حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سعيدِ بنِ عُبيدٍ، عن أبي الأشعرِ، عن أبيه، عن سلمانَ، قال: بشركٍ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ وَكيعٍ قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا نُسَيْرُ بنُ ذُعْلُوقٍ، عن كُرْدوسٍ (١)، عن حُذَيفةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أَخْبَرنا هُشَيْمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، عن رجلٍ، عن عيسى، عن حُذيفةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عارمٌ أبو النُّعمانِ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عطاءِ ابنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ وغيرِه، أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. يقولُ: بكفرٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. يقولُ: لم
стр. 6407
يَلْبِسوا إيمانَهم بالشركِ. وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضميُّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا جَريرُ بنُ حازمٍ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن ابن (١) المسيبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قرَأ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. فلمَّا قرَأها فزِع، فأَتَى أبيَّ بنَ كعبٍ، فقال: يا أبا المُنذرِ، قرَأْتُ آيةً من كتابِ اللهِ، مَن يَسْلَمُ؟ فقال: ما هي؟ فقرَأَها عليه، فأَيُّنا لا يَظْلِمُ نفسَه؟ فقال: غفَر اللهُ لك، أما سمِعْتَ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ إنما هو: ولم يَلْبِسوا إيمانَهم بشركٍ (٢).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدِ بن جُدْعانَ، عن يوسُفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، أن عمرَ دخَل منزلَه فقرَأ في المصحفِ، فمرَّ بهذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. [فَأَتَى أُبَيًّا] (٣) فأَخْبَرَه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنما هو الشركُ (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسُفَ بن مِهْرانَ، عن [ابن عباسٍ] (٥)، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان إذا دخَل بيتَه نشَر المصحفَ فقرَأه، فدخَل ذات يومٍ فقرَأ، فأتَى على هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. فانْفَتَل (٦)، وأَخَذ
стр. 6408
رداءَه، ثم أتَى أبيَّ ابنَ كعبٍ، فقال: يا أبا المنذرِ، فتلا هذه الآيةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. [وقد تَرَى أنا نَظْلِمُ] (١)، ونَفْعَلُ ونَفْعَلُ. فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن هذا ليس بذاك، يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. إنما ذلك الشركُ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي عثمانَ عمرِو بنِ سالمٍ، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ هذه الآيةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. فقال عمرُ: قد أفْلَح مَن لم يَلْبِسْ إيمانَه بظلمٍ. فقال أبيٌّ: يا أميرَ المؤمنين، ذاك الشركُ.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا [أسْباطُ بنُ محمدٍ، عن مُطَرِّفٍ] (٢)، عن ابنِ سالمٍ، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ. فذكَر نحوَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرَةَ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا حسينُ بن (٤) عليٍّ، عن زائدةَ، عن الحسنِ بنِ
стр. 6409
عبيدِ (١) اللهِ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: أي: بشركٍ (٢).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا حميدٌ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بعبادةِ الأوثانِ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ (٤).
حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، أن ابنَ مسعودٍ قال: لمَّا نزَلَت: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. كبُر
стр. 6410
ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ما منا أحدٌ إلا وهو يَظْلِمُ نفسَه. فقال النبيُّ ﷺ : "أمَا سمِعْتُم قولَ لقمانَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١)؟ ".
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾.
قال: عبادةِ الأوثانِ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن مِسْعَرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: بشركٍ (٢).
حدَّثنا ابنُ حمُيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: بشركٍ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يَخْلِطوا إيمانَهم بشيءٍ من معاني الظلمِ؛ وذلك فعلُ ما نَهَى اللهُ عن فعلِه، أو تركُ ما أمَر اللهُ بفعلِه. وقالوا: الآيةُ على العمومِ؛ لأن اللهَ لم يَخُصَّ به معنًى مِن معاني الظلمِ.
قالوا: فإن قال لنا قائلٌ: أفلا أَمْنَ في الآخرةِ إلا لمن لم يَعْصِ اللهَ في صغيرةٍ ولا كبيرةٍ، وإلّا لَمَن لقِي اللهَ ولا ذنبَ له؟ قلنا: إن اللهَ عنَى بهذه الآيةِ خاصًّا مِن خلقِه دونَ الجميعِ منهم، والذي عنَى بها وأراده بها خليلَه إبراهيمَ ﷺ ، فأما غيرُه فإنه إذا لقِي اللهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا، فهو في مشيئتِه إذا كان قد أتَى بعضَ مَعاصِيه التي لا تَبْلُغُ أن تَكونَ كفرًا، فإن شاء لم يُؤْمِنُه من عذابِه، وإن شاء تفَضَّل عليه فعفا عنه.
стр. 6411
قالوا: وذلك قولُ جماعةٍ مِن السلفِ، وإن كانوا مختلفين في المعنيِّ بالآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها إبراهيمُ.
وقال بعضُهم: عُنِي بها المهاجرون (١) مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ .
ذكرُ مَن قال: عُنِي بهذه الآيةِ إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ ﷺ حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ وحميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسِ ابنِ الربيعِ، عن زيادِ بنِ عِلاقةَ، عن زيادِ بن حَرْملةَ، عن عليٍّ، قال: هذه الآيةُ لإبراهيمَ ﷺ خاصةً، ليس لهذه الأمةِ منها شيءٌ (٢).
ذكرُ مَن قال: عُنِي بها المهاجرون خاصةً
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ وحميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسِ ابنِ الربيعِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. قال: هي لمَن هاجرَ إلى المدينةِ.
وأولى القولين بالصحةِ في ذلك ما صحَّ به الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو الخبرُ الذي رواه ابنُ مسعودٍ عنه أنه قال: الظلمُ الذي ذكَره اللهُ تعالى في هذا الموضعِ هو الشركُ.
وأما قولُه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. فإنه يعني: هؤلاء الذين آمنوا، ولم يَخْلِطُوا إيمانَهم بشركٍ، ﴿لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ يومَ القيامةِ مِن عذابِ اللهِ، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: وهم المُصِيبون سبيلَ الرشادِ، والسالكون طريقَ النَّجاةِ.
стр. 6412
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾. قول إبراهيمَ لمُخاصِمِيه مِن قومِه المشركين: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أمَن يَعْبُدُ ربًّا واحدًا مُخْلِصًا له الدينَ والعبادةَ، أمَّن يَعْبُدُ أربابًا كثيرةً؟ وإجابتُهم إياه بقولِهم: بل مَن يَعْبُدُ ربًّا واحدًا أحقُّ بالأمنِ. وقضاؤُهم له على أنفسِهم، فكان في ذلك قطعُ عذرِهم، وانقطاعُ حجتِهم، واسْتِعلاءُ حجةِ إبراهيمَ عليهم، فهى الحجةُ التي آتاها اللهُ إبراهيمَ على قومِه (١).
كالذي حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن رجلٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾. قال: هي (٢) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال إبراهيمُ حينَ سأَل: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾. قال: هي حجةُ إبراهيمَ (٣).
وقولُه: ﴿آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾. يقولُ: لقَّنّاها إبراهيمَ، و [بصَّرْناها إياه] (٤)، ورفعْناه (٥) على قومِه.
стр. 6413
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾. واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ: (نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَشاءُ). بإضافةِ الدرجاتِ إلى "مَن"، بمعنى: نَرْفَعُ الدرجاتِ لمَن نَشاءُ (١).
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾. بتنوينِ الدرجاتِ، بمعنى: نَرْفَعُ مَن نَشَاءُ دَرَجَاتٍ (٢). والدرجاتُ جمعُ دَرَجةٍ، وهي المرتبةُ، وأصلُ ذلك مَراقي السُّلَّمِ ودرجُه، ثم تُسْتَعْمَلُ في ارتفاعِ المنازلِ والمراتبِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يُقالَ: هما قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرَأةِ، متقاربٌ معناهما. وذلك أن مَن رُفِعَت درجتُه فقد رُفِع في الدَّرَجِ، ومَن رُفِع في الدَّرَجِ فقد رُفِعَت درجتُه، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ في ذلك.
فمعنى الكلامِ إذن: وتلك حُجَّتُنا آتيناها إبراهيمَ على قومِه، فرفَعْنا بها درجتَه عليهم، وشرَّفْناه بها عليهم في الدنيا والآخرةِ، فأما في الدنيا فآتَيْناه فيها أجره، وأما في الآخرةِ فهو مِن الصالحين. ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾. أي: بما فعَل (٣) مِن ذلك وغيرِه (٤).
وأما قولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. فإنه يعني: إن ربَّك يا محمدُ حكيمٌ في سِياستِه خلقَه، وتَلْقينِه أنبياءَه الحججَ على أممِهم المُكَذِّبةِ لهم، الجاحدةِ توحيدَ ربِّهم، وفي غيرِ ذلك مِن تدبيرِه، عليمٌ بما يَئُولُ إليه أمرُ رسلِه والمُرْسلين إليه (٥)؛ مِن
стр. 6414
ثَباتِ الأممِ على تكذيبِهم إياهم، وهلاكِهم على ذلك، أو إنابتهم وتوبتهم منه بتوحيد اللهِ تعالى، وتصديقِ رسلهِ، والرجوع إلى طاعته.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فأْتَسِ يا محمدُ في نفسِك وقومك المُكَذِّبيك والمشركين، بأبيك خليلي إبراهيمَ ﷺ ، واصْبِر على ما يَنوبُك منهم صبرَه، فإني بالذي يَئُولُ إليه أمرُك وأمرُهم عالمٌ بالتدبيرِ فيك وفيهم حكيمٌ.
القولُ في تأويل قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فَجَزَيْنا إبراهيم ﷺ على طاعتِه إيانا وإخلاصِه توحيدَ ربِّه، ومُفارقتِه دينَ قومِه المشركين باللهِ، بأن رفَعْنا درجتَه في عِلِّيِّين، وآتَيْناه أجرَه في الدنيا، ووهَبْنا له أولادًا اخْتَصَصْناهم (١) بالنبوةِ، وذريةً شرَّفناهم منا بالكرامة، وفضَّلْناهم على العالَمين؛ منهم ابنُه إسحاق، وابنُ ابنهِ يعقوبُ، ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾. يقولُ: هدَيْنا جميعهم لسبيل الرشادِ، فوفَّقناهم للحقِّ والصوابِ من الأديان، ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: وهدَيْنا لمثل الذي هدَيْنا إبراهيمَ وإسحاق ويعقوب من الحقِّ والصواب، فوفَّقناه له، نوحًا مِن قَبْلِ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ والهاءُ التي في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ مِن ذكرِ "نوحٍ". وذلك أن اللهَ تعالى ذكره ذكر في سياق الآياتِ التي تَتْلُو هذه الآيةَ لوطًا، فقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ومعلومٌ أن لوطًا لم يَكُنْ مِن ذريةِ إبراهيمَ صلَّى اللهُ عليهم أجمعين. فإذ
стр. 6415
كان ذلك كذلك، وكان معطوفًا على أسماءِ من سمَّيْنا من ذريته، كان لا شكَّ أنه لو أُرِيد بالذرية ذريةُ إبراهيم، لَمَا دخَل يونُسُ ولوطٌ فيهم، ولا شكَّ أن لوطًا ليس من ذرية إبراهيم، ولكنه من ذرية نوحٍ، فلذلك وجَب أن تكونَ الهاءُ في الذرية من ذكر نوحٍ.
فتأويلُ الكلامِ: ونوحًا وفَّقْنا للحقِّ والصواب من قبلِ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، وهدَيْنا أيضًا من ذريةِ نوحٍ داود وسليمان.
و ﴿دَاوُودَ﴾ هو داودُ بنُ إيشى. و ﴿سُلَيْمَانَ﴾ هو ابنُه سليمان بنُ داود، ﴿وَأَيُّوبَ﴾ هو أيوبُ بنُ مُوصِ بنِ رازِحَ (١) بن عِيصِ بن إسحاق بن إبراهيم. و ﴿يُوسُفَ﴾ هو يوسُفُ بنُ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. و ﴿مُوسَى﴾ هو موسى بنُ عِمْرانَ بنِ يصهرَ بن قاهثَ بن لَاوِى بنِ يعقوبَ. و ﴿هَارُونَ﴾ هو (٢) أخو موسى.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: جزَيْنا نوحًا بصبرِه على ما امْتُحِن به فينا، بأن هدَيْناه فوفَّقناه لإصابةِ الحقِّ الذي خذَلْنا عنه مَن عصانا فخالف أمْرَنا ونهيَنا مِن قومِه، وهدَيْنا مِن ذريتِه مِن بعدِه مَن ذكَر تعالى ذكرُه مِن أنبيائه لمثلِ الذي هدَيْناه له، وكما جزَيْنا هؤلاء بحسن طاعتهم إيانا، وصبرهم على المِحَنِ فينا، كذلك نَجْزِي بالإحسانِ كلَّ مُحسِنٍ.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾.
стр. 6416
يقولُ تعالى ذكرُه: وهدَيْنا أيضًا لمثل الذي هدَيْنا له نوحًا مِن الهُدَى والرَّشادِ من ذريتِه زكريا بن إدُّو (١) بن بركيا، ويحيَى بنَ زكريا، وعيسى ابنَ مريم ابنة عِمْرانَ ابن ياشهمَ (٢) بنِ أمونَ بنِ حزقيا ﴿وَإِلْيَاسَ﴾ واختَلَفوا في "إلياسَ"، فكان ابنُ إسحاقَ يقولُ: هو إلْياسُ بنُ تسبى (٣) بنِ فِنحاصَ بن العيزارِ بن هارونَ بن عمرانَ ابنِ أخي موسى نبيِّ اللهِ ﷺ .
وكان غيرُه يقولُ: هو إدريسُ. وممن ذُكِر ذلك عنه عبدُ اللهِ بن مسعودٍ.
حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي (٤) إسحاق، عن عَبِيدةَ بنِ ربيعةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: إدريسُ هو إلياسُ، وإسرائيلُ هو يعقوبُ (٥).
وأما أهلُ الأنسابِ فإنهم يقولون: إدريسُ جدُّ نوحِ بنِ لَمْكِ (٦) بن متُّوشلخَ بنِ أخَنُوخَ. وأخنوخُ هو إدريسُ بنُ يَرْدَ بن مهلائيلَ (٦). وكذلك رُوِي عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ (٧).
والذي يقولُ أهل الأنسابِ أشبهُ بالصوابِ، وذلك أن اللهَ تعالى نسَب إلياسَ في هذه الآيةِ إلى نوحٍ، وجعَله من ذريته، ونوحٌ هو ابنُ إدريس عندَ أهلِ العلم،
стр. 6417
فمُحالٌ أن يَكونَ جَدُّ أبيه منسوبًا إلى أنه من ذريتِه.
وقولُه: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يقولُ: مَن ذَكَرْنا مِن هؤلاء الذين سمَّيْنا مِن الصالحين. يعني زكريا ويحيى وعيسى وإلياسَ صلَّى اللهُ عليهم.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وهدَيْنا أيضًا من ذريةِ نوحٍ إسماعيلَ، وهو إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، ﴿وَالْيَسَعَ﴾ هو الْيَسَعُ بنُ أخْطُوبَ بنِ العجوز.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ اسمه؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿وَالْيَسَعَ﴾ بلامٍ واحدةٍ مُخَفَّفةٍ (١).
وقد زعَم قومٌ أنه "يَفْعَل"، من قولِ القائلِ: وسِع يَسَعُ. ولا تَكادُ العربُ تُدْخِلُ الألفَ واللامَ على اسم يَكونُ على هذه الصورة - أَعْنِي: على "يَفْعَل"، لا يقولون: رأيْتُ اليزيدَ، ولا أتاني اليحيى (٢)، ولا مرَرْتُ باليَشْكُرِ - إلا في ضرورةِ شعرٍ، وذلك أيضًا إذا تُحُرِّي به المدحُ، كما قال بعضُهم (٣):
وجَدْنا الوليدَ بنَ اليزيدِ مُبارَكًا … شديدًا بأحناءِ (٤) الخِلافةِ كاهِلُهْ
فأَدْخَل في "اليزيدِ" الألفَ واللامَ؛ وذلك لإدخالِه إياهما في "الوليد"، فأتْبَعه "اليزيدَ" بمثلِ لفظِه.
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ الكوفيين: (واللَّيْسَعَ) بلامَيْن وبالتشديد (٥).
стр. 6418
وقالوا: إذا قُرِئ كذلك كان أشبهَ بأسماءِ العجمِ. وأنْكَروا التخفيفَ وقالوا: لا نَعْرِفُ في كلامِ العربِ اسمًا على "يَفْعَل" فيه أَلَفٌ ولامٌ.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندي قراءةُ مَن قرَأه بلامٍ واحدةٍ مخففةٍ؛ لإجماعِ أهلِ الأخبارِ على أن ذلك هو المعروفُ مِن اسمِه، دون التشديدِ، مع أنه اسمٌ أَعْجَمِيٌّ، فيُنْطَقُ به على ما هو به. وإنما نُقيمُ (١) دخولَ الألفِ واللام فيما جاء مِن أسماءِ العربِ على "يَفْعَل". وأما الاسمُ الذي يَكونُ أَعْجَميًّا، فإنما يُنْطَقُ به على ما سَمَّوْا به، فإن غُيِّر منه شيءٌ إذا تكَلَّمَت العربُ به، فإنما يُغَيَّرُ بتقويمِ حرفٍ منه، من غيرِ حذفٍ ولا زيادةٍ فيه ولا نُقصانٍ، و "اللَّيْسَعُ" إذا شُدِّد لَحِقَتْه زيادةٌ لم تَكُنْ فيه قبلَ التشديدِ. وأُخرى، أنه لم يُحْفَظْ عن أحدٍ من أهل العلم علِمْنا أنه قال: اسمُه لَيْسَعُ. فيَكونَ مُشَددًا عند دخولِ الألفِ واللامِ اللتين تَدْخُلان للتعريفِ (٢).
و ﴿وَيُونُسَ﴾ هو يونُسُ بنُ مَتَّى، ﴿وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا﴾ مِن ذريةِ نوحٍ ونوحًا، لهم بيَّنا الحقَّ، ووفَّقْناهم له، وفضَّلْنا جميعَهم ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني: على عالَمِ أزمانِهم.
القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وهدَيْنا أيضًا من آباءِ هؤلاء الذين سمَّاهم تعالى ذكرُه، ومِن ذرياتِهم وإخوانِهم آخرين سواهم لم يُسَمِّهم، للحقِّ والدينِ الخالصِ الذي لا
стр. 6419
شركَ فيه، فوفَّقْناهم له، ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ: واخْتَرْناهم لدينِنا وبلاغ رسالتِنا إلى من أرسلْناهم إليه، كالذي اخْتَرْنا ممَّن سمَّيْنا. يقالُ منه: اجْتَبَى فلانٌ لنفسِه كذا، إذا اخْتاره واصْطَفاه، يَجْتَبِيه اجْتِباءً.
وكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾. قال: أَخْلَصْناهم (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: وسدَّدْناهم فأَرْشَدْناهم إلى طريقٍ غيرِ مُعْوَجٍّ، وذلك دينُ اللهِ الذي لا عِوَجَ فيه، وهو الإسلامُ الذي ارْتَضاه اللهُ ربُّنا لأنبيائِه، وأمَر به عبادَه.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾: هو الهدى الذي هدَيْتُ به مَن سمَّيْتُ من الأنبياءِ والرسلِ، فوفَّقْتُهم به لإصابةِ الدينِ الحقِّ الذي نالوا بإصابتِهم إياه رضا ربِّهم، وشرفَ الدنيا، وكرامةَ الآخرةِ، هو ﴿هُدَى اللَّهِ﴾. يقولُ: هو توفيقُ اللهِ ولُطْفُه الذي يُوَفِّقُ به مَن يَشَاءُ، ويَلْطُفُ به لمَن أحَبَّ مِن خلقِه، حتى يُنِيبَ إلى طاعةِ اللهِ، وإخلاص العملِ له، وإقرارِه بالتوحيدِ، ورفضِ الأوثانِ والأصنامِ،
стр. 6420
﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: [ولو أشْرَك هؤلاء الأنبياءُ الذين سمَّيْناهم، بربِّهم تعالى ذكرُه، فعبَدوا معَه غيرَه ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾.
يقولُ] (١): لبطَل فذهَب عنهم أجرُ أعمالِهم التي كانوا يَعْمَلُون؛ لأن اللهَ لا يَقْبَلُ مع الشركِ به عملًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء الذين سمَّيْناهم مِن أنبيائِه ورسلِه؛ نوحًا وذريتَه الذين هداهم لدين الإسلام، واجْتَباهم (٢) لرسالتِه إلى خلقِه، هُم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾. يعني بذلك: صحفَ إبراهيمَ وموسى، وزَبورَ داودَ، وإنجيلَ عيسى، صلواتُ الله عليهم أجمعين، ﴿وَالْحُكْمَ﴾ يعني الفهمَ بالكتابِ ومعرفةَ ما فيه مِن الأحكامِ.
ورُوِي عن مجاهدٍ في ذلك ما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبانٌ، قال: ثنا مالكُ بنُ شدَّادٍ (٣)، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾. قال: الحكمُ هو اللُّبُّ (٤).
وعنَى بذلك مجاهدٌ إن شاء اللهُ ما قلتُ؛ لأن اللُّبَّ هو العقلُ، فكأنه أراد أن اللهَ آتاهم العقلَ بالكتابِ، وهو بمعنى ما قلنا مِن أنه الفهمُ به (٥).
وقد بيَّنا معنى "النبوةِ" و "الحكمِ" فيما مضَى بشَواهدِهما، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه (٦).
стр. 6421
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فإِن يَكْفُرْ يا محمدُ بآياتِ كتابي الذي أَنْزَلْتُه إليك، فيَجْحَدْ هؤلاءِ المشركون العادِلون بربِّهم، كالذي حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: إِن يَكْفُرُوا بالقرآنِ (١).
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويل في المعنيِّ بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي بهم كفارُ قريشٍ، وعُنِي بقولِه: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. الأنصارُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. قال: أهلُ مكةَ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ أهلَ المدينةِ (٢).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. قال: الأنصارُ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. قال: إن يَكْفُرْ بها أهلُ مكةَ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ أهلَ المدينةِ الأنصارَ، ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (٤).
стр. 6422
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: إن يَكْفُرْ بها قريشٌ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ الأنصارَ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ أهلُ مكةَ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أهلَ المدينةِ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. قال: كان أهلُ المدينةِ قد تبَوَّءُوا الدارَ والإيمانَ قبلَ أَن يَقْدَمَ عليهم رسولُ اللهِ ﷺ ، فلمَّا أنْزَل اللهُ عليهم الآياتِ جحَد بها أهلُ مكةَ، فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. قال عطيةُ: ولم أَسْمَعْ هذا مِن ابنِ عباسٍ، ولكن سمِعْتُه مِن غيرِه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. يعني: أهلُ مكةَ، يقولُ: إِن يَكْفُرُوا بالقرآنِ ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. يعني: أهلَ المدينةِ والأنصارَ (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: فإن يَكْفُرْ بها أهلُ مكةَ فقد وكَّلْنا بها الملائكةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن أبي رَجاءٍ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ
стр. 6423
بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. قال: هم الملائكةُ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وابنُ أبي عَدِيٍّ وعبدُ الوهَّابِ، عن عوفٍ، عن أبي رجَاءٍ مثلَه.
وقال آخَرون: عُنِي بقولِه: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. يعني: قريشٌ، وبقوله: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ الأنبياءَ الذين سمَّاهم في الآياتِ التي مضَت قبلَ هذه الآيةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. يعني: أهلُ مكةَ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ وهم الأنبياءُ الثمانيةَ عشَرَ الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. قال: يعني: قومُ محمدٍ. ثم قال: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. يعني: النبيين الذين قصَّ قبلَ هذه الآيةِ قَصصَهم. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٣).
وأولى هذه الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بقولِه: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾. كفارُ قريشٍ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. يعني به الأنبياءَ الثمانيةَ عشرَ الذين سمَّاهم اللهُ تعالى ذكرُه في الآياتِ قبل هذه الآيةِ،
стр. 6424
وذلك أن الخبرَ في الآياتِ قبلَها عنهم مضَى، وفي التي بعدَها عنهم ذُكِر، [فما بينَها] (١) بأن يَكونَ خبرًا عنهم أولى وأحقُّ مِن أن يكونَ خبرًا عن غيرِهم.
فتأويلُ الكلامِ إذ كان ذلك كذلك: فإن يَكْفُرْ (٢) قومُكَ مِن قريشٍ يا محمدُ بآياتِنا، وكذَّبوا وجحَدوا حقيقتَها، فقد اسْتَحْفَظْناها واسْتَرْعَيْنا القيامَ بها رسلَنا وأنبياءَنا مِن قبلِك، الذين لا يَجْحَدون حقيقتَها، ولا يُكَذِّبون بها، ولكنهم يُصَدِّقون بها ويُؤْمِنون بصحتها.
وقد قال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾. رَزَقْناها قومًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء القومُ الذين وكَّلْنا بآياتِنا وليسوا بها بكافرين، هم الذين هداهم اللهُ لدينِه الحقِّ، وحفظِ ما وُكِّلوا بحفظِه مِن آياتِ كتابِه، والقيامِ بحدودِه، واتباعِ حلالِه وحرامِه، والعملِ بما فيه مِن أمرِ اللهِ، والانتهاءِ عما فيه مِن نهيه، فوفَّقَهم جلَّ ثناؤُه لذلك، ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فبالعمل الذي عمِلوا، والمنهاجِ الذي سلَكوا، وبالهدى الذي هدَيْناهم، والتوفيق الذي وفَّقْناهم، ﴿اقْتَدِهْ﴾ يا محمدُ، أي: فاعْمَلْ وخُذْ به واسْلُكْه، فإنه عملٌ للهِ فيه رضًا، ومِنْهاجٌ مَن سلَكَه اهْتَدَى.
وهذا التأويلُ على مذهبِ مَن تأَوَّل قولَه: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أنهم الأنبياءُ المُسَمَّوْن في الآياتِ المتقدمةِ، وهو القولُ الذي اخْتَرْناه في تأويلِ ذلك.
стр. 6425
وأما على تأويلِ مَن تأَوَّل ذلك أن القومَ الذين وُكِّلوا بها هم أهلُ المدينةِ، أو أنهم هم الملائكةُ، فإنهم جعَلوا قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. اعتراضًا بينَ الكلامين، ثم ردُّوا قولَه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ على قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قولَه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إلى قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ يا محمدُ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ يا محمدُ، ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ولا تَقْتَدِ بهؤلاء (١).
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثني أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ثم رجَع إلى النبيِّ ﷺ فقال، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ثم قال في الأنبياء الذين سمَّاهم في هذه الآيةِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢).
ومعنى الاقْتِداءِ في كلامِ العربِ، بالرجلِ، اتباعُ أَثَرِه، والأخذُ بهديهِ، يقالُ: فلانٌ يَقْدُو فلانًا. إذا نحا نحوَه، واتَّبَع أثرَه، قِدَةً وقُدْوةً وقِدْوةً [وقِديةً] (٣).
стр. 6426
القولُ في تأويل قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ لهؤلاء الذين أمَرْتُك أن تُذكِّرَهم بآياتي أن تُبْسَلَ نفسٌ بما كسَبَت مِن مشركي قومِك يا محمدٌ: لا أسألُكم على تذكيري إياكم، والهدى الذي أَدْعُوكم إليه، والقرآنِ الذي جئْتُكم به، عِوَضًا أَعْتاضُه منكم عليه، وأجْرًا أخُذُه منكم، وما ذلك مني إلا تذكيرٌ لكم، ولكلِّ مَن كان مثلَكم، ممَّن هو مقيمٌ على باطلٍ - بأسَ اللهِ أن يَحُلَّ بكم، وسَخَطَه أن يَنْزِلَ بكم، على شركِكم به وكفرِكم، وإنذارٌ لجميعِكم، بينَ يَديْ عذابٍ شديدٍ؛ لتَذَّكَّروا وتَنْزَجِروا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: وما أجَلُّوا اللهَ حقَّ إجْلالِه، ولا عظَّمُوه حقَّ تعظيمِه، ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: حينَ قالوا: لم يُنْزِلِ اللهُ على آدميٍّ كتابًا ولا وحيًا.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. وفي تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: كان قائلُ ذلك رجلًا من اليهودِ.
ثم اخْتَلَفوا في اسمِ ذلك الرجلِ؛ فقال بعضُهم: كان اسمُه مالكَ بنَ الصَّيْفِ. وقال بعضُهم: كان اسمُه فِنْحاصَ.
واخْتَلَفوا أيضًا في السببِ الذي مِن أجلِه قال ذلك.
ذكرُ مَن قال: كان قائلُ ذلك مالكَ بنَ الصَّيْفِ
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ
стр. 6427
ابن جبيرٍ، قال: جاء رجلٌ مِن اليهود يقالُ له: مالكُ بنُ الصيفِ. يُخاصِمُ النبيَّ ﷺ ، فقال له النبيُّ ﷺ : "أَنْشُدُك بالذي أَنْزَل التوراةَ على موسى، أَمَا تَجِدُ في التوراةِ أن اللهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمينَ؟ ". وكان حبرًا سَمينًا، فغضِب، فقال: واللَّهِ ما أَنْزَل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ. فقال له أصحابُه الذين معه: ويحَك، ولا موسى؟ فقال: واللهِ ما أَنْزَل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ. فأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ الآية (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.
قال: نزَلَت في مالكِ بن الصيفِ، كان مِن قُرَيْظةَ، مِن أحبارِ يهودَ. ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ الآية (٢).
ذكرُ مَن قال: نزَلَت في فِنْحاصَ اليهوديِّ
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: قال فِنْحاصُ اليهوديُّ: ما أَنْزَل اللهُ على محمدٍ مِن شيءٍ (٣).
وقال آخَرون: بل عُنِي بذلك جماعةٌ من اليهودِ سأَلوا النبيَّ ﷺ آياتٍ مثلَ آياتِ موسى.
стр. 6428
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا يونُسُ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ المَدَنيُّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، قال: جاء ناسٌ مِن يهودَ إلى النبيِّ ﷺ وهو مُحْتَبٍ، فقالوا: يا أبا القاسمِ، ألَا تَأْتِينا بكتابٍ مِن السماءِ كما جاء به موسى ألواحًا يَحْمِلُها مِن عندِ اللهِ؟ فَأَنْزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ الآية [النساء: ١٥٣] فَجَثَا رجلٌ مِن يهودَ فقال: ما أنْزَل اللهُ عليك، ولا على موسى، ولا على عيسى، ولا على أحدٍ شيئًا، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال محمدُ بنُ كعبٍ: ما علِموا كيف اللهُ إذ قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا﴾. فحلَّ رسولُ الله ﷺ حُبْوتَه، وجعَل يقولُ: "ولا على أحدٍ" (١)!
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ إلى قولِه: ﴿فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾: هم اليهودُ والنصارى، قومٌ آتاهم اللهُ علمًا فلم يَقْتَدوا (٢) به، ولم يَأْخُذوا به، ولم يَعْمَلُوا به، فذمَّهم اللهُ في عملِهم ذلك. ذُكِر لنا أن أبا الدرداءِ ﵁ كان يقولُ: إن مِن أكثرِ ما أنا مخاصَمٌ به غدًا، أن يُقالَ: يا أبا الدرداءِ، قد علِمْتَ، فماذا عمِلْتَ فيما علِمْتَ؟ (٣)
стр. 6429
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. يعني: من بني إسرائيلَ، قالت اليهودُ: يا محمدُ، أَنْزَل اللهُ عليك كتابًا؟ قال: "نعم". قالوا: واللهِ ما أَنْزَلَ اللهُ من السماءِ كتابًا. فأَنْزَلَ اللهُ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. قال: "اللهُ أنْزَله" (١).
وقال آخَرون: هذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن مُشْرِكي قريشٍ أنهم قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: إنه سمِع مُجاهدًا يقولُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾: قالها مُشْرِكو قريشٍ. قال: وقولُه: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكتابَ الذي جاء به موسى نورًا وهدًى للناسِ يَجْعَلُونَه قراطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيرًا) (٢). قال: هم يهودُ الذين يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا، قال: وقولُه: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. قال: هذه للمسلمين (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال: هم الكفارُ، لم
стр. 6430
يُؤْمِنوا بقدرةِ الله عليهم، فمَن آمَن أن اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، فقد قدَر اللهَ حَقَّ قَدْرِه، ومَن لم يُؤْمِنُ بذلك فلم يَقْدُرِ اللهَ حقَّ قدرِه (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. يقولُ: مُشْرِكو قريشٍ (٢).
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: عُنِي بذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. مُشركو قريشٍ. وذلك أن ذلك في سياقِ الخبرِ عنهم أولًا، فأن يكونَ ذلك أيضًا خبرًا عنهم، أشبهُ مِن أن يَكونَ خبرًا عن اليهودِ ولمَّا يَجْرِ لهم ذكرٌ يكونُ هذا به متصلاً، مع ما في الخبر عمَّن أخْبَر اللهُ عنه في هذه الآيةِ مِن إنكارِه أن يكونَ اللهُ أَنْزَل على بشرٍ شيئًا من الكتبِ، وليس ذلك مما تَدِينُ به اليهودُ، بل المعروفُ من دينِ اليهودِ الإقرارُ بصُحُفِ إبراهيمَ وموسى وزَبورِ داودَ، وإذا لم يَكُنْ بما رُوِي مِن الخبرِ، بأن قائلَ ذلك كان رجلًا من اليهودِ، خبرٌ صحيحٌ متصلُ السندِ، ولا كان على أن ذلك كان كذلك مِن أهلِ التأويل إجماعٌ، وكان الخبرُ مِن أولِ السورةِ ومُبْتَدَئِها إلى هذا الموضعِ خبرًا عن المشركين مِن عبَدةِ الأوثانِ، وكان قولُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ موصولاً بذلك غيرَ مفصولٍ منه، لم يَجُزْ لنا أن نَدَّعِيَ أن ذلك مصروفٌ عما هو به موصولٌ، إلا بحجةٍ يَجبُ التسليمُ لها من خبرٍ أو عقلٍ.
ولكني أَظُنُّ أن الذين تأوَّلوا ذلك خبرًا عن اليهودِ، وجَدوا قولَه: (قُلْ مَن أَنْزَل الكتابَ الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناسِ يَجْعَلونه قَراطِيسَ يُبْدُونها ويُخْفُون
стр. 6431
كثيرًا وعُلِّمْتُم ما لم تَعْلَموا أنتم ولا آباؤكم) فوجَّهوا تأويلَ ذلك إلى أنه لأهلِ التوراةِ، فقرَءُوه على وجه الخطاب لهم: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ فجعلوا ابتداءَ الآيةِ خبرًا عنهم، إذ كانت خاتمتُها خطابًا لهم عندَهم. وغيرُ ذلك من التأويل والقراءةِ أشبهُ بالتنزيل؛ لِما وصَفْتُ قبلُ مِن أن قولَه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. في سياقِ الخبرِ عن مُشْرِكي العربِ وعَبَدة الأوثان، وهو به متصلٌ، فالأولى أن يكون ذلك خبرًا عنهم.
والأصوبُ مِن القراءة في قوله: (يَجْعَلونه قراطيسَ يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا).
أن يَكونَ بالياءِ لا بالتاءِ، على معنى أن اليهودَ يَجْعَلونه قراطيسَ يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا، ويكونَ الخطابُ بقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ لمُشْركي قريشٍ، وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهدٌ إن شاء اللهُ في تأويل ذلك، وكذلك كان يَقْرَأُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ، عن مجاهدٍ أنه كان يَقْرَأُ هذا الحرفَ: (يَجْعَلونه قَراطِيسَ يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا).
القول في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لمُشركي قومِك القائلين لك: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا﴾. يعني: جَلاءً وضِياءً مِن ظُلْمةِ الضَّلالةِ، ﴿وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: بيانًا للناسِ، يُبَيِّنُ لهم به الحقَّ من الباطلِ، فيما أشْكَل عليهم مِن أمرِ دينهم، (يَجْعَلونه قَرَاطِيسَ يُبْدُونها).
فمَن قرأ ذلك: ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ جَعَله خطابًا لليهودِ، على ما بيَّنْتُ مِن تأويلِ مَن
стр. 6432
تأَوَّل ذلك كذلك. ومَن قرَأه بالياء: (يَجْعَلونه) فتأويلُه في قراءتِه: يَجْعَلُه أهلُه قَراطيس.
وجرَى الكلامُ في (يُبْدونها) بذكرِ القراطيس، والمرادُ منه المكتوبُ في القَراطيس. يُرادُ: يُبْدون كثيرًا مما يَكْتُبون في القراطيسِ فيُظهِرونه للناسِ، ويُخْفُون كثيرًا مما يُثْبِتونه في القَراطيسِ فيُسِرُّونه ويَكْتُمونه الناسَ.
ومما كانوا يَكْتُمونه إياهم ما فيها مِن أمرِ محمدٍ ﷺ ونبوتِه.
كالذي حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (قَراطيسَ يُبدونها ويُخفون كثيرًا). اليهودُ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ: قلْ يا محمد: (مَن أنْزَل الكتابَ الذي جاء به موسى نورًا وهدًى للناسِ يَجْعَلونه قَراطيسَ يُبْدُونها). يعني يهودَ؛ لِمَا أظْهَرُوا مِن التوراةِ، (ويُخْفُون (٢) كثيرًا) مما أخْفَوْا مِن ذكرِ محمدٍ ﷺ وما أُنْزِل عليه. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال عبدُ اللهِ ابنُ كثيرٍ: إنه سمِع مجاهدًا يقولُ: (يَجْعَلونه قَراطيسَ يُبْدُونها ويُخْفون كثيرًا).
قال: هم يهودُ الذين يُبْدُونها ويُخْفون كثيرًا.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وعلَّمَكم اللهُ جلَّ ثناؤُه بالكتابِ (٣) الذي أنْزَله إليكم ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ﴾ مِن أخبارِ من قبلَكم، ومِن أنباءِ من بعدَكم، وما هو كائنٌ في
стр. 6433
معادِكم يوم القيامةِ، ﴿وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. يقولُ: ولم يَعْلَمْه آباؤُكم أَيُّها المؤمنون بالله من العربِ وبرسوله ﷺ .
كالذي حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوب، عن مجاهدٍ: ﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ معشرَ العربِ ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: إنه سمع مُجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. قال: هذه للمسلمين (٢).
وأما قولُه: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾. فإنه أمرٌ من الله جلَّ ثناؤُه نبيَّه محمدًا ﷺ أَن يُجِيبَ استفهامَه هؤلاء المشركين عما أمَره باستفهامِهم عنه بقولِه: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكتابَ الذي جاء به موسى نورًا وهدًى للناسِ يَجْعَلُونه قراطيسَ يُبْدُونَهَا ويُخْفُونَ كثيرًا).
بقيلِه: ﴿اللَّهُ﴾. كأمْرِه إياه في موضعٍ آخَرَ في هذه السورةِ بقولِه: (قُل مَن يُنَجيكُم مِن ظُلُماتِ البرِ والبحرِ تدعُونَهُ تَضَرُّعًا وخفيةً لَئِن أَنجَيْتَنَا (٣) من هذهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين) [الأنعام: ٦٣] فأمَرَه باستفهامِ المشركين عن ذلك، كما أمَرَه باستفهامِهم إذ قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ عمَّن أنْزَل الكتابَ الذي جاء به موسى، نورًا وهدًى للناسِ، ثم أمَرَه بالإجابةِ عنه هنالك بقيلِه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤] كما أمَرَه بالإجابةِ هاهنا عن ذلك بقيلِه: اللهُ أَنْزَلَه على موسى.
стр. 6434
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابن عباس: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾. قال: اللهُ أَنْزَلَه (١).
ولو قيل: معناه: قلْ: هو اللهُ. على وجهِ الأمرِ مِن اللهِ له بالخبرِ عن ذلك، لا على وجهِ الجوابِ - إذ لم يَكُنْ قولُه: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ مسألةً مِن المشركين لمحمدٍ ﷺ ، فيَكونَ قولُه: ﴿قُلِ اللهُ﴾ جوابًا لهم عن مسألتِهم، وإنما هو أمرٌ مِن اللهِ لمحمدٍ بمسألةِ القومِ: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾، فيَجِبُ أن يكونَ الجوابُ منهم غيرَ الذي قاله ابنُ عباسٍ مِن تأويلِه - كان جائزًا؛ مِن أجلِ أنه استفهامٌ، ولا يَكونُ للاستفهامِ جوابٌ، وهو الذي اخْتَرْنا من القولِ في ذلك؛ لِمَا بيَّنا.
وأما قولُه: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. فإنه يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ثم ذَرْ هؤلاء المشركين العادِلِين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ - بعدَ احتجاجِك عليهم في قيلِهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. بقولِك: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾. وإجابتِك ذلك بأن الذي أَنْزَلَه اللهُ الذي أَنْزَل عليك كتابَه - ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾. يعني: فيما يَخُوضُون فيه من باطلِهم وكفرِهم باللهِ وآياتِه، ﴿يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ: يَسْتَهْزِئون ويَسْخَرون.
وهذا من اللهِ وعيدٌ لهؤلاء المشركين وتهدُّدٌ (٢) لهم، يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ثم دَعْهم لاعِبِين يا محمدُ، فإني مِن وراءِ ما هم فيه مِن استهزائِهم بآياتي بالمِرْصادِ، وأُذِيقُهم بأسي، وأُحِلُّ بهم إن تَمادَوْا فِي غَيِّهِم سَخَطي.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
стр. 6435
وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وهذا القرآنُ يا محمدُ ﴿كِتَابٌ﴾. وهو اسمٌ من أسماءِ القرآنِ، قد بيَّنْتُه وبيَّنْتُ معناه فيما مضى قبلُ، بما أغْنَى عن إعادتِه (١). ومعناه: مكتوبٌ، فوُضِع "الكتابُ" مكانَ "المكتوبِ".
﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾. يقولُ: أَوْحَيْناه إليك، ﴿مُبَارَكٌ﴾ وهو مُفاعَلٌ مِن البركةِ، ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يقولُ: صدَّق هذا الكتابُ ما قبلَه من كتبِ اللهِ التي أنْزَلها على أنبيائِه قبلَك، لم يُخالِفْها [دلالةً ومعنًى] (٢)، نورًا وهدًى للناسِ. يقولُ: هو الذي أنْزَل إليك يا محمدُ هذا الكتابَ مُبارَكًا مُصَدِّقًا كتابَ موسى وعيسى وغيرَ ذلك مِن كتبِ اللهِ، ولكنه جلَّ ثناؤُه ابْتَدَأ الخبرَ عنه، إذ كان قد تقَدَّم الخبرُ عن ذلك ما يَدُلُّ على أنه [به مُتَّصِلٌ] (٣)، فقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ إليك، ﴿مُبَارَكٌ﴾، ومعناه: وكذلك أنْزَلْتُ إليك كتابي هذا مبارَكًا، كالذي أَنْزَلْتُ مِن التوراةِ إلى موسى هدًى ونورًا.
وأما قولُه: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. فإنه يقولُ: أَنْزَلْنا إليك يا محمدُ هذا الكتابَ مُصَدِّقًا ما قبلَه مِن الكتبِ، ولتُنْذِرَ به عذابَ اللهِ وبأسَه مَن في أمِّ القرى، وهي مكةُ، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ شرقًا وغربًا، مِن العادِلِين بربِّهم غيرَه مِن الآلهةِ والأندادِ، والجاحِدِين برسلِه، وغيرِهم من أصنافِ الكفارِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 6436
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: يعني بـ ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكةَ، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ مِن القرى، إلى المشرقِ والمغربِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: وأمُّ القُرَى: مكةُ، ومن حولَها: الأرضُ كلُّها.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾. قال: هي مكةُ (٢).
وبه عن مَعْمرٍ، عن قَتادةَ، قال: بلَغَني أن الأرضَ دُحِيَت مِن مكةَ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: كنا نُحَدَّثُ أن أمَّ القرى مكةُ، وكنا نُحَدَّثُ أن منها دُحِيَت الأرضُ.
حدَّثنا محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: أما أمُّ القرى فهى مكةُ، وإنما سُمِّيت أمَّ
стр. 6437
القرى لأنها أولُ بيتٍ وُضِع بها (١).
وقد بيَّنا فيما مضَى العلةَ التي مِن أجلِها سُمِّيَت مكةُ أمَّ القرى، بما أغْنَى عن إعادِته في هذا الموضعِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن كان يُؤْمِنُ بقيامِ الساعةِ والمَعادِ في الآخرة إلى اللهِ، ويُصَدِّقُ بالثوابِ والعقابِ، فإنه يُؤْمِنُ بهذا الكتابِ الذي أَنْزَلْناه إليك يا محمدُ، ويُصَدِّقُ به، ويُقِرُّ بأن اللهَ أَنْزَلَه، ويُحافِظُ على الصلوات المكتوباتِ التي أَمَرَه اللهُ بإقامتِها؛ لأنه مُنْذِرُ مَن بلَغه وعيدُ اللهِ على الكفرِ به، وعلى مَعاصِيه، وإنما يَجْحَدُ به وبما فيه ويُكَذِّبُ، أهلُ التكذيبِ بالمَعادِ، والجُحود لقيامِ الساعةِ؛ لأنه لا يَرْجُو مِن اللهِ إن عمِل بما فيه ثوابًا، ولا يَخافُ إن لم يَجْتَنِبْ ما يَأْمُرُه باجتنابِه عقابًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
يعني جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: ومَن أخطأُ قولًا، وأَجْهَلُ فعلًا ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يعني: ممَّن اخْتَلَق على اللهِ كَذِبًا، فادَّعَى عليه أنه بعثه نبيًّا، وأرْسَله نَذِيرًا، وهو في دَعْواه مُبْطِلٌ، وفي قيلِه كاذبٌ. وهذا تسْفيهٌ من الله لمشركي العربِ، وتجهيلٌ منه لهم في معارضةِ عبدِ اللهِ بنِ سعدِ ابنِ أبي سَرْحٍ، والحنفيِّ مُسَيْلِمةَ، لنبيِّ اللهِ ﷺ ، بدعوى أحدِهما النبوةَ، ودعوى الآخَرِ أنه قد جاء بمثلِ ما جاء به رسولُ اللهِ ﷺ ، ونُفيٌ منه عن نبيِّه
стр. 6438
محمدٍ ﷺ اختلاقَ الكذبِ عليه، ودعوى الباطلِ.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم فيه نحو الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾. قال: نزَلَت في مُسَيْلِمةَ أخي بني عَدِيِّ بنِ حَنِيفَةَ، فيما كان يَسْجَعُ ويَتَكَهَّنُ به، ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ نَزَلَت في عبدِ اللهِ بنِ سعدِ بن أبي سَرْحٍ، أخي بني عامرِ بن لُؤَيٍّ، كان كتَب (١) للنبيِّ ﷺ ، وكان فيما يُملِي: عزيزٌ حكيمٌ. فيَكْتُبُ: غَفورٌ رحيمٌ. فيُغَيِّرُه، ثم يَقْرَأُ عليه كذا وكذا لِمَا حوَّل، فيقولُ: "نعم سَواءٌ". فرجَع عن الإسلامِ، ولحِق بقريشٍ، وقال لهم: لقد كان يَنْزِلُ عليه: عزيزٌ حكيمٌ، فأُحَوِّلُه، ثم أقولُ لِمَا (٢) أَكْتُبُ، فيقولُ: "نعم سَواءٌ". ثم رجَع إلى الإسلامِ قبلَ فتحِ مكةَ، إذ نزَل النبيُّ ﷺ بمَرٍّ (٣).
وقال بعضُهم: بل نزَل ذلك في عبدِ اللهِ بن سعدٍ خاصةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾
стр. 6439
إلى قولِه: ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. قال: نزَلَت في عبدِ اللهِ بنِ سعدِ بنِ أبي سَرْحٍ، أَسْلَم و كان يَكْتُبُ للنبيِّ ﷺ ، فكان إذا أَمْلَى عليه: سميعًا عليمًا. كتَب هو: عليمًا حكيمًا. وإذا قال: عليمًا حكيمًا. كتَب: سميعًا عليمًا. فشكَّ وكفَر، وقال: إن كان محمدٌ يُوحَى إليه، فقد أُوحِي إليَّ، وإن كان اللهُ يُنْزِلُه، فقد أَنْزَلْتُ مثلَ ما أَنْزَل اللهُ، قال محمدٌ: "سميعًا عليمًا". فقلتُ أنا: عليمًا حكيمًا. فلَحِق بالمشركين، ووشَى بعمارٍ وجُبَيْرٍ عند ابن الحَضْرميِّ، أو لبني عبدِ الدارِ، فأَخَذُوهم فعُذِّبوا حتى كفَروا، و جُدِع أذنُ عمارٍ يومئذٍ، فانْطَلَق عمارٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فأَخْبَره بما لقِي، والذي أعْطاهم من الكفرِ، فأبَى النبيُّ ﷺ أن يَتَوَلَّاه، فأَنْزَل اللهُ في شأنِ ابنِ أبي سَرْحٍ وعمارٍ وأصحابِه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. فالذي أُكْرِه عمارٌ وأصحابُه، والذي شرَح بالكفرِ صدرًا فهو ابنُ أَبي سَرْحٍ (١).
وقال آخرون: بل القائلُ: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ مُسَيْلِمةُ الكَذَّابُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: ذُكِر لنا أن هذه الآيةَ نزلت في مُسَيْلِمةَ، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "رأَيْتُ فيما يَرَى النائمُ كأنَّ في يديَّ سِوارَيْن مِن ذهبٍ، فكَبُرا عليَّ وأهَمَّاني (٢)، فأُوحِي إِلَيَّ أَنِ انْفُحْهما، فنَفَخْتُهما فطارا، فأوَّلْتُهما في مَنامي الكذَّابَيْن اللذين أنا بينَهما؛ كذَّابَ اليَمامةِ مُسَيْلِمةَ، وكذابَ صَنَعَاءَ العَنْسيَّ". وكان يقالُ له: الأسودُ.
стр. 6440
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ، قال: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾. قال: نزَلَت في مُسَيْلِمةَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاق، قال: أَخْبَرَنا معمرٌ، عن قَتادةَ، وزاد فيه: وأَخْبَرَني الزهريُّ أن النبيَّ ﷺ قال: "بيْنا أنا نائمٌ رأيْتُ في يديَّ سِوارَيْن من ذهبٍ، فكَبُر ذلك عليَّ، فأُوحِيَ إليَّ أنِ انْفُخْهما، فنَفَخْتُهما فطارا، فأَوَّلْتُ ذلك كذَّابَ اليَمامةِ وكذَّابَ صَنْعاءَ العَنْسيَّ" (١).
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقالَ: إن اللهَ قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾. ولا تَمانُعَ بينَ علماءِ الأمةِ أن ابنَ أبي سَرْحٍ كان ممَّن قال: إني قد قلتُ مثلَ ما قال محمدٌ. وأنه ارْتَدَّ عن إسلامِه، ولحِق بالمشركين، فكان لا شكَّ بذلك من قيلِه مُفتريًا كذبًا. وكذلك لا خلافَ بينَ الجميعِ أن مُسَيْلِمةَ والعَنْسيَّ الكذَّابَيْن ادَّعَيا على اللهِ كَذبًا أنه بعثَهما نبيَّيْن، وقال كلُّ واحدٍ منهما: إن اللهَ أَوْحَى إليه. وهو كاذبٌ في قيلِه.
فإذ كان ذلك كذلك، فقد دخَل في هذه الآيةِ كلُّ مَن كان مُخْتَلِفًا على اللهِ كذبًا، وقائلًا في ذلك الزمانِ وفي غيرِه: أَوْحَى اللهُ إِليَّ. وهو في قيلِه كاذبٌ، لم يُوحِ اللهُ إليه شيئًا. فأما التنزيلُ فإنه جائزٌ أن يَكونَ نزَل بسببِ بعضِهم، وجائزٌ أن يَكونَ نزَل بسببِ جميعِهم، وجائزٌ أن يَكونَ عُنِي به جميعُ المشركين مِن العربِ، إذ كان قائلو ذلك منهم، فلم يُغَيِّروه، فعيَّرهم اللهُ بذلك، وتوعَّدهم بالعقوبةِ على
стр. 6441
تركِهم نَكيرَ ذلك، ومع تركِهم نكيرَه هم بنبيِّه محمدٍ ﷺ مكذِّبون، ولنبوَّتِه جاحِدون، ولآياتِ كتابِ الله وتنزيله دافعون، فقال لهم جلَّ ثناؤه: ومَن أَظْلَمُ ممَّن ادَّعَى عليَّ النبوةَ كاذبًا، وقال: أُوحِيَ إليه. ولم يُوحَ إليه شيءٌ، ومع ذلك يقولُ: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ. فيَنْقُضُ قولَه بقولِه، ويُكَذِّبُ بالذي تَحَقَّقَه، ويَنْفِي ما يُثْبِتُه، وذلك إذا تدَبَّره العاقلُ الأَرِيبُ، علِم أن فاعلَه من عقلِه عَديمٌ.
وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ في قولِه: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. قال: زعَم أنه لو شاء قال مثلَه. يعني الشعرَ (١).
فكأنَّ ابن عباسٍ في تأويله هذا على ما تأَوَّله، يُوَجِّهُ معنى قولِ قائل: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. إلى: سأُنْزِلُ مثلَ ما قال اللهُ مِن الشعرِ. وكذلك تأوَّله السديُّ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنه قبلُ فيما مضَى.
القولُ في تأويلِ قولِه ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ولو تَرَى يا محمدُ حينَ يَغْمُرُ الموتُ بسَكَراتِه هؤلاء الظالمين العادلين بربِّهم الآلهةَ والأندادَ، والقائلين: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، والمُفْتَرِين على اللهِ كذبًا، الزاعمين أن اللهَ أوْحَى إليه، ولم يُوحَ إليه شيءٌ، والقائلين: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. فتُعايِنُهم
стр. 6442
وقد غَشِيَتْهم سَكَراتُ الموتِ، ونزَل بهم أمرُ اللهِ، وحان فَناءُ آجالِهم، والملائكةُ باسِطو أيديهم، يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٧، ٢٨]. يقولون لهم: أخْرِجوا أنفسَكم.
والغَمَراتُ جمعُ غَمْرةٍ، وغمرةُ كلِّ شيءٍ كثرتُه ومعظمُه، وأصلُه الشيءُ الذي يَغْمُرُ الأشياءَ فيُغطِّيها، ومنه قولُ الشاعرِ (١):
وهل يُنْجِي مِن الغَمَراتِ إلا … برَاكاءُ (٢) القِتالِ أو الفِرارُ
ورُوِي عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾. قال: سَكَراتِ الموتِ (٣).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾: يعني: سَكَراتِ الموتِ (٤).
وأما "بسطُ الملائكةِ أيديَها (٥) "، فإنه مدُّها.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في سببِ بسطِها أيديَها عندَ ذلك؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا في ذلك.
стр. 6443
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾. قال: هذا عندَ الموتِ، والبَسْطُ الضربُ، يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: الملائكةُ باسطو أيديهم يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم، والظالِمون في غمراتِ الموتِ، وملكُ الموتِ يَتَوفَّاهم.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾: يَضْرِبونهم.
وقال آخرون: بل بسطُها أيديَها بالعذابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾. قال: بالعذابِ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ،
стр. 6444
عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾: بالعذابِ (١).
وكان بعضُ نحويي الكوفيين (٢) يَتَأَوَّلُ ذلك بمعنى: باسطو أيديهم بإخراجِ أنفسِهم.
فإن قال قائلٌ: ما وجهُ قولِه: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾. ونفوسُ بني آدمَ إنما يُخْرِجُها مِن أبدانِ أهلِها ربُّ العالمين؟ فكيف خُوطِب هؤلاء الكفارُ وأُمِروا في حالِ الموتِ بإخراجِ أنفسِهم؟ فإن كان ذلك كذلك فقد وجَب أن يكونَ بنو آدمَ هم يَقْبِضون أنفسَ أجسامهم!
قيل: إن معنى ذلك بخلافِ الذي ذهَبْتَ، وإنما ذلك أمرٌ مِن اللهِ على ألسنِ رسلِه الذين يَقْبِضون أرواحَ هؤلاء القومِ مِن أجسامِهم، بأداءِ ما أسْكَنها ربُّها مِن الأرواحِ إليه، وتسليمِها إلى رسلِه الذين يَتَوَفَّونها.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾.
وهذا خبرٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه عما تقولُ رسلُ اللهِ التي تَقْبِضُ أرواحَ هؤلاء الكفارِ لها، يُخْبِرُ عنها أنها تقولُ لأجْسامِها ولأصحابِها: أخْرِجوا أنفسَكم إلى سَخَطِ اللهِ ولعنتِه، فإنكم اليومَ تُثابون على كفرِكم باللهِ، وقيلِكم عليه الباطلَ، وزعمِكم أن اللهَ أوْحَى إليكم، ولم يُوحِ إليكم شيئًا، [وإنكارِكم] (٣) أن يَكونَ اللهُ أنْزَل على بشرٍ
стр. 6445
شيئًا، واستكبارِكم عن الخضوعِ لأمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه، والانقيادِ لطاعتِه - ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ وهو عذابُ جهنمَ الذي يُهِينُهم فيُذِلُّهم، حتى يَعْرِفُوا صَغارَ أنفسِهم وذِلَّتَها.
كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أمَّا ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ به فالذي يُهِينُهم (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. قال: عذابُ الهُونِ في الآخرةِ بما كنتم تعملون.
والعربُ إذا أرادَت بالهُونِ معنى الهَوانِ ضمَّت الهاءَ (٢)، وإذا أرادت به الرفقَ والدَّعةَ وخفةَ المَئُونةِ فتَحَت الهاءَ، فقالوا: هو قليلُ هَوْنِ المئونةِ. ومنه قولُ اللهِ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. يعني: بالرفقِ والسكينةِ والوَقارِ. ومنه قولُ [المثنَّى بنِ جندَلٍ] (٣) الطُّهَويِّ:
ونَقْضَ أَيامٍ نَقَضْنَ أَسْرَه … هَوْنًا وَأَلْقَى كلُّ شيخٍ فَخْرَه
ومنه قولُ الآخرِ (٤):
هَوْنَكما لا يَرُدُّ الدهرُ ما فاتا .. لا تَهْلِكا أَسَفًا في إِثْرِ مَن ماتا