← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

الرَّبيع بن خُثَيم (١) فى قولِه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. قال: أَوْحَى اللهُ إليه كما أَوْحَى إلى جميعِ النبيِّين مِن قبلِه (٢). وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ ؛ لأن بعضَ اليهودِ لما فضَحهم اللهُ بالآياتِ التى أَنْزَلها على رسولِه ﷺ ، وذلك من قولِه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. فتلا ذلك عليهم رسولُ اللهِ ﷺ قالوا (٣): ما أَنْزَل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ من بعدِ موسى. فأَنْزَل اللهُ هذه الآياتِ تكذيبًا لهم، وأَخْبَر نبيَّه والمؤمنين به أنه قد أَنْزَل عليه بعدَ موسى، وعلى من سمَّاهم فى هذه الآيةِ، وعلى آخرِين لم يسمِّهم. كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، وحدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال سُكَينٌ [وعدىُّ بنُ زيدٍ] (٤): يا محمدُ، ما نعلَمُ اللَّهَ أَنْزَل على بشرٍ من شيءٍ بعدَ موسى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فى ذلك من قولِهما: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. إلى آخرِ الآياتِ (٥).

стр. 5252

وقال آخرون: بل قالوا لما أنزل اللهُ جل ثناؤُه الآياتِ التي قبلَ هذه فى ذكرِهم: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ، ولا على موسى، ولا على عيسى. فَأَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) [الأنعام: ٩١]. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرْظىِّ، قال: أَنْزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. فلما تلاها عليهم، يعنى على اليهودِ، وأَخْبَرهم بأعمالِهم الخبيثةِ، جحَدوا كلَّ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، وقالوا: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ، ولا على موسى، ولا على عيسى، وما أنزل اللهُ على نبىٍّ من شيءٍ. قال: فحلَّ حُبْوتَه (٢)، وقال: ولا على أحدٍ! فَأَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣). وأما قولُه: اوود ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. فإن القرَأةَ اخْتَلفت فى قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرأَةِ أمصارِ الإسلامِ غيرَ نفرٍ من قرأَةِ الكوفِة: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. بفتحِ الزاىِ على التوحيدِ، بمعنى: وآتينا داودَ الكتابَ المسمَّى زبورًا. وقرأ ذلك بعضُ قرأَةِ الكوفيين: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. بضمِّ الزاىِ (٤)، جمعُ

стр. 5253

زَبْرٍ. كأنهم وجَّهوا تأويلَه: وآتينا داودَ كتبًا وصحفًا مَزبورةً. من قولِهم: زَبَرْتُ الكتابَ أَزْبُرُه زَبُرًا، وزَبَرْتُه أَزْبِرُه زَبْرًا: إذا كتبتَه. وأَوْلَى القراءتين فى ذلك بالصوابِ عندَنا قراءةُ مَن قرأ: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. بفتح الزاىِ على أنه اسمُ الكتابِ الذى أُوتيَه داودُ، كما سُمِّى الكتابُ الذى أُوتيَه موسى التوراةَ، والذى أُوتيَه عيسى الإنجيلَ، والذي أُوتيَه محمدٌ الفرقانَ؛ لأن ذلك هو الاسمُ المعروفُ به ما أُوتىَ داودُ. إنما تقولُ العربُ: زَبورُ داودَ. بذلك يعرِفُ كتابَه سائرُ الأممِ. القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إنا أَوْحَينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ وإلى رسلٍ قد قصَصناهم عليك، ورسلٍ (١) لم نقصُصْهم عليك. فلعل قائلاً أن يقولَ: فإذا كان ذلك معناه، فما بالُ قولِه: ﴿وَرُسُلًا﴾. منصوبًا غيرَ (٢) مخفوضٍ؟ قيل: نُصِب ذلك إذ لم يَعُدْ عليه "إلى" التى خفَضت الأسماءَ قبلَه، وكانت الأسماءُ قبلَه (٣) وإن كانت مخفوضةً، فإنها فى معنى النصبِ؛ لأن معنى الكلامِ: إنا أرسلناك رسولاً كما أرسلنا نوحًا والنبيِّين من بعدِه. فعُطِفت الرسلُ على معنى الأسماءِ قبلَها فى الإعرابِ؛ لانقطاعِها عنها دونَ

стр. 5254

ألفاظِها، إذ لم يعُدْ (١) عليها ما خفَضها، كما قال الشاعرُ (٢): لو جِئْتَ بالخُبْزِ (٣) له مُنَشَّرَا (٤) … والبَيْضَ مَطْبُوحًا معا (٥) والشكَّرَا لم يُرْضِهِ ذلك حتى يَسْكَرَا (٦) وقد يَحتمِلُ أن يكونَ نصَب الرسلَ لتَعَلُّقِ الواوِ بالفعلِ، بمعنى: وقصَصنا رسلاً عليك من قبلُ. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١]. وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ أُبَىٍّ: (ورسلٌ قد قصَصناهم عليك من قبلُ ورسلٌ لم نَقصُصْهم عليك) (٧). فرفْعُ ذلك إذا قُرِئ كذلك بعائدِ الذِّكْرِ فى قولِه: ﴿قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾. وأما قولُه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. فإنه يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وخاطَب اللهُ موسى بكلامِه خطابًا. وقد حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا نوحُ بنُ أبى مريمَ (٨) وسُئل: كيف كلَّم اللهُ موسى تكليمًا؟ فقال: مشافهةً (٩). وقد حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ابنِ مبارَكٍ، عن معمرٍ ويونسَ،

стр. 5255

عن الزهرىِّ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، قال: أخبرنى جُزَىُّ (١) بنُ جابرٍ الخَثْعَمىُّ، قال: سمِعتُ كعباً يقولُ: إن اللهَ لما كلَّم موسى، كلّمه بالألسنةِ كلِّها قبلَ كلامِه -يعنى كلامَ موسى- فجعَل موسى يقولُ: يا ربِّ، لا أفهَمُ. حتى كلَّمه بلسانِه آخرَ الألسنةِ، فقال: يا ربِّ، هكذا كلامُك؟ قال: لا، ولو سمِعتَ كلامي -أى على وجهِهِ- لم تكُ (٢) شيئًا (٣). قال ابنُ وكيعٍ (٤)، قال أبو أسامةَ: وزادني أبو بكرٍ الصَّغَانىُّ (٥) فى هذا الحديثِ: أن موسى قال: يا ربِّ، هل فى خلقِك شيءٌ يُشْبِهُ كلامَك؟ قال: لا، وأقربُ خلقِى (٦) شبهًا بكلامى، أشدُّ ما يسمَعُ الناسُ من الصواعقِ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عمرَ (٧) بن حمزةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ (٨)، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظىَّ يقولُ: سئِل موسى: ما شبَّهتَ كلامَ ربِّك مما خلَق؟ فقال موسى: الرعدُ الساكنُ (٩).

стр. 5256

[حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ، أنه أخبره عن جزءِ (١) بنِ جابرٍ الخَثْعَمىِّ، قال: لما كلَّم اللهُ موسى كلَّمه (٢) بالألسنةِ كلِّها قبل لسانِه، فطفِق يقولُ: واللهِ يا ربِّ، ما أفقَهُ هذا. حتى كلَّمه بلسانِه آخرَ الألسنةِ، بمثلِ صوتِه، فقال موسى: يا ربِّ، هذا كلامُك؟ قال: [لا. قال: هل فى خلقِك شيءٌ يشبهُ كلامَك؟ قال] (٣): لا، وأقربُ خلقى شبهًا بكلامى، أشدُّ ما يسمعُ الناسُ من الصواعقِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الرحيمِ البرْقىُّ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا زُهيرٌ، عن يحيى، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، عن [جَزْءِ ابنِ] (٣) جابرٍ، أنه سمِع كعبَ الأحبارِ يقولُ: لما كلَّم اللهُ موسى بالألسنةِ قبلَ لسانِه، طَفِق موسى يقولُ: أَىْ ربِّ، لا أفقهُ هذا. حتى كلَّمه اللهُ آخرَ الألسنةِ بمثلِ لسانِه، فقال موسى: أَىْ ربِّ، هذا كلامُك؟ قال اللهُ: لو كلَّمتُك بكلامى لم تكُ شيئًا. قال: يا ربِّ، فهل مِن خلقِك شيءٌ يشبهُ كلامَك؟ قال: لا، وأقربُ خَلْقى شبهًا بكلامي، أشدُّ ما يُسْمَعُ من الصواعقِ] (٤). حدَّثنى أبو يونسَ المكىُّ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يزيدَ، قال: ثنا ابنُ أبى أُوَيسٍ، قال: أخبرنى أخى، عن سليمانَ، عن محمدِ بنِ أبى عَتيقٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن

стр. 5257

أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامِ، أنه أخبره جزءُ (١) بنُ جابرٍ الخَثْعَمِىُّ، أنه سمِع [كعبَ الأحبارِ يقولُ] (٢): لما كلَّم اللهُ موسى كلَّمه (٣) بالألسنةِ كلِّها قبلَ لسانهِ، فطَفِق موسى يقولُ: أَى ربِّ، واللهِ ما أفقهُ هذا. حتى كلَّمه آخرَ الألسنةِ بلسانهِ، بمثلِ صوتِه، فقال موسى: أى ربِّ، أهذا (٤) كلامُك؟ قال: لو كلَّمتُك بكلامى لم تكُ شيئًا. قال: أَىْ ربِّ، هل من (٥) خلقِك شيءٌ يشبِهُ كلامَك؟ قال: لا، وأقربُ خلقى شبهًا بكلامي، أشدُّ ما يُسْمَعُ من الصواعقِ (٦). القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: إنا أَوْحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنبيِّين من بعدِه. ومَن ذكَر من (٧) الرسلِ، ﴿رُسُلًا﴾. فنصَب (٨) الرسلَ على القطعِ من أسماءِ الأنبياءِ الذين ذكَر أسماءَهم، ﴿مُبَشِّرِينَ﴾. يقولُ: أرسلتُهم رسلاً إلى خلقى وعبادي، مبشرين بثوابى مَن أطاعنى، واتَّبع أمرى، وصدَّق رسلى، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ عقابى مَن عصانى،

стр. 5258

وخالف أمرى، وكذَّب رسلى، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. يقولُ: أرسلتُ رسلى إلى عبادِى مبشِّرين ومنذِرين؛ لئلا يحتجَّ من كفَر بى وعبَد الأندادَ مِن دونى، أو ضلَّ عن سبيلى، بأن يقولَ إن أردتُ عقابَه: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]. فقطع جل ثناؤُه حُجَّةَ كلِّ مبطلٍ أَلْحد فى توحيدِه، وخالَف أمرَه، بجميعِ (١) معانى الحُججِ القاطعةِ عُذْرَه، إعذارًا منه بذلك إليهم؛ لتكونَ للهِ الحجةُ البالغةُ عليهم، وعلى جميعِ خلقِه. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾: فيقولوا: ما أرسلتَ إلينا رسولاً (٢). ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾. يقولُ: ولم يزلِ اللَّهُ ذا عزةٍ فى انتقامِه ممَّن انتقَم مِن خلقِه على، كفرِه به، ومعصيتِه إيَّاه، بعدَ تثبيتِه حجتَه (٣) عليه برسلِه وأدلتِه، ﴿حَكِيمًا﴾ فى تدبيرِه فيهم ما دبَّر. القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾.

стр. 5259

قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن تكفُرْ -بالذى أوحينا إليك يا محمدُ- اليهودُ الذين سألوك أن تُنَزِّلَ عليهم كتاباً من السماءِ، وقالوا لك: ما أَنْزَل الله على بشرٍ من شيءٍ. فكذَّبوك، فقد كذَبوا، ما الأمرُ كما قالوا، لكن اللهُ يشهَدُ بتنزيلِه إليك [ما أنزَل] (١) من كتابِه ووحيِه، أَنْزَل ذلك إليك بعلمٍ منه بأنك خِيرَتُه من خلقِه، وصفيُّه من عبادِه، ويشهَدُ لك بذلك ملائكتُه، فلا يحزُنْك تكذيبُ مَن كذَّبك، وخلافُ مَن خالفك، ﴿وَكَفَى (٢) بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. يقولُ: وحَسْبُك باللهِ شاهدًا على صدقِك دونَ مَن (٣) سواه من خلقِه، فإنه إذا شهِد لك بالصدقِ ربُّك، لم يضرَّك تكذيبُ مَن كذَّبك. وقد قيل: إنّ هذه الآيةَ نزلت فى قومٍ من اليهودِ دعاهم النبىُّ ﷺ إلى اتباعِه، وأخبَرهم أنهم يعلَمون حقيقةَ نبوَّتِه، فجحَدوا نبوَّتَه، وأَنْكَروا معرفتَه. ذكرُ الخبرِ بذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: دخَل على رسولِ اللهِ ﷺ جماعةٌ من يهودَ، فقال لهم: "إنى واللهِ أعلمُ أنكم لَتعلَمون أنى رسولُ اللَّهِ". فقالوا: ما نعلمُ ذلك. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٤).

стр. 5260

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: دخَلتْ على رسول اللهِ ﷺ عصابةٌ من اليهودِ. ثم ذكَر نحوَه. حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: شهودٌ واللهِ غيرُ مُتَّهَمةٍ (١). القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الذين جحَدوا يا محمدُ نبوّتَك بعدَ علمِهم بها، من أهلِ الكتابِ الذين اقتصصتُ عليك قصتَهم، وأَنْكَروا أن يكونَ اللهُ أَوْحَى إليك كتابَه، ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعنى: عن الدينِ الذي بعَثك اللهُ به إلى خلقِه وهو الإسلامُ، وكان صدُّهم عنه قيلَهم للناسِ الذين يسألونهم عن محمدٍ من أهلِ الشركِ: ما نجِدُ صفةَ محمدٍ فى كتابِنا. وادِّعاءَهم أنهم عُهِد إليهم أن النبوَّةَ لا تكون إلا فى ولدِ هارونَ، ومن ذرِّيَّةِ داودَ، وما أَشْبَهَ ذلك من الأمورِ التي كانوا يثبِّطون الناسَ بها عن اتباعِ رسولِ اللهِ ﷺ ، والتصديقِ به، وبما جاء به من عندِ اللهِ. وقوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. يعنى: قد جارُوا عن قصدِ السبيلِ (٢) جَوْرًا شديدًا، وزالوا عن المحجَّةِ (٣). وإنما يعنى جلَّ ثناؤُه بجَورِهم عن المحجةِ (٣)

стр. 5261

وضلالِهم عنها: إخطاءَهم دينَ اللهِ الذى ارتضاه لعبادِه، وابتعَث به رسولَه (١). يقولُ: مَن جحَد رسالةَ محمدٍ ﷺ وصَدَّ عما بُعِث به من الملةِ مَن قَبِل منه، فقد ضلَّ، فذهَب عن الدينِ الذى هو دينُ اللهِ الذى ابتعث به أنبياءَه، ضلالاً بعيدًا. القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الذين جحَدوا رسالةَ محمدٍ ﷺ [فكذَّبُوه، وكفَروا] (٢) باللهِ بجحودِ ذلك، ﴿وَظَلَمُوا﴾ بمُقامِهم على الكفرِ، على علمٍ منهم بظلمِهم عبادَ اللهِ، وحسدًا للعربِ، وبغيًا على رسولِه محمدٍ ﷺ ، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. يعنى: لم يكنِ اللهُ ليعفوَ (٣) لهم عن ذنوبِهم، بتركِه (٤) عقوبتَهم عليها، ولكنه يفضَحُهم بها جل ثناؤُه بعقوبتِه إياهم عليها، ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾. يقولُ: ولم يكن اللهُ تعالى ذكرُه ليهدىَ هؤلاء الذين كفَروا وظلَموا، الذين وصَفنا صفتَهم، فيوفِّقَهم لطريقٍ من الطرقِ التى ينالون بها ثوابَ اللهِ، ويصِلُون بلزومِهم إياها (٥) إلى الجنةِ، ولكنه يخذُلُهم عن ذلك، حتى يسلُكوا طريقَ جهنمَ. وإنما كنَى بذكرِ الطريقِ عن الدِّينِ. وإنما معنى الكلامِ: لم يكنِ اللهُ ليوفِّقَهم للإسلامِ، ولكنه يخذُلُهم عنه إلى طريقِ جهنمَ، وهو الكفرُ. يعني: حتى يكفُروا باللهِ ورسلِه، فيدخُلوا جهنَّمَ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ:

стр. 5262

مقيمين فيها أبدًا، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. يقولُ: وكان تخليدُ هؤلاء الذين وصَفتُ لكم صفتَهم - فى جهنمَ على اللهِ يسيرًا؛ لأنه لا يقدِرُ مَن أراد ذلك به على الامتناعِ منه، ولا له أحدٌ يمنَعُه منه، ولا يستصعِبُ عليه ما أراد فعلَه به من ذلك، [وكلُّ ذلك على اللهِ يسيرٌ] (١)؛ لأن الخلقَ خلقُه، والأمرَ أمرُه. القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾. مشركي العربِ وسائرَ أصنافِ الكفرِ، ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾. يعنى: محمدًا ﷺ ، قد جاءكم ﴿بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: بالإسلامِ الذى ارتضاه اللهُ لعبادِه دينًا، يقولُ: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعنى: من عندِ رَبِّكم، ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. يقولُ: فصدَّقوه وصدَّقوا بما جاءكم به من عندِ ربِّكم من الدينِ، فإن الإيمانَ بذلك خيرٌ لكم من الكفرِ به، ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾. يقولُ: وإن تجحدوا رسالتَه، وتكذِّبوا به، وبما جاءكم به من عندِ ربِّكم، فإنّ جحودَ كم ذلك وتكذيبَكم به لن يضرَّ غيرَكم، وإنما مكروهُ ذلك عائدٌ عليكم، دونَ [اللهِ الذى] (٢) أمَركم بالذى بَعث به إليكم رسولَه محمدًا ﷺ ، وذلك أن ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مُلكًا وخلقًا، لا ينقُصُ كفرُكم بما كفَرتم به من أمرِه، وعصيانُكم إياه فيما عصيتموه فيه، من مُلكِه ولا سلطانِه شيئًا، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. يقولُ: وكان اللهُ عليمًا بما أنتم صائرون إليه من طاعتِه فيما أمَركم به وفيما نهاكم عنه، ومعصيتِه فى ذلك،

стр. 5263

وعلى علمٍ منه بذلك منكم أمَركم ونهاكم، ﴿حَكِيمًا﴾. يعنى: حكيمًا فى أمرِه إيَّاكم بما أمَركم به، وفى نهيِه إيَّاكم عما نهاكم عنه، وفى غيرِ ذلك من تدبيرِه فيكم وفى غيرِكم من (١) خلقِه. واخْتَلف أهلُ العربيةِ فى المعنى الذى من أجلِه نُصِب قولُه: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: نُصِب ﴿خَيْرًا﴾ على الخروجِ مما قبلَه من الكلامِ؛ لأنّ ما قبلَه من الكلامِ قد تمَّ، وذلك قولُه: ﴿فَآمِنُوا﴾. وقال: قد سمِعتُ العربَ تفعَلُ ذلك فى كلِّ خبرٍ كان تامًّا، ثم اتصل به كلامٌ بعدَ تمامِه، على نحوِ اتصالِ "خير" (٢) بما قبلَه، فتقولُ: لتقومَنَّ خيرًا لك. و: لو فعَلتَ ذلك خيرًا لك. و: اتقِ اللهَ خيرًا لك. قال: فأما إذا كان الكلامُ ناقصًا، فلا يكونُ إلا بالرفعِ، كقولِك: إن تتقِ اللهَ خيرٌ لك. و: إنْ تَصْبِرُ (٣) خَيْرٌ لك (٤). وقال آخرُ منهم (٥): جاء النصبُ فى "خير"؛ لأن أصلَ الكلامِ: فآمنوا هو خيرٌ لكم. فلما سقَط "هو" الذى هو مصدرٌ، اتصلَ الكلامُ بما قبلَه، والذي قبلَه معرفةٌ،، وخبرُه (٦) نكرةٌ، فانتصب لاتصالِه بالمعرفةِ، لأن الإضمارَ من الفعلِ: قم فالقيامُ خيرٌ لك. و: لا تقمْ فتركُ القيامِ خيرٌ لك. فلما سقَط اتَّصل بالأولِ. وقال: ألا ترى أنك ترى الكنايةَ عن الأمرِ تصلُحُ قبلَ الخبِر، فتقولُ للرجلِ: اتقِ اللهَ هو خيرٌ لك. أى: الاتقاءُ خيرٌ لك. وقال: ليس نصبُه على إضمارِ "يكن"؛ لأن ذلك يأتى

стр. 5264

بقياسٍ يُبْطِلُ هذا، ألا ترى أنك تقولُ: اتقِ اللهَ تكنْ محسِناً. ولا يجوزُ أن تقولَ: اتقِ اللهَ محسِناً. وأنت تُضْمِرُ "كان"، ولا يصلُحُ أن تقولَ: انصُرْنا أخانا. وأنت تريدُ: تكنْ أخانا. وزعَم قائلُ هذا القولِ أنه لا يُجيزُ ذلك إلا فى "أفعل" (١) خاصَّةً، فتقولُ: افعَلْ كذا خيرًا لك. و: لا تفعَلْ هذا خيرًا لك وأفضلَ لك. ولا تقولُ (٢): صلاحاً لك. وزعَم أنه إنما قيل مع "أفعل"؛ لأن "أفعل" تَدلُّ على أن هذا أصلحُ من ذلك. وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ (٣): نُصِب ﴿خَيْرًا﴾؛ لأنه حينَ قال لهم: ﴿فَآمِنُوا﴾. أمَرهم بما هو خيرٌ لهم، فكأنه قال: اعمَلوا خيرًا لكم. وكذلك: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. قال: وهذا إنما يكونُ فى الأمرِ والنهىِ خاصَّةً، ولا يكونُ فى الخبِر، لا تقولُ (٢): أنا (٤) أنتهى خيرًا لى. ولكن يُرْفَعُ على كلامين؛ لأن الأمرَ والنهىَ يُضْمَرُ فيهما، فكأنك أَخْرَجتَه من شيءٍ إلى شيءٍ؛ لأنك حينَ قلتَ له: انتهِ (٥). كأنك قلتَ له: اخرُجْ من ذا، وادخُلْ (٦) فى آخَرَ. وَاسْتَشْهَد بقولِ عمرَ بنِ أبي ربيعةَ (٧): فوَاعِدِيهِ سَرْحَتَىْ (٨) مالكٍ … أو الرُّبَا (٩) بينَهما أَسْهَلَا

стр. 5265

كما تقولُ: واعدِيه (١) خيرًا لكِ. قال: وقد سمِعتُ نصبَ هذا فى الخبرِ، تقولُ العربُ: أتى البيتَ خيرًا لى. و: أتركُه خيرًا لى. وهو على ما فسَّرتُ لك فى الأمرِ والنهىِ. وقال آخرُ منهم: نُصِب ﴿خَيْرًا﴾ (٢) بفعلٍ مضمَرٍ، واكتفَى من ذلك المضمَرِ بقولِه (٣): لا تفعَلْ هذا. و: افعلِ الخيرَ (٤). وأجازه فى غيرِ "أفْعَل"، فقال: لا تفعَلْ ذاك صلاحًا لك. وقال آخرُ منهم (٥): نُصِب ﴿خَيْرًا﴾ على ضميرِ جوابٍ: يكنْ خيًرا لكم. وقال: وكذلك كلُّ أمرٍ ونهىٍ. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: أهلَ الإنجيلِ من النصارى، ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، يقول: لا تجاوِزوا الحقَّ فى دينِكم فتُفْرِطوا فيه، ولا تقولوا فى عيسى غيرَ الحقِّ، فإن قيلَكم فى عيسى: إنه ابنُ اللهِ. قولٌ منكم على اللهِ غيرَ الحقِّ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه لم يتخذْ ولدًا، فيكونَ عيسى أو غيرُه من خلقِه له ابنًا، ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾.

стр. 5266

وأصلُ الغُلُوِّ فى كلِّ شيءٍ مجاوزةُ الحدِّ (١) الذى هو حدُّه، يقالُ منه فى الدينِ: قد غلا فهو يَغْلُو غُلُوًّا. و: غلا بالجاريةِ عظمُها ولحمُها. إذا أسرعتِ الشبابَ، فجاوزتْ لِداتِها، يغلو بها عُلُوًّا وغَلاءً. ومن ذلك قولُ الحارثِ بنِ [خالدٍ المخزومىِّ] (٢): خُمْصَانِةٌ قَلِقٌ مُوَشِّحُها … رُؤُدُ الشبابِ غَلا بها عَظْمُ وقد حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع، قال: صاروا فريقين؛ فريقٌ غَلَوا فى الدينِ، فكان غلوُّهم فيه الشكَّ فيه، والرغبةَ عنه. وفريقٌ منهم قصَّروا عنه، ففسَقوا عن أمرِ ربِّهم. القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. ما المسيحُ أيها الغالُون فى دينِهم من أهلِ الكتابِ بابنِ اللهِ، كما تزعُمون، ولكنه عيسى ابنُ مريمَ دونَ غيرِها من الخلقِ، لا نسبَ له غيرُ ذلك. ثم نعَته اللهُ جلَّ ثناؤُه بنعتِه، ووصَفه بصفتِه، فقال: هو رسولُ اللهِ، أَرسَلَه بالحقِّ إلى مَن أَرْسَله إليه مِن خلقِه (٣). وأصلُ المسيحِ الممسوحُ، صُرِّف من "مفعولٍ" إلى "فَعِيلٍ"، وسمَّاه اللهُ

стр. 5267

بذلك لتطهيرِه إيَّاه من الذنوبِ، فقيل (١): مُسِح من الذنوبِ والأدناسِ التي تكونُ فى الآدميِّين، كما يُمْسَحُ الشيءُ من الأذَى الذى يكونُ فيه، فيطهَّرُ منه، ولذلك قال مجاهدٌ ومَن قال مثلَ قولِه: المسيحُ الصِّدِّيقُ. وقد زعَم بعضُ الناسِ أن أصلَ هذه الكلمةِ عِبْرانيةٌ أو سُرْيانيةٌ "مَشِيحَا" (٢) فعرِّبت، فقيل: المسيحُ. كما عُرِّب سائرُ أسماءِ الأنبياءِ التى فى القرآنِ، مثلُ إسماعيلَ، وإسحاقَ، وموسى، وعيسى. قال أبو جعفرٍ: وليس ما مثَّل به من ذلك للمسيحِ بنظيرٍ، وذلك أن إسماعيلَ وإسحاقَ وما أَشْبَة ذلك، أسماءٌ لا صفاتٌ، والمسيحُ صفةٌ، وغير جائزٍ أن تُخاطَبَ العربُ وغيرُها من أجناسِ الخلقِ فى صفةِ شيءٍ إلا بما (٣) يُفهَمُ عمَّن خاطَبها، ولو كان المسيحُ من غيرِ كلامِ العربِ ولم تكنِ العربُ تعقِلُ معناه ما خوطبت به، وقد أتيْنا بالبيانِ على نظائرِ ذلك فيما مضى بما فيه الكفايةُ من إعادتِه (٤). وأما المسيحُ الدجَّالُ، فإنه أيضًا بمعنى الممسوحِ العينِ، صُرِّف من مفعولٍ (٥) إلى فَعيلٍ، فمعنى "المسيحِ" فى عيسى ﷺ : الممسوحُ البدنِ (٦) من الأدناسِ والآثام، ومعنى "المسيحِ" فى الدجَّالِ: الممسوحُ العينِ اليمني أو اليسرى كالذى رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ فى ذلك (٧).

стр. 5268

وأما قولُه: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. فإنه يعنى بالكلمة الرسالةَ التى أمرَ اللهُ ملائكتَه أن تأتىَ مريمَ بها، بشارةً من اللهِ لها، التى ذكَر جلَّ ثناؤُه فى قولِه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. يعني: برسالةٍ منه، وبشارةٍ من عندِه. وقد قال قتادةُ فى ذلك، ما حدَّثنا به الحسنُ بنٌ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ عن قتادةَ: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. قال: هو قولُه: كُنْ. فكان. وقد بيَّنا اختلافَ المختلِفين من أهلِ الإسلامِ فى ذلك فيما مضى [قبلُ مع البيانِ عن الصحيحِ من القولِ فيه فيما مضى] (١)، بما أغنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (٢). وقولُه: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. يعنى: أَعْلَمها بها وأَخْبَرها، كما يقالُ: أَلْقِيتُ إليكَ كلمةً حسنةً. بمعنى أخبرتُكَ بها، وكلَّمتُك بها. وأما قولُه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. فإن أهلَ العلمِ اخْتَلفوا فى تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾: ونفخةٌ منه (٣)، لأنه حدَث عن نفخةِ جبريلَ فى دِرْعِ مريمَ بأمرِ اللهِ إيَّاه بذلك، فنُسِب إلى أنه روحٌ من اللهِ؛ لأنه بأمرِه كان. قالوا: وإنما سُمِّى النفخُ رُوحًا؛ لأنها رِيحٌ تخرُجُ عن (٤) الرُّوحِ،

стр. 5269

واسْتَشْهَدوا على ذلك من قولِهم بقول ذى الرُّمَّةِ فى صفةِ نارٍ نعَتها (١): فلما بدَتْ كفَّنْتُها وَهْىَ طِفْلَةٌ … بطَلْساءَ (٢) لم تكمُلْ (٣) ذِراعًا ولا شِبْرَا وقلتُ له (٤) ارْفَعْها إليكَ وأَخْيِها … برُوحِكَ واقْتَتْهُ (٥) لها قِيتةً قَدْرَا وظاهِرْ لها من يابسِ (٦) الشَّخْتِ (٧) واسْتَعِنْ … عليها الصَّبَا واجْعَلْ يَدَيْكَ لها سِتْرًا (٨) وقالوا: يعنى بقولِه: وأَخْيِها برُوحِكَ. أى: أَخيِها بنفخِك. وقال بعضُهم: يعنى بقولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. أنه كان إنسانًا بإحياءِ اللهِ إياه بقولِه: كُنْ. قالوا: وإنما معنى قولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. وحياةٌ منه، بمعنى إحياءِ اللهِ إيَّاه بتكوينِه. وقال آخرون (٩): معنى قولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. ورحمةٌ منه، كما قال جلَّ ثناؤُه فى موضعٍ آخرَ: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. قالوا: ومعناه فى هذا الموضع: ورحمةٌ منه. قال: فجعَل اللهُ عيسى رحمةً منه على مَن اتَّبعه وآمن به وصدَّقه؛ لأنه هداهم إلى سبيلِ الرشادِ.

стр. 5270

وقال آخرون: معنى ذلك: وروحٌ من اللهِ خلَقها فصوَّرها، ثم أَرْسَلها إلى مريمَ، فدخلت فى فِيها، فصيَّرها اللهُ تعالى روحَ عيسى ﵇. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ سعدٍ، قال: أخبرنى أبو جعفرٍ الرازىُّ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أُبىِّ بنِ كعبٍ، فى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قال: أخَذهم فجعَلهم أرواحاً، ثم صوَّرهم، ثم استَنْطَقهم، فكان روحُ عيسى من تلك الأرواحِ التى أخَذ عليها العهدَ والميثاقَ، فأَرْسَل ذلك الروحَ إلى مريمَ، فدخَل فى فِيها فحمَلت الذى (١) خاطَبها، وهو (٢) روحُ عيسى (٣). وقال آخرون: معنى الرُّوحِ ههنا: جبريلُ ﵇. قالوا: ومعنى الكلامِ: وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ، وألقاها أيضًا إليها رُوحٌ من اللهِ. قالوا: فالروحُ معطوفٌ به على ما فى قولِه: ﴿أَلْقَاهَا﴾ (٤)، من ذكرِ اللهِ، بمعنى: أن إلقاءَ الكلمةِ إلى مريمَ كان من اللهِ جلَّ ثناؤه، ثم من جبريلَ ﵇. ولكلٍّ هذه الأقوالِ وجةٌ ومذهبٌ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ (٥). القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا

стр. 5271

خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: [فصدِّقوا يا أهلَ الكتابِ بوحدانيةِ اللهِ وربوبيتِه، وأنه لا ولدَ له] (١)، وصدَّقوا رسلَه فيما جاءوكم به من عندِ اللهِ، وفيما أخبرتُكم به أن اللهَ واحدٌ لا شريكَ له، ولا صاحبةَ له، ولا ولدَ له، ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾. يعنى: ولا تقولوا: الأربابُ ثلاثةٌ. ورُفِعت الثلاثةُ بمحذوفٍ دلّ عليه الظاهرُ، وهو هم، ومعنى الكلامِ: ولا تقولوا: هم ثلاثةٌ. وإنما جاز ذلك؛ لأن القولَ حكايةٌ، والعربُ تفعَلُ ذلك فى الحكايةِ، ومنه قولُ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]. وكذلك كلُّ ما ورَد من مرفوعٍ بعدَ القولِ لا رافعَ معه، ففيه إضمارُ اسمٍ رافعٍ لذلك الاسمِ. ثم قال لهم جلَّ ثناؤُه متوعِّدًا لهم فى قولِهم العظيمِ الذي قالوه فى اللهِ جلَّ وعزّ: انْتَهُوا أيها القائلون: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ (٢). عما تقولون من الزورِ والشركِ باللهِ؛ فإن الانتهاءَ عن ذلك خيرٌ لكم من قيلِه؛ لما لكم عندَ اللهِ من العقابِ العاجلِ لكم على قيلِكم ذلك، إن أقمتم عليه ولم تُنِيبوا إلى الحقِّ الذي أمَرتُكم بالإنابةِ إليه، والآجلِ فى مَعادِكم. القولُ فى تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.

стр. 5272

قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. ما اللهُ أيها القائلون: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ. كما تقولون؛ لأن مَن كان له ولدٌ فليس بإلهٍ، وكذلك مَن كان له صاحبةٌ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ إلها معبودًا، ولكنّ اللهَ الذى له الأُلُوهةُ والعبادةُ إلهٌ واحدٌ [ومعبودٌ واحدٌ] (١)، لا ولدَ له، ولا والدَ، ولا صاحبةَ، ولا شريكَ، ثم نزَّه جلَّ ثناؤُه نفسَه، وعظَّمها، ورفَعها عما قال فيه أعداؤُه الكفرةُ به، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ [وَلَدٌ﴾. يقولُ: تعالى اللَّهُ وتعظَّم وتنزَّه عن أن يكونَ له ولدٌ أو صاحبةٌ. ثم أَخْبَر] (٢) جلَّ ثناؤُه عبادَه أن عيسى وأمَّه ومَن فى السماواتِ ومَن فى الأرضِ عبيدُه ومُلْكُه (٣) وخلقُه، وأنه رازقُهم وخالقُهم، وأنهم أهلُ حاجةٍ وفاقةٍ إليه؛ احتجاجًا منه بذلك على مَن ادَّعى أن المسيحَ ابنُه، جلَّ ذكرُه، وأنه لو كان كما قالوا لم يكنْ ذا حاجةٍ إليه، ولا كان له عبدًا مملوكًا، فقال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. يعنى: للهِ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ من الأشياء كلِّها، مُلْكًا وخلقًا، وهو يرزُقُهم ويقُوتُهم ويدبِّرُهم، فكيف يكونُ المسيحُ ابناً له، وهو فى الأرضِ أو فى السماواتِ غيرُ خارجٍ من أن يكونَ (٤) فى بعضِ هذه الأماكنِ؟! وقولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. يعنى: وحَسْبُ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ باللَّهِ قَيِّماً بها ومدبِّرًا ورازقًا، من الحاجةِ معه إلى غيرِه. القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾.

стр. 5273

قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾: لن يأْنَفَ ولن يستكبرَ المسيحُ، ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾. يعنى: من (١) أن يكونَ عبدًا للهِ. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. لن يحتشمَ المسيحُ أن يكونَ عبدًا للهِ ولا الملائكةُ (٢). وأما قولُه: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. فإنه يعنى: ولن يستنكفَ أيضاً من الإقرارِ للهِ بالعبودةِ، والإذعانِ له بذلك، رسلُه المقرَّبون الذين قد قرَّبهم اللهُ ورفَع منازلَهم على غيرِهم من خلقِه. ورُوى عن الضحَّاكِ أنه كان يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى به جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورىُّ (٣)، قال: ثنا يَعْلَى بنُ عبيدٍ، عن الأَجْلَحِ، قال: قلتُ للضحَّاكِ: ما المقرَّبون؟ فقال: أقربُهم إلى السماءِ الثانيةِ (٤). القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ومن يتعظَّمْ

стр. 5274

عن عبادتِه ربَّه، ويأنفْ من التذلُّلِ والخضوعِ له بالطاعةِ من الخلقِ كلِّهم، ويستكبرْ عن ذلك، ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، يقولُ: فسيبعَثُهم يومَ القيامةِ جميعًا، فيجمَعُهم لموعدِهم عندَه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فأما المؤمنون المقرُّون بوحدانيةِ اللهِ، الخاضعون له بالطاعةِ، المتذلِّلون له بالعبوديةِ، والعاملون الصالحاتِ من الأعمالِ، وذلك أن يرِدوا على ربِّهم، قد آمَنوا به وبرسِله (١)، وعمِلوا بما أتاهم به رسلُه من عندِ ربِّهم، من فعلِ ما أمَرهم به، واجتنابِ ما أمَرهم باجتنابِه، ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، يقولُ: فيوفِّيهم جزاءَ أعمالِهم الصالحةِ وافيّا تامًّا، ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، يعنى جلّ ثناؤُه: ويزيدُهم على ما وعَدهم من الجزاءِ على أعمالِهم الصالحةِ، والثوابِ عليها من الفضلِ والزيادةِ ما لم يعرِّفْهم مبلغَه ولم يَحِدَّ لهم مُنْتهاه، وذلك أن اللَّهَ جَلَّ ثناؤه وعَد مَن جاء من عبادِه المؤمنين بالحسنةِ الواحدةِ عَشْرَ أمثالِها من الثوابِ والجزاءِ، فذلك هو أجرُ كلِّ عاملٍ على عملِه الصالحِ من أهلِ الإيمانِ، المحدودُ مبلَغُه، والزيادةُ على ذلك تفضُّلٌ (٢) من اللهِ عليهم، وإن كان كلُّ ذلك من فضلِه على عبادِه، غيرَ أن الذى وعَد عبادَه المؤمنين أن يوفِّيهم فلا ينقُصُهم من الثوابِ على أعمالِهم الصالحةِ، هو ما حدَّ مبلغَه من العَشْرِ، والزيادةُ

стр. 5275

على ذلك غيرُ محدودٍ مبلَغُها، فيزيدُ مَن شاء من عبادِه على ذلك على قَدْرِ ما يشاءُ، لا حدَّ القَدْرِه يُوقَفُ عليه. وقد قال بعضُهم: الزيادةُ إلى سبعِمائةِ ضِعْفٍ. وقال آخرون: إلى ألفيْن. وقد ذكرتُ اختلافَ المختلفِين في ذلك فيما مضى قبلُ بما أغنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (١). وقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ فإنه يعنى: وأما الذين تعظَّموا عن الإقرارِ للهِ بالعبوديةِ، والإذعانِ له بالطاعةِ، واستكبروا عن التذلُّلِ لألوهتِه وعبادتِه، وتسليمِ الوحدانيةِ والربوبيةِ له، ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يعنى: عذابًا مُوجِعًا، ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، يقولُ: ولا يجدُ المستنكفون عن (٢) عبادتِه، والمستكبرون عنها إذا عذَّبهم اللهُ (٣) الأليمَ من عذابِه، سوى اللهِ لأنفسِهم ﴿وَلِيًّا﴾ يُنْجِيهم من عذابِه، ويُنقِذُهم منه، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾، يعني: ولا ناصرًا ينصُرُهم، فيَسْتَنْقِذُهم من ربِّهم، ويدفَعُ عنهم بقوَّتِه (٤) ما أحلَّ بهم من نقمتِه، كالذى كانوا يفعَلون بهم إذا أرادهم غيرُهم من أهلِ الدنيا فى الدنيا بسوءٍ من نصرتِهم، والمدافعةِ عنهم. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بن جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ

стр. 5276

قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: يا أيها الناسُ مِن جميعِ أصنافِ الأممِ (١)؛ يهودِها ونصاراها ومشركيها، الذين قصَّ اللهُ جلَّ ثناؤُه قَصَصَهم في هذه السورةِ، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، يقولُ: قد جاءتْكم حُجَّةٌ من اللَّهِ تُبرْهِنُ لكم بُطولَ ما أنتم عليه مقيمون من أديانِكم ومللِكم، وهو محمدٌ ﷺ ، الذي جعَله اللهُ عليكم حجَّةٌ فقطَع بها عذرَكم، وأَبْلَغ إليكم فى المعذرةِ بإرسالِه إليكم، مع تعريفِه إيَّاكم صحةَ نبوَّتِه، وتحقيقَ رسالتِه، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾، يقولُ: وأنزلنا إليكم معه نورًا مبيناً، يعنى: يبيِّنُ لكم المحجَّةَ (٢) الواضحةَ، والسبيلَ (٣) الهاديةَ إلى ما فيه لكم النجاةُ من عذابِ اللهِ وأليمٍ عقابِه إن سلَكتموها، واستنرتم بضَوْئِه، وذلك النورُ المبينُ هو القرآنُ الذي أَنْزَله اللهُ على محمدٍ ﷺ . وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللَّهِ: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: حجَّةٌ (٤). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 5277

النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أى: بينةٌ من ربِّكم، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ وهو هذا القرآنُ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: حجةٌ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿بُرْهَانٌ﴾، قال: بينةٌ. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. [قال: القرآنُ] (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فأما الذين صدَّقوا اللهَ، وأقرُّوا بوحدانيتِه، وما بَعث به نبيَّه محمدًا ﷺ ، من أهلِ المللِ، ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾، يقولُ: وتمسَّكوا بالنورِ المبينِ الذى أَنْزَله إلى نبيِّه. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾. قال: بالقرآنِ (٤). ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾. يقولُ: فسوف تنالُهم رحمتُه التي تُنْجِيهم من عقابِه، وتوجبُ لهم ثوابَه (٥) وجنتَه، ويَلْحَقُهم من فضلِه ما

стр. 5278

لحقِ (١) أهلَ الإيمانِ به والتصديقِ برُسُلِهِ، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. يقولُ: ويوفِّقُهم لإصابةِ فضلِه الذى تفضَّل به على أوليائِه، ويسدِّدُهم لسلوكِ منهجِ مَن أَنْعَم عليه من أهلِ طاعتِه، ولاقتفاءِ آثارِهم، واتباعِ دينِهم، وذلك هو الصراطُ المستقيمُ، وهو دينُ اللهِ الذى ارتضاه لعبادِه، وهو الإسلامُ، ونُصِب الصراطُ المستقيمُ على القطعِ من الهاءِ التى فى قولِه: ﴿إِلَيْهِ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾: يسألونك يا محمدُ أن تُفتيَهم فى الكَلَالةِ، وقد بيَّنا معنى الكَلَالةِ فيما مضى بالشواهدِ الدالةِ على صحتِه، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين فيه، فأغنى ذلك عن إعادتِه، وبيَّنا أن الكلالةَ عندَنا ما عدا الولدَ والوالدَ (٢). ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. يعنى بقولِه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾: إن إنسانٌ من الناسِ مات. كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾. يقولُ: مات وليس له ولدٌ؛ ذكرٌ ولا أنثى. ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾. يعنى: وللميِّتِ أختٌ لأبيه وأمِّه، أو لأبيه، ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. يقولُ: فلأختِه التى ترَكها بعدَه بالصفةِ التى وصَفنا نصفُ ترَكِتِه ميراثًا عنه دونَ سائرِ عَصَبتِه، وما بَقِى فلعصبتِه.

стр. 5279

وذُكِر أن أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ هَمَّهم شأنُ الكَلَالَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ فيها هذه الآيةَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾: [وهمَّهم شأنُ الكلالةِ وسألوا] (١) عنها نبىَّ اللهِ ﷺ فأَنْزَل اللهُ فى ذلك القرآنَ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾. فقرَأ حتى بَلَغ: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. قال: وذُكِر لنا أن أبا بكرٍ الصدِّيقَ ﵁ قال فى خُطبتِه: ألَا إن الآيةَ التى أَنْزَلَ اللهُ في أولِ سورةِ النساءِ فى (٢) شأنِ الفرائضِ، أَنْزَلها فى الولدِ والوالدِ، والآيةَ الثانيةَ أنْزَلها اللهُ فى الزوجِ والزوجةِ والإخوةِ من الأمِّ، والآيةَ التى ختَم بها سورة النساءِ أَنْزَلها اللهُ فى الإخوةِ والأخواتِ من الأبِ والأمِّ، والآيةَ التى ختَم بها سورةَ الأنفالِ أَنْزَلها الله فى أُولِى الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ في كتابِ اللهِ، مما جرَت الرحِمُ من العَصَبةِ (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الشيبانىِّ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن سعيدِ ابنِ المسيِّبِ، قال: سأل عمرُ بنُ الخطابِ النبى ﷺ عن الكلالةِ، فقال: "أليس قد بيَّن اللهُ ذلك؟ ". قال: فنزَلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٤). حدَّثنا مُؤَمَّلُ بنُ هشامٍ أبو هشامٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن هشامٍ

стр. 5280

الدَّسْتُوائى، قال: ثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: اشتكيتُ وعندى تسعُ أخواتٍ لى أو سبعٌ -أنا أشكُّ- فدخَل علىَّ رسولُ اللهِ ﷺ ، فنفَخ (١) في وجهى، فأفقتُ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَلَا أُوصِى لأخَوَاتى بالثُّلثين (٢)؟ قال: "احتبِسْ (٣) ". قلتُ: الشَّطْرُ؟ قال: "احبِسْ" (٣). ثم خرَج وترَكنى، ثم رجَع إلىَّ فقال: "يا جابرُ (٤)، إنِّى [لا أُرَاك] (٥) ميِّتًا من وجعِك هذا، وإن اللهَ قد أَنْزَل في الذي لأخَوَاتِك، فجعَل لهن الثُّلُثين". قال: فكان جابرٌ يقولُ: أُنْزِلت هذه الآيةُ فىَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن هشامٍ، يعنى الدَّسْتُوائيَّ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النبىِّ ﷺ مثلَه. وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا [إسحاقُ، قال: حدثنا] (٧) ابنُ عيينةَ، عن ابنِ المنكدرِ، سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: مرِضتُ فأتانى النبىُّ ﷺ يعودُنى (٨) هو وأبو بكرٍ، وهما ماشيان، فوجَدنى (٩) قد أُغْمِىَ علىَّ، فتوضَّأَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم صبَّ علىَّ من

стр. 5281

وَضوِئه، فأفقتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، كيف أَقْضِي في مالى، أو: كيف أصنَعُ في مالى؟ وكان له (١) تسعُ أخَواتٍ، ولم يكنْ له والدٌ ولا ولدٌ. قال: فلم يُجِبْنى بشيءٍ حتى نزَلت آيةُ الميراثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. إلى آخرِ السورةِ. قال ابنُ المنكدرِ: قال جابرٌ: إنما أُنْزِلت هذه الآيةُ فىَّ (٢). وكان بعضُ (٣) أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ -يقولُ: إن هذه الآيةَ هى (٤) آخرُ آيةٍ نزَلت من القرآنِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البَرَاءِ بنِ عازبٍ، قال: سمِعتُه يقولُ: إن آخرَ آيةٍ نزَلت (٥): ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: ثنا أبى، عن ابنِ أبى خالدٍ، عن أبي إسحاقَ، عن البَرَاءِ، قال: آخرُ آيةٍ نزَلت من القرآنِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ خَلَفٍ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ النعمانِ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن أبي السَّفَرِ، عن البَرَاءِ، قال: آخرُ [آيةٍ أُنْزِلَت] (٧) من القرآنِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ

стр. 5282

قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (١). حدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدانىُّ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المقْدَامِ قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: آخرُ سورة أُنزِلت كاملةً براءةُ، وآخرُ آيةٍ أُنزِلت خاتمةُ سورةِ النساءِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٢). واخْتُلِف في المكانِ الذى نزَلت فيه الآيةُ؛ فقال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ: نزَلت بالمدينةِ. وقد ذكَرتُ الروايةَ بذلك عنه فيما مضَى؛ بعضُها في أوَّلِ السورةِ عندَ فاتحةِ آيةِ المواريثِ (٣)، وبعضُها في مبتدأ الإخبارِ عن السببِ الذى نزَلت فيه هذه الآيةُ (٤). وقال آخرون: بل أُنْزِلت في مسيرٍ كان فيه رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه. ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، قال: نزَلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. والنبىُّ ﷺ في مسيرٍ له، وإلى جَنْبِه حُذيفةُ بنُ اليمانِ، فبلَّغها النبىُّ ﷺ حذيفةُ، وبلَّغها حذيفةُ عمرَ بنَ الخطابِ وهو يسيرُ خَلْفَه، فلما اسْتُخْلِف عمرُ سأل عنها حذيفةَ، ورجا أن يكونَ عندَه تفسيرُها، فقال له حذيفةُ: واللهِ إنك لعاجزٌ إن ظننتَ أنَّ إمارتَك تحمِلُنى (٥) أن أحدِّثَك فيها بما لم أحدِّثْك يومَئذٍ. فقال عمرُ: لم أُرِدْ هذا رحِمك اللهُ.

стр. 5283

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، بنحوِه، إلا أنه قال في حديثِه: فقال له حذيفةُ: واللهِ إنك لأحمقُ إن ظننتَ (١). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابنُ عَوْنٍ، عن محمدِ ابنِ سيرينَ، قال: كانوا في مسيرٍ ورأسُ راحلةِ حذيفةَ عندَ رِدْفِ (٢) راحلةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ورأسُ راحلةِ عمرَ عندَ رِدْفِ راحلةِ حذيفةَ، قال: ونزَلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. فلقَّاها رسولُ اللهِ ﷺ حذيفةَ، فلقَّاها حذيفةُ عمرَ، فلما كان بعدَ ذلك سأَل عمرُ عنها حذيفةَ، فقال: واللهِ إنك لأحمقُ إن كنتَ ظننتَ أنه لقَّانيها رسولُ اللهِ ﷺ ، فلقَّيتُكها (٣) كما لقَّانيها، واللهِ لا أزيدُك عليها شيئًا أبدًا. قال: فكان عمرُ يقولُ: اللهم مَن (٤) كنتَ بيَّنتَها له، فإنها لم تبيَّيْن لى (٥). واخْتُلِف عن عمرَ فى الكلالةِ؛ فرُوِى عنه أنه قال فيها عندَ وفاتِه: هو مَن لا ولدَ

стр. 5284

له [ولا والدَ] (١). وقد ذكَرنا الروايةَ عنه بذلك فيما مضى فى أولِ هذه السورةِ فى آيةِ المواريثِ (٢). ورُوِى عنه أنه قال قبلَ وفاته: هو ما خلا الأبَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا شعبةُ (٣)، عن قتادةَ، عن سالمِ ابنِ أبى الَجعْدِ، عن مَعْدانَ بنِ أبى طلحةَ اليَعْمَرىِّ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: ما أَغْلَظ لى رسولُ اللهِ ﷺ ، أو ما نازعتُ رسولَ اللهِ ﷺ فى شيءٍ ما نازعتُه في آيةِ الكلالةِ، حتى ضرَب صدرى، وقال: "يكفيك منها [آيةُ الصيفِ] (٤) [التى أُنزِلت في آخرِ سورةِ النساءِ] (٥): ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ ". وسَأَقْضِى فيها بقضاءٍ يعلَمُه مَن يقرأُ، ومَن لا يقرأُ؛ هو ما خلا الأبَ. كذا أَحْسَبُ. قال ابنُ عرفةَ: قال شبابةُ: الشكُّ من شعبةَ (٦). ورُوِى عنه أنه قال: إنى لأستحيِى أن أخالفَ فيه أبا بكرٍ. وكان أبو بكرٍ يقولُ: هو ما خلا الولدَ والوالدَ. وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك عنه فيما مضى فى أولِ السورةِ (٧). ورُوِى عنه أنه قال عندَ وفاتِه: قد كنتُ كتبتُ في الكلالةِ كتابًا، وكنتُ

стр. 5285

أستخيُر اللهَ فيه، وقد رأيتُ أن أتركَكم على ما كنتم عليه. وأنه كان يتمنَّى في حياتِه أن يكونَ له بها علمٌ ذكرُ الروايةِ عنه بذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حُميدٍ المَعْمَرىُّ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كتَب في الجَدِّ والكَلالةِ كتابًا، فمكَث يستخيرُ اللهَ فيه، يقولُ: اللهمَّ إن علِمتَ فيه خيرًا، فأَمْضِه، حتى إذا طُعِن دعا بالكتابِ (١) فمُحِى، فلم يَدْرِ أحدٌ ما كَتب فيه، فقال: إنى كنتُ كتبتُ في الجدِّ والكلالةِ كتابًا وكنتُ أستخيرُ اللهَ فيه، فرأيتُ أن أتركَكم على ما كنتم عليه (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن سعيدٍ، عن عمرَ بنحوِه (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، قال: ثنا عمرُو بنُ مُرَّةَ، عن مرةَ الهَمْدانىِّ، قال: قال عمرُ: ثلاثٌ لأن يكونَ النبىُّ ﵇ بيَّنَهن لنا، أحبُّ إلىَّ من الدنيا وما فيها؛ الكلالةُ، والخلافةُ، وأبوابُ الرِّبا (٣). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثَّامٌ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: سِمعتُهم

стр. 5286

يذكرون -ولا أُرَى إبراهيمَ إلا فيهم- عن عمرَ، قال: لأَنْ أكونَ أعلمُ الكلالةَ أحبُّ إلىَّ من أن يكونَ لى مثلُ جزيةِ (١) قصورِ الشامِ (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثَّامٌ، عن الأعمشِ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، قال: أخَذ عمرُ كَتِفًا، وجمَع أصحابَ النبىِّ ﷺ ، ثم قال: لَأَقْضِينَّ في الكلالةِ قضاءً تَحدَّثُ به النساءُ فى خُدورِهنَّ. فخرَجتْ حينَئذٍ حيةٌ من البيتِ، فتفرَّقوا، فقال: لو أراد اللهُ أن يُتِمَّ هذا الأمرَ لأتمَّه (٣). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، قال: ثنا أبو حَيَّانَ، قال: ثنى الشعبىُّ، عن ابنِ عمرَ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يخطُبُ على منبرِ المدينةِ، فقال: أيها الناسُ، ثلاثٌ ودِدتُ أن رسولَ اللهِ ﷺ لم يفارقْنا حتى يَعْهَدَ إلينا فيهن عهدًا يُنتَهَى إليه؛ الجَدُّ، والكلالةُ، وأبوابٌ [من أبوابِ] (٤) الرِّبا (٥). حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةً، عن قتادةَ، عن سالِم بنِ أبى الجعد، عن مَعْدانَ بنِ أبى طلحةَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ، قال: ما سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن شيءٍ أكثرَ مما سألتُ عن الكلالةِ، حتى طعَن بُأصْبُعِه فى صدرى، وقال: "تكفيك آيةُ الصيفِ، التي في آخرِ سورةِ النساءِ" (٦).

стр. 5287

حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجَوْهَرىُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ بكرِ (١) السَّهْمىُّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سالمِ بن أبى الجعدِ، عن مَعْدانَ، عن عمرَ، قال: لم أَدَعْ شيئًا أهمَّ عندى من أمرِ الكلالةِ، فما أَغْلَظ لى رسولُ اللهِ ﷺ فى شيءٍ ما أَغْلَظ لي فيها، حتى طعَن بأُصبعِه فى صدرى -أو في جَنْبى- فقال: "تكْفيك الآيةُ التي أُنزِلت في آخرِ النساءِ". حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سالِم بنِ أبى الجعدِ، عن معدانَ بنِ أبى طلحةَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ خطَب الناسَ يومَ الجمعةِ، فقال: إني واللهِ ما أدَعُ بعدى شيئًا هو أهمُّ إلىَّ من أمرِ الكلالةِ، وقد سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، فما أَغْلَظ لى فى شيءٍ ما أَغْلَظ لي فيها، حتى طعَن في نَحْرى وقال: "تكفيك آيةُ الصيفِ، التى أُنْزِلتُ في آخرِ سورةِ النساءِ". وإن أعِشْ أقضِ فيها بقضيةٍ لا يختلِفُ فيها أحدٌ قرَأ القرآنَ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن سالِم بنِ أبى الجعدِ، عن مَعْدان بنِ أبى طلحةَ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، بنحوِه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ علىٍّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال: سمِعتُ أبى يقولُ: أخبرنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن الحسنِ بنِ مسروقٍ، عن أبيه، قال: سألتُ عمرَ وهو يخطُبُ الناسَ عن ذى قَرابةٍ لى ورِث كلالةً، فقال: الكلالةُ، الكلالةُ، الكلالةُ. وأخَذ بلحيتِه. ثم قال: واللهِ لَأَنْ أَعْلَمَها أَحبُّ إليَّ من أن يكونَ لى ما على الأرضِ من شيءٍ؛ سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "ألمْ تسمَعِ

стр. 5288

الآيةَ التى أُنْزِلت في الصيفِ؟ ". فأعادها ثلاثَ مَرَّاتٍ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن زكريا، عن أبى (٢) إسحاقَ، عن أبى سَلَمةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبى ﷺ ، فسأله عن الكلالةِ، فقال: "أَلَمْ تسمَعِ الآيةَ التى أُنْزِلت فى الصيفِ؛ ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾؟ ". إلى آخرِ الآيةِ (٣). حدَّثنى محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ عيسى، قال: ثنا ابنُ لَهيعةً، عن يزيدَ بنِ أبى حَبيبٍ، عن أبى الخيرِ، أن رجلاً سأل عقبةَ عن الكلالةِ، فقال: ألا تعجَبون من هذا؟ يسألُنى عن الكلالةِ، وما عضَل بأصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ شيءٌ ما أَعْضَلت بهم الكلالةُ (٤). قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: فما وجهُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. وقد علمتَ اتفاقَ جميعِ أهلِ القبلةِ خلا ابنَ عباسٍ وابنَ الزُّبيرِ، على أن الميتَ لو ترَك بنتًا وأختًا، أن لا بنتِه النصفَ، وما بَقِى فلأختِه إذا كانت أختُه لأبيه وأمِّه، أو لأبيه، فأين ذلك من قولِه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. وقد ورَّثوها النصفَ مع الولدِ؟ قيل: إن الأمرَ فى ذلك بخلافِ ما ذهبتَ إليه، إنما جعَل اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. إذا لم يكنْ للميِّتِ

стр. 5289

ولدٌ ذكرٌ ولا أنثى وكان موروثاً كلالةَ - النصفَ من تَرِكتِه فريضةً لها مسمَّاةً، فأما إذا كان للميِّتِ ولدٌ أنثى [فهى معها (١) عصبةٌ يصيرُ لها ما كان يصيرُ للعصبةِ غيرِها لو لم تكنْ (٢)] (٣)، وذلك غيُر محدودٍ بحدِّ، ولا مفروضٍ لها فرضُ سهامِ أهلِ الميراثِ بميراثِهم عن ميّتِهم، ولم يقلِ اللهُ جلَّ ثناؤه فى كتابِه: فإن كان له ولدٌ فلا شيءَ لأختِه معه. فيكونَ لما رُوِى عن ابنِ عباسٍ وابنِ الزبيرِ فى ذلك وجةٌ يُوجَّهُ إليه، وإنما بيَّن جلَّ ثناؤُه مبلَغَ حقِّها إذا وُرِث الميِّتُ كلالةً، وترَك بيانَ ما لها من حقٍّ إذا لم يُورَثُ كلالةً فى كتابِه، وبيَّنه بوحيِه على لسانِ رسولِه ﷺ ، فجعَلها عصبةً مع (٤) إناثِ ولدِ الميِّتِ، وذلك معنًى غيرُ معنى وراثتِها (٥) الميِّتَ إذا كان موروثًا كلالةً. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأخو المرأةِ يرثُها إن ماتت قبلَه إذا وُرِثتْ (٦) كلالةً ولم يكنْ لها ولدٌ ولا والدٌ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾: فإن

стр. 5290

كانت المتروكةُ من الأخواتِ لأبيه وأمِّه أو لأبيه، اثنتين، فلهما ثلثا ما ترَك أخوهما الميِّتُ إذا لم يكنْ له ولدٌ ووُرث كلالةً، ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً﴾. يعنى: وإن كان المتروكون من إخوته ﴿رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ﴾ منهم و بميراثِهم عنه من تركتِه، ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. يعنى: مثلُ نصيبِ اثنتين من أخواتِه (١)، وذلك إذا وُرِث كلالةً، والإخوةُ والأخواتُ إخوتُه وأخواتُه لأبيه وأمِّه أو لأبيه. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: يبيِّن اللهُ لكم قسمةَ مواريثِكم، وحكمَ الكلالةِ، وكيف فرائضُهم، ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾، بمعنى: لئلا تَضِلُّوا في أمرِ [المواريثِ وقسمتِها] (٢)، أي: لئلا تجوروا عن الحقِّ فى ذلك، وتُخْطِئوا الحكمَ فيه، فتَضِلَّوا عن قصدِ السبيلِ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. قال: في شأنِ المواريثِ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حُميدٍ المَعْمَرىُّ، وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قالا جميعًا: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، قال: كان عمرُ إذا قرَأ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. [قال: اللهمَّ من بيَّنتَ له الكلالةَ فلم تُبَيِّنْ لى] (٣).
следующие страницы →