَله. قال ابن جُريجٍ: وقال غيرُه: ضرَب النبيُّ ﷺ ديتَه على بنى النَّجَّارِ، ثم بعَث مِقْيَسًا، وبعث معه رجلًا مِن بنى فِهْرٍ في حاجةٍ للنبيِّ ﷺ ، فاحْتَمَل مِقْيَسٌ الفِهْريَّ وكان أيِّدًا (٢)، فضرَب به الأرضَ، ورضَخ رأسَه بينَ حجرين، ثم أَلْقَى يَتَغَنَّى (٣): قتَلْتُ (٤) به فِهْرًا وحمَّلْتُ عقلَهُ … سَراةَ بنى النجارِ أربابِ فارِعِ (٥) فقال النبيُّ ﷺ : "أظُنُّه قد أحْدَث حَدَثًا، أمَا واللهِ لئن كان فعَل لا أُومِنُه في حِلٍّ ولا حَرَمٍ، ولا سِلْمٍ ولا حربٍ". فقُتِل يومَ الفتحِ. قال ابن جُرَيْجٍ: وفيه نزَلَت هذا الآيةُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية (٦). وقال آخَرون: معنى ذلك: إلا مَن تاب.

стр. 4907

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو حدَّثني الحكمُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: إن الرجلَ إذا عرَف الإسلامَ وشَرائعَ الإسلامِ، ثم قتَل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤُه جهنمُ، ولا توبةَ له. فذكَرْتُ ذلك لمجاهدٍ، فقال: إلا مَن ندِم (١). وقال آخَرون: ذلك إيجابٌ مِن اللهِ الوعيدَ لقاتلِ المؤمنِ متعمِّدًا، كائنًا مَن كان القاتلُ على ما وصَفَه في كتابِه، ولم يَجْعَلْ له توبةً مِن فعلِه. قالوا: فكلُّ قاتلٍ مؤمنًا متعمدًا فله ما أوْعَده اللهُ مِن العذابِ، والخلودِ في النارِ، ولا تَوبةَ له. وقالوا: نزَلَت هذه الآيةُ بعد التي في سورةِ الفرقانِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جَريرٌ، عن يحيى الجابرِ (٢)، عن سالِم بن أبي الجَعْد، قال: كنا عندَ ابن عباسٍ بعدَ ما كُفَّ بصرُه، فأتاه رجلٌ فناداه: يا عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ، ما تَرَى في رجلٍ قتَل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. قال: أفرأَيْتَ إن تاب وآمَن وعمِل صالحًا، ثم اهَتَدَى؟ قال ابن عباسٍ: ثَكلَتْه أمه، وأَنَّى له التوبةُ والهُدَى؟ فوالذي نفسي بيده، لقد سمِعْتُ نبيَّكم ﷺ يقولُ: "ثكِلَتْه

стр. 4908

أمُّه، [قاتلُ مؤمنٍ] (١) متعمدًا، جاء يومَ القيامةِ آخِذَه (٢) بيمينه أو بشمالِه، تَشْخَبُ أوْداجُه (٣) دمًا في قُبُلِ عرشِ الرحمنِ، يَلْزَمُ قاتلَه بيدِه الأخرى، يقولُ: سَلْ هذا فيمَ قتَلَنى؟ " والذي نفسُ عبدِ اللهِ بيدِه، لقد أُنْزِلَت هذه الآيةُ فما نسَخَتها مِن آيةٍ حتى قُبِض نبيُّكم ﷺ ، وما نزَل بعدَها مِن بُرْهانٍ (٤). [حدَّثنا عثمانُ بنُ يحيى، عن عثمانَ القَرْقَسانيِّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عمارٍ، عن سالمٍ، قال: سُئل ابن عباسٍ عن رجلٍ قتَل مؤمنًا متعمِّدًا، تاب وآمن وعمِل صالحًا. قال: فأَنَّى له الهدَى؟! سمِعتُ نبيَّكم ﷺ يقولُ: "يَجِيءُ المقتولُ يومَ القيامةِ متعلِّقًا بالقاتلِ، يقولُ: أيْ ربِّ، سَلْ هذا فيمَ قتَلني؟ " ويحَه! أنَّى له الهدَى؟ لقد أنزلها اللهُ على نبيِّكم ﵇، ثم ما نسَخَها بعدَ إِذْ أنزلها] (٥) (٦). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عمرِو بن قيسٍ، عن يحيى بن

стр. 4909

الحارثِ التَّيْميِّ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ، عن ابن عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ : " ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ". فقيل له: وإن تابَ وآمَن وعمِل صالحًا؟ فقال: "وأَنَّى له التوبةُ" (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا موسى بنُ داودَ، قال: ثنا همامُ بنُ (٢) يحيى، عن رجلٍ، عن سالمٍ، قال: كنتُ جالسًا مع ابن عباسٍ، فسأَله رجلٌ، فقال: أرأَيْتَ رجلًا قتَل مؤمنًا مُتَعمدًا أين منزلُه؟ قال: ﴿جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. قال: أفرأَيْتَ إن هو تاب وآمَن وعمل صالحًا ثم اهْتَدَى؟. قال: وأنَّى له الهدَى ثَكلَتْه أمُّه؟ والذي نفسي بيدِه لسمِعْتُه يقولُ - يعنى النبيَّ ﵇: "يَجِيءُ يومَ القيامةِ مُعَلِّقًا رأسَه بإحدى يديه، إما بيمينِه أو بشمالِه، آخِذًا صاحبَه بيدِه الأخرى تَشْخَبُ أَوْداجُه حِيالَ عرشِ الرحمنِ، يقولُ: ياربَّ، سَلْ عبدَك هذا عَلامَ قتَلَنى؟ " فما جاء نبيٌّ بعدَ نبيِّكم، ولا نزَل كتابٌ بعدَ كتابِكم (٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا قَبِيصةُ، قال: ثنا [عمارُ بنُ رُزَيْقٍ] (٤)، عن عمارٍ الدُّهْنيِّ، عن سالمِ بن أبي الجعدِ، عن ابن عباسٍ نحوَه، إلا أنه قال في حديثِه: فواللهِ لقد أُنْزِلَت على نبيِّكم ﷺ ، ثم ما نسخها شيْءٌ، ولقد سمِعْتُه يقولُ (٥): "ويلٌ لقاتلِ

стр. 4910

المؤمنِ، يَجِيءُ يومَ القيامةِ آخِذًا رأسه بيدِه" ثم ذكَر الحديثَ نحوَه (١). حدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ (٢)، عن أبي بشرٌ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ أَبْزَى: سُئِل ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. فقال: لم يَنْسَخْها شيْءٌ. وقال في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]. قال: نزَلَت في أهلِ الشركِ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أمَرَنى عبدُ الرحمنِ مِنْ أَبْزَى أَن أَسْأَلَ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين، فذكَر مثلَه (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو حُدِّثْتُ عن سعيدِ بن جبيرٍ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ أَبْزَى أُمَره أن يَسْأَلَ ابنَ عباسٍ عن هاتينِ الآيتين؛ التي في النساءِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. والتي في الفرقانِ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ إلى: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. قال ابن عباسٍ: إذا دخَل الرجلُ في الإسلامِ وعلِم شرائعَه وأمْرَه، ثم قتَل مؤمنًا متعمدًا، فلا توبةَ له، وأما

стр. 4911

التي في الفرقانِ، فإنها لمَّا أُنْزِلَت قال المشركون مِن أهلِ مكةَ: فقد عدَلْنا (١) باللهِ وقتَلْنا النفسَ التي حرَّم اللهُ بغيرِ الحقِّ (٢)، فما يَنْفَعُنا الإسلام؟ قال: فنَزَلَت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: ما نسَخَها شيْءٌ (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هي مِن آخرِ ما نزَلَت، ما نسَخَها شيءٌ (٥). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: اخْتَلَف أهلُ الكوفةِ في قتلِ المؤمنِ، فدخَلْتُ إلى ابن عباسٍ فسأَلْتُه، فقال: لقد نزَلت في آخرِ ما نزَل مِن القرآن (٦)، وما نسَخها شيءٌ.

стр. 4912

حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إياسٍ معاويةُ بنُ قُرَّةَ، قال: أَخْبَرَنى شهرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: نزلَت هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، بعدَ قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ بسنَةٍ (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، قال: ثنا شعبة، عن معاويةَ بن قُرَّةَ عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: نَزَلت بعدَ ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ بسنةٍ. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إياسٍ، قال: حدَّثني مَن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ في قاتلِ المؤمنِ: نزَلَت بعدَ ذلك بسنةٍ. فقلتُ لأبى إياسٍ: مَن أَخْبَرَك؟ فقال: شهرُ بنُ حَوْشبٍ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. قال: ليس لقاتلٍ توبةٌ إلا أن يَسْتَغْفِرَ الله (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية. قال عطيةُ: وسُئِل عنها ابن عباسٍ، فزعَم أنها نزَلَت بعدَ الآيةِ التي في سورةِ الفرقانِ بثمانِ سنين، وهو قولُه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قولِه: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣) [الفرقان: ٧٠].

стр. 4913

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي السَّفَرِ، عن ناجيةَ، عن ابن عباسٍ، قال: هما المُبْهَمَتان (١): الشركُ، والقتلُ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللهِ، وقتلُ النفسِ التي حرَّم اللهُ؛ لأن الله سبحانَه يقولُ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، عن بعضِ أشياخِه الكوفيين، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: إنها لمُحَكْمَةٌ، وما تَزْدادُ إلا شدةَ (٤). حدَّثنا [ابن البَرْقيِّ] (٥)، قال: ثنا ابن أبي مَريمَ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنى أبو صَخْرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: يأتى المقتولُ يومَ القيامةِ آخِذًا رأسَه بيمينه، وأوْداجُه تَشْخَبُ دمًا، يقولُ: يا ربِّ،

стр. 4914

دمى عندَ فُلانٍ. فيُؤْخَذان فيُسْنَدان إلى العرشِ، فما أَدْرِى مَا يُقْضَى بينهما، ثم نزَع بهذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية. قال ابن عباسٍ: والذي نفسي بيدِه، ما نَسَخَها اللهُ جلَّ وعزَّ منذ أنْزَلَها على نبيِّكم ﵊. [حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بن سعيد، قال: ثنا هَيَّاجُ بنُ بِسْطامٍ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن موسى بن عقبةَ، عن أبي الزِّنادِ، عن خارجةَ بن زيدٍ، عن زيد بن ثابتٍ، قال: نزلت سورةُ النساء بعدَ سورةِ الفرقانِ بستةِ أشهرٍ] (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن ابن عُيَينةَ، عن أبي الزِّنادِ، قال: سمِعْتُ رجلًا يُحَدِّثُ خارجةَ بنَ زيدِ بن ثابتٍ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: سمِعْتُ أباك يقولُ: نزَلَت الشديدةُ بعدَ الهَيِّنةِ بستةِ أشهرٍ، قولُه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، بعد قولِه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٢).

стр. 4915

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنةَ، عن أبى الزِّنادِ، قال سمِعتُ رجلًا يُحَدِّثُ خارجةَ بنَ زيدٍ، قال: سمِعتُ أباك في هذا المكانِ بمنًى يقولُ: نزَلت الشديدةُ بعدَ الهَيِّنَةِ. يقولُ: أُراهُ بستةِ أشهرٍ، يعنى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. بعدَ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾. (١) [النساء: ٤٨، ١١٦]. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلَمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحَّاكِ بن مُزاحِمٍ، قال: ما نسَخها شيءٌ منذُ نزَلت، وليس له توبةٌ (٢). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: ومَن يَقْتُل مؤمنًا مُتَعَمِّدًا فجزاؤُه - إنْ جزاه - جهنَّمُ خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويَتَفَضَّلُ على أهلِ الإيمانِ به وبرسولِه، فلا يُجازيهم بالخلودِ فيها، ولكنه تعالى ذكرُه، إما أن يَعْفُوَ بفضلِه فلا يُدْخِلَه النارَ، وإِمَّا أَن يُدْخِلَه إيَّاها ثم يُخْرِجَه منها بفضلِ رحمتِه؛ لما سلَف مِن وعدِه عبادَه المؤمنين بقولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. فإن ظنَّ ظانٌّ أن القاتلَ إن وجَب أن يكونَ داخلًا في هذه الآيةِ، فقد يَجِبُ أن يكونَ المُشْرِكُ داخلًا فيه؛ لأن الشركَ من الذنوبِ، فإن الله قد أَخْبَر جلَّ ثناؤُه أنه غيرُ غافرٍ الشركَ لأحدٍ بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ

стр. 4916

لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]. والقتلُ دونَ الشركِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١): يا أيها الذين صدَّقوا الله وصدَّقوا رسولَه، فيما جاءهم به مِن عند ربِّهم ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقولُ: إذا سِرْتُم مسيرًا للهِ في جهادِ أعدائِه (٢) ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ يقولُ: فتَأَنَّوْا في قتلِ مَن أَشْكَل عليكم أمرُه، فلم (٣) تَعْلَموا حقيقةً إسلامِه ولا كفرِه، ولا تَعْجَلوا فتَقْتُلُوا مَن الْتَبس عليكم أمرُه، ولا تَتَقَدَّموا على قتلِ أحدٍ إلا على قتلِ مَن علِمْتُموه يقينًا حربًا لكم وللهِ ولرسولِه، (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم [السَّلَمَ (٤). يقولُ: ولا تقولوا] (٥) لمن اسْتَسلم لكم فلم يُقاتِلْكم، مظهِرًا لكم أنه مِن أهلِ ملَّتِكم ودعوتِكم ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ فتَقْتُلوه ابتغاءَ: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، يقولُ: طلبَ متاعِ الحياةِ الدنيا؛ فإن عندَ اللهِ مغانمَ كثيرةً مِن رزقِه، وفواضلِ نعمِه، فهو (٦) خيرٌ لكم إن أطَعْتُم الله فيما أمرَكم به، ونهاكم عنه،

стр. 4917

فأثابكم بها على طاعتِكم إياه، فالتمسوا ذلك مِن عندِه، ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: كما كان هذا الذي أَلْقَى إليكم السلمَ، فقلتم (١) له: لستَ مؤمنًا. فقَتَلْتُموه، ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ﴾ أنتم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، يعنى: مِن قبلِ إعزازِ اللهِ دينَه بتُبَّاعِه وأنصارِه، تَسْتَخْفُون بدينِكم كما اسْتَخْفى هذا الذي قتَلتموه وأخَذْتم مالَه، بدينِه من قومِه، أن يُظْهِرَه لهم حذَرًا على نفسِه منهم، وقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾. كنتم كفَّارًا مثلَهم ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، يقولُ: فتَفَضَّل اللهُ عليكم بإعزازِ دينِه بأنصارِه، وكثرةِ تباعِه، وقد قيل: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالتوبةِ من قتلكم هذا الذي قتَلتموه، وأخَذتم مالَه بعدَ ما ألْقَى إليكم السلمَ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، يقولُ: فلا تَعْجَلُوا بقتلِ مَن أَرَدْتُم قتلَه ممن (٢) التبس عليكم أمرُ إسلامِه، فلعلَّ الله أن يكونَ قد منَّ عليه من الإسلامِ مثلَ الذي منَّ به عليكم، وهداه (٣) [بمثل الذي هداكم به] (٤) مِن الإيمانِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. يقولُ: إن الله كان بقتِلكم مَن تَقْتُلُون، وكفِّكم عمَّن تَكُفُّون عن قتِله مِن أعداءِ اللهِ وأعدائِكم، وغيرِ ذلك مِن أمورِكم وأمورِ غيرِكم ﴿خَبِيرًا﴾، يعني: ذا خِبْرٍ (٥) وعلمٍ به، يَحْفَظُه عليكم وعليهم، حتى يُجازِىَ جميعَكم به يومَ القيامةِ جزاءَ (٦) المحسنِ بإحسانِه والمسيءِ بإساءتِه.

стр. 4918

وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في سببِ قتيلٍ قتَلته سَرِيَّةٌ لرسولِ اللهِ ﷺ بعدَ ما قال: إنى مسلمٌ. أو بعدَ ما شهِد شهادةَ الحقِّ، أو بعد ما سلَّم عليهم؛ لغنيمةٍ كانت معَه، أو غيرِ ذلك مِن مِلْكِه، فأخَذوه منه. ذكرُ الروايةِ والآثارِ بذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: بعَث رسولُ اللهِ ﷺ مُحَلِّمَ بنَ جثَّامةَ مبعثًا، فلقِيهم عامرُ بنُ الأَضْبَطِ، فحيَّاهم بتحيةِ الإسلامِ، وكانت بينهم حِنَةٌ (١) في الجاهليةِ، فرمَاه مُحَلِّمٌ بسهمٍ فقتَله، فجاء الخبرُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فتكلَّم فيه عُيَيْنَةُ والأقْرَعُ، فقال الأَقْرَعُ: يا رسولَ اللهِ، سُنَّ اليومَ وغيِّرْ غدًا، فقال عُيَيْنَةُ: لا واللهِ، حتى تَذُوقَ نساؤُه مِن الثُّكْلِ مثلَ (٢) ما ذاق نسائى، فجاء مُحَلِّمٌ في بُرْدَيْنِ (٣)، فجلَس بين يَدَى رسولِ اللهِ ﷺ ليَسْتَغْفِرَ له، فقال له النبيُّ ﷺ : "لا غفَر اللهُ لك! " فقام وهو يَتَلَقَّى دموعَه ببُرْدَيْهِ، فما مضَت به ساعةٌ (٤) حتى مات ودَفنوه، فلفَظته الأرضُ، فجاءوا إلى النبيِّ ﷺ ، فذكروا ذلك له، فقال: "إن الأرْضَ تَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِن صاحبِكم، وَلَكِنَّ الله أَرَادَ أن [يُعَظِّمَ من حُرْمَتِكم"] (٥) ثم طرَحوه بين صَدَفَىْ (٦) جبلٍ، وألْقَوْا عليه من الحجارةِ، ونزَلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ

стр. 4919

اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن (٢) عبدِ اللهِ بن قُسَيْطٍ، عن أبي القعقاعِ بن عبدِ اللهِ بن أبي حَدْرَدٍ الأَسْلَميِّ، عن أبيه عبد اللهِ بن أبي حَدْرَدٍ، قال: بعَثنا رسولُ اللهِ ﷺ إلى إِضَمٍ (٣) فَخَرَجت في نفرٍ مِن المسلمين فيهم أبو قتادةَ الحارثُ بنُ رِبْعِيٍّ، ومُحَلِّمُ بن جَثَّامَةَ بن قيسٍ الليثيُّ، فخرَجنا حتى إذا كنا ببطنِ إِضَمٍ، مرَّ بنا عامرُ بنُ الأضبطِ الأَشْجَعيُّ على قعودٍ (٤) له، معه مُتَيِّعٌ (٥) له ووَطْبٌ (٦) مِن لبنٍ، فلمَّا مرَّ بنا سلَّم علينا بتحيةِ الإسلامِ، فأمْسَكنا عنه، وحمَل عليه مُحَلِّمُ بنُ جَثَّامَةَ الليثيُّ لشيءٍ كان بينه وبينه، فقتَله وأخَذ بعيَره ومُتَيِّعَه؛ فلمَّا قدِمْنا على رسولِ اللهِ ﷺ فأخْبَرناه (٧) الخبرَ، نزَل فينا القرآن: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيلِ اللهِ فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلمَ لست مؤمنًا) الآية (٨). حدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصمُّ، قال: ثنا المُحاربيُّ عبدُ الرحمنِ بن محمدٍ،

стр. 4920

عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيْطٍ، عن ابن (١) أَبي حَدْرَدٍ الأَسْلَميِّ، عن أبيه بنحوِه (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرِو [بن دينارٍ] (٣)، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لحِق ناسٌ مِن المسلمين (٤) رجلًا في غُنَيْمَةٍ له، فقال: السلامُ عليكم فقتلوه، وأخذوا تلك الغُنيمةَ، فنزَلت هذه الآيةُ: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَض الحيَاةِ الدُّنْيا): تلك الغُنيمةَ (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه (٦). [حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، سمِع عطاءً، عن ابن عباسٍ، قال: لحِق المسلمون رجلًا، ثم ذكَر مثلَه] (٧) (٦). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بن سليمانَ (٨)، عن إسرائيلَ، عن

стр. 4921

سمَاكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: مرَّ رجلٌ من بنى سُلَيْمٍ على نفرٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ وهو في غنمٍ له، فسلَّم عليهم، فقالوا: ما سلَّم عليكم إلا ليتعوَّذَ منكم، فعَمدوا إليه فقتَلوه، وأخَذوا غنمَه، فأَتَوْا بها رسولَ اللهِ ﷺ ، فأَنزل اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخرِ الآية (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [عبدُ اللهِ] (٢)، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﵇ مثلَه (٣). حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الرجلُ يَتَكَلَّمُ بالإسلامِ ويُؤْمِنُ باللهِ والرسولِ، ويكونُ في قومِه، فإذا جاءت سَرِيَّةُ محمدٍ ﷺ أخْبَر بها حيَّه، يعنى قومَه، ففرُّوا (٤)، وأقام الرجلُ لا يَخَافُ المؤمنين مِن أجلِ أنه على (٥) دينِهم حتى يَلْقاهم، فيُلْقِى إليهم بالسلام، فيقولُ المؤمنون: لست مؤمنًا - وقد ألقى السلام - فيَقْتُلُونه، فقال اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى

стр. 4922

﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يعني: تَقْتُلونه إرادةَ أن يَحِلُّ لكم مالُه الذي وُجد (١) معَه، وذلك عرضُ الدنيا، فإن عندى مغانمَ كثيرةً، فالْتَمِسوا مِن فضلِ اللهِ، وهو رجلٌ اسمُه مِرْدَاسٌ جلا (٢) قومُه هاربين مِن خيلٍ بعَثها رسولُ اللهِ ﷺ عليها رجلٌ من بنى ليثٍ اسمُه قليبٌ، ولم يُجَامِعهم وإذا لَقِيهم مِرْدَاسٌ، فسلَّم عليهم قتَلوه، فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ لأهلِه بدِيَتِه، وردَّ عليهم (٣) مالَه، ونَهَى المؤمنين عن مثلِ ذلك (٤). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية، قال: هذا الحديثُ في شأنِ مِرْداسٍ رجلٍ مِن غَطَفانَ ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ ، بَعث جيشًا عليهم غالبٌ الليثيُّ إلى أهلِ فَدَكَ، وبه ناسٌ مِن غَطَفَانَ وكان مِرْدَاسٌ منهم، ففرَّ أصحابُه، فقال مرداسٌ: إني مؤمنٌ وإنى غيرُ مُتَّبِعِكم، فصبَّحَتْه الخيلُ غدوةً، فلمَّا لَقُوه سلَّم عليهم مِرْداسٌ، فدعاه (٥) أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ فقتلوه، وأخَذوا ما كان معه مِن متاعٍ، فأنْزل اللهُ تعالى في شأنِه (لَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)؛ لأن تحيةَ المسلمين السلامُ، بها يَتَعارفون، وبها يُحَيِّى بعضُهم بعضًا (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن

стр. 4923

السُّدِّيِّ: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبتُم فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَينُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلقَى إِليكم السَّلم لَسْتَ مؤمنًا تَبتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِن قَبلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيكُم فَتَبَيَّنُوا): بعَث رسولُ اللهِ ﵇ سَرِيَّةً عليها أسامةُ بنُ زيدٍ إلى بنى ضَمْرَةَ، فَلَقُوا رجلًا منهم يُدْعَى مِرْداسَ بنَ نَهِيكٍ معَه غُنَيْمَةٌ له وجملٌ أحمرُ، فلمَّا رآهم أوَى إلى كهفِ جبلٍ، واتَّبعه أسامةُ، فلمَّا بلَغ مرداسٌ الكهفَ وضَع فيه غنمَه، ثم أقبل إليهم فقال: السلامُ عليكم، أشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا رسولُ اللهِ، فشدَّ عليه أسامةُ فقتَله مِن أجلِ جملِه وغُنَيمتِه (١)، وكان النبيُّ ﷺ إذا بعَث أسامةَ أحبَّ أن يُثْنَى عليه خيرًا، ويَسْأَلُ عنه أصحابَه، فلمَّا رجَعوا لم يَسْأَلهم عنه، فجعَل القومُ يُحَدِّثون النبيَّ ﷺ ويقولون: يا رسولَ اللهِ، لو رأيت أسامةَ ولَقِيه رجلٌ، فقال الرجلُ: لا إله إلا الله محمدٌ رسولُ اللهِ، فشدَّ عليه فقتله؟ وهو معرضٌ عنهم، فلمَّا أكْثَروا عليه، رفَع رأسه إلى أسامةَ فقال: "كيف أنت ولا إلهَ إلا اللهُ؟ " فقال: يا رسولَ اللهِ، إنما قالها مُتَعَوِّذًا (٢)، تَعَوّذ بها. فقال له رسول اللهِ ﷺ : "هلا شقَقْتَ عن قلبِه فنظَرتَ إليه؟ " قال: يا رسولَ اللهِ، إنما قلبُه بَضْعَةٌ مِن جسدِه، فأَنْزَلَ اللهُ خبر هذا، وأخبره إنما قتَله مِن أجلِ جملِه وغنمِه، فذلك حين يقولُ: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فلمَّا بلغ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ تاب (٣) اللهُ عليكم، فحلَف أسامةُ أن لا يُقاتِلَ رجلًا يقولُ: لا إله إلا اللهُ. بعدَ ذلك الرجلِ، وما لقِى مِن رسولِ اللهِ ﷺ (٤).

стр. 4924

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا). قال: بلغني أن رجلًا من المسلمين أغار على رجلٍ من المشركين، فحمَل عليه، فقال له المشركُ: إنى مسلمٌ (١)، لا إلهَ إلا اللهُ. فقتَله المسلمُ بعد أن قالها، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فقال للذى قتَله: "أقتَلْتَه وقد قال: لا إله إلا اللهُ؟ ". فقال - وهو (٢) يَعْتَذِرُ -: يا نبيَّ اللهِ إنما قالها مُتَعَوِّذًا وليس كذلك. فقال النبيُّ ﷺ : "فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟ ". ثم مات قاتلُ الرجلِ فقُبِر، فلفَظته الأرضُ، فذُكِر ذلك للنبيِّ ﵇، فأمَرهم أن يَقْبُروه، ثم (٣) لفَظته الأرضُ، حتى فُعِل به ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ، فقال النبيُّ ﷺ : "إن الأرْضَ أبت أن تَقْبَلَه فَأَلْقُوه في غارِ مِن الغِيرانِ". قال مَعْمَرٌ: و (٤) قال بعضُهم: "إن الأرضَ تَقْبَلُ مَن هو شرٌّ منه، ولكن الله جعَله لكم عبرةً (٥) ". حدَّثنا محمدُ بن بشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ: أن قومًا مِن المسلمين لقُوا رجلًا مِن المشركين في غُنَيْمَةٍ فقال: السلامُ عليكم، إنى مؤمنٌ. فظنُّوا أنه يَتَعوَّذُ بذلك، فقتَلوه، وأخَذوا غُنَيْمَتَه، قال: فأنْزَل اللهُ جل ثناؤُه: (ولَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيا): تلك الغُنَيْمَةَ ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٥).

стр. 4925

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حبيبَ بن (١) أبي عَمْرَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾. قال: خرَج المقدادُ بنُ الأسودِ في سريَّةٍ بعَثه رسولُ اللهِ ﷺ ، قال: فمرُّوا برجلٍ في غُنَيْمَةٍ له، فقال: إنى مسلمٌ. فقتله المقدادُ (٢)، فنزَلت هذه الآيةُ: (ولَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحيَاةِ الدُّنْيَا). قال: الغُنَيْمَةَ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، نزَل ذلك في رجلٍ قتَله أبو الدرداءِ، فذكَر من قصَّةِ أبي الدرداءِ نحوَ القصةِ التي ذُكِرت عن أسامةَ بن زيدٍ، وقد ذكَرت ذلك (٤) في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. ثم قال في الخبرِ: ونزَل القرآنُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ [غنمَه التي كانت عرضَ الحياةِ الدنيا ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾. خيرٌ من تلك الغنمِ] (٥)، إلى قولهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٦). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا

стр. 4926

[تبتغون عرضَ الحياة الدنيا)] (١) قال: راعى غنمٍ، لقِيه نفرٌ من المؤمنين، فقتَلوه وأخَذوا ما معَه، ولم يَقْبَلوا منه: السلامُ عليكم، فإنى مؤمنٌ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ عن ابن عباسٍ قولَه: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا). قال: حرَّم اللهُ على المؤمنين أن يقولوا لمن شهِد أن لا إلهَ إلا اللهُ: لستَ مؤمنًا. كما حرَّم عليهم الميتةَ، فهو آمنٌ على مالِه ودمِه، فلا تَرُدُّوا عليه قولَه (٣). واخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ المكيِّين (٤) والمدنيِّين وبعضُ الكوفيِّين والبصريِّين: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. بالياءِ (٥) والنونِ مِن التبيُّنِ (٦)، بمعنى: التأنِّي والنظرِ والكشفِ عنه حتى يَضِحَ، وقرَأ ذلك عظمُ قَرَأَةِ الكوفيين: (فتَثَبَّتُوا) (٧) بمعنى التثبُّتِ الذي هو خلافُ العَجَلةِ. والقولُ عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قَرَأَةِ المسلمين بمعنًى واحدٍ وإن اخْتَلَفت بهما الألفاظُ؛ لأن المتثبِّتَ مُتَبَيِّنٌ، والمُتبيِّنَ متثبِّتٌ، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئ فمصيبٌ صوابَ القراءةِ في ذلك. واخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾؛ فقرَأ

стр. 4927

ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ المكيين والمدنيين والكوفيين: (السَّلَمَ) [بفتحِ السينِ واللامِ] (١) بغيرِ ألفٍ (٢)، بمعنى الاستسلامِ، وقرَأه بعضُ الكوفيين والبصريين (السلامَ) بالألفِ، بمعنى التحيَّةِ (٣). والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندنا (٤): (لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ). بمعنى: مَن اسْتَسلم لكم مُذْعِنًا للهِ بالتوحيدِ مُقِرًّا لكم بملَّتِكم. وإنما اخْتَرنا ذلك؛ لاختلافِ الرواية في ذلك؛ فمن راوٍ روَى أنه اسْتَسلم بأن شهِد شهادةَ الحقِّ وقال: إنى مسلمٌ. ومِن راوٍ روَى أنه قال: السلامُ عليكم. فحيَّاهم تحيةَ الإسلامِ، ومن راوٍ روى أنه كان [مسلمًا بإسلامٍ] (٥) قد تقدَّم منه قبلَ قتِلهم إيَّاه، وكلُّ هذه المعانى يَجْمَعُها السَّلَمُ؛ لأن المسلمَ مستسلِمٌ، والمحيِّىَ بتحيةِ الإسلامِ مستسلمٌ، والمتشهِّدَ (٦) شهادةَ الحقِّ مستسلمٌ لأهلِ الإسلامِ، فمعنى السَّلَمِ جامعٌ جميعَ المعانى التي رُوِيت في أمرِ المقتولِ الذي نزَلت في شأنِه هذه الآيةُ، وليس ذلك في السلامِ؛ لأن السلامَ لا وجهَ له في هذا الموضعِ إلا التحيةُ، فلذلك وصَفنا السَّلَمَ بالصوابِ. واخْتَلف أهلُ التأويل في تأويل قولِه: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألْقَى [السَّلَمَ إليكم] (٧)

стр. 4928

مُسْتَخْفِيًا في قومه بدينِه؛ خوفًا على نفسِه منهم (١)، كنتم أنتم مستخفِينَ بأديانِكم من قومِكم؛ حذَرًا على أنفسِكم منهم، فمنَّ اللهُ عليكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرَنا ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ في قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: كذلك كنتم من قبلُ تَسْتَخْفُون بإيمانكم كما اسْتَخفى هذا الراعي بإيمانِه (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حبيب بن أبي عَمْرَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾: تَكْتُمون إيمانَكم في المشركينَ (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: كما كان هذا الذي قتلتموه بعدَ ما ألْقَى إليكم السَّلَمَ كافرًا (٤) كنتم كفَّارًا، فهداه اللهُ (٥) كما هداكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:

стр. 4929

﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: كفَّارًا مثلَه ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. وأَوْلى هذين القولينِ بتأويلِ الآيةِ القولُ الأوّلُ، وهو قولُ مَن قال: كذلك كنتُم من قبلُ تُخْفُون إيمانكم في قومِكم مِن المشركينَ، وأنتم مقيمون بينَ أظهرِهم، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيمًا بينَ أظهرِ قومِه مِن المشركين، مستخفيًا بدينه منهم. وإنما قلنا: هذا التأويلُ أَوْلَى بالصواب؛ لأن الله إنما عاتب الذين قتَلوه مِن أهلِ الإيمان بعدَ إلقائِه إليهم السَّلَمَ، ولم يُقَدْ به قاتلوه لِلَّبْسِ الذي كان دخَل في أمرِه على قاتليه بمُقامِه بين أظهرِ قومِه مِن المشركين، وظنِّهم أنه ألقى السَّلَمَ إلى المؤمنين تعوُّذًا منهم، ولم يُعاتِبْهم على قتلِهم إيَّاه مشركًا، فيقالُ: كما كان كافرًا كنتُم كفَّارًا، بل لا وجه لذلك؛ لأن الله جل ثناؤُه لم يُعاتِبْ أحدًا مِن خلقِه على قتلِ محاربٍ للهِ ولرسولِه مِن أهلِ الشركِ بعدَ إذنِه له بقتلِه. واختلف أيضًا أهل التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فمَنَّ اللهُ عليكم بإظهارِ دينِه، وإعزازِ أهلِه، حتى أظهروا الإسلامَ بعدَ ما كانوا يَكْتُمونه مِن أهلِ الشركِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حبيبِ بن أبي عَمْرَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: فأظْهَر الإسلامَ (١). وقال آخَرون: معنى ذلك: فمنَّ اللهُ عليكم، أيها القاتلون الذي ألقى إليكم

стр. 4930

السَّلَمَ طَلَبَ عَرَضِ الحياةِ الدنيا بالتوبةِ مِن قتلِكم إيَّاه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: تاب اللهُ عليكم (١). وأَوْلى التأويلين في ذلك بالصوابِ، التأويلُ الذي ذكَرْنا عن سعيدِ بن جُبيرٍ؛ لما ذكَرْنا مِن الدلالةِ على أن معنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾. ما وصَفْنا مِن (٢) قبلُ، فالواجبُ أن يكونَ عَقِيبَ ذلك: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. برفعِ ما كنتم فيه مِن الخوفِ مِن أعدائِكم عنكم بإظهارِ دينِه، وإعزازِ أهله، حتى أمْكَنكم إظهارُ ما كنتم تَسْتَخْفُون به، مِن توحيدِه وعبادتِه، حذارًا (٣) مِن أهلِ الشركِ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾: لا يَعْتَدِلُ المتخلِّفون عن الجهادِ في سبيلِ اللهِ من أهلِ الإيمانِ باللهِ وبرسولِه، المُؤْثِرون الدَّعَةَ والخَفْضَ والقعودَ في منازلِهم، على مقاساةِ حُزُونةِ (٤) الأسفارِ، والسيرِ في الأرضِ، ومشقَّةِ ملاقاةِ أعداءِ اللهِ بجهادِهم في ذاتِ اللهِ، وقتالِهم في طاعةِ اللهِ، إلا أهلُ العذرِ منهم بذَهَابِ أبصارهم، وغير

стр. 4931

ذلك مِن أهلِ (١) العللِ التي لا سبيلَ لأهلها - للضررِ الذي بهم - إلى قتالِهم وجهادِهم في سبيلِ اللهِ، والمجاهدون في سبيلِ اللهِ، ومنهاجِ دينِه؛ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا، المستفرِغون طاقتَهم في قتالِ أعداءِ اللهِ وأعداءِ دينِه (٢) بأموالهم، إنفاقًا لها فيما أوْهَن كيدَ أعداء أهل الإيمان باللهِ وبأنفسِهم، مباشرةً بها قتالَهم، بما تكونُ به كلمةُ اللهِ العاليةَ، وكلمةُ الذين كفَروا السافلةَ. واخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ ومكةَ والشامِ (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) نصبًا (٣)، بمعنى: إلا أولى الضررِ. وقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهل العراقِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ برفعِ "غير" على مذهبِ النعتِ للقاعدين (٤). والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ). بنصبِ "غير"؛ لأن الأخبارَ متظاهرةٌ بأن قولَه: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ). نزَل بعدَ قولِه: (لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ). استثناءً مِن قوله: لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ. ذكرُ (٥) الأخبارِ الواردةِ بذلك حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهَضَمِيُّ، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمان، عن أبيه، عن أبي

стр. 4932

إسحاقَ، عن البراءِ، أن رسولَ الله ﷺ قال: "ائتونى بالكتفِ واللوحِ، فكتب: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمجاهِدُونَ) وعمرُو بنُ أُمِّ مكتومٍ خلفَ ظهرِه، فقال: هل لى مِن رخصةٍ يا رسولَ اللهِ؟ فنزَلت (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) " (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. جاء ابن أُمٍّ مكتومٍ وكان أعمَى، فقال: يا رسول اللهِ، كيف وأنا أعمى؟ فما برِح حتى نزَلت: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي (٣) إسحاقَ، عن البراءِ بن عازبٍ في قولِه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال: لمَّا نزَلت جاء عمرُو بنُ أُمِّ مكتومٍ إلى النبيِّ ﵇، وكان ضريرَ البصرِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، ما تَأْمُرُني، فإنى ضريرُ البصرِ، فأنْزَل اللهُ هذه الآيةَ، فقال: "ائتوني بالكتف (٤) والدواةِ، أو اللوحِ وَالدواةِ" (٥). حدَّثني [إسماعيلُ بنُ إسرائيلَ السلالُ (٦) الرَّمْليُّ] (٧)، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ

стр. 4933

ابن المغيرةِ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ أنه قال: لمَّا نزَلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. كلَّمه ابن أُمِّ مكتومٍ، فأُنْزِلت (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) (١). حدَّثنا محمدُ بن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي (٢) إسحاقَ أنه سمِع البراءَ يقولُ في هذه الآيةِ: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) (٣): فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ زيدًا، فجاء بكتفٍ فكتَبها، قال: فشكا إليه ابن أُمِّ مكتومٍ ضرارتَه (٤)، فنزَلت: (لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ) (٥). قال شعبةُ: وأخبرنى سعدُ (٦) بنُ إبراهيمَ، عن أبيه، عن رجلٍ، عن زيدٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ مثلَ حديثِ البَرَاءِ. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن أبي سِنَانٍ الشَّيبانيِّ، عن أبى (٢) إسحاقَ، عن زيد بن أَرْقَمَ، قال: لَمَّا نزَلتْ: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ). جاء ابن أمِّ مكتومٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ،

стр. 4934

مالى من (١) رخصةٍ؟ فقال (٢): لا. قال ابن أُمِّ مكتومٍ: اللهمَّ، إنى ضريرٌ فرَخِّصْ لى، فأَنْزل اللهُ: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ)، فأمَر (٣) رسولُ اللهِ ﷺ فكتَبها، يعنى: الكاتبَ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، عن عبدِ الرحمنِ بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن سهلِ بن سعدٍ (٥)، قال: رأيتُ مروانَ بنَ الحكمِ جالسًا، فجئتُ حتى جلَستُ إليه، فحدَّثنا أن زيدَ بنَ ثابتٍ حدَّثه "أن رسولَ الله ﷺ أملَى (٦) عليه: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ). قال: فجاء ابن أُمِّ مكتومٍ وهو يُمْلِيها عليَّ، فقال: يا رسولَ اللهِ، لو أستطيعُ الجهادَ لجاهدْتُ، قال: فأَنزل اللهُ عليه وفخذُه على فخذِي، فثقُلت [حتى ظنَنْتُ أن سترضُّ] (٧) فخذى، ثم سُرِّى عنه، فقال: (غَيْرَ أُوْلِى الضَّرَرِ) (٨). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن

стр. 4935

الزُّهْريِّ، عن قبيصَةَ بن ذُؤَيْبٍ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: "كنتُ أَكْتُبُ لرسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: "اكْتُبْ: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيل اللهِ) ". فجاء عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إني أُحِبُّ الجهادَ في سبيلِ اللهِ، ولكنَّ بى مِن الزَّمانةِ ما قد تَرَى، قد ذهب بصَرِى، قال زيدٌ: فثقُلت فَخِذُ رسولِ اللهِ ﵇ على فخذى حتى خشِيتُ أن تَرُضَّها، ثم قال: "اكْتُبُ: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (١) ". حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عبدُ الكريمِ أن مِقْسمًا مولى عبدِ اللهِ بن الحارثِ أَخْبَرَه أن ابنَ عباسٍ أخْبَره، قال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. عن بدرٍ والخارجون إلى بدرٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ [عن ابن جريجٍ] (٣)، قال: أخبرني عبدُ الكريمِ أنه سمع مِقْسَمًا يُحَدِّثُ عن ابن عباسٍ، أنه سمِعه يقولُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. عن بدرٍ والخارجون إلى بدرٍ. لمَّا [نزَل غزو بدرٍ] (٤)، قال عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ وأبو أحمدَ بنُ جحشِ بن قيسٍ الأسديُّ: يا رسولَ اللهِ،

стр. 4936

إنَّا (١) أعميان، فهل لنا رخصةٌ؟ فنزَلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ فسمع بذلك عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ الأعمى، فأتى رسول اللهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، قد أمرك (٣) اللهُ في الجهادِ ما قد علِمْتَ وأنا رجلٌ ضريرُ البصرِ لا أستطيعُ الجهادَ، فهل لى مِن رُخصةٍ عندَ اللهِ إِن قعَدْتُ؟ فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : "ما أُمِرْتُ في شأنِك بشيءٍ ولا (٤) أَدْرِى هل يَكُونُ لك ولأصحابِك من رُخصةٍ؟ ". فقال ابن أُمٍّ مكتومٍ: اللهمَّ إنى أَنْشُدُكَ بَصَرِى! فَأَنْزَل الله بعد ذلك على رسوله ﷺ ، فقال: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، قال: نزَلت: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) فقال رجلٌ أعمى: يا نبيَّ اللهِ، فأنا أُحِبُّ الجهادَ ولا أَسْتَطِيعُ أَن أُجَاهِدَ، فنزَلَت: ﴿غَيْرُ أُولِي

стр. 4937

الضَّرَرِ﴾ (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمِ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: حدَّثنا حُصينٌ، عن عبدِ اللهِ بن شدَّادٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ في الجهادِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ: يا رسولَ اللهِ، إنى ضريرٌ كما تَرَى، فنزَلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ثم (٣) عذَر اللهُ أهلَ العُذْرِ مِن الناسِ، فقال: (غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ). كان منهم ابن أُمِّ مكتومٍ، ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إلى قولِه: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: لمَّا ذُكِر فضلُ المجاهدين (٥)، قال ابن أُمِّ مكتومٍ: يا رسولَ اللهِ، إنى أعمى ما (٦) أُطِيقُ الجهادَ. فأنْزَل اللهُ فيه: (غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ) (٧).

стр. 4938

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا [محمدُ بنُ عبدِ اللهِ] (١) النُّفَيْليُّ، قال: ثنا زهيرُ بنُ معاويةَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كنتُ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال لي: "ادْعُ لى زيدًا وقُلْ له: ائْتِ (٢) ". أو: "يَجِيءُ بالكَتِفِ والدواةِ". أو "اللوحِ والدواةِ". الشكُّ من زُهيرٍ "اكْتُبْ: (لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ". فقال ابن أمِّ مكتومٍ: يا رسولَ اللهِ، إن بعينيَّ ضررًا. فنزَلت قبلَ أن يَبْرَحَ: (غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ) (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ البصريُّ (٤)، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بنحوهِ، إلا أنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ادعُ لى زيدًا، وَلْيَجِئْ (٥) معه بكَتِفٍ ودَوَاةٍ، أو لوحٍ ودَوَاةٍ" (٦). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا [عُبيدُ اللهِ] (٧) بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن زِيادِ بن فيَّاضٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾، قال عمرُو بن أمِّ مكتومٍ: يا ربِّ ابْتَليتنى فكيف أَصْنَعُ؟ قال: فنزَلت: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) (٨).

стр. 4939

[حدَّثنا سعيدُ بن الربيعِ المرائيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: قال زيدُ بن ثابتٍ، كنتُ عندَ النبيِّ ﷺ أكْتُبُ ما يُمْلى عليَّ - قال سعيدٌ: قال سفيانُ: وكان أهلُ المدينةِ يُسَمُّونه كاتب الوحي - قال: وفَخِذه على فخذى، قال: فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. اعترض ابن أُمِّ مكتومٍ، فقال النبيُّ ﷺ : " (غيرَ أولى الضررِ) ". فثقُلت فخذُه على فخذى حتى كادت أن تُحْطَمَ] (١). وكان ابن عباسٍ يقولُ في معنى: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) نحوًا مما قلنا. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ عن ابن عباسٍ قولَه: (غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ). قال: أهلُ الضررِ (٢). [حدَّثنا ابن سنانٍ البزارُ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إدريسَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد بنُ زيادٍ، قال: حدَّثنا عاصمُ بن كليبٍ الجَرْميُّ، حدَّثني أبي، أن خالي الفَلَتانَ بنَ عاصمٍ حدَّثه، قال: كُنَّا قعودًا عندَ النبيِّ ﷺ فأنزل اللهُ، وكان إذا أُنْزِل عليه دام بصرُه مفتوحةً عيناه وفرَّغ سمعَه وبصرَه لمَا يأتيه من اللهِ. قال: وكُنَّا نَعْرِفُ ذلك في وجهِه. قال: فلمَّا فرَغ قال للكاتب: "اكْتُبْ: (لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ". إلى آخرِ الآيةِ. قال: فقام الأعمى فقال: يا رسولَ اللهِ، ما ذنبُنا؟ فأنزل اللهُ على رسولِه ﵇، فقلتُ للأعمى: إنه يُنْزَلُ عليه. قال: فخاف أن يكون فيه شيءٌ. قال:] (٣)

стр. 4940

[فبقِى قائمًا مكانَه يقولُ: أتوبُ إلى اللهِ! حتى فرَغ رسولُ اللهِ ﷺ فقال للكاتبِ: "اكتُبْ: (غَيْرَ أُولى الضَّرَرِ) "] (١). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾: فضَّل اللهُ المجاهدين بأموالِهم وأنفسِهم على القاعدين من أُولى الضررِ درجةً واحدةً، يعنى فضيلةً واحدةً، وذلك بفضلِ جهادِه بنفسه، فأمَّا فيما سوى ذلك فهما مستويان. كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المُباركِ، أنه سمِع ابن جُريجٍ يقولُ: في: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. قال: على أهلِ الضررِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: وعَد (٣) اللهُ الكلَّ من المجاهدين بأموالِهم وأنفسِهم، والقاعدين مِن أُولى الضررِ
следующие страницы →