← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

فأذكُرُ لهم ما ذكَرتَ، فإن قبِلوه أقْبَلت معهم، وإن أدْبَروا كنت معهم. قال له: "ارجِعْ". فلما خرَج، قال: "لقد دخَل عليَّ بوجهِ كافرٍ، وخرَج من عندى بقفا (١) غادرٍ، وما الرجلُ مسلمٍ". فمرَّ على سَرْحٍ لأهلِ المدينةِ فانطَلق به، فطلَبه أصحابُ رسول اللهِ ﷺ ففاتهم، وقدِم اليمامةَ، وحضَر الحجُّ، فتَجهَّز (٢) خارجًا، وكان عظيمَ التجارةِ، فاستأذنوا أن يتلقَّوه ويأخُذوا ما معه، فَأَنْزَل اللهُ جل ثناؤه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ الآية (٣). حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾ الآية. قال: هذا يومَ الفتحِ، جاء ناسٌ يؤُمُّون البيتَ (٤) من المشركين، يُهِلُّون بعمرةٍ، فقال المسلمون: يا رسولَ اللهِ، إنما هؤلاء مشركون، فمثلُ هؤلاء فلن ندَعَهم إلا أن نُغِيرَ عليهم. فنزَل القرآنُ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾ (٥). حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾. يقولُ: من توجَّه حاجًّا (٦). حدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ (٧)، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن جُوَيبرٍ (٨)،

стр. 5322

عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾. يعنى الحاجَّ. حدثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بن الشِّخِّيرِ وعندَه رجلٌ، فحدَّثهم (١) فقال: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾. قال: الذين يريدون البيتَ (٢). قال أبو جعفر: ثم اخْتَلف أهلُ العلمِ فيما نُسِخ من هذه الآيةِ، بعدَ إجماعهِم على أن منها منسوخًا؛ فقال بعضُهم: نُسِخ جميعُها. ذكرُ من قال ذلك حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن بيانٍ، عن عامرٍ، قال: لم يُنْسَخْ من "المائدةِ": إلا هذه الآيةُ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: نسَختها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (٣). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثورى، عن بيانٍ، عن الشعبيِّ، قال: لم يُنْسَخ من سورةِ "المائدةِ" غيرُ هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 5323

آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (١). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال: منسوخٌ. قال: كان المشركُ يومَئذٍ لا يُصَدُّ عن البيتِ، فَأُمِروا ألا يقاتِلوا في الأشهرِ الحُرُمِ، ولا عندَ البيتِ، فنسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ قال: نسَختها "براءةُ": ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣). حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، [عن جُوَيْبِرٍ] (٤) عن الضحَّاكِ مثلَه. حدثنا ابن حُميدِ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ (٥)، عن منصورٍ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال (٦): هذا شيءٌ نُهِى عنه، فتُرِك كما هو. [وقال ابن حُميدٍ في حديثِه عن حبيبٍ: فقال: شيءٌ كان نُهى عنه فنزَلت] (٧).

стр. 5324

حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال: هذا كلُّه منسوخٌ، نسَخ هذا ما (١) أمَره بجهادِهم كافَّةً (٢). وقال آخرون: الذي نُسِخ من هذه الآيةِ قولُه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. ذكرُ من قال ذلك حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ (٣) بنُ سليمانَ، قال: قرأتُ على ابن أبي عَرُوبةَ، فقال: هكذا سمِعته من قتادةَ: نُسِخ من "المائدةِ": ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ نسَختها "براءةُ" (٤) قال اللهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٧]. وهو العامُ الذي حجَّ فيه أبو بكرٍ، فنادى عليٌّ (٥) فيه بالأَذانِ (٦). حدثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا همَّامُ بنُ يحيى، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. قال: فنُسِخ منها: ﴿وَلَا

стр. 5325

آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، نسَختها "براءةُ"، فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فذكَر نحوَ حديثِ عَبْدةَ، [إلا أنه زاد فيه: فقال: نادى عليٌّ بالأذانِ. يعنى: قرَأ عليهم سورةَ "براءةَ"] (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: نزَل في شأنِ الحُطَمِ: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. ثم نسَخه اللهُ فقال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: [وكان المؤمنون والمشركون يحجُّون البيتَ] (٢) جميعًا، فنهى الله المؤمنين أن يمنَعوا أحدًا أن يحُجَّ البيتَ، أو يعرِضوا له من مؤمنٍ أو كافرٍ، ثم أَنْزَلَ اللهُ بعدَ هذا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨]. وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. فنَفى المشركين من المسجدِ الحرامِ (٣). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال: منسوخٌ، كان الرجلُ في الجاهليةِ إذا خرَج من بيتِه يريدُ الحجَّ، تقلَّد من السَّمُرِ، فلم يعرِضُ له أحدٌ، وإذا رجَع تقلَّد قِلادةَ شَعَرٍ، فلم يعرِضْ له أحدٌ، وكان المشركُ يومَئذٍ لا يُصَدُّ

стр. 5326

البيتِ، فأُمِروا ألا يقاتِلوا في الأشهرِ الحُرُمِ، ولا عندَ البيتِ، فنسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١). وقال آخرون: لم يُنْسَخُ من ذلك شيءٌ إلا القلائدُ التي كانت في (٢) الجاهليةِ يتقلَّدونها من لحاءِ الشجرِ. ذكرُ من قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه : ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال أصحابُ محمدٍ ﷺ : هذا كلُّه من عملِ الجاهليةِ، فعلُه وإقامتُه، فحرَّم اللهُ ذلك كلَّه بالإسلامِ إلا لِحاءَ القلائدِ، فتُرك ذلك، ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. فحرَّم اللهُ على كلِّ أحدٍ إخافتَهم (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤). قال أبو جعفرٍ ﵀: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ من قال: نسَخ اللهُ من هذه الآيةِ قولَه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. لإجماعِ الجميعِ (٥) على أن الله جل ثناؤه قد أَحَلَّ قتالَ أهلِ الشركِ في الأشهرِ الحرُمِ وغيرِها من شهورِ السنةِ كلِّها، وكذلك أَجْمعوا على أن المشركَ لو قلَّد

стр. 5327

عنقَه أو ذراعيه لِحاءَ جميعِ أشجارِ الحرَمِ، لم يكنْ ذلك له أمانًا من القتلِ إذا (١) لم يكنْ تقدَّم له عقدُ ذِمَّةٍ من المسلمين أو أمانٌ. وقد بيَّنا فيما مضَى معنى "القلائِد" في غيرِ هذا الموضعِ (٢). وأما قولُه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. فإنه محتمِلٌ ظاهرُه: ولا تُحِلُّوا حرمةَ آمِّين البيتَ الحرامِ من أهلِ الشركِ والإسلامِ. لعمومِه جميعَ من أمَّ البيتَ، وإذا احْتمل ذلك، فكان أهلُ الشركِ داخلين في جملتِهم، فلا شكَّ أن قولَه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ناسخٌ له؛ لأنه غيرُ جائزٍ اجتماعُ الأمرِ بقتلِهم وتركُ قتلِهم في حالٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ، وفي إجماعِ الجميعِ على أن حكمَ اللهِ في أهلِ الحربِ من المشركين قتلُهم، أمُّوا البيتَ الحرامَ أو البيتَ المقدسَ، في أشهرِ الحُرُمِ وغيرِها (٣) - ما يُعْلِمُ أن المنعَ من قتلِهم إذا أمُّوا البيتَ الحرامَ منسوخٌ. ومحتمِلٌ أيضا: ولا أمِّين البيتَ الحرامَ من أهلِ الشركِ. وأكثرُ أهلِ التأويلِ على ذلك، وإن كان عُنِى بذلك المشركون من أهلِ الحربِ، فهو أيضًا لا شكَّ منسوخٌ، وإذ كان ذلك كذلك، [وكان] (٤) لا اختلافَ في ذلك بينَهم ظاهرٌ، وكان ما كان [مستفيضًا فيهم ظاهرَ الحجةِ] (٥)، فالواجبُ - وإن احْتَمل ذلك معنًى غيرَ الذي قالوا - التسليمُ لما استفاض بصحتِه نقلُهم. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾.

стр. 5328

قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بقولِه: ﴿يَبْتَغُونَ﴾: يطلُبون ويلتمِسون. [والفضلُ الأرباحُ] (١) في التجارةِ. والرضوانُ رضا اللهِ عنهم، فلا يُحِلُّ بهم من العقوبةِ في الدنيا ما أحلَّ بغَيرِهم من الأممِ في عاجلِ دنياهم بحجِّهم بيتَه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ من قال ذلك حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. قال: [هي للمشْرِكين] (٢)؛ يلتمسون فضلَ اللهِ ورضوانَه فيما يُصْلِحُ لهم دنياهم (٣). أخبرنا ابن وكيعٍ قال: أخبرنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، قال: قرأتُ على ابن أبي عَرُوبةَ، فقال: هكذا سمِعتُه من قتادةَ في قولِه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾: والفضلُ والرِّضوانُ اللذان يَبْتَغون أن يُصْلِحَ معايشَهم في الدنيا، [وألا] (٤) يعجِّلَ لهم العقوبةَ فيها (٥). حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾: يعنى أنهم يترضَّوْن الله بحجِّهم (٦).

стр. 5329

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الرَّبيعِ بن أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بن الشِّخِّيرِ وعندَه رجلٌ، فحدَّثهم في قولِه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. قال: التجارةُ في الحجِّ، والرضوانُ في (١) الحجِّ (٢). أخبرنا محمدُ بنُ المثنى، قال: أخبرنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي أُمَيمةَ (٣)، قال: قال ابن (٤) عمرَ في الرجلِ يحُجُّ، ويحمِلُ معه متاعًا، قال: لا بأسَ به. وتلا هذه الآية: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. قال: يبتغون الأجرَ والتجارةَ (٥). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وإذا حَلَلتم [مِن إحرامِكم] (٦) فاصطادُوا الصيدَ (٧) الذي نهيتُكم أن تُحِلُّوه وأنتم حُرُمٌ. يقولُ: فلا حرَجَ عليكم في اصطيادِه، فاصطادُوا إن شئتم حينَئذٍ؛ لأن المعنى الذي من أجلِه كنت

стр. 5330

حرَّمته عليكم في حالِ إحرامكم قد زال. وبما قلنا في ذلك قال جميعُ أهلِ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن مجاهدٍ أنه قال: هي رخصةٌ. يعنى قولَه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. أخبرنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجَّاجٍ، عن القاسمِ، عن مجاهدٍ، قال: خمسٌ في كتابِ اللهِ رخصةٌ، وليست بعَزمةٍ. فذكَر: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. قال: من شاء فعَل، ومن شاء لم يفعَلْ (١). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجاجِ، عن عطاءٍ مثلَه (٢). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. قال: إذا حلَّ، فإن شاء اصْطَاد (٣)، وإن شاء لم يصطَدْ (١). أخبرنا ابن وكيعٍ قال: حدثنا ابن إدريسَ، عن ابن جريجٍ، عن رجلٍ، مجاهدٍ أنه كان لا يرى الأكلَ من هَدْى المتعةِ واجبًا، وكان يتأوَّلُ هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ - ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].

стр. 5331

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يَحْمِلَنَّكم. كما حدثني المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. يقولُ: لا يَحْمِلَنَّكم شنآنُ قومٍ (١). حدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. أي: لا يحمِلَنَّكم (٢). وأما أهلُ المعرفةِ باللغةِ فإنهم اخْتَلفوا في تأويلِها؛ فقال بعضُ البصريِّين (٣): معنى قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُحِقَّنَّ (٤) لكم؛ لأن قولَه: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّار﴾ [النحل: ٦٢] هو: حقٌّ أن لهم النارَ. [وقال آخرُ منهم: معناه: لا يحمِلَنَّكم ولا يُعْدِيَنَّكم] (٥). وقال بعضُ الكوفيين: معناه: لا يَحْمِلَنَّكم. وقال (٦): يقالُ: جرَمنى (٧) فلانٌ على أن صنَعْتُ كذا وكذا. أي: حمَلنى عليه.

стр. 5332

واحتجَّ جميعُهم ببيتِ الشاعرِ (١): ولقد طعَنْتَ أبا عُيينةَ طعنةً … جرَمَتْ فَزارةَ بعدَها أن يَغْضَبوا فتأوَّل ذلك كلُّ فريقٍ (٢) منهم على المعنى الذي تأوَّله من القرآنِ، فقال الذين قالوا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُحِقَّنَّ لكم (٣): معنى قولِ الشاعرِ: جرَمَت فَزارةَ: أَحَقَّت الطعنةُ لفزارةَ الغضبَ. وقال الذين قالوا معناه: لا يَحْمِلَنَّكُم: معناه في البيتِ: جرَمَت فزارةَ أن يَغْضَبوا: حمَلَت فزارةَ على أن يَغْضَبوا. وقال آخرُ من الكوفيين (٤): معنى قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يَكْسِبَنَّكم (٥) شنآنُ قومٍ [أن تعتدوا] (٦). [وتأويلُ قائلِ] (٧) هذا القولِ قولَ الشاعرِ في البيتِ: جرَمَت فزارةَ: كسَبَت فزارةَ أن يَغْضَبوا. قال: وسمِعتُ العربَ تقولُ: فلانٌ جريمةُ أَهلِه. بمعنى: كاسبُهم. وخرج يجرِمُهم: يكسِبُهم. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: وهذه الأقوالُ التي حكيناها عمَّن حكيناها عنه متقاربةُ المعنى. وذلك أن من حمَل رجلًا على بُغْضِ رجلٍ، فقد أَكْسَبه بغضَه، ومن أَكْسَبه بغضَه، فقد أَحَقَّه له.

стр. 5333

إذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أحسنُ في الإبانةِ عن معنى الحَرْفِ ما قاله ابن عباس وقتادةُ، وذلك توجيهُهما معنى قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. إلى (١): ولا يحمِلَنَّكم شنآنُ قومٍ على العُدْوانِ. واخْتَلفت القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بفتحِ الياءِ، من: جرَمْتُه أَجْرِمُه. وقرأ ذلك بعضُ قرأَةِ الكوفيين، وهو يحيى بنُ وثَّابٍ والأعمشُ (٢)، ما حدثنا ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ أنه قرَأ: (ولا يُجْرِمَنَّكم). مرتفعةَ الياء، من: أَجْرَمتُه أُجْرِمُه، وهو يُجْرِمُنى. قال أبو جعفر ﵀: والذي هو أولى بالصوابِ من القراءتين قراءةُ من قرَأ ذلك: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بفتحِ الياءِ؛ لاستفاضةِ القراءةِ بذلك في قرأَةِ الأمصارِ (٣)، وشذوذِ ما خالَفه (٤)، وأنها اللغةُ المعروفةُ السائرةُ في العربِ، وإن كان مسموعًا من بعضِها (٥): أَجْرَمَ يُجْرِمُ. على شذوذِه، وقراءةُ القرآنِ بأفصحِ اللغاتِ أَوْلَى وأحقُّ منها بغيرِ ذلك. ومن لغةِ من قال: جَرَمْتُ. قولُ الشاعرِ (٦): يا أيها المُشْتَكِى عُكُلًا (٧) وما جَرمَتْ … إلى القبائلِ مِن قتلٍ وإِبْآسُ (٨)

стр. 5334

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. اخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم: ﴿شَنَآنُ﴾ بتحريكِ الشينِ والنونِ إلى الفتحِ (١)، بمعنى: بُغْضُ قومٍ. توجيهًا منهم ذلك إلى المصدرِ الذي يأتى على "فَعَلان"، نظيرُ الطَّيَرانِ، والنَّسَلانِ (٢)، والعَسَلانِ (٣)، والرَّمَلان (٤). وقرأ ذلك آخرون: (شَنْآنُ قَوْمٍ) بتسكين النونِ وفتحِ الشينِ (٥)، بمعنى الاسمِ، توجيهًا منهم (٦) معناه إلى: لا يَحْمِلَنَّكُم بَغِيضُ (٧) قومٍ. فيُخَرَّجُ (شَنْآنُ) على تقديرِ "فَعْلان"؛ لأن "فَعَل" منه على "فَعِل"، كما يقالُ: سَكْرانُ. من "سَكِر"، وعَطْشَانُ. من "عَطِش"، وما أَشْبَه ذلك من الأسماءِ. والذي هو أولى القراءتين في ذلك بالصوابِ (٨) قراءةُ من قرأَ: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ بفتحِ (٩) النونِ محرَّكةً، لتتابعِ (١٠) تأويلِ أهلِ التأويلِ على أن معناه: بُغْضُ قومٍ.

стр. 5335

وتوجيهِهم ذلك إلى معنى المصدرِ دونَ معنى الاسمِ. وإذ كان ذلك موجَّهًا إلى معنى المصدرِ، فالفصيحُ من كلامِ الغربِ فيما جاء من المصادرِ على "الفَعَلانِ" بفتحِ الفاءِ، تحريكُ ثانيه دونَ تسكينِه، كما وصَفتُ من قولِهم (١): الدَّرَجانُ، والرَّمَلانُ (٢). من درَج ورمَل (٣)، فكذلك الشَّنَآنُ من. شَنِئْتُه أَشْنُؤُه شَنَآنًا. ومن العربِ من يقولُ: شَنَانٌ. على تقديرِ "فَعَال" (٤)، ولا أعلَمُ قارئًا قرأ ذلك كذلك (٥)، ومن ذلك قولُ الشاعرِ (٦): وما العيشُ إلا ما يَلَذُّ ويُشْتَهَى … وإنْ لام فيه ذو الشَّنَانِ وفَنَّدَا وهذا في لغةِ من ترَك الهمزَ من "الشَّنَآنِ"، فصار على تقدير "فَعَالٍ"، وهو في الأصلِ (٧) "فَعَلانٌ". ذكرُ من قال من أهلِ التأويلِ: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: بغضُ قومٍ حدَّثني المثنى، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: [لا يَحْمِلَنَّكم] (٨) بغضُ قومٍ (٩).

стр. 5336

وحدَّثني به المثنى مرةً أُخرى بإسنادِه، عن ابن عباسٍ، فقال: لا تحمِلنَّكم عداوةُ قومٍ أن تَعْتَدُوا. حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: لا يجرِمَنَّكُم بغضُ قومٍ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. قال: بَغْضاؤُهم أن تعتدُوا. القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤه: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: اخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُ قرأةِ (٢) أهل المدينةِ وعامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بفتحِ الألفِ [من ﴿أَنْ﴾] (٣)، بمعنى: لا يَجْرِمَنَّكم بغضُ قومٍ بصدِّهم إياكم عن المسجدِ الحرامِ أن تعتدُوا. وكان بعضُ قرأَةِ الحجازِ والبصرةِ يقرأُ ذلك: (ولا يَجْرِمنَّكم شَنَآنُ قومٍ إن صَدُّوكم). بكسرِ الألف من "إنْ" (٤)، بمعنى: ولا يجرمَنَّكم شنآنُ قومٍ إن هم (٥) أَحْدَثوا لكم صدًّا عن المسجدِ الحرامِ أن تعتدوا. [فزعموا أنها في] (٦)

стр. 5337

[قراءةِ ابن مسعودٍ: (إن يَصُدُّوكم) (١). فقرَءوا ذلك كذلك اعتبارًا بقراءتهِ] (٢). والصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان في قرأَةِ الأمصارِ، صحيحٌ معنى كلِّ واحدَةٍ منهما، وذلك أن النبيَّ ﷺ صُدَّ عن البيتِ هو وأصحابُه يومَ (٣) الحُديبيةِ، وأُنْزِلت عليه سورةُ "المائدةِ" بعدَ ذلك، فمن قرَأ: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بفتحِ [الألفِ من] (٤) ﴿أَنْ﴾. فمعناه (٥): لا يَحْمِلَنَّكم بغضُ قومٍ أيُّها الناسُ من أجلِ أن صدوُّكم يومَ الحديبيةِ عن المسجدِ الحرامِ أن تعتدوا عليهم. ومن قرأ: (إنْ صَدُّوكُمْ) بكسرِ الألفِ، فمعناه: لا يجرِمَنَّكم شنآنُ قومٍ إن صدُّوكم عن المسجد الحرامِ إذا أردتم دخولَه. لأن الذين حارَبوا رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه من قريشٍ يومَ فتحِ مكةَ قد حاولوا صدَّهم عن المسجدِ الحرامِ، فتقدَّم اللهُ إلى المؤمنين في قولِ من قرأ ذلك بكسرِ "إنْ" بالنهيِ عن الاعتداءِ عليهم إن هم صدُّوهم عن المسجدِ الحرامِ قبلَ أن يكونَ ذلك من الصادِّين. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كما وصَفْتُ، فإن قراءةَ ذلك بفتحِ الألفِ أبينُ معنًى؛ لأن هذه السورةَ لا تَدَافُعَ بينَ أهلِ العلمِ في أنها نزَلت بعد يومِ الحُدَيْبِيةِ. وإذ كان ذلك كذلك، فالصَّدُّ قد كان تقَدَّم مِن المشركينِ، فنهَى اللهُ المؤمنين عن الاعْتِداءِ على الصادِّين. من أجلِ صدِّهم إيَّاهم عن المسجدِ الحرامِ. وأما قولُه: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ فإنه يعنى: أن تُجاوِزوا الحدَّ الذي حدَّه اللهُ لكم في أمرِهم.

стр. 5338

فتأويلُ الآيةِ إذن: ولا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ (١) قومٍ لأَنْ صَدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ أيُّها المؤمنون أن تَعْتَدوا حكمَ اللهِ فيهم، فتُجاوِزوه إلى ما نهاكم عنه، ولكن الْزَموا طاعةَ اللهِ فيما أَحْبَبْتُم وكرِهْتُم. وذُكر أنها نزلَت في النهيِ عن الطلبِ بذُحولِ (٢) الجاهليةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾: رجلٌ مؤمنٌ مِن حلفاءِ محمدٍ قَتل حَليفًا لأبي سفيانَ مِن هُذَيْلٍ يومَ الفتحِ بعرفةَ؛ لأنه كان يَقْتُلُ حلفاءَ محمدٍ، فقال محمدٌ ﷺ : "لعَن اللهُ مَن قتَل بذَحْلِ الجاهليةِ" (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال آخَرون: هذا منسوخٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾. قال: بَغْضاؤُهم حتى تَأْتوا ما لا يَحِلُّ لكم. وقرَأ: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا﴾. وقال: هذا كلُّه قد نُسِخ، نسَخه الجهادُ.

стр. 5339

قال أبو جعفرٍ: وأولَى القولَين في ذلك بالصوابِ قولُ مجاهدٍ، [وأنه] (١) غيرُ منسوخٍ؛ لاحتمالِه: أن تَعْتَدوا الحقَّ فيما أَمَرْتُكم به. وإذا احْتَمل ذلك، لم يَجُزْ أن يُقالَ: هو منسوخٌ. إلا بحجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾: ولْيُعِنْ بعضُكم بعضًا أَيُّها المؤمنون على البرِّ، وهو العملُ بما أمَر اللهُ بالعملِ به، والتقوى هو اتَّقاءُ ما أمَر اللهُ باتِّقائِه واجْتِنابِه مِن مَعاصِيه. وقولُه: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يعنى: ولا يُعِنْ بعضُكم بعضًا على الإثمِ. يعني: على تركِ ما أمَرَكم اللهُ بفعلِه ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾، يقولُ: ولا على أن تَتَجاوزوا ما حدَّ اللهُ لكم في دينِكم، وفرَض لكم في أنفسِكم وفي غيرِكم. وإنما معنى الكلامِ: ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قومٍ أن صَدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ أن تَعْتَدوا، ولكن لِيُعنْ بعضُكم بعضًا بالأمرِ بالانتهاءِ إلى ما حدَّه اللهُ لكم في القومِ الذين صدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ، وفى غيرِهم، والانتهاءِ عما نهاكم اللهُ أن تَأْتوا فيهم وفى غيرِهم، وفى سائرِ ما نهاكم عنه، ولا يُعِنْ بعضُكم بعضًا على خلافِ ذلك. وبما قلْنا في "البرِّ والتقوَى" قال أهلُ التأويلِ. حدَّثني المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. قال:

стр. 5340

البرُّ ما أُمِرْتَ به، والتَّقْوى ما نُهِيتَ عنه (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. قال: البِرُّ مَا أُمِرْتَ به، والتقْوَى ما نُهِيتَ عنه (٢). القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا وَعيدٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه، وتهددٌ (٣) لمَن اعْتَدَى حدَّه، وتجاوَز أمْرَه، يقولُ ﵎: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. يعنى: واحْذَرُوا الله أَيُّها المؤمنون أن تَلْقَوْه في مَعادِكم وقد اعْتَدَيْتُم حدَّه فيما حدَّ لكم، وخالَفْتُم أَمْرَه فيما أمرَكم به، أو نَهْيَه فيما نَهاكم عنه، فتَسْتَوْجِبوا عِقابَه، وتَسْتَحِقُّوا أليمَ عذابِه. ثم (٤) وصَف عقابَه بالشدةِ، فقال جل ثناؤه: إن الله شديدٌ عقابُه لمن عاقَبَه مِن خلقِه؛ لأنها (٥) نارٌ لا يَطْفَأُ حَرُّها، ولا يَخْمُدُ جَمْرُها، ولا يَسْكُنُ لَهَبُها، نَعوذُ باللهِ منها، ومِن عملٍ [يُقَرِّبُ إليها] (٦). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: حرَّم اللهُ عليكم أيُّها المؤمنون الميتةَ. والميتةُ كلُّ ماله نفسٌ سائلةٌ مِن دَوابِّ البَرِّ وطيرِه، مما

стр. 5341

أباح اللهُ أكلَها؛ أهْلِيَّها ووَحْشِيَّها، فارَقَتْها رُوحُها بغيرِ تَذْكيةٍ. وقد قال بعضُهم: الميتةُ هو كلُّ ما فارَقَتْه الحياةُ مِن دَوابِّ البَرِّ وطيرِه بغيرِ تَذْكِيةٍ مما أحَلَّ اللهُ أكلَه. وقد بيَّنَّا العلةَ المُوجِبةَ صحةَ القولِ بما قلنا في ذلك في كتابِنا "كتابِ لطيفِ القولِ في الأحكامِ". وأما الدَّمُ، فإنه الدمُ المسفوحٌ دونَ ما كان منه غيرَ مسفوحٍ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه قال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فأمَّا ما كان قد صار في معنى اللحمِ؛ كالكِبدِ والطِّحالِ وما كان في اللحمِ غيرَ مُنْسَفِحٍ، فإن ذلك غيرُ حَرامٍ؛ لإِجماعِ الجميعِ على ذلك. وأما قولُه: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾. فإنه يعنى: وحُرِّم عليكم لحمُ الخنزيرِ؛ أهليُّه وبَرِّيُّه. فالميتةُ والدَّمُ مَخْرَجُهما في الظاهرِ مَخْرَجُ عمومٍ، والمرادُ منهما الخصوصُ، وأما لحمُ الخنزيرِ، فإنَّ ظاهرَه كباطنِه، وباطنَه كظاهرِه، حَرامٌ جميعُه لم يُخْصَصْ منه شيءٌ. وأما قولُه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. فإنه يعنى: وما ذُكِر عليه غيرُ اسمِ اللهِ. وأصلُه من استهلالِ الصبيِّ، وذلك إذا صاح حينَ يَسْقُطُ مِن بطنِ أُمِّه، ومنه إهلالُ المُحْرِمِ بالحجِّ، إذا لَبَّى به، ومنه قولُ ابن أَحْمَرَ (١): يُهِلُّ بالفَرْقَدِ رُكْبانُها … كما يُهِلُّ الراكبُ المُعْتَمِرْ

стр. 5342

وإنما عنَى بقولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: وما ذُبِح للآلهةِ وللأوثانِ، يُسَمَّى عليه غيرُ اسمِ الله. وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عمن قال ذلك فيما مضَى، فكرِهْنا إعادتَه (١). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ الانخِناقِ الذي عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾. قال: التي تُدْخِلُ رأسَها بينَ شُعْبَتَينْ مِن شجرةٍ، فتَخْتَنِقُ فتموتُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحْمرُ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في "المنخنقةِ"، قال: التي تَخْتَنِقُ فتَموتُ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾: التي تموتُ في خِناقِها (٣). وقال آخرون: هي التي تُوثَقُ فيَقْتُلُها بالخناقِ وَثاقُها. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرَنَا عُبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾. قال: الشاةُ تُوثَقُ فيَقْتُلُها خِناقُها، فهي حرامٌ.

стр. 5343

وقال آخرون: بل هي البَهيمةُ من النَّعَمِ، كان المشركون يَخْنُقونها حتى تَموتَ، فحرَّم اللهُ أكْلَها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالح، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾: التي تُخْنَقُ (١) فتَموتُ (٢). حدَّثنا بشْرٌ (٣)، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾. كان أهلُ الجاهليةِ يَخْنُقون الشاةَ، حتى إذا ماتَتْ أَكَلُوها (٤). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: هي التي تَخْتَنِقُ؛ إما في وَثاقِها، وإما بإدخالِ رأسِها في الموضعِ الذي لا تَقْدِرُ على التخلصِ منه، فتَخْتَنِقُ حتى تَموتَ. قال أبو جعفرٍ: وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ في تأويلِ ذلك مِن غيرِه؛ لأن المُنْخَنِقَةَ هي الموصوفةُ بالانخناقِ دونَ خنقِ غيرِها لها، ولو كان مَعْنيًّا بذلك أنها مفعولٌ بها، لقيل: والمخنوقةُ. حتى يَكونَ معنى الكلامِ ما قالوا. القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤه: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾.

стр. 5344

قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: والميتةُ وَقيذًا. يُقالُ منه: وقَذَه يَقِذُه وقْذًا، إذا ضرَبه حتى أشْفَى (١) على الهَلاكِ. ومنه قولُ الفَرَزْدقِ (٢): شَغَّارَةٍ تَقِذُ الفَصِيلَ برِجُلِها … فَطَّارَةٍ لِقَوادِمِ الأبكارِ وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾. قال: الموقوذةُ التي تُضْرَبُ بالخشبِ حتى يَقذَها فتموتَ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: كان أهلُ الجاهليةِ يَضْرِبونها بالعصِيِّ حتى إذا ماتَت أكلوها (٣). حدَّثنا محمد بنُ بشارٍ، قال: ثنا روحٌ، قال: ثنا سعيدٌ (٤)، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾. قال: كانوا يَضْرِبونها حتى يَقِذوها ثم يَأْكُلوها. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: التي تُوقَذُ فتَموتُ (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحْمرُ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ، قال:

стр. 5345

﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: التي تُضْرَبُ حتى تَموتَ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾. قال: هي التي تُضْرَبُ فتَموتُ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبيدُ بنُ سُلَيْمانَ (٣)، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: كانت الشاةُ أو غيرُها مِن الأنعامِ تُضْرَبُ بالخشبِ لآلهتِهم حتى يَقْتُلُوها فيَأْكُلوها (٤). حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخْبَرني عُقبةُ بنُ علقمةَ، قال: ثني إبراهيمُ بنُ أبي عَبْلةَ، قال: ثنى نُعَيْمُ بنُ سَلامةَ، عن أبي عبدِ اللهِ الصُّنَابِحيِّ، قال: ليست الموقوذةُ إلا في مالِك، وليس في الصيدِ وقيذٌ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وحُرِّمَت عليكم الميتةُ تَرَدِّيًا من جبلٍ، أو في بئرٍ، أو غيرِ ذلك. وتَرَدِّيها رمْيُها بنفسِها مِن مكانٍ عالٍ مُشْرِفٍ إلى سُفْلِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ

стр. 5346

بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾. قال: التي تَتَرَدَّى مِن الجبلِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾: كانت تتَرَدَّى في البئرِ فتَموتُ فيَأْكُلونها (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾. قال: التي تَرَدَّت في البئرِ. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾. قال: هي التي تَرَدَّى مِن الجبلِ، أو في البئرِ، فتَموتُ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾: التي تَرَدَّى مِن الجبلِ فتَموتُ (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾. قال: التي تَخِرُّ في رَكِيٍّ (٤)، أو من رأسِ جبلٍ، فتموتُ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعني بقولِه: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾. الشاةُ

стр. 5347

التي تَنْطَحُها أُخرى فتَموتُ من النِّطاحِ بغير تَذْكيةٍ، فحرَّم اللهُ جلّ ثناؤُه ذلك على المؤمنين إن لم يُدْرِكوا ذَكاتَه قبلَ موتِه. وأصلُ النَّطِيحةِ المَنْطوحةُ، صُرِفَت مِن مَفعولةٍ إلى فَعِيلةٍ. فإن قال قائلٌ: وكيف أُثْبِتَت الهاءُ؛ هاءُ التأنيثِ فيها، وأنت تَعْلَمُ أن العربَ لا تَكادُ تُثْبِتُ الهاءَ في نَظائِرِها إذا صرَفوها صرفَ "النَّطيحةِ" من مفعولٍ إلى فَعيلٍ، إنما تَقولُ: لحيةٌ دَهينٌ، وعينٌ كحيلٌ، وكفٌّ خَضيبٌ. ولا يقولون: كفٌّ خَضيبةٌ، ولا: عينٌ كَحِيلةٌ؟ قيل: قد اختَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: أُثْبِتَت فيها الهاءُ - أعنى في "النَّطيحةِ" - لأنها جُعِلَت كالاسمِ؛ مثلَ الطويلةِ والطريقةِ. فكأن قائلَ هذا القولِ وجَّه النَّطيحةَ إلى معنى الناطحةِ. فتأويلُ الكلامِ على مذهبِه: وحُرِّمَت عليكم الميتةُ نِطاحًا. كأنه عنَى: وحُرِّمَت عليكم الناطحةُ التي تَموتُ مِن نِطاحِها. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما تَحْذِفُ العربُ الهاءَ مِن الفَعيلةِ المصروفِة عن المفعولِ إذا جعَلَتْها صفةً لاسمٍ قد تقَدَّمَها، فتقولُ: رأينا كفًّا حَضيبًا، وعينًا كَحيلًا. فأما إذا حذَفَتِ الكفَّ والعينَ والاسمَ الذي يَكونُ فَعيلٌ نعتًا لها، واجتَزَءوا بفعيلٍ منها، أثبَتُوا فيه هاءَ التأنيثِ؛ ليُعْلَمَ بثبوتِها فيه أنها صفةٌ للمؤنتِ دونَ المذكَّرِ، فتقولُ: رأَيْنا كحيلةً، وخَضيبةً، وأَكيلةَ السَّبُعِ. قالوا: ولذلك أُدْخِلت الهاءُ في "النَّطيحةِ"؛ لأنها صفةُ المؤنثِ، ولو أُسْقِطَت منها لم يُدْرَ أهى صفةٌ للمؤنثِ أو للمذكرِ.

стр. 5348

قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ هو أولى القولين في ذلك بالصوابِ؛ لتتابُعِ (١) أقوالِ أهلِ التأويلِ بأن معنى النَّطيحةِ المنطوحةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾. قال: الشاةُ تَنْطَحُ الشاةَ (٢). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، عن قيسٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ، قال: كان يَقْرَأُ: (والمَنْطوحةُ) (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: الشاتان تَنْتَطِحان فتَموتان (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: هي التي تَنْطَحُها الغنمُ والبقرُ فتَموتُ، يَقولُ: هذا حرامٌ؛ لأن ناسًا مِن العربِ كانوا يَأْكُلُونه (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: كان الكَبْشان يَنْتَطِحان، فيَموتُ أحدهما فيَأْكُلُونه (٦). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾:

стр. 5349

الكَبْشان يَنْتَطِحان، فيَقْتُلُ أحدُهما الآخرَ فيَأْكُلُونه. حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرَنَا عُبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾. قال: الشاةُ تَنْطَحُ الشاةَ فتموتُ (١). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾: وحرَّم عليكم ما قتَل (٢) السَّبُعُ غيرُ المُعَلَّمِ مِن الصَّوائدِ. وكذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. يقولُ: ما أَخَذ السَّبُعُ (٣). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: [﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. يقولُ: ما أَخَذَ السَّبُعُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ] (٤): ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. قال: كان أهلُ الجاهليةِ إذا قتَل السَّبُعُ شيئًا مِن هذا، أو أكَل منه، أكَلُوا ما بقِي (٣).

стр. 5350

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، عن قيسٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي الربيعِ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: (وأَكِيلُ السَّبعِ) (١). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: إلا ما طهَّرْتُموه بالذَّبْحِ الذي جعَله اللهُ له (٢) طُهورًا. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيما اسْتَثْنَى اللهُ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: استَثْنَى مِن جميعِ ما سَمَّى اللهُ تحريمَه، مِن قولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. يقولُ: ما أَدْرَكْتَ ذكاتَه مِن هذا كلِّه، يَتَحَرَّكُ له ذَنَبٌ، أو تَطْرِفُ له عينٌ، فاذْبَحْ واذْكُرِ اسمَ اللهِ عليه، فهو حَلالٌ (٣). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أشعثَ، عن الحسنِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. قال الحسنُ: أيَّ هذا أَدْرَكْتَ ذكاتَه فذَكِّه وكُلْ. فقلتُ: يا أبا سعيدٍ، كيف أَعْرِفُ؟ قال: إذا طَرَفَتْ بعينِها، أو ضرَبَت بِذَنَبِها (٤).

стр. 5351

حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، [وحدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: أخبرَنا رَوْحٌ] (١)، قالا (٢): ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. قال: فكلُّ هذا الذي سمَّاه اللهُ ههنا ما خلا لحمَ الخنزيرِ إذا أدْرَكْتَ منه عينًا تَطْرِفُ، أو ذَنَبًا يَتَحَرَّكُ، أو قائمةً تَركُضُ، فذكَّيْتَه، فقد أحَلَّ اللهُ لك ذلك (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: مِن هذا كلِّه، فإذا وجَدْتَها تَطْرِفُ عينها، أو تُحرِّكُ أَذنَها مِن هذا كلِّه، فهى لك حَلالٌ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هُشَيْمٌ وعَبَّادٌ، قالا: أَخْبَرَنا حَجَّاجٌ، عن حُصَيْنٍ، عن الشَّعْبيِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: إِذا أَدْرَكْتَ ذَكَاةَ المَوْقوذةِ والمُتَرَدِّيةِ والنَّطيحةِ وهى تُحَرِّكُ يدًا أو رجلًا فكُلْها (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا مُغِيرةُ (٦)، عن إبراهيمَ، قال: إذا أكَل السَّبُعُ مِن الصيدِ أو الوَقيذةِ، أو النَّطيحةِ، أو المُترديةِ فأدْرَكْتَ ذكاتَه، فكُلْ (٧). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ سَلَّامٍ التَّميميُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ

стр. 5352

محمدٍ، عن أبيه، عن عليِّ بن أبى طالبٍ، قال: إذا ركَضَت برِجْلِها، أو طرَفَت بعينِها، أو حرَّكَت ذنَبَها، فقد أجْزَأ (١). حدَّثنا ابن المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرَني ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: إذا ذُبِحَت فمصَعَت بذَنَبِها (٢) أو تحَرَّكَت، فقد حلَّت لك. أو قال: فحَسْبُه (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، عن الحسنِ، قال: إذا كانت الموقوذةُ تَطْرِفُ ببصرِها، أو تَرْكُضُ برِجْلِها، أو تَمْصَعُ بذنبِها، فاذْبَحْ وكُلْ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ بمثلِه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن أبي الزبيرِ، أنه سمِع عُبيدَ بنَ عُميرٍ يقولُ: إذا طرَفَت بعينِها، أو مصَعَت بذَنَبِها، أو تحَرَّكَت، فقد حلَّت لك (٥). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحَّاكَ يقولُ: كان أهل الجاهلية يَأْكُلون هذا كله، فحرَّمه اللهُ في

стр. 5353

الإسلامِ إلا ما ذُكِّي منه، فما [أدركْتَ يَتَحَرَّكُ] (١) منه رِجْلٌ أو ذَنَبٌ أو طَرْفٌ فذُكِّي، فهو حَلالٌ (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾. وقولِه: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾. الآية، ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: هذا كلُّه مُحَرَّمٌ، إلا ما ذُكِّي مِن هذا. فتأويلُ الآيةِ على قولِ هؤلاءِ: حُرِّمَت المَوْقوذةُ والمُتردِّيةُ، إن ماتت مِن التردِّي والوَقْدِ والنَّطْحِ وفَرْسِ السَّبُعِ، إلا أن تُدْرِكوا ذَكاتَها، فتُدْرِكوها قبلَ موتِها، [فتكونُ لكم] (٣) حينَئذٍ حَلالًا كلُّها (٤). وقال آخرون: هو استثناءٌ مِن التحريمِ، وليس باستثناءٍ مِن المحرماتِ التي ذكَرَها اللهُ تعالى في قولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾؛ لأن الميتةَ لا ذَكاةَ لها ولا للخنزيرِ. قالوا: وإنما معنى الآيةِ: حُرِّمَت عليكم الميتةُ والدمُ، وسائرٌ ما سمَّيْنا مع ذلك، إلا ما ذكَّيْتُم مما أحَلَّه اللهُ لكم بالتذكيةِ، فإنه لكم حَلالٌ. وممَّن قال ذلك جماعةٌ مِن أهلِ المدينةِ. ذكْرُ بعضِ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال مالكٌ، وسُئِل عن الشاةِ التي

стр. 5354

يَخْرِقُ جوفَها السَّبُعُ حتى تَخْرُجَ أمعاؤُها، فقال مالكٌ: لا أَرَى أَن تُذَكَّى ولا تُؤْكَلَ، أَيُّ شيءٍ يُذَكَّى منها (١)! وحدَّثني يونُسُ، عن أشْهَبَ، قال: سُئِل مالكٌ عن السَّبُعِ (٢) يَعْدُو على الكَبْشِ فَيَدُقُّ ظهرَه، أَتَرَى أن يُذَكَّى قبلَ أن يَموتَ فيُؤْكَلَ؟ قال: إن كان بلَغ السَّحْرَ (٣)، فلا أرى أن يُؤْكَلَ، وإن كان إنما أصاب أطْرافَه، فلا أرَى بذلك بأسًا. قيل له: وثَب عليه فدَقَّ ظهرَه. فقال: لا يُعْجِبُنى أن يُؤكَلَ، هذا لا يَعِيشُ منه. قيل له: فالذئبُ يَعْدُو على الشاةِ فَيَشُقُّ بطنَها ولا يَشُقُّ الأمْعاءَ؟ قال: إذا شقَّ بطنَها فلا أَرَى أَن تُؤْكَلَ (٤). وعلى هذا القولِ يَجِبُ أن يَكونَ قولُه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. استثناءً مُنْقَطِعًا. فيكونُ تأويلُ الآيةِ: حُرَّمَت عليكم الميتةُ والدمُ وسائرُ ما ذكَرْنا، ولكن ما ذكَّيْتُم من الحيواناتِ التي أحْلَلْتُها لكم بالتذكيةِ حَلالٌ. وأولى القولين في ذلك عندَنا بالصوابِ القولُ الأولُ، وهو أن قولَه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ استثناءٌ من قولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾؛ لأن كلَّ ذلك مُسْتَحِقٌّ الصفةَ التي هو بها قبلَ حالِ موتِه، فيُقالُ لِمَا قرَّب المشركون لآلهتِهم فسمَّوْه لهم: هو ما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به. بمعنى: سُمِّي قُرْبانًا لغيرِ اللهِ، وكذلك المنخنقةُ إذا انْخنَقَت، وإن لم تَمُتْ فهيَ مُنْخَنِقَةٌ،

стр. 5355

وكذلك سائرُ ما حرَّمه اللهُ جل وعز مما [بعدَ قولِه] (١): ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إِلا بالتَّذْكيةِ، فإنه يُوصَفُ بالصفةِ التي هو بها قبلَ موتِه، فحرَّمه اللهُ على عبادِه إلا بالتذكيةِ المُحَلِّلةِ دونَ الموتِ بالسببِ الذي كان به موصوفًا. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: وحرَّم عليكم ما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به، والمنخنقةَ، وكذا وكذا، إلا ما ذكَّيْتُم مِن ذلك. فـ "ما" - إذ كان ذلك تأويلَه - في موضعِ نصبٍ بالاستثناءِ مما قبلَها، وقد يَجوزُ فيه الرفعُ. وإذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا، فكلُّ ما أُدْرِكَت ذكاتُه مِن طائرٍ أو بَهيمةٍ قبلَ خروجِ نفسِه ومُفارقةِ رُوحِه جسدَه، فحَلالٌ أَكْلُه إذا كان مما أحَلَّه اللهُ لعبادِه. فإن قال لنا قائلٌ: فإذ كان ذلك معناه عندَك، فما وجهُ تكريرِه ما كرَّر بقولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾. وسائرُ ما عدَّد تحريمَه في هذه الآيةِ، وقد افْتَتَح الآيةَ بقولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وقد علِمْتَ أن قولَه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. شاملٌ كلَّ ميتةٍ، كان موتُه حَتْفَ أنفِه مِن علةٍ به، مِن غيرِ جنايةِ أحدٍ عليه، أو كان موتُه مِن ضربِ ضاربٍ إياه، أو انخناقٍ منه، أو انتطاحٍ، أو فَرْسِ سَبْعٍ؟ وهلَّا كان قولُه - إن كان الأمرُ على ما وصفْتَ في ذلك مِن أنه معنيٌّ بالتحريم في كلِّ ذلك الميِّتَةُ بالانخناقِ [كان موتُه] (٢) والنِّطاحِ والوَقْذِ وأكْلِ السَّبُعِ أو غيرِ ذلك، دونَ أن يكونَ مَعْنيًّا به تحريمُه إذا ترَدَّى أو انْخَنَق أو فرَسَه السَّبُعُ، فبلَغ ذلك منه ما يُعْلَمُ أنه لا يَعِيشُ مما أصابه منه إلا اليسيرَ (٣) من الحياةِ - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ مُغْنِيًا مِن تكريرِ ما كرَّر بقولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ

стр. 5356

وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾. وسائرُ ما ذكَر مع ذلك وتَعْدادِه ما عدَّد؟ قيل: وجهُ تَكرارِه ذلك - وإن (١) كان تحريمُ ذلك إذا مات مِن الأسبابِ التي هو بها مَوصوفٌ وقد تقدَّم بقولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. أن الذين خُوطِبوا بهذه الآيةِ كانوا لا يَعُدُّون الميتةَ مِن الحيوانِ، إلا ما مات مِن علةٍ عارضةٍ به غيرِ الانخناقِ والتَّرَدِّى والانتطاحِ وفَرْسِ السَّبُعِ، فأعْلَمَهم اللهُ أن حكمَ ذلك حُكْمُ ما مات من العِللِ العارضةِ، وأن العلةَ الموجِبةَ تحريمَ الميتةِ ليست موتُها مِن علةِ مرضٍ أو أَذًى (٢) كان بها قبلَ هلاكِها، ولكنَّ العلةَ في ذلك أنها لم يَذْبَحْها مِن أَجْلِ (٣) ذبيحتِه، بالمعنى الذي أحَلَّها اللهُ به. كالذى حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. يقولُ: هذا حرامٌ؛ لأن ناسًا من العرب كانوا يَأْكُلونه ولا يَعُدُّونه ميتًا، إنما يَعُدُّون الميتَ الذي يَموتُ مِن الوَجَعِ، فحرَّمه اللهُ عليهم، إلا ما ذكَروا اسمَ اللهِ عليه، وأدْرَكوا ذكاتَه وفيه الرُّوحُ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. وحرَّم عليكم أيضًا الذي ذُبِح على النُّصُبِ.

стр. 5357

فـ"ما" في قولِه: ﴿وَمَا ذُبِحَ﴾. رَفْعٌ عطفًا على "ما" التي في قولِه: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. والنُّصُبُ الأوثانُ مِن الحجارةِ، جماعةُ أنصابٍ كانت تُجْمَعُ في الموضعِ مِن الأرضِ، فكان المشرِكون يُقَرِّبون لها، وليست بأصنامٍ. وكان ابن جُرَيْجٍ يَقُولُ في صفتِه ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: النُّصُبُ ليست بأصنامٍ، الصنمُ يُصَوَّرُ ويُنْقَشُ، وهذه حجارةٌ تُنصَبُ؛ ثلاثُمائةٍ وستون حجرًا، منهم مَن يَقُولُ: ثلاثُمائةٍ منها لخزاعةَ (١). فكانوا إذا ذبَحوا نضَحوا الدمَ على ما أقبَل مِن البيتِ، وشرَّحوا اللحمَ وجعَلوه على الحجارة، فقال المسلمون: يا رسولَ اللهِ، كان أهلُ الجاهليةِ يُعظِّمون البيتَ بالدمِ، فنحن أحقُّ أن نُعَظِّمَه. فكأنَّ النبيَّ ﷺ لم (٢) يَكْرَهُ ذلك، فأنزَل اللهُ: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧] (٣). قال أبو جعفرٍ ﵀: ومما يُحقِّقُ قول ابن جُرَيْجٍ في أن الأنصابَ غيرُ الأصنامِ، ما حدَّثنا به ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن ابن أبي نَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال: حجارةٌ كان يَذْبَحُ عليها أهلُ الجاهليةِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿النُّصُبِ﴾ قال: حجارةٌ حولَ

стр. 5358

الكعبةِ، يَذْبَحُ عليها أهلُ الجاهليةِ، ويُبَدِّلُونها إذا شاءوا بحجارةٍ أعجبَ إليهم منها (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. والنُّصُبُ حجارةٌ كان أهلُ الجاهليةِ يَعْبُدُونها ويَذْبَحُون لها، فنهَى اللهُ عن ذلك. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. يَعْنى: أنصابَ أهلِ (٢) الجاهليةِ (٣). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. والنُّصُبُ: أنصابٌ كانوا يَذبَحون ويُهِلُّون عليها (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسَة، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال: كان حولَ الكعبةِ حجارةٌ كان يَذْبَحُ عليها أهلُ الجاهليةِ ويُبَدِّلُونها إذا شاءوا بحجرٍ هو أحبُّ إليهم منها. حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يَقُولُ: أَخبرَنا عُبَيدٌ، قال: سمِعت

стр. 5359

الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ: الأنصابُ حجارةٌ كانوا يُهِلُّون لها ويَذْبَحُون عليها (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال: و ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، و ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣، النحل: ١١٥]، هو واحدٌ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بقولِه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾: وأن تَطْلُبوا عِلْمَ ما قُسِم لكم أو لم يُقْسَمْ بالأزلامِ. وهو "اسْتَفْعَلتُ" مِن القَسْمِ؛ قَسْمِ الرزقِ والحاجاتِ، وذلك أن أهلَ الجاهليةِ كان أحدُهم إذا أراد سفرًا أو غزوًا، أو نحوَ ذلك، أجال القداحَ - وهى الأزلامُ - وكانت قداحًا مكتوبًا على بعضِها: نهاني ربي. وعلى بعضِها: أمرني ربي. فإن خرَج القِدحُ الذي هو مكتوبٌ عليه: أمرني ربي. مضَى لما أراد مِن سفرٍ أو غزوٍ أو تزويجٍ أو غيرِ ذلك، وإن خرَج الذي عليه مكتوبٌ: نهانى ربى. كفَّ عن المُضِيِّ لذلك وأمسَك، فقيل: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾؛ لأنهم بفعلِهم ذلك كانوا كأنهم يَسْأَلون أزلامَهم أن يَقْسِمْن لهم. ومنه قولُ الشاعرِ مفتخِرًا بتركِ الاستقسامِ بها (٣): ولم أَقْسِمُ فَتَرْبُثَنِي (٤) القُسُومُ وأما "الأزلامُ"، فإن واحدَها زُلَمٌ، ويقالُ: زَلَمٌ، وهى القِداحُ التي وصَفنا أمرَها.

стр. 5360

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ بن مهديٍّ، عن سفيانَ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: القِداحُ، كانوا إذا أرادوا أن يَخْرُجوا في سفرٍ جعَلوا قِداحًا للخروجِ والجلوسِ، فإن وقَع الخروجُ خرَجوا، وإن وقَع الجلوسُ جلَسوا (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شَريكٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: حصًى بيضٌ كانوا يَضْرِبون بها (٢). قال أبو جعفرٍ: قال لنا سفيانُ بنُ وكيعٍ: هو الشِّطرَنْجُ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا عبادُ بنُ راشدٍ البَزّازُ (٣)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: كانوا إذا أرادوا أمْرًا أو سفرًا، يَعْمَدُون إلى قداحٍ ثلاثةٍ، على واحدٍ منها مكتوبٌ: اؤْمُرْنى، وعلى الآخرِ: انْهَنى، ويَتْرُكون الآخِرَ محلَّلًا بينهما ليس عليه شيءٌ، ثم يُجِيلُونها، فإن خرَج الذي عليه: اؤْمُرْنى. مضَوا لأمرِهم، وإن خرَج الذي عليه: انْهَني، كَفُّوا، وإن خرَج الذي ليس عليه شيءٌ أعادوها (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ
следующие страницы →