← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

سمِعتُ الهيثمَ يُحَدِّثُ عن طلحةَ الإياميِّ، عن خَيثمةَ، قال: [قد أَثْبَتُّ لك] (١) أن الصقرَ والبازِيَ والكلبَ مِن الجوارحِ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن عليِّ بن حسينٍ، قال: البازِى والصقرُ مِن الجوارحِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: البازِى والصقرُ مِن الجوارحِ المكلِّبين. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: يَعْنى بالجوارحِ الكلابَ الضواريَ والفُهودَ والصُّقورَ وأشباهَها (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: مِن الكلابِ [وغيرِها، مِن] (٤) الصُّقورِ والبِيزانِ (٥) وأشباهِ ذلك مما يُعَلَّمُ (٦). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: والجوارحُ الكلابُ

стр. 5392

والصقورُ المُعَلَّمةُ. حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ الرازِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بن دينارٍ، سمِع عُبيدَ (١) بنَ عميرٍ يقولُ في قولِه (٢): ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: الكلابُ والطيرُ. وقال آخرون: إنما عنَى اللهُ جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. الكلابَ دُونَ غيرِها مِن السباعِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: هي الكلابُ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. يقولُ: أُحِلَّ لكم صيدُ الكلابِ التي عَلَّمْتُموهن (٣). حدَّثنا هنّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبَرنا ابن جريجٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: أمّا ما صاد مِن الطيرِ؛ البُزَاةُ (٤) [وغيرُها] (٥) مِن الطيرِ، فما أدركتَ فهو لك، وإلا فلا تَطْعَمُه (٦).

стр. 5393

وأولى القولين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: كلُّ ما صاد مِن الطيرِ والسباعِ فمِن الجوارحِ، وأن صيدَ جميعِ ذلك كلِّه (١) حلالٌ إذا صاد بعدَ التعلُّمِ (٢)؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه عمَّ بقولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. كلَّ جارحةٍ، ولم يَخْصُصْ منها شيئًا، فكلُّ جارحةٍ كانت بالصفةِ التي وصفَ اللهُ جلَّ ثناؤُه مِن كلِّ طائرٍ وسبُعٍ فحلالٌ أكلُ صيدِها. وقد رُوِى عن النبيِّ ﷺ بنحوِ ما قلنا في ذلك خبرٌ، مع ما في الآيةِ مِن الدَّلالةِ التي ذكَرنا على صحةِ ما قلنا في ذلك، وهو ما حدَّثنا به هنادٌ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ بن حاتمٍ، قال: سأَلتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن صيدِ البازِي، فقال: "ما أمْسَك عليك فكُلْ" (٣). فأباح رسولُ اللهِ ﷺ صيدَ البازِى وجعَله مِن الجوارحِ، ففى ذلك دَلالةٌ بينةٌ على فسادِ قولِ مَن قال: عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. ما (٤) علَّمنا مِن الكلابِ خاصةً دُونَ غيرِها مِن سائرِ الجوارحِ. فإن ظنَّ ظانٌّ أن في قولِه: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. دَلالةً على أن الجوارحَ التي ذُكِرت في قولِه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. هي الكلابُ خاصةً، فقد ظنَّ غيرَ الصوابِ، وذلك أن معنى الآيةِ: قل: أُحِلَّ لكم أيُّها الناسُ، في حالِ مصيرِكم

стр. 5394

أصحابَ كلابٍ، الطيباتُ وصيدُ ما علَّمتموه الصيدَ من كواسبِ الطيرٍ والسباعِ. فقولُه: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. صفةٌ للقانصِ وإن صاد بغيرِ الكلابِ في بعضِ أحيانِه. وهو نظيرُ قولِ القائلِ يُخاطِبُ قومًا: أُحِلَّ لكم الطيباتُ وما علَّمتم مِن الجوارحِ (١) مؤمنين. فمعلومٌ أنه إنما عنَى قائلُ ذلك إخبارَ القومِ أن اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه أحلَّ لهم في حالِ كونِهم أهلَ إيمانٍ، الطيباتِ وصيدَ الجوارحِ، [[لا أن] (٢) الإيمانَ هو الجوارحُ] (٣) التي [أَعْلَمهم أنه] (٤) لا يَحِلُّ لهم منه إلا ما صادوه به (٥). فكذلك قولُه: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. لذلك نظيرٌ، في أن التَّكليبَ للقانصِ صفةٌ (٦) - بالكلابِ كان صيدُه أو بغيرِها - [لا أنه] (٧) إعلامٌ مِن اللهِ عزَّ ذكرُه أنه لا يَحِلُّ مِن الصيدِ إلا ما صادَته الكلابُ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. قال أبو جعفر ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾: تُؤَدِّبون (٨) الجوارحَ، فتُعَلِّمونهن طَلَبَ الصيدِ لكم، ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. يَعْنى بذلك: مِن التأديبِ الذي أدَّبَكم اللهُ، والعلمِ الذي علَّمكم.

стр. 5395

وقد قال بعضُ أهلِ التأويلِ: معنى قولِه: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾: كما علَّمكم اللهُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: تُعَلِّمونهنَّ مِن الطلبِ كما علَّمكم اللهُ (١). ولسنا نَعْرِفُ في كلامِ العربِ "من" بمعنى الكافِ؛ لأن "مِن" تَدْخُلُ في كلامِهم بمعنى التبعيضِ، والكافَ بمعنى التشبيهِ، وإنما يُوضَعُ الحرفُ مكانَ آخرَ غيرِه إذا تقارَب معنياهما. فأما إذا اختلَفت معانيهما، فغيرُ موجودٍ في كلامِهم وضعُ أحدِهما عقيبَ الآخرِ، وكتابُ اللهِ تعالى ذكرُه وتنزيلُه أحرَى الكلامِ أن يُجَنَّبَ ما خرَج عن المفهومِ والغايةِ في الفصاحةِ مِن كلامِ مَن نزَل بلسانِه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ صَبِيحٍ، قال: ثنا أبو هانئٍ [عمرُ بنُ بشيرٍ] (٢)، قال: ثنا عامرٌ، أن عديَّ بنَ حاتمٍ الطائيَّ قال: أتى رجلٌ رسولَ اللهِ ﷺ يَسْأَلُه عن صيدِ الكلابِ، فلم يَدْرِ ما يَقُولُ، حتى نزَلت هذه الآيةُ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣). [فإن قال لنا قائلٌ: وما صفةُ التعليمِ التي أذِن لنا ربُّنا بتعليمِنا جوارحَنا صيدَنا فقال لنا: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾؟ (٤)

стр. 5396

قيل: اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: هو أن يَسْتَشْلِيَ (١) لطلبِ الصيدِ إذا أرسَله صاحبُه، ويُمْسِكَ عليه إذا أخَذه، فلا يأكلَ منه، ويَستجِيبَ له إذا دعاه، ولا يَفرَّ منه إذا أراده، فإذا تتابع ذلك منه مِرارًا كان معلَّمًا. وهذا قولُ جماعةٍ مِن أهلِ الحجازِ وبعضِ أهلِ العراقِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ: كلُّ شيءٍ قتَله صائدُك قبلَ أن يُعَلَّمَ ويُمْسِكَ ويَصِيدَ فهو مَيْتَةٌ، ولا يكونُ قتلُه إياه ذكاةً حتى يُعَلَّمَ ويُمسِكَ ويَصِيدَ، فإذا كان ذلك ثم قتَل فهو ذَكاةٌ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: آيةُ (٣) المعلَّمِ مِن الكلابِ أن يُمْسِكَ صيدَه فلا يَأْكُلَ منه حتى يَأْتِيه صاحبُه، فإن أكَل مِن صيدِه قبلَ أن يأتِيَه صاحبُه فيُدرِكَ ذكاتَه، فلا يَأْكُلْ مِن صيدِه (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ، عن عمرٍو، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا أكَل الكلبُ فلا تَأْكُلْ، فإنما أَمْسَك على نفسِه (٥). حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا

стр. 5397

أبو المُعَلَّى (١)، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: إذا أرسَل الرجلُ الكلبَ فأكَل مِن صيدِه، فقد أفسَده، وإن كان ذكَر اسمَ اللهِ حينَ أرسَله (٢). فزعَم أنه إنما أَمْسَك على نفسِه، واللهُ يقولُ: ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. فرعَم أنه إذا أكَل مِن صيدِه قبلَ أن يَأْتِيَه صاحبُه أنه ليس بمعلَّمٍ، وأَنه يَنْبَغِى أَن يُضْرَبَ ويُعَلَّمَ حتى يَتْرُكَ ذلك الخُلُقَ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معمرٌ الرَّقِّيُّ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ،، قال: إذا أخَذ الكلبُ فقتَل وأكَل، فهو سَبْعٌ (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لا تَأْكُلْ منه، فإنه لو كان مُعَلَّمًا لم يَأْكُلْ منه، ولم يَتَعَلَّمْ ما عَلَّمْتَه، إنما أمْسَك على نفسِه ولم يُمْسِكْ عليك (٤). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن ابن عباسٍ بنحوِه. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا [أكَل الكلبُ] (٥) فلا تَأْكُلْ (٦). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ،

стр. 5398

عن الشعبيِّ، عن ابن عباسٍ بمثله (١). حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا ابن عونٍ، قال: قلتُ لعامرٍ الشعبيِّ: الرجلُ يُرْسِلُ كلبَه فيَأْكُلُ منه، أيَأكُلُ منه؟ قال: لا، لم يَتَعَلَّم الذي عَلَّمْتَه (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عمرَ، قال: إذا أكَل الكلبُ مِن صيدِه فاضْرِبُه، فإنه ليس بمُعَلَّمٍ (٣). حدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابن جريجٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: إذا أكَل الكلبُ فهو مَيْتَةٌ، فلا تَأْكُلْه (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ (٥)، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، [وسيَّارٍ] (٦)، عن الشعبيِّ، ومغيرةَ، عن إبراهيمَ أنهم قالوا في الكلبِ: إذا أكَل مِن صيدِه فلا تَأْكُلْ، فإنما أَمْسَك على نفسِه (٧). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ: إن وجَدْتَ الكلبَ قد أكَل مِن الصيدِ، فما وجَدْتَه مَيْتًا فَدَعْه، فإنه مما لم يُمْسِكْ عليك حينئذِ (٨)، إنما هو سَبْعٌ أَمْسَك على نفسِه ولم يُمْسِكْ عليك، وإن كان قد

стр. 5399

عُلِّم (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ بنحوِه. وقال آخرون نحوَ هذه المقالةِ، غيرَ أنهم حدُّوا لمعرفةِ الكلّابِ (٢) بأن كلبَه قد قبِل التعليمَ وصار مِن الجوارحِ الحلالِ صيدُها، أن يَفْعَل ذلك كلبُه مراتٍ ثلاثًا. وهذا قولٌ مَحْكِيٌّ (٣) عن أبي يوسفَ ومحمدِ بن الحسنِ. وقال آخرون ممن قال هذه المقالةَ: لا حدَّ لعلمِ الكلَّابِ بذلك مِن كلبِه أكثرَ مِن أن يَفْعَلَ كلبُه ما وصَفنا أنه له تعليمٌ. قالوا: فإذا فعَل ذلك فقد صار معلَّمًا حلالًا صيدُه. وهذا قولٌ قاله (٤) بعضُ المتأخرين. وفرَّق بعضُ قائلى هذه المقالةِ بينَ تعليمِ البازِى وسائرِ الطيورِ الجارحةِ، وتعليمِ الكلبِ وضارِى السباعِ الجارحةِ، فقال: جائزٌ أكلُ ما أكَل منه البازِى مِن الصيدِ. قالوا: وإنما تعليمُ البازِى [أن يَطِيرَ] (٥) إِذا اسْتُشْلِيَ، ويُجيبَ إِذا دُعِي، ولا يَنْفِرَ مِن صاحبِه إذا أراد أخذَه. قالوا: وليس مِن شرطِ تعليمِه أَلَّا يَأْكُلَ مِن الصيد. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ وحجاجٍ، عن عطاءٍ، قال: لا بأسَ بصيدِ البازِى وإن أكَل منه.

стр. 5400

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الشيبانيُّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن ابن عباسٍ أنه قال في الطيرِ: إِذا أَرْسَلْتَه فقتَل فكُلْ، فإن الكلبَ إذا ضرَبتَه لم يَعُدْ، وإن تعليمَ الطيرِ (١) أن يَرْجِعَ إلى صاحبِه، وليس يُضْرَبُ، فإذا أكَل مِن الصيدِ ونتَف (٢) الريشَ فكُلْ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن الشعبيِّ، قال: ليس البازِى والصقرُ كالكلبِ، فإذا أَرْسَلْتَهما فأَمْسَكا ثم أكلا، فدَعَوْتَهما فأَتَيَاك، فكُلْ منه (٤). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو زُبَيدٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن حمادٍ، قال: قال إبراهيمُ: كُلْ صيدَ البازِى وإن أكَل منه. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، وجابرٍ، عن الشعبيِّ، قالا: كُلْ مِن صيدِ البازِى وإن أكَل (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: إذا أكَل البازِى والصقرُ مِن الصيدِ فكُلْ، فإنه لا يُعَلَّمُ (٥). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: لا بأسَ بما أكَل منه البازِي (٥).

стр. 5401

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حمادٍ أنه قال في البازِي إذا أكَل منه، [قال: كُلْ] (١). وقال آخرون منهم: سواءٌ تعليمُ الطيرِ والبهائمِ والسباعِ، لا يكونُ نوعٌ مِن ذلك معلَّمًا إلا بما يكونُ به سائرُ الأنواعِ معلَّمًا. وقالوا: لا [يَحِلُّ أكلُ] (٢) شيءٍ مِن الصيدِ الذي صادَته جارحةٌ فأكَلت منه، كائنةً ما كانت تلك الجارحةٌ، بهيمةً أو طائرًا. قالوا: لأن مِن شروطِ تعليمِها الذي يَحِلُّ به صيدُها، أن تُمْسِكَ ما صادَت على صاحبِها فلا تَأكُلَ منه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ سالمٍ، عن عامرٍ، قال: قال عليٌّ: إذا أكَل البازِي مِن صيدِه فلا تَأْكُلْ. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن مجالدِ بن سعيدٍ، عن الشعبيِّ، قال: إذا أكَل البازِى منه فلا تَأْكُلْ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: إذا أكَل البازِي فلا تَأْكُلْ (٣). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ عن عُمرَ (٤) بن الوليدِ الشَّنيِّ (٥)، قال: سمِعتُ

стр. 5402

عكرمةَ قال: إذا أكَل البازِى فلا تَأْكُلْ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ: الكلبُ والبازِى واحدٌ كلُّه، لا تَأْكُلْ ما أكَل منه مِن الصيدِ، إلا أن تُدْرِكَ ذَكاتَه فتُذكِّيَه. قال: قلتُ لعطاءٍ: البازِى يَنْتِفُ الريشَ. قال: فما أَدْرَكتَه ولم يَأْكُلْ فكُلْ. قال ذلك غيرَ مرةٍ (٢). وقال آخرون: تعليمُ كلِّ جارحةٍ مِن البهائمِ والطيرِ واحدٌ. قالوا: وتعليمُه الذي يَحِلُّ به صيدُه أن يُشْلَى على الصيدِ فيَسْتَشلِيَ ويَأْخُذَ الصيدَ، ويَدْعُوَه صاحبُه [فيُجِيبَه، و] (٣) لا يَفرَّ منه إذا أخَذه. قالوا: فإذا فعَل الجارحُ ذلك كان مُعَلَّما داخلًا في المعنى الذي قال اللهُ جل ثناؤه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. قالوا: وليس مِن شرطِ تعلُّمِ (٤) ذلك أَلَّا يَأْكُلَ مِن الصيدِ. قالوا: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك مِن شرطِه وهو يُؤَدَّبُ بأكلِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، [عن سعيدٍ أو سعدٍ] (٥)، عن سلمانَ (٦)، قال: إذا أَرْسَلْتَ كلبَك على صيدٍ،

стр. 5403

وذكَرْتَ اسمَ اللهِ [عليه، فإن أكَل] (١) ثُلُثَيه وبقِى ثلثُه، فكُلْ ما بقِى (٢). حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا حميدٌ، قال: ثنى القاسمُ بنُ ربيعةَ، عمن حدَّثه، عن سلمانَ (٣)، وبكرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عمن حدَّثه، عن سلمانَ (٣)، أن الكلبَ يَأْخُذُ الصيدَ فيَأْكُلُ منه، قال: كُلْ وإِن أَكَل ثُلُثَيه، إِذا أَرْسَلْتَه وذكَرتَ اسمَ اللهِ وكان مُعَلَّمًا. حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يُحَدِّثُ عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: قال سلمانُ: كُلْ وإن أكَل ثُلُثَيه. يَعْنى الصيدَ إذا أكَل منه الكلبُ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، عن سلمانَ نحوَه. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ وعبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الصمدِ (٤)، [عن سعيدٍ] (٥)، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: قال سلمانُ: إِذا أَرْسَلْتَ كلبَك المُعَلَّمَ وذكَرْتَ اسمَ اللَّهِ، فأكَل [ثُلُثَيه وبقِى] (٦) ثُلُثُه فكُلْ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبْدَةُ، عن سعيدٍ (٧)، عن قتادةَ، عن سعيدٍ، عن سلمانَ

стр. 5404

بنحوِه. حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، أخبرنا حُميدٌ (١)، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ المزَنيِّ والقاسمِ، أن سلمانَ قال: إذا أكَل الكلبُ فكُلْ وإن أكل ثُلُثَيه (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن داودَ بن أبى الفراتِ (٣)، عن محمدِ بن زيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: قال سلمانُ: إِذا أَرْسَلْتَ كلبَك (٤) أو بازَك، فسمَّيتَ الله (٥)، فأكَل نصفَه أو ثُلُثَيه، فكُلْ بقيَّتَه (٦). حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني مَخْرَمَةُ بنُ بُكَيرٍ، عن أبيه، عن حميدِ بن مالكِ بن خُثَيْمٍ الدُّؤَليِّ، أنه (٧) سأَل سعدَ بنَ أبي وقاصٍ عن الصيدِ يَأْكُلُ منه الكلبُ، فقال: كُلْ وإن لم يَبْقَ منه إلا حِذْيَةٌ. يَعْنى بَضْعَةً (٨). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن [عبدِ ربِّه] (٩) ابن سعيدٍ، قال سمِعتُ بُكَيرَ بنَ الأَشجِّ (١٠) يُحَدِّثُ عن سعدٍ، قال: كُلْ وإن أكَل

стр. 5405

ثُلُثَيه (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا شعبةُ، عن [عبدِ ربِّه] (٢) بن سعيدٍ، قال: سمِعتُ بُكَيرَ بنَ الأَشجّ، عن سعيدِ بن المسيبِ - قال شعبةُ: قلتُ: سمِعتَه مِن سعيدِ (٣)؟ قال: لا. قال: كُلْ وإن أكَل ثُلُثَيه. قال: ثم إن شعبةَ قال في حديثِه عن سعدٍ، قال: كُلْ وإن أكَل نصفَه (٤). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن أبي هريرةَ، قال: إذا أرْسَلتَ كلبَك فأكَل منه، فإن أكَل ثُلُثَيه وبَقِى ثُلُثُه فكُلْ (٤). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن أبي هريرةَ بنحوِه (٥). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو (٦) معاويةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن أبي هريرةَ بنحوِه. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى سالمُ بنُ نوحٍ العطارُ، عن عمرَ - يَعْنى ابنَ عامرٍ - عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن سلمانَ، قال: إِذا أَرْسَلْتَ كلبَك (٧) فأَخَذ

стр. 5406

فقتَل، فكُلْ وإن أكَل ثُلُثَيه (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ عُبيدَ (٢) اللَّهِ، وحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن عبيدِ (٣) اللهِ بن عمرَ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، قال: إِذا أَرْسَلْتَ كلبَك المُعَلَّمَ، وذكَرتَ اسمَ اللَّهِ، فَكُلْ ما أَمْسَكَ عليك، أَكَل أو لم يَأْكُلْ (٤). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ بنحوِه. حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني ابن أبي ذئبٍ، أن نافعًا حدَّثهم، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان لا يَرَى بأكلِ الصيدِ بأسًا إذا قتَلَه الكلبُ وأكَلِ منه. وحدَّثني يونسُ به مرةً أُخرى، فقال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى عبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ وابنُ أبي ذئبٍ وغيرُ واحدٍ، أن نافعًا حدَّثهم عن عبدِ اللهِ بن عمرَ. فذكَر نحوَه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي ذئبٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنه كان لا يَرَى بأسًا بما أكَل الكلبُ الضارى.

стр. 5407

حدَّثنا هَنّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن أبي ذئبٍ، [عن نافعٍ، عن ابن عمرَ نحوَه (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن أبي ذئبِ] (٢)، عن بُكَيرِ بن عبدِ اللَّهِ بن الأشجِّ، عن حميدِ بن عبدِ اللهِ، عن سعدٍ، قال: قلتُ: لنا كلابٌ ضَوارٍ يَأْكُلْن ويُبْقِين. قال: كُلْ وإن لم يُبْقِ إِلا بَضْعَةً (٣). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبِيصةُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن يَعقوبَ بن عبدِ اللهِ بن الأشجِّ، عن حميدٍ، قال: سأَلتُ سعدًا. فذكَر نحوَه. وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندَنا في تأويلِ قولِه: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. أن التعليمَ الذي ذكَره اللهُ في هذه الآيةِ للجوارحِ، إنما هو أن يُعلِّمَ الرجلُ جارِحَه الاسْتِشْلاءَ إذا أُشْلِى على الصيدِ، وطَلَبَه إياه إذا أُغْرِىَ به (٤)، و (٥) إمساكَه عليه إذا أخَذه، مِن غيرِ أن يَأْكُلَ منه شيئًا، وألا يَفِرَّ منه إذا أرَاده، وأن يُجِيبَه إذا دعاه. فذلك هو تعليمُ جميعِ الجوارحِ، طيرِها وبهائِمِها. فإن أكَل مِن الصيدِ جارحةُ صائدٍ، فجارحتُه (٦) حينَئذٍ غيرُ معلَّمٍ. فإن أدرَك صيدَه (٤) صاحبُه حيًّا، فذكّاه، حلَّ له أكلُه، وإن أدْرَكه ميِّتًا لم يَحِلَّ

стр. 5408

له أَكْلُه (١)؛ لأنه مما أكَله السَّبُعُ الذي حرَّمه اللهُ تعالى بقولِه: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. ولم يُدْرِكْ (٢) ذكاتَه. وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن عاصم بن سليمانَ الأحولِ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ بن حاتمٍ، أنه سأَل النبيَّ ﷺ عن الصيد، فقال: "إذا أرسلتَ كلبَك فاذكُرِ اسمَ اللهِ عليه، فإن أدْرَكتَه وقد قتَل وأكَل منه، فلا تَأْكُلْ منه شيئًا، فإنما أَمْسَك على نفسِه" (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ الرفاعيُّ، قالا: ثنا محمدُ بنُ فضيلٍ، عن بيانِ بن بشرٍ، عن عامرٍ، عن عديِّ بن حاتمٍ، قال: سأَلتُ رسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ (٤): إنا قومٌ نَتَصَيَّدُ بهذه الكلابِ، فقال: "إذا أرسلْتَ كلابَك المُعَلَّمةَ، وذكَرتَ اسم اللهِ عليها (٥)، فكُلْ ما أَمْسَكْن عليك وإن قتَلْن، إلا أن يَأْكُلَ الكلبُ، فإن أكَل فلا تَأْكُلْ، فإني أخافُ أن يكونَ إنما حبَسه على نفسِه" (٦). فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما حدَّثك به عمرانُ بنُ بكّارٍ الكَلاعيُّ، قال:

стр. 5409

ثنا عبدُ العزيزِ بنُ موسى، قال: ثنا محمدُ بنُ دينارٍ، عن أبي إياسٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن سلمانَ الفارسيِّ، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إذا أرْسَل الرجلُ كلبَه على الصيدِ، فأدْرَكه وقد أكَل منه، فلْيأْكُلْ ما بقِى" (١)؟ قيل: هذا خبرٌ [في إسنادِه] (٢) نظرٌ، فإن سعيدًا غيرُ معلومٍ له سماعٌ من سلمانَ، والثقاتُ مِن أهلِ الآثارِ يَقِفون هذا الكلامَ على سلمانَ ويَرْوُونه عنه من قيلِه (٣) غيرَ مرفوعٍ إلى النبيِّ ﷺ ، والحفاظُ الثقاتُ إِذا تَتَابَعوا على نقلِ شيءٍ بصفةٍ، فخالَفهم واحدٌ منفردٌ وليس له حفظُهم، كانت الجماعةُ (٤) الأثباتُ أحقَّ بصحةِ ما نقَلوا مِن الفردِ الذي ليس له حفظُهم. وإذا كان الأمرُ في الكلبِ على ما ذكَرْتُ مِن أنه إذا أكَل مِن الصيدِ فغيرُ مُعَلَّمٍ، فكذلك حكمُ كلِّ جارحةٍ؛ في أن ما أكَل منها مِن الصيدِ فغيرُ مُعَلَّمٍ، لا يَحِلُّ له أكلُ صيدِه، إلا أن يُدْرِكَ ذكاتَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾: فكُلوا أيها الناسُ مما أمْسَكَتْ عليكم جوارحُكم. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك على الظاهرِ والعمومِ، كما عمَّه (٥) اللهُ جل ثناؤُه، حلالٌ أكلُ (٦) ما أَمْسَكَت علينا الكلابُ والجوارحُ المعلَّمةُ مِن الصيدِ الحلالِ أكلُه، أكَل منه الجوارحُ (٧) والكلابُ أو لم تَأْكُلْ

стр. 5410

منه، أُدْرِكت ذكاتُه فذُكِّى أو لم تُدْرَكْ ذكاتُه حتى قتَلتْه الجوارحُ بجَرْحِها إياه أو بغيرِ جَرْحٍ. وهذا قولُ الذين قالوا: تعليمُ الجوارحِ الذي يَحِلُّ به صيدُها أَنْ تُعَلَّمَ الاسْتِشْلَاءَ على الصيدِ، وطَلَبَه إذا أُشْلِيت عليه وأخْذَه، وترْكَ الهرَبِ مِن صاحبِها دونَ تَرْكِ الأكلِ مِن صيدِها إذا صادَته. وقد ذكَرنا قولَ قائلى هذه المقالةِ والروايةَ عنهم بأسانيدِها الواردةِ آنفًا (١). وقال آخرون: بل ذلك على الخصوصِ دونَ العُمومِ. قالوا: ومعناه: فكُلوا مما أمْسَكن عليكم مِن الصيدِ جميعِه دونَ بعضه. قالوا: فإن أكَلت الجوارحُ منه بعضًا وأمْسَكَت بعضًا، فالذي أمْسَكَت منه غيرُ جائزٍ أكلُه وقد أكَلت بعضَه؛ لأنها إنما أمْسَكت ما أمْسَكت مِن ذلك الصيدِ بعدَ الذي أكَلت منه على أنفسِها لا علينا، واللهُ تعالى ذكرُه إنما أباح لنا أكلَ (٢) ما أَمْسَكَتْه جوارحُنا المعلَّمَةُ علينا (٣) بقولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. دونَ ما أَمْسَكَتْه على أنفسِها. وهذا قولُ مَن قال: تعليمُ الجوارحِ الذي يَحِلُّ به صيدُها أَن تَسْتَشْلِيَ للصيدِ إذا أُشْلِيت، فتَطْلُبَه وتَأْخُذَه، فتُمْسِكَه على صاحبِها، فلا تَأْكُلَ منه شيئًا، ولا تَفِرَّ من صاحبِها. وقد ذكَرنا ممن قال ذلك فيما مضَى منهم جماعةً كثيرةً (١)، ونَذْكُرُ منهم جماعةً أُخَرَ (٤) في هذا الموضِعِ. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. يَقولُ: كُلُوا

стр. 5411

مما قَتَلْن. قال عليُّ بنُ أبي طلحةَ: وكان ابن عباسٍ يقولُ: إن قتَل وأكَل فلا تَأْكُلْ، وإن أمْسَك فأدْرَكتَه حيًّا فذَكِّه (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: إن أكَل المعلَّمُ مِن الكلابِ مِن صيدِه قبلَ أن يَأْتِيَه صاحبُه فيُدْرِكَ ذَكاتَه، فلا يَأْكُلْ مِن صيدِه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾: إذا صاد الكلبُ فأَمْسَكَه وقد قتَله ولم يَأْكُلْ منه، فهو حِلٌّ، فإن أكَل منه، فيقالُ: إنما أَمْسَك لنَفْسِه (٣)، فلا تَأْكُلْ منه شيئًا، فإنه ليس بمعلَّمٍ. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. قال: إذا أرْسَلْتَ كلبَك المعلَّمَ، أو طيرَك، أو سهمَك، فذكَرْتَ اسمَ اللَّهِ، فأخَذ أو قتَل، فكُلْ (٤). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقُولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: إذا أرْسَلْتَ كلبَك المُعَلَّمَ (٥)، وذكَرتَ اسمَ اللهِ حينَ تُرْسِلُه، فأمْسَك أو قتَل، فهو حلالٌ، فإذا أكَل منه فلا تَأْكُلْه، فإنما أَمْسَكَ

стр. 5412

على نفسِه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ في قولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن أرضى أرضُ صيدٍ. قال: "إذا أرْسَلتَ كلبَك وسمَّيتَ، فكُلْ مما أَمْسَك عليك كلبُك وإن قَتَل، فإن أكَل فلا تَأْكُلْ، فإنما (٢) أَمْسَك على نفسِه" (٣). وقد بينّا أولى القولين في ذلك بالصوابِ قَبْلُ، فأغنى ذلك عن إعادتِه وتكرارِه (٤). فإن قال قائلٌ: وما وجهُ دُخولِ "من" في قولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. وقد أحلَّ اللهُ لنا صيدَ جوارحِنا الحلالِ، و "مِن" إنما تَدْخُلُ في الكلامِ مبعِّضةٌ لما دخَلت فيه؟ قيل: قد اختلَف في معني دخولِها في هذا الموضعِ أهلُ العربيةِ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ (٥): دخَلت "مِن" في هذا الموضعِ لغيرِ معنىً، كما تُدْخِلُه العربُ في قولهم: كان مِن مطرٍ. و: كان مِن حديثٍ. قال: ومِن ذلك قولُه: ﴿وَيُكَفِّرُ (٦) عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وقولُه: ﴿وَيُنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالِ فِيهَا

стр. 5413

مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣]. قال: وهو فيما فسِّر: ويُنَزِّلُ مِن السماءِ جبالًا فيها (١) من بَرَدٌ. [قال: وقال بعضُهم: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾] (٢). أي: مِن السماءِ مِن بَرَدٍ. فَجَعَل (٣) الجبالَ من بَرَدٍ في السماءِ، ويَجْعَلُ (٤) الإنزالَ منها. وكان غيرُه مِن أهلِ العربيةِ يُنْكِرُ ذلك ويقولُ: لم تَدْخُلْ "من" إلا لمعنىً مفهومٍ لا يَجُوزُ الكلامُ ولا يَصْلُحُ إلا به، وذلك أنها دالةٌ على التَّبْعِيضِ. وكان يقولُ: معنى قولِهم: قد كان مِن مطرٍ، وكان مِن حديثٍ: هل كان مِن مطرٍ مَطَرَ عندَكم؟ وهل مِن حديثٍ [حُدِّث عنكم] (٥)؟ ويَقُولُ: معنى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. أي: ويُكَفِّرُ عنكم مِن (٦) سيئاتِكم ما يَشاءُ ويُريدُ. وفى قولِه: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾. فيُجِيرُ حَذْفَ "مِن" ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾. ولا يُجِيرُ حَذْفَها مِن الجبالِ، ويَتَأَوَّلُ معنى ذلك: ويُنَزِّلُ مِن السماءِ (٧) أمثالَ جبالٍ بَرَدًا. ثم أُدْخِلَتْ "مِن" في "البَرَدِ"؛ لأن "البَرَدَ" مفَسَّرٌ عندَه عن (٨) الأمثالِ، أعنى: أمثالَ الجبالِ. وقد أُقِيمت الجبالُ مُقامَ الأمثالِ، والجبالُ هي جبالٌ بَرَدٌ. فلا يُجِيرُ حَذْفَ "مِن" مِن الجبالِ؛ لأنها دالةٌ على أن الذي في السماءِ الذي أُنْزِل منه البردُ، أمثالُ جبالٍ بَرَدٍ، وأجاز حَذَفَ "مِنْ" مِن "البَرَدِ"؛ لأن "البَرَدَ" مفسَّرٌ عن الأمثالِ، كما تَقُولُ: عندى رطلان زيتًا، وعندى رطلان مِن الزيتِ.

стр. 5414

وليس عندَك الرطلُ، إنما عندَك المقدارُ. فـ "مِن" تَدْخُلُ في المفسَّرِ وتَخْرُجُ منه. وكذلك عندَ قائلِ هذا القولِ: مِن السماءِ مِن أمثالِ جبالٍ، وليس بجبالٍ. وقال: فإن كان أنزَل مِن جبالٍ في السماءِ مِن بَرَدٍ جبالًا. ثم حذَف الجبالَ الثانيةَ، والجبالُ الأُولى في السماءِ، جاز. كما (١) تَقُولُ: أَكَلْتُ مِن الطعامِ. تُرِيدُ: أَكَلتُ مِن الطعامِ طعامًا. ثم تَحذِفُ الطعامَ، ولا تُسقِطُ "من". والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن "مِنْ" لا تَدْخُلُ في الكلامِ إلا لمعنىً مفهومٍ، وقد يجوزُ حذفُها في بعضِ الكلامِ، وبالكلامِ إليه (٢) حاجةٌ؛ لدَلالةِ ما يَظْهَرُ مِن الكلامِ عليها، فأما أن تَكُونَ في الكلامِ لغيرِ معنىً أفادَته بدخولِها، فذلك ما (١) قد بينَّا فيما مضَى أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ فيما صحَّ مِن الكلامِ (٣). ومعنى دخولِها في قولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. للتبعيضِ، إذ كانت الجوارحُ تُمْسِكُ على أصحابِها ما أحلَّ اللهُ لهم لحومَه وحرَّم عليهم فَرْثَه ودمَه، فقال جلَّ ثناؤُه: فكُلُوا ممَّا أَمْسَكَتْ (٤) عليكم جوار حُكم الطيباتِ التي أحْلَلتُ لكم مِن لحومِها، دونَ ما حرَّمتُ عليكم مِن خبائثِه من الفَرْثِ والدمِ وما أشبَهَ ذلك، مما لم أُطَيِّبْه لكم. فذلك معنى دُخُولِ "مِن" في ذلك. وأما قولُه: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. فقد بيَّنا وجهَ دخولِها فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه (٣). وأما دخولُها في قولِه: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾. فسنُبَيِّنُه إذا

стр. 5415

أتَينا عليه إن شاء اللهُ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. قال أبو جعفرٍ: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: على ما أَمْسَكَت عليكم (١) جَوارِحُكم مِن الصيدِ. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. يَقُولُ: إِذا أَرْسَلْتَ جارحَك (٢) فقُلْ: بسمِ اللهِ. وإن نَسِيتَ فلا حَرَجَ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. قال: إذا أَرْسَلْتَه فسمِّ عليه حينَ تُرْسِلُه على الصيدِ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك (٤) جلَّ ثناؤُه: واتَّقُوا الله أيُّها الناسُ فيما أمَركم به وفيما نهاكم عنه، فاحْذَروه في ذلك أن تتقدَّمُوا (٥) على خلافِه، وأن تَأْكُلوا مِن صيدِ الجوارحِ غيرِ المُعَلَّمةِ، أو مما لم تُمْسِكْ عليكم مِن صَيْدِها وأمْسَكَتْه على أَنْفُسِها، أو تَطْعَمُوا ما لم يُسَمَّ اسمُ (٤) اللَّهِ عليه مِن الصَّيدِ والذَّبائحِ،

стр. 5416

مما صادَه أهلُ الأوثانِ وعَبَدةُ الأصنامِ، ومَن لا (١) يُوَحِّدُ اللَّهَ مِن خلقِه، أَو ذَبَحوه، فإن الله قد حَرَّم ذلك عليكم فاجتَنِبوه. ثم خَوَّفهم إن هم فَعَلوا ما نَهاهم عنه مِن ذلك ومِن غيرِه، فقال: اعلَموا أن اللَّهَ سريعٌ حسابُه لَمن حاسَبه على نِعَمِه عليه (٢) منكم، وشُكْرِ الشاكرِ منكم ربَّه على ما أنعَم به عليه بطاعتِه إياه فيما أمَر ونَهَى؛ لأنه حافظٌ لجميعِ ذلك منكم (٣)، محيطٌ (٤) به، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، فيُجازِى المطيعَ منكم بطاعتِه، والعاصىَ بمَعْصيتِه، وقد بَيَّن (٥) لكم جزاءَ الفريقَين. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾: اليومَ أُحِلَّ لكم أيُّها المؤمنون، الحلالُ مِن الذُّبائحِ والمَطاعمِ دونَ الخبائثِ منها. وقولُه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾: وذبائحُ أهلِ الكتابِ مِن اليهودِ والنصارى، وهم الذين أُوتوا التوراةَ والانجيلَ، وأُنْزِل عليهم، فدَانُوا بهما أو بأحدِهما، ﴿حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٦). يقولُ: حلالٌ لكم أكْلُه، دونَ ذَبائحِ سائرِ أهلِ الشركِ الذين لا كتابَ لهم مِن مُشْرِكى العربِ وعَبَدةِ الأوثانِ والأصنامِ، فإن مَن لم يكنْ

стр. 5417

منهم ممن أقرَّ بتَوحيدِ اللهِ، ودانَ دينَ أهلِ الكتابِ، فحرامٌ عليكم ذَبائحُهم. ثم اختُلِف في مَن عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. مِن أهلِ الكتابِ؛ فقال بعضُهم: عَنَى اللهُ بذلك ذبيحةَ كلَّ كِتابيٍّ ممن أُنزِل عليه التوراةُ والإنجيلُ، أو ممن دَخَل في مِلَّتِهِم فَدَانَ دينَهم، وحَرَّم ما حَرَّموا، وحَلَّل ما حَلَّلوا، منهم ومِن غيرِهم مِن (١) سائرِ أجناسِ الأممِ. ذكرُ مَن قال ذلك [حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عيسى، عن ابن أبي ليلَى، عن الحكمِ، عن سعيدِ بن مُجبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنّه سُئِل عن ذبائحِ نصارَى العربِ، فقال: لا بأسَ. ثم قرَأ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٢) [المائدة: ٥١]. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدَّثنا عبد الرحمنِ، قال: أَخبرنا سفيانُ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بن أبى الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا خُصَيفٌ، قال: ثنا عِكْرمةُ، قال: سُئِل ابن عباسٍ عن ذبائحِ نَصارى بنى تَغْلِبَ، فقرَأ هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾. إلى آخرِ الآية (٤). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قتادةَ، عن

стр. 5418

الحسنِ وعِكْرمةَ، أنهما كانا لا يَرَيان بأسًا بذبائحِ نَصارى بني تَغْلِبَ، وبتَزَوُّجِ (١) نسائِهم، ويَتْلُوان (٢): ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٣). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدِ (٤)، عن قتادةَ، عن الحسنِ وسعيدِ بن المُسيَّبِ، أنهما كانا لا يَرَيان بأسًا بذَبيحةِ نَصارى بني تَغْلِبَ (٥). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن أبي حُصَينٍ، عن الشَّعْبيِّ أنه كان لا يَرَى بأسًا بذَبائحِ نصارى بنى تَغْلِبَ. وقرَأ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٦) [مريم: ٦٤]. حدَّثني ابن بَشَّارٍ وابنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيجٍ، قال: ثنى ابن شِهابٍ عن ذَبيحةِ نصارى العربِ، قال: تُؤكَلُ مِن أجلِ أنهم في الدينِ أهلُ كتابٍ ويَذْكُرون اسمَ اللَّهِ (٧). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ وابنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابن جُرَيجٍ: قال: قال (٨) عطاءٌ: إنما يُفرِّقُ (٩) بينَ (١٠) ذلك الكتابُ.

стр. 5419

حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سألتُ الحكمَ وحمادًا وقتادةَ عن ذبائحِ نصارى بني تَغْلِبَ، فقالوا: لا بأسَ بها. قال: وقرَأ الحَكَمُ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحَجَّاجُ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كُلوا مِن ذبائحِ بني تَغْلِبَ، وتَزَوَّجوا مِن نسائِهم، فإن الله قال في كتابِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، أن الحسنَ كان لا يَرَى بأسًا بذبائحِ نَصارى بني تَغْلِبَ، وكان يقولُ: انتَحَلوا دِينًا، فذاك دينُهم (٢). وقال آخرون: إنما عَنَى اللهُ بالذين أُوتوا الكتابَ في هذه الآيةِ الذين أُنزِل عليهم التوراةُ والإنجيلُ مِن بنى إسرائيلَ وأبنائِهم، فأما مَن كان دخيلًا فيهم مِن سائرِ الأممِ، ممن دانَ بدينِهم، وهو (٣) مِن غيرِ بني إسرائيلَ، فلم يُعْنَ بهذه الآيةِ، وليس هو ممن يَحِلُّ أكلُ ذبائحِه؛ لأنه ليس ممن أُوتىَ الكتابَ مِن قَبْلِ المسلمين. وهذا قولٌ كان محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ يقولُه - حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ (٤) - ويَتأَوَّلُ في ذلك قولَ مَن كَرِه ذبائحَ نصارى العربِ مِن الصحابةِ والتابِعِين.

стр. 5420

ذكرُ مَن كَرِه (١) ذبائحَ نصارى العربِ حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن عَبِيدةً، قال: [قال عليٌّ رِضوانُ اللَّهِ عليه] (٢): لا تأكُلوا ذبائحَ نصارى بنى تَغْلِبَ؛ فإنهم إنما يَتَمَسَّكون مِن النصرانيةِ بشُرْبِ الخمرِ (٣). حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، عن عَبِيدةَ، عن عليٍّ، قال: لا تأكُلوا ذبائحَ نصارى بنى تَغْلِبَ؛ فإنهم لم يَتَمَسَّكوا بشيءٍ مِن النصرانيةِ إلا بشُرْبِ الخمرِ (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ بكرٍ، قال: ثنا هشامٌ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبِيدةَ، قال: سألتُ عليًّا عن ذَبائحِ نصارى العربِ، فقال: لا تأكلْ (٥) ذبائحَهم؛ فإنهم لم يَتَعَلَّقوا مِن دينِهم إلا بشُرْبِ الخمرِ. حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنْدِيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ عابسٍ (٦)، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي البَخْتَرِيِّ، قال: نَهانا عليٌّ عن ذبائحِ نصارى العربِ. حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ القَصَّابِ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ عليٍّ يُحَدِّثُ عن عليٍّ، أنه كان

стр. 5421

يَكْرَهُ ذبائحَ نصارى [العربِ وذبائحَ نصارى] (١) بنى تَغْلِبَ. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن لَيْثٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لا تأكُلوا ذبائحَ نصارى العربِ، وذبائحَ نَصارى إِرْمِينِيَةَ. وهذه الأخبارُ عن عليٍّ رِضوانُ اللهِ عليه إنما تَدُلُّ على أنه كان يَنْهَى عن ذبائحِ نصارى بنى تَغْلِبَ مِن أجلِ أنهم ليسوا على النصرانيةِ؛ لتَرْكِهم تحليلَ ما تُحَلِّلُ النصارى، وتَحْريمَ ما تُحَرِّمُ غيرَ الخمرِ. و (٢) مَن كان مُنْتَحِلًا مِلَّةً هو غيرُ مُتَمَسِّكٍ منها بشيءٍ، فهو إلى البراءةِ منها أقربُ إلى اللَّحاقِ بها وبأهلِها. فلذلك نَهَى عليٌّ عن أكْلِ ذبائحِ نَصارى بنى تَغْلِبَ، لا مِن أجلِ أنهم ليسوا مِن بني إسرائيلَ. فإذ كان ذلك كذلك، وكان إجماعًا مِن الحُجَّةِ [أَلَّا بَأسَ بذبيحةِ] (٣) كلٍّ نصرانيٍّ ويهوديٍّ دان (٤) دينَ النصارى أو اليهودِ، فأحلَّ ما أَحَلُوا، وحَرَّم ما حَرَّموا، مِن بني إسرائيلَ كان أو مِن غيرِهم، فبيِّنٌ (٥) خطأُ ما قال الشافعيُّ في ذلك، وتأويِله الذي تأوَّله في قولِه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. أنه ذبائحُ الذين أُوتوا الكتابَ التوراةَ والإنجيلَ مِن بنى إسرائيلَ، وصوابُ ما خالَف تأويلَه ذلك، وقولِ مَن قال: إن كلَّ يهوديٍّ ونصرانىٍّ فحلالٌ ذبيحتُه، مِن أيِّ أجناسِ بني آدمَ كان. وأمَّا الطعامُ الذي قال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. فإنه الذبائحُ.

стр. 5422

وبمثلِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وابنُ وَكِيعٍ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. قال: الذبائحُ (١). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. قال: ذبائحُهم. حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن لَيْثٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه (٢). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ وقَبِيصةُ، قالا: ثنا سُفيانُ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. [حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٣). حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُليمانَ الرَّازِيُّ، عن أبي (٤) سِنانٍ، عن لَيْثٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ،

стр. 5423

عن مجاهدٍ مثلَه (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾: ذَبيحتُهم (٢)؛ ذَبيحةُ أهلِ الكتابِ. حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. قال: ذَبائحُهم. حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ بمثلِه. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه (٤). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ وقَبِيصةُ، قالا: ثنا سفيانُ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. قال:

стр. 5424

ذبائحُهم (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا المُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ مثله حدَّثنا بِشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. أي: ذبائحُهم. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾: أما طعامُهم، فهو الذَّبائحُ. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذِ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. قال: أَحَلَّ اللَّهُ لنا طعامَهم ونِساءَهم. حدَّثني محمدُ بنُ سعدِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسِ: أما قولُه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. فإنه أحلَّ (٢) طعامَهم ونساءَهم (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْب، قال: سألتُه - يعنى ابنَ زيدِ (٤) - عما ذُبح للكنائسِ وسُمِّيَ عليها، فقال: أحلَّ اللهُ لنا طعامَ أهلِ الكتابِ ولم

стр. 5425

[يَسْتَثْن منه] (١) شيئًا. حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: ثني معاوية، عن أبي الزَّاهريَّة حُدَيْرِ بن كُرَيْبٍ (٢)، عن عُمَيرِ بن الأسود، أنه سأل أبا الدَّرْداءِ عن كَبْشٍ ذُبح لكنيسةٍ يقال لها: جرْجِسُ. أهدوه لنا (٣)، أنأكُلُ منه؟ فقال أبو الدَّرْداءِ: اللهمَّ غَفْرًا (٤)، إنما هم أهلُ الكتاب، طعامُهم حِلٌّ لنا، وطعامنا حلٌّ لهم. وأمره بأكلِه (٥). وأما قوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾. فإنه يعنى: وذبائحُكم أيُّها المؤمنون حِلٌّ لأهل الكتاب (٦). القولُ في تأويل قوله عز ذكرُه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. يعنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: أُحِلَّ لكم أيُّها المؤمنون، المُحصنات من المؤمنات؛ وهنَّ الحرائرُ منهن، أن تَنْكِحوهنَّ، ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. يعنى: والحرائرُ من الذين أُعطوا الكتاب، وهم اليهودُ والنصارى الذين دانُوا بما في التوراة والإنجيل مِن قَبْلِكم، أيُّها

стр. 5426

المؤمنون بمحمدٍ ﷺ ، من العرب وسائر الناس، أن تَنْكِحوهنَّ أيضًا، ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. يعنى: إذا أَعْطَيتُم مَن نَكَحْتم مِن مُحْصناتكم ومُحصناتهم أُجورهنَّ، وهى مُهورهنَّ. واختلف أهل التأويل في "المُحْصناتِ" اللاتى عَناهنَّ اللهُ عَزَّ ذكره بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى بذلك الحرائر خاصةً، فاجرةً كانت أو عفيفةً. وأجاز قائلو هذه المقالةِ نكاحَ الحُرَّةِ؛ مؤمنةً كانت أو كتابيَّةً، من اليهود والنصارى، من أيِّ أجناس كانت، بعد أن تكون كتابيَّةً؛ فاجرةً كانت أو عفيفةً، وحَرَّموا إماءَ أهل الكتاب أن يُتَزوَّجْنَ (١) بكلِّ حالٍ؛ لأن الله جلّ ثناؤه شَرَط في نكاحِ الإماء (٢) الإيمان بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو داود، عن سُفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال: الحرائر (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا [عبد الرحمن] (٤)، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: مِن

стр. 5427

الحرائرِ. حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلمٍ، عن طارق بن شهابٍ، أن رجلًا طَلَّق امرأته، وخُطِبَت إليه أخته، وكانت قد أَحْدَثَت، فأتَى عمر، فذكر ذلك له منها، فقال عمرُ: ما رأيتَ منها؟ قال: ما رأيتُ منها إلا خيرًا. فقال: زَوَّجُها ولا تُخْبِرُ (١). حدَّثنا ابن أبي الشَّوَاربِ، قال: ثنا عبدُ الواحد، قال: ثنا سليمان الشَّيْبانيُّ، قال: ثنا، عامرٌ، قال: زَنَتِ امرأَةٌ مِنَّا مِن هَمْدَانَ. قال: فَجَلَدها مُصَدِّقُ (٢) رسول الله ﷺ الحَدَّ، ثم تابَت، فأَتَوْا عمر، فقالوا: نُزوِّجُها، وبئس ما كان من أمرِها؟ قال عمرُ: لئن بَلَغنى أنكم ذَكَرْتم شيئًا من ذلك لأُعاقِبَنَّكم عُقوبةً شديدة (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيس بن مُسلم، عن طارق بن شهابٍ، أن رجلًا أرادَ أن يُزَوِّجَ أَختَه، فقالت: إنى أَخْشَى أن أَفْضَحَ أبي، فقد بَغَيْتُ. فأتى عمر، فقال: أليس قد تابَت؟ قال: بلى. قال: فزَوِّجها (٤). حدَّثنا ابن المُثنَّى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيِّ، أن نُبَيْشَةَ - امرأةٌ مِن هَمْدانَ - بَغَت، فأرادَت أَن تَذْبَحَ نفسها، قال: فأدركوها فَداوَوْها فبَرِئَت، فذكروا ذلك لعمرَ، فقال: أنكحوها

стр. 5428

نِكاح العفيفة المُسْلمة. حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن رجلًا من أهل اليمن أصابت أختُه فاحشةً، فأَمَرَّتْ الشَّفْرة على أوداجها (١)، فأُدْرِكَت، فَدُووى جُرْحُها حتى بَرئَت، ثم إن عمَّها انتَقَل بأهله حتى قدم المدينة، فقرأت القرآنَ ونَسَكت، حتى كانت من أنسَكِ نسائهم، فخُطِبَت إلى عمِّها، وكان يَكْرَهُ أَن يُدَلِّسَها، ويَكْرَهُ أَن يُفْشِيَ على ابنة أخيه، فأتَى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمرُ: لو أفْشَيتَ عليها لعاقَبتُك، إذا أتاك رجلٌ صالحٌ تَرْضَاه فزَوِّجها إِيَّاه. حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن جاريةً باليمن يقال لها: نُبَيْشَةُ. أصابت فاحشةً. فذكر نحوه. حدَّثنا تميمُ بن المُنتَصِرِ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا إسماعيل، عن عامرٍ، قال: أتى رجلٌ عمر فقال: إن ابنةً لى كانت وُئِدَت في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموتَ، فأَدْرَكَت الإسلام، فلما أسلمت أصابَت حَدًّا مِن حدودِ اللهِ، فَعَمَدَت إلى الشَّفْرِةِ لتَذْبَحَ بها نفسها، فأدركتُها وقد قَطَعَت بعضَ أَوْداجها، فَداويتها حتى بَرِئَت، ثم إنها أقبلت بتوبةٍ حسنةٍ، فهي تُخْطَبُ إليَّ يا أمير المؤمنين، فأُخْبِرُ مِن شأنها بالذي كان؟ فقال عمرُ: أَتُخْبِرُ بشأنها، تَعْمِدُ إلى ما سَتَره اللهُ فَتُبْدِيه! والله لئن أخْبَرتَ بشأنها أحدًا من الناس، لأَجْعَلَنَّك نكالًا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة (٢).

стр. 5429

حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن إسماعيل، عن الشَّعْبيِّ، قال: جاء رجلٌ إلى عمر. فذكر نحوه. حدَّثنا مجاهدٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ، عن أبي الزُّبير، أن رجلًا خَطب من رجل أخته، فأخبره أنها قد أحْدَثَت، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فضَرَب الرجل، وقال: ما لَكَ والخبرُ؟ أَنكِحُ واسكُت. حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: ثنا أبو هلال، عن قَتادةَ، عن الحسن، قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هَمَمْتُ ألا أدَع أحدًا أصابَ فاحشةً في الإسلام أن يَتَزوَّجَ مُحْصَنَةٌ. فقال له أُبَيُّ بن كعبٍ: يا أمير المؤمنين، الشِّرْكُ أعظمُ مِن ذلك، وقد يُقْبَلُ منه إذا تابَ (١). وقال آخرون: إنما عَنَى اللهُ بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. العفائفَ مِن الفريقين؛ إماءً كُنَّ أو حرائرَ. فأجاز قائلو هذه المقالة نِكاحَ إماء أهل الكتابِ الدَّائناتِ دينهم بهذه الآيةِ، وحَرَّموا البغايا من المؤمنات وأهل الكتاب. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: العفائفُ (٢). حدَّثنا ابن وَكِيعِ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ وابنُ وَكِيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن مُطَرِّفٍ، عن عامرٍ:

стр. 5430

﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: إحصانُ اليهودية والنَّصرانية ألا تزني، وأن تغتسل من الجَنابةِ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن عامر: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: إحْصانُ اليهودية والنَّصرانية أن تغتسل من الجنابة، وأن تُحْصِنَ فَرْجَها (٢). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن مُطَرِّفٍ، عن رجلٍ، عن الشَّعْبيِّ في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: إحْصانُ اليهوديةِ والنَّصرانية ألا تَزْنى، وأن تَغْتَسِلَ مِن الجنابة. حدَّثنا المُثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن مُطَرِّفٍ، عن الشَّعْبي في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: إحصانُها أن تَغْتسِلَ مِن الجنابة، وأن تُحْصِنَ فَرْجَها مِن الزنى. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى بن أسدٍ، قال: ثنا خالدٌ، قال: أخبرنا مُطَرِّفٌ، عن عامرٍ بنحوه. حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سَمِعتُ سُفيان يقول في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال: العفائفُ. حدَّثنا محمد بن الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال: أمَّا "المُحْصَنَاتُ"، فهُنَّ العَفَائفُ (٣).
следующие страницы →