← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾. وسائرُ ما ذكَر مع ذلك وتَعْدادِه ما عدَّد؟ قيل: وجهُ تَكرارِه ذلك - وإن (١) كان تحريمُ ذلك إذا مات مِن الأسبابِ التي هو بها مَوصوفٌ وقد تقدَّم بقولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. أن الذين خُوطِبوا بهذه الآيةِ كانوا لا يَعُدُّون الميتةَ مِن الحيوانِ، إلا ما مات مِن علةٍ عارضةٍ به غيرِ الانخناقِ والتَّرَدِّى والانتطاحِ وفَرْسِ السَّبُعِ، فأعْلَمَهم اللهُ أن حكمَ ذلك حُكْمُ ما مات من العِللِ العارضةِ، وأن العلةَ الموجِبةَ تحريمَ الميتةِ ليست موتُها مِن علةِ مرضٍ أو أَذًى (٢) كان بها قبلَ هلاكِها، ولكنَّ العلةَ في ذلك أنها لم يَذْبَحْها مِن أَجْلِ (٣) ذبيحتِه، بالمعنى الذي أحَلَّها اللهُ به. كالذى حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. يقولُ: هذا حرامٌ؛ لأن ناسًا من العرب كانوا يَأْكُلونه ولا يَعُدُّونه ميتًا، إنما يَعُدُّون الميتَ الذي يَموتُ مِن الوَجَعِ، فحرَّمه اللهُ عليهم، إلا ما ذكَروا اسمَ اللهِ عليه، وأدْرَكوا ذكاتَه وفيه الرُّوحُ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. وحرَّم عليكم أيضًا الذي ذُبِح على النُّصُبِ.

стр. 5357

فـ"ما" في قولِه: ﴿وَمَا ذُبِحَ﴾. رَفْعٌ عطفًا على "ما" التي في قولِه: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. والنُّصُبُ الأوثانُ مِن الحجارةِ، جماعةُ أنصابٍ كانت تُجْمَعُ في الموضعِ مِن الأرضِ، فكان المشرِكون يُقَرِّبون لها، وليست بأصنامٍ. وكان ابن جُرَيْجٍ يَقُولُ في صفتِه ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: النُّصُبُ ليست بأصنامٍ، الصنمُ يُصَوَّرُ ويُنْقَشُ، وهذه حجارةٌ تُنصَبُ؛ ثلاثُمائةٍ وستون حجرًا، منهم مَن يَقُولُ: ثلاثُمائةٍ منها لخزاعةَ (١). فكانوا إذا ذبَحوا نضَحوا الدمَ على ما أقبَل مِن البيتِ، وشرَّحوا اللحمَ وجعَلوه على الحجارة، فقال المسلمون: يا رسولَ اللهِ، كان أهلُ الجاهليةِ يُعظِّمون البيتَ بالدمِ، فنحن أحقُّ أن نُعَظِّمَه. فكأنَّ النبيَّ ﷺ لم (٢) يَكْرَهُ ذلك، فأنزَل اللهُ: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧] (٣). قال أبو جعفرٍ ﵀: ومما يُحقِّقُ قول ابن جُرَيْجٍ في أن الأنصابَ غيرُ الأصنامِ، ما حدَّثنا به ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن ابن أبي نَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال: حجارةٌ كان يَذْبَحُ عليها أهلُ الجاهليةِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿النُّصُبِ﴾ قال: حجارةٌ حولَ

стр. 5358

الكعبةِ، يَذْبَحُ عليها أهلُ الجاهليةِ، ويُبَدِّلُونها إذا شاءوا بحجارةٍ أعجبَ إليهم منها (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. والنُّصُبُ حجارةٌ كان أهلُ الجاهليةِ يَعْبُدُونها ويَذْبَحُون لها، فنهَى اللهُ عن ذلك. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. يَعْنى: أنصابَ أهلِ (٢) الجاهليةِ (٣). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. والنُّصُبُ: أنصابٌ كانوا يَذبَحون ويُهِلُّون عليها (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسَة، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال: كان حولَ الكعبةِ حجارةٌ كان يَذْبَحُ عليها أهلُ الجاهليةِ ويُبَدِّلُونها إذا شاءوا بحجرٍ هو أحبُّ إليهم منها. حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يَقُولُ: أَخبرَنا عُبَيدٌ، قال: سمِعت

стр. 5359

الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ: الأنصابُ حجارةٌ كانوا يُهِلُّون لها ويَذْبَحُون عليها (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال: و ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، و ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣، النحل: ١١٥]، هو واحدٌ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بقولِه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾: وأن تَطْلُبوا عِلْمَ ما قُسِم لكم أو لم يُقْسَمْ بالأزلامِ. وهو "اسْتَفْعَلتُ" مِن القَسْمِ؛ قَسْمِ الرزقِ والحاجاتِ، وذلك أن أهلَ الجاهليةِ كان أحدُهم إذا أراد سفرًا أو غزوًا، أو نحوَ ذلك، أجال القداحَ - وهى الأزلامُ - وكانت قداحًا مكتوبًا على بعضِها: نهاني ربي. وعلى بعضِها: أمرني ربي. فإن خرَج القِدحُ الذي هو مكتوبٌ عليه: أمرني ربي. مضَى لما أراد مِن سفرٍ أو غزوٍ أو تزويجٍ أو غيرِ ذلك، وإن خرَج الذي عليه مكتوبٌ: نهانى ربى. كفَّ عن المُضِيِّ لذلك وأمسَك، فقيل: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾؛ لأنهم بفعلِهم ذلك كانوا كأنهم يَسْأَلون أزلامَهم أن يَقْسِمْن لهم. ومنه قولُ الشاعرِ مفتخِرًا بتركِ الاستقسامِ بها (٣): ولم أَقْسِمُ فَتَرْبُثَنِي (٤) القُسُومُ وأما "الأزلامُ"، فإن واحدَها زُلَمٌ، ويقالُ: زَلَمٌ، وهى القِداحُ التي وصَفنا أمرَها.

стр. 5360

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ بن مهديٍّ، عن سفيانَ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: القِداحُ، كانوا إذا أرادوا أن يَخْرُجوا في سفرٍ جعَلوا قِداحًا للخروجِ والجلوسِ، فإن وقَع الخروجُ خرَجوا، وإن وقَع الجلوسُ جلَسوا (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شَريكٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: حصًى بيضٌ كانوا يَضْرِبون بها (٢). قال أبو جعفرٍ: قال لنا سفيانُ بنُ وكيعٍ: هو الشِّطرَنْجُ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا عبادُ بنُ راشدٍ البَزّازُ (٣)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: كانوا إذا أرادوا أمْرًا أو سفرًا، يَعْمَدُون إلى قداحٍ ثلاثةٍ، على واحدٍ منها مكتوبٌ: اؤْمُرْنى، وعلى الآخرِ: انْهَنى، ويَتْرُكون الآخِرَ محلَّلًا بينهما ليس عليه شيءٌ، ثم يُجِيلُونها، فإن خرَج الذي عليه: اؤْمُرْنى. مضَوا لأمرِهم، وإن خرَج الذي عليه: انْهَني، كَفُّوا، وإن خرَج الذي ليس عليه شيءٌ أعادوها (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ

стр. 5361

تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾: حجارةٌ كانوا يَكْتُبون عليها يُسَمُّونها القِداحَ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: القدِاحُ، يَضْرِبون بها (١) لكلِّ سفَرٍ وغزوٍ وتجارةٍ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن زهيرٍ، عن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: كِعابُ فارسَ التي يَقْمُرون بها، وسهامُ العربِ. حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغفاريُّ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا زهيرٌ، عن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: سهامُ العربِ وكعابُ فارسَ والرومِ كانوا يَتَقَامرون بها (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: كان الرجلُ إذا أراد أن يَخْرُجَ مسافرًا، كتَب في قِدْحٍ: هذا يَأْمُرُني بالمكوثِ. و [كتَب على آخرَ] (٤): هذا يَأْمُرُني بالخروجِ، وجعَل معهما (٥) منيحًا (٦) - شيءٌ لم يَكْتُبْ فيه شيئًا - ثم استَقْسَم بها حينَ

стр. 5362

يُريدُ أن يَخْرُجَ، فإن خرَج الذي يَأْمُرُه بالخروجِ خرَج، [وقال: لا يُصِيبُني في سفرى هذا إلا خيرٌ] (١). وإن خرَج الذي يأمُرُه بالمكوثِ مكَث، وإن خرَج [الذي ليس عليه شيءٌ] (٢) أجالها ثانيةً حتى يَخْرُجَ أَحدُ القِدْحين (٣). حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾: وكان أهلُ الجاهليةِ إذا أراد أحدُهم خروجًا، أخذ قدْحًا فقال: هذا يأْمُرُ بالخروجِ. فإن خرَج فهو مُصِيبٌ في سفرِه خيرًا، ويَأْخُذُ قِدْحًا آخرَ فيقولُ: هذا يَأْمُرُ بالمُكوثِ. فليس يُصِيبُ في سفرِه خيرًا، والمَنِيحُ بينَهما، فنهَى اللهُ عن ذلك وقدَّم فيه. حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يَقُولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: كانوا يَسْتَقْسِمون بها في الأمورِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الأَزْلامُ قِداحٌ لهم كان أحدُهم إذا أراد شيئًا من تلك الأمورِ كتَب في تلك القداحِ ما أراد، فيَضْرِبُ بها، فأيُّ قِدْحٍ خرَج - وإن كان أبْغَضَ تلك - ارتكَبَه وعمِل به. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. قال: الأزلامُ قِداحٌ كانت في الجاهليةِ عندَ

стр. 5363

الكهنةِ، فإذا أراد الرجلُ أن يُسافرَ أو يَتَزَوَّجَ أو يُحْدِثَ أمرًا، أتى الكاهنَ فأعطاه شيئًا، فضرَب له بها، فإن خرَج شيءٌ يُعْجِبُه منها أمَره ففعَل، وإن خرَج منها شيءٌ يَكْرَهُه نهاه فانتَهى، كما ضرَب عبدُ المطلبِ على زمزمَ، وعلى عبدِ اللهِ والإبلِ (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، قال: سمِعنا أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يَضْرِبون بالقداحِ في الظَّعْنِ والإقامة، أو الشيءِ يُريدونه، فيَخْرُجُ سهمُ الظَّعنِ فيَظْعَنُون، والإقامةِ فيُقِيمون. وقال ابن إسحاقَ في الأزلامِ ما حدَّثني به ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كانت هُبَلُ أعظمَ أصنامِ قُرَيشٍ بمكةَ، وكانت على بئرٍ في جوفِ الكعبةِ، وكانت تلك البئرُ هي التي يُجْمَعُ فيها ما يُهْدَى للكعبةِ، وكان عندَ هُبَلَ سبعةُ أقدحٍ، كلُّ قِدْح منها فيه كتابٌ؛ قدح فيه العَقْلُ (٢)، إذا اختَلَفوا في العَقْلِ مَن يَحْمِلُه منهم ضرَبوا بالقِداحِ السبعةِ، وقِدْحٌ فيه "نَعَم" للأمرِ إذا أرادوه يُضْرَبُ به، فإن خرَج قِدْحُ "نَعَم" عمِلوا به، وقِدْحٌ فيه "لا"، فإذا أرادوا أمرًا ضَرَبوا به في القِداحِ، فإذا خرَج ذلك القِدْحُ لم يَفْعَلوا ذلك الأمرَ، وقِدْحٌ فيه "منكم" وقِدْحٌ فيه "مُلْصَقٌ" وقِدْحٌ فيه "مِن غيرِكم" وقِدْحٌ فيه "المياهُ" إذا أرادوا أن يَحْفِروا للماءِ ضرَبوا بالقِداحِ وفيها ذلك القِدْحُ، فحيثما خرَج عمِلوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يَخْتِنُوا (٣) غلامًا، أو أن يُنْكِحُوا مَنْكَحًا، أو أن يَدْفِنوا مَيِّتًا، أو يَشُكُّوا في نسبِ أحدِهم، ذهَبوا به إلى هُبَلَ، وبمائةِ درهمٍ وبجَزُورٍ، فأعطوها صاحبَ القداحِ الذي يَضْرِبُها، ثم قرَّبوا صاحبَهم الذي يُريدون به ما يُريدون، ثم قالوا: يا إلَهنا،

стр. 5364

هذا فلانُ بنُ فلانٍ، قد أرَدنا به كذا وكذا، فأخْرِجِ الحقَّ فيه. ثم يَقُولون لصاحبِ القِداح: اضْرِبْ. فيَضْرِبُ، فإن خرَج عليه ["منكم" كان وَسِيطًا، وإن خرَج عليه] (١) "من غيرِكم" كان حليفًا، وإن خرج عليه (٢) "مُلْصَقٌ" كان على منزلتِه، منهم، لا نَسَبَ له ولا حِلْفَ، وإن خرَج فيه شيءٌ سوى هذا مما يَعْمَلون به "نعم" عمِلوا به، وإن خرَج "لا" أخَّروه عامَهم ذلك، حتى يَأْتُوا به مرةً أُخرى، يَنْتَهون في أمورِهم إلى ذلك مما خرَجَتْ به القِداحُ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. يَعْنى: القِداحَ، كانوا يَسْتَقسِمون بها في الأُمورِ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ذَلِكُمْ﴾: هذه الأمورُ التي ذكَرها، وذلك أكلُ المَيْتِة والدمِ ولحمِ الخنزيرِ وسائرِ ما ذكَر في هذه الآيةِ مما حرَّم أكلَه، والاستقسامُ بالأزلامِ، ﴿فِسْقٌ﴾. يعنى: خروجٌ عن أمرِ اللهِ وطاعتِه إلى ما نَهى عنه وزجَر، وإلى معصيتِه. كما حدَّثني المثنى: قال ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾. يَعْنى: مَن أكَل مِن ذلك كلِّه فهو فسقٌ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ

стр. 5365

دِينِكُمْ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾: الآنَ انقطَع طمعُ الأحزابِ وأهلِ الكفرِ والجحودِ أيُّها المؤمنون ﴿مِنْ دِينِكُمْ﴾. يقولُ: من دينِكم أن تَتْرُكوه فتَرْتَدُّوا عنه راجعين إلى الشركِ. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾. يعنى: أن تَرْجِعوا إلى دينِهم أبدًا (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾: [أَن تَرْجِعوا إليهم (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرني عطاءٌ في قولِه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾] (٢). قال، أظنُّ: يَئِسوا أن تَرْجِعُوا عن ديِنكم (٣). قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وأيُّ يومٍ هذا اليومُ الذي أخبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أن الذين كفَروا يَئِسوا فيه مِن دينِ المؤمنين؟ قيل: ذُكِر أن ذلك كان يومَ عرفةَ، عامَ حجَّ النبيُّ ﷺ حَجَّةَ الوداعِ، وذلك بعدَ دُخولِ العربِ في الإسلامِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال

стр. 5366

مجاهدٌ: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: هذا حينَ فعلتُ. قال ابن جُرَيجٍ: وقال آخرون: ذلك يومُ عرفةَ في (١) يومِ جُمُعةٍ، لما نظَر النبيُّ ﷺ فلم يَرَ إلا موحِّدًا، ولم يَرَ مشركًا، حَمِد الله، فنزَل عليه جبريلُ ﵇: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أن يَعُودوا كما كانوا (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ قال: هذا يومُ عرفةَ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: فلا تَخْشَوا أيُّها المؤمنون هؤلاء الذين قد يَئِسوا مِن دينِكم أن ترْجِعوا عنه، مِن الكفارِ، ولا تَخافوهم أن يَظْهَرُوا عليكم فيَقْهَرُوكم ويَرُدُّوكم عن دينِكم، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾. يَقُولُ: ولكن خافونِ إن أنتم خالفتم أمرى، واجتَرَأتم على معصيتى، وتَعَدَّيْتُم حدودى، أن أُحِلَّ بكم عقابي، وأُنْزِلَ بكم عذابي. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾: فلا تَخْشَوْهُم أَن يَظْهَروا عليكم (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿الْيَوْمَ

стр. 5367

أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: اليومَ أكمَلتُ لكم أيُّها المؤمنون فرائِضى عليكم وحدودى، وأمرى إياكم ونَهْيى، وحلالى وحرامى، وتَنْزيلى مِن ذلك ما أَنْزَلتُ منه في كتابي، وتِبْياني ما بَيَّنْتُ لكم منه بوحيى على لسانِ رسولى، والأدلةِ التي نَصَبتُها لكم على جميعِ ما بكم الحاجةُ إليه مِن أمرِ دينِكم، فأتْمَمْتُ لكم جميعَ ذلك، فلا زيادةَ فيه بعدَ هذا اليومِ. قالوا: وكان ذلك في يومِ عرفةَ، عامَ حجَّ النبيُّ ﷺ حَجَّةَ الوداعِ. قالوا: ولم يَنْزِلْ على النبيِّ ﷺ بعدَ هذه الآيةِ شيءٌ مِن الفرائضِ، ولا تحليلُ شيءٍ ولا تحريمُه، وأن النبيَّ ﷺ لم يَعِشْ بعدَ نزولِ هذه الآيةِ إلا إحدى وثمانين ليلةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: وهو الإسلامُ. قال: أخبرَ اللهُ سبحانه نبيَّه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمَل لهم الإيمانَ فلا يَحْتاجون إلى زيادةٍ أبدًا، وقد أتمَّه اللهُ عزَّ ذكرُه فلا يَنْقُصُه أبدًا، وقد رضِيَه اللهُ فلا يَسْخَطُه أبدًا (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: هذا نزَل يومَ عرفةَ، فلم يَنْزِلْ بعدها حلالٌ ولا حرامٌ، ورجَع رسولُ اللهِ ﷺ فمات. فقالت أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ: حجَجْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ تلك الحَجَّةَ، فبينَما نحن نسيرُ، إذ تَجَلَّى له جبريلُ، [فمال رسولُ اللهِ] (٢) ﷺ على الراحلةِ، فلم تُطِقِ الراحلةُ مِن ثِقْلِ ما

стр. 5368

عليها مِن القرآنِ، فبرَكتْ، فأتيتُه فسجَّيتُ عليه بُرْدًا كان عليَّ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: مكَث النبيُّ ﷺ بعدَ ما نزَلت هذه الآيةُ إحدى وثمانين ليلةً. قولَه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن أبيه، قال: لما نزَلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. وذلك يومُ الحجِّ الأكبرِ، بكَى عمرُ، فقال له النبيُّ ﷺ : "ما يُبْكِيكَ؟ " قال أبكاني أنَّا كنا في زيادةٍ مِن دينِنا، فأما إذا كمَل فإنه لم يَكْمُلْ شيءٌ إلا نقَص. فقال: "صَدَقْتَ" (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ بشيرٍ، عن هارونَ بن أبي وكيعٍ، عن أبيه، فذكَر نحوَ ذلك. وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: حَجَّكم، فأُفْرِدْتُم بالبلدِ الحرامِ، تَحُجُّونه أنتم أيها المؤمنون دونَ المشركين، لا يُخالِطُكم في حَجِّكم مُشركٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي غَنِيَّةَ، عن أبيه، عن الحَكَمِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. قال: أكمَل لهم دينَهم أن حَجُّوا ولم يَحُجَّ معهم مُشْرِكٌ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. قال: أخْلَص اللهُ لهم دينَهم، ونفَى

стр. 5369

المشركين عن البيتِ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا قيسٌ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. قال: تمامُ الحجِّ ونَفْىُ المشركين عن البيتِ (٢). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله أخبَر نبيَّه ﷺ والمؤمنين به أنه أكمَل لهم يومَ أنْزَل هذه الآيةَ على نبيِّه دينَهم؛ بإفرادِهم بالبلدِ الحرامِ، وإجلائِه عنه المشركين، حتى حَجَّه المسلمون دونَهم [لا يُخالِطُهم مشركٌ] (٣). فأما الفرائضُ والأحكامُ فإنه قد اختُلِف فيها؛ هل كانت أُكْمِلت ذلك اليومَ أم لا؟ فرُوِي عن ابن عباسٍ والسدِّيِّ ما ذكَرنا عنهما قبلُ. ورُوِى عن البرَاءِ بن عازبٍ أن آخِرَ آيةٍ نزَلت مِن القرآنِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٤) [النساء: ١٧٦]. ولا يَدْفَعُ ذو علمٍ أن الوحىَ لم يَنْقَطِعْ عن رسولِ اللهِ ﷺ إلى أن قُبِض، بل كان الوحيُ قبلَ وفاتِه أكثرَ ما كان تَتَابُعًا. فإذ كان ذلك كذلك، وكان قولُه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ آخِرَها نزولًا، وكان ذلك مِن الأحكامِ والفرائضِ، كان معلومًا أن معنى قولِه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ على خلافِ الوجهِ الذي تأوَّله مَن تأوَّله أنه عُنِى به كمالُ العباداتِ

стр. 5370

والأحكامِ والفرائضِ. فإن قال قائلٌ: فما جعَل قولَ مَن قال: قد نزَل بعدَ ذلك فرضٌ. أَولَى مِن قولِ مَن قال: لم يَنْزِلُ؟ قيل: لأن الذي قال: لم يَنْزِلْ. مُخْبِرٌ أَنه لا يَعْلَمُ نُزُولَ فرضٍ، والنفىُ لا يَكُونُ شهادةً، والشهادةُ قولُ مَن قال: نزَل. وغيرُ جائزٍ دفعُ خبرِ الصادقِ فيما أمكن أن يَكُونَ فيه صادقًا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾. قال أبو جعفرٍ: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأتْمَمْت نعمتى أيُّها المؤمنون بإظهارِكم على عدوِّي وعدوِّكم مِن المشركينِ، ونفيى إياهم عن بلادِكم، وقَطْعى طمعَهم مِن رجوعِكم وعودِكم إلى ما كنتم عليه مِن الشركِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: كان المشركون والمسلمون يَحُجُّون جميعًا، فلما نزَلت "براءةُ" فنفى المشركين عن البيت، وحجَّ المسلمون لا يُشارِكُهم في البيتِ الحرامِ أحدٌ مِن المشركينِ، فكان ذلك مِن تمامِ النعمةِ: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ

стр. 5371

لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية: ذُكِر لنا أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ يومَ عرفةَ يومَ جُمُعةٍ، حين نفَى اللهُ المشركين عن المسجدِ الحرامِ، وأخلَص للمسلمين حجَّهم (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا داودُ، عن الشَّعْبيِّ، قال: نزَلت هذه الآيةُ بعرفاتٍ، حيث هُدِم منارُ الجاهليةِ، واضْمَحَلَّ الشِّرْكُ، ولم يَحُجَّ معهم في ذلك العامِ مُشْرِكٌ. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾. قال: نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ وهو واقفٌ بعرفاتٍ وقد أطاف به الناسُ، وتهدَّمت منارُ الجاهليةِ ومناسكُهم، واضْمَحَلَّ الشَّركُ، ولم يَطُفْ حولَ البيتِ عُرْيانٌ، فأنزَل اللهُ جل ذكرُه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ بنحوِه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ورضيتُ لكم [﴿الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. أي] (٣): الاستسلامَ لأمرى، والانقيادَ لطاعتى، على ما شرَعتُ لكم مِن حدودِه وفرائضِه ومعالمِه ﴿دِينًا﴾. يعنى بذلك: طاعةً منكم لى.

стр. 5372

فإن قال قائلٌ: أَو ما كان اللهُ راضيًا الإسلامَ دينًا (١) لعبادِه إلا يومَ أَنْزَل هذه الآيةَ؟ قيل له: لم يَزَلِ اللهُ جلَّ ثناؤُه راضيًا لخلقِه الإسلامَ دينًا، ولكنه جلَّ ثناؤُه لم يَزَلْ يُصَرِّفُ نبيَّه محمدًا ﷺ وأصحابَه في درجاتِ الإسلامِ (٢) ومراتبِه درجةً بعدَ درجةٍ، ومرتبةً بعدَ مرتبةٍ، وحالًا بعدَ حالٍ، حتى أكمَل لهم شرائعَه ومعالَمه، وبلغَ بهم أقصى درجاتِه ومراتبِه، ثم قال حينَ أنْزَل عليهم هذه الآيةَ: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ (٣)﴾. بالصفةِ التي هو بها اليومَ، والحالِ التي أنتم عليها اليوم منه، ﴿دِينًا﴾، فالزَمُوه ولا تُفارِقُوه. وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنه يَمْثُلُ لأهلِ كلِّ دينٍ دينُهم يومَ القيامةِ، فأما الإيمانُ فيُبَشِّرُ أصحابَه وأهلَه ويَعِدُهم في الخيرِ، حتى يَجِيءَ الإسلامُ، فيقولَ: ربِّ، أنت السلامُ وأنا الإسلامُ. فيقولَ: إياك اليومَ أقْبَلُ، وبك اليومَ أجْزِى. وأحسَبُ أن قتادةَ وجَّه معنى الإيمانِ بهذا الخبرِ إلى معنى التصديقِ والإقرارِ باللسانِ؛ لأن ذلك معني الإيمانِ عندَ العربِ، ووجَّه معنى الإسلامِ إلى استسلامِ القلبِ وخضوعِه للهِ بالتوحيدِ، وانقيادِ الجسدِ له بالطاعةِ فيما أمَر ونهَى، فلذلك قال (٤) للإسلامِ: إياك اليومَ أقبَلُ، وبك اليومَ أجْزِى.

стр. 5373

ذكرُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ بعرفةَ في حَجَّةِ الوداعِ على رسولِ اللهِ ﷺ - حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسٍ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، قال: قالت اليهودُ لعمرَ: إنكم تَقْرَءون آيةً لو أُنْزِلت فينا لاتَّخَذْناها عيدًا. فقال عمرُ: إني لأعْلَمُ حِينَ أُنْزِلت، وأين أُنْزِلت، وأينَ رسولُ اللهِ ﷺ حينَ أُنْزِلت؛ أُنْزِلَت يومَ عرفةَ ورسولُ اللهِ ﷺ واقفٌ بعرَفةَ. قال سفيانُ: وأشكُّ، كان يومَ الجُمُعِة أم لا؛ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعت أبي، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، قال: قال يَهوديٌّ لعمرَ: لو [علينا معشرَ اليهودِ نزَلت] (٢) هذه الآيةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. لو نَعْلَمُ ذلك اليومَ اتَّخَذْنا ذلك اليومَ عيدًا. فقال عمرُ: قد علِمتُ اليومَ الذي نزَلت فيه، والساعةَ، وأينَ رسولُ اللهِ ﷺ حينَ نزَلت؛ نزَلت ليلةَ الجُمُعِة ونحن مع رسولِ اللهِ ﷺ بعرفاتٍ (٣). لفظُ الحديثِ لأبي كريبٍ، وحديثُ ابن وكيعٍ نحوُه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن أبي العُمَيسِ، عن قيسِ بن

стр. 5374

مسلمٍ، عن طارقٍ، عن عمرَ نحوَه (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عمارٍ مولى بنى هاشمٍ، قال: قرَأ ابن عباسٍ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. وعندَه رجلٌ مِن أَهلِ الكتابِ، فقال: لو علِمنا أىَّ يومٍ نزَلت هذه الآيةُ لاتَّخَذْناه عيدًا. فقال ابن عباسٍ: فإنها نزَلت يومَ عرفةَ يومَ جُمُعةٍ (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا قَبِيصةُ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن عمارٍ، أن ابنَ عباسٍ قرَأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فقال يهوديٌّ: لو نزَلت هذه الآيةُ علينا لاتَّخَذْنا يومَها عيدًا. فقال ابن عباسٍ: فإنها نزَلت في يومِ عيدين اثنين؛ يومِ عيدٍ ويومِ جُمُعةٍ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمارِ بن أبى عمارٍ، عن ابن عباسٍ نحوَه (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا رجاءُ بنُ أَبي سَلَمَةَ، قال: أخبرَنا عُبادةُ بنُ نُسَيٍّ، قال: ثنا أميرُنا إسحاقُ [بنُ قَبيصةَ] (٤)، قال: قال

стр. 5375

كعبٌ: لو أن غيرَ هذه الأمّةِ نزَلت عليهم هذه الآيةُ لنظَروا اليومَ الذي أُنْزِلَت فيه عليهم فاتَّخَذُوه عيدًا يَجْتَمِعُون فيه. فقال عمر: أيُّ آيةٍ يا كعبُ؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. فقال عمرُ: قد عَلِمتُ اليومَ الذي أُنْزِلَت فيه، والمكانَ الذي أُنْزِلَت فيه؛ يومُ جُمُعَةٍ، ويومُ عرَفةَ، وكلاهما بحمدِ اللهِ لنا عيدٌ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن عيسى بن حارثةَ الأنصاريِّ، قال: كنا جُلوسًا في الديوانِ، فقال لنا نصرانيٌّ: يا أهلَ الإسلامِ، لقد أُنْزلت عليكم آيةٌ لو أُنْزِلت علينا لاتَّخَذْنا ذلك اليومَ وتلك الساعةَ عيدًا ما بقى منا اثنان: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. فلم يُجِبْه أحدٌ منا، فلقِيتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظيَّ فسَألتهُ عن ذلك، فقال: ألا رَدَدتم عليه؟ فقال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: أُنْزِلت على النبيِّ ﷺ وهو واقفٌ على الجبلِ يومَ عَرَفةَ، فلا يَزالُ ذلك اليومُ عيدًا للمسلمين ما بقِى منهم أحدٌ (٢). حدَّثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: أُنْزِلَت على رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. عَشِيةَ عرفةَ وهو في الموقِفِ. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، قال: قلت لعامرٍ: إن اليهودَ تقولُ: كيف لم تَحْفَظِ العربُ هذا اليومَ الذي أكمَل اللهُ لها دينَها فيه؟ فقال عامرٌ: أو ما حَفِظتَه؟ قلتُ له: فأيُّ يومٍ هو؟ قال: يومَ عرفةَ، أنزَل اللهُ في يومِ عرفةَ.

стр. 5376

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: بَلَغنا أنها نزَلت يومَ عرفةَ، ووافَق يومَ الجُمُعةِ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا عمرُ بنُ حبيبٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عِكْرِمةَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: نزَلت سورةُ "المائدةِ" يومَ عرفةَ، ووافَق يومَ الجُمُعةِ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيَيْنةَ، عن ليثٍ، عن شهرِ بن حوشَبٍ، قال: نزَلت سورةُ "المائدةِ" على النبيِّ ﷺ وهو واقفٌ بعَرَفةَ على راحلتِه، فتَنَوَّخَت (٣) لأن تُدَقَّ ذراعُها (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن أسماءَ بنتِ يزيدَ، قالت: نَزلت سورةُ "المائدةِ" جميعًا وأنا آخِذةٌ بزِمامِ ناقةِ رسولِ اللهِ ﷺ العضباءِ. قالت: فكادَت مِن ثِقَلِها أَن تَدُقَّ عَضُدُ الناقةِ (٤). حدَّثني أبو عامرٍ إسماعيلُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: ثنا هشامُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا ابن عياشٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ الكِنْديُّ (٥)، أنه سمِع معاويةَ بنَ أبي سفيانَ

стр. 5377

على المنبرِ يَنْتَزِعُ بهذه الآيةِ (١): ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. حتى ختَمها، فقال: نزَلت في يومِ عرفةَ، في يومِ جُمُعةٍ (٢). وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ - أعنى قولَه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ - يومَ الاثنين. وقالوا: أُنْزِلت سورةُ "المائدةِ" بالمدينةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابن لَهيعةَ، عن خالدِ بن أبى عِمرانَ، عن حَنَشٍ، عن ابن عباسٍ: وُلِد نبيُّكم ﷺ يومَ الاثنين، وخرَج مَن مكةَ يومَ الاثنين، ودخَل المدينةَ يومَ الاثنين، وأُنْزِلَت سورةُ "المائدةِ" يومَ الاثنين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. ورفَع الرُّكْنَ (٣) يومَ الاثنين (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، قال: "المائدةُ" مَدَنيةٌ (٥). وقال آخرون: نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ في مسيرِه في حَجَّةِ الوداعِ.

стр. 5378

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: نزَلت سورةُ "المائدةِ" على رسولِ اللهِ ﷺ في المَسيِر في حَجَّةِ الوداعِ وهو راكبٌ راحلتَه، فبرَكت به راحلتُه مِن ثِقَلِها (١). وقال آخرون: ليس ذلك بيومٍ معلومٍ عندَ الناسِ، وإنما معناه: اليومُ الذي أعلَمُه أنا دونَ خلقِى، أكمَلتُ لكم دينَكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. يقولُ: ليس بيومٍ معلومٍ يَعْلَمُه الناسُ (٢). قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في وقتِ نزولِ هذه الآيةِ القولُ الذي رُوِى عن عمرَ بن الخطابِ، أنها نزَلت يومَ عرفةَ، يومَ جُمُعَةٍ؛ لصحةِ سندِه ووَهْي أسانيدِ غيرِه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جرير ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: فمن أصابه ضُرٌّ ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾. يعني: في مجاعةٍ. وهى مَفْعَلَةٌ، مثلُ المَجبَنةِ والمَبْخَلَةِ والمَنَجَبةِ، مِن خَمْصِ البطنِ، وهو اضْطمارُه،

стр. 5379

وأظنُّه هو في هذا الموضعِ معنيٌّ به اضْطِمارُه مِن الجوعِ وشدةِ السَّغَبِ (١). وقد يكونُ في غيرِ هذا الموضعِ اضْطِمارًا منِ غيرِ الجوعِ والسَّغَبِ، ولكن مِن خِلْقَةٍ، كما قال نابغةُ بنى ذُبيانَ في صفةِ امرأةٍ بخَمْصِ البطنِ (٢): والبَطْنُ ذو عُكَنٍ خَمِيصٌ لَيِّنٌ … والنَّحْرُ تَنْفُجُه بثَدْىٍ مُقْعَدِ (٣) فمعلومٌ أنه لم يُرِدْ صِفَتَها بقولِه: خَمِيصٌ. بالهُزالِ والضُّرِّ مِن الجوعِ، ولكنه أراد وصفَها بلطافةِ طَيِّ ما علا الأوراكَ والأفخاذَ مِن جسدِها؛ لأن ذلك مما يُحْمَدُ مِن النساءِ، ولكنَّ الذي في معنى الوصفِ بالاضْطِمارِ والهُزالِ مِن الضُّرِّ مِن ذلك قولُ أعشَى بنى ثعلبةَ (٤): تَبِيتُون في المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكُمْ … وجاراتُكم غَرْثَى (٥) يَبِتْنَ خَمَائِصَا يَعْنى بذلك: يَبِتْنَ مُضْطَمِراتِ البطونِ مِن الجوعِ والسَّغَبِ والضُّرَّ. فمن هذا المعنى قولُه: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾. وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: المَخْمَصةُ المصدرُ مِن خَمَصه الجوعُ. وكان غيرُه مِن أهلِ العربيةِ يَرَى أنها اسمٌ للمصدَرِ وليست بمصدرٍ، ولذلك تَقَعُ المَفْعَلةُ اسمًا في المصادرِ للتأنيثِ والتذكيرِ. وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 5380

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾. يَعْني: في مجاعةٍ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾. أي: في مجاعةٍ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: [أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال] (٢) أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾. قال: ذكَر المَيْتةَ وما فيها، فأحلَّها في الاضطرارِ، ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾. يقولُ: في مجاعةٍ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾. قال: المخمصةُ الجوعُ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فمَن اضْطُّرَّ فِي مَخْمَصَةٍ إلى أكل ما حرَّمتُ عليه منكم أيُّها المؤمنون مِن المَيْتةِ والدمِ ولحمِ الخِنْزيرِ وسائرِ ما حرَّمتُ عليه بهذه الآيةِ، ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾. يقولُ: لا (٤) مُتَجانِفًا لإثمٍ.

стр. 5381

فلذلك نصَب "غيرَ" لخروجِها مِن الاسمِ الذي في قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾. وهى بمعنى "لا" (١)، فنُصِب بالمعنى الذي كان به منصوبًا "المُتجَانفُ" لو جاء الكلامُ: لا (١) مُتَجانِفًا. وأما "المتجانفُ للإثمِ"، فإنه المتمايلُ له المنحرفُ إليه، وهو في هذا الموضعِ مرادٌ به المُتعَمِّدُ له القاصدُ إليه، مِن: جَنَف القومُ عليَّ، إذا مالوا، وكلُّ أعوجَ فهو أجنفُ عندَ العربِ. وقد بيَّنا معنى "الجَنَفِ" بشواهدِه في قولِه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢]. بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضِع (٢). وأما تَجانُفُ آكلِ المَيْتةِ في أكلِها وفى غيرِها مما حرَّم اللهُ أكلَه على المؤمنين بهذه الآيةِ، للإثمِ في حالِ أكلِه، فهو تَعَمُّدُه أكلَ ذلك لغيرِ دفعِ الضرورةِ النازلةِ به، ولكنْ لمعصيةِ اللهِ وخلافِ أمرِه فيما أمَره به مِن تركِ أكلِ ذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾. يعنى: إلى (٣) ما حرَّم مما سَمَّى في صدرِ هذه الآيةِ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾. يقولُ: غيرَ متعمِّدٍ لإثمٍ (٤).

стр. 5382

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾: غيرَ مُتَعَمِّدٍ لإثمٍ. قال: لمَّا (١) حرَّم اللهُ ما حرَّم، رخَّص للمضطرِّ إذا كان غيرَ متعمِّدٍ لإثمٍ أن يَأْكُلَه مِن جَهْدٍ، فَمَن بغَى أَو عَدا أو خرَج في معصيةِ اللهِ، فإنه محرَّمٌ عليه أن يَأْكُلَه (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾. أي: غيرَ مُتَعَرِّضٍ لمعصيةٍ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾: غيرَ متعمِّدٍ لإثمٍ، غيرَ متعرِّضٍ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾. يقولُ: غيرَ متعرِّضٍ لإثمٍ؛ أَن (٤) يَبْتَغِيَ فيه شهوةً، أو يَعْتَدِيَ في أكلِه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾: لا يَأْكُلُ ذلك ابتغاءَ الإثمِ ولا جَرَاءةً عليه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: وفى هذا الكلامِ متروكٌ اكتُفِى بدلالِة ما ذُكِر عليه منه. وذلك أن معنى الكلامِ: فمَن اضْطُرَّ في مَخْمَصةٍ إلى ما حرَّمتُ عليه مما ذكَرتُ

стр. 5383

في هذه الآيةِ، غيرَ مُتَجانفٍ لإثم فأكَلَه، فإن الله له (١) غَفُورٌ رَحِيمٌ. فتَرَك ذِكْرَ "فأكَله"، وذِكْرَ "له"؛ لدلالةِ سائرِ ما ذكَر مِن الكلامِ عليهما. وأما قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فإن معناه: فإن الله لمن أكَل ما حرَّمتُ عليه بهذه الآيةِ أَكْلَه، في مَخْمصةٍ غيرَ متجانفٍ لإثمٍ، ﴿غَفُورٌ﴾. يقولُ: يَسْتُرُ له عن أكلِه ما أكَل مِن ذلك بعفوِه عن مؤاخذتِه إياه، وصفحِه عنه، وعن عقوبتِه عليه، ﴿رَحِيمٌ﴾. يقولُ: وهو به رفيقٌ، ومِن رحمتِه ورِفقِه به أباح له أكلَ ما أباح له أكْلَه مِن المَيْتةِ وسائرِ ما ذكَر معها في هذه الآيةِ، في حالِ خوفِه على نفسِه من كَلَبِ الجوعِ وضُرِّ الحاجةِ العارضةِ ببَدَنِه. فإن قال قائلٌ: وما الأكلُ الذي وعَد اللهُ المُضْطَرَّ إلى المَيْتةِ وسائرِ المحرَّماتِ معها بهذه الآيةِ غفرانَه إذا أكَل منها؟ قيل: ما حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ الأسَدِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ القاسمِ الأسديُّ، عن الأوزاعيِّ، عن حسانِ بن عطيةَ، عن أبي واقدٍ الليثيِّ، قال: قلنا: يا رسولَ اللهِ، إنّا بأرضٍ تُصيبُنا فيها مَخْمَصَةٌ، فما يَصْلُحُ لنا مِن المَيْتَةِ؟ قال: "إذا لم تَصْطَبِحُوا، أو تَغْتَبِقوا، أو تَحتَفِئُوا بقلًا (٢)، فشأنَكم بها" (٣).

стр. 5384

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الخَصِيبِ بن زيدٍ التميميِّ، قال: ثنا الحسنُ، أن رجلًا سأل رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: إلى متى يَحِلُّ لى الحرامُ؟ قال: فقال: "إلى أن يَرْوَى أهلُك مِن اللبَنِ، أو تَجِيءَ مِيرَتُهم" (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أَخبَرنا خَصِيبُ بنُ زِيدٍ التميميُّ، قال: ثنا الحسنُ، أن رجلًا سأل النبيَّ ﷺ . فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: "أو تُجْبَى (٢) مِيرَتُهم" (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني عمرُ بنُ عبدِ اللهِ بن عروةَ، عن جدِّه عروةَ بن الزُّبيرِ، عمن حدَّثه، أن رجلًا مِن الأعرابِ أتى النبيَّ ﷺ يَسْتَفتِيه في الذي حرَّم اللهُ عليه والذي أحلَّ له، فقال له النبيُّ ﷺ : "يَحِلُّ لك الطيباتُ، ويَحرُمُ عليك الخبائثُ، إِلَّا أَن تَفْتَقِرَ إلى طعامِ (٣) لك، فتَأْكُلَ منه حتى تَسْتَغْنِيَ عنه". فقال الرجلُ: وما فقرى الذي يُحِلُّ لى، وما غِناى الذي يُغْنِيني عن ذلك؟ فقال النبيُّ ﷺ : "إذا كنت تَرْجو نِتاجًا فَتَبَلَّغْ بلحومِ ماشِيَتِك إلى نِتاجِك، أو كنت تَرْجُو غِنًى تَطْلُبُه فَتَبَلَّغْ مِن ذلك شيئًا، فَأَطْعِمْ أَهْلَك ما بدَا لك حتى تَسْتَغْنِيَ عنه". فقال الأعرابيُّ: ما غِناى الذي أدَعُه إِذا وَجَدْتُه؟ فقال النبيُّ ﷺ : "إذا أرْوَيت أهلَك غَبُوقًا مِن الليلِ فاجْتَنِبْ ما حرَّم اللهُ

стр. 5385

عليك مِن طعامٍ، [وأمَّا] (١) مالُك فإنه مَيْسورٌ كلُّه، ليس فيه حرامٌ" (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، قال: وَجَدتُ عندَ الحسنِ كتابَ سَمُرَةَ، فَقَرَأَتُه عليه، وكان فيه: ويُجْزِئُ مِن الاضطرارِ غَبوقٌ أو صَبوحٌ (٣). حدَّثنا هَنَّادٌ وأبو هشامٍ الرفاعيُّ، قالا: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن ابن عونٍ، قال: قرَأتُ في كتابِ سَمُرَةَ بن جُندَبٍ: يَكْفِى مِن الاضْطِرَارِ - أو مِن الضرورةِ - غَبوقٌ أو صَبوحٌ. حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكنديُّ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، عن هشامِ بن حسانَ، عن الحسنِ، قال: إذا اضْطُرَّ الرجلُ إلى المَيْتةِ أكَل منها قُوتَه. يعني: مُسْكَتَه (٤). حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابن مباركٍ، عن الأوزاعيِّ، عن حسانَ بن عطيِةَ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، إنّا بأرضِ مَخْمَصَةٍ، فما يَحِلُّ لنا مِن المَيْتةِ؟ ومتى تَحِلُّ لنا المَيْتةُ؟ قال: "إذا لم تَصْطَبِحوا، ولم (٥) تَغْتَبقوا، ولم تَحتَفِئُوا بَقلًا، فشأنَكم بها" (٦).

стр. 5386

حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن الأوزاعيِّ، عن حسانَ بن عطيةَ، عن رجلٍ قد سُمِّي له (١)، أن رجلًا قال للنبيِّ ﷺ : إنا نكونُ بأرضِ مَخْمَصةٍ، فمتى تَحِلُّ لنا المَيْتةُ؟ قال: "إذا لم تَغْتَبِقُوا، ولم تَصْطَبِحُوا، ولم تَحْتَفِئُوا بقلًا، فشأنَكم بها" (٢). [قال أبو جعفرٍ: يُرْوَى هذا على أربعةِ أوجهٍ: تحْتَفِئُوا بالهمزِ، وتَحْتَفِيوا بتخفيفِ الياءِ، والحاءِ، وتَحتَفُّوا بتشديدِ الفاءِ، وتَحْتَفُوا بالحاءِ والتخفيفِ، ويَحْتَمِلُ الهمز] (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يَسأَلُك يا محمدُ أصحابُك ما الذي أُحِلَّ لهم أكلُه مِن المطاعمِ والمآكلِ، [فقل لهم] (٤): أُحِلَّ لكم منها الطيباتُ، وهى الحلالُ الذي أَذِن لكم ربُّكم في أكلِه مِن الذبائحِ، وأُحِلَّ لكم أيضًا مع ذلك صيدُ ما علَّمتم مِن الجوارحِ، وهن (٥) الكواسِبُ مِن سباعِ البهائمِ والطيرِ. سُمِّيت جوارحَ لجرحِها لأربابِها، وكسبِها إياهم أقواتَهم مِن الصيدِ. يقالُ منه: جرَح فلانٌ أهلَه خيرًا. إذا أكسبَهم خيرًا، و: فلانٌ جارحةُ أهلِه. يَعْنى بذلك كاسبَهم، و: لا جارِحةَ لفلانةَ. إذا لم يَكن لها كاسبٌ. ومنه قولُ أَعْشَى بنى

стр. 5387

ثَعْلبةَ (١): ذاتَ خدٍّ (٢) مُنْضِجٍ مِيسَمُها (٣) … تُذْكِرُ الجارحَ ما كان اجْتَرَحْ يعني: اكَتسب. وتُرِك مِن قولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾: وصيدُ ما علَّمتم مِن الجوارحِ. اكتفاءً بدَلالةِ ما ذُكِر مِن الكلامِ على ما تُرِك ذكرُه، وذلك أن القومَ، فيما بلَغنا، كانوا سأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ حينَ أمرَهم بقتلِ الكلابِ - عما يَحِلُّ لهم اتخاذُه منها وصيدُه، فأنزَل اللهُ عزَّ ذكرُه فيما سأَلوا عنه مِن ذلك هذه الآيةَ، فاستَثْنَى ﷺ (٤) مما كان حرَّم اتخاذَه منها وأمرَ بقَتْلِه (٥)، كلابَ الصيدِ وكلابَ الماشيةِ وكلابَ الحرثِ، وأذِن لهم باتخاذِ ذلك. ذكرُ الخبرِ بذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حبابٍ العُكْلِيُّ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ، قال: [حدَّثني أبانُ بنُ] (٦) صالحٍ، عن القعقاعِ بن حكيمٍ، عن سَلْمَى أمِّ (٧) رافعٍ، [عن أبي رافعٍ] (٨)، قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُ عليه، فأذِن له

стр. 5388

فقال: "وقد أَذِنّا لك يا رسولَ اللهِ". قال: أجَلْ، ولكنّا لا نَدْخُلُ بيتًا فيه كلبٌ. قال أبو رافعٍ: فأمَرني أن أقْتُلَ كلَّ كلبٍ بالمدينةِ، فقتَلتُ (١) حتى انْتَهَيتُ إلى امرأةٍ عندَها كلبٌ يَنْبَحُ عليها، فترَكتُه رحمةً لها، ثم جِئْتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فأخبَرتُه، فأمَرني فرجَعتُ إلى الكلبِ فقتَلتُه، فجاءوا فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما يَحِلُّ لنا مِن هذه الأمةِ التي أمَرْتَ بقتلِها؟ قال: فسكَت رسولُ اللهِ ﷺ ، فأنزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ، أن النبيَّ ﷺ بعَث أبا رافعٍ في قتلِ الكلابِ، فقتَل حتى بلَغ العوالِيَ، فدخَل عاصمُ بنُ عديٍّ و [سعدُ بنُ خَيْثَمَةَ] (٣) وعويمُ بنُ ساعِدةَ، فقالوا: ماذا أُحِلَّ لنا يا رسولَ اللهِ؟ فنزَلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، [قال: حدَّثونا] (٥)

стр. 5389

عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، قال: لما أمرَ النبيُّ ﷺ بقتلِ الكلابِ قالوا: يا رسولَ الله، [ماذا أُحِلَّ] (١) لنا مِن هذه الأُمةِ؟ فنزلَت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآية (٢). ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في "الجوارحِ" التي عنَى اللهُ جل ثناؤه بقولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ ما عُلِّم (٣) الصيدَ فتَعَلَّمه، مِن بهيمةٍ (٤) أو طائرٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ بن مسلمٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: كلُّ ما عُلِّم (٣) فصاد، مِن كلبٍ أو صقرٍ أو فَهدٍ أو غيرِه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن إسماعيلَ بن مسلمٍ، عن الحسنِ: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. قال: كلُّ ما عُلِّم فصادَ، مِن كلبٍ أو فهدٍ أو غيرِه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في صيدِ الفهدِ، قال: هو مِن الجوارِحِ (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾.

стр. 5390

قال: الطيرُ والكلابُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن الحجاجِ، عن عطاءٍ، عن القاسمِ بن أبي بزَّةَ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [حفصٌ، عن حجاجٍ، عن القاسمِ بن نافعٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا] (٢) ابن عيينةَ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. قال: مِن الكلابِ والطيرِ. حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نُجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: مِن الطيرِ والكلابِ (٣). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا شعبةُ، وثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن الهيثمِ، عن طلحةَ بن مُصَرِّفٍ، قال: قال خَيْثَمَةُ بنُ عبدِ الرحمنِ: هذا ما قد بَيَّنْتُ (٤) لك، أن الصقرَ والبازِىَ مِن الجوارحِ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى (٦)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال:

стр. 5391

سمِعتُ الهيثمَ يُحَدِّثُ عن طلحةَ الإياميِّ، عن خَيثمةَ، قال: [قد أَثْبَتُّ لك] (١) أن الصقرَ والبازِيَ والكلبَ مِن الجوارحِ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن عليِّ بن حسينٍ، قال: البازِى والصقرُ مِن الجوارحِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: البازِى والصقرُ مِن الجوارحِ المكلِّبين. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: يَعْنى بالجوارحِ الكلابَ الضواريَ والفُهودَ والصُّقورَ وأشباهَها (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: مِن الكلابِ [وغيرِها، مِن] (٤) الصُّقورِ والبِيزانِ (٥) وأشباهِ ذلك مما يُعَلَّمُ (٦). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: والجوارحُ الكلابُ

стр. 5392

والصقورُ المُعَلَّمةُ. حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ الرازِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بن دينارٍ، سمِع عُبيدَ (١) بنَ عميرٍ يقولُ في قولِه (٢): ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: الكلابُ والطيرُ. وقال آخرون: إنما عنَى اللهُ جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. الكلابَ دُونَ غيرِها مِن السباعِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: هي الكلابُ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. يقولُ: أُحِلَّ لكم صيدُ الكلابِ التي عَلَّمْتُموهن (٣). حدَّثنا هنّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبَرنا ابن جريجٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: أمّا ما صاد مِن الطيرِ؛ البُزَاةُ (٤) [وغيرُها] (٥) مِن الطيرِ، فما أدركتَ فهو لك، وإلا فلا تَطْعَمُه (٦).

стр. 5393

وأولى القولين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: كلُّ ما صاد مِن الطيرِ والسباعِ فمِن الجوارحِ، وأن صيدَ جميعِ ذلك كلِّه (١) حلالٌ إذا صاد بعدَ التعلُّمِ (٢)؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه عمَّ بقولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. كلَّ جارحةٍ، ولم يَخْصُصْ منها شيئًا، فكلُّ جارحةٍ كانت بالصفةِ التي وصفَ اللهُ جلَّ ثناؤُه مِن كلِّ طائرٍ وسبُعٍ فحلالٌ أكلُ صيدِها. وقد رُوِى عن النبيِّ ﷺ بنحوِ ما قلنا في ذلك خبرٌ، مع ما في الآيةِ مِن الدَّلالةِ التي ذكَرنا على صحةِ ما قلنا في ذلك، وهو ما حدَّثنا به هنادٌ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ بن حاتمٍ، قال: سأَلتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن صيدِ البازِي، فقال: "ما أمْسَك عليك فكُلْ" (٣). فأباح رسولُ اللهِ ﷺ صيدَ البازِى وجعَله مِن الجوارحِ، ففى ذلك دَلالةٌ بينةٌ على فسادِ قولِ مَن قال: عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. ما (٤) علَّمنا مِن الكلابِ خاصةً دُونَ غيرِها مِن سائرِ الجوارحِ. فإن ظنَّ ظانٌّ أن في قولِه: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. دَلالةً على أن الجوارحَ التي ذُكِرت في قولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. هي الكلابُ خاصةً، فقد ظنَّ غيرَ الصوابِ، وذلك أن معنى الآيةِ: قل: أُحِلَّ لكم أيُّها الناسُ، في حالِ مصيرِكم

стр. 5394

أصحابَ كلابٍ، الطيباتُ وصيدُ ما علَّمتموه الصيدَ من كواسبِ الطيرٍ والسباعِ. فقولُه: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. صفةٌ للقانصِ وإن صاد بغيرِ الكلابِ في بعضِ أحيانِه. وهو نظيرُ قولِ القائلِ يُخاطِبُ قومًا: أُحِلَّ لكم الطيباتُ وما علَّمتم مِن الجوارحِ (١) مؤمنين. فمعلومٌ أنه إنما عنَى قائلُ ذلك إخبارَ القومِ أن اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه أحلَّ لهم في حالِ كونِهم أهلَ إيمانٍ، الطيباتِ وصيدَ الجوارحِ، [[لا أن] (٢) الإيمانَ هو الجوارحُ] (٣) التي [أَعْلَمهم أنه] (٤) لا يَحِلُّ لهم منه إلا ما صادوه به (٥). فكذلك قولُه: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. لذلك نظيرٌ، في أن التَّكليبَ للقانصِ صفةٌ (٦) - بالكلابِ كان صيدُه أو بغيرِها - [لا أنه] (٧) إعلامٌ مِن اللهِ عزَّ ذكرُه أنه لا يَحِلُّ مِن الصيدِ إلا ما صادَته الكلابُ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. قال أبو جعفر ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾: تُؤَدِّبون (٨) الجوارحَ، فتُعَلِّمونهن طَلَبَ الصيدِ لكم، ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. يَعْنى بذلك: مِن التأديبِ الذي أدَّبَكم اللهُ، والعلمِ الذي علَّمكم.

стр. 5395

وقد قال بعضُ أهلِ التأويلِ: معنى قولِه: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾: كما علَّمكم اللهُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: تُعَلِّمونهنَّ مِن الطلبِ كما علَّمكم اللهُ (١). ولسنا نَعْرِفُ في كلامِ العربِ "من" بمعنى الكافِ؛ لأن "مِن" تَدْخُلُ في كلامِهم بمعنى التبعيضِ، والكافَ بمعنى التشبيهِ، وإنما يُوضَعُ الحرفُ مكانَ آخرَ غيرِه إذا تقارَب معنياهما. فأما إذا اختلَفت معانيهما، فغيرُ موجودٍ في كلامِهم وضعُ أحدِهما عقيبَ الآخرِ، وكتابُ اللهِ تعالى ذكرُه وتنزيلُه أحرَى الكلامِ أن يُجَنَّبَ ما خرَج عن المفهومِ والغايةِ في الفصاحةِ مِن كلامِ مَن نزَل بلسانِه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ صَبِيحٍ، قال: ثنا أبو هانئٍ [عمرُ بنُ بشيرٍ] (٢)، قال: ثنا عامرٌ، أن عديَّ بنَ حاتمٍ الطائيَّ قال: أتى رجلٌ رسولَ اللهِ ﷺ يَسْأَلُه عن صيدِ الكلابِ، فلم يَدْرِ ما يَقُولُ، حتى نزَلت هذه الآيةُ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣). [فإن قال لنا قائلٌ: وما صفةُ التعليمِ التي أذِن لنا ربُّنا بتعليمِنا جوارحَنا صيدَنا فقال لنا: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾؟ (٤)
следующие страницы →