← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن البَحيرةِ والسائبةِ (١). وأَوْلى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ من أجلِ إكثارِ السائلين رسولَ اللهِ ﷺ المسائلَ، كمسألةِ ابن حُذافةَ إياه مَنِ أبوه، ومسألةِ سائلِه - إذ قال: "إن الله فرَض عليكم الحجَّ" - أفى كلِّ عامٍ؟ وما أَشْبَهَ ذلك من المسائلِ؛ لتظاهرِ الأخبارِ بذلك عن الصحابةِ والتابعين وعامةِ أهل التأويلِ. وأما القولُ الذي رواه مجاهدٌ عن ابن عباسٍ فقولٌ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ، ولكنَّ الأخبارَ المتظاهرةَ عن الصحابةِ والتابعين بخلافِه، وكرِهنا القولَ به من أجلِ ذلك، على أنه غيرُ مُسْتَنْكَرٍ أن تكونَ المسألةُ عن البحيرةِ والسائبةِ والوصيلةِ والحامِ، كانت فيما سألوا النبيَّ ﷺ عنه من المسائلِ التي كرِه اللهُ لهم السؤالَ عنها، كما كرِه لهم المسألةَ عن الحجِّ؛ أكلَّ عامٍ هو؟ أم عامًا واحدًا؟ وكما كرِه لعبدِ اللهِ بن حُذافةَ مسألتَه عن أبيه، فنزَلت الآيةُ بالنهْيِ عن المسائلِ كلِّها، فأَخْبَر كلُّ مُخبرٍ منهم ببعضِ ما نزَلت الآيةُ من أجلِه و (٢) أجلِ غيرِه. وهذا القولُ أَوْلَى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصحةِ؛ لأن مخارجَ الأخبارِ بجميعِ المعاني التي ذكَرتُ صِحاحٌ، فتوجيهُها إلى الصوابِ من وجوهِها أَوْلَى. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للذين نهاهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ عن مسألةِ رسولِ اللهِ ﷺ عما نهاهم عن مسألتهم إياه عنه، من فرائضَ لم يَفْرِضْها اللهُ عليهم،

стр. 6057

وتحليلِ أمورٍ لم يُحلِّلْها لهم، وتحريمِ أشياءَ لم يُحرِّمها عليهم، قبلَ نزولِ القرآنِ بذلك -: أيُّها المؤمنون السائلون عمَّا سألوا عنه رسولِى مما لم أُنزِلْ به كتابًا ولا وحيًا، لا تَسْأَلوا عنه، فإنكم إن أَظْهَر ذلك لكم تِبيانٌ بوحيٍ وتنزيلٍ ساءَكم؛ لأن التنزيلَ بذلك إذا جاءكم إنما يَجيئُكم بما فيه امتحانُكم واختبارُكم، إما بإيجابِ عملٍ عليكم، ولزومِ فرضٍ لكم، وفى ذلك عليكم مشقةٌ، ولزومُ مُؤْنةٍ وكُلفةٍ، وإما بتحريمِ ما لو لم يأتِكم بتحريمِه وحىٌ، كنتم من التقدُّمِ عليه في فُسْحةٍ وسَعَةٍ، وإما بتحليل ما تعتقدون تحريمَه، وفى ذلك لكم مَساءةٌ؛ لنقلِكم عما كنتم تَرَوْنه حقًّا، إلى ما كنتم تَرَوْنه باطلًا، ولكنكم إنْ سألتُم عنها بعدَ نزولِ القرآنِ بها، وبعدَ ابتدائِكم ببيانِ (١) أمرِها في كتابى إلى رسولى إليكم، [ليَسَّر عليكم] (٢) ما أَنْزَلتُه إليه من إيتائي (٣) كتابي وتأويل تنزيلى ووحيى. وذلك نظيرُ الخبرِ الذي رُوِى عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، الذي حدَّثنا به هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن مكحولٍ، عن أبي ثعلبة الخُشَنيِّ، قال: إن الله تعالى فرَض فرائضَ فلا تضيِّعوها، ونهَى عن أشياءَ فلا تنتهِكُوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدُوها، وعفا [عن أشياءَ] (٤) من غيرِ نسيانٍ فلا تَبْحَثوا عنها (٥). حدثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال:

стр. 6058

كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ: إن الله تعالى ذكرُه أحلَّ وحرَّم، فما أحلَّ فاسْتَحِلُّوه، وما حرَّم فاجْتَنِبوه، وترَك من ذلك أشياءَ لم يُحِلُّها ولم يُحَرِّمُها. فذلك عَفْوٌ من اللَّهِ عفاه. ثم يَتْلُو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا الضحَّاكُ، قال: أَخْبَرنا ابن جريجٍ، قال: أَخْبَرني عطاءٌ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ أنه كان يقولُ: إن الله حرَّم وأحلَّ. ثم ذكَر نحوَه. وأما قولُه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾. فإنه يعنى به: عفا اللهُ لكم عن مسألتِكم عن الأشياءِ التي سألتُم عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، الذي كرِه اللهُ لكم مسألتَكم إيَّاه عنها، أن يؤاخذَكم بها، أو يعاقبَكم عليها، إن عرَف منها توبتَكم وإنابتَكم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾. يقولُ: واللهُ ساترٌ ذنوبَ مَن تاب منها، فتاركٌ أن يفضَحَه بها في الآخرِة، ﴿حَلِيمٌ﴾ أن يعاقبَه بها؛ لتغمُّدِه التائبَ منها برحمتِه، وعفوِه عن عقوبتِه عليها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك رُوى الخبرُ عن ابن عباسٍ الذي ذكَرناه آنفًا. وذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾. يقولُ: لا تسألُوا عن أشياءَ إن نزَل القرآنُ فيها بتغليظٍ ساءكم ذلك، ولكن انتظِروا، فإذا نزَل القرآنُ فإنكم لا تَسْأَلون عن شيءٍ إلا وجَدتم تبيانَهُ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قد سأَل الآياتِ قومٌ من قبلِكم، فلمَّا آتاهموها اللَّهُ أَصْبَحوا بها جاحِدين مُنْكِرين أن تكونَ دَلالةً على حقيقةِ ما احتُجَّ بها عليهم، وبرهانًا على

стр. 6059

صحةِ ما جُعِلتْ برهانًا على تصحيحِه، كقومِ صالحٍ الذين سألوا الآيةَ، فلما جاءتْهم الناقةُ آيةً عقَروها، وكالذين سألوا عيسى مائدةً تَنْزِلُ عليهم من السماءِ، فلما أُعْطُوها كفَروا بها (١)، وما أَشْبَه ذلك، فحذَّر اللهُ تعالى المؤمنين بنبيِّه ﷺ أن يسلُكوا سبيلَ مَن قبلَهم من الأممِ التي هلَكت بكفرِهم بآياتِ اللهِ لما جاءتْهم عندَ مسألتِهموها، فقال لهم: لا تَسْأَلُوا الآياتِ، ولا تَبْحَثوا عن أشياءَ إن تُبْدَ لكم تَسُؤْكم، فقد سأَل الآياتِ من قبلِكم قومٌ، فلما أُوتوها أَصْبَحوا بها كافرين. كالذي حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾: نهاهم أن يَسْأَلُوا عن مثلِ الذي سألت النصارى من المائدةِ، فأَصْبَحوا بها كافرين، فنهَى اللهُ عن ذلك (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: قد سأل الآياتِ قومٌ من قبلِكم، وذلك حينَ قيل له: غَيَّرْ لنا الصفا ذهبًا (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما بحَر اللهُ بحيرةً ولا سيَّب سائبةً، ولا وصَل وصيلةً، ولا حمَى حاميًا، ولكنكم الذين فعلتم ذلك أيُّها الكفرةُ، فحرَّمتُموه افتراءً على ربِّكم. كالذي حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنى أبي وشُعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن ابن الهادِ، وحدَّثني يونسُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ،

стр. 6060

قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى ابن الهادِ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "رأيتُ عمرَو بنَ عامرٍ الخزَاعيَّ يَجُرُّ قُصْبَه (١) في النارِ، وكان أول من سيَّب السُّيَّبَ (٢) " (٣). حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ بن الحارثِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لأَكْثمَ بن الجَوْنِ: "يا أَكْثَمُ، رأيتُ عمرَو بنَ لُحيِّ بن قَمَعَةَ بن جِنْدَفٍ يَجُرُّ قُصْبَه في النارِ، فما رأيتُ رجلًا أَشْبَهَ برجلٍ منك به، ولا به منك". فقال أَكْثمُ: تخشَى (٤) أن يضرَّنى شَبَهُه يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا، إنك مؤمنٌ وهو كافرٌ، إنه أولُ من غيَّر دينَ إسماعيلَ، وبحَر البحيرةَ، وسيِّب السائبةَ، وحمَى الحامىَ (٥) " (٦). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنى هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "قد عرَفتُ أولَ مَن بحَر البحائرَ؛ رجلٌ من مُدْلِجٍ، كانت له ناقتان فجدع آذانَهما (٧)، وحرَّم ألبانَهما وظهورَهما، وقال: هاتان للهِ. ثم احتاج إليهما فشرِب ألبانَهما، وركِب ظهورَهما". قال: "فلقد رأيتُه في النارِ يُؤْذِى أهلَ

стр. 6061

النارِ ريحُ قُصْبِه" (١). حدثنا هنَّادٌ، قال: ثنا عَبْدَةُ (٢)، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "عُرِضَتْ عليَّ النارُ، فرأيتُ فيها عمرَو بنَ فلانِ ابن فلانِ (٣) بن خِنْدَفِ يجُرُّ قُصْبَه في النارِ، وهو أولُ من غيَّر دينَ إبراهيمَ، وسيَّب السائبةَ، وأَشْبَهُ مَن رأيتُ به أَكْثَمُ بنُ الجَوْنِ". فقال أكثمُ: يا رسولَ اللهِ، أَيضُرُّني شَبَهُه؟ قال: "لا؛ لأنك مسلمٌ، وإنه كافرٌ" (٤). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ [عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن أبي هريرةَ أن النبيَّ ﷺ ] (٥) قال: "رأيتُ عمرَو بنَ عامرٍ الخُزاعيَّ يَجُرُّ قُصْبَه في النارِ، وهو أولُ مَن سيَّب السوائبَ" (٦). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنى لأعرِفُ أولَ من سيَّب السوائبَ، وأولَ من غيَّر عهدَ إبراهيمَ". قالوا: مَن هو يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "عمرُو بنُ لُحَيٍّ أخو بني كعبٍ، لقد رأيتُه يَجُرُّ قُصْبَه في النارِ، يُؤذِى ريحُه أهلَ النارِ، وإني لأعرِفُ أولَ من بحَر البحائرَ". قالوا: مَن هو يا رسولَ اللهِ؟ قال: "رجلٌ من بني مُدْلِجٍ كانت له ناقتان، فجدَع آذانهما، وحرَّم ألبانَهما، ثم شرِب ألبانَهما بعدَ ذلك، فلقد رأيتُه في النارِ هو وهما يَعَضَّانِه بأفواهِهما، ويَخْبِطانه بأخفافِهما" (٧).

стр. 6062

والبحيرةُ الفعيلةُ، من قولِ القائلِ: بحَرتُ أُذُنَ هذه الناقةِ - إذا شقَّها - أَبْحَرُها بَحْرًا. والناقةُ مَبْحُورةٌ، ثم تُصْرَفُ المفعولةُ إلى فَعِيلةٍ، فيقالُ: هي بَحِيرةٌ. وأما البَحِرُ من الإبلِ فهو الذي قد أصابه داءٌ من (١) كثرةِ شربِ الماءِ، يقالُ منه: بَحِر البعيرُ يَبْحَرُ بَحَرًا. ومنه قول الشاعرِ (٢): لأَعْلِطَنَّهُ (٣) وَسْمًا (٤) لا يُفارِقُهُ … كما يُحَزُّ بحُمَّى المِيسَمِ البَحِرُ وبنحوِ الذي قلنا في معنى البحيرةِ جاء الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ . حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن أبيه، قال: دخَلتُ على النبيِّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : "أرأيتَ إبلَك، ألستَ تُنْتِجُها مُسَلَّمَةً آذانُها، فتأخُذَ المُوسَى فَتَجْدَعَها، تقولُ: هذه بحيرةٌ. وتشُقُّ، آذانَها، تقولُ: هذه صُرُمٌ (٥)؟ ". قال: نعم. قال: "فإنّ ساعِدَ اللَّهِ أَشدُّ، ومُوسَى اللَّهِ أَحَدُّ، كلُّ مالِكَ لك حلالٌ، لا يُحَرَّمُ عليك منه شيءٌ" (٦). حدثَّنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي

стр. 6063

إسحاقَ، قال: سمِعتُ أبا الأحوصِ، عن أبيه، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فقال: "هل تُنْتَجُ (١) إبلُ قومِك صِحاحًا آذانُها، فتَعْمِدَ إلى المُوسَى، فتَقْطَعَ آذانَها، فتقولَ: هذه بُحُرٌ. وتشُقَّها - أو تشقَّ جلودَها - فتقولَ: هذه صُرُمٌ (٢). فتُحرِّمَها عليك وعلى أهلِك؟ " قال: نعم. قال: "فإن ما آتاك اللهُ لك حلٌّ، وساعِدُ اللهِ أشدُّ، ومُوسَى اللَّهِ أَحدٌ". وربما قال: "ساعدُ اللَّهِ أَشدُّ من ساعدِك، ومُوسَى اللَّهِ أحدٌ من مُوسَاك" (٣). وأما السائبةُ فإنها المسيِّبةُ المُخَلَّاةُ، وكانت الجاهلية يفعل ذلك أحدُهم ببعضِ مواشِيه، فيحرِّمُ الانتفاعَ به على نفسِه، كما كان بعضُ أهلِ الإسلامِ يُعْتِقُ عبدَه سائبةً، فلا ينتفعُ به ولا بولائِه. وأُخْرِجت المسيَّبةُ بلفظِ السائبةِ، كما قيل: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١، القارعة: ٧]. بمعنى: مَرْضِيَّةٍ. وأما الوصيلةُ فإن الأُنثى من نَعَمِهم في الجاهليةِ كانت إذا أَتْأَمَت بطنًا بذكرٍ وأنثى، قيل: قد وصَلت الأنثى أخاها. بدفعِها عنه الذبحَ، فسمَّوْها وَصِيلةً. وأما الحامِي فإنه الفَحْلُ من النَّعَمِ، يُحْمَى ظهرُه من الركوبِ والانتفاعِ، بسببِ تتابعِ أولادٍ تَحْدُثُ من فِحلتِه. وقد اختلف أهل التأويلِ في صفاتِ المسمَّياتِ (٤) بهذه الأسماءِ، [وما السببُ] (٥) الذي من أجلهِ كانت تفعَلُ ذلك؟

стр. 6064

ذكرُ الروايةِ بما قيل في ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ بنُ الفَضْل، عن ابن (١) إسحاقَ، عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحارثِ التَّيْميِّ، أن أبا صالحٍ السَّمَّانَ، حدَّثه أنه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لأَكْثَمَ بن الْجَوْنِ الخُزاعيِّ: "يا أَكْثَمُ، رأيتُ عمرَو بنَ لُحَيِّ بن قَمَعَةَ بن خِنْدَفٍ يَجُرُّ قُصْبَه في النارِ، فما رأيتُ من رجلٍ أَشْبَهَ برجلٍ منك به، ولا به منك". فقال أَكْثَمُ: أيَضرُّني شَبَهُه يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: "لا، إنك مؤمنٌ وهو كافرٌ، وإنه كان أولَ مَن غيَّر دينَ إسماعيلَ، ونصَب الأوثانَ، وسيَّب السائبَ (٢) فيهم" (٣). وذلك أنَّ الناقةَ إذا تابَعتْ [يِنْتَيْ عشرةَ إناثًا ليس فيها ذكرٌ] (٤)، سُيِّبت، فلم يُرْكَبْ ظهرُها، ولم يُجَزَّ وبَرُها، ولم يَشْرَبْ لبنَها إلا ضيفٌ، فما نُتِجَت بعدَ ذلك من أنثى شُقَّ أُذُنُها، ثم خُلِّي سبيلُها مع أمِّها في الإبلِ، فلم يُرْكَبْ ظهرُها، ولم يُجَزَّ وبَرُها، ولم يَشْرَب لبنها إلا ضيفٌ، كما فُعِل بأمِّها، فهي البَحِيرةُ ابنةُ السائبةِ. والوَصِيلةُ: أن الشاةَ إذا نُتِجَت عشرَ إناثٍ متتابعاتٍ في خمسةِ أبطنٍ ليس فيهن ذَكَرٌ، جُعِلت وَصيلةً، قالوا: وصَلت. فكان ما ولَدت بعدَ ذلك لذكُورِهم دونَ إناثِهم، إلا أن يموتَ منها شيءٌ، فيشتركون في أكلِه؛ ذكورُهم وإناثُهم. والحامِي: أن الفحلَ إذا نُتِج له عشرُ إناثٍ متتابعاتٍ ليس بينَهن ذكَرٌ، حُمِى ظهرُه، ولم يُرْكَبْ، ولم يُجَزَّ وَبَرُه، ويُخَلَّى في إبلِه يَضْرِبُ فيها، لا

стр. 6065

يُنتفعُ به بغيرِ ذلك. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ في هذه الآيةِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. - قال أبو جعفرٍ: سقَط عليَّ فيما أَظُنُّ كلامٌ منه - قال: فأتَيْتُ علقمةَ فسألتُه، فقال: ما تُرِيدُ إلى شيءٍ كان يصنعُه أهلُ الجاهليةِ. حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المَسْعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، قال: أتيْتُ علقمةَ، فسألتُه عن قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. فقال: وما (٢) تَصْنَعُ بهذا؟ إنما هذا شيءٌ مِن فعلِ الجاهليةِ. قال: فأتيْتُ مسروقًا فسألْتُه، فقال: البَحيرةُ: كانت الناقةُ إذا ولَدَت بطنًا خمْسًا أو سبْعًا، شقُّوا أذنَها، وقالوا: هذه بَحيرةٌ. قال: ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾. قال: كان الرجلُ يَأْخُذُ بعضَ مالِه، فيقولُ: هذه سائبةٌ، قال: ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾. قال: كانوا إذا ولَدَت الناقةُ الذكرَ، أكَله الذكورُ دونَ الإناثِ، وإذا وَلَدت ذكرًا وأُنثى في بطنِ، قالوا: وصَلَت أخاها. فلا يَأْكُلونهما، قال: فإذا مات الذكرُ أكَله الذكورُ دونَ الإناث. قال: ﴿وَلَا حَامٍ﴾. قال: كان البعيرُ إذا ولَد، وولَد ولدُه، قالوا: قد قضَى هذا الذي عليه. فلم يَنْتَفِعوا بظَهْرِه، قالوا: هذا حامٍ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، عن الأعمشِ، عن مسلمِ بن

стр. 6066

صُبَيْحٍ، قال: سألْتُ علقمةَ عن قولِه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾. قال: ما تَصْنَعُ بهذا؟ هذا شيءٌ كان يَفْعَلُه أهلُ الجاهليةِ. حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ ويحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾. قال: البَحِيرةُ التي قد ولَدَت خمسةَ أبطنٍ ثم تُرِكَت (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾. قال: البحيرةُ المُخَضْرَمةُ، ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾: والسائبةُ: ما سُيِّب للعِدَيِ (٢)، والوَصيلةُ: إذا وَلَدَت بعدَ أربعةِ أبطنٍ - فيما يَرَى جَرِيرٌ - ثم ولَدَت الخامسَ ذكرًا وأنثى، وصَلَتْ أخاها. والحامِ: الذي قد ضرَب أولادُ أولادِه في الإبلِ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ بنحوِه، إلا أنه قال: والوَصيلةُ: التي ولَدَت بعدَ أربعةِ أبطنٍ ذكرًا وأنثى، قالوا: وصَلَتْ أخاها، وسائرُ الحديثِ مثلُ حديثِ ابن حميدٍ. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن زكريا، عن الشعبيِّ أنه سُئِل عن البَحيرةِ؟ فقال: هي التي تُجْدَعُ آذانُها. وسُئِل عن السائبِة؟ فقال: كانوا يُهْدُون لآلهتِهم الإبلَ والغنمَ، فيَتْرُكونها عندَ آلهتِهم، [فتذهبُ فَتَخْتَلِطُ] (٣) بغنمِ الناسِ، فلا يَشْرَبُ ألبانَها إلا الرجالُ، فإذا مات منها شيءٌ أكَلَه الرجالُ والنساءُ جميعًا. حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 6067

نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ وما معها: البحيرةُ مِن الإبلِ، يُحَرِّمُ أهل الجاهليةِ وَبَرَها وظهرَها ولحمَها ولبنَها إلا على الرجالِ، فما ولَدَت مِن ذكرٍ وأنثى فهو على هيئتِها، وإن ماتَت اشْتَرَك الرجالُ والنساءُ في أكلِ لحمِها، فإذا ضرَب الجملُ (١) من ولدِ البَحيرةِ فهو الحامِي، [والحامِي اسمٌ] (٢)، والسائبةُ من الغنمِ على نحوِ ذلك، إلا أنها ما ولَدت من ولدٍ بينَها وبينَ ستةِ أولادٍ كان على هيئتِها، فإذا ولَدت في السابعِ ذكرًا أو أنثى، أو ذَكريْن، ذبَحوه، فأكَله رجالُهم دونَ نسائِهم، وإن تَوْأَمت أنثى وذكرًا فهى وصيلةٌ، تُرِك ذبحُ الذكرِ بالأنثى، وإن كانتا أُنثيين تُرِكتا (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾: فالبحيرةُ: الناقةُ، كان الرجلُ إذا ولَدت خمسةَ أبطنٍ، فيعمِدُ إلى الخامسةِ، فما لم يكنْ سَقْبًا (٤) فيُبَتِّكُ آذانَها، ولا يجُزُّ لها وبَرًا، ولا يذوقُ لها لبنًا، فتلك البحيرةُ. ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾: كان الرجلُ يسيِّبُ من مالِه ما شاء. ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾: فهى الشاةُ إذا ولَدت سَبْعًا، عمَد إلى السابعِ، فإن كان ذكرًا ذُبِح، وإن كان أنثى تُركت، وإن كان في بطنِها اثنان ذكرٌ وأنثى فولَدتْهما، قالوا: وصَلت أخاها، فيُتْرَكان جميعًا لا يُذْبَحان، فتلك الوصيلةُ. وقولُه: ﴿وَلَا حَامٍ﴾. كان الرجلُ يكونُ له الفحلُ، فإذا لقَّح عشْرًا، قيل: حامٍ، فاترُكوه (٥).

стр. 6068

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحِ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾: ليسيِّبوها لأصنامِهم، ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾. يقولُ: الشاةُ، ﴿وَلَا حَامٍ﴾. يقولُ: الفحلُ من الإبلِ (١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾: تشديدٌ شَدَّده الشيطانُ على أهلِ الجاهليةِ في أموالِهم، وتغليظٌ عليهم، فكانت البحيرةُ من (٢) الإبلِ؛ إذا نتَج الرجلُ خمسًا من إبلهِ، نظَر البطنَ الخامسَ، فإن كانت سَقْبًا ذُبِح، فأكَله الرجالُ دونَ النساءِ، وإن كان مَيْتةً اشترك فيه ذكرُهم وأنثاهم، وإن كانت حائلًا، وهى الأنثى، تُرِكت، فبُتِّكتْ أُذُنُها، فلم يُجَزَّ لها وبَرٌ، ولم يُشْرَبْ لها لبنٌ، ولم يُرْكَبْ لها ظَهْرٌ، ولم يُذْكَرْ للهِ عليها اسمٌ. وكانت السائبةُ: يسيِّبون ما بدا لهم من أموالِهم، فلا تُمتَنعُ (٣) من حوض أن تَشْرَعَ فيه، ولا من حِمًى أن تَرْتَعَ فيه. وكانت الوصيلةُ من الشاءِ: من البطنِ السابعِ، إذا كان جديًا ذُبِح، فأكَله الرجالُ دونَ النساءِ، وإن كان ميتةً اشترك فيه ذَكَرُهم وأُنثاهم، وإن جاءت بذكرٍ وأنثى، قيل: وصَلت أخاها، فمنَعَتْه الذبحَ. والحامِ: كان الفحلُ إذا رُكِب من بنى بنيه عشَرةٌ، أو ولدِ ولدِه، قيل: حامٍ. حُمِى ظهرُه، فلم يُزَمَّ، ولم يُخْطَمْ، ولم يُرْكَبْ. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن

стр. 6069

السُّديِّ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾: فالبحيرةُ من الإبلِ: كانت الناقةُ إذا نُتِجت خمسةَ أبطنٍ، إن كان الخامسُ سَقْبًا ذبَحوه، فَأَهْدَوه إلى آلهتِهم، وكانت أمُّه مِن عُرْضِ الإبلِ، وإن كانت رُبَعَةً (١) اسْتَحْيَوْها، وسُقُوا أُذُنَ أمِّها، وجزُّوا وبَرَها، وخلَّوْها (٢) في البطحاءِ، فلم تَجُزْ لهم في دِيةٍ، ولم يَحْلِبوا (٣) لها لبنًا، ولم يجزُّوا لها وبَرًا، ولم يحمِلوا على ظهرِها، وهى من الأنعامِ التي حُرِّمت ظهورُها. وأما السائبةُ: فهو الرجلُ يُسيِّبُ من مالِه ما شاء على وجهِ الشكرِ، إن كثُر مالُه، أو برَأ من وجعٍ، أو ركِب ناقةً فأَنْجَح، فإنه يسمَّى السائبةَ، يُرْسِلُها فلا يعرِضُ لها أحدٌ من العربِ إلا أصابتْه عقوبةٌ في الدنيا. وأما الوصيلةُ فمِن الغنمِ هي الشاةُ إذا ولَدت ثلاثةَ أبطنٍ أو خمسةً، فكان آخرُ ذلك جَدْيًا، ذبَحوه وأَهْدَوه لبيتِ الآلهةِ، وإن كانت عَنَاقًا (٤) اسْتَحْيَوها، وإن كانت جَدْيًا وعَنَاقًا اسْتَحْيَوا الجَدْيَ من أجلِ العَناقِ، فإنها وصيلةٌ وصَلتْ أخاها. وأما الحامِ فالفحلُ يَضْرِبُ في الإبلِ عشْرَ سنينَ، ويقالُ: إذا ضرَب ولدُ ولدِه، قيل: قد حَمَى ظهرَه. فيترُكونه لا يُمسُّ، ولا يُنْحَرُ أبدًا، ولا يُمْنَعُ من كلأٍ يريدُه، وهو من الأنعامِ التي حُرِّمتْ ظهورُها (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن ابن المسيَّبِ في قولِه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. قال: البحيرةُ من الإبلِ: التي يُمْنَعُ دَرُّها للطواغيتِ، والسائبةُ من الإبلِ: كانوا يسيِّبونها لطواغيتِهم، والوصيلةُ من الإبلِ: كانت الناقةُ تبتَكِرُ (٦)

стр. 6070

بأنثى، ثم تُثنى بأنثى، فيسمُّونها الوصيلةَ، يقولون: وصَلت اثنتين ليس بينَهما ذكرٌ. فكانوا يَجْدَعونها لطواغيتِهم، أو يذبَحونها - الشكُّ من أبي جعفرٍ - والحامِ: الفحلُ من الإبلِ، كان يضرِبُ الضِّرابَ المعدودَةَ (١)، فإذا بلَغ ذلك، قالوا: هذا حامٍ، قد حمَى ظهرَه. فتُرِك، فسمَّوه "الحام". قال معمرٌ: قال قتادةُ: إِذا ضرَب عشَرَةً (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ قال: البحيرةُ من الإبلِ: كانت الناقةُ إذا نُتِجت خمسةَ أبطنٍ، فإن كان الخامسُ ذكرًا، كان للرجالِ دونَ النساء، وإن كانت أنثى بَتَّكوا آذانَها، ثم أَرْسَلوها، فلم يَنْحَروا لها ولدًا، ولم يَشرَبوا لها لبنًا، ولم يركَبوا لها ظهرًا. وأما السائبةُ: فإنهم كانوا يسيِّبون بعضَ إبلِهم، فلا تُمْنَعُ حوضًا أن تَشْرَعَ فيه، ولا مَرْعًى أن ترتع فيه. والوصيلةُ: الشاةُ كانت إذا ولَدت سبعةَ أبطنٍ، فإن كان السابعُ ذكرًا ذُبح وأكَله الرجالُ دونَ النساءِ، وإن كانت أنثى تُرِكت (٣). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ (٤)، عن الضحاكِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾: أما البحيرةُ فكانت الناقةُ إذا نَتَجوها خمسةَ أبطنٍ، نحَروا الخامسَ إن كان سَقْبًا، وإن كان رُبَعةً شقُّوا أذنَها واسْتَحْيَوها، وهى بحيرةٌ. وأما السَّقْبُ فلا يأكُلُ نساؤُهم منه، وهو خالصٌ لرجالِهم، فإن ماتتِ الناقةُ أَوْ نَتَجوها مَيْتًا، فرجالُهم ونساؤُهم فيه سواءٌ يأكُلون منه. وأما السائبةُ فكان يسيِّبُ الرجلُ من مالِه من

стр. 6071

الأنعامِ، فيُهْمَلُ في الحِمَى فلا يُنتفَعُ بظهرِه ولا بولدِه ولا بلبنِه، ولا بشعرِه ولا بصوفِه. وأما الوصيلةُ فكانت الشاةُ إذا ولَدت سبعةَ أبطنٍ ذبَحوا السابعَ إذا كان جَدْيًا، وإن كان عَنَاقًا اسْتَحْيَوه، وإن كان جَدْيًا وعَناقًا اسْتَحْيَوهما كليهما، وقالوا: إن الجَدْىَ وصَلتْه أختُه، فحرَّمتْه علينا. وأما الحامِي فالفحلُ إذا ركِبوا أولادَ ولدِه، قالوا: قد حمى هذا ظهرَه، وأحرَزَهُ (١) أولادُ ولدِه، فلا يركَبونه، ولا يمنَعونه من حِمَى شجرٍ، ولا حوضٍ ما شرَع فيه، وإن لم يكنِ الحوضُ لصاحبِه، وكانت من إبلِهم طائفةٌ لا يذكُرون اسمَ الله عليها في شيءٍ من شأنِهم، لا إن ركِبوا، ولا إن حمَلوا، ولا إن حلَبوا، ولا إن نَتَجوا، ولا إن باعوا، ففى ذلك أَنْزَل اللَّهُ تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾. إلى قولِه ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. قال: هذا شيءٌ كان يعملُ به أهلُ الجاهليةِ، وقد ذهَب. قال: البحيرةُ: كان الرجلُ يَجْدَعُ أُذْنَيْ ناقتِه، ثم يُعْتِقُها، كما يُعْتِقُ جاريته وغلامه، لا تُحْلَبُ، ولا تُرْكَبُ. والسائبةُ: يسيِّبُها بغيرِ تجديعٍ. والحامِ: إذا نُتِج له سبعُ إناثٍ متوالياتٌ، قد حَمَى ظهرَه، ولا يُرْكَبُ، ولا يُعْمَلُ عليه. والوصيلةُ من الغنمِ: إذا ولَدت سبعَ إناثٍ متوالياتٍ حَمَت لحمَها أن يؤكلَ. حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، قال ثنى ابن الهادِ، عن ابن شهابٍ، قال: قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ: السائبةُ: التي كانت تسيَّبُ، فلا يُحْمَلُ عليها شيء. والبحيرةُ: التي يُمنعُ دَرُّها للطواغيتِ، فلا يحلِبُها أحدٌ. والوصيلةُ: الناقةُ البِكْرُ، تَبكُرُ أولَ نتاج الإبل بأنثى،

стр. 6072

ثم تُثَنِّي بعدُ بأنثى، وكانوا يسمُّونها للطواغيتِ، يَدْعُونها الوصيلةَ، أن وصَلت أخواتِها (١) إحداهما بالأُخرى. والحامي: فحلُ الإِبلِ يَضْرِبُ العَشْرَ من الإبلِ، فإذا نقَص ضِرابُه يَدَعُونه للطواغيتِ، وأَعْفَوه من الحملِ، فلم يحمِلوا عليه شيئًا وسمَّوْه الحاميَ (٢). وهذه أمورٌ كانت في الجاهليةِ فأَبْطَلها الإسلامُ، فلا نعرِفُ قومًا يعمَلون بها اليومَ، فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما كانت الجاهليةُ تعمَلُ به لا [يُوصَلُ إلى علمِه] (٣) - إذ لم يكن له في الإسلام اليوم أثرٌ، ولا في الشركِ نعرِفُه - إلا بخبرٍ، وكانت الأخبارُ عما كانوا يفعَلون من ذلك مختلِفةً الإختلافَ الذي ذكَرنا، فالصوابُ من القول في ذلك أن يقالَ: أما معاني هذه الأسماءِ فما بيَّنا في ابتداءِ القولِ في تأويلِ هذه الآيةِ. وأما كيفيةُ عملِ القومِ في ذلك، فما لا علمَ لنا به. وقد ورَدتِ الأخبارُ بوصفِ عملِهم ذلك على ما قد حكَيْنا، وغيرُ ضائرٍ الجهلُ بذلك إذا كان المرادُ من علمِه المحتاجِ إليه، موصِّلًا (٤) إلى حقيقتِه، وهو أن القومَ كانوا يُحرِّمُون (٥) مِن أنعامِهم على أنفسِهم ما لم يحرِّمْه اللهُ؛ اتَّباعًا منهم خُطُواتِ الشيطانِ، فوبَّخهم اللهُ تعالى ذكرُه بذلك، وأَخْبَرهم أن كلَّ ذلك حلالٌ، فالحرامُ من كلِّ شيءٍ عندَنا ما حرَّم اللهُ تعالى ورسولُه ﷺ ، بنصٍّ أو دليلٍ، والحلالُ منه ما حلَّله اللهُ ورسولُه كذلك.

стр. 6073

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ اخْتَلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في هذا الموضعِ، والمرادِ بقولِه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: المعنيُّ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اليهودُ، وبـ "الذين لا يعقِلون" أهلُ الأوثانِ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن محمدِ بن أبي موسى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. قال: أهلُ الكتابِ، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قال: أهل الأوثانِ (١). وقال آخرون: بل هم أهلُ ملةٍ واحدةٍ، ولكنَّ المفترين المَتْبوعون، والذين لا يعقلِون الأتباعُ. ذكرُ من قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذ، قال: ثنا خارجةُ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: هم الأتباعُ، وأما الذين افْتَرَوا (٢) فعقَلوا أنهم افْتَروا (٣). وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ أن يقالَ: إن المعنيِّين بقولِه: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: الذين بحَروا البحائرَ، وسيَّبوا السوائبَ،

стр. 6074

ووصلوا الوصائلَ، وحَمَوا الحوامىَ، مثلُ عمرِو بن لُحَيٍّ وأشكالِه، ممن سنُّوا لأهلِ الشركِ السُّننَ الرديئةَ، وغيَّروا دينَ اللهِ دينَ الحقِّ، وأضافوا إلى اللهِ تعالى ذكرُه أنه الذي حرَّم ما حرَّموا، وأحلَّ ما أحلُّوا، افتراءً على اللهِ الكذبَ وهم يعلَمون، واختلاقًا عليه الإفكَ، وهم يَفهمُون (١)، فكذَّبهم الله تعالى ذكرُه في قيلِهم ذلك، وإضافتِهم إليه ما أضافوا، من تحليلِ ما أحلُّوا، وتحريمِ ما حرَّموا، فقال تعالى ذكرُه: ما جعَلتُ مِن بحيرةٍ، ولا سائبةٍ، ولكنَّ الكفارَ هم الذين يفعَلون ذلك، ويفترون على اللهِ الكذبَ. وأن يقالَ: إن المعنيِّين بقولِه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: هم أتباعُ مَن سنَّ لهم هذه السننَ من جهلةِ المشركين، فهم لا شكَّ أنهم أكثر من الذين سنُّوا ذلك لهم، فوصَفهم اللهُ تعالى ذكرُه بأنهم لا يعقِلون؛ لأنهم لم يكونوا يعقِلون أن الذين سنُّوا لهم تلك السننَ، وأَخْبَروهم أنها من عندِ اللهِ، كَذبَةٌ في أخبارِهم أَفَكَةٌ، بل ظنُّوا أنهم فيما يقولون مُحِقُّون في أخبارِهم صادقون. وإنما معنى الكلامِ: وأكثرُهم لا يعقِلون أن ذلك التحريمَ الذي حرَّمه هؤلاء المشركون، وأضافوه إلى الله تعالى كَذِبٌ وباطلٌ. وهذا القولُ الذي قُلنا في ذلك نظيرُ قولِ الشَّعْبيِّ الذي ذكَرناه قبلُ، ولا معنى لقولِ مَن قال: عنَى بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أهلَ الكتابِ. وذلك أن النكيرَ في ابتداءِ الآيةِ من اللهِ تعالى على مشركي العربِ، فالختمُ بهم أَوْلَى من غيرِهم، إذ لم يكنْ عرَض في الكلامِ ما يُصرَفُ من أجلِه عنهم إلى غيرِهم. وبنحوِ ذلك كان يقولُ قتادةُ. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:

стр. 6075

﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ (١): تحريمُ الشيطانِ الذي يحرِّم عليهم إنما كان الشيطانِ، ولا يعقِلون (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيلَ لهؤلاء الذين يَبْحرون البحائرَ، ويسيِّبون السوائبَ، الذين لا يعقِلون أنهم بإضافتِهم تحريمَ ذلك إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه يفتَرون على اللهِ الكذبَ: تعالَوا إلى تنزيلِ اللهِ وآيِ (٣) كتابِه وإلى رسولِه؛ ليتبيَّن لكم كذب قيلكم فيما تضيفونه إلى اللهِ تعالى ذكرُه من تحريمِكم ما تحرِّمون مِن هذه الأشياء. أجابوا من دعاهم إلى ذلك بأن يقولوا: حَسْبُنا ما وجَدنا عليه آباءَنا مِن قبلِنا يعمَلون به. ويقولون: نحن لهم تبَعٌ وهم لنا أئمةٌ وقادةٌ، قد اكتفينا بما أخَذنا عنهم، ورضِينا بما كانوا عليه من تحريمٍ وتحليلٍ. قال اللهُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : أوَ (٤) لو كان آباءُ هؤلاء القائلين هذه المقالةَ ﴿لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. يقولُ: لم يكونوا يعلَمون أن ما يُضيفونه إلى اللهِ تعالى ذكرُه من تحريمِ البحيرةِ والسائبةِ والوصيلةِ والحامِ، كذبٌ وفريةٌ على اللهِ، لا حقيقةَ لذلك ولا صحةَ؛ لأنهم كانوا عليه من أتباعَ المفترين الذين ابتدءوا تحريمَ ذلك افتراءً على اللهِ، بقيلِهم ما كانوا يقولون من إضافتِهم إلى اللهِ تعالى ذكرُه ما يُضيفون، [ولا] (٥) كانوا فيما هم به عاملون من ذلك

стр. 6076

على استقامةٍ وصوابٍ، بل كانوا على ضلالةٍ وخطأٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يا أَيُّها الذين آمَنوا عليكم أنفسَكم، فأَصْلِحوها واعمَلوا في خلاصِها من عقابِ اللهِ تعالى ذكرُه، وانظُروا لها فيما يقربها من ربِّها، فإنه ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾. يقولُ: لا يضرُّكم مَن كفَر وسلَك غيرَ سبيلِ الحقِّ إذا أنتم اهتديتم وآمنتم بربِّكم، وأَطَعْتموه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، عنه، فحرَّمتم حرامَه وحلَّلتم حلالَه. ونُصِب قوله: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بالإغراءِ، والعربُ تُغْرِى من الصفاتِ بـ "عليك"، و "عندك"، و "دونك"، و "إليك". واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: يا أيُّها الذين آمنوا عليكم أنفسَكم إذا أمَرتم بالمعروفِ ونهَيتم عن المنكرِ فلم يُقْبَلْ منكم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبو الأشهبِ، عن الحسنِ، أن هذه الآيةِ قُرِئت على ابن مسعودٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال ابن مسعود: ليس هذا بزمانِها، قولوها ما قُبِلت منكم، فإذا رُدَّت عليكم فعليكم أنفسَكم. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي الأشهبِ، عن الحسنِ، قال: ذُكِر عندَ ابن مسعودٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ثم ذكَر نحوَه.

стр. 6077

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: قال رجلٌ لابنِ مسعودٍ: ألم يقلِ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: ليس بزمانِها، قولوها ما قُبِلت منكم، فإذا رُدَّت عليكم، فعليكم أنفسَكم (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا شَبَابَةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا الرَّبِيعُ بنُ صَبِيحٍ، سفيانَ بن عِقالٍ، قال: قيل لابنِ عمرَ: لو جلَستَ في هذه الأيامِ فلم تأمُرْ ولم تنهَ، فإن الله تعالى ذكرُه يقولُ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال ابن عمرَ: إنها ليست لي ولا لأصحابي؛ لأن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "ألا فليبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ". فكنا نحن الشهود وأنتم الغَيَبُ، ولكنَّ هذه الآيةَ لأقوامٍ يجيئون من بعدِنا، إن قالوا لم يُقْبَلُ منهم (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ أبي، قال: ثنا قتادة، عن أبي مازنٍ، قال: انطلقتُ على عهدِ عثمانَ إلى المدينةِ، فإذا قومٌ من المسلمين جلوسٌ، فقرأ أحدُهم هذه الآيةَ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. فقال أكثرُهم: لم يجئ تأويلُ هذه الآيةِ اليومَ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن قتادةَ، عن أبي مازنٍ بنحوِه. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وأبو عاصمٍ، قالا: ثنا

стр. 6078

عوفٌ، عن سوَّارِ بن شَبيبٍ، قال: كنتُ عندَ ابن عمرَ، إذ أتاه رجلٌ جَليدٌ في العينٍ، شديدُ اللسانٍ، فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ نحن ستةٌ، كلُّهم قد قرَأ (١) القرآنَ فَأَسْرَع فيه، وكلهم مجتهدٌ لا يألو، وكلُّهم بغيضٌ إليه أن يأتىَ دناءةٍ وهم في ذلك يشهَدُ بعضُهم على بعضٍ بالشركِ؟ فقال رجلٌ من القومِ: وأيَّ دناءةٍ تُرِيدُ (٢) أكثرَ من أن يشهَدَ بعضُهم على بعضٍ بالشركِ؟ قال: فقال الرجلُ: إني لستُ إياك أسألُ، أنا أسألُ الشيخَ. فأعاد على عبدِ اللَّهِ الحديثَ، فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: لعلك ترى، لا أبا لك، أنى سآمرُك أن تذهَبَ [أَن تَقْتُلَهم] (٣)؟! عِظْهم وانهَهم، فإن عَصَوْك فعليك بنفسِك، فإن الله تعالى يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ، أن ابنَ مسعودٍ سأله رجلٌ عن قولِه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: إن هذا ليس بزمانِها، إنها اليومَ مقبولةٌ، ولكنه قد أَوْشَك أن يأتيَ زمانُها (٥)؛ تأمرون بالمعروفِ فيُصنعُ بكم كذا وكذا - أو قال: فلا يُقْبَلُ منكم - فحينئذٍ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٦). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن

стр. 6079

قتادةَ، عن رجلٍ، قال: كنتُ في خلافةِ عثمانَ بالمدينةِ، في (١) حلقةٍ فيهم أصحابُ النبيِّ ﷺ ، فإذا فيهم شيخٌ يُسْنِدون إليه، فقرأ رجلٌ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال الشيخُ: إنما تأويلُها آخرَ الزمانِ (٢). حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا أبو مازنٍ رجلٌ من صالحي الأَزْدِ من الحُدَّانِ (٣)، قال: انطلقت في حياة عثمانَ إلى المدينةِ، فقعَدت إلى حلقة فيها أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقرأ رجلٌ من القومِ هذه الآيةَ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: فقال رجلٌ من أسنٌ القومِ: دعْ هذه الآيةَ، فإنما تأويلُها في آخرِ الزمانِ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا ابن فَضالةَ، عن معاويةَ بن صالحٍ، عن جُبيرِ بن نُفيرٍ، قال: كنتُ في حلقةٍ فيها أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ، وإني لأصغرُ القوم، فتذاكروا الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقولُ في كتابِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فَأَقْبَلوا عليَّ بلسانٍ واحدٍ، وقالوا: [أتَنْتَرِعُ آيةً] (٥) من القرآنِ لا تعرِفُها، ولا تَدْرى ما تأويلُها؟ حتى تمنَّيت أني لم أكنْ تكلمتُ، ثم أقبلوا يتحدَّثون، فلما حضَر قيامُهم، قالوا: إنك غلامٌ حَدَثُ السنِّ، وإنك نزَعتَ بآيةٍ لا تَدْرى ما هي، وعسى أن تدرِكَ ذلك الزمانَ، إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيهِ، فعليك بنفسك، لا يضرُّك مَن ضَلَّ إِذا اهْتَديتَ (٦). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ليثُ بنُ هارونَ، قال: ثنا إسحاقُ الرازيُّ، عن أبي

стр. 6080

جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن عبد اللهِ بن مسعودِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: كانوا عندَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ جلوسًا، فكان بينَ رَجُلَين ما يكونُ بينَ الناسِ، حتى قام كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه، فقال رجلٌ من جلساءِ عبدِ اللَّهِ: ألا أقومُ فآمُرُهما بالمعروفِ وأنهاهما عن المنكرِ؟ فقال آخرُ إلى جنبِه: عليك بنفسِك، فإنّ الله تعالى يقولُ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: فسمِعها ابن مسعودٍ، فقال: مَهْ، لما (١) يجئْ تأويلُ هذه الآيةِ بعدُ، إن القرآنَ أُنْزِل حيث أُنْزِل، ومنه آىٌ قد مضى تأويلُهن قبلَ أن ينزِلْنَ، ومنه ما وقع تأويلُهن على عهدِ النبيِّ ﷺ ، ومنه آىٌ قد وقَع تأويلُهن بعدَ النبيِّ ﷺ بيسيرٍ، ومنه آىٌ يقعُ تأويلُهن بعدَ اليوم، ومنه أي يقعُ تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة، ومنه أي يقع تأويلهن يوم الحساب، على ما ذُكِر من الحسابِ والجنةِ والنارِ، فما دامتْ قلوبُكم واحدةً، وأهواؤُكم واحدةً ولم تُلبسوا شيعًا، ولم يَذُقْ بعضُكم بأسَ بعض، فأْمُروا وانْهَوا، فإذا اخْتَلفت القلوبُ والأهواءُ، وأُلْبِستم شيعًا، وذاق بعضُكم بأسَ بعضٍ، فامرؤٌ ونفْسُه، فعندَ ذلك جاء تأويلُ هذه الآيةِ (٢). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن ابن مسعودٍ، أنه كان بينَ رجُلَين بعضُ ما يكونُ بينَ الناس، حتى قام كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه. ثم ذكَر نحوَه.

стр. 6081

حدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدَامِ، قال: ثنا حَزْمٌ (١)، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: تأوَّل بعضُ أصحابِ النبيِّ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال بعضُ أصحابه: دَعُوا هذه الآية فليست لكم (٢). حدَّثني إسماعيلُ بن إسرائيلَ السَّلَّالُ (٣) الرَّمْليُّ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سويدٍ، قال: ثنا عتبةُ بن أبى حكيمٍ، عن عمرِو بن جاريةَ (٤) اللَّخْميِّ، عن أبي أميةَ الشَّعْبَانيِّ، قال: سألتُ أبا ثَعْلبة الخُشَنيَّ عن هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. فقال: لقد سألتَ عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "أبا ثعلبةَ، ائْتَمِروا بالمعروفِ، وتَناهَوْا عن المنكرِ، فإذا رأيتَ دنيا مُؤثَرةً، وشُحًّا مُطاعًا، وإعجابَ كلِّ ذى رأيٍ برأيِه، فعَلَيْك نفسَك، إِنَّ (٥) مِن بعدِكم أيامَ الصبرِ: للمتمسِّكِ يَوْمَئِذٍ بمثل الذي أنتم عليه كأجرِ خمسين عاملًا". قالوا: يا رسولَ اللَّهِ: كأجرِ خمسين عاملًا منهم؟ قال: "لا، كأجرِ خمسين عاملًا منكم" (٦). حدثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: أخبرنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن ابن المباركِ وغيرِه، عن عتبةَ بن أبي حَكيمٍ، [عن عمرِو بن جاريةَ] (٧)، عن أبي أميةَ الشَّعْبانيِّ، قال: سألتُ أبا ثعلبةَ الخُشَنيَّ كيف نصنعُ بهذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؟ فقال أبو ثعلبةَ: سألتَ عنها خبيرًا، سألتُ عنها

стр. 6082

رسولَ الله ﷺ ، فقال: "ائْتَمِروا بالمعروفِ، وتَنَاهَوا عن المنكرِ، حتى إذا رأيتَ شُحًّا مطاعًا، وهَوًى مُتَّبعًا، وإعجابَ كلِّ ذى رأيٍ برأيِه، فعَلَيْك بخُوَيْصَّةِ نفسك، وذَرْ عوامَّهم، فإن وراءَكم أيامًا أجرُ العاملِ فيها كأجرِ خمسين منكم" (١). وقال آخرون: معنى ذلك أن العبدَ إذا عمِل بطاعةِ اللَّهِ لم يضرَّه مَن ضَلَّ بعدَه وهلَك. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾. يقولُ: إذا ما العبدُ أطاعنى فيما أمَرتُه من الحلالِ والحرامِ، فلا يضرُّه مَن ضلَّ بعدُ، إذا عمِل بما أمَرتُه به (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. يقولُ: أطِيعوا أمرى، واحْفَظوا وصيَّتى (٣). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ليثُ بن هارونَ، قال: ثنا إسحاقُ الرازيُّ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، [عن الربيعِ بن أنسٍ] (٤)، عن صفوانَ بن [مُحْرِزٍ أنه] (٥) دخَل عليه شابٌّ من أصحابِ الأهواءِ، فذكَر شيئًا من أمرِه، فقال صفوانُ: ألَا أدلُّك على خاصَّةِ اللهِ

стр. 6083

التي خصَّ بها أولياءَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ الآية (١). حدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ أبى عُميرٍ، قال: ثنا أبو المطرِّفِ المخزوميُّ، قال: ثنا جُويبرٌ، عن الضحَّاكِ، عن ابِن عباسٍ، قال: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾: ما لم يكن سيفٌ أو سوطٌ (٢). حدَّثنا عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا ضمرةُ بنُ ربيعةَ، قال: تلا الحسنُ هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال الحسنُ: الحمدُ للهِ، بها، والحمدُ للهِ عليها، ما كان مؤمنٌ فيما مضى، ولا مؤمنٌ فيما بقى، إلَّا وإلى جانبِه منافقٌ يكرَهُ عملَه (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فاعمَلوا بطاعةِ اللهِ، ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فأمَرقم (٣) بالمعروفِ ونهيتم عن المنكرِ. ذكرُ من قال ذلك حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عَنْبسةَ، عن [أبي سعدٍ] (٤) البقَّالِ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: إذا أَمَرتَ بالمعروف ونهَيتَ عن المنكر، لا يضرُّك مَن ضلَّ إذا اهتديتَ (٢). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي العُمَيسِ، عن

стр. 6084

أبى البحْتَريِّ، عن حذيفة: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: إذا أمَرتم ونهَيتم (١). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن أبي خالدٍ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ، قال: قال أبو بكرٍ: تقرَءون هذه الآيةَ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. وإن الناسَ إذا رأَوا الظالمَ - قال ابن وكيعٍ: فلم يأخُذوا على يديه - أَوْشَك أن يعمَّهم اللهُ بعقابِه (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ وابنُ فُضيلٍ، عن بَيانٍ، عن قيسٍ، قال: قال أبو بكرٍ: إنكم تقرءون هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. وإن القومَ إذا رأَوا الظالمَ فلم يأخُذوا على يديه، يعمُّهم اللهُ بعقابِه (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، عن أبي بكرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، فذكَر نحوَه (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. يقولُ: مُروا بالمعروفِ وانْهَوا عن المنكرِ. قال أبو بكرِ بنُ أبى قُحافةَ:

стр. 6085

يا أيُّها الناسُ لا تغترُّوا بقولِ اللَّهِ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. فيقول أحدُكم: عليَّ نفسِي. واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بالمعروفِ وتَنْهَوُنَّ عن المنكرِ، أو لَتُسْتَعْمَلَنَّ عليكم شُرارُكم، فلَيَسُومُنَّكم سوءَ العذابِ، ثم لَيدعُو الله خيارُكم فلا يستجيبُ لهم (١). حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، قال: ثنا بَيانٌ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ، قال: قال أبو بكرٍ وهو على المنبرِ: يا أيُّها الناسُ إنكم تقرءون هذه الآيةَ على غيرِ موضعِها: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. وإن الناسَ إذا رأَوا الظالمَ فلم يأخُذوا على يديه عمَّهم اللهُ بعقابِه. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنى عيسى بنُ المسيَّبِ البَجَليُّ، قال: ثنا قيسُ بنُ أبى حازمٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ يقرأُ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إذا رأى الناسُ المنكرَ [فلم يغيِّروه] (٢)، والظالمَ فلم يأخُذوا على يديه، فيُوشِكُ أن يُعمَّهم اللهُ منه بعقابٍ" (٣). حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا سعيدُ بنُ سالمٍ، قال: ثنا منصورُ بنُ دينارٍ، عن عبدِ الملكِ بن مَيْسرةَ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ، قال: صعِد أبو بكرٍ المنبرَ؛ منبرَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيُّها الناسُ، إنكم لتتلُون آيةً من كتابِ اللهِ وتعُدُّونها رُخصةً، واللَّهِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ في كتابِه أَشدَّ منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. واللهِ

стр. 6086

لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكرِ، أو لَيَعُمَّنَّكم اللهُ منه بعقابٍ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إدريسَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا مُجالدُ بنُ سعيدٍ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرٍ يقولُ وهو يخطُبُ الناسَ: يا أيُّها الناسُ، إنكم تقرءون هذه الآيةَ ولا تدرُون ما هي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإني سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إن الناسَ إذا رأوا منكرًا فلم يغيِّروه عمَّهم اللهُ بعقابٍ" (٢). وقال آخرون: بل معنى هذه الآيةِ: لا يضرُّكم من حادَ عن قصدِ السبيلِ وكفَر باللهِ من أهلِ الكتابِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: يعنى: مَن ضَلَّ من أهلِ الكتابِ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: أُنْزِلت في أهل الكتابِ. وقال آخرون: عُنِى بذلك كلُّ مَن ضلَّ عن دينِ اللهِ الحقِّ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في

стр. 6087

قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: كان الرجلُ إِذا أَسْلَم قالوا له: سفَّهتَ آباءَك وضلَّلتهم، وفعَلتَ وفعَلتَ، وجعَلتَ آباءَك كذا وكذا، كان ينبغِى لك أن تنصُرَهم، وتفعَلَ. فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١). وأولى هذه الأقوالِ وأصحُّ التأويلاتِ عندنا بتأويلِ هذه الآيةِ ما رُوِى عن أبي بكرٍ الصديقِ ﵁ فيها، وهو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، الْزَموا العملَ بطاعةِ اللهِ، وبما أمَركم به، وانْتَهوا عما نهاكم اللهُ عنه، ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. يقولُ: فإنه لا يضرُّكم ضلالُ مَن ضلَّ إذا أنتم لزِمتُم (٢) العملَ بطاعةِ اللهِ، وأدَّيتُم في من ضلَّ من الناسِ ما أَلْزَمكم اللهُ به فيه، مِن فرضِ الأمرِ بالمعروفِ، والنهى عن المنكرِ الذي يركَبُه أو يحاولُ ركوبَه، والأخذِ على يديه إذا رام ظلمًا لمسلمٍ أو مُعاهَدٍ، ومنَعه منه، فأبى النزوعَ عن ذلك، ولا ضَيْرَ عليكم في تمادِيه في غيِّه وضلالِه إذا أنتم اهتديتُم وأدَّيتم حقَّ اللهِ تعالى ذكرُه فيه. وإنما قلنا: ذلك أولَى التأويلاتِ في ذلك بالصوابِ؛ لأن الله تعالى ذكرُه أمَر المؤمنين أن يقوموا بالقسطِ، ويتعاونوا على البرِّ والتقوَى، ومن القيامِ بالقسطِ الأخذُ على يدَى الظالِم، ومن التعاونِ على البرِّ والتقوى الأمرُ بالمعروف، وهذا مع ما تظاهَرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ من أمرِه بالأمرِ بالمعروفِ والنهى عن المنكرِ. ولو كان للناسِ تركُ ذلك لم يكنْ للأمرِ به معنًى إلا في الحالِ التي رخَّص فيه رسولُ اللهِ ﷺ تركَ ذلك، وهى حالُ العجزِ عن القيامِ به بالجوارحِ الظاهرةِ، فيكونُ

стр. 6088

مرخَّصًا له تركُه، إذا قام حينَئذٍ بأداءِ فرضِ اللهِ عليه في ذلك بقلبِه. وإذا كان ما وصَفنا من التأويلِ بالآيةِ أولَى، فبيِّنٌ أنه قد دخَل في معنى قولِه: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ما قاله حذيفةُ وسعيدُ بنُ المسيِّبِ، من أن ذلك إذا أمَرتم بالمعروفِ، ونهيتم عن المنكرِ. ومعنى ما رواه أبو ثَعْلبةَ الخُشَنيُّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ . القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به من عبادِه: اعمَلوا أيُّها المؤمنون بما أمَرتُكم به، وانتهُوا عما نهيتُكم عنه، ومُروا أهلَ الزَّيغِ والضلالِ ومَن حادَ عن سبيلى بالمعروفِ، وانهَوْهم عن المنكرِ، فإن قبِلوا فلهم ولكم، وإن تمادَوْا في غيِّهم وضلالِهم، فإنّ إليَّ مرجِعَ جميعِكم، ومصيرَكم في الآخرةِ ومصيرَهم، وأنا العالمُ بما يعمَلُ جميعُكم من خيرٍ وشرٍّ، فأُخْبِرُ هناك كلَّ فريقٍ منكم بما كان يعمَلُه في الدنيا، ثم أُجازِيه على عملِه الذي قدِم به عليَّ جزاءَه، حَسبَ استحقاقِه، فإنه لا يَخْفى عليَّ عملُ عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثَى. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. يقولُ: لِيشهَدْ بينَكم، ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾. يقولُ: وقتَ الوصيةِ ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: ذوا رَشَدٍ وعقلٍ وحِجًا من المسلمين. كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وعبيد (١) اللهِ بنُ يوسفَ الجُبَيْرِيُّ، قالا: ثنا مُؤَمَّلُ

стр. 6089

ابن إسماعيلَ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ في قولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. قال: ذوى عقلٍ. واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى به: من أهلِ ملتِكم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: شاهدان، ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ من: المسلمين (١). حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سويدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ في قولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: من المسلمين (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا ابن أبى عديِّ، عن سعيدٍ، عن قتادَة، عن سعيدِ بن المسَّيبِ في قولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: اثنان من أهلِ دينِكم (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أشعثَ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: سألتُه عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: من الملَّةِ (٣). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، عن

стр. 6090

عَبيدة بمثلِه، إلَّا أنه قال فيه: من أهلِ الملَّةِ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ عن هذه الآيةِ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: من أهلِ الملَّةِ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن عونٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حسينٌ، عن زائدةَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، قال: سألتُ عبيدةَ. فذكَر مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن حمادٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن حماد بن زيدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: ذوا عَدْلٍ من أهلِ الإسلامِ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبًرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: من المسلمين (٣). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان سعيدُ بنُ المسيَّبِ يقولُ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. أي: من أهلِ الإسلامِ. وقال آخرون: عُنِى بذلك ذوا عَدْلٍ من حتِّى المُوصِى. وذلك قولٌ رُوِى عن

стр. 6091

عكرمةَ وعَبيدةَ وعِدَّةٍ غيرِهما. واخْتَلفوا في صفةِ الاثنين اللذين ذكَرهما اللهُ في هذه الآيةِ؛ ما هي؟ وما هما؟ فقال بعضُهم: هما شاهدان يشهَدان على وصيةِ المُوصِى. وقال آخرون: هما وَصِيَّان. وتأويلُ الذين زعَموا أنهما شاهدان قولَه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: ليشهَدْ شاهدان ذوا عدلٍ منكم على وصيَّتِكم. وتأويلُ الذين قالوا: هما وَصِيَّان لا شاهدان قولَه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: بمعنى الحضورِ والشهودِ لما يُوصيهما به المريضُ. من قولِك: شهِدتُ وصيةَ فلانٍ، بمعنى: حضَرتُه. وأَوْلَى التأويلين بقولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. تأويلُ من تأوَّله بمعنى أنهما من أهلِ الملةِ، دونَ مَن تأوَّله أنهما من حيِّ المُوصِى. وإنما قلنا: ذلك أَوْلَى التأويلين بالآيةِ؛ لأن الله تعالى ذكرُه عمَّ المؤمنين بخطابِهم بذلك في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. فغيُر جائزٍ أن يُصْرَفَ مَا عَمَّه اللَّهُ تعالى ذكرُه إلى الخصوصِ إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يكونَ العائدُ من ذكِرهم (١) على العمومِ، كما كان ذكرُهم ابتداءً على العمومِ. وأَولَى المعنيين بقولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. [اليمينُ لا] (٢) الشهادةُ التي يقومُ بها مَن عندَه شهادةٌ لغيرِه، لمن هي عندَه، على مَن هي عليه عندَ الحُكّام؛ لأنا لا نعلَمُ للهِ

стр. 6092

تعالى حكمًا يجب فيه على الشاهدِ اليمينُ، فيكونَ جائزًا صرفُ الشهادةِ في هذا الموضعِ إلى الشهادةِ التي يقومُ بها بعضُ الناسِ عندَ الحكَّامِ والأئمةِ. وفي حكمِ الآيةِ في هذه، اليمينَ على ذوى العدلِ، وعلى من قام مقامَهم، باليمين (١) بقولِه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ - أوضحُ الدليلِ على صحةِ ما قلنا في ذلك، من أن الشهادةَ فيه الأيمانُ، دونَ الشهادةِ التي يُقضَى [بها للمشهودِ] (٢) له على المشهودِ عليه، وفسادِ ما خالفه. فإن قال قائلٌ: فهل وجدتَ في حكمِ اللهِ تعالى ذكرُه يمينًا تجبُ على المدَّعِي، فتُوَجِّهَ قولَك في الشهادةِ في هذا الموضعِ إلى الصحةِ؟ فإن قلتَ: لا. تبيَّن فسادُ تأويلِك ذلك على ما تأوَّلتَ؛ لأنه يجبُ على هذا التأويلِ أن يكونَ المقسِمان في قولِه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة:١٠٧]. هما المُدَّعِيَيْن. وإن قلت: بلى. قيل لك: وفى أيِّ حكمِ اللهِ تعالى وجدتَ ذلك؟ قيل: وجَدنا ذلك في أكثرِ المعانى، وذلك في حكمِ الرجلِ يَدَّعِى قِبَلَ رجلٍ مالًا، فيقرُّ به المُدَّعَى عليه قِبَلَه ذلك، ويَدَّعى قضاءَه، فيكونُ القولُ قولَ ربِّ الدَّيْنِ، والرجلِ يعترِفُ (٣) في يدِ الرجلِ السلعةَ، فيزعُمُ المعترفُ في يدِه أنه اشتراها من المُدَّعِى، أو (٤) أن المُدَّعِيَ وهبَها له، وما أَشْبَه ذلك مما يكثُرُ

стр. 6093

إحصاؤُه. وعلى هذا الوجهِ أَوْجَب اللهُ تعالى في هذا الموضعِ اليمينَ على المُدَّعِيَيْن اللذين عَثَرا على [الخائنيِن فيما خانا] (١) فيه. واخْتَلف أهلُ العربيةِ في الرافعِ قولَه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. وقولَه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: شهادةُ اثنين ذَوَىْ عَدْلٍ. ثم أُلْقِيت "الشهادةُ"، وأُقِيم "الاثنانِ" ومقامَها، فارتفعا بما كانت "الشهادةُ" به مرتفعةً لو جُعِلت في الكلامِ. قال: وذلك - في حذفِ ما حُذِف منه، وإقامةِ ما أُقِيم مُقامَ المحذوفِ - نظيرُ قولِه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وإنما يريدُ: واسألْ أهلَ القريةِ. وانْتَصَبت "القريةُ" بانتصابِ "الأهلِ"، وقامت مَقامَه. ثم عُطِف قولُه: ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ على "الاثنين". وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: رفعُ "الاثنين" بـ "الشهادةِ". أي: ليشهَدْكم اثنانِ من المسلمين أو آخَران من غيرِكم. وقال آخَرُ منهم: رُفِعت "الشهادةُ" بـ ﴿إِذَا حَضَرَ﴾. وقال: إنما رُفِعت بذلك لأنه قال: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾. فجعَلها شهادةً محذوفةً مستأنفةً، ليست بالشهادةِ التي قد رُفِعت لكلِّ الخلقِ؛ لأنه قال تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. وهذه شهادةٌ لا تقعُ إلا في هذه الحالِ، وليست مما يثبتُ. وأَوْلَى هذه الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: "الشهادةُ" مرفوعةٌ بقولِه: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾؛ لأن قولَه: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾. بمعنى: عندَ حضورِ أحدِكم الموتُ، و "الاثنان" مرفوعٌ بالمعنى المتوهَّمِ، وهو: أن يشْهَدَ اثنان. فاكْتُفِىَ من قيل: أن يشهَدَ. بما قد جرَى من ذكرِ "الشهادةِ" في قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾.

стр. 6094

وإنما قلنا: ذلك أَوْلى بالصوابِ؛ لأن "الشهادةَ" مصدرٌ في هذا الموضعِ، و "الاثنان" اسمٌ، والاسمُ لا يكونُ مصدرًا، غيرَ أن العربَ قد تضعُ الأسماءَ مواضعَ الأفعالِ (١)، فالأمرُ وإن كان كذلك، فصرفُ كلِّ ذلك إلى أصحِّ وجوهِه ما وجَدنا إليه سبيلًا، أَوْلى بنا من صرفِه إلى أضعفِها. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: ليشهَدْ بينَكم إذا حضَر أحدَكم الموتُ عَدْلانِ من المسلمين، أو آخَران من غيرِ المسلمين. وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: أو آخَران من غيِر أهلِ ملتِكم. نحوَ الذي قلنا فيه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعدةَ وبشرُ (٢) بنُ معاذٍ، قالا: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّب: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من أَهلِ الكتابِ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يحدِّثُ عن سعيدِ بن المسيَّبِ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من أهلِ الكتابِ (٤).

стр. 6095

حدَّثني أبو حفصٍ الجُبيريُّ عبيدُ اللهِ بنُ يوسفَ، قال: ثنا مُؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ مثلَه. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عَديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدٍ مثلَه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، وسليمانُ التَّيْميُّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، أنهما قالا في قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قالا: من غيرِ أهلِ ملتِكم (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، قال: ثنى مَن سمِع سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ مثلَ ذلك (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا التَّيْمِيُّ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: من غيرِ أهلِ ملَّتِكم (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: إن كان قُرْبَه أحدٌ من المسلمين أَشْهَدهم، وإلَّا أَشْهَد رجلين من المشركين.
следующие страницы →