← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

الصُّورِ﴾، وقولُه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّور﴾. مَحَلًّا، وقولُه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. مِن صلتِه، كان جائزاً. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يُقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أَخْبَر أنه المنفردُ بخلقِ السماواتِ والأرضِ دونَ كلِّ ما سِواه، مُعَرِّفًا مَن أَشْرَكَ بِه مِن خلقِه جهلَه في عبادتِه (١) الأوثانَ والأصنامَ، وخطأَ ما هم عليه مُقِيمون مِن عبادةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ولا يَقْدِرُ على اجْتلابِ نفعٍ إلى نفسِه، ولا دفعِ ضَرٍّ عنها، ومُحْتَجًّا عليهم في إنكارِهم البعثَ بعدَ المماتِ، والثوابَ والعقابَ، بقدرتِه على ابتداعِ ذلك ابتداءً، وأن الذي ابْتَدَع ذلك غيرُ مُتَعَذِّرٍ عليه إفناؤُه، ثم إعادتُه بعدَ إفنائِه، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أيها العادِلون بربِّهم مَن لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ولا يَقْدِرُ على شيءٍ، ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ﴾ حجةً على خلقِه؛ ليَعْرِفوا بها صانعَها، ولِيَسْتَدِلُّوا بها على عظيمِ قدرتِه وسلطانِه، فيُخْلِصوا له العبادةَ، ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. يقولُ: ويومَ يقولُ حينَ تُبَدِّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماواتُ كذلك: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. كما شاء تعالى ذكرُه، فتَكونُ الأرضُ غيرَ الأرضِ. [ويكونُ] (٢) الكلامُ (٣) عندَ قولِه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. مُتَناهِياً. وإذا كان كذلك معناه، وجَب أن يَكونَ في الكلامِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه الظاهرُ، ويكونَ معنى الكلامِ: ويومَ يقولُ كذلك (٤): ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. تَبَدُّلُه (٥) غيرَ السماواتِ والأرضِ. ويَدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ

стр. 6372

السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾، ثم ابْتَدَأَ الخبرَ عن القولِ فقال: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾. بمعنى: وعدُه هذا (١) الذي وعَدَ تعالى ذكرُه، مِن تبديلِه السماواتِ والأرضَ غيرَ الأرضِ والسماواتِ، الحقُّ الذي لا شكَّ فيه، ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. فيكونُ قولُه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. مِن صلةِ المُلْكِ، ويَكونُ معنى الكلامِ: وللهِ الملكُ يومَئذٍ؛ لأن النفخةَ الثانيةَ في الصورِ حالَ تبديلِ اللهِ السماواتِ والأرضَ غيرَهما (٢). وجائزٌ أن يكونَ القولُ، أعْنِي: ﴿قَولُهُ الْحَقُّ﴾. مرفوعًا بقولِه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ويكونَ قولُه: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾. محلًّا للقولِ مُرافعًا. فيكونُ تأويلُ الكلامِ: وهو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، ويومَ يُبَدِّلُها غيرَ السماواتِ والأرضِ فيقولُ لذلك: ﴿كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾. وأما قولُه: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾. فإنه خُصَّ بالخبرِ عن ملكِه يومَئذٍ، وإن كان الملكُ له خالصًا في كلِّ وقتِ في الدنيا والآخرةِ؛ لأنه عنَى تعالى ذكرُه أنه لا مُنازِعَ له فيه يومَئِذٍ، ولا مُدَّعِيَ له، وأنه المنفردُ به دونَ كلِّ مَن كان يُنازِعُه فيه في الدنيا مِن الجَبابرةِ، فأذْعَن جميعُهم يومَئذٍ له به، وعلِموا أنهم كانوا مِن دَعْواهم في الدنيا في باطلٍ. واخْتُلِف في معنى (الصورِ) في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو قرنٌ يُنْفَخُ فيه نَفْختان؛ إحداهما لفناءِ مَن كان حيًّا على الأرضِ، والثانيةُ لنشرِ كلِّ مَيتٍ. واعْتَلُّوا لقولِهم ذلك بقولِه (٣): ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا

стр. 6373

مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. وبالخبر الذي رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ ، أنه قال إذ سُئِل عن الصورِ: (هو قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه) (١). وقال آخَرون: الصورُ في هذا الموضعِ جمعُ صُورةٍ، يُنْفَخُ فيها رُوحُها فتَحْيا، كقولِهم (٢): سُورٌ. لسورِ المدينةِ، وهو جمعُ سُورةٍ، كما قال جريرٌ (٣): * سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ * والعربُ تقولُ: نُفِخ في الصورِ، ونُفِخ الصورُ. ومِن قولِهم: نُفِخ الصورُ. قولُ الشاعرِ (٤): لولا ابنُ جَعْدةَ لم تُفْتَحْ قُهُنْدُزُكُمْ (٥) … ولا خُراسانُ حتى يُنْفَخَ الصُّورُ والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: (إن إسْرافيلَ قد الْتَقَم الصُّورَ وحنَى جَبْهَتَه، يَنْتَظِرُ متى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخَ). وأنه قال: (الصُّورُ قرنٌ يُنْفَخُ فيه). وذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. يعني: أن عالمَ الغيبِ والشهادةِ [هو الذي يَنْفُخُ في الصورِ] (٦).

стр. 6374

حدَّثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾. يعني: أن عالمَ الغيبِ والشهادةِ هو الذي يَنْفُخُ في الصورِ (١). فكأن ابنَ عباسٍ تأوَّل في ذلك أن قولَه: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾. اسمُ الفاعلِ الذي لم يُسَمَّ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّور﴾. وأن معنى الكلامِ: يومَ يَنْفُخُ اللهُ في الصورِ عالمُ الغيبِ والشهادةِ. كما تقولُ العربُ: أُكِل طعامُك عبدُ اللهِ. فتُظْهِرُ اسمَ الآكلِ بعدَ أن قد جرَى الخبرُ بما لم يُسَمَّ آكِلُه. وذلك وإن كان وجهاً غيرَ مدفوعٍ، فإن أحسنَ مِن ذلك أن يكونَ قولُه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. مرفوعًا على أنه نعتٌ لـ ﴿الَّذِى﴾، في قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾. ورُوِي عنه أيضاً أنه كان يقولُ: الصُّورُ في هذا الموضعِ النَّفْخةُ الأُولى. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: يعني بالصُّورِ النفخةَ الأولى، ألم تَسْمَعْ أنه يقولُ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ يعني الثانيةَ، ﴿فَإِذَا هُم قِيَام يَنظُرُونَ﴾ (٢) [الزمر: ٦٨]. ويعني بقولِه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: عالمُ ما تُعايِنون أيُّها الناسُ فتُشاهِدُونه، [وما] (٣) يَغِيبُ عن حَواسِّكم وأبصارِكم فلا تُحِسُّونه ولا تُبْصِرونه،

стр. 6375

﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه وتصريفِه خلقَه مِن حالِ الوجودِ إلى العدمِ، ثم مِن حالِ العدمِ والفناءِ إلى الوجودِ، ثم في مُجازاتِهم بما يُجازِيهم به، مِن ثوابٍ أو عقابٍ، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بكلِّ ما يَعْمَلونه ويَكْسِبونه مِن حسنٍ وسيءٍ، حافظٌ ذلك عليهم، ليُجازِيَهم على كلِّ ذلك. يقولُ تعالى ذكرُه: فاحْذَروا أيها العادِلون بربِّكم عقابَه؛ فإنه عليمٌ بكلِّ ما تَأْتُون وتَذَرُون، وهو لكم مِن وراءِ الجَزاءِ على ما تَعْمَلون. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : واذْكُرْ يا محمدُ لحِجاجِك الذي تُحاجُّ به قومَك، وخُصومتِك إياهم في آلهتِهم، وما تُراجِعُهم فيها، مما نُلقِيه إليك، ونُعْلِمُكه مِن البرهانِ والدلالِة على باطلِ ما عليه قومُك مُقِيمون، وصحةِ ما أنت عليه مُقيمٌ مِن الدينِ، وحقيقةِ (١) ما أنت (٢) عليهم مُحْتَجٌّ - حِجاجَ إبراهيمَ خليلي قومَه، ومُراجَعتَه إياهم في باطلِ ما كانوا عليه مُقِيمين مِن عبادةِ الأوثانِ، وانقطاعَه إلى اللهِ، والرضا به والياً وناصرًا دونَ الأصنامِ، فاتَّخِذْه إماماً، واقْتَدِ به، واجْعَلْ سيرتَه في قومِه لنفسِك مثالاً، إذ قال لأبيه مُفارِقًا لدينِه، وعائِباً (٣) عليه (٤) عبادتَه الأصنامَ دونَ بارئِه وخالقِه: يا آزرُ. ثم اخْتَلَف أهلُ العلمِ في المعنيِّ بـ ﴿آزَرَ﴾، وما هو، اسمٌ هو (٤) أم صفةٌ؟ وإن كان اسماً فمَن المُسَمَّى به؟ فقال بعضُهم: هو اسمُ أبيه.

стр. 6376

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾. قال: اسمُ أبيه آزرُ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: آزرُ أبو إبراهيمَ، وكان فيما ذُكِر لنا - واللهُ أعلمُ - رجلًا مِن أهلِ كُوثَى، مِن قريةٍ بالسَّوادِ، سَوادِ الكوفةِ (٢). حدَّثني ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، قال: سَمِعْتُ سعيدَ بنَ عبدِ العزيزِ يَذْكُرُ قال: هو آزَرُ، وهو تارَحُ، مثلُ إسرائيلَ ويعقوبَ. [وقال آخَرون: إنه ليس أبا إبراهيمَ] (٣). ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ قالا: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: ليس آزرُ أبا إبراهيمَ (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثني عبدُ العزيزِ، قال: ثنا الثوريُّ، قال: أخْبرَني رجلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾. [قال: آزرُ] (٥) لم

стр. 6377

يَكُنْ بأبيه، إنما هو صنمٌ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: آزرُ اسمُ صنمٍ. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾. قال: اسمُ أبيه. ويقالُ: لا، بل اسمُه تارَحُ (٢)، واسمُ الصنمِ آزَرُ، يقولُ: أَتتَّخِذُ آزَرَ (٣) أَصْناماً آلهةً (٤). وقال آخَرون: هو سبٌّ وعيبٌ بكلامِهم، ومعناه مُعْوَجٌّ. كأنه تأوَّل أنه عابه بزَيْغِه واعْوِجاجِه عن الحقِّ. واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾. بفتحِ آزرَ على إتْباعِه الأبَ في الخفضِ، ولكنه لمَّا كان اسماً أعجميًّا فتَحُوه، إذ لم يُجْرُوه، وإن كان في موضعِ خفضٍ. وذُكِر عن أبي يزيدَ المَدِينيِّ والحسنِ البصريِّ أنهما كانا يَقْرَآن ذلك: (آزَرُ). بالرفعِ على النداءِ، بمعنى: يا آزرُ (٥). فأما الذي ذُكِر عن السديِّ مِن (٦) حكايتِه أن آزرَ اسمُ صنمٍ، وإنما نصْبُه بمعنى: أَتَتَّخِذُ آزرَ أصناماً آلهةً. فقولٌ مِن الصوابِ مِن جهةِ العربيةِ بعيدٌ؛ وذلك أن العربَ لا

стр. 6378

تَنْصِبُ اسماً بفعلٍ بعدَ حرفِ الاستفهامِ، لا تقولُ: أخاك أَكَلَّمْتَ؟ وهي تُرِيدُ: أكَلَّمْتَ أخاك؟ والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندي قراءةُ مَن قرَأ بفتحِ الراءِ مِن ﴿آزَرَ﴾ (١)، على إتْباعِه إعرابَ الأبِ، وأنه في موضعِ خفضٍ، ففتِح إذ لم يَكُنْ جاريًا؛ لأنه اسمٌ أعجميٌّ. وإنما اخْتَرْتُ (٢) قراءةَ ذلك كذلك؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه. وإذ كان ذلك هو الصوابَ مِن القراءةِ، وكان غيرَ جائزٍ أن يَكونَ منصوبًا بالفعلِ الذي بعدَ حرفِ الاستفهامِ، صحَّ لك فتحُه مِن أحدِ وجهين؛ إما أن يَكونَ اسماً لأبي إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه وعلى جميعِ أنبيائِه ورسلِه، فيَكونَ في موضعِ خفضٍ ردّاً على الأبِ، ولكنه فُتِح لِمِا ذكَرْتُ مِن أنه لمَّا كان اسماً أعجميًّا تُرِك إجْراؤُه، فقُتِح كما تَفْعَلُ (٣) العربُ في أسماءِ العجمِ. أو يَكونَ نعتاً له، فيَكونَ أيضًا خفضًا، بمعنى تَكريرِ اللامِ (٤) عليه، ولكنه لمَّا خرَج مَخْرَجَ أَحمرَ وأسودَ، تُرِك إجراؤُه، وفُعِل به كما يُفْعَلُ بأشكالِه. فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: وإذ قال إبراهيمُ لأبيه الزائِغِ (٥): أَتَتَّخِذُ أصناماً آلهةً؟ وإن لم يَكُنْ له وجْهٌ (٦) في الصوابِ إلا أحدُ هذين الوجهين، فأولى القولين منهما (٧) بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: هو اسمُ أبيه. لأن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَر أنه أبوه، وهو القولُ المحفوظُ مِن قولِ أهلِ العلمِ، دونَ القولِ الآخرِ الذي زعَم قائلُه أنه نعتٌ.

стр. 6379

فإن قال قائلٌ: فإن أهلَ الأنسابِ إنما يَنْسِبون إبراهيمَ إلى تارَحَ (١)، فكيف يَكونُ آزرُ اسماً له، والمعروفُ به مِن الاسم تارَحُ (١)؟ قيل له: غيرُ مُحالٍ أن يَكونَ كان (٢) له اسمان، كما لكثيرٍ مِن الناسِ في دهْرِنا هذا، وكان ذلك فيما مضَى لكثيرٍ منهم، وجائزٌ أن يَكونَ كان (٢) لَقَبًا [يُلَقَّبُ به] (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾ وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن قِيلِ إبراهيمَ لأبيه آزرَ أنه قال: أتتَّخِذُ أَصْناماً آلهةً تَعْبُدُها وتَتَّخِذُها ربّاً دونَ اللهِ الذي خلَقَك فسوَّاك ورزَقَك؟ والأصنامُ جمعُ صنمٍ، والصنمُ التمثالُ مِن حجرٍ أو خشبٍ أو مِن غيرِ ذلك، في صورةِ إنسانٍ، وهو الوَثَنُ، وقد يقالُ للصورةِ المُصَوَّرةِ على صورةِ الإنسانِ في الحائطِ وغيرِه: صَنَمٌ ووَثَنٌ. ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: إني أرَاك يا آزرُ وقومَك الذين يَعْبُدون معك الأصنامَ، ويَتَّخِذُونها آلهةً، ﴿فِي ضَلَالٍ﴾. يقولُ: في زَوالٍ عن مَحَجَّةِ الحقِّ، وعدولٍ عن سبيلِ الصوابِ، ﴿مُبِينٍ﴾. يقولُ: يَتَبَيَّنُ لَمَن أَبْصَره أنه جَوْرٌ عن قصدِ السبيلِ، وزوالٌ عن مَحَجَّةِ الطريقِ القَويمِ. يعني بذلك: أنه قد ضلَّ هو وهم عن توحيدِ اللهِ وعبادتهِ، الذي اسْتَوْجب عليهم إخلاصَ العبادةِ له بآلائِه

стр. 6380

عندَهم، دونَ غيرِه مِن الآلهةِ والأوثانِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ﴾: وكما أَرَيْناه البصيرةَ في دينِه، والحقَّ في خلافِه (١) ما (٢) كانوا عليه مِن الضَّلالِ، نُرِيه مَلَكوتَ السماواتِ والأرضِ. يعني ملْكَه (٣). وزِيدَت فيه التاءُ كما زِيدَت في (٤) الجبَروتِ مِن الجَبْرِ، وكما قيل: رَهَبُوتٌ خيرٌ مِن رَحَمُوتٍ. بمعنى: رَهْبَةٌ خيرٌ مِن رحمةٍ. وحُكِي عن العربِ سَماعاً: له مَلَكوتُ اليمنِ والعراقِ. بمعنى: له ملكُ ذلك. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: نُرِيه خلقَ السماواتِ والأرضِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ (٥): خلْقَ السماواتِ والأرضِ (٦).

стр. 6381

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أيْ خلْقَ السماواتِ والأرضِ، ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: [يعني بـ ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾] (١) خلقَ السماواتِ والأرضِ (٢). وقال آخَرون: معنى الملكوتِ المُلْكُ. بنحوِ التأويلِ الذي تأوَّلْناه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ أبي زائدةَ، قال: سمِعْتُ عكرمةَ، وسأَله رجلٌ عن قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: [هو المُلْكُ] (٣)، غيرَ أنه (٤) بكلامِ النَّبَطِ مَلكوثا (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابنِ أبي زائدةَ، عن عكرمةَ، قال: هي بالنَّبَطيةِ مَلَكوثا (٦).

стр. 6382

وقال آخَرون: معنى ذلك: آيات السماواتِ والأرضِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: آياتِ السماواتِ والأرضِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: آياتِ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: تَفَرَّجَت لإبراهيمَ السماواتُ السبعُ حتى العرشِ، فنظَر فيهن، وتفرَّجَت [له الأرَضُون] (٢) السبعُ فنظَر فيهن (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. قال: أُقِيم على صخرةٍ، وفُتِحَت له السماواتُ، فنظَر إلى مُلْكِ اللهِ فيها، حتى نظَر إلى مكانهِ في الجنةِ، وفُتِحَت له الأرَضون، حتى نظَر إلى أسفلِ

стр. 6383

الأرضِ، فذلك قولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧]. يقولُ: آتَيْناه مكانَه في الجنةِ. ويقالُ: أجرُه الثناءُ الحسنُ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: فُرِجَت له السماواتُ، فنظَر إلى ما فيهن، حتى انْتَهى بصرُه إلى العرشِ، وفُرِجَت له الأرَضُون السبعُ، فنظَر ما فيهن. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: كُشِف له عن أدِيمِ السماواتِ والأرضِ، حتى نظَر إليهن على صخرةٍ، والصخرةُ على حُوتٍ، والحوتُ على (٢) خاتَمِ ربِّ العِزَّةِ، لا إلهَ إلا اللهُ. حدَّثنا هنادٌ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا أبو مُعاويةَ، عن عاصمٍ، عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ، قال: لمَّا أُرِي (٣) إبراهيمُ مَلكوتَ السماواتِ والأرضِ رأَى عبداً على فاحشةٍ، فدعا عليه فهلَك، ثم رأَى آخرَ على فاحشةٍ، فدعا عليه فهلَك، ثم رأَى آخرَ على فاحشةٍ، فدعا عليه فهلَك، فقال: أنْزِلوا عبدي لا يُهْلِكُ عبادي (٤). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبِيِصةُ، عن سفيانَ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ،

стр. 6384

قال: لمَّا رفَع اللهُ إبراهيمَ في الملكوتِ في السماواتِ، أَشْرَف فرأى عبدًا يَزْني، فدعا عليه فهلَك، ثم رُفِع، فأَشْرَف فرأَى عبدًا يَزْني، فدعا عليه فهلَك، ثم رُفِع، فأَشْرَف فرأى عبدًا يَزْني، فدعا عليه، فنُودِي: على رِسْلِك يا إبراهيمُ، فإنك عبدٌ مُسْتَجَابٌ لك، وإني مِن عبدي على ثلاثٍ؛ إما أن يَتوبَ إليَّ فأْتُوبَ عليه، وإما أن أُخْرِجَ منه ذريةً طيبةً، وإما أن يَتَمادَى فيما هو فيه، فأنا مِن ورائِه (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الوَهَّابِ، عن عوفٍ، عن قسامةَ (٢)، أن إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ حدَّث نفسَه أنه أرحمُ الخلقِ، وأن اللهَ رفَعَه حتى أشْرَف على أهلِ الأرضِ فأبْصَر أعمالَهم، فلمَّا رآهم يَعْمَلُون بالمعَاصِي، قال: اللهم دمِّرْ عليهم. فقال له ربُّه: أنا أَرْحمُ بعبادي منك، اهْبِطْ فلعلَّهم أن يَتُوبوا إليَّ ويُراجِعوا (٣). وقال آخَرون: بل معنى ذلك ما أخْبَر تعالى أنه أراه مِن النُّجومِ والقمرِ والشمسِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: الشمسَ والقمرَ والنجومَ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن

стр. 6385

مجاهدٍ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: الشمسَ والقمرَ. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يعني به (١) الشمسَ والقمرَ والنجومَ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: خُبِّئ (٣) إبراهيمُ ﵇ من جبارٍ من الجبابرةِ، فجُعِل له رزقٌ في أصابعِه، فإذا مصَّ أصبعًا من أصابِعه وجد فيها رزقًا، فلمَّا خرَج أراه اللهُ ملكوتَ السماواتِ والأرضِ، فكان ملكوتُ السماواتِ الشمسَ والقمرَ والنجومَ، وملكوتُ الأرضِ الجبالَ والشجرَ والبحارَ (٤). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ إبراهيمَ ﵇ [فُرَّ به مِن] (٥) جَبَّارٍ مُتْرَفٍ، فجُعِل في سَرَبٍ (٦)، وجُعِل رزقُه في أطرافِه، فجعَل لا يَمُصُّ أصبعًا مِن أصابِعه إلا وجَد فيها رزقًا، فلمَّا خرَج مِن ذلك السَّرَبِ أراه اللهُ ملكوتَ السماواتِ، فأراه شمسًا وقمرًا ونجومًا وسَحابًا، وخلقًا

стр. 6386

عظيمًا، وأراه ملكوتَ الأرضِ، فأراه جبالًا وبحورًا وأنهارًا وشجرًا، ومِن كلِّ الدوابِّ، وخلقًا عظيمًا (١). وأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أنه أراه ملكَ السماواتِ والأرضِ، وذلك ما خلَق فيهما مِن الشمسِ والقمرِ والنجومِ [والجبالِ] (٢) والشجرِ والدوابِّ، وغيرِ ذلك من عظيمِ سُلْطانِه فيهما، وجلَّى له بَواطنَ الأمورِ وظَواهرَها؛ لِما ذكَرْنا قبلُ مِن معنى الملكوتِ في كلامِ العربِ، فيما مضَى قبلُ. وأما قولُه: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. فإنه يعني أنه أراه ملكوتَ السماواتِ والأرضِ ليَكونَ ممَّن يتَوَحَّدُ بتوحيدِ اللهِ، ويَعْلَمُ حقيقَةَ (٣) ما هداه له وبصَّرَه إياه مِن معرفةِ وَحْدانيتِه، وما عليه قومُه مِن الضَّلالةِ من عبادتِهم الأصنامَ، واتخاذِهم إياها آلهةً دونَ اللهِ تعالى ذكرهُ. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: إنه جلَّى له الأمرَ؛ سِرَّه وعَلانيتَه، فلم يَخْفَ عليه شيءٌ مِن أعمالِ الخَلائقِ، فلمَّا جَعَل يَلْعَنُ أصحابَ الذنوبِ، قال اللهُ: إنك لا تَسْتَطِيعُ هذا. فردَّه اللهُ كما كان قبلَ ذلك (٤). فتأويلُ ذلك على هذا التأويلِ: أَرَيْناه ملكوتَ السماواتِ والأرضِ ليكونَ ممَّن يُوقِنُ علمَ كلِّ شيءٍ حِسًّا لا خبرًا.

стр. 6387

حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أَخْبَرَني أبي، قال: ثنا ابنُ (١) جابرٍ، قال: وحدَّثنا الأوزاعيُّ أيضًا، قال: ثني خالدُ [بنُ اللَّجْلاجِ] (٢)، قال: سَمِعْتُ عبدَ الرحمنِ ابنَ عائشٍ (٣) الحضرميَّ يقولُ: صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ غَداةٍ، فقال له قائلٌ: ما [رأيتُك أسْفَرَ وجهًا] (٤) منك الغَداةَ. قال: "وما لي وقد [تبدَّى لي] (٥) ربي في أحسنِ صُورةٍ، فقال: فيمَ (٦) يَخْتَصِمُ المَلأُ الأعلى يا محمدُ؟ قلتُ: أنت أعلمُ [يا ربِّ] (٧). فوضَع يدَه بين كَتِفيَّ، [فوجدتُ بردَها بين ثدييي] (٨)، فعلِمْتُ ما في السماواتِ والأرضِ". ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٩). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا واراه الليلُ وغيَّبه (١٠). يقالُ منه: جنَّ عليه الليلُ، وجَنَّه الليلُ، وأجَنَّه، وأَجَنَّ عليه. وإذا أُلْقِيَت

стр. 6388

"على"، كان الكلامُ بالألفِ أَفْصَحَ منه بغيرِ الألفِ: أَجَنَّه الليلُ، أَفْصَحُ مِن: أَجَنَّ عليه، و: جَنَّ عليه الليلُ، أَفْصَحُ مِن: جَنَّه. وكلُّ ذلك مقولٌ (١) مسموعٌ مِن العربِ. وجَنَّه الليلُ في أَسَدٍ، وأجَنَّهُ وجَنَّه في تَميمٍ. والمصدرُ مِن: جَنَّ عليه، جَنًّا وجُنُونًا وجَنَانًا. ومِن: أجَنَّ، إِجْنانًا. ويقال: أَتَى (٢) فلانٌ في جِنِّ الليلِ. والجِنُّ مِن ذلك؛ لأنهم اسْتَجَنُّوا عن أعينِ بني آدمَ فلا يُرَوْن، وكلُّ ما تَوارَى عن أبصارِ الناسِ فإن العربَ تقولُ فيه (٣): قد جَنَّ. ومنه قولُ الهُذَليِّ (٤): وماءٍ ورَدْتُ [قُبَيْلَ الكَرَى] (٥) … وقد جَنَّه السَّدَفُ (٦) الأَدْهَمُ (٧) وقال عَبيدٌ (٨): وخَرْقٍ (٩) تَصِيحُ البُومُ (١٠) فيه مع الصَّدَى (١١) … مَخُوفٍ إذا ما جنَّه الليلُ مَرْهْوبِ ومنه: أجْنَنْتُ الميتَ، إذا وارَيْتَه في اللَّحْدِ، وجنَنْتُه. وهو نظيرُ جُنونِ الليلِ، في معنى: غطَّيْتُه. ومنه قيل للتُّرْسِ: مِجَنٌّ. لأنه يُجِنُّ مَنِ اسْتَجَنَّ به فيُغَطِّيه ويُوارِيه.

стр. 6389

وقولُه: ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾. يقولُ: أَبْصَر كوكبًا حينَ طَلَع، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾. فرُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدَّثني به (١) المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: يعني به الشمسَ والقمرَ والنجومَ، ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ فعبَده حتى غاب، فلمَّا غاب قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ فعبَده حتى غاب، فلمَّا غاب قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ فعبَدها حتى غابَت، فلمَّا غابَت قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾: علِم أن ربَّه دائمٌ لا يَزولُ. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾: [فرأى خلقًا] (٣) هو أكبرُ مِن الخلقَيْن الأوَّلَيْن وأنورُ (٤). وكان سببَ قِيلِ إبراهيمَ ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ ابنُ الفضلِ، قال: ثني محمدُ بنُ إسحاقَ: فيما ذُكِر لنا - واللهُ أعلمُ - أن آزرَ كان رجلًا مِن أهلِ كُوثَى، من قريةٍ بالسَّوادِ، سوادِ الكوفةِ، وكان إذ ذاك مُلْكُ المشرقِ

стр. 6390

لنُمْرُودَ (١)، فلمَّا أراد اللهُ أن يَبْعَثَ إبراهيمَ حُجَّةً على قومِه، ورسولًا إلى عبادِه، ولم يَكُنْ فيما بينَ نوحٍ وإبراهيمَ نبيٌّ إلا هودٌ وصالحٌ، فلمَّا تَقارَب زمانُ إبراهيمَ الذي أراد اللهُ ما أراد، أتَى أصحابُ النجومِ نُمْرودَ، فقالوا له: تَعَلَّمْ أَنا نَجِدُ فِي عِلْمِنا أن غلامًا يُولَدُ في قريتِك هذه، يقالُ له: إبراهيمُ. يُفارِقُ دينَكم، ويَكْسِرُ (٢) أوثانَكم، في شهرِ كذا وكذا، من سنةِ كذا وكذا. فلما دخَلَت السنةُ التي وصَف أصحابُ النجومِ لنُمْرودَ، بعَث نُمْرودُ إلى كلِّ امرأةٍ حُبْلَى بقريتِه، فحبَسَها عندَه - إلا ما كان مِن أمِّ إبراهيمَ امرأةِ آزرَ، فإنه لم يُعْلَمْ بحبَلِها، وذلك أنها كانت ١ مرأةً حَدَثَةً (٣) فيما يُذْكَرُ، لم يُعْرَفِ (٤) الحَبَلُ في بطنِها، ولِمَا أراد اللهُ أن يَبْلُغَ بولدِها - يُريدُ (٥) أن يَقْتُلَ كلَّ غلامٍ وُلِد في ذلك الشهرِ مِن تلك السنةِ، حَذَرًا على مُلْكِه، فَجَعَل لَا تَلِدُ امرأةٌ غلامًا في ذلك الشهرِ مِن تلك السنةِ إلا أمَر به فذُبِح، فلمَّا وجَدَت أَمُّ إبراهيمَ الطَّلْقَ، خَرَجَت ليلًا إلى مغارةٍ كانت قريبًا منها، فولَدَت فيها إبراهيمَ، وأصْلَحَت مِن شأنِه ما يُصْنَعُ بالمولودِ (٦)، ثم سَدَّت عليه المغارةَ، ثم رجَعَت إلى بيتِها، ثم كانت تُطالِعُه في المغارةِ، فتَنْظُرُ ما فعَل، فتَجِدُه حيًّا يَمُصُّ إبْهامَه، يَزْعُمون - واللهُ أعلمُ - أن اللهَ جعَل رزقَ إبراهيمَ فيها، [وما] (٧) يجِيئُه (٨) من مصِّه، وكان آزرُ فيما يَزْعُمون، سأَل أمَّ إبراهيمَ عن حمْلِها: ما فعَل؟ فقالت: ولَدْتُ غلامًا فمات. فصدَّقَها،

стр. 6391

فسكَت عنها، وكان اليومُ، فيما يَذْكُرون، على إبراهيمَ في الشَّبابِ كالشهرِ، والشهرُ كالسنةِ، فلم يَلْبَثْ إبراهيمُ في المغارةِ إلا [خمسةَ عشَرَ شهرًا] (١)، حتى قال لأمِّه: أخْرِجِيني أَنْظُرْ. فأخرَجَته عِشاءً، فنظَر وتفَكَّر في خلقِ السماواتِ والأرضِ، وقال: إن الذي خلَقَني ورزَقَني وأطْعَمَني وسقاني لرَبي، مالي إلهٌ غيرُه. ثم نظَر في السماءِ فرأَى كوكبًا، قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. ثم اتَّبَعَه يَنْظُرُ إليه ببصرِه (٢) حتى غاب، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، ثم أطْلَع (٣) القمرُ فرآه بازغًا، قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. ثم أتْبَعَه بصرَه حتى غاب، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ فلمَّا دخَل عليه النهارُ وطَلَعت الشمسُ، أعظَمَ الشمسَ، ورأَى شيئًا هو أعظمَ نورًا مِن كلِّ شيءٍ رآه قبلَ ذلك، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ فلما أفلت قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ثم رجَع إبراهيمُ إلى أبيه آزرَ وقد اسْتَقامت وِجْهتُه، وعرَف ربَّه، وبرِئ مِن دينِ قومِه، إلا أنه لم يُبادِهم (٤) بذلك، وأخْبرَه (٥) أنه ابنُه، وأَخْبَرَته أمُّ إبراهيمَ أنه ابنُه، وأَخْبَرَته بما كانت صنَعَت في (٦) شأنِه، فسُرَّ بذلك آزرُ وفرِح فرحًا شديدًا، وكان آزرُ يَصْنَعُ أصنامَ قومِه التي يَعْبُدونها، ثم يُعْطِيها إبراهيمَ يَبِيعُها، فيَذْهَبُ بها إبراهيمُ فيما يَذْكُرون، فيقولُ: مَن يَشْتَرِى مَا يَضُرُّه ولا يَنْفَعُه؟ فلا

стр. 6392

يَشْتَرِيها منه أحدٌ، وإذا بارَت (١) عليه، ذهَب بها إلى نهرٍ، فصوَّب (٢) فيه رءوسَها، وقال: اشْرَبي. اسْتِهزاءً بقومِه، وما هم عليه من الضلالِة، حتى فشا عيبُه إياها واستهزاؤُه بها في قومِه وأهلِ قريتِه، مِن غيرِ أن يَكونَ ذلك بلَغ نُمْرودَ الملكَ (٣). وأنْكَر قومٌ من غيرِ أهلِ الرِّوايةِ هذا القولَ الذي رُوِي عن ابنِ عباسٍ، وعمَّن رُوِي عنه، من أن إبراهيمَ قال للكوكبِ أو للقمرِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يكونَ للهِ نبيٌّ ابْتَعَثه بالرسالةِ، أتَى عليه وقتٌ من الأوقاتِ وهو بالغٌ، إلا وهو للهِ مُوَحِّدٌ، وبه عارفٌ، ومِن كلِّ ما يُعْبَدُ مِن دونِه بَرِئٌ. قالوا: ولو جاز أن يكونَ قد أتَى عليه بعضُ الأوقاتِ وهو به كافرٌ، لم يَجُزْ أن يَخْتَصَّه بالرسالةِ؛ لأنه لا معنى فيه إلا وفي غيرِه منِ أهلِ الكفر به مثلُه، وليس بينَ اللهِ وبينَ أحدٍ مِن خلقِه مُناسبةٌ فيُحابِيَه باخْتِصاصِه بالكرامةِ. قالوا: وإنما أَكْرَم مَن أَكْرَم منهم لفضلِه في نفسِه، فأثابه لاسْتِحقاقِه الثوابَ بما أثابه مِن الكرامةِ. وزعَموا أن خبرَ اللهِ عن قيلِ إبراهيمَ عندَ رؤيتِه الكوكبَ، أو القمرَ، أو الشمسَ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. لم يَكُن لجهلِه بأن ذلك غيرُ جائزٍ أن يَكونَ ربَّه، وإنما قال ذلك على وجهِ الإنكارِ منه أن يكونَ ذلك ربَّه، وعلى العيبِ لقومِه في عبادتِهم الأصنامَ، إذ كان الكوكبُ والقمرُ والشمسُ أضْوَأَ وأحسنَ وأبهجَ مِن الأصنامِ، ولم تكنْ مع ذلك معبودةً (٤)، وكانت آفِلةً زائلةً غيرَ دائمةٍ، والأصنامُ التي دونَها في الحسنِ، وأصغرُ منها في الجسمِ، أحقُّ (٥) ألا

стр. 6393

تَكونَ معبودةً ولا آلهةً. قالوا: وإنما قال ذلك لهم مُعارَضةً، كما يقولُ أحدُ المُتنَاظِرَيْن لصاحبِه، مُعارِضًا له في قولٍ باطلٍ قال به بباطلٍ مِن القولِ، على وجهِ مُطالَبتِه إياه بالفُرْقانِ بينَ القولين الفاسدَين عندَه، اللذين يُصَحِّحُ خَصْمُه أَحدَهما ويَدَّعِي فسادَ الآخرِ. وقال آخَرون منهم: بل ذلك كان منه في حالِ طُفُولتِه، وقبلَ قيامِ الحُجَّةِ عليه، وتلك حالٌ لا يكونُ فيها كفرٌ ولا إيمانٌ. وقال آخَرون منهم: إنما معنى الكلامِ: أهذا ربِّي؟ على وجهِ الإنكارِ والتَّوبيخِ؛ أي (١): ليس هذا ربِّي. وقالوا: قد تَفْعَلُ العربُ مثلَ ذلك، فتَحْذِفُ الألفَ التي تَدُلُّ على معنى الاستفهامِ. وزعَموا أن مِن ذلك قولَ الشاعرِ (٢): رفَوْني (٣) وقالوا يا خُوَيْلِدُ لا (٤) تُرَعْ … فقلتُ وأَنْكَرْتُ الوُجوهَ هُمُ هُمُ؟ يعني: أهم هم؟ قالوا: ومِن ذلك قولُ أوسٍ (٥): لعَمْرُك ما أَدْرِى [وإن كنتُ دارِيًا] (٦) … شُعَيْثُ (٧) ابْنُ سَهْمٍ أم شُعَيْثُ (٧) ابن مِنْقَرِ؟ بمعنى: أشُعَيْثُ (٨) بنُ سهمٍ؟ فحذَف الألفَ. ونظائر ذلك. وأما تذكيرُ ﴿هَذَا﴾ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾. فإنما هو (٩) على

стр. 6394

معنى: هذا الشيءُ الطالعُ ربِّي. وفي خبرِ اللهِ تعالى عن قيلِ إبراهيمَ حينَ أَفَلَ القمرُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ الدليلُ على خطأِ هذه الأقوالِ التي قالها هؤلاء القومُ، وأن الصوابَ مِن القولِ في ذلك الإقرارُ بخبرِ اللهِ تعالى ذكرُه الذي أخْبَر به عنه، والإعراضُ عما عداه (١). وأما قولُه: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾. فإن معناه: فلما غاب وذهَب. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: الأُفولُ الذَّهابُ. يقالُ منه: أَفَلَ النجمُ يَأْفُلُ ويَأْفِلُ أُفُولًا [وأَفَلًا] (٢)، إذا غاب. ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (٣): مَصابيحُ (٤) ليست باللَّواتي يَقودُها … نُجومٌ ولا بالآفلاتِ الدَّوالِكِ (٥) ويقالُ: أين أفَلْتَ عنا؟ بمعنى: أين غِبْتَ عنا؟ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ

стр. 6395

يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا طلع القمرُ فرآه إبراهيمُ طالعًا - وهو بُزُوغُه، يقالُ منه: بَزَغَت الشمسُ تَبْزُغُ بُزُوعًا، إذا طَلَعَت. وكذلك القمرُ - قال: هذا ربي. ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾. يقولُ: فلمَّا غاب ﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ - ويُوَفِّقْني لإصابِة الحقِّ في توحيدِه، ﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾. أي: مِن القومِ الذين أخْطَئوا الحقَّ في ذلك، فلم يُصِيبوا الهدى، وعبَدوا غيرَ اللهِ. وقد بيَّنا معنى الضلالِ في غيرِ هذا الموضعِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). القولُ في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾. يعني تعالى ذكرُه (٢): فلمَّا رأَى إبراهيمُ الشمسَ طالعةً ﴿قَالَ﴾: هَذا الطالعُ ربِّي، ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾. يعني: هذا أكبرُ مِن الكوكبِ والقمرِ. فحذَف ذلك لدلالةِ الكلامِ عليه. ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾. يقولُ: فلمَّا غابَت، قال إبراهيمُ لقومِه: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. أي: من عبادةِ الآلهةِ والأصنامِ ودعائِه إلهًا مع اللهِ تعالى. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن خليلِه إبراهيمَ ﵇، أنه لمَّا تبَيَّنَ له

стр. 6396

الحقُّ وعرَفه، شهِد شهادةَ الحقِّ، وأظْهَر خلافَ قومِه أهلِ الباطلِ وأهلِ الشركِ باللهِ، ولم تَأْخُذْه في اللهِ لومةُ لائمٍ، ولم يَسْتَوْحِشْ مِن قِيلِ الحقِّ والثباتِ عليه، مع خلافِ جميعِ قومِه لقولِه، وإنكارِهم إياه عليه، و (١) قال لهم: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ مع اللهِ الذي خلَقَني وخلَقَكم، في عبادتِه مِن آلهتِكم وأصنامِكم، إني وجَّهْتُ وجْهيَ في عبادتي إلى الذي خلَق السماواتِ والأرضَ، الدائمِ الذي يَبْقَى ولا يَفْنَى، ويُحْيِي وَيُمِيتُ، لا إلى الذي يَفْنَى ولا يَبْقَى، ويَزولُ ولا يَدُومُ، ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. ثم أَخْبَرَهم تعالى ذكرُه أن توجيهَه (٢) وَجهَه لعبادتِه (٣)، بإخلاصِ العبادةِ له، والاستقامةِ في ذلك لربِّه (٤) على ما يُحِبُّ (٥) مِن التوحيدِ، لا على الوجهِ الذي يُوَجِّهُ له وَجْهَهُ مَن ليس بحَنيفٍ، ولكنه به مشركٌ، إذ كان توجيهُ الوجهِ لا (٦) على التَّحَنُّفِ غيرَ نافعٍ مُوَجِّهَه، بل ضارُّه ومُهْلِكُه. ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: ولسْتُ منكم. أيْ: لسْتُ ممَّن يَدِينُ دينَكم، ويَتَّبِعُ ملَّتَكم أيُّها المشركون. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان ابنُ زيدٍ يقولُ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ قومِ إبراهيمَ لإبراهيمَ: تركْتَ عبادةَ هذه؟ فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. فقالوا: ما جئتَ بشيءٍ، ونحن نَعْبُدُه ونَتَوَجَّهُه. فقال: لا،

стр. 6397

﴿حَنِيفًا﴾. قال: مُخْلِصًا لا أُشْرِكُه كما تُشْرِكون. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ (١) وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجادَل إبراهيمُ قومَه في توحيدِ اللهِ وبراءتِه مِن الأصنامِ، وكان جدالُهم إياه قولَهم: إن آلهَتَهم التي يَعْبُدُونها خيرٌ مِن إلهِه. قال إبراهيمُ: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾. يقولُ: أَتُجادِلُونني في توحيديَ اللهَ، وإخلاصي العملَ له دونَ ما سواه مِن آلهةٍ؟ ﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾. يقولُ: وقد وفَّقَني ربي لمعرفةِ وَحْدانيتِه، وبصَّرَني طريقَ الحقِّ، حتى أَيْقَنْتُ (٢) ألا شيءَ يَسْتَحِقُّ أن يُعْبَدَ سواه، ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾. يقولُ: ولا أَرْهَبُ مِن آلهتِكم التي تَدْعونها مِن دونِه شيئًا يَنالُني به (٣) في نفسي مِن سوءٍ ومكروهٍ. وذلك أنهم قالوا له: إنا نَخَافُ أَن تَمَسَّك آلهتُنا بسوءٍ، مِن بَرَصٍ أو خَبْلٍ (٤)؛ لذكرِك إياها بسوءٍ. فقال لهم إبراهيمُ: لا أَخافُ ما تُشْرِكون باللهِ من هذه الآلهةِ أن تَنالَني بضُرٍّ ولا مكروهٍ؛ لأنها لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾. يقولُ: ولكنَّ خوفي مِن الله الذي خلَقَني، وخلَق السماواتِ والأرضَ، فإنه إن شاء أن يَنالنَي في نفسي أو مالي بما شاء؛ مِن فَناءٍ أو بقاءٍ، أو زيادةٍ أو نُقْصانٍ، أو غيرِ ذلك، نالَني به؛ لأنه القادرُ على ذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان ابنُ جُرَيْجٍ يقولُ.

стр. 6398

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ (١)﴾. قال: دعا قومُه مع اللهِ آلهةً (٢)، وخوَّفوه بآلهتِهم أن يُصِيبَه منها خَبْلٌ، فقال إبراهيمُ: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ (١)﴾. قال: قد عرَفْتُ ربي، لا أَخافُ ما تُشْرِكون به. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. يقولُ: وعَلِم ربي كلَّ شيءٍ، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ؛ لأنه خالقُ كلِّ شيءٍ، ليس كالآلهةِ التي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَفْهَمُ شيئًا، وإنما هي خشبةٌ مَنْحوتةٌ، وصورةٌ مُمَثَّلةٌ، ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٣)﴾. يقولُ: أفلا تَعْتَبِرُون أَيُّها الجَهَلَةُ، فتَعْقِلوا خطأَ ما أنتم عليه مُقِيمون؛ مِن عبادتِكم صُورةً مُصَوَّرةً، وخشبةً مَنْحوتةً، لا تَقْدِرُ على ضَرٍّ ولا على نفعٍ، ولا تَفْقَهُ شيئًا، ولا تَعْقِلُه، وترْكِكم عبادةَ مَن خلَقكم وخلَق كلَّ شيءٍ، وبيدِه الخيرُ، وله القدرةُ على كلِّ شيءٍ، والعالم بكلِّ شيءٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾. وهذا جوابُ إبراهيمَ لقومِه حينَ خوَّفوه مِن آلهتِهم أن تَمَسَّه، لذكرِه إياها بسوءٍ، في نفسِه بمكروهٍ، فقال لهم: وكيف أَخَافُ وأَرْهَبُ مَا أَشْرَكْتُموه في عبادتِكم ربَّكم، فعبَدْتُموه مِن دونِه، وهو لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟ ولو كانت تَنْفَعُ أو تَضُرُّ، لدَفَعَت عن أنفسِها كَسْرِى إياها، وضَرْبي لها بالفأسِ، وأنتم لا تَخافون اللهَ الذي

стр. 6399

خلَقكم ورزَقكم، وهو القادرُ على نفعِكم وضَرِّكم، في إشراكِكم في عبادتِكم إياه ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾. يعني: ما لم يُعْطِكم على إشراكِكم إياه في عبادتِه حُجَّةً، ولم يَضَعْ لكم عليه بُرْهانًا، ولم يَجْعَلْ لكم به عُذْرًا، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾. يقولُ: أنا أَحَقُّ بالأمنِ مِن عاقبةِ عبادتي ربي مُخْلِصًا له العبادةَ، حنيفًا له ديني، بَريئًا من عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، أم أنتم الذين تَعْبُدون مِن دونِ اللهِ أصنامًا لم يَجْعَلِ اللهُ لكم بعبادتِكم إياها برهانًا ولا حجةً، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؟ يقولُ: إن كنتم تَعْلَمون صدقَ ما أَقولُ، وحقيقةَ ما أَحْتَجُّ به عليكم، فقولوا وأخْبِروني: أيُّ الفريقَيْن أحقُّ بالأمنِ؟ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان محمدُ بنُ إسحاقَ يقولُ فيما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ في قولِه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: كيف أخافُ وَثَنًا تَعْبُدون مِن دونِ اللهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ولا تَخافُون أنتم الذي يَضُرُّ ويَنْفَعُ، وقد جَعَلْتُم معه شُركاءَ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ؟ ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: بالأمنِ من عذابِ اللهِ في الدنيا والآخرةِ، ألذي يَعْبُدُ الذي بيدِه الضرُّ والنفعُ، أم الذي يَعْبُدُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟ يَضْرِبُ لهم الأمثالَ، ويُصَرِّفُ لهم العِبَرَ؛ ليَعْلَموا أن اللهَ هو أحقُّ أن يُخافَ ويُعْبَدَ مما يَعْبُدُون مِن دونِه (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: أفْلَج (٢) اللهُ إبراهيمَ ﵇ حينَ خَاصَمَهم، فقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ

стр. 6400

سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ قولَ إبراهيمَ حينَ سأَلهم: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾: وهي حجةُ إبراهيمَ ﵇ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى عن (٢) إبراهيمَ حينَ سأَلهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾. قال: وهي حجةُ إبراهيمَ ﵇. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أمن يَعْبُدُ ربًّا واحدًا، أمن يَعْبُدُ أربابًا كثيرةً؟ يقولُ قومُه: الذين آمَنوا بربٍّ واحدٍ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أمن خاف غيرَ اللهِ ولم يَخَفْه، أمن خاف اللهَ ولم يَخَفْ غيرَه؟ فقال اللهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾.

стр. 6401

اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذي أخْبَر تعالى ذكرُه عنه أنه قائلُ (١) هذا القولِ، أعْنِي: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية؛ فقال بعضُهم: هذا فصلُ القضاءِ مِن اللهِ بينَ إبراهيمَ خليلِه ﵇، وبينَ مَن حاجَّه مِن (٢) قومِه مِن أَهلِ الشركِ باللهِ، إذ قال لهم إبراهيمُ: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فقال اللهُ تعالى فاصلًا بينَه وبينَهم: الذين صدَّقوا اللهَ، وأخْلَصُوا له العبادةَ، ولم يَخْلِطوا عبادتَهم إياه وتصديقَهم له ﴿بِظُلْمٍ﴾. يعني: بشركٍ، ولم يُشْرِكوا في عبادتِه شيئًا، ثم جعَلوا عبادتَهم للهِ خالصًا - أحقُّ بالأمنِ مِن عقابِه مكروهَ عبادتِه ربَّه (٣)، مِن الذين يُشْرِكون في عبادتِهم إياه الأوثانَ والأصنامَ، فإنهم الخائِفون من عقابِه مكروهَ عبادتِهم، أمَّا في عاجلِ الدنيا، فإنهم وَجِلون مِن حُلولِ سَخَطِ اللهِ بهم، وأما في الآخرةِ، فإنهم المُوقِنون بأليمِ عذابِ اللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: أي: الذين أخْلَصوا كإخلاصِ إبراهيمَ ﷺ لعبادةِ اللهِ وتوحيدِه، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: أي: بشركٍ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: الأمنُ مِن العذابِ، والهُدَى في الحجةِ بالمعرفةِ والاستقامةِ، يَقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٤).

стр. 6402

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال: فقال اللهُ، وقضَى بينَهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ. قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: فأما الذنوبُ فليس يَبْرَأُ منها أحدٌ. وقال آخَرون: هذا جوابٌ مِن قومِ إبراهيمَ ﷺ لإبراهيمَ حينَ قال لهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾؟ فقالوا له: الذين آمَنوا باللهِ فوحَّدوه، أحقُّ بالأمنِ، إذ لم يَلْبِسوا إيمانَهم بظلمٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أمَن يَعْبُدُ ربًّا واحدًا، أمَّن يَعْبُدُ أربابًا كثيرةً؟ يقولُ قومُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: بعبادةِ الأوثانِ، وهي حجةُ إبراهيمَ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. وأولى القولين في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: هذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى عن أوْلَى الفريقَيْن بالأمنِ، وفصلُ قَضاءٍ منه بينَ إبراهيمَ ﷺ وبينَ قومِه، وذلك أن ذلك لو كان مِن قولِ قومِ إبراهيمَ الذين كانوا يَعْبُدون الأوثانَ، ويُشْرِكونها في عبادةِ اللهِ، لكانوا قد أقَرُّوا بالتوحيدِ، واتَّبَعوا إبراهيمَ على ما كانوا يُخالِفونه فيه مِن التوحيدِ، ولكنه كما ذكَرْتُ مِن تأويلِه بَدِيًّا (١) واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي عناه اللهُ تعالى بقولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾؛ فقال بعضُهم: بشركٍ.

стр. 6403

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. شقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ . قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "ألا تَرَوْن إلى قولِ لُقمانَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ ". [لقمان: ١٣]. قال أبو كُرَيْبٍ: قال ابنُ إدريسَ: حدَّثَنِيه أولًا أبي، عن أبانِ بنِ تَغْلِبَ، عن الأعمشِ، ثم سمِعْتُه قيلَ له: مِن الأعمشِ؟ قال: نعم (١). حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمْليُّ، قال: ثني عمي يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: لمَّا نزَلَت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. شقَّ ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ما منا أحدٌ إلا وهو يَظْلِمُ نفسَه. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "ليس [بذاك، ألَم تَسْمَعوا] (٢) إلى قولِ لُقْمانَ لابنِه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ " (٣). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. شقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وقالوا: أيُّنا لم يَظْلِمْ نفسَه؟ قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "ليس كما تَظُنُّون، وإنما هو ما قال لقمانُ لابنِه: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ

стр. 6404

إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " (١). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. شقَّ ذلك على الناسِ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، وأيُّنا لا يَظْلِمُ نفسَه؟ فقال: "إنه ليس كما (٢) تَعْنُون، ألم تَسْمعوا ما قال العبدُ الصالحُ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ إنما هو الشركُ" (٣). حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ في قولِه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (٤). حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فُضَيْلٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: [لم يَخْلِطوه] (٥) بشركٍ. [حدَّثنا ابنُ وكيعٍ وابنُ حُمَيْدٍ، قالا: حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال بشِرْكٍ] (٦). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن

стр. 6405

عبدِ اللهِ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. شقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وقالوا: أيُّنا لم يَلْبِسْ إيمانَه بظلمٍ؟ فقال النبيُّ ﷺ : "ليس بذاك (١)، ألم تَسْمَعوا قولَ لُقْمانَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ " (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ وابنُ إدْريسَ، عن الشَّيْبانيِّ، عن أبي بكرِ بنِ أبي موسى، عن الأسودِ بنِ هلالٍ، عن أبي بكرٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (٣). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن يونُسَ بنِ أبي إسحاقَ، [عن أبي إسحاقَ] (٤)، عن أبي بكرٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (٥). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سعيدِ بنِ عُبيدٍ الطائيِّ، عن أبي الأشعرِ العَبْديِّ، عن أبيه، أن زيدَ بنَ صُوحانَ سأَل سلمانَ، فقال: يا أبا عبدِ اللهِ، آيةٌ مِن كتابِ اللهِ قد بلَغَت مني كلَّ مَبْلَغٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، فقال سلمانُ: هو الشركُ باللهِ تعالى. فقال زيدٌ: ما يَسُرُّني بها أني لم أَسْمَعْها منك، وأن لي مثلَ كلِّ شيءٍ أَمْسَيْتُ أَمْلِكُه (٦).

стр. 6406

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سعيدِ بنِ عُبيدٍ، عن أبي الأشعرِ، عن أبيه، عن سلمانَ، قال: بشركٍ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ وَكيعٍ قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا نُسَيْرُ بنُ ذُعْلُوقٍ، عن كُرْدوسٍ (١)، عن حُذَيفةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أَخْبَرنا هُشَيْمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، عن رجلٍ، عن عيسى، عن حُذيفةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عارمٌ أبو النُّعمانِ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عطاءِ ابنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ وغيرِه، أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. يقولُ: بكفرٍ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. يقولُ: لم

стр. 6407

يَلْبِسوا إيمانَهم بالشركِ. وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضميُّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا جَريرُ بنُ حازمٍ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن ابن (١) المسيبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قرَأ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. فلمَّا قرَأها فزِع، فأَتَى أبيَّ بنَ كعبٍ، فقال: يا أبا المُنذرِ، قرَأْتُ آيةً من كتابِ اللهِ، مَن يَسْلَمُ؟ فقال: ما هي؟ فقرَأَها عليه، فأَيُّنا لا يَظْلِمُ نفسَه؟ فقال: غفَر اللهُ لك، أما سمِعْتَ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ إنما هو: ولم يَلْبِسوا إيمانَهم بشركٍ (٢). حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدِ بن جُدْعانَ، عن يوسُفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، أن عمرَ دخَل منزلَه فقرَأ في المصحفِ، فمرَّ بهذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. [فَأَتَى أُبَيًّا] (٣) فأَخْبَرَه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنما هو الشركُ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسُفَ بن مِهْرانَ، عن [ابن عباسٍ] (٥)، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان إذا دخَل بيتَه نشَر المصحفَ فقرَأه، فدخَل ذات يومٍ فقرَأ، فأتَى على هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. فانْفَتَل (٦)، وأَخَذ

стр. 6408

رداءَه، ثم أتَى أبيَّ ابنَ كعبٍ، فقال: يا أبا المنذرِ، فتلا هذه الآيةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. [وقد تَرَى أنا نَظْلِمُ] (١)، ونَفْعَلُ ونَفْعَلُ. فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن هذا ليس بذاك، يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. إنما ذلك الشركُ. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي عثمانَ عمرِو بنِ سالمٍ، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ هذه الآيةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. فقال عمرُ: قد أفْلَح مَن لم يَلْبِسْ إيمانَه بظلمٍ. فقال أبيٌّ: يا أميرَ المؤمنين، ذاك الشركُ. حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا [أسْباطُ بنُ محمدٍ، عن مُطَرِّفٍ] (٢)، عن ابنِ سالمٍ، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ. فذكَر نحوَه. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرَةَ مثلَه. حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا حسينُ بن (٤) عليٍّ، عن زائدةَ، عن الحسنِ بنِ

стр. 6409

عبيدِ (١) اللهِ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: أي: بشركٍ (٢). حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا حميدٌ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بعبادةِ الأوثانِ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (٤). حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ. حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، أن ابنَ مسعودٍ قال: لمَّا نزَلَت: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. كبُر

стр. 6410

ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ما منا أحدٌ إلا وهو يَظْلِمُ نفسَه. فقال النبيُّ ﷺ : "أمَا سمِعْتُم قولَ لقمانَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١)؟ ". حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: عبادةِ الأوثانِ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن مِسْعَرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: بشركٍ (٢). حدَّثنا ابنُ حمُيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يَخْلِطوا إيمانَهم بشيءٍ من معاني الظلمِ؛ وذلك فعلُ ما نَهَى اللهُ عن فعلِه، أو تركُ ما أمَر اللهُ بفعلِه. وقالوا: الآيةُ على العمومِ؛ لأن اللهَ لم يَخُصَّ به معنًى مِن معاني الظلمِ. قالوا: فإن قال لنا قائلٌ: أفلا أَمْنَ في الآخرةِ إلا لمن لم يَعْصِ اللهَ في صغيرةٍ ولا كبيرةٍ، وإلّا لَمَن لقِي اللهَ ولا ذنبَ له؟ قلنا: إن اللهَ عنَى بهذه الآيةِ خاصًّا مِن خلقِه دونَ الجميعِ منهم، والذي عنَى بها وأراده بها خليلَه إبراهيمَ ﷺ ، فأما غيرُه فإنه إذا لقِي اللهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا، فهو في مشيئتِه إذا كان قد أتَى بعضَ مَعاصِيه التي لا تَبْلُغُ أن تَكونَ كفرًا، فإن شاء لم يُؤْمِنُه من عذابِه، وإن شاء تفَضَّل عليه فعفا عنه.
следующие страницы →