← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

يذكرون -ولا أُرَى إبراهيمَ إلا فيهم- عن عمرَ، قال: لأَنْ أكونَ أعلمُ الكلالةَ أحبُّ إلىَّ من أن يكونَ لى مثلُ جزيةِ (١) قصورِ الشامِ (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثَّامٌ، عن الأعمشِ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، قال: أخَذ عمرُ كَتِفًا، وجمَع أصحابَ النبىِّ ﷺ ، ثم قال: لَأَقْضِينَّ في الكلالةِ قضاءً تَحدَّثُ به النساءُ فى خُدورِهنَّ. فخرَجتْ حينَئذٍ حيةٌ من البيتِ، فتفرَّقوا، فقال: لو أراد اللهُ أن يُتِمَّ هذا الأمرَ لأتمَّه (٣). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، قال: ثنا أبو حَيَّانَ، قال: ثنى الشعبىُّ، عن ابنِ عمرَ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يخطُبُ على منبرِ المدينةِ، فقال: أيها الناسُ، ثلاثٌ ودِدتُ أن رسولَ اللهِ ﷺ لم يفارقْنا حتى يَعْهَدَ إلينا فيهن عهدًا يُنتَهَى إليه؛ الجَدُّ، والكلالةُ، وأبوابٌ [من أبوابِ] (٤) الرِّبا (٥). حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةً، عن قتادةَ، عن سالِم بنِ أبى الجعد، عن مَعْدانَ بنِ أبى طلحةَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ، قال: ما سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن شيءٍ أكثرَ مما سألتُ عن الكلالةِ، حتى طعَن بُأصْبُعِه فى صدرى، وقال: "تكفيك آيةُ الصيفِ، التي في آخرِ سورةِ النساءِ" (٦).

стр. 5287

حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجَوْهَرىُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ بكرِ (١) السَّهْمىُّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سالمِ بن أبى الجعدِ، عن مَعْدانَ، عن عمرَ، قال: لم أَدَعْ شيئًا أهمَّ عندى من أمرِ الكلالةِ، فما أَغْلَظ لى رسولُ اللهِ ﷺ فى شيءٍ ما أَغْلَظ لي فيها، حتى طعَن بأُصبعِه فى صدرى -أو في جَنْبى- فقال: "تكْفيك الآيةُ التي أُنزِلت في آخرِ النساءِ". حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سالِم بنِ أبى الجعدِ، عن معدانَ بنِ أبى طلحةَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ خطَب الناسَ يومَ الجمعةِ، فقال: إني واللهِ ما أدَعُ بعدى شيئًا هو أهمُّ إلىَّ من أمرِ الكلالةِ، وقد سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، فما أَغْلَظ لى فى شيءٍ ما أَغْلَظ لي فيها، حتى طعَن في نَحْرى وقال: "تكفيك آيةُ الصيفِ، التى أُنْزِلتُ في آخرِ سورةِ النساءِ". وإن أعِشْ أقضِ فيها بقضيةٍ لا يختلِفُ فيها أحدٌ قرَأ القرآنَ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن سالِم بنِ أبى الجعدِ، عن مَعْدان بنِ أبى طلحةَ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، بنحوِه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ علىٍّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال: سمِعتُ أبى يقولُ: أخبرنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن الحسنِ بنِ مسروقٍ، عن أبيه، قال: سألتُ عمرَ وهو يخطُبُ الناسَ عن ذى قَرابةٍ لى ورِث كلالةً، فقال: الكلالةُ، الكلالةُ، الكلالةُ. وأخَذ بلحيتِه. ثم قال: واللهِ لَأَنْ أَعْلَمَها أَحبُّ إليَّ من أن يكونَ لى ما على الأرضِ من شيءٍ؛ سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "ألمْ تسمَعِ

стр. 5288

الآيةَ التى أُنْزِلت في الصيفِ؟ ". فأعادها ثلاثَ مَرَّاتٍ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن زكريا، عن أبى (٢) إسحاقَ، عن أبى سَلَمةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبى ﷺ ، فسأله عن الكلالةِ، فقال: "أَلَمْ تسمَعِ الآيةَ التى أُنْزِلت فى الصيفِ؛ ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾؟ ". إلى آخرِ الآيةِ (٣). حدَّثنى محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ عيسى، قال: ثنا ابنُ لَهيعةً، عن يزيدَ بنِ أبى حَبيبٍ، عن أبى الخيرِ، أن رجلاً سأل عقبةَ عن الكلالةِ، فقال: ألا تعجَبون من هذا؟ يسألُنى عن الكلالةِ، وما عضَل بأصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ شيءٌ ما أَعْضَلت بهم الكلالةُ (٤). قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: فما وجهُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. وقد علمتَ اتفاقَ جميعِ أهلِ القبلةِ خلا ابنَ عباسٍ وابنَ الزُّبيرِ، على أن الميتَ لو ترَك بنتًا وأختًا، أن لا بنتِه النصفَ، وما بَقِى فلأختِه إذا كانت أختُه لأبيه وأمِّه، أو لأبيه، فأين ذلك من قولِه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. وقد ورَّثوها النصفَ مع الولدِ؟ قيل: إن الأمرَ فى ذلك بخلافِ ما ذهبتَ إليه، إنما جعَل اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. إذا لم يكنْ للميِّتِ

стр. 5289

ولدٌ ذكرٌ ولا أنثى وكان موروثاً كلالةَ - النصفَ من تَرِكتِه فريضةً لها مسمَّاةً، فأما إذا كان للميِّتِ ولدٌ أنثى [فهى معها (١) عصبةٌ يصيرُ لها ما كان يصيرُ للعصبةِ غيرِها لو لم تكنْ (٢)] (٣)، وذلك غيُر محدودٍ بحدِّ، ولا مفروضٍ لها فرضُ سهامِ أهلِ الميراثِ بميراثِهم عن ميّتِهم، ولم يقلِ اللهُ جلَّ ثناؤه فى كتابِه: فإن كان له ولدٌ فلا شيءَ لأختِه معه. فيكونَ لما رُوِى عن ابنِ عباسٍ وابنِ الزبيرِ فى ذلك وجةٌ يُوجَّهُ إليه، وإنما بيَّن جلَّ ثناؤُه مبلَغَ حقِّها إذا وُرِث الميِّتُ كلالةً، وترَك بيانَ ما لها من حقٍّ إذا لم يُورَثُ كلالةً فى كتابِه، وبيَّنه بوحيِه على لسانِ رسولِه ﷺ ، فجعَلها عصبةً مع (٤) إناثِ ولدِ الميِّتِ، وذلك معنًى غيرُ معنى وراثتِها (٥) الميِّتَ إذا كان موروثًا كلالةً. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأخو المرأةِ يرثُها إن ماتت قبلَه إذا وُرِثتْ (٦) كلالةً ولم يكنْ لها ولدٌ ولا والدٌ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾: فإن

стр. 5290

كانت المتروكةُ من الأخواتِ لأبيه وأمِّه أو لأبيه، اثنتين، فلهما ثلثا ما ترَك أخوهما الميِّتُ إذا لم يكنْ له ولدٌ ووُرث كلالةً، ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً﴾. يعنى: وإن كان المتروكون من إخوته ﴿رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ﴾ منهم و بميراثِهم عنه من تركتِه، ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. يعنى: مثلُ نصيبِ اثنتين من أخواتِه (١)، وذلك إذا وُرِث كلالةً، والإخوةُ والأخواتُ إخوتُه وأخواتُه لأبيه وأمِّه أو لأبيه. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: يبيِّن اللهُ لكم قسمةَ مواريثِكم، وحكمَ الكلالةِ، وكيف فرائضُهم، ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾، بمعنى: لئلا تَضِلُّوا في أمرِ [المواريثِ وقسمتِها] (٢)، أي: لئلا تجوروا عن الحقِّ فى ذلك، وتُخْطِئوا الحكمَ فيه، فتَضِلَّوا عن قصدِ السبيلِ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. قال: في شأنِ المواريثِ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حُميدٍ المَعْمَرىُّ، وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قالا جميعًا: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، قال: كان عمرُ إذا قرَأ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. [قال: اللهمَّ من بيَّنتَ له الكلالةَ فلم تُبَيِّنْ لى] (٣).

стр. 5291

[قال أبو جعفرٍ: وموضعُ "أن" في قولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾] (١). نصبٌ في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ؛ لاتصالِها بالفعلِ، وفي قولِ بعضِهم خفضٌ، بمعنى: يبيِّنُ اللهُ لكم بألَّا تضلُّوا، ولئلا تضلُّوا، وأُسْقِطتْ "لا" من اللفظِ، وهى مطلوبةٌ في المعنى؛ الدَلالةِ الكلامِ عليها، والعربُ تفعَلُ ذلك، تقولُ: جئتُكَ أن تلومَنى. بمعنى: جئتُكَ أن (٢) لا تلومَنى، كما قال القَطَامىُّ فى صفةِ ناقةٍ (٣): رأَيْنا ما يَرَى البُصَراءُ فيها … فآلَينا عليها أن تُبَاعَا [بمعنى: أَلَّا تباعَ] (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾. من مصالحِ عبادِه في قسمةِ مواريثِهم وغيرِها، وجميعِ الأشياءِ، ﴿عَلِيمٌ﴾. يقولُ: هو بذلك كلِّه ذو علمٍ. آخر تفسيرِ سورةِ "النساءِ"، [والحمدُ للهِ ربِّ العالمين] (٤).

стр. 5292

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسيرُ السورةِ التى يُذكَرُ فيها المائدةُ القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يا أيها الذين أقرُّوا بوحدانيةِ اللهِ وأَذْعَنوا للَّهِ (١) بالعبودةِ، وسلَّموا له الألوهةَ، وصدَّقوا رسولَه محمدًا ﷺ فى نبوَّتِه، وفيما جاءهم به من عندِ ربِّهم من (٢) شرائعِ و دينهِ، ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. يعنى: أَوْفُوا بالعهودِ التى عاهدتموها ربَّكم، والعقودِ التى عاقدتموها (٣) إيَّاه، وأَوْجَبتم بها على أنفسِكم حقوقًا، وألزَمتم بها أنفسَكم للهِ فروضًا، فأتِمُّوها بالوفاءِ والكمالِ والتمامِ منكم للهِ بما اَلْزَمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم بما أو جَبتُموه له بها على أنفسِكم، ولا تَنْكُثوها فتَنْقُضوها بعدَ توكيدِها. واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى "العقودِ" التى أمَر اللهُ جلّ ثناؤُه بالوفاءِ بها بهذه (٤) الآيةِ، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن معنى العقودِ العهودُ؛ فقال بعضُهم: هي العقودُ التي كان أهلُ الجاهليةِ عاقَدَ بعضُهم بعضًا على النصرةِ

стр. 5293

والمؤازرةِ والمظاهرةِ على من حاول ظلمَه أو بغاه سوءًا. وذلك هو معنى الحِلْفِ الذي كانوا يتعاقَدونه بينَهم. ذكرُ من قال: معنى العقودِ العهودُ حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. يعنى: بالعهودِ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: العهودُ (٢). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا [أبى، عن سفيانَ] (٣)، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ (٤)، عن (٥) أبى جعفرٍ الرازىِّ، عن الرَّبيع بنِ أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مُطَرِّفِ بنِ الشِّخِّيرِ وعندَه رجلٌ يحدِّثُهم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: هى العهودُ. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾. قال: العهودُ (٦).

стр. 5294

حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: بالعهودِ (١). حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضَّحاكَ يقولُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾: بالعهودِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: بالعهودِ (٢). حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: هى العهودُ (٣). حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: سمِعت سفيانَ الثورىَّ يقولُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾: بالعهودِ (٣). حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، [عن مجاهدٍ] (٤) مثلَه. قال أبو جعفرٍ: والعقودُ جمعُ عَقْدٍ، وأصلُ العَقْدِ: عقدُ الشئِ بغيرِه، وهو وصلُه به، كما يُعْقَدُ الحبلُ بالحبلِ، إذا وُصِل به شدًّا، يقالُ منه: عقَد فلانٌ بينَه وبينَ فلانٍ عَقْدًا، فهو يعقِدُه. ومنه قولُ الحُطَيئةِ (٥):

стр. 5295

قومٌ إذا عقَدوا عَقْدًا لجارِهمُ … شدُّوا العِنَاجَ (١) وشدُّوا فَوْقَه الكَرَبَا (٢) وذلك إذا واثَقه (٣) على أمرٍ وعاهَده عليه عهدًا بالوفاءِ له بما عاقَده عليه، من أمانٍ أو (٤) ذمَّةٍ، أو نصرةٍ، أو نكاحٍ، أو بيعٍ، أو شَرِكةٍ، أو غيرِ ذلك من العقودِ. ذكرُ من قال المعنى الذى ذكَرنا عمَّن قاله في المرادِ من قولِه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. أى: بعقدِ (٥) الجاهليةِ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "أَوْفُوا بعقدِ الجاهليةِ، ولا تُحْدِثوا عقدًا في الإسلامِ " (٦). وذُكِر لنا أن فُرَاتَ بنَ حَيَّانَ العِجْليَّ سأل رسولَ اللهِ ﷺ عن حِلْفِ الجاهليةِ، فقال نبىُّ اللهِ ﷺ : "لعلَّك تسألُ عن حِلْفِ [لَخْمٍ وتَيْمِ اللهِ] (٧) فقال: نعم يا نبىَّ اللهِ.

стр. 5296

قال: "لا يَزِيدُه الإسلامُ إِلَّا شِدَّةً" (١). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: هي (٢) عقودُ الجاهليةِ، الحِلْفُ (٣). وقال آخرون: بل هى العهودُ (٤) التى أخَذ اللهُ على عبادِه بالإيمانِ به وطاعتِه فيما أحَلَّ لهم وحرَّم عليهم. ذكرُ من قال ذلك حدثنى المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. يعنى: ما أَحَلَّ وما حرَّم، وما فرَض وما حدَّ فى القرآنِ كلِّه، فلا تَغْدِروا، ولا تَنْكُثوا، ثم شدَّد ذلك فقال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. إلى قولِه: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ (٥) [الرعد: ٢٥]. حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾: ما (٦) عقد الله على العبادِ مما (٧) أحَلَّ لهم وحرَّم عليهم.

стр. 5297

وقال آخرون: بل هى العقودُ التى يتعاقدُها الناسُ بينَهم، ويعقِدُها المرءُ على نفسِه. ذكرُ من قال ذلك حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدثنا أبى، عن موسى بنِ عُبيدةَ، عن أخيه عبدِ اللهِ بنِ عُبيدةَ، قال: العقودُ خمسٌ؛ عُقْدَةُ الأيمانِ، وعُقْدُة النكاحِ، وعُقْدةُ العهدِ، وعُقْدةُ البيع، وعُقْدةُ الحِلْفِ (١). حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن موسى بن عُبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ، أو عن أخيه عبدِ اللهِ بنِ عُبيدةَ، بنحوِه (٢). حدثنى يونسُ بن عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: عَقدُ العهدِ، وعَقدُ اليمينِ، وعَقدُ الحلِفِ، وعَقدُ الشركةِ، وعَقدُ النكاحِ. قال: هذه العقودُ خمسٌ. حدثني المثنى، قال: ثنا عُتْبةُ بنُ سعيدٍ الِحمْصيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ، قال: ثنى أبى فى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: العقودُ خمسٌ؛ عُقدةُ النكاحِ، وعُقْدَةُ (٣) الشركةِ، وعُقْدَةُ اليمينِ، وعُقْدةُ العهدِ، وعُقْدةُ الحِلْفِ (٤). وقال آخرون: بل هذه الآيةُ أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه لأهلِ الكتابِ بالوفاءِ بما أخَذ

стр. 5298

به ميثاقَهم من العملِ بما فى التوراةِ والإنجيلِ فى تصديقِ محمدٍ ﷺ ، وما جاءهم به من عنِد اللهِ. ذكرُ من قال ذلك حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: الله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: العهودُ التى أخَذها اللهُ على أهلِ الكتابِ أن يعمَلوا بما جاءهم (١). حدثني المثنى، قال: ثني أبو صالحٍ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثنى يونسُ، قال: قال محمدُ بنُ مسلمٍ: قرَأتُ كتابَ رسولِ اللهِ ﷺ الذى كتَب لعمرِو بنِ حَزْمٍ حينَ بعثَه على (٢) نَجْرانَ (٣)، فكان الكتابُ عندَ أبى بكرِ بنِ حَزْمٍ، فيه: هذا بيانٌ من اللهِ ورسولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. فكتَب الآياتِ منها، حتى بلَغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٤) [المائدة: ٤]. وأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ ما قاله ابنُ عباسٍ، وأن معناه: أوْفُوا أيها المؤمنون بعقودِ الله التى أَوْجَبها عليكم وعقَدها، فيما أحلَّ لكم وحرَّم عليكم، وألْزمكم فَرْضَه، وبيَّن لكم حدودَه. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ من غيرِه من الأقوالِ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤه أتْبَع ذلك البيانَ عما أحلَّ لعبادِه وحرَّم عليهم، وما أوْجب عليهم من فرائِضه، فكان معلومًا بذلك أن قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. أمرٌ منه عبادَه بالعملِ بما ألْزَمهم من

стр. 5299

فرائضِه وعقودِه عَقِيبَ ذلك، ونَهْىٌ منه لهم عن نقضِ (١) ما عقَده [عليهم منه] (٢)، مع أن قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. أمرٌ منه بالوفاءِ بكلِّ عقدٍ أذِن فيه، فغيرُ جائزٍ أن يُخَصَّ منه شيءٌ حتى (٣) تقومَ حجةٌ بخصوصِ شيءٍ منه يجبُ التسليمُ لها. فإذ كان الأمرُ فى ذلك كما وصَفنا، فلا معنى [لقولِ من] (٤) وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاءِ ببعضِ العقودِ التى أمَر الله جل ثناؤُه بالوفاءِ بها دونَ بعضٍ. وأما قولُه: ﴿أَوْفُوا﴾. فإن للعربِ فيه لغتين: إحداهما: "أَوْفُوا". من قولِ القائلِ: أَوْفَيتُ لفلانٍ بعهدِه، أُوفِى له به. والأُخرى: "فُوا" (٥) من قولِهم: وَفَيْتُ له بعهدِه، أَفِى. والإيفاءُ بالعهدِ (٦): إتمامُه على ما عُقِد عليه من شروطِه الجائزةِ. القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. قال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى "بهيمةِ الأنعامِ" التي ذكَر اللهُ جل ثناؤه في هذه الآيةِ أنه أحلَّها لنا؛ فقال بعضُهم: هى الأنعامُ كلُّها. ذكرُ من قال ذلك حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن عوفٍ، عن الحسن، قال:

стр. 5300

بهيمةُ الأنعامِ: مِن (١) الإبلِ والبقرِ والغنمِ (٢). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها (٣). حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها. حدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهٍ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها. حدثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سِمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾: هي الأنعامُ. وقال آخرون: بل عنَى بقولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. أجنَّةَ الأنعامِ التى تُوجدُ فى بطونِ أمهاتِها - إذا نُحِرت أو ذُبِحت - مَيِّتةً. ذكرُ من قال ذلك حدثنى الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ الفَزاريُّ، عن عطيةَ العوفىِّ، عن ابنِ عمرَ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ

стр. 5301

الْأَنْعَامِ﴾. قال: ما في بطونِها. قال: قلت: إن خرَج ميِّتًا آكُلُه؟ (١) قال: نعم (٢). حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: أخبرنا يحيى بنُ زكريا، عن إدريسَ الأَوْدِيِّ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ نحوَه، وزاد فيه: قال: نعم، هو بمنزلةِ رِئَتِها وكَبِدِها (٣). حدثنا ابنُ حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الجنينُ من بهيمةِ الأنعامِ، فكُلوه (٤). حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مِسْعرٍ وسفيانَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، أن بقرةً نُحِرت، فُوجِد في بطنِها جنينٌ، فأخَذ ابنُ عباسٍ بذَنَبِ الجنينِ، فقال: هذا من بهيمةِ الأنعامِ التى أُحِلَّت لكم (٥). حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: هو من بهيمةِ الأنعامِ. حدثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ ومؤمَّلٌ، قالا: ثنا سفيانُ، عن قابوسَ، عن أبيه، قال: ذبَحنا بقرةً، فإذا في بطنِها جنينٌ، فسألنا ابنَ عباسٍ، فقال: هذه بهيمةُ الأنعامِ. قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بالصوابِ فى ذلك قولُ من قال: عَنى بقولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. الأنعامَ (٦) كلَّها، أجِنَّتَها وسِخالَها وكبارَها؛ لأن

стр. 5302

العربَ لا تمتنعُ من تسميةِ جميعِ ذلك بهيمةً وبهائمَ، ولم يَخْصُصِ اللهُ منها شيئًا دونَ شيءٍ، فذلك على عمومِه وظاهرهِ حتى تأتىَ حجةٌ بخصوصِه يجبُ التسليمُ لها. وأما النَّعَمُ فإنها عندَ العربِ اسمٌ للإبلِ (١) والبقرِ والغنمِ خاصَّةً، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]. ثم قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ففصَل جنسَ النَّعَمِ من غيرِها من أجناسِ الحيوانِ. وأما بهائمُها فإنها أولادُها. وإنما قلنا: يلزَمُ الكبارَ منها اسمُ بهيمةٍ كما يلزَمُ الصغارَ؛ لأن معنى قولِ القائلِ: بهيمةُ الأنعامِ. نظيُر قولِه: ولدُ الأنعامِ. [فكما لا] (٢) يسقُطُ معنى الولادةِ عنه بعدَ الكِبَرِ، فكذلك لا يسقُطُ عنه اسمُ البهيمةِ بعدَ الكِبَرِ. وقد قال قومٌ: بهيمةُ الأنعامِ: وَحْشُها (٣)؛ كالظِّباءِ وبقرِ الوحشِ والحُمُرِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه وتَقدَّست أسماؤُه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى الذي عناه اللهُ جل ثناؤه بقولِه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ بذلك: أُحِلَّت لكم أولادُ الإبلِ والبقرِ والغنمِ، إلا ما بيَّن اللهُ لكم فيما يُتْلى عليكم بقولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية [المائدة: ٣]. ذكرُ من قال ذلك حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى

стр. 5303

نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: إلَّا المَيْتَةَ وما ذُكِر معها (١). حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: من المَيْتَةِ التى نهَى اللهُ عنها وقدَّم فيها. حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال: إلا المَيْتَةَ وما لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليه (٢). أخبرنا محمدُ بنِ الحسين، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: أخبرنا أسباطُ، السُّدِّىِّ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: الميتةُ والدَّمُ ولحمُ الخنزيرِ (٣). حدثنى المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: هى الميتةُ والدَّمُ ولحمُ الخنزيرِ وما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به (٤). وقال آخرون: بل الذى اسْتَثنى اللهُ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ الخنزيرُ.

стр. 5304

ذكرُ من قال ذلك حدثنى عليُّ (١) بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال: الخنزيرُ (٢). قال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلين عندى (٣) بالصوابِ تأويلُ من قال: عنَى بذلك: إلا ما يُتْلَى عليكم من تحريمِ اللهَ ما حرَّم عليكم بقولِه (٤): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه اسْتَثْنَى مما أباح لعبادِه من بهيمةِ الأنعامِ ما (٥) حرَّم عليهم منها. والذى حرَّم عليهم منها ما بيَّنه في قولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾. [والِخْنزيرُ] (٦) وإن كان مما (٧) حرَّمه اللهُ جلَّ وعزَّ علينا فليس من بهيمةِ الأنعامِ فيُسْتَثنى منها. فاستثناءُ (٨) ما حرَّم علينا مما دخَل في جملةِ ما قبلَ الاستثناءِ، أشبهُ من استثناءِ ما حرَّم مما لم يدخُلْ في جملةِ ما قبلَ الاستثناءِ.

стр. 5305

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يا أيها الذين آمَنوا أَوْفوا بالعقودِ غيرَ مُحِلِّى الصيدِ وأنتم حُرُمٌ، أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ. فذلك على قولِهم من المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ، و فـ ﴿غَيْرَ﴾ منصوبٌ، على قولِ قائلى هذه المقالةِ، على الحالِ مما في قولِه: ﴿أَوْفُوا﴾ من ذكرِ "الذين آمَنوا". وتأويلُ الكلام على مذهبِهم: أوْفُوا أيها المؤمنون بعقودِ اللهِ التي عقَدها عليكم في كتابِه، لا مُحِلِّين الصيدَ وأنتم حُرُمٌ. وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ الوحشيَّةِ من الطَّبَاءِ والبقرِ والحُمُرِ، ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾، غير مستحلِّى اصطيادِها، ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، إلا ما يُتْلَى عليكم. فـ ﴿غَيْرَ﴾ على قولِ هؤلاء منصوبٌ على الحالِ من الكافِ والميم اللتين في قولِه: ﴿لَكُمْ﴾ بتأويل: أُحِلَّت لكم أيها الذين آمنوا بهيمةُ الأنعامِ لا مستحلِّى اصطيادِها في حالِ إحرامِكم. وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ كلّها، ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيدٌ فلا يحِلُّ لكم وأنتم حُرُمٌ. فكأَنَّ قال ذلك وجَّه الكلامَ إلى معنى: أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ كلِّها (١)، إلا ما يُبيِّنُ لكم من وحشيِّها، غيرَ مستحلِّى اصطيادِها فى حالِ إحرامِكم. فتكونُ ﴿غَيْرَ﴾ كل منصوبةً - على قولِهم - على الحالِ من الكافِ والميمِ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.

стр. 5306

ذكرُ من قال ذلك حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: أخبرنا [عبيدُ اللهِ، عن] (١) أبى جعفرٍ الرازىِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بنِ الشِّخِّيرِ وعندَه (٢) رجلٌ فحدَّثهم (٣)، فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ [إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾. قال: إلا ما كان من الأنعامِ صَيدًا] (٤)، فهو عليكم حرامٌ. يعنى بقرَ الوحشِ والظِّباءَ وأشباهَه (٥). حدثنى المثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها حِلٌّ إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيدٌ، فلا يحِلُّ إذا كان مُحْرِمًا (٥). قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ - على ما تظاهَرت (٦) به تأويلُ أهلِ التأويلِ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. من أنها الأنعامُ و (٧) أجِنَّتُها وسخالُها، وعلى دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ - قولُ من قال: معنى ذلك: أوْفُوا بالعقودِ غيرَ مُحِلِّى الصيدِ وأنتم حُرُمٌ، فقد أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ فى حالِ إحرامِكم وغيرِها من أحوالِكم، إلا ما يُتْلَى عليكم تحريمُه من الميتةِ منها والدمِ وما أُهِلَّ

стр. 5307

لغيرِ اللهِ به. وذلك أن قولَه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. لو كان معناه: إلا الصيدَ. لقيل: إلا ما يُتْلَى عليكم من الصيدِ غيَر مُحِلِّيه. وفى تركِ اللهِ جل ذكرُه وصلَ (١) قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ بما ذكَرتُ، وإظهارِ ذكر الصيدِ فى قولِه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾. أوضحُ الدليلِ على أن قولَه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. خبرٌ (٢) متناهيةٌ قصتُه، وأن معنى قولِه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ منفصلٌ منه، وكذلك لو كان قولُه تعالى ذِكرُه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ مقصودًا به قصدُ الوَحْشِ، لم يكنْ أيضًا لإعادةِ ذكرِ الصيدِ فى قولِه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ وجهٌ، وقد مضَى ذكرُه قبلُ، ولقيل: أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ إلا ما يُتْلَى عليكم غيرَ مُحِلِّيه وأنتم حُرُمٌ. وفي إظهارِه ذكرَ الصيدِ في قولِه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ أبيُن الدلالةِ على صحةِ ما قلنا فى معنى ذلك. فإن قال قائلٌ: فإن العربَ ربما أَظْهَرت ذكرَ الشيءِ باسمِه، وقد جرَى [ذكرُه باسِمه] (٣) [قبلُ. قيل] (٤): ذلك من فعلِها فى (٥) ضرورةِ شعرٍ، وليس ذلك بالفصيحِ المستعملِ من كلامِهم، وتوجيهُ كلامِ اللهِ جل ثناؤه إلى الأفصحِ من لغاتِ من نزَلَ كلامُه بلغِته أوْلَى ما وُجِد إلى ذلك سبيلٌ من صرفِه إلى غيرِ ذلك. فمعنى الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا أَوْفُوا بعقودِ اللهِ التى عقَد عليكم فيما (٦) حرَّم وأحلَّ، لا مُحِلِّين الصيدَ فى حرَمِكم؛ ففيما أُحِلَّ لكم من بهيمةِ الأنعامِ المذكَّاةِ دونَ ميتتِها متسَعٌ لكم، ومُسْتغْنىً عن الصيدِ فى حالِ إحرامِكم (٧).

стр. 5308

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾. قال أبو جعفر: يعنى بذلك: إن اللهَ يقضى في خلقِه ما يشاءُ من تحليلِ ما أراد تحليلَه، وتحريمِ ما أراد تحريمَه، وإيجابِ ما شاء إيجابَه عليهم (١)، وغيرَ ذلك من أحكامِه وقضاياه، فأؤفُوا أيها [المؤمنون له] (٢) بما عقَد عليكم من تحليلِ ما أحَلَّ لكم، وتحريمِ ما حرَّم عليكم، وغيرِ ذلك من عقودِه فلا تَنْكُثوها ولا تَنْقُضوها. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾: إن اللهَ حكَم (٣) ما أراد فى خلقِه، وبيَّن لعبادِه، وفرَض فرائضَه، وحدَّ حدودَه، وأمرَ بطاعتِه، ونهَى عن معصيتِه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: اخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِ اللِه جل ثناؤه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: [لا تُحِلُّوا حُرُماتِ اللهِ ولا تَتَعدَّوا حدودَه. كأنهم وجَّهوا الشعائرَ إلى المعالِم، وتأوَّلوا] (٥): ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: معالمَ حدودِ اللهِ وأمرِه ونهيِه وفرائضِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ الثَّقفيُّ، قال: ثنا حبيبٌ المعلِّمُ، عن

стр. 5309

عطاءٍ أنه سُئِل عن شعائرِ اللهِ، فقال: حُرُماتُ اللهِ؛ اجتنابُ سَخَطِ الله، واتباعُ طاعتِه، فذلك شعائرُ اللهِ (١). وقال آخرون: معنى ذلك (٢): لا تُحِلُّوا حَرَمَ اللهِ. فكأنهم وجَّهوا معنى قولِه: ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. إلى معالمِ حَرَمِ اللهِ من البلادِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: أما ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فحَرَمُ اللهِ (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحِلُّوا مناسكَ الحجِّ فتَضيِّعوها. وكأنهم وجَّهوا تأويلَ ذلك إلى: لا تُحِلُّوا معالمَ حدودِ اللهِ التي حدَّها لكم في حَجَّكم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: مناسكُ الحجِّ (٤). حدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال:

стр. 5310

كان المشركون يحُجُّون البيتَ الحرامَ، ويُهدون الهدايا، ويعظِّمون حُرمةَ المشاعرِ، ويَتَّجِرون في حَجِّهم، فأراد المسلمون أن يُغِيروا عليهم، فقال اللهُ : ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: الصفا والمروةُ، والهَدْىُ، والبُدْنُ، كلُّ هذا من شعائرِ اللهِ (٢). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحلُّوا ما حرَّم الله عليكم في حالِ إحرامِكم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: شعائرُ اللهِ ما نهَى اللهُ عنه أن تصيبَه وأنت مُحْرِمٌ (٣). قال أبو جعفرٍ: وكأن الذين قالوا هذه المقالةَ وجَّهوا تأويلَ ذلك إلى: لا تُحِلُّوا معالمَ حدودِ اللهِ التي حرَّمها عليكم في إحرامِكم.

стр. 5311

وأَوْلَى التأويلاتِ بقولِه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قولُ عطاءٍ الذي ذكَرناه من توجيهِه معنى ذلك إلى: لا تُحِلُّوا حُرُماتِ اللهِ، ولا تضيِّعوا فرائضَه؛ لأن الشعائرَ جمعُ شعيرةٍ، والشعيرةُ فعيلةٌ، من قولِ القائلِ: قد شعَر فلانٌ بهذا الأمرِ. إذا علِم به، فالشعائرُ المعالمُ من ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلامِ: لا تَسْتَحِلُّوا، أيها الذين آمنوا، معالَم اللهِ. فيدخُلُ فى ذلك معالُم الله كلُّها في مناسكِ الحجِّ، من (١) تحريمِ ما حرَّم الله (٢) إصابتَه فيها على المُحْرِمِ، وتضييعِ ما نهَى عن تضييعِه فيها، وفيما حرَّم من استحلالِ حُرُماتِ حَرَمِه، وغيرِ ذلك من حدودِه وفرائضِه، وحلالِه وحرامِه؛ لأن كلَّ ذلك من معالمِه وشعائرِه التي جعَلها أماراتٍ بينَ الحقِّ والباطلِ، يُعْلِمُ بها حلالَه وحرامَه، وأمرَه ونهيَه. وإنما قلنا: هذا (٣) القولُ أولى بتأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. لأن اللهَ جل ثناؤه نهَى عن استحلالِ شعائرِه ومعالِم حدودِه وإحلالِها نهيًا عامًّا من غيرِ اختصاصِ شيءٍ من ذلك دونَ شيءٍ، [فلم يَجُزْ] (٤) لأحدٍ أن يوجِّهَ معنى ذلك إلى الخصوصِ إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، ولا حجةَ بذلك كذلك. القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾: ولا تستحِلُّوا الشهرَ الحرامَ بقتالِكم فيه (٥) أعداءَكم من المشركين، وهو

стр. 5312

كقولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن عباسٍ وغيرُه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾. يعنى: لا تستحلُّوا قتالًا فيه (١). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كان المشركُ يومَئِذٍ لا يُصَدُّ عن البيتِ (٢)، فأُمِروا ألا يقاتِلوا في [الشهرِ الحرامِ] (٣) ولا عندَ البيتِ (٤) قال أبو جعفرٍ: وأما "الشهرُ الحرامُ" الذي عناه اللهُ جل ثناؤه بقولِه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ فرجبُ مُضَرَ. وهو شهرٌ كانت مضرُ تُحرِّمُ فيه القتالَ. وقد قيل: هو في هذا الموضعِ ذو القَعْدةِ. ذكرُ من قال ذلك حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ، قال: هو ذو القَعْدةِ (٥).

стр. 5313

قال أبو جعفر: وقد بيَّنا الدَّلالةَ على صحةِ ما قلنا في ذلك فيما مضى. وذلك في تأويلِ قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] (١). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: أما الهَدْى، فهو ما أهداه [المرءُ من بعيرٍ] (٢) أو بقرةٍ أو شاةٍ أو غيرِ ذلك إلى بيتِ اللهِ؛ تقرُّبا به إلى اللهِ جل ثناؤه وطلبَ ثوابِه. يقولُ اللهُ : فلا تستحلُّوا ذلك فتَغصِبوه (٣) أهلَه عليه، ولا تَحُولوا بينَهم وبينَ ما أَهْدَوا من ذلك أن [يُبَلِّغوه مَحِلَّه من الحَرَمِ، ولكن خلُّوهم وإياه حتى] (٤) يَبْلُغوا به المَحِلَّ الذي جعَله اللهُ مَحِلَّه من كعبتِه. وقد رُوى عن ابن عباسٍ أن الهَدْيَ إنما يكونُ هديًا ما لم يقلَّدْ. حدَّثني بذلك محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾. قال: الهَدْىُ ما لم يقلَّدْ، وقد جعَل (٥) على نفسِه أن يُهْديَه ويقلِّدَه (٦). وأما قولُه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. فإنه يعنى: ولا تُحِلُّوا أيضًا القلائدَ. ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في "القلائدِ" التي نهَى اللهُ جل ثناؤه عن إحلالِها؛ فقال بعضُهم: عنَى بالقلائِد قلائدَ الهدى. وقالوا: إنما أراد اللهُ بقولِه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ

стр. 5314

وَلَا الْقَلَائِدَ﴾: ولا تُحِلُّوا الهدايا المقلَّداتِ منها وغيرَ المقلَّداتِ. فقولُه (١): ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾. ما لم يقلَّدْ من الهدايا، ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ المقلَّد منها. قالوا: ودلَّ بقولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. على معنى ما أراد من النهيِ عن استحلالِ الهدايا المقلَّدةِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾: القلائدُ مقلَّداتُ الهديِ، وإذا قلَّد الرجلُ هديَه فقد أَحْرَم، فإن فعَل ذلك وعليه قميصُه فلْيخلَعْه (٢). وقال آخرون: يعنى بذلك القلائدَ التي كان المشركون يتقلَّدونها إذا أرادوا الحجَّ مُقْبِلين إلى مكةَ، من لحاءِ السَّمُرِ (٣)، وإذا خرَجوا منها إلى منازلِهم منصرفين منها، من الشَّعَرِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾. قال: كان الرجلُ في الجاهليةِ إذا خرَجَ من بيتِه يريدُ الحجَّ، تقلَّد (٤) من السَّمُرِ فلم يعرِضُ له أحدٌ، وإذا رجَع تقلَّد قِلادةَ شَعَرٍ، فلم يعرِضُ له أحدٌ (٥).

стр. 5315

وقال آخرون: بل كان الرجلُ منهم يتقلَّدُ إذا أراد الخروجَ من الحَرَمِ أو خرَج، من لِحاءِ شجَرِ الحَرَمِ، فيأمَنُ بذلك من سائرِ قبائلِ العربِ أن يعرِضوا له بسوءٍ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مالكِ بن مغْولٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال: كانوا يتقلَّدون من لحِاءِ شجرِ الحرَمِ، يأمَنون بذلك (١) إذا خرَجوا من الحرَمِ، فنزَلت: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية - ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ (٢). حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ قال: القلائدُ اللِّحاء في رِقابِ الناسِ والبهائمِ أمنٌ لهم (٣). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال: إن العربَ كانوا يقلِّدون (٤) من لِحاءِ شجرِ مكةَ، فيقيمُ الرجلُ بمكانِه، حتى إذا انقضتِ الأشهرُ الحرُمُ فأراد أن يرجِعَ إلى أهلِه قلَّد نفسَه وناقتَه من لحِاءِ الشجرِ، فيأمنُ حتى يأتىَ أهلَه (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا

стр. 5316

الْقَلَائِدَ﴾. قال: القلائدُ، كان الرجلُ يأخُذُ لِحَاءَ شجرةٍ من شجرِ الحَرَمِ فيُقلَّدُها (١)، ثم يذهَبُ حيث شاء، فيأمنُ بذلك، فذلك القلائدُ (٢). وقال آخرون (٣): إنما نهَى (٤) الله المؤمنين بقولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. أن ينزِعوا شيئًا من شجرِ الحرَمِ فيتقلَّدوه، كما كان المشركون يفعَلونه (٥) في جاهليتِهم. ذكرُ من قال ذلك أخبرنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾: كان المشركون يأخُذون من شجرِ مكةَ من لِحاءِ السَّمُرِ فيتقلَّدونها، فيأمَنون بها من الناسِ، فنهَى اللهُ أَن يُنْزَعَ شجرُها فيُتَقلَّدَ (٦)، أخبرنا ابن وكيعٍ، قال: أخبرنا عبيدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بن الشِّخِّير وعندَه رجلٌ، فحدَّثهم في قولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال: كان المشركون يأخُذون من شجرِ مكةَ من لحِاءِ السَّمُرِ فيتقلَّدونها (٧)، فيأمَنون بها في الناسِ، فنهَى اللهُ عزَّ ذكرُه أَن يُنْزَعَ شجرُها فيُتقلَّدَ (٢). والذي هو أولى بتأويلِ قولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. إذ كانت معطوفةً على أولِ الكلامِ، ولم يكنْ في الكلامِ ما يدلُّ على انقطاعِها عن أولِه، ولا أنه عنَى بها النهىَ

стр. 5317

عن التقلُّد أو (١) اتخاذِ القلائدِ من شيءٍ - أن يكونَ معناه: ولا تُحِلُّوا القلائدَ. فإذ كان ذلك بتأويِله أولى، فمعلومٌ أنه نهىٌ من اللهِ جلَّ ذكُره عن استحلالِ حُرمةِ المقلَّدِ، هديًا كان ذلك أو إنسانًا، دونَ حرمةِ القِلادةِ، وأن الله تعالى ذكرُه إنما دلَّ بتحريمِه حرمةَ القِلادةِ (٢) على ما ذكَرنا من حرمةِ المقلَّدِ، فاجتَزأ بذكرِه القلائدَ من ذكرِ المقلَّدِ؛ إذ كان مفهومًا عندَ المخاطَبين بذلك (٣) معنى ما أُرِيد به. فمعنى الآيةِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا: يا أيها الذين آمنوا لا تُحِلُّوا شعائرَ اللهِ ولا الشهرَ الحرامَ ولا الهَدْىَ، ولا المقلِّدَ نفسَه (٤) بقلائدِ الحرَمِ. وقد ذكَر بعضُ الشعراءِ في شِعرِه ما ذكَرنا عمن تأول القلائدَ أنها قلائدُ لِحاءِ شجرِ الحرَمِ الذي كان أهلُ الجاهليةِ يتقلَّدونه، فقال وهو يعيبُ رجلين قتَلا رجلين كانا تقلَّدا ذلك (٥): أَلَمْ تَقْتُلا (٦) الحِرْجَينِ (٧) إِذ أَعْوَرَاكُمَا (٨) … يُمرَّانِ بالأيدى (٩) اللِّحاءَ المُضَفَّرَا والحِرْجانِ: المقتولان كذلك. ومعنى قولِه: أعوراكما: أَمكَناكما من عورتِهما.

стр. 5318

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: ولا تُحِلُّوا قاصدين البيتَ الحرامَ العامِديه. يقالُ منه: أممتُ (١) كذا. إذا قصَدْتَه وعمَدْتَه. وبعضُهم يقولُ: يَمَّمْتُه. كما قال الشاعرُ (٢): إنِّي كذاك إذا ما ساءَنى بلَدٌ … يَمَمْتُ صِدْرَ بعيرى غيرَه بلَدَا والبيتُ الحرامُ بيتُ اللهِ الذي بمكةَ. وقد بيَّنتُ فيما مضَى لمَ قيل له: الحرامُ (٣). ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾، يعني: يلتمِسون أرباحًا في تجاراتِهم من اللهِ، ﴿وَرِضْوَانًا﴾. يقولُ: وأَن يَرْضَى اللهُ عنهم بنُسُكِهم. وقد قيل: إن هذه الآيةَ نزلت في رجلٍ من (٤) ربيعة يقالُ له: الحُطَمُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: أَقْبَل الحُطَمُ بنُ هندٍ البكريُّ، ثم أحدُ بنى قيسِ بن ثعلبةَ، حتى أتَى النبيَّ ﷺ وحدَه، وخلَّف خيلَه خارجًا (٥) من المدينةِ، فدعاه فقال: إلامَ تَدْعُو؟ فأَخْبَره - وقد كان النبيُّ ﷺ قال لأصحابِه: "يدخُلُ اليومَ (٦) عليكم رجلٌ من ربيعةَ،

стр. 5319

يتكلَّمُ بلسانِ شيطانٍ" - فلما أَخْبَره النبيُّ ﷺ قال: انْظُروا لعلِّي أُسْلِمُ، ولى من أُشاورُه (١). فخرَج من عندِه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لقد دخَل بوجهِ كافرٍ، وخرَج بعَقِبِ غادرٍ". فمرَّ بسَرْحٍ (٢) من سَرْحِ المدينةِ، فساقه، فانطلق به وهو يرتجزُ (٣): قَدْ لفَّها الليلُ بسوَّاقٍ حُطَمْ (٤) ليس براعى إبلٍ ولا غَنَمْ ولا بجزَّارٍ على ظَهْرِ الوَضَمُ (٥) باتوا نيامًا وابنُ هندٍ لم يَنَمْ بات يقاسيها غلامٌ كالزُّلَمْ (٦) خَدَلَّجُ الساقين (٧) ممسوحُ القَدَمْ ثم أَقْبَل من عامِ قابلٍ حاجًّا، قد قلَّد الهَدْىَ (٨)، فأراد رسولُ اللهِ ﷺ أن يبعَثَ إليه، فنزَلت هذه الآيةُ، حتى بلَغ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال له ناسٌ من

стр. 5320

أصحابِه: يا رسولَ اللهِ، خلِّ بينَنا وبينَه، فإنه صاحبُنا، قال: "إنه قد قلَّد". قالوا: إنما هو شيءٌ كنا نصنَعُه في الجاهليةِ. فأبى عليهم، فنزَلت هذه الآيةُ فيه (١). حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ، قال: قدِم الحُطَمُ أخو (٢) بنى ضُبيَعةَ بن ثعلبةَ البكريُّ المدينةَ في عِيرٍ له تحمِلُ (٣) طعامًا، فباعه، ثم دخَل على النبيِّ ﷺ ، فبايعه وأَسْلَم، فلما ولَّى خارجًا نظَر إليه، فقال لمن عندَه: "لقد دخَل عليَّ بوجهِ فاجرٍ، وولَّى بقَفَا غادرٍ". فلما قدِم اليمامةَ ارتدَّ عن الإسلامِ، وخرَج في عيرٍ له تحملُ الطعامَ في ذي القَعدةِ يريدُ مكة، فلما سمِع به أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ، تهيَّأ للخروجِ إليه نفرٌ من المهاجرين والأنصارِ ليقتَطِعوه في عيرِه، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. فانتهى القومُ (٤). قال ابن جريجٍ: قولُه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال: يَنْهَى عن الحُجَّاجِ أن تُقْطَعَ سُبُلُهم (٥). قال: وذلك أن الحُطَمَ قدِم على النبيِّ ﷺ ليرتادَ وينظُرَ، فقال: إنى داعيةُ قومى (٦)، [وسيدُ قومى] (٧)، فاعرِضْ عليَّ ما تقولُ. فقال له: "أَدْعُوك إلى اللهِ أن تعبُدَه ولا تشرِكَ به شيئًا، وتقيمَ الصلاةَ، وتؤتىَ الزكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتُحجَّ البيتَ". فقال الحُطَمُ: في أمرِك هذا غِلظةٌ، أرجِعُ إلى قومى

стр. 5321

فأذكُرُ لهم ما ذكَرتَ، فإن قبِلوه أقْبَلت معهم، وإن أدْبَروا كنت معهم. قال له: "ارجِعْ". فلما خرَج، قال: "لقد دخَل عليَّ بوجهِ كافرٍ، وخرَج من عندى بقفا (١) غادرٍ، وما الرجلُ مسلمٍ". فمرَّ على سَرْحٍ لأهلِ المدينةِ فانطَلق به، فطلَبه أصحابُ رسول اللهِ ﷺ ففاتهم، وقدِم اليمامةَ، وحضَر الحجُّ، فتَجهَّز (٢) خارجًا، وكان عظيمَ التجارةِ، فاستأذنوا أن يتلقَّوه ويأخُذوا ما معه، فَأَنْزَل اللهُ جل ثناؤه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ الآية (٣). حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾ الآية. قال: هذا يومَ الفتحِ، جاء ناسٌ يؤُمُّون البيتَ (٤) من المشركين، يُهِلُّون بعمرةٍ، فقال المسلمون: يا رسولَ اللهِ، إنما هؤلاء مشركون، فمثلُ هؤلاء فلن ندَعَهم إلا أن نُغِيرَ عليهم. فنزَل القرآنُ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾ (٥). حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾. يقولُ: من توجَّه حاجًّا (٦). حدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ (٧)، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن جُوَيبرٍ (٨)،

стр. 5322

عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾. يعنى الحاجَّ. حدثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بن الشِّخِّيرِ وعندَه رجلٌ، فحدَّثهم (١) فقال: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾. قال: الذين يريدون البيتَ (٢). قال أبو جعفر: ثم اخْتَلف أهلُ العلمِ فيما نُسِخ من هذه الآيةِ، بعدَ إجماعهِم على أن منها منسوخًا؛ فقال بعضُهم: نُسِخ جميعُها. ذكرُ من قال ذلك حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن بيانٍ، عن عامرٍ، قال: لم يُنْسَخْ من "المائدةِ": إلا هذه الآيةُ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: نسَختها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (٣). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثورى، عن بيانٍ، عن الشعبيِّ، قال: لم يُنْسَخ من سورةِ "المائدةِ" غيرُ هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 5323

آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (١). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال: منسوخٌ. قال: كان المشركُ يومَئذٍ لا يُصَدُّ عن البيتِ، فَأُمِروا ألا يقاتِلوا في الأشهرِ الحُرُمِ، ولا عندَ البيتِ، فنسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ قال: نسَختها "براءةُ": ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣). حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، [عن جُوَيْبِرٍ] (٤) عن الضحَّاكِ مثلَه. حدثنا ابن حُميدِ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ (٥)، عن منصورٍ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال (٦): هذا شيءٌ نُهِى عنه، فتُرِك كما هو. [وقال ابن حُميدٍ في حديثِه عن حبيبٍ: فقال: شيءٌ كان نُهى عنه فنزَلت] (٧).

стр. 5324

حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال: هذا كلُّه منسوخٌ، نسَخ هذا ما (١) أمَره بجهادِهم كافَّةً (٢). وقال آخرون: الذي نُسِخ من هذه الآيةِ قولُه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. ذكرُ من قال ذلك حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ (٣) بنُ سليمانَ، قال: قرأتُ على ابن أبي عَرُوبةَ، فقال: هكذا سمِعته من قتادةَ: نُسِخ من "المائدةِ": ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ نسَختها "براءةُ" (٤) قال اللهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٧]. وهو العامُ الذي حجَّ فيه أبو بكرٍ، فنادى عليٌّ (٥) فيه بالأَذانِ (٦). حدثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا همَّامُ بنُ يحيى، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. قال: فنُسِخ منها: ﴿وَلَا

стр. 5325

آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، نسَختها "براءةُ"، فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فذكَر نحوَ حديثِ عَبْدةَ، [إلا أنه زاد فيه: فقال: نادى عليٌّ بالأذانِ. يعنى: قرَأ عليهم سورةَ "براءةَ"] (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: نزَل في شأنِ الحُطَمِ: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. ثم نسَخه اللهُ فقال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: [وكان المؤمنون والمشركون يحجُّون البيتَ] (٢) جميعًا، فنهى الله المؤمنين أن يمنَعوا أحدًا أن يحُجَّ البيتَ، أو يعرِضوا له من مؤمنٍ أو كافرٍ، ثم أَنْزَلَ اللهُ بعدَ هذا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨]. وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. فنَفى المشركين من المسجدِ الحرامِ (٣). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال: منسوخٌ، كان الرجلُ في الجاهليةِ إذا خرَج من بيتِه يريدُ الحجَّ، تقلَّد من السَّمُرِ، فلم يعرِضُ له أحدٌ، وإذا رجَع تقلَّد قِلادةَ شَعَرٍ، فلم يعرِضْ له أحدٌ، وكان المشركُ يومَئذٍ لا يُصَدُّ
следующие страницы →