← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: نصفُ صاعِ برٍّ كلَّ مسكينٍ (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا حفصٌ، عن عبدِ الكريمِ الجزريِّ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جبيرٍ: أجمعُهم؟ قال: لا، أعطِهم مدَّينِ من حنطةٍ؛ مدًّا لطعامِه، ومدًّا لإدامِه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عبدِ الكريمِ الجزريِّ، قال: قلتُ لسعيدٍ. فذكَر نحوَه (٢). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو زبيدٍ (٣)، عن حُصَينٍ، قال: سألتُ الشعبيَّ عن كفارةِ اليمينِ، فقال: مَكُّوكين (٤)؛ مَكُّوكًا لطعامِه، ومكوكًا لإدامِه (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا هشامٌ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لكلِّ مسكينٍ مُدَّينِ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لكلِّ مسكينٍ مُدَّينِ من بُرٍّ، في كفارةِ اليمينِ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ،

стр. 5917

عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: مُدَّانِ من طعامٍ لكلِّ مسكينٍ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا سعيدُ (٢) بنُ يزيدَ أبو مسْلمةَ (٣)، قال: سألتُ جابرَ بنَ زيدٍ عن إطعامِ المساكينِ في كفارةِ اليمينِ، فقال: أَكْلةٌ. قلتُ: فإن الحسنَ يقولُ: مَكُّوكُ بُرٍّ ومكوكُ تمرٍ. فما ترَى في مكوكِ برٍّ؟ فقال: إن مكوكَ بُرٍّ لا، أو مكوكَ تمرٍ (٤) لا. قال يعقوبُ: قال ابن عُليَّةَ: وقال أبو مَسْلمةَ (٣) بيدِه. كأنه يراه حسنًا، وقلَّب أبو بشرٍ (٥) يدَه (٦). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ أنه كان يقولُ في كفارةِ اليمينِ، فيما وجَب فيه الطعامُ: مَكُّوكُ تمرٍ ومكوكُ برٍّ لكلِّ مسكينٍ (٧). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا أبي، عن الربيع، عن الحسنِ، قال: إن جمعَهم أشبَعهم إشباعةً واحدةً، وإن أعطاهم أعطاهم مكُّوكًا مكُّوكًا. حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن يونسَ، قال: كان الحسنُ يقولُ:

стр. 5918

وَجْبَةٌ (١)، فإن أعطاهم في أيديهم فمكوكُ برٍّ ومكوكُ تمرٍ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ في كفَّارةِ اليمينِ: نصفُ صاعٍ لكلِّ مسكينٍ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبيه، عن الحكمِ في قولِه: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: إطعامُ نصفِ صاعٍ لكلِّ مسكينٍ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ﴿أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: نصفُ صاعٍ (٤). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، عن قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. قال: الطعامُ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من تمرٍ أو بُرٍّ (٣). وقال آخرون: بل مَبْلَغُ ذلك من كلِّ شيءٍ من الحبوبِ مدٌّ واحدٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن هشامٍ الدَّستُوائيِّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن زيدِ بن ثابتٍ أنه

стр. 5919

قال في كفارةِ اليمين: مدٌّ من حنطةٍ لكلِّ مسكينٍ (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال في كفَّارةِ اليمينِ: مدٌّ من حنطةٍ، لكلِّ مسكينٍ ربعُه إدامُه (٢). حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ نحوَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ابن عجلانَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾: لكلِّ مسكينٍ مدٌّ. حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا العمريُّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: مدٌّ من حنطةٍ لكلِّ مسكينٍ (٣). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ أنه كان يُكفِّرُ اليمينَ بعشرةِ أمدادٍ، بالمدِّ الأصغرِ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عبيدِ اللهِ، عن القاسمِ وسالمٍ في كفَّارةِ اليمينِ، ما يُطْعِمُ؟ قالا: مدٌّ لكلِّ مسكينٍ (٥).

стр. 5920

حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن يحيى بن أبو الأحوصِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمانَ بن يسارٍ، قال: كان الناسُ إذا كفَّر أحدُهم، كفَّر بعشرةِ أمدادٍ، بالمدِّ الأصغرِ (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عمرُ بنُ هارونَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. قال: عشرةُ أمدادٍ لعشرةِ مساكينَ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: كان يقالُ: البرُّ والتمرُ؛ لكلِّ مسكينٍ مدٌّ من تمرٍ، ومدٌّ من برٍّ (٣). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وهنادٌ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مالكِ بن مِغْولٍ، عن عطاءٍ، قال: مدٌّ لكلِّ مسكينٍ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: من أوسطِ ما تَعُولونهم. قال: وكان المسلمون رأَوْا أَوْسَط ذلك مُدًّا بمدِّ رسولِ اللهِ ﷺ مِن حِنْطةٍ. قال ابن (٤) زيدٍ: هو الوسطُ مما يَقُوتُ به أهلَه، ليس بأدناه ولا بأرفعِه. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يحيى بنُ عبدِ اللهِ بن

стр. 5921

سالمٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: مُدٌّ (١). وقال آخرون: بل ذلك غداءٌ وعَشاءٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجاجٍ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال في كفارةِ اليمينِ: يُغَدِّيهم ويُعَشِّيهم (٢). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عمرُ (٣) بنُ هارونَ، عن موسى بن عُبَيدةَ، عن محمدِ بن كعب القُرَظيِّ في كفارةِ اليمينِ، قال: غَداءٌ وعشاءٌ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: يُغَدِّيهم ويُعَشِّيهم (٤). وقال آخَرون: إنما عنَى بقولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: مِن أوسطِ ما يُطْعِمُ المُكفِّرُ أهلَه. قال: إن كان ممَّن يُشْبِعُ أهلَه، أشْبَع المساكينَ العشَرةَ، وإن كان ممَّن لا يُشْبِعُهم لعجزِه عن ذلك، أطْعَم المساكينَ على قدرِ ما يَفْعَلُ مِن ذلك بأهلِه، في عُسْرِه ويُسْرِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن

стр. 5922

عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: إن كنتَ تُشْبِعُ أَهْلَك، فأشْبِعِ المساكينَ، وإلا فعلى ما تُطْعِمُ أَهْلَك بِقَدَرِه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: وهو أن تُطْعِمَ كلَّ مسكينٍ مِن نحوِ ما تُطْعِمُ أهلَك مِن الشِّبَعِ، أو نصفَ صاعٍ مِن بُرٍّ. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا أبي و (١) إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: من عُسْرِهم ويُسْرِهم (٢). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: مِن عُسْرهم ويُسْرِهم. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سليمانَ بن أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: قُوتُهم. حدَّثنا هنادٌ وأبو كُرَيْبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن سليمانَ العَبْسيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: قُوتُهم (٣).

стр. 5923

حدَّثنا أبو حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، قال: ثنا عَنْبَسَةُ، عن سليمانَ بن عُبيدٍ العَبْسيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: كانوا يُفَضِّلون الحرِّ على العبدِ، والكبيرَ على الصغيرِ، فنزَلَت: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن سالم (١) الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كانوا يُطْعِمون الكبيرَ ما لا يُطْعِمون الصغيرَ، ويُطْعِمون الحرَّ ما لا يُطْعِمون العبدَ، فقال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: ثنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: إن كنتَ تُشْبِع أهلَك فأشْبِعْهم، وإن كنتَ لا تُشْبِعهم، فعلى (٢) قدرِ ذلك. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شَيْبانُ النَّحْويُّ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: مِن عُسْرِهم ويُسْرِهم (٣). حدَّثنا يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن سليمانَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: كان الرجلُ يَقُوتُ بعضَ أهلِه قوتًا دونًا، وبعضَهم قوتًا فيه سَعَةٌ، فقال اللهُ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْنَ﴾: الخبزُ والزيتُ (٤). وأولى الأقْوالِ في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. عندَنا،

стр. 5924

قولُ مَن قال: مِن أوسطِ ما تُطْعِمون أهليكم في القلةِ والكثرةِ، وذلك أن أحكامَ رسولِ اللهِ ﷺ في الكفارات كلِّها بذلك ورَدَت، وذلك كحكمِه ﷺ في كفارةِ الحَلْقِ من الأذَى بفَرَقٍ (١) مِن طعامٍ بينَ ستةِ مَساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وكحُكْمِه في كفارةِ الوطْءِ في شهرِ رمضانَ بخمسةَ عشَرَ صاعًا بينَ ستين مسكينًا، لكلِّ مسكينٍ رُبُع صاعٍ (٢)، ولا يُعْرَفُ له ﷺ شيءٌ مِن الكفاراتِ أمَر بإطعامِ خبزٍ وإدامٍ، ولا بغَداءٍ وعَشاءٍ. فإذ كان ذلك كذلك، وكانت كفارةُ اليمينِ إحدى الكفاراتِ التي تَلْزَمُ مَن لَزِمَتُه، كان سبيلُها سبيلَ ما تولَّى الحكمَ فيه ﷺ ، من أن الواجبَ على مكفِّرِها من الطعامِ، مُقدَّرًا (٣) للمساكينِ العشرةِ، محدودًا (٤) بكيلٍ، دونَ جمعِهم على غَدَاءٍ أو عَشَاءٍ مَخْبوزٍ مَأْدومٍ؛ إذ كانت سنتُه ﷺ في سائرِ الكفاراتِ كذلك. فإذ كان صحيحًا ما قلنا، مما به اسْتَشْهَدْنا، فبيِّنٌ أن تأويلَ الكلامِ: ولكن يُؤَاخِذُكم بما عقدْتُم الأيمانَ، فكفارتُه إطعامٌ عشرةِ مَساكينَ من أعدلِ إطعامِكم أهليكم. وأن "ما" التي في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. بمعنى المصدرِ، لا بمعنى الأسماءِ. وإذا كان ذلك كذلك، فأعْدَلُ أقواتِ الموسِعِ على أهلِه مُدَّان، وذلك نصفُ صاعٍ، في رُبُعِه إدامُه، وذلك أعلى ما حكَم به النبيُّ ﷺ في كفارةٍ في إطعامِ

стр. 5925

مَساكينَ. وأعدلُ أقواتِ المُقترِ على أهلِه مُدٌّ، وذلك ربعُ صاعٍ، وهو أدنى ما حكَم به في كفارةٍ في إطعامِ مساكينَ. وأما الذين رأَوْا إطعامَ المساكينِ في كفارةِ اليمينِ الخبزَ واللحمَ، وما ذكَرْنا عنهم قبلُ، والذين رأوا أن يُغَدَّوْا أو يُعَشَّوْا، والذين رأَوْا أَن يُغَدَّوْا وَيُعَشَّوْا، فإنهم ذهَبوا إلى تأويلِ قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: من أوسطِ الطعامِ الذي تُطْعِمونه أهليكم. فجعَلوا "ما" التي في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ اسمًا لا مصدرًا، فأَوْجَبوا على المكفِّرِ إطعامَ المساكينِ مِن أعدلِ ما يُطْعِمُ أَهْلَه مِن الأغذيةِ، وذلك مذهبٌ، لولا ما ذكَرْنا من سننِ رسولِ اللهِ ﷺ في الكفاراتِ غيرِها، التي يَجِبُ إلحاقُ أشكالِها بها، وأن كفارةَ اليمينِ لها نظيرةٌ وشَبيهةٌ - يَجِبُ إلحاقُها بها. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. يعني تعالى ذكرُه بذلك: فكفارةُ ما عقدْتُم من الأيمانِ إطعامُ عشَرةِ مساكينَ ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. يقول: إما أن تُطْعِموهم أو تكْسُوهم، والخيارُ في ذلك إلى المكفِّرِ. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في "الكسوةِ" التي عنَى اللهُ بقولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك كسوةَ ثوبٍ واحدٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في كسوةِ المساكينِ، في كفارةِ اليمينِ: أدناه ثوبٌ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ،

стр. 5926

عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أدناه ثوبٌ، وأعلاه ما شِئْتَ (١). حدَّثنا هنادٌ وأبو كُريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن الربيعِ، عن الحسنِ، قال في كفارةِ اليمينِ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾: ثوبٌ لكلِّ مسكينٍ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابْنُ مَهْدَيٍّ، عن وُهَيْبٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ (٣). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبيدةُ، وحدَّثنا ابن حُميدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جَريرٌ، جميعًا عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ ثوبٌ. قال منصورٌ: القميصُ، أو الرِّداءُ، أو الإزارُ. حدَّثنا أبو كريبٍ وهنادٌ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: كسوةُ الشتاءِ والصيفِ؛ ثوبٌ ثوبٌ. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عمرُ بنُ هارونَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ ثوبٌ لكلِّ مسكينٍ (٤).

стр. 5927

حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمان (١)، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن أبي معْشَرٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: إذا كَساهم ثوبًا ثوبًا أَجْزَأ عنه (٢). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ الرازيُّ، عن ابن سِنانٍ، عن حَمَّادٍ، قال: ثوبٌ أو ثَوبان، وثوبٌ لا بدَّ منه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثوبٌ ثوبٌ لكلِّ إنسانٍ، وقد كانت العباءةُ تَقْضِى يومَئذٍ من الكِسوةِ (٣). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: الكِسوةُ عَباءةٌ لكلِّ مسكينٍ أو (٤) شَمْلةٌ (٥). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: ثوبٌ، أو قميصٌ، أو رِداءٌ، أو إزارٌ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: إن اخْتارَ صاحبُ اليمينِ الكِسوةَ، كَسَا عشَرةَ أَناسِيَّ؛ كلَّ إنسانٍ عَباءةً.

стр. 5928

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيحٍ، قال: سَمِعْتُ عطاءً يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾: الكِسْوةُ ثوبٌ ثوبٌ. وقال بعضُهم: عنَى بذلك الكِسوةَ ثوبَين ثوبَين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبيدةُ، وحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، جميعًا عن داودَ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: عَباءةٌ وعِمامةٌ (١). حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، قال: عِمامَةٌ يَلُفُّ بها رأسَه، وعباءةٌ يَلْتَحِفُ بها (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأَنصاريُّ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ وابنِ سيرينَ، قالا: ثَوبين ثَوبين (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: ثَوبَين. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ مثلَه. حدَّثنا أبو كريب وهنادٌ، قالا: ثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن يونُسَ بن عُبَيدٍ، عن

стр. 5929

الحسنِ، قال: ثَوبان ثَوبان لكلِّ مِسْكينٍ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن ابن سِيرينَ، عن أبي موسى، أنه حلَف على يمينٍ، فكسا ثوبين مِن مُعَقَّدةِ (١) البَحْرَيْنِ (٢). حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن يزيدَ بن إبراهيمَ، عن ابن سِيرينَ، أن أبا موسى كسَا ثوبين مِن مُعَقَّدَةِ البَحْرَيْنِ (٣). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن هشامٍ، عن محمدٍ (٤)، أن أبا موسى الأشعريَّ حلَف على يمينٍ فرأَى أن يُكَفِّرَ ففعَل، وكَسَا عشَرةً ثوبين ثوبين (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن هشامٍ، عن محمدٍ، أن أبا موسى حلَف على يمينٍ فكفَّر، فكَسَا عشَرَةَ مَساكينَ ثوبين ثوبين. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: عبَاءةٌ وعِمامةٌ لكلِّ مسكينٍ (٦). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ مثلَه (٧).

стр. 5930

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، قال: قال رجلٌ عندَ سعيدِ بن المسيبِ: (أو كَأُسْوَتِهِمْ) (١). فقال سعيدٌ: لا، إنما هي ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: فقلتُ: يا أبا محمدٍ، ما كسوتُهم؟ قال: لكلِّ مسكينٍ عباءةٌ وعِمامةٌ؛ عَباءةٌ يَلْتَحِفُ بها، وعِمامةٌ يَشُدُّ بها رأسَه (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ (٢)، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: الكسوةُ لكلِّ مسكينٍ رداءٌ وإزارٌ، كنحوِ ما يَجِدُ مِن المَيْسَرةِ والفاقةِ. وقال آخَرون: بل عنَى بذلك: ﴿كِسْوَتُهُمْ﴾: ثوبٌ جامعٌ؛ كالمِلْحَفةِ والكِساءِ، والشيءِ الذي يَصْلُحُ للُّبْسِ والنومِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن مُغِيرةَ، عن حَمَّادٍ، عن إبراهيمَ، قال: الكسوةُ ثوبٌ جامِعٌ. حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا ابن فُضَيلٍ (٣)، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ جامعٌ. قال: وقال مُغِيرةُ: والثوبُ الجامعُ المِلْحفةُ أو الكِساءُ أو نحوُه، ولا نَرَى الدِّرْعَ والقميصَ والخِمارَ ونحوَه جامعًا. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال:

стр. 5931

ثوبٌ جامعٌ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ثوبٌ جامعٌ. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ جامعٌ لكلِّ مسكينٍ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ وشعبةُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال: ثوبٌ جامعٌ (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ مثلَه. وقال آخَرون: عنَى بذلك كِسوةَ إزارٍ ورداءٍ أو قميصٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، عن بُرْدٍ (٣)، عن نافعٍ (٤)، عن ابن عمرَ، قال في الكسوةِ في الكفَّارة: إزارٌ، ورداءٌ، وقميصٌ (٥). وقال آخرون: كلُّ ما كَسَا فيُجْزِئُ، والآيةُ على عمومِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال:

стр. 5932

يُجْزِئُ في كفَّارةِ اليمينِ كلُّ شيءٍ إلا التُّبَّانَ (١). حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أشعثَ، عن الحسنِ، قال: يُجزِئُ عِمامةٌ في كفَّارةِ اليمينِ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أُوَيْسٍ الصَّيْرَفيِّ، عن أبي الهيثمِ، قال: قال سلمانُ: نِعْمَ الثوبُ التُّبَّانُ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الشَّيْبانيِّ، عن الحَكَمِ، قال: عمامةٌ يَلُفُّ بها رأسَه. وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصحةِ وأشبهُها بتأويلِ القرآنِ قولُ من قال: عنى بقولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾: ما وقَع عليه اسمُ كِسوةٍ، مما يَكُونُ ثوبًا فصاعدًا؛ لأن ما دونَ الثوبِ لا خلافَ بينَ جميعِ الحُجَّةِ أنه ليس مما دخَل في حكمِ الآيةِ، فكان ما دونَ قدرِ ذلك خارجًا مِن أن يَكُونَ اللهُ تعالى ذكرُه عناه بالنقل المُسْتفِيضِ، والثوبُ وما فوقَه داخلٌ في حكمِ الآيةِ، إذ لم يَأْتِ مِن اللهِ تعالى وحيٌ، ولا مِن رسولِه ﷺ خبرٌ، ولم يَكُنْ مِن الأمةِ إجماعٌ بأنه غيرُ داخلٍ في حكمِها، وغيرُ جائزٍ إخراجُ ما كان ظاهرُ الآيةِ مُحْتَمِلَه من حكمِ الآيةِ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، ولا حجةَ بذلكَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: أو فكُّ عبدٍ مِن أسْرِ العُبُودةِ وذُلِّها. وأصلُ التحريرِ الفكُّ من الأسْرِ، ومنه قولُ الفرزدقِ بن غالبٍ (٢): أبَنِي غُدَانَةَ إِنَّنِي حَرَّرْتُكُم … فَوَهَبْتُكُمْ لعَطِيَّةَ بن جِعَالِ

стр. 5933

يعنى بقوله: حرَّرتُكم: فَكَكْتُ رِقابَكم مِن ذلِّ الهِجاءِ ولُزُومِ العارِ. وقيل: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. والمحرَّرُ ذو الرقبةِ؛ لأن العربَ كان مِن شأنِها إذا أسَرَت أسيرًا أن تَجْمَعَ يَدَيه إلى عنقِه بقِدٍّ (١) أو حبلٍ أو غيرِ ذلك، وإذا أطْلَقَتْه مِن الأسرِ أطْلَقَت يَدَيْه وحلَّتهما مما كانتا به مشدودَتَين إلى الرقبةِ. فجرَى الكلامُ عندَ إطلاقِهم الأسيرَ، بالخبرِ عن فكِّ يديه من رقبتِه، وهم يُريدون الخبرَ عن إطلاقِه من أسرِه، كما يُقالُ: قبَض فلانٌ يدَه عن فلانٍ. إذا أمسَك يدَه عن نَوالِه، و: بسَط فيه لسانَه. إذا قال فيه سوءًا. فيُضافُ الفعلُ إلى الجارحةِ التي يَكُونُ بها ذلك الفعلُ دونَ فاعلِه؛ لاستعمالِ الناسِ ذلك بينَهم، وعلمِهم بمعنى ذلك. فكذلك ذلك في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. أُضيف التحريرُ إلى الرقبةِ وإن لم يَكُنْ هنالك غُلٌّ في رقبتِه، ولا شَدُّ يَدٍ إليها، وكان المرادُ بالتحريرِ نفسَ العبدِ، بما وصَفنا من جَرَّا (٢) استعمالِ الناسِ ذلك بينهم، لمعرفتِهم بمعناه. فإن قال قائلٌ: أفكلُّ الرقابِ معنيٌّ بذلك أو بعضُها؟ قيل: بل معنيٌّ بذلك كلُّ رقبةٍ كانت سليمةَ من الإقعادِ والعَمَى والخَرَسِ، وقطعِ اليدين أو شَلَلِهما، والجنونِ المطبِقِ، ونظائرِ ذلك، فإن مَن كان به ذلك أو شيءٌ منه من الرقابِ، فلا خلافَ بينَ الجميعِ مِن الحجةِ أنه لا يُجْزِئُ في كفَّارِةِ اليمينِ، فكان معلومًا بذلك أن الله تعالى ذكرُه لم يَعْنِه بالتحريرِ في هذه الآيةِ. فأما الصغيرُ والكبيرُ والمسلمُ والكافرُ، فإنهم مَعْنِيُّون به. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ.

стр. 5934

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادٌ، قال: [ثنا هشيمٌ، عن] (١) مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنه كان يقولُ: مَن كانت عليه رقبةٌ واجبةٌ، فاشْتَرَى نَسَمةً، قال: إذا أنقَذها مِن عملٍ أجزَأَته، ولا يَجوزُ عتقُ مَن لا يَعْمَلُ، فأما الذي يَعْمَلُ؛ كالأعورِ ونحوِه، وأما الذي لا يَعْمَلُ فَلا يُجْزِئُ؛ كالأعمى والمُقْعَدِ (٢). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: كان يُكْرَهُ عتقُ المُخَبَّلِ (٣) في شيءٍ مِن الكفاراتِ (٤). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ أنه كان لا يَرَى عتقَ المغلوبِ على عقلِه يُجْزِئُ في شيءٍ مِن الكفاراتِ. وقال بعضُهم: لا يُجْزِئُ في الكفَّارةِ مِن الرقابِ إلا صحيحٌ، ويُجْزِئُ الصغيرُ فيها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جُريج، عن عطاءٍ، قال: لا يُجْزِئُ في الرقبةِ إلا صحيحٌ (٥). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: يُجْزِئُ المولودُ في الإسلامِ مِن رقبةٍ. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: ما كان

стр. 5935

في القرآنِ من "رقبةٍ مؤمنةٍ"، فلا يُجْزِئُ إلا ما صام وصلَّى، وما كان ليس بمؤمنةٍ فالصبيُّ يُجْزِئُ. وقال بعضُهم: لا يُقالُ للمولودِ: رقبةٌ. إلا بعد مدةٍ تَأْتِى عليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ يزيدَ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا بن أبى زائدةَ، عن محمدِ بن شُعَيْبِ بن شَابُورَ، عن النعمانِ بن المنذرِ، عن سليمانَ، قال: إذا وُلِد الصىيُّ فهو نَسَمةٌ، وإذا انْقَلَب ظهرًا لبطنٍ فهو رقبةٌ، وإذا صلَّى فهو مؤمنةٌ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن الله تعالى عمَّ بذكرِ الرقبةِ كلَّ رقبةٍ، فأيَّ رقبةٍ حرَّرها المكفِّرُ يمينَه في كفارتِه، فقد أدَّى ما كُلِّف، إلا ما ذكَرْنا أن الحجةَ مُجْمِعةٌ على أن الله تعالى لم يَعْنِه بالتحريرِ، فذلك خارجٌ مِن حكمِ الآيةِ، وما عدا ذلك فجائزٌ تحريرُه في الكفارةِ بظاهرِ التنزيلِ. والمكفَّرُ مُخيَّرٌ في تكفيرِ يمينهِ التي حنِث فيها، بإحدى هذه الحالاتِ الثلاثِ التي سمَّاها اللهُ في كتابِه؛ وذلك إطعامُ عشَرةِ مَساكينَ مِن أوسطِ ما يُطْعِمُ أهلَه، أو كسوتُهم، أو تحريرُ رقبةٍ، بإجماعٍ مِن الجميعِ، لا خلافَ بينَهم في ذلك. فإن ظنَّ ظانٌّ أن ما قلنا مِن أن ذلك إجماعٌ مِن الجميع ليس كما قلنا؛ لِمَا حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملك بن أبى الشَّوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيْبانيُّ، قال: ثنا أبو الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: جاء مَعْقِلُ (١) بنُ مُقَرِّنٍ إلى عبدِ اللهِ، فقال: إنى آلَيْتُ مِن النساءِ والفِراشِ. فقرَأ عبدُ اللهِ هذه الآيةَ: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]. قال:

стр. 5936

فقال مَعْقِلٌ (١): إنما سألْتك أن (٢) أَتَيْتُ على هذه الآيةِ الليلةَ؟ فقال عبدُ اللَّهِ: ائْتِ النساءَ ونَمْ، وأَعْتِقْ رقبةً، فإنك مُوسِرٌ (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: ثني جَريرُ بنُ حازمٍ، أن سليمانَ الأعمشَ حدَّثه عن إبراهيمَ بن يزيدَ النَّخَعيِّ، عن همامِ بن الحارثِ [عن عمرِو بن شرحبيلَ، أن مَعْقِلَ] (٤) بنَ مُقَرِّنٍ سأَل عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ، فقال: إني حلَفْتُ أَلَّا أنامَ على فِراشي سنةً؟ فقال ابن مسعودٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. كفِّرْ عن يمينِك، ونَمْ على فراشِك. قال: بم أُكَفِّرُ عن يميني؟ قال: أَعْتِقْ رقبةً فإنك مُوسِرٌ (٥). ونحوُ هذا مِن الأخبارِ التي رُوِيَت عن ابن مسعودٍ وابنِ عمرَ وغيرِهما، فإن ذلك منهم كان على وجهِ الاسْتِحبابِ لمن أمَروه بالتكفيرِ بما أمَروه به بالتكفيرِ مِن الرقابِ، لا على أنه كان لا يُجْزِئُ عندَهم التكفيرُ للمُوسِرِ إلا بالرقبةِ؛ لأنه لم يَنْقُلْ أحدٌ عن أحدٍ منهم أنه قال: لا يُجْزِئُ المُوسِرَ التكفيرُ إلا بالرقبةِ. والجميعُ من علماءِ الأمصارِ قديمِهم وحديثِهم مُجْمِعون على أن التكفيَر بغيرِ الرقابِ جائزٌ للمُوسِر، ففى ذلك مُكْتَفًى عن الاسْتِشهادِ على صحةِ ما قلنا في ذلك بغيرِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾.

стр. 5937

يقولُ تعالى ذكرُه: فمن لم يَجِدْ لكفارةِ يمينِه التي لزِمه تكفيُرها مِن الطعامِ والكِسوِة والرقابِ ما يُكَفِّرُها به، على ما فرَضْنا عليه، وأَوْجَبْناه في كتابِنا، وعلى لسانِ رسولِنا محمدٍ ﷺ ، ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. يقولُ: فعليه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ. ثم اخْتَلَف أهلُ العلمِ في معنى قولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾. ومتى يَسْتَحِقُّ الحانثُ في يمينِه الذي قد لزِمَته الكفارةُ اسمَ غيرِ واجدٍ، حتى يَكونَ ممَّن له الصيامُ في ذلك؟ فقال بعضُهم: إذا لم يَكُنْ للحانثِ في وقتِ تكفيرِه عن يمينِه إلا قدرُ قوتِه وقوتِ عِيالِه يومَه وليلتَه، فإنَّ له أن يُكَفِّرَ، بالصيامِ، فإن كان عندَه في ذلك الوقتِ قوتُه وقوتُ عيالِه يومَه وليلتَه، ومِن الفضلِ ما يُطْعِمُ عشَرةَ مَساكينَ أو ما يَكْسُوهم، لزِمه التكفيرُ بالإطعامِ أو الكسوةِ، ولم يُجْزِه الصيامُ حينَئذٍ. ومَّمن قال ذلك الشافعيُّ، حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ. وهذا القولُ قصَد إن شاء اللَّهُ مَن (١) أَوْجَب الطعامَ على مَن كان عندَه درهمان، ومَن (١) أوْجَبه على مَن عندَه ثلاثةُ دَراهمَ. وبنحوِ ذلك حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عبدِ الكريمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: إذا لم يَكُنْ له إلا ثلاثةُ دراهمَ أطْعَم. قال: يعني في الكفارةِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: قلت لمعمرِ (٢) بن راشدٍ: الرجلُ (٣) يَحْلِفُ، ولا يَكونُ عندَه مِن الطعامٍ إلا بقدرِ ما يُكَفِّرُ.

стр. 5938

قال: كان قتادةُ يقولُ: يَصومُ ثلاثةَ أيامٍ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا يونُسُ بن عُبيدٍ، عن الحسنِ، قال: إذا كان عندَه درهمان. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مُعْتَمرُ، عن حمادٍ، عن عبدِ الكريمِ بن (١) أبى أميةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ثلاثةُ دراهمَ. وقال آخَرون: جائزٌ لمن لم يَكُنْ عندَه مِائَتا درهمٍ أن يصومَ، وهو ممَّن لا يَجِدُ. وقال آخَرون: جائزٌ لمن لم يَكُنْ عندَه فضلٌ عن رأسِ مالِه يَتَصَرَّفُ به لمَعاشِه ما يُكَفِّرُ به بالإطعام، أن يَصومَ، إلا أن يَكونَ له كِفايةٌ مِن المالِ ما يَتَصَرُّفُ به لمَعاشِه، ومِن الفضلِ عن ذلك ما يُكَفِّرُ به عن يمينِه. وهذا قولٌ كان يقولُه بعضُ مُتأَخِّرى المتفقِّهةِ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن مَن لم يكنْ عندَه في حالِ حِنْثِه في يمينِه إلا قدرُ قوتِ وقوتِ عيالِه يومَه وليلتَه، لا فضلَ له عن ذلك، يصومُ ثلاثةَ أيامٍ، وهو ممَّن دخَل في جملةِ مَن لا يَجِدُ ما يُطْعِمُ أو يَكْسُو أو يُعْتِقُ. وإن كان عندَه في ذلك الوقتِ مِن الفضلِ عن قوتِه وقوتِ عيالِه يومَه وليلتَه، ما يُطْعِمُ، أو يَكْسُو عشَرةَ مَساكينَ، أو يُعْتِقُ رقبةً، فلا يُجزئُه حينَئذٍ الصومُ؛ لأن إحدى الحالاتِ الثلاثِ حينَئذٍ - مِن إطعامٍ أو كسوةٍ أو عتقٍ - حقُّ قد أَوْجَبه اللهُ تعالى في مالِه وجوبَ الدَّيْنِ، وقد قامَت الحجةُ بأن المُفْلِسَ إذا فرَّق مالَه بينَ غُرمائِه، أنه لا يَتْرُكُ ذلك اليومَ إلا ما لا بدَّ له مِن قوتِه وقوتِ عيالِه يومَه وليلتَه، فكذلك حكمُ المُعْدَمِ بالدَّيْنِ، الذي أَوْجَبه اللهُ تعالى في مالِه، بسببِ الكفارةِ التي لزِمت مالَه.

стр. 5939

واختلف أهلُ العلمِ في صفةِ الصومِ الذي أوجبه اللهُ في كفارةِ اليمينِ؛ فقال بعضُهم: صفته أن يكونَ مُواصِلًا بينَ الأيامِ الثلاثةِ غيرَ مُفَرِّقها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلّ صومٍ في القرآنِ فهو مُتتابِعٌ إلا قضاءَ رمضانَ (١). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وهنادٌ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: كان أبيُّ بنُ كعبٍ يقرأُ: (فصيامُ ثلاثةٍ أيامٍ متُتابعاتٍ). حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ الأسديُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ بن موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ أنه كان يقرأُ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ) (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن قَزَعَةَ، عَنْ (٣) سُوَيْدٍ، عَن سَيفِ بن سليمانَ، عن مجاهدٍ، قال: في قراءةِ عبدِ اللهِ: (فَصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن عونِ، عن إبراهيمَ، قال: في قراءتِنا: (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعاتٍ) (٤).

стр. 5940

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ابن عونٍ، عن إبراهيمَ مثلَه (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: في قراءةِ أصحابِ عبدِ اللهِ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ). حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ: قال: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حميدٍ، عن معمرٍ، عن أبي (٢) إسحاقَ: في قراءة عبدِ اللَّهِ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ) (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حميدٍ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، قال: كان أصحابُ عبدِ اللَّهِ يقرَءون: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ) (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: سمِعت سفيانَ يقولُ: إذا فرَّق صيامَ ثلاثةِ أيامٍ لم يُجْزِه. قال: وسمِعته يقولُ في رجلٍ صام في كفارةِ يمينٍ ثم أفطَر: قال: يَسْتَقْبِلُ الصومَ. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. قال: إذا لم يَجِدْ طعامًا، وكان في بعضِ القراءةِ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ). وبه كان يَأْخُذُ قتادةُ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: هو بالخيارِ في هؤلاء الثلاثةِ، الأوَّلَ

стр. 5941

فالأوّلَ، فإن لم يَجِدْ من ذلك شيئًا، فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ (١). وقال آخرون: جائزٌ لمن صامهن أن يَصُومهن كيف شاء، مُجتمِعاتٍ ومُفْترِقاتٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا أَشْهَبُ، قال: قال مالكٌ: كلُّ ما ذكَر اللهُ في القرآنِ مِن الصيامِ، فأن يُصامَ تباعًا أَعْجَبُ، فإن فرَّقها رَجَوْتُ أَن تُجْزِئَ عنه. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إن الله تعالى أوجَب على من لَزِمَتْه كفارةٌ في يمينٍ إذا لم يجِدْ إلى تكفيرِها بالإطعامِ أو الكِسْوةِ أو العتقِ سبيلًا، أن يُكَفِّرَها بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ، ولم يَشْرِطْ في ذلك مُتتابعةً، فكيفما صامهن المُكَفِّرُ، مفرّقةً ومُتتابِعةً، أجْزأه؛ لأن الله تعالى إنما أوجب عليه صيامَ ثلاثةِ أيامٍ، فكيفما أتَى بصومِهن أجْزَأ. فأما ما رُوِيَ عن أُبيٍّ وابنِ مسعودٍ من قراءتِهما: (فصِيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتَتابِعاتٍ) أفذلك خلافُ ما في مصاحفِنا، وغيرُ جائزٍ لنا أن نَشْهدَ بشيءٍ ليس في مصاحفِنا مِن الكلامِ أنه مِن كتابِ اللهِ، غيرَ أنِّى أختارُ للصائمِ في كفَّارِةِ اليمينِ أن يُتابعَ بينَ الأيامِ الثلاثةِ ولا يُفَرِّقَ؛ لأنه لا خلافَ بينَ الجميعِ أنه إذا فعَل ذلك فقد أجزَأ ذلك عنه مِن كفَّارتِه، وهم في غيرِ ذلك مُخْتلِفون، ففِعْلُ ما لا يُخْتَلَفُ في جوازِه أحبُّ إليَّ، وإن كان الآخرُ جائزًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾.

стр. 5942

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الذي ذكرتُ لكم أنه كَفَّارةُ أيمانِكم مِن إطعامِ العَشَرةِ المساكينِ، أو كِسْوَتِهم، أو تحريرِ الرقبةِ، وصيامِ الثلاثةِ الأيامِ إذا لم تجِدوا من ذلك شيئًا - هو كفارةُ أيمانِكم التي عقدتموها إذا حلَفتُم، ﴿وَاحْفَظُوا﴾ أيها الذين آمنوا ﴿أَيْمَانَكُمْ﴾ أن تَحْنِثوا فيها، ثم تُضَيِّعوا الكفارةَ فيها، بما وَصَفْتُه لكم، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾. كما بَيَّنَ لكم كفارةَ أيمانِكم، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ جميع ﴿آيَاتِهِ﴾، يعنى: أعلامَ دينِه، فيوضِّحُها لكم؛ لئلا يقولَ المُضيِّعُ المُفَرِّطُ فيما ألزمه اللهُ: لم أعْلَمْ حُكْمَ اللهِ في ذلك. و ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ يقولُ: لتشكروا اللَّهَ على هدايتِه إياكم، وتوفيقِه لكم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾. وهذا بيانٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه للذين حرَّموا على أنفسِهم النساءَ والنومَ واللحمَ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ، تَشَبُّهًا منهم بالقِسيسينَ والرُّهبانِ، فأنزل اللهُ فيهم على نبيِّه ﷺ كتابَه بنهْيهِم (١) عن ذلك، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٨٧]. فنهاهم بذلك عن تحريمِ ما أحلَّ اللهُ لهم من الطيباتِ، ثم قال: ولا تَعْتدوا أيضًا في حُدودى، فَتُحِلُّوا ما حَرَّمتُ عليكم، فإن ذلك لكم غيرُ جائزٍ، كما غيُر جائزٍ لكم تحريمُ ما حَلَّلْتُ، وإني لا أحبُّ المُعْتَدِين. ثم أخبرهم عن الذي حَرَّمَ عليهم، مما إذا اسْتَحلوه وتقدَّموا عليه، كانوا مِن المَعْتدِين في حدودِه، فقال لهم: يا أيها الذين صَدَّقوا الله ورسولَه، إن الخمرَ التي تشرَبونها، والميسرَ الذي تَتَياسرونه، والأنصابَ التي تذبَحون عندَها، والأزلامَ التي

стр. 5943

تَسْتَقْسِمون بها، ﴿رِجْسٌ﴾. يقولُ: إثمٌ ونَتْنٌ، سَخِطَه اللَّهُ وكَرِهَه لكم، ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. يقولُ: شُرْبُكم الخمرَ، وقِمارُكم على الجُزُرِ (١)، وذبحُكم للأنصابِ، واسْتِقْسامُكم بالأزلامِ، مِن تزيينِ الشيطانِ لكم، ودعائِه إياكم إليه، وتحسينِه لكم، لا مِن الأعمالِ التي ندَبكم إليها ربُّكم، ولا مما يرضاه لكم، بل هو مما يَسْخَطُه لكم، ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾. يقولُ: فاترُكوه وارفضُوه ولا تعملُوه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لكى تُنجِحوا فتُدْرِكُوا الفلاحَ عندَ ربِّكم، بتركِكم ذلك. وقد بيَّنا معنى "الخمرِ" و "الميسرِ" و "الأزلامِ" فيما مضَى، فكرِهنا إعادتَه (٢). وأما الأنصابُ، فإنها جمعُ نُصُبٍ، وقد بيَّنا معنى "النُّصُبِ" بشواهدِه فيما مضَى (٣). ورُوِىَ عن ابن عباسٍ في معنى الرجسِ في هذا الموضعِ ما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. يقولُ: سَخَطٌ (٤). وقال ابن زيدٍ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. قال: الرجسُ الشرُّ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: إنما يريدُ لكم الشيطانُ شُرْبَ الخمرِ، والمياسرةَ بالقِداحِ، ويُحَسِّنُ ذلك لكم؛ إرادةً منه أن يُوقِعَ بينكم العداوةَ والبغضاءَ في شُرْبِكم الخمرَ

стр. 5944

ومياسرتِكم بالقداحِ، ليُعادِىَ بعضُكم بعضًا، ويُبَغِّضَ بعضَكم إلى بعضٍ، فيُشَتِّتَ أمرَكم بعدَ تأليفِ اللهِ بينكم بالإيمانِ، وجمعِه بينكم بأُخوةِ الإسلامِ، ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ويَصْرِفَكم بغَلَبَةِ هذه الخمرِ بشكْرِها إياكم عليكم، وباشتغالِكم بهذا الميسرِ عن ذكرِ اللهِ الذي به صلاحُ دنياكم وآخرتِكم، وعن الصلاةِ التي فرَضها عليكم ربُّكم، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. يقولُ: فهل أنتم مُنْتهون عن شُرب هذه، والمياسرةِ بهذا، وعامِلون بما أمرَكم به ربُّكم مِن أداءِ ما فرَض عليكم من الصلاةِ لأوقاتِها، ولُزومِ ذكرِه الذي به نُجْحُ طَلِباتِكم في عاجلِ دنياكم وآخرتكم. واخْتلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه نزَلت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزَلت بسببٍ كان مِن عمرَ بن الخطابِ، وهو أنه ذكَر مكروهَ عاقبةِ شُرْبِها لرسولِ اللهِ ﷺ ، وسأل الله تحريمَها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبى ميسرةَ، قال: قال عمرُ: اللهم بَيِّنْ لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا. قال: فنزَلت الآيةُ التي في البقرةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]. قال: فدُعِيَ عمرُ فقُرِئَتْ عليه، فقال: اللهم بَيِّنْ لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا. فنزَلت الآيةُ التي في النساءِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. قال: وكان مُنادى النبيِّ ﷺ يُنادِى إِذا حَضَرت الصلاةُ: لا يَقْرَبَنَّ الصلاةَ السكرانُ. قال: فدُعِيَ عمرُ فَقُرِئَتْ عليه، فقال: اللهم بَيِّنْ لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا، قال: فنزَلت الآيةُ التي في المائدةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ إلى قولِه: ﴿فَهَلْ

стр. 5945

أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فلما انْتَهَى إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. قال عمرُ: انْتَهَيْنا انْتَهَيْنا (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: ثنا أبي، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، قال: قال عمرُ: اللهم بَيِّنْ لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا، فإنها تَذْهَبُ بالعقلِ والمالِ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ وكيعٍ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن زكريا، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: اللهم بَيِّنْ لنا. فذكَر نحوَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبيه وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، عن عمرَ بن الخطابِ مثلَه. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا زكريا بنُ أبى زائدةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، عن عمرَ بن الخطابِ مثلَه. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنى أبو معشرٍ المدنيُّ، عن محمدِ بن قَيْسٍ، قال: لما قَدِم رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ أتاه الناسُ، وقد كانوا يَشْربون الخمرَ، ويأكُلون المَيْسِرَ، فسألوه عن ذلك، فأنزَل اللهُ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، فقالوا: هذا شيءٌ قد جاء فيه رخصةٌ، نأكلُ الميسِرَ ونشرَبُ الخمرَ

стр. 5946

ونستغفرُ من ذلك. أتى رجلٌ صلاةَ المغربِ، فجعَل يقرأُ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١ - ٣] فجعَل لا يجوزُ (١) ذلك، ولا يَدْرِى ما يقرأُ، فأنزَل اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. فكان الناسُ يشربون الخمرَ حتى يجئَ وقتُ الصلاةِ، فيَدَعون شُرْبَها، فيأتون الصلاةَ وهم يَعْلَمون ما يقولون، فلم يزالوا كذلك، حتى أنزَل اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فقالوا: انتهينا يا ربِّ (٢). وقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ بسببِ سعدِ بن أبى وقاصٍ، وذلك أنه كان لاحَى رَجُلًا على شَرَابٍ لهما، فضرَبه صاحبُه بلَحْيَىْ (٣) جَمَلٍ فَفَزَر أَنفَه (٤)، فنزَلت فيهما. ذِكْرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بن حربٍ، عن مُصْعَبِ بن سعدِ، عن أبيه سعدٍ أنه قال: صنَع رجلٌ من الأنصارِ طعامًا، فدعانا. قال: فشرِبنا الخمرَ حتى انْتَشَيْنا، فتفاخَرَتِ الأنصارُ وقريشٌ، فقالت الأنصارُ: نحن أفضلُ منكم. قال: فأخذ رجلٌ من الأنصارِ لَحْيَىْ جملٍ، فضرَب به أَنفَ سعدٍ، ففزَره، فكان سعدٌ أفزرَ الأنفِ. قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٥).

стр. 5947

حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن مُصْعَبِ بن سعدٍ، قال: قال سعدٌ: شَرِبْتُ مع قومٍ من الأنصارِ، فضرَبتُ رجلًا منهم - أظنُّ بفكِّ جملٍ - فكسرْتُه، فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ فأخبرتُه، فلم أَلْبَثْ أن نزَل تحريمُ الخمرِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن مُصْعبِ بن سعدٍ، عن أبيه، قال: شرِبتُ الخمرَ مع قومٍ من الأنصارِ. فذكَر نحوَه (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارثِ، أن ابنَ شهابٍ أخبَره، أن سالمَ بنَ عبدِ اللهِ حدَّثه، أن أوَّلَ مَا حُرِّمَت الحمرُ، أن سعدَ بنَ أبي وقاصٍ وأصحابًا له شرِبوا، فاقْتَتَلوا، فكسَروا أنفَ سعدٍ، فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية (٢). وقال آخرون: نزَلت في قَبِيلَتين من قبائلِ الأنصارِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا حجّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا ربيعةُ

стр. 5948

ابن كُلثومِ [بن جبرٍ] (١)، عن أبيه، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَل تحريمُ الخمرِ في قبيلتين من قبائلِ الأنصارِ، شرِبوا حتى إذا ثَمِلوا، عَبِث بعضُهم ببعضٍ (٢)، فلما أن صَحَوا، جعَل الرجلُ منهم يرَى الأثرَ بوجهِه ولحيتِه، فيقولُ: فعَل بي هذا أخي فلانٌ - وكانوا إخوةً ليس في قلوبِهم ضغائنُ - واللهِ لو كان بي رءوفًا رحيمًا ما فعل بى هذا. فوقَعت (٣) في قلوبِهم الضغائنُ، فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فقال ناسٌ مِن المُتَكَلِّفينَ: هي (٤) رِجْسٌ، [وهى] (٥) في بطنِ فلانٍ قُتِلَ يومَ بدرٍ، وقُتِلَ فلانٌ يومَ أُحُدٍ. فأنزَل اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ خلَفٍ، قال: ثنا سعيدُ بن محمدٍ الجَرْميُّ، عن أبي تُمَيْلةَ، عن سلّامٍ مولى حفصٍ [أبى القاسمِ] (٧)، عن ابن (٨) بريدةَ، عن أبيه، قال: بينما نحن قعودٌ على شرابٍ لنا، ونحن نَشْرِبُ الخمرَ حِلًّا، إذ قُمْتُ حتى آتىَ رسولَ اللهِ ﷺ فأُسلِّمَ عليه، وقد نزَل تحريمُ الخمرِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. إلى آخرِ الآيتينِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ

стр. 5949

مُنْتَهُونَ﴾. فجفتُ إلى أصحابي فقرأتُها عليهم إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. قال: وبعضُ القومِ شَرْبتُه في يدِه قد شرِب بعضًا، وبَقِيَ بعضٌ في الإناءِ، فقال بالإناءِ تحتَ شفتِه العليا كما يفعلُ الحجّامُ، ثم صَبُّوا ما في باطِيَتِهم (١)، فقالوا: انتهينا ربَّنا، انتهينا ربَّنا (٢). وقال آخرون: إنما كانت العداوةُ والبغضاءُ، كانت تكونُ بينَ الذين نزَلت فيهم هذه الآيةُ، بسببِ الميسرِ، لا بسببِ السكْرِ الذي يَحْدُثُ لهم من شُرْبِ الخمرِ، فلذلك نهاهم اللهُ عن الميسرِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ - قال بشرٌ: وقد سمِعتُه يزيدَ وحدَّثنيه - قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الرجلُ في الجاهليةِ يُقامِرُ على أهلِه ومالِه، فيقعُدُ حزينًا سَلِيبًا، ينظرُ إلى مالِه في يَدَى غيرِه، فكانت تُورِثُ بينهم عداوةً وبغضاءَ، فنهى اللهُ عن ذلك، وقدَّم فيه، واللهُ أعلمُ بالذي يُصْلِحُ خلقَه (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إن الله تعالى قد سمَّى هذه الأشياءَ التي سمَّاها في هذه الآيةِ رِجْسًا، وأمَر باجتنابِها. وقد اختلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه نزَلت هذه الآيةُ، وجائزٌ أن

стр. 5950

يكونَ نزولهُا كان بسببِ دعاءِ عمرَ ﵁ في أمرِ الخمرِ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان بسبب ما نال سعدًا مِن الأنصاريِّ، عند انتشائِهما من الشرابِ، وجائزٌ أن يكونَ كان مِن أجلِ ما كان يَلْحَقُ أحدَهم عندَ ذَهَابِ مالِه بالقِمارِ، مِن عداوةِ مَن يَسَرَه (١) وبُغْضِه. وليس عندَنا بأيِّ ذلك كان خبرٌ قاطعٌ للعُذْرِ. غيَر أنه أيُّ ذلك كان، فقد لَزِمَ حكمُ الآيةِ جميعَ أهلِ التكليفِ، وغيرُ ضائرِهم الجهلُ بالسببِ الذي له نزَلت هذه الآيةُ، فالخمرُ والميسرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجْسٌ مِن عملِ الشيطانِ، فَرْضٌ على جميعِ من بَلَغَتْه الآيةُ مِن التكليفِ اجتنابُ جميعِ ذلك، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، في اجتنابِكم ذلك واتباعِكم أمرَه فيما أمرَكم به، مِن الانزجارِ عما زجَركم عنه مِن هذه المعاني التي بيَّنها لكم في هذه الآيةِ وغيرِها، وخالِفوا الشيطانَ في أمرِه إياكم بمعصيةِ اللهِ في ذلك وفى غيرِه، فإنه إنما يَبْغِى لكم العداوةَ والبغضاءَ بينَكم بالخمرِ والميسرِ، ﴿وَاحْذَرُوا﴾. يقولُ: واتقوا الله وراقِبوه أن يراكم عندَ ما نهاكم عنه مِن هذه الأمورِ التي حرَّمها عليكم في هذه الآيةِ، وغيرِها، أو يَفْقِدَكم عندَ ما أمرَكم به، فتُوبِقوا أنفسَكم وتُهْلِكوها. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾. يقولُ: فإن أنتم لم تَعْمَلُوا بما أمرْناكم به، وتَنْتَهوا عما نهيناكم عنه، ورجَعتم مُدْيرين عما أنتم عليه مِن الإيمانِ والتصديقِ باللهِ وبرسولِه، واتباعِ ما جاءكم به نبيُّكم، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.

стр. 5951

يقولُ: فاعْلَموا أنه ليس على مَن أرسلناه إليكم بالنِّذارةِ غيرُ إبلاغِكم الرسالةَ التي أُرْسِل بها إليكم، مبيَّنةً لكم بيانًا يوضِّحُ لكم سبيلَ الحقِّ، والطريقَ الذي أُمِرتم أن تسلُكوه، وأما العقابُ على التوليةِ، والانتقامُ بالمعصيةِ، فعلى [المُرْسِل دونَ المُرْسَلِ] (١). وهذا من اللهِ تعالى وعيدٌ لمن تولَّى عن أمرِه ونهيِه. يقولُ لهم تعالى ذكرُه: فإن توليتم عن أمرِى ونهيِى، فتوقَّعوا عقابى، واحْذروا سَخَطى. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للقومِ الذين قالوا - إذ أَنْزل اللهُ تحريمَ الخمرِ بقولِه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ -: كيف بمن هلَك من إخوانِنا وهم يَشرَبونها، وبنا وقد كنا نشرَبُها: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ منكم حرجٌ فيما شربِوا من ذلك، في الحالِ التي لم يكنِ اللهُ تعالى حرَّمه عليهم، ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: إذا ما اتَّقَى اللَّهَ الأحياءُ منهم، فخافُوه وراقَبوه في اجتنابِهم ما حرَّم عليهم منه، وصدَّقوا الله ورسولَه فيما أمَراهم ونَهَياهم، فأطاعوهما في ذلك كلِّه، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: واكتسبُوا من الأعمالِ ما يَرْضاه اللهُ في ذلك، ممّا كلفهم بذلك ربُّهم، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾. يقولُ: ثم خافُوا اللَّهَ وراقَبوه، باجتنابِهم محارمَه بعد ذلك التكليفِ أيضًا، فثبَتوا على اتقاءِ اللهِ في ذلك، والإيمانِ به، ولم يُغيِّروا ولم يبدِّلوا، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾، يقولُ: ثم خافوا الله، فدعاهم خوفُهم الله إلى الإحسانِ، وذلك

стр. 5952

الإحسان هو العملُ بما لم يَفْرِضُه عليهم من الأعمالِ، ولكنه نوافلُ تقرَّبوا بها إلى ربِّهم؛ طَلَب رضاه، وهربًا من عقابِه، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، يقولُ: واللَّهُ يُحِبُّ المتقرِّبين إليه بنوافلِ الأعمالِ التي يرضاها. فالاتِّقاءُ الأول هو الاتقاءُ بتلقِّى أمرِ اللَّهِ بالقبولِ والتصديقِ والدَّيْنُونةِ به والعمل، والاتقاءُ الثاني الاتقاءُ بالثباتِ على التصديقِ، وتركِ التبديلِ والتغييرِ، والاتقاءُ الثالثُ هو الاتقاءُ بالإحسانِ (١)، والتقرُّبِ بنوافلِ الأعمالِ. فإن قال قائلٌ: ما الدليلُ على أن الاتقاءَ الثالثَ هو الاتقاءُ بالنوافلِ، دونَ أن يكونَ ذلك بالفرائضِ؟ قيل: إنه تعالى ذكرُه قد أَخْبَر عن وضعِه الجُناحَ عن شاربى الخمرِ التي شرِبوها قبلَ تحريمِه إيَّاها، إذا (٢) هم اتقَوُا الله في شربِها بعدَ تحريِمها، وصدَّقوا اللَّهَ ورسولَه في تحريِمها، وعمِلوا الصالحاتِ من الفرائضِ. ولا وجةَ لتكريرِ ذلك وقد مضَى ذكرُه في آيةٍ واحدةٍ. وبنحوٍ الذي قلنا من أن هذه الآية نزَلت فيما ذكَرنا أنها نزَلت فيه، جاءت الأخبارُ عن الصحابةِ والتابعين. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ وأبو كُريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَل تحريمُ الخمرِ قالوا: يا رسولَ اللهِ، فكيف بأصحابِنا الذين ماتوا وهم يشرَبون الخمرَ؟

стр. 5953

فنزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن إسرائيلَ بإسنادِه نحوَه. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنى عبدُ الكبيرِ بنُ عبدِ المجيدِ، قال: أخبَرنا عبادُ بن راشدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بَيْنا أنا أُديرُ الكأسَ على أبي طلحةَ، وأبي عُبيدةَ بن الجرَّاحِ، ومعاذِ بن جبلٍ، وسُهيلِ بن بَيْضاءَ، وأبي دُجانةَ، حتى مالت رءوسهم من خليطِ بُشرٍ وتمرٍ، فسمِعنا مناديًا ينادى: ألا إن الخمرَ قد حُرِّمت. قال: فما دخَل علينا داخلٌ، ولا خرَج منا خارجٌ، حتى أَهْرقنا الشرابَ، وكسَرنا القِلالَ (٢)، وتوضَّأ بعضُنا، واغْتَسلَ بعضُنا، فأَصَبْنا من طيبِ أمِّ سُليمٍ، ثم خرَجنا إلى المسجدِ، وإذا رسولُ اللهِ ﷺ يقرأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، فما منزلةُ من مات منا وهو يشرَبُها؟ فأَنْزَل اللهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. فقال رجلٌ لقتادةَ: سمِعتَه من أنسِ بن مالكٍ؟ قال: نعم. وقال رجلٌ لأنسِ بن مالكٍ: أنت سمِعتَه من رسولِ اللهِ ﷺ قال: نعم - أو: (٣) حدَّثني من لم يكذِبْ، واللهِ ما كنا نكذِبُ، ولا ندرى ما الكَذِبُ (٤).

стр. 5954

حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البَرَاءِ، قال: لما حُرِّمت الخمرُ قالوا: كيف بأصحابِنا الذين ماتوا وهم [يشرَبون الخمرَ] (١) فنزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (٢). [حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاق، قال: قال البَراءُ: مات ناسٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ وهم يشرَبون الخمرَ، فلما نزَل تحريمُها قال أُناسٌ من أصحابِ النبي ﷺ : فكيف بأصحابِنا الذين ماتوا وهم يشرَبونها؟ فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية] (٣). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: أخبرنا داودُ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. في من قُتِل ببدرٍ وأُحدٍ مع محمد ﷺ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مخْلَدٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن

стр. 5955

الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لما نزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. قال رسولُ اللهِ ﷺ : "قِيل لى: أنتَ منهم" (١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بن حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: لما أَنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه تحريمَ الخمرِ في سورةِ "المائدة" بعدَ سورةِ "الأحزاب"، قال في ذلك رجالٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ : أُصِيب فلانٌ يومَ بدرٍ، وفلانٌ يومَ أحدٍ، وهم يشرَبونها، فنحن نشهَدُ أنهم من أهل الجنةِ. فَأَنزل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: شربِها القومُ على تقوَى من اللهِ وإحسانٍ، وهى لهم يومَئذٍ حلالٌ، ثم حُرِّمت بعدَهم، فلا جناحَ عليهم في ذلك (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما نقولُ لإخوانِنا الذين مضَوْا، كانوا يشرَبون الخمرَ، ويأكُلون المَيْسرَ؟ فأَنْزَل اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. يعنى قبلَ التحريمِ، إذا كانوا محسنين متقين. وقال
следующие страницы →