← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، قال: طعامُ البحرِ ما فيه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن حُريثٍ، عن عكرمة: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: ما جاء به البحرُ [بموْجِه هكذا] (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن حسنِ بن صالحٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: طعامُه كلُّ ما صِيد منه. وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندَنا قولُ من قال: طعامُه ما قذَفه البحرُ، أو حَسَر عنه فوُجِد ميِّتًا على ساحلِه. وذلك أن الله تعالى ذكرُه ذكَر قبلَه صيدَ البحرِ (٢) الذي يصادُ، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. فالذي يجبُ أن يُعْطَفَ عليه في المفهومِ ما لم يُصَدُ منه، فيقالُ: أُحِلَّ لكم ما صِدتموه من البحرِ، وما لم تَصيدوه منه. وأما المليحُ فإنه ما كان منه مُلِّح بعدَ الاصطيادِ، فقد دخَل في جملةِ قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. فلا وجهَ لتكريرِه، إذ لا فائدةَ فيه وقد أَعْلَم عبادَه تعالى ذكرُه إحلالَه ما صِيد من البحرِ بقولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ - [فلا فائدةَ] (٣) أن يقالَ لهم بعدَ ذلك: ومليحُه الذي صِيد حلالٌ لكم. لأن ما صِيد منه فقد بيَّن تحليلَه، طريًّا كان أو مليحًا، بقولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. واللهُ يتعالى عن أن يخاطِبَ عبادَه بما لا يُفيدُهم به فائدةً. وقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ الذي قلنا خبرٌ، وإن كان بعضُ نقَلَتِه يقفُ

стр. 6022

به على ناقلِه عنه من الصحابِة، وذلك ما حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: "طعامُه ما لفَظه ميِّتًا فهو طعامُه" (١). وقد وقَف هذا الحديثَ بعضُهم على أبي هريرةَ. حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ في قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾. قال: طعامُه ما لفَظه ميتًا (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾: منفعةً لمن كان منكم مقيمًا أو حاضرًا في بلِده يستمتعُ بأكلِه ويَنْتَفِعُ به، ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. يقولُ: ومنفعةً أيضًا ومتعةً للسائرين من أرضٍ إلى أرضٍ، ومسافرين يتزوَّدونه في سفرِهم مليحًا. و "السَّيَّارَةِ" جمعُ سيَّارٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرني أبو إسحاقَ، عن عكرمةَ أنه قال في قولِه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال: لمن كان بحضرةِ البحرِ،

стр. 6023

﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ السَّفْرُ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾: ما قذَف البحرُ، وما يتزوَّدون في أسفارِهم من هذا المالحِ. يتأوَّلُها على هذا. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾: مملوحُ السمكِ، ما يتزوَّدون في أسفارِهم. حدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بن خالدٍ الرقيُّ، قال: ثنا مِسْكينُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حبيبٍ النجَّاريُّ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال: هم المُحْرِمون (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾: أما طعامُه فهو المالحُ، منه بلاغٌ يأكُلُ منه السيَّارُ (٣) في الأسفارِ. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال: طعامُه مالُحِه وما قذَف البحرُ منه، يتزوَّدُه المسافرُ. وقال مرةً أُخرى: مالُحِه وما قذَف البحرُ، فمالُحِه يتزوَّدُه المسافرُ.

стр. 6024

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾: يعنى المالحَ يتزوَّدُه. وكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك بما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: أهلُ القرى، ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال: أهلُ الأمصارِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾. قال: لأهلِ القرى، ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ قال: أهلُ الأمصارِ [وأجنابُ الناسِ] (٢) كلُّهم. وهذا الذي قاله مجاهدٌ من أن السيَّارة هم أهلُ الأمصارِ لا وجهَ له مفهومٌ، إلا أن يكون أراد بقوله: هم أهلُ الأمصار. هم المسافرون من أهل الأمصارِ، فيجبُ أن يدخُلَ في ذلك كلُّ سيَّارةٍ؛ مِن أهلِ الأمصارِ كانوا أو من أهلِ القرى، فأما السيَّارةُ فلا [نعْقِلُه: المقيمون] (٣) في أمصارهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. يعنى تعالى ذكرُه: وحرَّم اللهُ عليكم أيُّها المؤمنون صيدَ البَرَّ، ﴿مَا دُمْتُمْ

стр. 6025

حُرُمًا﴾. يقولُ: ما كنتم مُحْرِمين، لم تُحِلُّوا من إحرامِكم. ثم اخْتَلف أهلُ العلمِ في المعنى الذي عَنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك أنه حرَّم علينا كلَّ معاني صيدِ البرِّ؛ اصطيادٍ، وأكلٍ، وقتلٍ، وبيعٍ، وشراءٍ، وإمساكٍ، وتملُّكٍ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن يزيدَ بنُ أبي زيادٍ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ بن (١) نوفلٍ، عن أبيه، قال: حجَّ عثمانُ بنُ عفانَ، فحجَّ عليٌّ معه. قال: فأُتِى عثمانُ بلحمِ صيدٍ صاده حَلالٌ، فأكَل منه ولم يأكُلْ عليٌّ، فقال عثمانُ: واللهِ ما صِدْنا ولا أمَرنا ولا أشَرْنا. فقال عليٌّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عمرِو بن أبي قَيْسٍ، عن سِمَاكٍ، عن صُبيحِ بن عبدِ اللهِ العَبْسيِّ، قال: بعَث عثمانُ بنُ عفانَ أبا سفيانَ بنَ الحارثِ على العَروضِ (٣)، فنزل قُدَيْدَ (٤)، فمرَّ به رجلٌ من أهلِ الشامِ معه بازيٌّ وصقرٌ، فاستعاره منه، فاصطاد به من اليعاقيبِ (٥)، فجعَلهن في حظِيرةٍ، فلما مرَّ به عثمانُ طبَخهن، ثم قدمهنَّ إليه، فقال عثمانُ: كُلوا. فقال بعضُهم: حتى يجئَ عليُّ بنُ أبى

стр. 6026

طالب. فلما جاء فرأى ما بينَ أيديهم، قال عليٌّ: إنا لن نأكُلَ منه. فقال عثمانُ: ما لك لا تأكُلُ؟ فقال: هو صيدٌ، ولا يَحِلُّ أكله وأنا مُحْرِمٌ. فقال عثمانُ: بيِّنْ لنا. فقال عليٌّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. فقال عثمانُ: ونحن قتَلناه؟ فقرَأ عليه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ وعبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ القَنَّادُ، قالا: أخبرنا إسحاقُ (١) الأزرقُ، عن شريكٍ، عن سِمَاكِ بن حربٍ، عن صُبيحِ بن عبدِ اللهِ العَبْسيِّ، قال: اسْتَعمل عثمانُ بنُ عفَّانَ أبا سفيانَ بنَ الحارثِ على العَروضِ. ثم ذكَر نحوَه، وزاد فيه: قال: فمكَث عثمانُ ما شاء اللهُ أن يمكُثَ، ثم أُتِى فقيل له بمكةَ: هل لك في ابن أبي طالبٍ، أُهْدِيَ له صفيفُ (٢) حمارٍ فهو يأكُلُ منه! فَأَرْسَل إليه عثمانُ وسأله عن أكلِ الصفيفِ فقال: أما أنت فتأكُلُ، وأما نحن فتنهانا؟ فقال: إنه صِيد عامَ أول وأنا حَلالٌ، فليس عليَّ بأكلِه بأسٌ، وصِيد ذلك - يعنى اليعاقيب - وأنا مُحْرِمٌ، وذُبِحن وأنا حَرَامٌ (٣). حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ لم يكن يَرَى بأسًا بلحمِ الصيدِ للمحرمِ،

стр. 6027

وكرِهه عليُّ بنُ أبى طالبٍ، ﵄ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، أن عليًّا كرِه لحمَ الصيدِ للمحرِم على كلِّ حالٍ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بن أبى زيادٍ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ، أنه شهِد عثمانَ وعليًّا أُتِيا بلحمٍ، فأكَل عثمانُ، ولم يأكُلْ عليٌّ، فقال عثمانُ: أنحن صِدْنا، أو صِيد لنا؟ فقرأ عليٌّ هذه الآيةَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عمرُ بنُ أبي سَلَمةَ، عن أبيه، قال: حجَّ عثمانُ بنُ عفانَ، فحجَّ معه عليٌّ، فأُتِي بلحمِ صيدٍ صاده حلالٌ، فأكَل منه وهو مُحْرِمٌ، ولم يأكُلْ منه عليٌّ، فقال عثمانُ: إنه صِيد قبل أن نُحْرِمَ. فقال له عليٌّ: ونحن قد نزَلنا (٣) وأهالينا لنا حَلالٌ، أَفيَحْلُلْنَ لنا اليومَ (٤)؟ حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن (٥) عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللهِ بنُ الحارثِ بن نوفلٍ، أن عليًّا أُتِى بشقِّ عَجُزِ حمارٍ وهو محرمٌ، فقال: إني محرمٌ. حدَّثنا ابن بزَيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا سعيدٌ، عن يَعْلَى بن

стр. 6028

حكيمٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه كان يكرَهُه على كلِّ حالٍ ما كان محرمًا (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابن جريجٍ، قال: أخبرنا نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان يكرَهُ كلَّ شيءٍ من الصيدِ وهو حَرَامٌ، أُخِذ له أو لم يُؤْخَذُ له، وَشِيقةً (٢) وغيرَها (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، عن عبدِ اللهِ، قال: أخبرني نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان لا يأكُلُ الصيدَ وهو محرمٌ وإن صاده الحَلالُ (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني الحسنُ بنُ مسلمِ بن يَنّاقٍ، أن طاوسًا كان يَنْهى الحَرَامَ عن أكلِ الصيدِ، وَشِيقةً وغيرَها، صِيد له أو لم يُصَدْ له (٥). حدَّثنا عبد الأعلى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا الأشعثُ، قال: قال الحسنُ: إذا صاد الصيدَ ثم أَحْرَم، لم يأكُلْ من لحمِه حتى يَحِلَّ، فإن أكَل منه وهو محرمٌ، لم يرَ الحسنُ عليه شيئًا. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ وهارونُ، عن عَنْبسةَ، عن سالمٍ، قال:

стр. 6029

سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن الصيدِ يَصيدُه الحلالُ، أيأكُلُ منه المحرمُ؟ فقال: سأذكُرُ لك من ذلك؛ إن الله تعالى ذكرُه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. فنهى عن قتلِه، ثم قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. ثم قال تعالى ذكرُه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال: يأتى الرجلُ أهلَ البحرِ فيقولُ: أَطْعِموني. فإن قال: غَرِيضًا أَلْقَوا شبكتَهم فصادوا له، وإن قال: أَطْعِمونى من طعامِكم. أَطْعَموه من سمكِهم المالحِ، ثم قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. وهو عليك حَرَامٌ، صِدْتَه، أو صاده حلالٌ. وقال آخرون: إنما عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. ما اسْتَحدث المحرمُ صيدَه في حالِ إحرامِه أو ذبَحَه، أو اسْتُحدِث له ذلك في تلك الحالِ؛ فأما ما ذبَحه حَلالٌ وللحلالِ، فلا بأسَ بأكلِه للمحرمِ، وكذلك ما كان في مِلْكِه قبلَ حالِ إحرامِه، فغيرُ محرَّمٍ عليه إمساكُه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرٌ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا سعيدٌ، قال: ثنا قتادةُ، أن سعيدَ بنَ المسيَّبِ حدَّثه عن أبي هريرةَ، أنه سُئِل عن لحمِ صيدٍ صاده حلالٌ، أيأكُلُه المحرمُ؟ قال: فأفتاه هو بأكلِه، ثم لَقِى عمرَ بنَ الخطابِ، فأَخْبَره بما كان من أمرِه، فقال: لو أفتيتَهم بغير هذا لأَوْجَعتُ لك رأسَك (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبيُّ، قال: ثنا أبو عوانةَ، عن عمرَ بن أبي سَلَمَةَ، عن أبيه، قال: نزَل عثمانُ بنُ عفانَ العَرْجَ (٢) وهو محرمٌ، فأَهْدَى صاحبُ العَرْجِ له قَطًا (٣).

стр. 6030

قال: فقال لأصحابِه: كُلُوا؛ فإنه إنما اصْطِيد على اسمى. قال: فأكَلوا ولم يأكُلْ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، أن أبا هريرةَ كان بالرَّبَذَةِ، فسألوه عن لحمِ صيدٍ صاده حلَالٌ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن بَزيعٍ، عن بشرٍ. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، عن عمرَ نحوَه. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الشعثاءِ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن لحمِ صيدٍ يُهْدِيه الحلَالُ إلى الحَرَامِ، فقال: أكَله عمرُ، وكان لا يرى به بأسًا. قال: قلتُ: تأكُلُه؟ قال: عمرُ خيرٌ منى (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن أبي الشعثاءِ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن صيدٍ صاده حلَالٌ، يأكُلُ منه حرامٌ؟ قال: كان عمرُ يأكُلُه. قال: قلتُ: فأنتَ؟ قال: كان عمرُ خيرًا منى. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَديٍّ، عن هشامٍ، عن يحيى، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: استفتانى رجلٌ من أهلِ الشامِ في لحمِ صيدٍ أصابه وهو محرمٌ، فأمَرتُه أن يأكُلَه، فأتيتُ عمرَ بن الخطابِ فقلت له: إن رجلًا من أهلِ الشامِ استفتانى في لحمِ صيدٍ أصابه وهو محرمٌ. قال: فما أفتيتَه؟ قال: قلتُ: أفتيتُه أن يأكُلَه. قال: فوالذي نفسي بيدِه، لو أفتيتَه بغيرِ ذلك لعلوتُكَ بالدِّرَّةِ. وقال عمرُ:

стр. 6031

إنما نُهِيتَ أن تصطادَه (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا خارجةُ، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، عن عطاءٍ، عن كعبٍ، قال: أَقْبَلتُ في أُناسٍ مُحْرِمِينَ، فَأَصَبْنا لحمَ حمارِ وَحْشٍ، فسألني الناسُ عن أكلِه، فأفتيتُهم بأكلِه وهم محرمون، فقدِمنا على عمرَ، فأَخْبَروه أنى أفتيتُهم بأكلِ حمارِ الوحشِ وهم محرمون، فقال عمرُ: قد أمَّرتُه عليكم حتى ترجِعوا (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: مررتُ بالرَّبَذةِ، فسألني أهلُها عن المحرمِ يأكُلُ ما صاده الحَلالُ، فأفتيتُهم أن يأكُلوا، فلقِيتُ عمر بنَ الخطابِ، فذكرتُ ذلك له، قال: فبمَ أفتيْتَهم؟ قال: أفتيتُهم أن يأكُلوا. قال: لو أفتيتَهم بغيرِ ذلك لخالفتُك (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن يونسَ، عن أبي الشعثاءِ الكِنْديِّ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: كيف ترى في قومِ حَرَامٍ، لقُوا قومًا حلالًا ومعهم لحمُ صيدٍ، فإما باعوهم، وإما أَطْعَموهم؟ فقال: حَلالٌ. حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا هشامٌ - يعنى ابنَ عروةَ - قال: ثنا عروةُ، عن يحيى بن عبدِ الرحمنِ بن حاطبٍ، أن عبدَ الرحمنِ حدَّثه، أنه اعْتَمر مع عثمانَ بن عفانَ في ركبٍ فيهم عمرُو بنُ العاصِ

стр. 6032

حتى نزَلوا بالرَّوْحاءِ، فقُرِّب إليهم طيرٌ وهم مُحْرِمون، فقال لهم عثمانُ: كُلُوا فإنى غيرُ أكلِه. فقال عمرُو بنُ العاصِ: أتأمُرُنا بما لستَ أكلًا؟ فقال عثمانُ: إني لولا أظنُّ أنه اصطيد (١) من أجلى لأكَلتُ. فأكَل القومُ (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، أن الزبيرَ كان يتزوَّدُ لحومَ الوحشِ وهو مُحرمٌ (٣). حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبرنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن سِمَاكِ بن حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ما صِيد أو ذُبح وأنت حَلالٍ، فهو لك حلَالٌ، وما صِيد أو ذُبِح وأنت حَرَامٌ، فهو عليك حرامٌ (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ما صِيد من شيءٍ وأنت حرامٌ، فهو عليك حرامٌ، وما صِيد من شيءٍ وأنت حلالٌ، فهو لك حلالٌ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾: فجعَل الصيدَ حرامًا على المحرمِ؛ صيده وأكلَه ما دام حرامًا، وإن كان الصيدُ صِيد قبلَ أن يُحْرِمَ الرجلُ فهو حلَالٌ، وإن صاده حَرامٌ لحلالٍ، فلا يَحِلُّ له أكلُه (٥).

стр. 6033

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: سألتُ أبا بشرٍ عن المحرمِ يأكُلُ مما صاده حلالٌ. قال: كان سعيدُ بنُ جبيرٍ ومجاهدٌ يقولان: ما صيد قبلَ أن يُحْرِمَ أكَل منه، وما صِيد بعد ما أَحْرم لم يأكُلْ منه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابن جريجٍ، قال: كان عطاءٌ يقولُ إذا سُئِل في العلانيةِ: أيأكُلُ الحرامُ الوَشِيقةَ والشيءَ اليابسَ؟ يقولُ بينى وبينَه: لا أستطيعُ أن أُبيِّنَ لك في مجلسٍ؛ إِن ذُبِح قبلَ أن تُحْرِمَ فَكُلْ، وإلا فلا تَبِعْ لحمَه ولا تَبْتَعُ. وقال آخرون: إنما عَنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾: وحرِّم عليكم اصطيادُه. قالوا: فأما شراؤُه من مالكٍ يَمْلِكُه وذبحُه وأكلُه بعدَ أن يكونَ مِلْكُه إيَّاه على غيرِ وجهِ الاصطيادِ له، وبيعُه وشراؤُه جائزٌ. قالوا: والنهيُ من اللهِ تعالى ذكرُه عن صيدِه في حالِ الإحرامِ دونَ سائرِ المعانى. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنُ شَبُّويَه، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: أخبرني يحيى، أن أبا سَلَمَةَ اشترى قطًا وهو بالعَرْجِ وهو محرمٌ، ومعه محمدُ بنُ المُنْكدرِ، فأكلَها (١)، فعاب عليه ذلك الناسُ. والصوابُ في ذلك من القولِ عندَنا أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه عمَّ تحريمَ كلِّ معاني صيدِ البرِّ على المحرمِ في حالِ إحرامِه، من غيرِ أن يَخُصَّ من ذلك شيئًا دونَ شيءٍ، فكلُّ معاني الصيدِ حرامٌ على المحرمِ ما دام حرامًا؛ بيعه وشراؤُه واصطيادُه وقتلُه، وغيرُ ذلك من معانيه، إلا أن يجدَه مذبوحًا قد ذبَحه حلَالٌ لحلالٍ، فيحِلُّ له

стр. 6034

حينَئذٍ أكلُه؛ للثابت من الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ الذي حدَّثناه يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابن جريجٍ، وحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا مكيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ جُريجٍ، قال: أخبرني محمدُ بنُ المنكدِرِ، عن معاذِ بن عبدِ الرحمنِ بن عثمانَ، عن أبيه عبدِ الرحمنِ بن عثمانَ، قال: كنا مع طلحةَ بن عبيدِ اللهِ ونحن حُرُمٌ، فأُهْدِى لنا طائرٌ، فمنا من أكَل، ومنا من تورَّع فلم يأكُلْ، فلما استيقظ طلحةُ وفَّق (١) من أكَل، وقال: أكَلناه مع رسولِ اللهِ ﷺ (٢). فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما رُوِى عن الصَّعْبِ بن جَثَّامَةَ، أَنه أَهْدَى إِلَى رسولِ اللهِ ﷺ رِجْلَ حمارِ وحشٍ يقطُرُ دمًا، فردَّه فقال: "إنا حُرُمٌ" (٣). وفيما رُوى عن عائشةَ، أن وَشِيقةَ ظَبْيٍ أُهدِيت إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو محرمٌ، فردَّها (٤). وما أَشْبَهَ ذلك من الأخبارِ؟ قيل: إنه ليس في واحدٍ من هذه الأخبارِ التي جاءت بهذا المعنى بيانٌ أن رسولَ اللهِ ﷺ ردَّ من ذلك ما ردَّ، وقد ذبَحه الذابحُ إذ ذبَحه وهو حلَالٌ لحلَالٍ، ثم أَهْدَاه إلى رسول الله ﷺ وهو حَرَامٌ، فردَّه، وقال: "إنه لا يحِلُّ لنا لأنا حُرُمٌ". وإنما ذُكِر فيه أنه أُهْدِى لرسولِ اللهِ ﷺ لحمُ صيدٍ فردَّه، وقد يجوزُ أن يكونَ ردُّه ذلك، من

стр. 6035

أجلِ أن ذابحَه ذبَحه أو صائدَه صاده من أجلِه ﷺ وهو محرمٌ، وقد بيَّن خبرُ جابرٍ عن النبيِّ ﷺ بقولِه: "لحمُ صيدِ البرِّ (١) للمحرمِ حلالٌ، إلا ما صاده أو صِيد له" (٢). معنى ذلك كلِّه. فإذ كان كلا الخبرين صحيحًا مخرجُهما، فواجبٌ التصديقُ بهما، وتوجيهُ كلِّ واحدٍ منهما إلى الصحيحِ من وجهٍ، وأن يقالَ: ردُّه ما ردَّ من ذلك من أجلِ أنه كان صِيد من أجلِه، وإذنُه في كلِّ ما أذِن في أكلِه منه، من أجلِ أنه لم يكنْ صِيد لمحرمٍ، ولا صاده محرمٌ، فيصحُّ معنى الخبرين كليهما. واخْتَلفوا في صفةِ الصيد الذي عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بالتحريمِ في قولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، فقال بعضُهم: صيدُ البرِّ كلُّ ما كان يعيشُ في البرِّ والبحرِ، وإنما صيدُ البحرِ ما كان يعيشُ في الماءِ دونَ البرِّ ويأوِى إليه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عِمْرانَ بن حُدَيرٍ، عن أبي مِجْلَزٍ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، قال: ما كان يعيشُ في البرِّ والبحرِ فلا تَصِدْه (٣)، وما كان حياتُه في الماءِ فذاك (٤). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا الحجَّاجُ، عن عطاءٍ،

стр. 6036

قال: ما كان يعيشُ في البرِّ فأصابه المحرمُ فعليه جزاؤُه، نحوَ السُّلَحْفاةِ والسَّرَطانِ والضفادعِ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عمرِو بن أبي قيسٍ، عن الحجَّاجِ، عن عطاءٍ، قال: كلُّ شيءٍ عاش في البرِّ والبحرِ فأصابه المحرمُ، فعليه الكفَّارةُ. حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن عبد الملكِ بن (٢) سعيدِ بن جبيرٍ، قال: خرَجنا حُجَّاجًا، معنا رجلٌ من أهلِ السوادِ، معه شُصُوصُ (٣) طيرِ ماءٍ، فقال له أبى حين أَحْرَمنا: اعزِلْ هذا عنا. وحدَّثنا به أبو كُريبٍ مرةً أخرى، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ يزيدَ بنَ أبي زيادٍ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن عطاءٍ، أنه كرِه للمحرمِ أن يذبَحَ الدَّجَاجَ الزَّنْجيَّ؛ لأن له أصلًا في البرِّ (٤). وقال بعضُهم: صيدُ البرِّ ما كان كونُه في البرِّ أكثرَ من كونِه في البحرِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ابن جريجٍ أخبَرَناه، قال: سألتُ عطاءً عن ابن الماء، أصيدُ برٍّ أم بحرٍ، وعن أشباهِه، فقال: حيث يكونُ أكثرَ،

стр. 6037

فهو صيدُه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني وكيعٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن عطاءِ بن أبي رَبَاحٍ، قال: أكثرُ ما يكونُ حيث يُفْرِخُ، فهو منه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾. وهذا تقدُّمٌ من اللهِ تعالى ذكرُه إلى خلقِه، بالحذرِ من عقابِه على معاصيه. يقولُ تعالى: واخْشَوُا الله أَيُّها الناسُ، واحْذَروه بطاعتِه فيما أمَركم به من فرائضِه، وفيما نهاكم عنه في هذه الآياتِ التي أَنْزَلها على نبيِّكم ﷺ ، من النهى عن الخمرِ والميسرِ والأنصابِ والأزلامِ، وعن إصابةِ صيدِ البرِّ وقتلِه في حالِ إحرامِكم، وفى غيرِها؛ فإن للهِ مصيرَكم ومرجِعَكم، فيعاقبُكم بمعصيتِكم إيَّاه، ومجازيكم، فمثيتُكم على طاعتِكم له.

стр. 6038

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾. يقول تعالى ذكره: صيَّر اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرامَ قِوَامًا للناسِ الذين لا قِوام لهم، من رئيسٍ يَحْجِزُ قويَّهم عن ضعيفِهم، ومسيئَهم عن محسنِهم، وظالمَهم عن مظلومِهم، ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾، فحجَز بكلِّ واحدٍ من ذلك بعضَهم عن بعضٍ، إذ لم يكنْ لهم قيامٌ غيرُه، وجعَلها معالمَ لدينِهم، ومصالحِ أمورِهم. والكعبةُ سُمِّيت - فيما قيل - كعبةً لتربيعِها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ (١)، قال: إنما سُمِّيت الكعبةَ لأنها مُرَبَّعةٌ (٢).

стр. 6039

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، عن أبي سعيدٍ المؤدِّبِ، عن النَّضْرِ بن عَرَبيٍّ، عن عكرمةَ، قال: إنما سُمَّيت الكعبةَ لتربيعِها (١). وقيل: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. بالياءِ، وهو من ذواتِ الواوِ؛ لكسرةِ القافِ، وهى فاءُ الفعلِ، فجُعِلت العينُ منه بالكسرةِ ياءً (٢)، كما قيل في مصدرِ قمتُ: قيامًا، وصمتُ: صيامًا، فحُوِّلت العينُ من الفعلِ وهى واوٌ ياءً؛ لكسرةِ فائِه، وإنما هو في الأصلِ: قمتُ قوامًا، وصمتُ صِوَامًا، وكذلك قولُه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. فحُوِّلت واوُها ياءً؛ إذ هي قِوَامٌ. وقد جاء ذلك من كلامِهم مَقُولًا على أصلِه الذي هو أصلُه، قال الراجزُ (٣): قِوامُ دُنْيَا وقِوَامُ دِينِ فجاء به بالواوِ على أصلِه. وجعَل تعالى ذكرُه الكعبةَ والشهرَ الحرامَ والهَدْيَ والقلائدَ قِوامًا لمن كان يحرِّمُ (٤) ذلك من العربِ ويعظِّمُه (٥)، بمنزلةِ الرئيسِ الذي يقومُ به أمرُ تُبَّاعِه. وأما الكعبةُ فالحَرَمُ كلُّه، وسمَّاها اللهُ تعالى ذكرُه حرامًا؛ لتحريمِه إيَّاها أن

стр. 6040

يُصادَ صيدُها، أو يُخْتَلى خَلاها (١)، أو يُعْضَدَ (٢) شجرُها. وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضى قبلُ (٣). وقولُه: ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل الشهرَ الحرامَ والهَدْيَ والقلائدَ أيضًا قيامًا للناسِ، كما جعَل الكعبةَ البيتَ الحرامَ لهم قيامًا. و "الناسُ" الذين جعَل ذلك لهم قيامًا مختلَفٌ فيهم؛ فقال بعضُهم: جعَل اللهُ ذلك في الجاهليةِ قيامًا للناسِ كلِّهم. وقال بعضُهم: بل عنَى به العربَ خاصةً. وبمثلِ الذي قلنا في تأويلِ القِوَامِ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال: عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. القِوامَ. على نحوِ ما قلنا حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا مَن سمِع خُصَيفًا يُحدِّثُ عن مجاهدٍ في: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. قال: قِوامًا للناسِ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدِ

стр. 6041

ابن جبيرٍ: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. قال: صلاحًا لدينِهم (١). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا داودُ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. قال: حينَ لا يرجُون جنةً، ولا يخافُون نارًا، فشدَّد اللهُ ذلك بالإسلامِ. حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن إسرائيلَ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ قولَه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. قال: شدَّةً لدينِهم. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. قال: قيامُها أن يأمَنَ مَن توجَّه إليها (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾: يعني قيامًا لدينِهم، ومعالِمَ لحجِّهم (٤).

стр. 6042

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينُ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾: جعَل اللهُ هذه الأربعةَ قيامًا للناسِ، هو قِوامُ أمرِهم (١). وهذه الأقوالُ وإن اخْتَلفت من قائلِها ألفاظُها، فإن معانيَها آيلةٌ إلى ما قلنا في ذلك، من أن (٢) القِوامَ للشيءِ هو الذي به صلاحُه، كما الملِكُ (٣) الأعظمُ قِوامُ رعيتِه ومَن في سلطانِه؛ لأنه مدبِّرُ أمرِهم، وحاجزُ ظالِمهم عن مظلومِهم، والدافعُ عنهم مكروهَ مَن بغاهم وعاداهم، وكذلك كانت الكعبةُ والشهرُ الحرامُ والهَدْيُ والقلائدُ قِوامَ أمرِ العربِ الذي كان به صلاحُهم في الجاهليةِ، وهى في الإسلامِ لأهلِه معالمُ حجِّهم ومناسكِهم، ومتوجَّهُهم لصلاتِهم، وقِبْلتُهم التي باسْتقْبالِها يَتِمُّ فرضُهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قالت جماعةُ أهلِ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾: حواجزَ أبقاها اللهُ بينَ الناسِ في الجاهليةِ، فكان الرجلُ لو جرَّ كلَّ جريرةٍ، ثم لجأ إلى الحرَمِ، لم يُتناوَلْ، ولم يُقْرَبْ، فكان الرجلُ لو لَقِى قاتلَ أبيه في الشهرِ الحرامِ، لم يعرِضْ له، ولم يَقْرَبْه، وكان الرجلُ إذا أراد البيتَ تقلَّد قلادةً من شَعَرِ، فَأَحْمَته (٤) ومنَعتْه من الناسِ، وكان إذا نَفَرَ تقلَّد قِلادةً من

стр. 6043

الإِذْخِرِ (١)، أو من لحاءِ السَّمُرِ (٢)، فمنعَتْه من الناسِ حتى يأتيَ أهلَه؛ حواجزٌ أبقاها اللهُ بينَ الناسِ في الجاهليةِ (٣). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾. قال: كان الناسُ كلُّهم فيهم ملوكٌ تدفَعُ بعضَهم عن بعضٍ. قال: ولم يكنْ في العربِ ملوكٌ تدفَعُ بعضهم عن بعضٍ، فجعَل اللهُ تعالى ذكرُه لهم البيتَ الحرامَ قيامًا، يدفَعُ بعضَهم عن بعضٍ به، والشهرَ الحرامَ كذلك، يدفَعُ اللهُ (٤) بعضَهم عن بعضٍ بالأشهرِ الحُرُمِ والقلائدِ. قال: ويَلْقَى الرجلُ قاتلَ أخيه أو ابن عمِّه فلا يَعْرِضُ له، وهذا كلُّه قد نُسِخ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾: كان ناسٌ يتقلَّدون لحاءَ الشجرِ في الجاهليةِ إذا أرادوا الحجَّ، فيُعْرَفون بذلك. وقد أتينا على البيانِ عن ذكرِ "الشهرِ الحرامِ" و "الهَدْيِ" و "القلائدِ" فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٦).

стр. 6044

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: تصييرَه الكعبةَ البيتَ الحرامَ قيامًا للناسِ والشهرَ الحرامَ والهَدْىَ والقلائدَ. يقولُ تعالى ذكرُه: صيَّرتُ لكم أيُّها الناسُ ذلك (١) قيامًا، كي تعلَموا أن مَن أَحْدَث لكم لمصالحِ دنياكم ما أَحْدَث مما به قِوامُكم، علمًا (٢) منه بمنافعِكم ومضارِّكم، أنه كذلك يعلَمُ جميعَ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، مما فيه صلاحُ عاجلِكم وآجلِكم، ولتعلَموا أنه بكلِّ شيءٍ عليمٌ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من أمورِكم وأعمالِكم، وهو مُحْصِيها عليكم، حتى يجازيَ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ منكم بإساءتِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اعْلَموا أَيُّها الناسُ أن ربَّكم الذي يعلَمُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، ولا يَخْفَى عليه شيءٌ من سرائرِ أعمالِكم وعلانيتِها، وهو يُحْصِيها عليكم ليجازيَكم بها - شديدٌ عقابُه من عصاه وتمرَّد عليه، على معصيتِه إياه، وهو غفورٌ لذنوبَ مَن أطاعه وأناب إليه، فساترٌ عليه، وتاركٌ فضيحتَه بها، رحيمٌ به أن يعاقبَه على ما سلف من ذنوبِه، بعدَ إنابتِه وتوبتِه منها. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾. وهذا مِن اللهِ تعالى ذكرُه تهديدٌ لعبادِه ووعيدٌ، يقولُ تعالى ذكرُه: ليس على

стр. 6045

رسولِنا الذي أَرْسَلناه إليكم أيُّها الناسُ بإنذارِكم عقابَنا، بينَ يَدَيْ عذابٍ شديدٍ، وإعذارِنا إليكم بما فيه قطعُ حُجَجِكم، إلا أن يؤدِّيَ إليكم رسالتَنا، ثم إلينا الثوابُ على الطاعةِ، وعلينا العقابُ على المعصيةِ. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾. يقولُ: وغيرُ خَفيٍّ علينا المطيعُ منكم، القابلُ رسالَتَنا، العاملُ بما أمَرتُه بالعملِ به، من [العاصى الآبي رسالتَنا] (١)، التاركِ العملَ بما أمَرتُه بالعملِ به؛ لأنا نعلَمُ ما عمِله العاملُ منكم، فأَظْهَره بجوارحِه، ونطَق به بلسانِه، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾. يعني: ما تُخْفونه في أنفسِكم؛ من إيمانٍ وكفرٍ، أو يقينٍ وشكٍّ ونفاقٍ. يقولُ تعالى ذكرُه: فمن كان كذلك لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ضمائرِ الصدورِ، وظواهرِ أعمالِ النفوسِ، مما في السماواتِ وما في الأرضِ، وبيده الثوابُ والعقابُ، فحقيقٌ أن يُتَّقَى، وأن يُطاعَ فَلا يُعْصَى. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل يا محمدُ: لا يَعْتَدِلُ الردئُ والجيِّدُ، والصالحُ والطالحُ، والمطيعُ والعاصى، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾. يقولُ: لا يعتدلُ العاصى والمطيعُ للهِ عندَ اللهِ، ولو كثر أهلُ المعاصى، فعجِبتَ من كثرتِهم؛ لأن أهلَ طاعةِ اللهِ هم المفلحون، الفائزون بثوابِ اللهِ يومَ القيامةِ، وإن قلُّوا، دونَ أهلِ معصيتِه، وإن أهلَ معاصيه هم الأخسرون الخائبون، وإن كثُروا. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ : فلا تَعْجَبَنَّ من كثرةِ مَن يَعصِى الله، فيُمْهِلُه ولا يُعاجِلُه بالعقوبةِ، فإن العُقْبى الصالحةَ لأهل طاعةِ اللهِ عندَه، دونَهم. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾. قال:

стр. 6046

الخبيثُ هم المشركون، والطيِّبُ هم المؤمنون (١). وهذا الكلامُ وإن كان مَخْرَجُه مَخْرَجَ الخطابِ لرسولِ اللهِ ﷺ ، فالمرادُ به بعضُ أتباعِه، يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: واتقوا الله بطاعتِه فيما أمَركم ونهاكم، واحْذَروا أن يستحوذَ عليكم الشيطانُ بإعجابِكم كثرةَ الخبيثِ، فتصيروا منهم، ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. يعنى بذلك: أهلَ العقولِ والحِجَا، الذين عقَلوا عن اللهِ آيَاتِه، وعرَفوا مواقعَ حُجَجِه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: اتقوا الله لِتُفْلحوا، أي: كي تُنْجِحوا في طَلِبَتِكم ما عندَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. ذُكِر أن هذه الآيةَ أُنْزِلت على رسولِ اللهِ ﷺ بسببِ مسائلَ كان يسألُها إيَّاه أقوامٌ امتحانًا له أحيانًا، واستهزاءً أحيانًا، فيقولُ له بعضُهم: مَن أبِى؟ ويقولُ له بعضُهم إذا ضلَّت ناقتُه: أين ناقتى؟ فقال لهم تعالى ذكرُه: لا تسألوا عن أشياءَ من ذلك، كمسألةِ عبدِ اللهِ بن حُذَافَةَ إِيَّاه من أبوه، ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. يقولُ: إنْ أَبْدَينا لكم حقيقةَ ما تسألون عنه ساءكم إبداؤُها وإظهارُها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك تظاهرتْ الأخبارُ عن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ .

стр. 6047

ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا [حفصُ بنُ بُغَيْلٍ] (١)، قال: ثنا زُهيرُ بنُ معاويةَ، قال: ثنا أبو الجُوَيْريةِ، قال: قال ابن عباسٍ لأعرابيٍّ من بني سُليمٍ: هل تَدْرِى فيما أُنْزِلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. حتى فرَغ من الآيةِ؟ فقال: كان قومٌ يسألون رسولَ اللهِ ﷺ استهزاءً، فيقولُ الرجلُ: مَن أبى؟ والرجلُ تَضِلُّ ناقتُه، فيقولُ: أينَ ناقتى؟ فأَنْزَل اللهُ فيهم هذه الآيةَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو عامرٍ وأبو داودَ، قالا: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: سأل الناسَ رسولَ اللهِ ﷺ حتى أَحْفَوه (٣) بالمسألةِ، فصعِد المنبرَ ذاتِ يومٍ، فقال: "لا تَسْأَلوني عن شيءٍ إلا بيَّنتُه لكم". قال أنسٌ: فجعلتُ أنظُرُ يمينًا وشِمالًا، فأَرَى كلَّ إنسانٍ لافًّا ثوبَه يَبْكى، فأَنْشَأ رجلٌ كان إذا لاحَى (٤) يُدْعَى إلى غيرِ أبيه، فقال: يا رسولَ اللهِ، مَن أبِى؟ فقال: "أبوك حُذَافةُ". قال: فأنشأ عمرُ، فقال: رضِينا باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ ﷺ رسولًا، وأعوذُ باللهِ من سوءِ الفتنِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لم أَرَ في (٥) الشرِّ والخيرِ كاليومِ قطُّ، إنه صُوِّرت ليَ الجنةُ والنارُ حتى رأيتُهما وراءَ الحائطِ". وكان قتادةُ يذكُرُ هذا الحديثَ عندَ هذه الآيةِ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٦).

стр. 6048

حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ البَحْرانيُّ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أَخْبَرنى موسى بنُ أنسٍ، قال: سمِعتُ أنسًا يقولُ: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، من أبي؟ قال: "أبوك فلانٌ". قال: فنزَلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: فحدَّثَنَا أن أنسَ بنَ مالكٍ حدَّثهم، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سألُوه حتى أحْفَوه بالمسألةِ، فخرَج عليهم ذاتَ يومٍ، فصعِد المنبرَ، فقال: "لا تَسْأَلوني اليومَ عن شيءٍ إلا بيَّنتُه لكم". فأَشْفَق أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ أن يكونَ بينَ يديه أمرٌ قد حضَر، فجعَلتُ لا ألتفتُ يمينًا ولا (٢) شمالًا إلا وجدتُ كُلًّا لافًّا رأسَه في ثوبِه يبكي، فَأَنْشَأ رجلٌ كان يُلاحَى فيُدْعَى إلى غيرِ أبيه، فقال: يا نبيَّ اللهِ، مَن أبي؟ قال: "أبوك حُذَافَةُ". قال: ثم قام (٣) عمرُ - أو قال: فأَنْشَأ عمرُ - فقال: رضينا باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ ﷺ رسولًا، عائدًا باللهِ - أو قال: أعوذُ باللهِ - من سوء الفتنِ. قال: وقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لم أَرَ في الخيرِ والشرِّ كاليومِ قطُّ، صُوِّرت ليَ الجنةُ والنارُ حتى رأيتُهما دونَ الحائطِ" (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا معاذُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا ابن عونٍ، قال: سألتُ عكرمةَ مولى ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 6049

آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: ذاك يومُ قام فيهم النبيُّ ﷺ ، فقال: "لا تَسْأَلوني عن شيءٍ إِلَّا أَخْبَرتُكم به". قال: فقام رجلٌ، فكرِه المسلمون مَقامَه يومَئذٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، مَن أبى؟ قال: "أبوك حذافةُ". قال: فنزَلت هذه الآيةُ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: نزَلت: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. في رجلٍ قال: يا رسولَ اللهِ، مَن أبى؟ قال: "أبوك فلانٌ" (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى سفيانُ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: سألوا النبيَّ ﷺ حتى أَكْثَرُوا عليه، فقام مُغْضَبًا خطيبًا، فقال: "سَلوني، فواللهِ لا تَسْأَلونى عن شيءٍ ما دمتُ في مقامي إلَّا حدَّثتُكم". فقام رجلٌ، فقال: إِلَّا مَن أبى؟ قال: "أبوك حُذافةُ". واشتد غضبُه وقال: "سَلوني". فلما رأى الناسُ ذلك كثُر بكاؤُهم، فجثا عمرُ على ركبتَيْه، فقال: رضِينا باللهِ ربًّا (٣). قال معمرٌ: قال الزهريُّ: قال أنسٌ مثلَ ذلك: فجثا عمرُ على ركبتَيْه، فقال: رضِينا باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ ﷺ رسولًا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا والذي نفسِي بيدِه، لقد صُوِّرتْ ليَ الجنةُ والنارُ آنفًا في عُرْضِ هذا الحائطِ، فلم أرَ كاليومِ في الخيرِ والشرِّ" (٤). قال [الزهريُّ: فقالت أمُّ عبدِ اللهِ بنُ حُذافةَ] (٥): ما رأيتُ ولدًا أعقَّ منك قطُّ،

стр. 6050

أتأمَنُ أن تكونَ أمُّك قارفت ما قارف أهلُ الجاهليةِ فتفضَحَها على رءوسِ الناسِ! فقال: واللهِ لو أَلْحَقنى بعبدٍ أسودَ للحِقتُه (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينُ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: غضب رسولُ اللهِ ﷺ يومًا من الأيامِ، فقام خطيبًا، فقال: "سَلوني فإنكم لا تَسْألوني عن شيءٍ إِلَّا أَنْبَأتُكم به". فقام إليه رجلٌ من قريشٍ من بنى سَهْمٍ، يقالُ له: عبدُ اللهِ بنُ حُذافةَ. وكان يُطْعَنُ فيه، قال: فقال: يا رسولَ اللهِ، مَن أبي؟ قال: "أبوك فُلانٌ". فدعاه لأبيه، فقام إليه عمرُ، فقبَّل رجلَه، وقال: يا رسولَ اللهِ، رضِينا باللهِ ربًّا، وبك نبيًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبالقرآنِ إمامًا، فاعفُ عنَّا عفا اللهُ عنك. فلم يَزَلْ به حتى رضِى، فيومَئذٍ قال: "الولد للفراشِ، وللعاهرِ الحَجَرُ" (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرةَ، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ وهو غَضْبانُ محمارٌّ وجهُه، حتى جلَس على المنبرِ، فقام إليه رجلٌ، فقال: أين أبي (٣)؟ قال: "في النارِ". فقام آخرُ فقال: مَن أبى؟ قال: "أبوك حُذَافَةُ". فقام عمرُ بنُ الخطابِ، فقال: رضِينا باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ ﷺ نبيًّا، وبالقرآنِ إمامًا، إِنَّا يا رسولَ اللهِ حديثُو عهدٍ بجاهليةٍ وشركٍ، واللهُ يعلَمُ مَن آباؤنا. قال: فسكَن غضبُه، ونزلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٤).

стр. 6051

وقال آخرون: نزَلتْ هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ من أجلِ مسألةِ سائلٍ سأَله عن شيءٍ في أمرِ الحجِّ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا منصورُ بنُ وَرْدانَ الأسديُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلى، قال: لما نزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. قالوا: يا رسولَ اللهِ، أفى كلِّ عامٍ؟ فسكَت، ثم قالوا: أفى كلِّ عامٍ؟ فسكَت، ثم قال: "لا، ولو قلتُ: نعم. لَوَجَبَتْ". فَأَنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا [عبدُ الرحيمِ] (٢) بنُ سليمانَ، عن إبراهيمَ بن مسلمٍ الهَجَريِّ، عن أبي (٣) عياضٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إن الله كتَب عليكم الحجَّ". فقال رجلٌ: أفى كلِّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟ فَأَعْرَض عنه، حتى عاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: "مَن السائلُ؟ ". فقال: فلانٌ. فقال: "والذي نفسي بيدِه، لو قلتُ: نَعَمْ. لوجبَتْ، ولو وجبَتْ عليكم ما أَطَقْتُموه، ولو ترَكتُموه لكفَرتُم". فأَنْزَل اللهُ هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، حتى ختمَ الآية (٤).

стр. 6052

حدَّثني محمدُ بنُ عليِّ بنُ الحسنِ (١) بن شَقيقٍ، قال: سمِعتُ أبي، قال: أخبَرنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن محمدِ بن زيادٍ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: خطَبنا رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: "يا أيُّها الناسُ، كتَب اللهُ عليكم الحجَّ". فقام مِحْصنٌ الأسديُّ (٢)، فقال: أفى كلِّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: "أما إنِّي لو قلتُ: نعم. لوجَبتْ، ولو وجَبتْ ثم ترَكتُم لضلَلتم، اسْكُتُوا عنى (٣) ما سكتُّ عنكم، فإنما هلَك مَن كان قبلَكم بسؤالِهم واختلافِهم على أنبيائِهم". فَأَنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إلى آخر الآيةِ (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن محمدٍ بن زيادٍ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: خطبنا رسولُ اللهِ ﷺ . فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: فقام عُكَّاشةُ بنُ مِحْصنٍ الأسديُّ (٥). حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا أبو زيدٍ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي الغَمْرِ (٦)، قال: ثنا أبو مُطيعٍ معاويةُ بنُ يحيى، عن صفوانَ بن عمرٍو، قال: ثنى سُليمُ بنُ عامرٍ، قال: سمِعتُ أبا أمامةَ الباهليَّ يقولُ: قام رسولُ اللهِ ﷺ في الناسِ فقال: "كُتِب عليكم الحجُّ". فقام رجلٌ من الأعرابِ، فقال: أفى كلِّ

стр. 6053

عامٍ؟ قال؟ قال فعَلِقَ (١) كلامُ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأَسْكَت (٢)، واسْتَغْضَب (٣)، فمكَث طويلًا، ثم تكلَّم، فقال: "مَن السائلُ؟ ". فقال الأعرابيُّ: أنا ذا. فقال: "وَيُحَك ماذا يُؤْمِنُك أن أقولَ: نَعَمْ. ولو قلتُ: نَعَمْ. لوجبتْ، ولو وجَبتْ لكفَرْتُم، ألَا إنه إنما أَهْلَك الذين قبلَكم أئمةُ الحَرَجِ، واللهِ لو أنى أحلَلْتُ لكم جميعَ ما في الأرضِ، وحَرَّمتُ عليكم منها موضِعَ خُفٍّ لوقَعتم فيه". قال: فأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه عندَ ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾: وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ أَذَّن في الناسِ، فقال: "يا قومِ، كُتِب عليكم الحجُّ". فقام رجلٌ من بني أسدٍ فقال: يا رسولَ اللهِ، أفي كلِّ عامٍ؟ فَأُغْضِب رسولُ اللهِ ﷺ غضبًا شديدًا، فقال: "والذي نفسُ محمدٍ بيدِه لو قلتُ: نعم. لوجَبتْ، ولو وجبَتْ ما استطعتُم، وإذَنْ لكفرتم، فاتركُونى ما ترَكتُكم، فإذا أمَرتُكم بشيءٍ فافعَلوا، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ فانتهُوا عنه". فأَنْزَل اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. نهاهم أن يَسْأَلوا عن مثلِ الذي

стр. 6054

سألتِ النَّصارى من المائدةِ، فأصبحُوا بها كافرين، فنهَى اللهُ تعالى عن ذلك، وقال: لا تَسْألوا عن أشياءَ إن نزَل القرآنُ فيها بتغليظٍ ساءكم ذلك، ولكن انتظِرُوا، فإذا نزل القرآنُ فإنكم لا تَسْأَلون عن شيءٍ إلا وجَدتم تِبيانَه (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، قال: ثنا على بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾. قال: لما أُنْزلت آيةُ الحجِّ، نادى النبيُّ ﷺ في الناس فقال: "يا أيُّها الناسُ، إن الله قد كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا. فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أعامًا واحدًا؟ أم كلَّ عامٍ؟ فقال: "لا، بل عاما واحدا، ولو قلتُ: كلَّ عامٍ. لوجَبتْ، ولو وجَبت لكفَرتم". فأنزل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: سألوا النبي ﷺ . عن أشياءَ فوعَظهم، فانتهَوْا (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: ذكرَ رسولُ اللهِ ﷺ الحجَّ، فقيل: أواجبٌ هو يا رسولَ اللهِ كلَّ عامٍ؟ قال: "لا، لو قلتُها لوجَبتْ، ولو وجَبتْ ما أَطَقْتُم، ولو لم تُطيقوا لكفَرتُم". ثم قال: "سَلُونى، فلا يسألُنى رجلٌ في مجلسِى هذا عن شيءٍ إلا أَخْبَرتُه، وإن

стр. 6055

سأَلني عن أبيه". فقام إليه رجلٌ، فقال: مَن أبى؟ قال: "أبوك حُذافةُ بنُ قيسٍ". فقام عمر فقال: يا رسولَ اللهِ، رَضِينا باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ ﷺ نبيًّا، ونعوذُ باللهِ من غضبِه، وغضبِ رسولِه (١). وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآية من أجلِ أنهم سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن البَحِيرة والسائبةِ والوَصِيلةِ والحامى. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشَّهِيدِ، قال: ثنا عتَّابُ بنُ بَشِيرٍ، عن خُصَيفٍ عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾. قال: هي البَحِيرةُ والسائبةُ والوصيلةُ والحامِ، ألَا تَرى أنه يقولُ بعدَ ذلك: ما جعَل اللَّهُ من كذا ولا كذا. قال: وأما عكرمةُ فإنه قال: إنهم كانوا يَسْأَلُونه عن الآياتِ، فنُهُوا عن ذلك، ثم قال: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]. قال: فقلتُ: قد حدَّثني مجاهدٌ بخلافِ هذا عن ابن عباسٍ، فما لَك تقولُ هذا؟ فقال: هَيْهَ (٢). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن عكرمةَ (٣)، قاله: هو الذي سأل رسولَ اللهِ ﷺ : مَن أبى؟ وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: هم الذين

стр. 6056

سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن البَحيرةِ والسائبةِ (١). وأَوْلى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ من أجلِ إكثارِ السائلين رسولَ اللهِ ﷺ المسائلَ، كمسألةِ ابن حُذافةَ إياه مَنِ أبوه، ومسألةِ سائلِه - إذ قال: "إن الله فرَض عليكم الحجَّ" - أفى كلِّ عامٍ؟ وما أَشْبَهَ ذلك من المسائلِ؛ لتظاهرِ الأخبارِ بذلك عن الصحابةِ والتابعين وعامةِ أهل التأويلِ. وأما القولُ الذي رواه مجاهدٌ عن ابن عباسٍ فقولٌ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ، ولكنَّ الأخبارَ المتظاهرةَ عن الصحابةِ والتابعين بخلافِه، وكرِهنا القولَ به من أجلِ ذلك، على أنه غيرُ مُسْتَنْكَرٍ أن تكونَ المسألةُ عن البحيرةِ والسائبةِ والوصيلةِ والحامِ، كانت فيما سألوا النبيَّ ﷺ عنه من المسائلِ التي كرِه اللهُ لهم السؤالَ عنها، كما كرِه لهم المسألةَ عن الحجِّ؛ أكلَّ عامٍ هو؟ أم عامًا واحدًا؟ وكما كرِه لعبدِ اللهِ بن حُذافةَ مسألتَه عن أبيه، فنزَلت الآيةُ بالنهْيِ عن المسائلِ كلِّها، فأَخْبَر كلُّ مُخبرٍ منهم ببعضِ ما نزَلت الآيةُ من أجلِه و (٢) أجلِ غيرِه. وهذا القولُ أَوْلَى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصحةِ؛ لأن مخارجَ الأخبارِ بجميعِ المعاني التي ذكَرتُ صِحاحٌ، فتوجيهُها إلى الصوابِ من وجوهِها أَوْلَى. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للذين نهاهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ عن مسألةِ رسولِ اللهِ ﷺ عما نهاهم عن مسألتهم إياه عنه، من فرائضَ لم يَفْرِضْها اللهُ عليهم،

стр. 6057

وتحليلِ أمورٍ لم يُحلِّلْها لهم، وتحريمِ أشياءَ لم يُحرِّمها عليهم، قبلَ نزولِ القرآنِ بذلك -: أيُّها المؤمنون السائلون عمَّا سألوا عنه رسولِى مما لم أُنزِلْ به كتابًا ولا وحيًا، لا تَسْأَلوا عنه، فإنكم إن أَظْهَر ذلك لكم تِبيانٌ بوحيٍ وتنزيلٍ ساءَكم؛ لأن التنزيلَ بذلك إذا جاءكم إنما يَجيئُكم بما فيه امتحانُكم واختبارُكم، إما بإيجابِ عملٍ عليكم، ولزومِ فرضٍ لكم، وفى ذلك عليكم مشقةٌ، ولزومُ مُؤْنةٍ وكُلفةٍ، وإما بتحريمِ ما لو لم يأتِكم بتحريمِه وحىٌ، كنتم من التقدُّمِ عليه في فُسْحةٍ وسَعَةٍ، وإما بتحليل ما تعتقدون تحريمَه، وفى ذلك لكم مَساءةٌ؛ لنقلِكم عما كنتم تَرَوْنه حقًّا، إلى ما كنتم تَرَوْنه باطلًا، ولكنكم إنْ سألتُم عنها بعدَ نزولِ القرآنِ بها، وبعدَ ابتدائِكم ببيانِ (١) أمرِها في كتابى إلى رسولى إليكم، [ليَسَّر عليكم] (٢) ما أَنْزَلتُه إليه من إيتائي (٣) كتابي وتأويل تنزيلى ووحيى. وذلك نظيرُ الخبرِ الذي رُوِى عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، الذي حدَّثنا به هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن مكحولٍ، عن أبي ثعلبة الخُشَنيِّ، قال: إن الله تعالى فرَض فرائضَ فلا تضيِّعوها، ونهَى عن أشياءَ فلا تنتهِكُوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدُوها، وعفا [عن أشياءَ] (٤) من غيرِ نسيانٍ فلا تَبْحَثوا عنها (٥). حدثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال:

стр. 6058

كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ: إن الله تعالى ذكرُه أحلَّ وحرَّم، فما أحلَّ فاسْتَحِلُّوه، وما حرَّم فاجْتَنِبوه، وترَك من ذلك أشياءَ لم يُحِلُّها ولم يُحَرِّمُها. فذلك عَفْوٌ من اللَّهِ عفاه. ثم يَتْلُو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا الضحَّاكُ، قال: أَخْبَرنا ابن جريجٍ، قال: أَخْبَرني عطاءٌ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ أنه كان يقولُ: إن الله حرَّم وأحلَّ. ثم ذكَر نحوَه. وأما قولُه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾. فإنه يعنى به: عفا اللهُ لكم عن مسألتِكم عن الأشياءِ التي سألتُم عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، الذي كرِه اللهُ لكم مسألتَكم إيَّاه عنها، أن يؤاخذَكم بها، أو يعاقبَكم عليها، إن عرَف منها توبتَكم وإنابتَكم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾. يقولُ: واللهُ ساترٌ ذنوبَ مَن تاب منها، فتاركٌ أن يفضَحَه بها في الآخرِة، ﴿حَلِيمٌ﴾ أن يعاقبَه بها؛ لتغمُّدِه التائبَ منها برحمتِه، وعفوِه عن عقوبتِه عليها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك رُوى الخبرُ عن ابن عباسٍ الذي ذكَرناه آنفًا. وذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾. يقولُ: لا تسألُوا عن أشياءَ إن نزَل القرآنُ فيها بتغليظٍ ساءكم ذلك، ولكن انتظِروا، فإذا نزَل القرآنُ فإنكم لا تَسْأَلون عن شيءٍ إلا وجَدتم تبيانَهُ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قد سأَل الآياتِ قومٌ من قبلِكم، فلمَّا آتاهموها اللَّهُ أَصْبَحوا بها جاحِدين مُنْكِرين أن تكونَ دَلالةً على حقيقةِ ما احتُجَّ بها عليهم، وبرهانًا على

стр. 6059

صحةِ ما جُعِلتْ برهانًا على تصحيحِه، كقومِ صالحٍ الذين سألوا الآيةَ، فلما جاءتْهم الناقةُ آيةً عقَروها، وكالذين سألوا عيسى مائدةً تَنْزِلُ عليهم من السماءِ، فلما أُعْطُوها كفَروا بها (١)، وما أَشْبَه ذلك، فحذَّر اللهُ تعالى المؤمنين بنبيِّه ﷺ أن يسلُكوا سبيلَ مَن قبلَهم من الأممِ التي هلَكت بكفرِهم بآياتِ اللهِ لما جاءتْهم عندَ مسألتِهموها، فقال لهم: لا تَسْأَلُوا الآياتِ، ولا تَبْحَثوا عن أشياءَ إن تُبْدَ لكم تَسُؤْكم، فقد سأَل الآياتِ من قبلِكم قومٌ، فلما أُوتوها أَصْبَحوا بها كافرين. كالذي حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾: نهاهم أن يَسْأَلُوا عن مثلِ الذي سألت النصارى من المائدةِ، فأَصْبَحوا بها كافرين، فنهَى اللهُ عن ذلك (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: قد سأل الآياتِ قومٌ من قبلِكم، وذلك حينَ قيل له: غَيَّرْ لنا الصفا ذهبًا (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما بحَر اللهُ بحيرةً ولا سيَّب سائبةً، ولا وصَل وصيلةً، ولا حمَى حاميًا، ولكنكم الذين فعلتم ذلك أيُّها الكفرةُ، فحرَّمتُموه افتراءً على ربِّكم. كالذي حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنى أبي وشُعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن ابن الهادِ، وحدَّثني يونسُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ،

стр. 6060

قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى ابن الهادِ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "رأيتُ عمرَو بنَ عامرٍ الخزَاعيَّ يَجُرُّ قُصْبَه (١) في النارِ، وكان أول من سيَّب السُّيَّبَ (٢) " (٣). حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ بن الحارثِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لأَكْثمَ بن الجَوْنِ: "يا أَكْثَمُ، رأيتُ عمرَو بنَ لُحيِّ بن قَمَعَةَ بن جِنْدَفٍ يَجُرُّ قُصْبَه في النارِ، فما رأيتُ رجلًا أَشْبَهَ برجلٍ منك به، ولا به منك". فقال أَكْثمُ: تخشَى (٤) أن يضرَّنى شَبَهُه يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا، إنك مؤمنٌ وهو كافرٌ، إنه أولُ من غيَّر دينَ إسماعيلَ، وبحَر البحيرةَ، وسيِّب السائبةَ، وحمَى الحامىَ (٥) " (٦). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنى هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "قد عرَفتُ أولَ مَن بحَر البحائرَ؛ رجلٌ من مُدْلِجٍ، كانت له ناقتان فجدع آذانَهما (٧)، وحرَّم ألبانَهما وظهورَهما، وقال: هاتان للهِ. ثم احتاج إليهما فشرِب ألبانَهما، وركِب ظهورَهما". قال: "فلقد رأيتُه في النارِ يُؤْذِى أهلَ
следующие страницы →