← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

يقولُ: فاعْلَموا أنه ليس على مَن أرسلناه إليكم بالنِّذارةِ غيرُ إبلاغِكم الرسالةَ التي أُرْسِل بها إليكم، مبيَّنةً لكم بيانًا يوضِّحُ لكم سبيلَ الحقِّ، والطريقَ الذي أُمِرتم أن تسلُكوه، وأما العقابُ على التوليةِ، والانتقامُ بالمعصيةِ، فعلى [المُرْسِل دونَ المُرْسَلِ] (١). وهذا من اللهِ تعالى وعيدٌ لمن تولَّى عن أمرِه ونهيِه. يقولُ لهم تعالى ذكرُه: فإن توليتم عن أمرِى ونهيِى، فتوقَّعوا عقابى، واحْذروا سَخَطى. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للقومِ الذين قالوا - إذ أَنْزل اللهُ تحريمَ الخمرِ بقولِه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ -: كيف بمن هلَك من إخوانِنا وهم يَشرَبونها، وبنا وقد كنا نشرَبُها: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ منكم حرجٌ فيما شربِوا من ذلك، في الحالِ التي لم يكنِ اللهُ تعالى حرَّمه عليهم، ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: إذا ما اتَّقَى اللَّهَ الأحياءُ منهم، فخافُوه وراقَبوه في اجتنابِهم ما حرَّم عليهم منه، وصدَّقوا الله ورسولَه فيما أمَراهم ونَهَياهم، فأطاعوهما في ذلك كلِّه، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: واكتسبُوا من الأعمالِ ما يَرْضاه اللهُ في ذلك، ممّا كلفهم بذلك ربُّهم، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾. يقولُ: ثم خافُوا اللَّهَ وراقَبوه، باجتنابِهم محارمَه بعد ذلك التكليفِ أيضًا، فثبَتوا على اتقاءِ اللهِ في ذلك، والإيمانِ به، ولم يُغيِّروا ولم يبدِّلوا، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾، يقولُ: ثم خافوا الله، فدعاهم خوفُهم الله إلى الإحسانِ، وذلك

стр. 5952

الإحسان هو العملُ بما لم يَفْرِضُه عليهم من الأعمالِ، ولكنه نوافلُ تقرَّبوا بها إلى ربِّهم؛ طَلَب رضاه، وهربًا من عقابِه، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، يقولُ: واللَّهُ يُحِبُّ المتقرِّبين إليه بنوافلِ الأعمالِ التي يرضاها. فالاتِّقاءُ الأول هو الاتقاءُ بتلقِّى أمرِ اللَّهِ بالقبولِ والتصديقِ والدَّيْنُونةِ به والعمل، والاتقاءُ الثاني الاتقاءُ بالثباتِ على التصديقِ، وتركِ التبديلِ والتغييرِ، والاتقاءُ الثالثُ هو الاتقاءُ بالإحسانِ (١)، والتقرُّبِ بنوافلِ الأعمالِ. فإن قال قائلٌ: ما الدليلُ على أن الاتقاءَ الثالثَ هو الاتقاءُ بالنوافلِ، دونَ أن يكونَ ذلك بالفرائضِ؟ قيل: إنه تعالى ذكرُه قد أَخْبَر عن وضعِه الجُناحَ عن شاربى الخمرِ التي شرِبوها قبلَ تحريمِه إيَّاها، إذا (٢) هم اتقَوُا الله في شربِها بعدَ تحريِمها، وصدَّقوا اللَّهَ ورسولَه في تحريِمها، وعمِلوا الصالحاتِ من الفرائضِ. ولا وجةَ لتكريرِ ذلك وقد مضَى ذكرُه في آيةٍ واحدةٍ. وبنحوٍ الذي قلنا من أن هذه الآية نزَلت فيما ذكَرنا أنها نزَلت فيه، جاءت الأخبارُ عن الصحابةِ والتابعين. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ وأبو كُريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَل تحريمُ الخمرِ قالوا: يا رسولَ اللهِ، فكيف بأصحابِنا الذين ماتوا وهم يشرَبون الخمرَ؟

стр. 5953

فنزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن إسرائيلَ بإسنادِه نحوَه. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنى عبدُ الكبيرِ بنُ عبدِ المجيدِ، قال: أخبَرنا عبادُ بن راشدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بَيْنا أنا أُديرُ الكأسَ على أبي طلحةَ، وأبي عُبيدةَ بن الجرَّاحِ، ومعاذِ بن جبلٍ، وسُهيلِ بن بَيْضاءَ، وأبي دُجانةَ، حتى مالت رءوسهم من خليطِ بُشرٍ وتمرٍ، فسمِعنا مناديًا ينادى: ألا إن الخمرَ قد حُرِّمت. قال: فما دخَل علينا داخلٌ، ولا خرَج منا خارجٌ، حتى أَهْرقنا الشرابَ، وكسَرنا القِلالَ (٢)، وتوضَّأ بعضُنا، واغْتَسلَ بعضُنا، فأَصَبْنا من طيبِ أمِّ سُليمٍ، ثم خرَجنا إلى المسجدِ، وإذا رسولُ اللهِ ﷺ يقرأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، فما منزلةُ من مات منا وهو يشرَبُها؟ فأَنْزَل اللهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. فقال رجلٌ لقتادةَ: سمِعتَه من أنسِ بن مالكٍ؟ قال: نعم. وقال رجلٌ لأنسِ بن مالكٍ: أنت سمِعتَه من رسولِ اللهِ ﷺ قال: نعم - أو: (٣) حدَّثني من لم يكذِبْ، واللهِ ما كنا نكذِبُ، ولا ندرى ما الكَذِبُ (٤).

стр. 5954

حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البَرَاءِ، قال: لما حُرِّمت الخمرُ قالوا: كيف بأصحابِنا الذين ماتوا وهم [يشرَبون الخمرَ] (١) فنزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (٢). [حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاق، قال: قال البَراءُ: مات ناسٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ وهم يشرَبون الخمرَ، فلما نزَل تحريمُها قال أُناسٌ من أصحابِ النبي ﷺ : فكيف بأصحابِنا الذين ماتوا وهم يشرَبونها؟ فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية] (٣). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: أخبرنا داودُ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. في من قُتِل ببدرٍ وأُحدٍ مع محمد ﷺ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مخْلَدٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن

стр. 5955

الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لما نزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. قال رسولُ اللهِ ﷺ : "قِيل لى: أنتَ منهم" (١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بن حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: لما أَنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه تحريمَ الخمرِ في سورةِ "المائدة" بعدَ سورةِ "الأحزاب"، قال في ذلك رجالٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ : أُصِيب فلانٌ يومَ بدرٍ، وفلانٌ يومَ أحدٍ، وهم يشرَبونها، فنحن نشهَدُ أنهم من أهل الجنةِ. فَأَنزل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: شربِها القومُ على تقوَى من اللهِ وإحسانٍ، وهى لهم يومَئذٍ حلالٌ، ثم حُرِّمت بعدَهم، فلا جناحَ عليهم في ذلك (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما نقولُ لإخوانِنا الذين مضَوْا، كانوا يشرَبون الخمرَ، ويأكُلون المَيْسرَ؟ فأَنْزَل اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. يعنى قبلَ التحريمِ، إذا كانوا محسنين متقين. وقال

стр. 5956

مرةً أخرى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ من الحرامِ قبلَ أن يُحرَّمَ عليهم، ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾، بعدَ ما حُرَّم عليهم (١)، وهو قولُه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٢) [البقرة: ٢٧٥]. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾: يعنى بذلك رجالًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، ماتوا وهم يشرَبون الخمرَ قبلَ أن تحرَّمَ الخمرُ، فلم يكنْ عليهم فيها جُناحٌ قبل أن تحرَّمَ، فلما حُرِّمت قالوا: كيف تكونُ علينا حرامًا، وقد مات إخوانُنا وهم يشرَبونها؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: ليس عليهم حَرَجٌ فيما كانوا يشرَبون قبلَ أن أُحرِّمَها، إذا كانوا محسنين متَّقين، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾: لمن كان يشرَبُ الخمرَ ممن قُتِل مع محمدٍ ﷺ بدرٍ وأُحدٍ (٤). حُدِّثت عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا

стр. 5957

عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحَّاكِ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية: هذا في شأنِ الخمرِ حينَ حُرِّمت، سألوا نبيَّ اللهِ ﷺ ، فقالوا: إخوانُنا الذين ماتوا وهم يشرَبونها؟ فأنزل اللهُ هذه الآيةَ. القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيها الذين (١) صدَّقوا الله ورسولَه ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾. يقولُ: ليختبِرنَّكم اللهُ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾. يعنى: ببعضِ الصيدِ. وإنما أَخْبَرهم تعالى ذكرُه أنه يبلُوهم بشيءٍ؛ لأنه لم يبلُهم بصيدِ البحرِ، وإنما ابتلاهم بصيدِ البَرِّ، فالابتلاءُ ببعضٍ [لا بجميعٍ] (٢). وقولُه: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾. فإنه يعنى: إما باليدِ، كالبيضِ والفراخِ، وإما بإصابةِ النَّبْلِ والرماحِ، وذلك كالحُمُرِ والبقرِ والظِّباءِ، فيمتحِنُكم به في حالِ إحرامِكم بعمرتِكم أو بَحَجِّكم. وبنحوِ ذلك قالت جماعةٌ من أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: أخبرنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾.

стр. 5958

قال: أيديكم؛ صغارُ الصيد، أخذُ الفراخِ والبيضِ، والرِّماحُ، قال: كبارُ الصيدِ (١). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، عن داودَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. قال: النبلُ، و (٢) رماحُكم تنالُ كبير الصيدِ، وأيديكم تنالُ صغيرَ الصيدِ؛ أخذُ الفَرْخِ والبيضِ. حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. قال: ما لا يستَطيعُ أن يفِرَّ من الصيدِ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. قال: هو الضعيفُ من الصيدِ وصغيُره، يَبْتلى اللهُ تعالى ذكرُه به عبادَه في إحرامِهم، حتى لو شاءوا نالوه بأيديهم،

стр. 5959

فنهاهم اللهُ أن يقرَبوه (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حميدٍ الأعرجِ وليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. قال: الفراخُ والبيضُ، وما لا يستطِيعُ أن يفِرَّ. القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾. يعنى (٢) تعالى ذكرُه: ليختبِرَنَّكم اللهُ أيها المؤمنون ببعضِ الصيدِ في حالِ إحرامِكم، كي يعلَمَ أهلَ طاعةِ اللهِ والإيمانِ به، والمنتهين (٣) إلى حدودِه وأمرِه ونهيِه، و (٤) من الذي يخافُ الله، [فيتقى ما] (٥) نهاه عنه ويجتنبُه خوفَ عقابِه، ﴿بِالْغَيْبِ﴾. بمعنى: في الدنيا بحيث لا يراه. وقد بيَّنا أن الغيبَ إنما هو مصدرُ قولِ القائلِ: غاب عنى هذا الأمرُ، فهو يغيبُ غيبًا وغَيْبةً. وأن ما لم يُعايَنْ، فإن العربَ تسمِّيه غَيْبًا (٦). فتأويلُ الكلامِ إذن: ليعلَمَ أولياءَ اللهِ؛ من يخافُ الله، فيتَّقى محارمَه التي حرَّمها عليه من الصيدِ وغيرِه، بحيث لا يراه ولا يعاينُه.

стр. 5960

وأما قولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. فإنه يعنى: فمن تجاوز حدَّ اللهِ الذي حدَّه له، بعدَ ابتلائِه بتحريمِ الصيدِ عليه وهو حرامٌ، فاستحلَّ ما حرَّم اللهُ عليه منه، بأخذِه وقتلِه، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ﴾ من اللهِ ﴿أَلِيمٌ﴾. يعنى: مؤلِمٌ مُوجِعٌ. القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيها الذين (١) صدَّقوا الله ورسولَه ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ الذي بينتُ لكم، وهو صيدُ البرِّ دونَ صيدِ البحرِ، ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. يقولُ: وأنتم مُحْرِمون بحجٍّ أو عمرةٍ. والحُرُمُ جمعُ حَرامٍ، والذكرُ والأنثى فيه بلفظٍ واحدٍ، يقالُ (٢): هذا رجلٌ حَرَامٌ، وهذه امرأةٌ حَرَامٌ. فإذا قيل: مُحْرِمٌ. قيل للمرأةِ: مُحْرِمةٌ. والإحرامُ هو الدخولُ فيه، يقالُ: أَحْرَم القومُ. إذا دخَلوا في الشهرِ الحرامِ (٣)، أو في الحَرَمِ. فتأويلُ الكلامِ: لا تقتُلوا الصيدَ وأنتم مُحْرِمون بحجٍّ أو عمرةٍ. وقولُه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. فإن هذا إعلامٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عبادَه حكمَ القاتلِ من المُحْرِمين الصيدَ الذي نهاه عن قتلِه متعمِّدًا. ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في صفةِ العَمْدِ الذي أَوْجَب اللهُ على صاحبِه به الكفارةَ والجزاءَ في قتلِه الصيدَ؛ فقال بعضُهم: هو العمدُ لقتلِ الصيدِ، مع نسيانِ قاتِله إحرامَه في حالِ قتلِه. وقال: إنْ قتَله وهو ذاكرٌ إحرامَه، متعمِّدًا قتلَه، فلا حكمَ عليه، وأمرُه إلى اللهِ. قالوا: وهذا أجلُّ أمرًا من أن يُحْكَمَ عليه أو يكونَ له كفَّارةٌ.

стр. 5961

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾: من قتَله منكم ناسيًا لإحرامِه، متعمِّدًا لقتلِه، فذلك الذي يُحْكَمُ عليه، فإن قتَله ذاكرًا لحُرْمِه (١)، متعمِّدًا لقتلِه، لم يُحْكَمْ عليه (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في الذي يقتُلُ الصيدَ متعمِّدًا، وهو يعلَمُ أنه مُحْرِمٌ، ويَتَعمَّدُ (٣) قتلَه، قال: لا يُحْكَمُ عليه، ولا حجَّ له. وقولُه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدً﴾. قال: هو العمدُ المكفَّرُ، وفيه الكفَّارةُ، والخطأُ أن يصيبَه وهو ناسٍ لإحرامِه (٤)، متعمِّدًا لقتلِه، أو يصيبَه وهو يريدُ غيرَه، فذلك (٥) يُحْكَمُ عليه مرةً (٦). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾: غيرَ نَاسٍ لُحرْمِه، ولا مريدٍ غيرَه، فقد حلَّ (٧)، وليست له رخصةٌ، ومن قتَله ناسيًا، أو أراد غيرَه

стр. 5962

فأخطأ به، فذلك العمدُ المكفَّرُ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. قال: متعمِّدًا لقتلِه، ناسيًا لإحرامِه. حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا الفُضيلُ بنُ عِياضٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: العمدُ هو الخطأُ المكفّرُ. حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا يونسُ بن محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا ليثٌ، قال: قال مجاهدٌ: قولُ اللهِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: فالعمدُ الذي ذكَر اللهُ تعالى أن يصيبَ الصيدَ وهو يريدُ غيرَه، فيصيبَه، فهذا العمدُ المكفَّرُ، فأما الذي يصيبُه غيرَ ناسٍ، ولا مريدٍ لغيرِه، فهذا لا يُحْكَمُ عليه، هذا [أجلُّ من] (٢) أن يُحْكَمَ عليه. حدَّثنا ابن وكيعٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن الهيثمِ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. قال: يقتُلُه متعمِّدًا لقتلِه ناسيًا لإحرامِه. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عَدِيٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن الهيثمِ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾: غيرَ ناسٍ لحُرْمِه، ولا مريدٍ غيرَه، فقد أحلَّ (٣)، وليست له رخصةٌ، ومن قتَله ناسيًا لحُرْمِه، أو أراد غيرَه فَأَخْطَأ به، فذلك العمدُ المكفَّرُ (٤).

стр. 5963

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، عن عمرٍو، عن الحسنٍ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾: للصيدِ، ناسيًا لإحرامِه، فمن اعتدى بعدَ ذلك متعمِّدًا للصيدِ، يذكُرُ إحرامَه (١)؟ حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى عديٍّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مسلمٍ، قال: كان الحسنُ يفتى في من قتَل الصيدَ متعمدًا ذاكرًا لإحرامِه: لم يُحْكَمْ عليه. قال إسماعيلُ: وقال حمادٌ عن إبراهيمَ مثلَ ذلك (١). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، قال: أمرني جعفرُ بنُ أبى وَحْشِيَّةَ أن أسألَ عمرَو بنَ دينارٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية. فسألتُه، فقال: كان عطاءٌ يقولُ: هو بالخيارِ، أيَّ ذلك شاء فعَل، إن شاء أَهْدَى، وإن شاء أَطْعَم، وإن شاء صام. فأَخْبَرتُ به جعفرًا، وقلتُ: ما سمِعتَ فيه؟ فتلكَّأ ساعةً، ثم جعَل يضحَكُ ولا يُخبرني، ثم قال: كان سعيدُ بنُ جبيرٍ يقولُ: يُحْكَمُ عليه من النَّعَمِ هَدْيًا بالغَ الكعبةِ، [إنما جُعِل الطعامُ والصيامُ، فهذا لا يَبْلُغُ ثمنَ الهدى، و] (٢) الصيامُ فيه من ثلاثةِ أيامٍ إلى عشَرةٍ. حدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: أخبرنا نافع بنُ يزيدَ، قال: أخبَرنى ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾: غيَر ناسٍ لحُرْمِه، ولا مريدٍ غيرَه، فقد أحلَّ (٣)، وليست له رخصةٌ، ومن قتَله ناسيًا، أو أراد

стр. 5964

غيرَه فأخطأ به، فذلك العمدُ المكفَّرُ (١). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أما الذي يتعمَّدُ فيه الصيدَ وهو ناسٍ لحُرْمِه، أو جاهلٌ أن قتلَه (٢) محرَّمُ، فهؤلاء الذين يُحْكُمُ عليهم، فأما من قتَله متعمِّدًا بعدَ نهيِ اللهِ، وهو يعرفُ أنه محرمٌ، وأنه حرامٌ، فذلك يُوكلُ إلى نقمةِ اللهِ، وذلك الذي جعل الله عليه النقمة. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. قال: متعمِّدًا لقتلِه، ناسيًا لإحرامِه. وقال آخرون: بل ذلك هو العمدُ من المُحْرِمِ لقتلِ الصيدِ ذاكرًا لحُرْمِه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: يُحْكم عليه في العمدِ والخطأ والنسيانِ (٣). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: ثنا ابن جريجٍ، وحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قال طاوسٌ: واللهِ ما قال اللهُ إلا: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (٤).

стр. 5965

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرني بعضُ أصحابِنا عن الزُّهريِّ، أنه قال: نزَل القرآنُ بالعَمْدِ، وجرت السُّنةُ في الخطأ. يعنى في المُحْرِمِ يصيبُ الصيدَ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. قال: إن قتَله متعمِّدًا أو ناسيًا، حُكِم عليه، وإن عاد متعمِّدًا، عُجِّلت له العقوبةُ، إلا أن يعفوَ اللهُ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مرةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: إنما جُعِلت الكفَّارة في العمدِ، ولكن غُلِّظ عليهم في الخطأ كى يتَّقوا (٣). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو معاويةَ ووكيعٌ، قالا: ثنا الأعمشُ، عن عمرِو بن مرةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ نحوَه. حدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبرنا نافعُ بنُ يزيدٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: كان طاوسٌ يقولُ: واللهِ ما قال اللهُ إلا: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (٤). والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إن الله تعالى حرَّم قتلَ صيدِ البرِّ

стр. 5966

على كلِّ مُحْرِمٍ في حالِ إحرامِه ما دام حَرامًا، بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾. ثم بيَّن حكمَ من قتَل ما قتَل من ذلك في حالِ إحرامِه متعمِّدًا لقتلِه، ولم يخصِّصْ به المتعمِّد قتلَه في حالِ نسيانِه إحرامَه، ولا المخطئَ في قتله في حالِ ذكرهِ إحرامَه، بل عمَّ في التنزيلِ بإيجابِ الجزاءِ كلَّ قاتلِ صيدٍ في حالِ إحرامَه متعمِّدًا. وغيرُ جائزٍ إحالةُ ظاهرِ التنزيلِ إلى باطنٍ من التأويلِ لا دلالةَ عليه من [نصِّ كتابٍ، ولا خبرٍ لرسولِ اللهِ] (١) ﷺ ، ولا إجماعٍ من الأمةِ، ولا دلالةَ من بعضِ هذه الوجوهِ. فإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ كان قاتلُ الصيدِ من المُحْرمين عامدًا قتلَه ذاكرًا لإحرامِه، أو عامدًا قتلَه ناسيًا لإحرامِه، أو قاصدًا غيرَه فقتَله ذاكرًا لإحرامِه - في أن على جميعِهم من الجزاءِ ما قال ربُّنا تعالى، وهو مثلُ ما قتَل من النَّعَمِ، يحكُمُ به ذوا عَدْلٍ من المسلمين، أو كفَّارةٌ طعامُ مساكينَ، أو عدلُ ذلك صيامًا. وهذا قولُ عطاءٍ والزُّهْريِّ الذي ذكرناه عنهما [وغيرِهما] (٢)، دونَ القولِ الذي قاله مجاهدٌ. وأما ما يلزَمُ بالخطأ قاتلَه، فقد بيَّنا القولَ فيه في كتابِنا "كتاب لطيفِ القولِ في أحكامِ الشرائعِ"، بما أغنى عن ذكرِه في هذا الموضعِ، وليس هذا الموضعُ موضعَ ذكرِه؛ لأن قصدَنا في هذا الكتابِ الإبانةُ عن تأويلِ التنزيلِ، وليس في التنزيلِ للخطأ ذكرٌ فنذكُرَ أحكامَه. وأما قولُه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. فإنه يقولُ: وعليه كِفاءٌ (٣) وبدلٌ. يعنى بذلك جزاءَ الصيدِ المقتولِ. يقولُ تعالى ذكرُه: فعلى قاتلِ الصيدِ جزاءُ الصيدِ المقتولِ، مثلُ ما قتَل من النَّعَمِ. وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (فجزاؤُه

стр. 5967

مثلُ ما قتَل من النَّعَمِ) (١). وقد اختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأَةِ المدينةِ وبعضُ البصريِّين: (فجزاءُ مثل ما قتَل من النَّعَمِ) (٢). بإضافةِ الجزاءِ إلى المثلِ، وخفضِ المثلِ. وقرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ (٣). بتنوينِ الجزاءِ ورفعِ المثل بتأويلِ: فعليه جزاءٌ مثلُ ما قتَل. وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ (٤) قراءة من قرَأَ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾. بتنوينِ الجزاءِ ورفعِ المثلِ؛ لأن الجزاءَ هو المثلُ، فلا وجهَ لإضافةِ الشيءِ إلى نفسِه. وأحسَبُ أن الذين قرءوا ذلك بالإضافةِ، رأوا أن الواجبَ على قاتلِ الصيدِ أن يَجْزِيَ مثلَه من الصيدِ بمثلٍ من النَّعم. وليس ذلك (٥) كالذي ذهبوا إليه، بل الواجبُ على قاتلِه أن يَجْزِيَ المقتولَ نظيرَه من النَّعمِ. وإذ كان ذلك كذلك، فالمثلُ هو الجزاءُ الذي أَوْجَبه اللهُ تعالى على قاتلِ الصيدِ، ولن (٦) يضافُ الشيءُ إلى نفسِه. ولذلك لم يقرأْ ذلك قارئٌ علِمناه بالتنوينِ ونصبِ "المثلِ" (٧). ولو كان المثلُ غيرَ الجزاءِ لجاز في المثلِ النصبُ إذا نُوِّن الجزاءُ، كما نُصِب اليتيمُ، إذ كان غيرَ الإطعامِ في قولِه: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤، ١٥]. وكما نُصِب الأمواتُ والأحياءُ ونُوِّن الكِفاتُ في قولِه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً

стр. 5968

وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]. إذ كان الكفاتُ غيرَ الأحياءِ والأمواتِ. وكذلك الجزاءُ، لو كان غيرَ المثلِ، لاتسعت القراءةُ في المثلِ بالنصبِ إذا نُوِّن الجزاءُ، ولكنّ ذلك ضاق، فلم يقرأْه أحدٌ بتنوينِ الجزاءِ ونصبِ المثلِ (١)، إذ كان المثلُ هو الجزاءَ، وكان معنى الكلامِ: ومن قتَله منكم متعمِّدًا فعليه جزاءٌ هو (٢) ما قتَل من النَّعَمِ. ثم اخْتَلف أهلُ العلمِ في صفةِ الجزاءِ، وكيف يَجْزِى قاتلِ الصيدِ من المُحْرمين ما قتَل بمثلِه من النَّعم؛ فقال بعضُهم: يُنْظَرُ إلى أشبهِ الأشياءِ به شبهًا من النَّعم فيَجْزِيه به، ويُهْدِيه إلى الكعبة. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: أما: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. فإن قتَل نَعَامةً أو حمارًا فعليه بَدَنَةٌ، وإن قتَل بقرةً أو إيَّلًا (٣) أو أَرْوَى (٤)، فعليه بقرةٌ، أو قتَل غزالًا أو أَرْنبًا، فعليه شاةٌ، وإن قتَل ضبًّا (٥) أو حِرْباءَ أو يَرْبوعًا، فعليه سَخْلَةٌ قد أكلت العُشْبَ وشرِبت اللبنَ (٦).

стр. 5969

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن ابن (١) مجاهدٍ، قال: سُئل عطاءٌ: أيُغْرَمُ في صغيرِ الصيدِ كما يُغْرَمُ في كبيرِه؟ قال: أليس يقولُ اللهُ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: عليه من النَّعمِ مثلُه (٣). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: إذا أصاب المُحْرِمُ الصيدَ، حُكم (٤) عليه جزاؤُه من النَّعَمِ، فإن وجَد جزاءَه ذبَحه فتصدَّق به، وإن لم يجدْ جزاءَه قوِّم الجزاءُ دراهمَ، ثم قوِّمت (٥) الدراهمُ حنطةً، ثم صام مكانَ كلِّ نصفِ صاعٍ يومًا قال: إنما أُرِيد بالطعامِ الصومُ، فإذا وجَد طعامًا وجَد جزاءً (٦).

стр. 5970

حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. قال: إذا أصاب المحرمُ الصيدَ مُحكم عليه جزاؤُه من النَّعَمِ، فإن لم يجدْ نظَر كم ثمنُه - قال ابن حميدٍ: نظَر كم قيمتُه - فيُقوَّمُ عليه ثمنه طعامًا، فصام مكانَ كلِّ نصفِ صاعٍ يومًا، ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. قال: إنما أُرِيد بالطعامِ الصيامُ، فإذا وجَد الطعامَ وجَد جزاءَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينِ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾: فإن لم يجِدْ هَدْيًا، قُوِّم الهدىُ عليه طعامًا، وصام عن كلِّ صاعٍ يومين. حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا عَبِيدَةُ (١) بنُ حميدٍ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. قال: إذا أصاب الرجلُ الصيدَ حُكِم عليه، فإن لم يكنْ عندَه قُوِّم عليه ثمنُه طعامًا، ثم صام لكلِّ نصفِ صاع يومًا. حدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ، قالا: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ بنُ عُميرٍ، عن قَبيصةَ بن جابرٍ، قال: ابْتَدرتُ وصاحبٌ لى ظَبْيًا في العَقَبَةِ، فَأَصَبْتُه، فأَتيتُ عمرَ بنَ الخطابِ فذكَرت ذلك له، فأقْبَل على رجلٍ إلى جنبهِ، فنظِرا في ذلك. قال: فقال: اذبَحْ كبشًا (٢).

стр. 5971

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن الشعبيِّ، قال: أخبرني قَبيصةُ بنُ جابرٍ، نحوًا مما حدَّث به عبدُ الملكِ. حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن المسعوديِّ، عن عبدُ الملكِ بن عُميرٍ، عن قبيصةَ بن جابرٍ، قال: قتَل صاحبٌ لى ظبيًا وهو مُحْرِمٌ، فأمَره عمرُ أن يذبَحَ شَاةً فيتصدَّقَ بلحمِها ويُسْقِيَ إهابَها (١). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ المزنيِّ، قال: قتَل رجلٌ من الأعرابِ وهو مُحْرِمٌ ظبيًا، فسأل عمرَ، فقال له عمرُ: أهدِ شاةً (٢). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن حُصينٍ، وحدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابن فُضيل، قال: ثنا حُصينٌ، عن الشعبيِّ، قال: قال قَبيصةُ بنُ جابرٍ: أَصَبْتُ ظبيًا وأنا مُحْرمٍ، فأتيتُ عمرَ فسألتُه عن ذلك، فأَرْسَل إلى عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، إن أمرَه أهونُ من ذلك. قال: فضرَبني بالدِّرَّة حتى سابقتُه عَدْوًا. قال: ثم قال: قتَلتَ الصيدَ وأنت مُحْرِمٌ، ثم تَغْمَصُ (٣) الفُتْيا قال: فجاء عبدُ الرحمنِ فحكَما شاةً. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن

стр. 5972

عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: إذا قتَل المحرمُ شيئًا من الصيدِ حُكم عليه فيه (١)، فإن قتَل ظبيًا أو نحوَه، فعليه شاةٌ تُذْبَحُ بمكةَ، فإن لم يجِدْ فإطعامُ ستةِ مساكينَ، فإن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ، فإن قتَل إيَّلا أو نحوَه، فعليه بقرةٌ، وإن قتَل نعامةً أو حمارَ وحشٍ أو نحوَه، فعليه بَدَنةٌ من الإبلِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أرأيتَ إن قتَلتُ صيدًا، فإذا هو أعورُ أو أعرجُ أو منقوصٌ، أَغْرَمُ مثلَه؟ قال: نعم، إن شئتَ. قلتُ: أَوْفَى أحبُّ إليك؟ قال: نعم. وقال عطاءٌ: وإن قتَلتَ ولدَ الظَّبْيِ، ففيه ولدُ شاةٍ، وإن قتلَتَ ولد بقرةٍ وحشيةٍ، ففيه ولدُ بقرةٍ إنسيةٍ مثلُه، فكلُّ ذلك على ذلك (٣). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ الباهليُّ، قال: سمِعتُ الضحَّاك بنَ مزاحمٍ يقولُ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾: ما كان من صيدِ البرِّ، مما ليس له قَرْنٌ؛ الحمارُ والنعامةُ، فعليه مثلُه من الإبلِ، وما كان ذا قرنٍ من صيدِ البرِّ، من وَعِلٍ أو إِيَّلٍ، فجزاؤُه من البقرِ، وما كان من ظبْيٍ. فمن الغنمِ مثلُه، وما كان من أرنبٍ، ففيها ثَنِيَّةٌ (٤)، وما من يَرْبوع وشبهه، ففيه حَمَلٌ صغيرٌ، وما كان من جرادةٍ أو نحوِها، ففيه قُبْضةٌ من طعامٍ، وما كان من طيرِ البرِّ، ففيه أن يُقَوَّمَ ويتصدَّقَ بثمنه، وإن شاء صام لكلِّ

стр. 5973

نصفِ صاعٍ يومًا، وإن أصاب فرخَ طير بريَّةٍ أو بيضَها، فالقيمةُ فيها طعامٌ أو صومٌ، على الذي يكونُ في الطيرِ، غيرَ أنه قد ذُكِر في بيضِ النعامِ إذا أصابها المُحْرِمُ، أن يَحْمِلَ الفحلُ على عدَّةِ ما أصاب من البيضِ على بكارةِ (١) الإبلِ، فما لقِح منها أهداه إلى البيتِ، وما فسَد منها فلا شيءَ فيه (٢). حدَّثنا ابن البَرْقِيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبرنا نافعٌ، قال: أخبرني ابنُ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: من قتَله - يعنى الصيدَ - ناسيًا، أو أراد غيرَه فأَخْطَأ به، فذلك العمدُ المكفَّرُ، فعليه مثلُه هَدْيًا بالغَ الكعبة، فإن لم يَجِد ابتاع بثمنِه طعامًا فإن لم يجد صام عن كلِّ مُدٍّ يومًا. وقال عطاءٌ: فإن أصاب إنسانٌ نعامةً، كان له - [وإن] (٣) كان ذا يسارٍ - [ما شاء] (٤)، إن شاء أن يُهْدِيَ جَزُورًا، أو عَدْلَها طعامًا، أو عَدْلَها صيامًا، أيَّتهن شاء، من أجلِ قولِه: فجزاءٌ، أوْ كذا، [أو كذا] (٥). قال: فكلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أَوْ، أَوْه"، فلْيَختَرْ منه صاحبُه ما شاء (٦). حدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: أخبرنا نافعٌ، قال: أخبرني ابن جريجٍ، قال: أخبرني الحسنُ بنُ مسلمٍ، قال: من أصاب من الصيدِ ما يبلُغُ أن يكونَ شاةً فصاعدًا، فذلك الذي قال اللهُ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. وأما: ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ فذلك الذي لا يبلُغُ أن يكونَ فيه هَدْيٌ؛ العصفورُ يُقْتَلُ، فلا يكونُ فيه. قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾: عَدْلُ النعامةِ، أو عَدْلُ العصفورِ، أو

стр. 5974

عَدْلُ ذلك كلِّه (١) وقال آخرون: بل يُقوَّمُ الصيدُ المقتولُ قيمتَه من الدراهمِ، ثم يشترى القاتلُ بقيمتِه نِدًّا من النَّعَمِ، ثم يُهْدِيه إلى الكعبةِ. ذكر من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عَبْدةُ، عن إبراهيمَ، قال: ما أصاب المحرمُ من شيءٍ حُكم فيه قيمتُه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حمادٍ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ يقولُ: في كلِّ شيءٍ من الصيدِ ثمنُه. وأولى القولين في تأويلِ الآيةِ ما قال عمرُ وابنُ عباسٍ ومن قال بقولِهما: إن المقتولَ من الصيدِ يُجْزَى بمثلِه من النَّعَمِ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. وغيرُ جائزٍ أن يكون مثلُ الذي قتَل من الصيدِ دراهمَ وقد قال اللهُ تعالى: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾. لأن الدراهمَ ليست من النَّعَمِ في شيءٍ. فإن قال قائلٌ: فإن الدراهم وإن لم تكن مثلًا للمقتولِ من الصيدِ، فإنه يُشْترى بها المثلُ من النَّعَمِ، فيُهْدِيه القاتلُ، فيكون بفعله ذلك كذلك جازيًا بما قتَل من الصيدِ مثلًا من النَّعَمِ. قيل له: أفرأيت إن كان المقتولُ من الصيدِ صغيرًا أو كبيرًا أو سليمًا (٣)،] ولا يُصابُ] (٤) بقيمته من النَّعَم إلا صغيرًا أو مَعِيبًا، أيجوزُ له أن يشترىَ بقيمتِه خلافَه

стр. 5975

وخلافَ صفتِه فيُهْدِيَه، أم لا يجوزُ ذلك له وهو لا يجدُ إلا خلافَه؟ فإن زعَم أنه لا يجوزُ له أن يشترىَ بقيمتهِ إلا مثلَه، تُرِك قولُه في ذلك؛ لأن أهلَ هذه المقالِة يزعُمون أنه لا يجوزُ له أن يشترىَ بقيمةِ (١) ذلك فيُهديُه إلا ما يجوزُ في الضحايا. وإذا أجازوا شراءَ (٢) مثلِ المقتولِ من الصيدِ بقيمته وإهداءَها، وقد يكونُ المقتولُ صغيرًا أو معيبًا (٣)، أجاز (٤) في الهَدْيِ ما لا يجوزُ في الأضاحي. وإن زعم أنه لا يجوزُ أن يشترىَ بقيمتهِ فيُهديه إلا ما يجوزُ في الضحايا - أَوْضَح بذلك من قولِه الخلافَ لظاهرِ التنزيلِ؛ وذلك أن الله تعالى أَوْجَب على قاتلِ الصيدِ من المُحْرمين عمدًا المثلَ من النَّعَمِ، إذا وجَده؛ وقد زعَم قائلُ هذه المقالِة أنه لا يجبُ عليه المثلُ من النَّعَمِ وهو إلى ذلك واجدٌ سبيلًا. ويقالُ لقائلِ ذلك: أرأيتَ إن قال قائلٌ آخرُ: ما على قاتلِ ما لا تبلُغُ من الصيدِ قيمتُه ما يصابُ به من النَّعَمِ ما يجوزُ في الأضاحي، من إطعامٍ ولا صيامٍ؛ لأن الله تعالى إنما خيَّر قاتلِ الصيدِ من المُحْرمين في (٥) أحدِ الثلاثةِ الأشياءِ التي سمَّاها في كتابِه، فإذا لم يكنْ له إلى واحدٍ من ذلك سبيلٌ، سقَط عنه فرضُ الآخرَين؛ لأن الخيارَ إنما كان له وله إلى الثلاثةِ سبيلٍ، فإذا لم يكنْ له إلى بعضِ ذلك سبيلٌ، بطَل فرضُ الجزاءِ عنه؛ لأنه ليس ممن عُنِى بالآيةِ. نظيرَ الذي قلتَ أنتَ: إنه إذا لم يكنِ المقتولُ من الصيدِ تبلغ قيمته ما يصاب من النعمِ ما (٦) يجوزُ في الضحايا،

стр. 5976

فقد سقط فرضُ الجزاءِ بالمثلِ (١) من النعمِ عنه، وإنما عليه الجزاءُ بالإطعامِ أو الصيامِ - هل بينكَ وبينَه فرقٌ من أصلٍ أو نظيرٍ، فلن يقولَ في أحدِهما قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يحكُمُ بذلك الجزاءِ الذي هو مثلُ المقتولِ من الصيدِ من النعمِ عَدْلان منكم. يعنى: فقيهانِ عالمانِ من أهلِ الدينِ والفضلِ. ﴿هَدْيًا﴾. يقولُ: يقضى بالجزاءِ دَوا عَدْلٍ أَن (٢) يُهْدَى فيبلُغَ الكعبةَ. والهاءُ في قولِه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾. عائدةٌ على الجزاءِ. ووجهُ حكمِ العَدْلين إذا أرادا أن يحكُما بمثلِ المقتولِ من الصيدِ من النعمِ على القاتلِ، أن ينظُرا إلى المقتولِ ويَسْتَوْصِفاه، فإن ذَكَر أنه أصاب ظبيًا صغيرًا، حكَما عليه من ولدِ الضأنِ بنظيرِ ذلك الذي قتَله في السنِّ والجسمِ. فإن كان الذي أصاب من ذلك كبيرًا، حكَما عليه من الضأنِ بكبيرٍ. وإن كان الذي أصاب حمارَ وحشٍ، حكَما عليه ببقرةٍ؛ إن كان الذي أصاب كبيرًا فكبيرًا (٣) من البقرِ، وإن كان فصغيرًا. وإن كان المقتولُ ذَكَرًا، فمثلُه من ذكورِ البقرِ. وإن كان أُنثى، فمثلُه من البقِر أُنثى. ثم كذلك ذلك (٤)، ينظران (٥) إلى أشبه الأشياء بالمقتول من الصيدِ شبهًا من النعمِ، فيحكُمان عليه به، كما قال تعالى ذكرُه. وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ في ذلك بينَهم.

стр. 5977

ذكرُ من قال في ذلك بنحوِ الذي قلنا فيه حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّرِي، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ المزنيِّ، قال: كان رجلان من الأعرابِ مُحْرِمان (١)، فأحاش (٢) أحدُهما ظبيًا فقتَله الآخرُ، فأتيا عمرَ (٣) وعندَه عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، فقال له عمرُ (٤): ما (٥) ترى؟ قال: شاةً. قال: وأنا أَرَى ذلك، اذْهَبا فَأَهْدِيا شَاةً. فلما مَضَيا قال أحدُهما لصاحبِه: ما درى أميرُ المؤمنين ما يقولُ حتى سأل صاحبَه. فسمِعها عمرُ فردَّهما، فقال: هل تقرأ ان سورةَ "المائدة"؟ فقالا: لا. فقرأ (٦) عليهما: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. ثم قال: استعَنتُ بصاحبي هذا (٧). حدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ، قالا: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ بن عُميرٍ، قبيصةَ بن جابرٍ، قال: ابْتَدرتُ أنا وصاحبٌ لى ظبيًا في العقبةِ، فأصبتُه، فأتيتُ عمرَ بنَ الخطابِ فذكرتُ ذلك له، فأَقْبَل على رجلٍ إلى جنبِه، فنظَرا في ذلك. قال: فقال: اذبحْ كبشًا - قال يعقوبُ في حديثهِ: فقال لي: اذبحْ شاةٍ - فانصرفتُ فأتيتُ صاحبي، فقلت: إن أميرَ المؤمنين لم يدرِ ما يقولُ. فقال صاحبي: انحَرْ ناقتَك. فسمِعها عمرَ بنَ الخطابِ، فأَقْبَل عليَّ ضربًا بالدِّرَّةِ، وقال: تقتُلُ الصيدَ وأنت مُحْرِمٌ، وتَغْمَصُ الفُتْيَا! إن الله تعالى يقولُ في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ

стр. 5978

مِنْكُمْ﴾ هذا ابن عوفٍ وأنا عمرُ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن الشعبيِّ، قال: أخبرني قَبيصةُ بنُ جابرٍ، بنحوِ ما حدَّث به عبدُ الملكِ. حدَّثنا هنَّادٌ وأبو هشام، قالا: ثنا وكيعٌ، عن المسعوديِّ، عن عبدِ الملكِ بن عُميرٍ، عن قَبيصةَ بن جابرٍ، قال: خرَجنا (٢)، فكنا إذا صلَّينا الغداةَ اقتدنا رواحلَنا، نتماشى نتحدَّثُ. قال: فبينما نحن ذاتَ غداةٍ إذ سنَح لنا ظبيٌّ أو برَح (٣)، فرماه رجلٌ منا بحجرٍ، فما أخطأ خُشَشَاءَه (٤)، فركب رَدْعَه (٥) ميِّتًا. قال: قال: فعظَّمنا عليه، فلما قدِمنا مكةَ خرَجتُ معه حتى أتينا، عمرَ، فقصَّ عليه القصةَ. قال: وإذا إلى جنبِه رجلٌ كأن وجهَه قُلْبُ (٦) فضةٍ - يعنى عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ - فالْتَفت إلى صاحبِه فكلَّمه. قال: ثم أَقْبَل على الرجلِ، قال: أعمدًا قتلتَه أم خطأً؟ قال الرجلُ: لقد تعمَّدتُ رميَه، وما أردتُ قتلَه. فقال عمرُ: ما أراك إلا قد أشركت بينَ العمدِ والخطأ، اعمِدْ إلى شاةٍ فاذبَحْها، وتصدَّق بلحمِها، وأسقِ إهابَها. قال: فقمنا من عندِه، فقلتُ: أيها الرجلُ عظِّمِ شعائرَ اللهِ، فما درَى أمير المؤمنين ما يُفْتيِك حتى سأل صاحبَه، اعمْدَ

стр. 5979

إلى ناقتك فانحرها، فلعلَّ (١) ذاك. قال قبيصةُ: ولا أذكرُ الآيةَ من سورةِ "المائدة": ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: فبلَغ عمرَ مقالتي، فلم يَفْجَأنا منه إلا ومعه الدِّرَّةُ. قال: فعلا صاحبي ضربًا بالدِّرَّةِ، وجعَل يقولُ: أقتلتَ في الحرَمِ، وسفَّهتَ الحكمَ؟ قال: ثم أَقْبَل عليَّ، فقلتُ: يا أمير المؤمنين، لا أُحِلُّ لك اليومَ شيئًا يحرُمُ عليك منى. قال: يا قَبيصةُ بنُ جابرٍ، إنى أراك شابَّ السنِّ، فسيحَ الصدرِ، بَيِّنَ اللسانِ، وإن الشابَّ يكونُ فيه تسعةُ أخلاقٍ حسنةٌ، وخلقٌ سيِّيءٌ، فيُفْسِدُ الخلقُ السيِّئُ الأخلاقَ الحسنةَ، فإياك وعثراتِ الشبابِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن مخارقٍ، عن طارقٍ، قال: أَوْطَأَ أَرْبدُ ضبًّا، فقتَله وهو مُحْرِمٌ، فأتى عمرَ ليحكُمَ عليه، فقال له عمرُ: احكُمْ معى. فحكَما فيه جَدْيًا قد جمَع الماءَ والشجرَ (٣). ثم قال عمرُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن رجلًا أصاب صيدًا، فأتى ابنَ عمرَ فسأله عن ذلك، وعندَه عبدُ اللهِ بن صفوانَ، فقال ابنُ عمرَ لابنِ صفوانَ: إما أن أقولَ فتصدِّقَني، وإما أن تقولَ فأُصدِّقَك. فقال ابن صفوانَ: بل أنت فقلْ. فقال ابن

стр. 5980

عمرَ، ووافقه على ذلك عبدُ اللهِ بنُ صفوانَ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، عن شُريحٍ، أنه قال: لو وَجَدْتُ حكَما عَدْلًا لحكَمتُ في الثعلبِ جَدْيًا، وجدىٌ أحبُّ إليَّ من ثَعْلبٍ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ (٢)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي مِجْلزٍ، أن رجلًا سأل ابنَ عمرَ عن رجلٍ أصاب صيدًا وهو محرمٌ، وعندَه ابن صفوانَ، فقال له ابن عمرَ: إما أن تقولَ فأُصدِّقَك، أو أقول وتُصدِّقَنى؟ قال: قلْ وأُصدِّقَك (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، قال: أخبرني أبو (٤) حَريزٍ (٥) البَجَليُّ، قال: أصبتُ ظبيًا وأنا محرمٌ، فذكَرت ذلك لعمرَ، فقال: ائتِ رجلين من إخوانِك فلْيحكُما عليك. فأتيتُ عبدَ الرحمنِ وسعدًا (٦)، فحكَما عليَّ تَيْسًا أَعْفَرَ (٧). قال أبو جعفرٍ: الأعفرُ الأبيضُ. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ بإسنادِه، عن عمرَ مثلَه.

стр. 5981

حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبرنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن أشعثَ بن سوَّارٍ، عن ابن سيرينَ، قال: كان رجلٌ على ناقةٍ وهو محرمٌ، فأَبْصَر ظبيًا يأوى إلى أَكَمةٍ، فقال: لأنظُرَنَّ (١) أنا أسبقُ إلى هذه الأكمةِ أم هذا الظبيُ؟ فوقَعت عنزٌ من الظباءِ تحتَ قوائمِ ناقتِه فقتَلتها، فأتَى عمرَ، فذكَر ذلك له، فحكَم عليه هو وابنُ عوفٍ عنزًا عفراءَ. قال: وهى البيضاءُ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن محمدٍ، أن رجلًا أَوْطَأ ظبيًا وهو محرمٌ، فأتى عمرَ، فذكَر ذلك له، وإلى جنبِه عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، فأقْبَل على عبدِ الرحمنِ فكلَّمه، ثم أَقْبَل على الرجلِ، فقال: أَهْدِ عنزًا عفراءَ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه كان يقولُ: ما أصاب المُحْرِمُ من شيءٍ لم يمضِ فيه حُكومةٌ (٢)، استقبل به، فيحكُمُ فيه ذوا عَدْلٍ. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يَعْلَى، عن عمرِو بن حُبْشيٍّ، قال: سمِعت رجلًا سأل عبدَ اللهِ بنَ عمرَ عن رجلٍ أصاب ولدَ أَرْنبٍ، فقال: فيه ولدُ ماعزٍ فيما أرى أنا. ثم قال لي: أكذاك؟ فقلت: أنت أعلمُ منى. فقال: قال اللهُ تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ وسهلُ بنُ يوسفَ، عن حميدٍ، عن بكرٍ، أن رجلين أَبْصَرا ظبيًا وهما مُحْرمان، فتراهنا، وجعل كلُّ واحدٍ منهما لمن

стр. 5982

سبَق إليه، فسبَق إليه أحدُهما، فرماه بعصاه، فقتَله، فلما قدِما مكةَ، أتيا عمرَ يختصِمان إليه، وعندَه عبدُ الرحمنِ بن عوفٍ، فذكَرا ذلك له، فقال عمرُ: هذا قِمارٌ، ولا أجيزُه. ثم نظَر إلى عبدِ الرحمنِ، فقال: ما ترى؟ قال: شاةً. فقال عمرُ: وأنا أرى ذلك. فلما قفَّى الرجلان من عندِ عمرَ، قال أحدُهما لصاحبَه: ما درَى عمرُ ما يقولُ حتى سأل الرجلَ. فردَّهما عمرُ، فقال: إن الله تعالى لم يرضَ بعمرَ وحدَه فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وأنا عمرُ، وهذا عبدُ الرحمنِ [بنُ عوف] (١). وقال آخَرون: بل ينظُرُ العَدْلان إلى الصيدِ المقتولِ، فيقوِّمانِه قيمتَه دراهمَ، ثم يأمُران القاتلَ أن يشترِىَ بذلك من النعمِ هديًا. فالحاكمان يَحْكُمان في قول هؤلاءِ بالقيمةِ، وإنما يُحتاجُ إليهما لتقويمِ الصيدِ قيمتَه في الموضعِ الذي أصابه فيه. وقد ذكَرنا عن إبراهيمَ النخعيِّ فيما مضى قبلُ أنه كان يقولُ: ما أصاب المحرمُ من شيءٍ حُكم فيه قيمتُه (٢). وهو قولُ جماعةٍ من مُتَفقهةِ الكوفيِّين. وأما قولُه: ﴿هَدْيًا﴾. فإنه مُصدرٌ على الحالِ من "الهاءِ" التي في قولِه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾. وقولُه: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. من نعتِ الهَدْيِ وصفتِه. وإنما جاز أن يُنعتَ به (٣) وهو مضافٌ إلى معرفةٍ؛ لأنه في معنى النكرةِ. وذلك أن معنى قوِله: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾: يبلُغُ الكعبةَ. فهو وإن كان مضافًا، فمعناه التنوينُ؛ لأنه بمعنى

стр. 5983

الاستقبال (١). وهو نظيرُ قولِه: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. فوصَف بقوله: ﴿مُمْطِرُنَا﴾. عارضًا؛ لأن في: "ممطرنا" (٢) معنى التنوينِ؛ لأن تأويلَه الاستقبالُ، فمعناه (٣): هذا عارضٌ يمطِرُنا. فكذلك ذلك في قولِه: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أو عليه كفَّارةٌ طعامُ مساكينَ. و الكفَّارةُ معطوفةٌ على الجزاءِ في قولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. واخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (أَوْ كَفَّارَةُ طعامِ مَساكِينَ). بالإضافةِ (٤). وأما قرأةُ أهلِ العراقِ، فإن عامَّتَهم قرءوا ذلك بتنوينِ الكفَّارة ورفعِ الطعامِ: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (٥). وأَوْلَى القراءتين في ذلك عندَنا بالصوابِ قراءةُ من قرأ بتنوينِ الكفَّارةِ ورفعِ الطعامِ (٦)؛ للعلةِ التي ذكَرناها في قولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٧). واخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك أن القاتلَ وهو محرمٌ، صيدًا عمدًا، لا يخلُو من وجوبِ بعضِ

стр. 5984

هذه الأشياء الثلاثة التي ذكَر اللهُ تعالى؛ من مثلِ المقتولِ هَدْيًا بالغَ الكعبة، أو طعامِ مساكينَ كفَّارةً لما فعل، أو عدلِ ذلك صيامًا، لا أنه مُخيَّرٌ في أيِّ ذلك شاء فعَل، وأنه بأيِّها كان كفَّر، فقد أدَّى الواجبَ عليه. وإنما ذلك إعلامٌ من اللهِ تعالى عبادَه أن قاتلَ ذلك، كما وصَف، لن يخرُجَ حكمُه من إحدى الخلالِ الثلاثةِ. قالوا: فحكمُه إن كان على المِثْلِ قادرًا أن يُحْكَمَ عليه بمثلِ المقتولِ من النَّعمِ، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك ما دام للمِثْلِ واجدًا. قالوا: فإن لم يكنْ له واجدًا، أو لم يكنْ للمقتولِ مثلٌ من النَّعمِ، فكفَّارتُه حينَئذٍ إطعامُ مساكينَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾. قال: إذا قتَل المحرمُ شيئًا من الصيدِ حُكِم عليه فيه، فإن قتَل ظبيًا أو نحوَه، فعليه شاةٌ تُذْبَحُ بمكةَ، فإن لم يجِدْ فإطعامُ ستةِ مساكينَ، فإن لم يجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ، وإن قتَل إيَّلًا أو نحوَه، فعليه بقرةٌ، فإن لم يجدْ (١) أَطْعَم عشرين مسكينًا، فإن لم يجدْ صام عشرين يومًا، وإن قتَل نعامةً أو حمارَ وحشٍ أو نحوَه، فعليه بَدَنَةٌ من الإبلِ، فإن لم يجد أَطْعَم ثلاثين مسكينًا، فإن لم يجدْ صام ثلاثين يومًا، والطعامُ مُدٌّ مُدٌّ، شِبَعَهم (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 5985

أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. إلى قولِه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: فالكفَّارة من قتَل ما دونَ الأرنبِ إطعامٌ (١). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا أصاب المحرمُ الصيدَ حُكم عليه جزاؤُه من النَّعمِ، فإن وجَد جزاءَه ذبَحه فتصدَّق به، وإن لم يجدْ جزاءَه، قُوِّم الجزاءُ دراهمَ، ثم قُوِّمت الدراهمُ حِنْطَةً، ثم صام مكانَ كلِّ نصفِ (٢) صاعٍ يومًا. قال: إنما أُرِيد بالطعامِ الصومُ، فإذا وجَد طعامًا وجَد جزاءً. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن زُهير، عن جابرٍ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ وعامرٍ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. قال: إنما الطعامُ لمن لم يَجِدِ الهَدْيَ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه كان يقولُ: إذا أصاب المحرمُ شيئًا من الصيدِ، عليه جزاؤُه من النعمِ، فإن لم يجدْ، قُوِّم (٣) الجزاءُ دراهمَ، ثم قُوِّمت الدراهمُ طعامًا، ثم صام لكلِّ نصفِ صاعٍ يومًا (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، قال: إذا أصاب المُحْرِمُ الصيدَ، فحكم عليه، فإن فضَل منه ما لا يُتمُّ نصفِ صاعٍ، صام له يومًا، ولا

стр. 5986

يكونُ الصومُ إلا على من لم يجدْ ثمنَ هَدْيِ فيُحْكَمُ عليه الطعامُ، فإن لم يكنْ عندَه طعامٌ يتصدَّقُ به، حُكم عليه الصومُ، فصام مكانَ كلَّ نصفِ صاعٍ يومًا، ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾. قال: فيما لا يبلُغُ ثَمَنَ هَدْيٍ، ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. من الجزاءِ إذا لم يجدْ ما يشترى به هَدْيًا، أو ما يَتصدَّقُ به، مما لا يبلُغُ ثمنَ هَدْي، حُكِم عليه الصيامُ مكانّ كلِّ نصفِ صاعٍ يومًا. حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: عليه من النَّعم مثلُه هديًا بالغَ الكعبة، ومن لم يَجِد، ابتاع قيمتَه (١) طعامًا، فيُطْعِمُ كل مسكينٍ مُدَّين، فإن لم يجدْ صام عن كلِّ مُدَّين يومًا (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. إلى قولِه: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾. قال: إذا قتَل صيدًا، فعليه جزاؤُه مثلُ ما قتَل من النعمِ، فإن لم يجدْ ما (٣) حُكِم عليه، قوِّم (٤) الفداءُ: كم هو درهمًا؟ و (٥) قدِّر ثمنُ ذلك بالطعامِ على المسكينِ، فصام عن كلِّ مسكينٍ يومًا، ولا يحِلُّ طعامُ المسكينِ؛ لأنَّ من وجَد طعامَ المسكينِ فهو يجدُ الفداءَ. حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قال لي الحسنُ

стр. 5987

ابن مسلمٍ: من أصاب الصيدَ فيما (١) جزاؤُه شاةٌ، فذلك الذي قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وما كان من كفَّارة بإطعامِ مساكينَ، مثلُ (٢) العصفورِ يُقْتَلُ ولا يبلُغُ أن يكونَ فيه هَدْىٌ، ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. قال: عَدْلُ النعامةِ أو (٣) العصفورِ، أو عدلُ ذلك كلِّه. فذكَرت ذلك لعطاءٍ، فقال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أَوْ، أَوْ". فلصاحبِه أن يختارَ ما شاء (٤). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا سفيانُ بنُ حسينٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾: فإن لم يجدْ جزاءٌ قوِّم عليه الجزاءُ طعامًا، ثم صام لكلِّ صاعٍ يومين. وقال آخَرون: معنى ذلك أن للقاتلِ صيدًا عمدًا وهو محرمٌ، الخيارَ بينَ إحدى الكفَّاراتِ الثلاثِ، وهى الجزاءُ بمثلِه من النَّعمِ، والطعامُ، والصومُ. قالوا: وإنما تأويلُ قولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ - ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾: فعليه أن يَجْزِى بمثلِه من النَّعم، أو يُكفِّرَ بإطعامِ مساكينَ، أو بعدلِ الطعامِ من الصيامِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا هنَّادٌ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. قال: إن أصاب إنسانٌ

стр. 5988

محرمٌ نعامةً، فإن له - وإن كان ذا يَسَارٍ - أن يُهْدِيَ ما شاء جَزُورًا، أو عَدْلَها طعامًا، أو عَدْلَها صياما. قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: أَوْ، أَوْ". فلْيَختَرْ منه صاحبه ما شاء (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حجَّاجٌ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال: ما كان في القرآنِ "أَوْ كذا، أَوْ كذا" فصاحبُه فيه بالخيارِ، أيَّ ذلك شاء فعَل (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أسباطُ وعبدُ الأعلى، عن داودَ، عن عكرمةَ، قال: ما كان في القرآنِ: "أَوْ، أَوْ"؛ فهو فيه بالخيارِ، [وما كان] (٣): "فمن لم يجدْ"، فالأولُ (٤)، ثم الذي يليه (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن عمرٍو، عن الحسنِ مثلَه (٦). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا ليثٌ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ أنهما قالا في قولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قالا: ما كان في القرآنِ: "أَوْ كذا، أَوْ كذا. فصاحبُه فيه بالخيارِ، أيَّ ذلك شاء فعَل (٧). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحاكِ، ما كان في القرآنِ أَوْ كذا، أَوْ كذا"، فصاحبُه فيه بالخيارِ، أيَّ ذلك شاء فعَل.

стр. 5989

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا أبو حُرَّة (١)، عن الحسنِ، قال: وأخبرنا عبيدةُ، عن إبراهيمَ، قالا: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أَوْ، أَوْ". فهو بالخيار، أيَّ ذلك شاء فعَل. حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا حفصٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: أَوْ، أَوْ". فصاحبُه مخيَّرٌ فيه، وكلُّ شيءٍ: "فمن لم يجدُ". فالأولُ، ثم الذي يليه (٢). واختلف القائلون بتخيير قاتلِ الصيدِ من المُحْرمين بينَ الأشياءِ الثلاثةِ، في صفةِ اللازمِ له من التكفيرِ بالإطعامِ والصومِ، إذا اختار الكفَّارة بأحِدهما دونَ الهَدْي؛ فقال بعضُهم: إذا اختار التكفيرَ بذلك، فإن الواجبَ عليه أن يقوِّمَ المِثْلَ من النَّعَمِ طعامًا، ثم يصومَ مكانَ كلِّ مُدٍّ يومًا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا هنَّادٌ، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قلتُ العطاءٍ: ما: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾؟ قال: إن أصاب ما عَدْلُه شاةٌ، أُقِيمت الشاةُ طعامًا، ثم جعَل مكانَ كلِّ مُدٍّ يومًا يصومُه (٣). وقال آخرون: بل الواجبُ عليه إذا أراد التكفيرَ بالإطعامِ أو الصومِ، أن يقوِّمَ الصيدَ المقتولَ طعامًا، ثم الصدقةَ (٤) بالطعامِ إن اختار الصدقةَ، وإن اختار الصومَ صام.

стр. 5990

ثم اخْتلَفوا أيضًا في الصومِ؛ فقال بعضُهم: يصومُ لكلِّ مدٍّ يومًا. وقال آخَرون: يصومُ مكانَ كلِّ نصفِ صاعٍ يومًا. وقال آخرون: يصومُ مكانَ كلِّ صاعٍ يومًا. ذكرُ من قال: المتُقوَّمُ للإطعامِ هو الصيدُ المقتولُ حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ الآية. قال: كان قتادةُ يقولُ: يحكُمان في النَّعمِ، فإن كان ليس عنده (١) ما يبلُغُ ذلك، نظَروا ثمنَه فقوَّموه طعامًا، ثم صام مكانَ كلِّ صاعٍ يومين. وقال آخرون: لا معنى للتكفيرِ بالإطعامِ؛ لأن من وجَد سبيلًا إلى التكفيرِ بالإطعامِ، فهو واجدٌ إلى الجزاءِ بالمثلِ من النَّعمِ سبيلًا، ومن وجدَ إلى الجزاءِ بالمثلِ من النعمِ سبيلًا، لم يُجزِئْه التكفيرُ بغيرِه. قالوا: وإنما ذكَر اللهُ تعالى ذكرُه الكفَّارةَ بالإطعامِ في هذا الموضعِ ليدُلَّ على صفةِ التكفيرِ بالصومِ، [لا أنه] (٢) جعَل التكفيرَ بالإطعامِ إحدى الكفَّاراتِ التي يُكَفَّرُ بها قتلُ الصيدِ. وقد ذكَرنا تأويلَ ذلك فيما مضَى قبلُ (٣). وأولى الأقوالِ بالصوابِ عندى في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. أن يكونَ مرادًا به: فعلى قاتلِه متعمِّدًا مثلُ الذي قتَل من النَّعمِ، لا القيمةُ، إن اختار أن يَجزيَه بالمثلِ من النَّعمِ؛ وذلك أن القيمةَ إنما هي من الدنانيرِ أو الدراهمِ، والدراهمُ أو الدنانير ليست للصيدِ بمثلٍ، واللهُ تعالى إنما أَوْجَب الجزاءَ مثلًا من النعمِ.
следующие страницы →