← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

من أموالِكم ما يُجْحِفُ بكم، إذ كان ما قبلَه مِن الكلامِ أمرًا مِن الله بإيتاء (١) الواجب فيه أهلَه يومَ حَصادِه؛ فإن الآية قد كانت تَنْزِلُ على رسول الله ﷺ بسببٍ خاصٍّ من الأمور، والحكمُ بها على العامُ، بل عامةُ آي القرآن كذلك. فكذلك قولُه: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. ومن الدليل على صحةِ ما قلنا مِن معنى الإسرافِ، أنه على ما قلنا، قولُ الشاعرِ (٢): أعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثمانيةٌ … ما في عَطائِهمُ منٌّ ولا سَرَفُ يعنى بالسَّرَفِ الخطأ في العَطِيَّة (٣). القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنْشَأ من الأنعام حَمولةً وفَرْشًا، مع ما أَنْشَأَ مِن الجَنَّاتِ المعْروشات وغير المعروشاتِ. و "الحَمولةُ": ما حُمِل عليه من الإبل وغيرها. و "الفَرْشُ": صغارُ الإبل التى لم تُدْرِكُ أن يُحْمَلَ عليها. واخْتَلَف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: الحَمولةُ ما حُمِل عليه من كبار الإبل ومَسَانِّها، والفَرْشُ صِغارُها التي لا يُحْمَلُ عليها لصِغَرِها.

стр. 6652

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحْوص، عن عبد الله فى قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: الحَمولةُ الكبارُ من الإبل، ﴿وَفَرْشًا﴾ الصِّغارُ مِن الإِبل (١). وقال: ثنا أبي، عن أبي بكر الهُذَليِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: الحَمولةُ هي الكبارُ، والفَرْشُ الصغارُ مِن الإِبل (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، قال: الحَمولةُ ما حمَل من الإبل، والفَرْشُ ما لم يَحْمِلْ (٣). وبه عن إسرائيلَ، عن خُصَيْفٍ، عن مُجاهدٍ: الحَمولةُ ما حمَل من الإبل، والفَرْشُ ما لم يَحْمِلْ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَفَرْشًا﴾ قال: صِغَارُ الإِبل. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحْوصِ، عن عبدِ اللهِ في قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: الحمولة الكبارُ، والفرشُ الصغارُ (٤).

стр. 6653

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحْوص، عن ابن مسعودٍ في قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: الحَمولةُ [ما حمَل من الإبل] (١)، والفرشُ هن الصِّغارُ. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحْوصِ عن عبدِ اللهِ أنه قال في هذه الآية: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: الحَمولةُ ما حُمِل عليه من الإبل، والفَرْشُ الصِّغارُ (٢). قال ابنُ المثنى: قال محمدٌ: قال شعبةُ: إنما كان حدَّثني سفيانُ، عن أبي إسحاقَ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال الحسنُ: الحَمولةُ مِن الإِبل والبقرِ (٣). وقال بعضُهم: الحَمولةُ مِن الإبل، وما لم يَكُنْ مِن الحَمولة فهو الفَرْشُ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ قال: الحَمولةُ ما حُمِل عليه، والفَرْشُ حَواشِيها، يعني صِغارَها (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: فالحَمولةُ ما حمَل من الإبلِ، والفَرْشُ صِغَارُ الإِبلِ؛ الفَصِيلُ وما دون ذلك مما لا يَحْمِلُ.

стр. 6654

ويقالُ: الحَمولةُ مِن البقرِ والإبلِ، والفَرْشُ الغنمُ. وقال آخَرون: الحمولةُ: ما حُمِل عليه مِن الإبلِ والخيلِ والبِغالِ وغيرِ ذلك، والفَرْشُ الغنمُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: فأما الحَمولةُ فالإبلُ والخيلُ والبِغالُ والحميرُ وكلُّ شيءٍ يُحْمَلُ عليه، وأما الفَرْشُ فالغنمُ (١). حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: الحَمولةُ مِن الإبلِ والبقرِ، ﴿وَفَرْشًا﴾ المعزُ والضأنُ (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: أما الحَمولةُ فالإبلُ والبقرُ. قال: وأما الفَرْشُ فالغنمُ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: كان غيرُ الحسنِ يقولُ: الحَمولةُ الإبلُ والبقرُ، والفَرْشُ الغنمُ (٤).

стр. 6655

حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: أما الحَمولةُ فالإبلُ، وأما الفَرْشُ فالفُصْلانُ والعَجَاجيلُ (١) والغنمُ، وما حُمِل عليه فهو حَمولةٌ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: الحَمولةُ الإبلُ، والفَرْشُ الغنمُ (٣). حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبى بكرٍ الهُذَلىِّ، عن الحسنِ: ﴿وَفَرْشًا﴾. قال: الفَرْشُ الغنمُ (٤). حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: الحمولةُ ما تَرْكَبون، والفَرْشُ مَا تَأْكُلون وتَحْلُبون، شاةٌ لا تَحْمِلُ، تَأْكُلون لحمَها، وتَتَّخِذون مِن أصوافِها لِحافًا وفَرْشًا (٢). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إن الحَمولةَ هى ما حمَل مِن الأنعامِ؛ لأن ذلك مِن صفتِها إذا حمَلَت، لا أنه اسمٌ لها كالإبلِ والخيلِ والبِغالِ، فإذا كانت إنما سُمِّيَت حَمولةً لأنها تَحْمِلُ، فالواجبُ أن يكونَ كلُّ ما حمَل على ظهرِه مِن الأنعامِ فحَمولةٌ، وهى جمعٌ لا واحدَ لها مِن لفظِها، كالرَّكوبةِ والجَزُورةِ، وكذلك الفَرْشُ إنما هو صفةٌ لما لطُف فقرُب مِن الأرضِ جسمُه، ويقالُ له: الفَرْشُ. وأَحْسَبُها سُمِّيَت بذلك تمثيلًا لها فى استواءِ أسنانِها ولُطْفِها بالفَرْشِ مِن الأرضِ،

стр. 6656

وهى الأرضُ المستويةُ التى يَتَوَطَّؤُها الناسُ. فأما "الحُمولةُ" بضمِّ الحاءِ فإنها الأحْمالُ، وهى الحُمولُ أيضًا بضمِّ الحاءِ. القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: كلُوا مما رزَقكم اللهُ أيُّها المؤمنون، فأحَلَّ لكم ثَمَراتِ حُروثِكم وغُروسِكم ولحومَ أنعامِكم، إذ حرَّم بعضَ ذلك على أنفسِهم المشركون باللهِ، فجعَلوا للهِ مما ذرَأ مِن الحرثِ والأنعامِ نصيبًا، وللشيطانِ مثلَه، فقالوا: هذا للهِ بزعمِهم، وهذا لشُرَكائِنا، ولا تتَّبِعُوا خُطُواتِ الشيطانِ كما اتَّبَعها باحرُو البَحيرةِ، ومُسَيِّبو السَّوائبِ، فتُحَرِّموا على أنفسِكم مِن طيبِ رزقِ اللهِ الذى رزَقكم ما حرَّموه، فتُطِيعوا بذلك الشيطانَ، وتَعْصُوا به الرحمنَ. كما حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: لا تَتَّبِعوا طاعتَه، هى ذنوبٌ لكم، وهى طاعةٌ للخَبيثِ (١). إن الشيطانَ لكم عدوٌّ يَبْغِى هلاكَكم، وصدَّكم عن سبيلِ ربِّكم ﴿مُبِينٌ﴾: قد أبان لكم عُدوانَه بمُناصَبته أباكم بالعَداوةِ، حتى أخْرَجه مِن الجنةِ بكيدِه، وخدَعِه؛ حسدًا (٢) منه له وبغيًا عليه. القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣)﴾.

стр. 6657

وهذا تقريعٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه العادِلين به الأوثانَ مِن عبَدةِ الأصنامِ الذين بحَروا البَحائرَ، وسيَّبوا السَّوائبَ، ووصَلوا الوَصائلَ، وتعليمٌ منه نبيَّه ﷺ والمؤمنين به الحجةَ عليهم فى تحريِمهم ما حرَّموا مِن ذلك، فقال للمؤمنين به وبرسولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾. ومِن الأنعامِ أنْشَأ حَمولةً وفَرْشًا. ثم بيَّن جلَّ ثناؤُه الحَمولَة والفَرْشَ، فقال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. وإنما نصَب "الثمانيةَ"؛ لأنها ترجمةٌ عن "الحَمولةِ" و"الفَرْشِ"، وبدلٌ منها، كأنَّ معنى الكلامِ: ومِن الأنعامِ أنشَأ ثمانيةَ أزواجٍ. فلمَّا قدَّم قبلَ "الثمانيةِ" "الحَمولةَ" و"الفَرْشَ، بيَّن ذلك بعدُ. فقال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ على ذلك المعنى. ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ فذلك أربعةٌ؛ لأن كلَّ واحدٍ مِن الاثنين مِن الضأْنِ زوجٌ، فالأنثى منه زوجُ الذكرِ، والذكرُ منه زوجُ الأنثى، وكذلك ذلك مِن المَعْزِ، ومِن سائرِ الحيوانِ، فلذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. كما قال: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]. لأن الذكرَ زوجُ الأنثى، والأنثى زوجُ الذكرِ، فهُما وإن كانا اثنين فهما زَوْجان؛ كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. وكما قال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وكما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾: ذكرٍ وأنثى، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ ذكرٍ وأنثى، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾: ذكرٍ وأنثى. ويقالُ للاثنين: هما زوجٌ. كما قال لَبيدٌ (١):

стр. 6658

مِن كلِّ مَحْفوفٍ (١) يُظِلُّ عِصِيَّهُ … زوجٌ عليه كِلَّةٌ (٢) وقِرَامُها (٣) ثم قال لهم: كلُوا مما رزَقكم اللهُ مِن هذه الثمارِ واللحومِ، وارْكَبوا هذه الحَمولةَ أيُّها المؤمنون، فلا تَتَّبِعوا خُطُواتِ الشيطانِ فى تحريمِ ما حرَّم هؤلاءِ الجَهَلةُ بغيرِ أمرى إياهم بذلك. قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين حرَّموا ما حرَّموا مِن الحرثِ والأنعامِ؛ اتِّباعًا للشيطانِ مِن عَبَدةِ الأوثانِ والأصنامِ الذين زعَموا أن اللهَ حَرَّم عليهم ما هم مُحرِّمون من ذلك: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ رَبُّكم أيُّها الكذَبةُ على اللهِ من الضأنِ والمَعْزِ؟ فإنهم إن ادَّعَوْا ذلك وأقرُّوا به، كذَّبوا أنفسَهم، وأبانوا جهلَهم؛ لأنهم إذا قالوا: يُحَرِّمُ الذكرَيْن مِن ذلك. أوْجَبوا تحريمَ كلِّ ذكرَيْن مِن ولدِ الضأْنِ والمَعْزِ، وهم يَسْتَمْتِعون بلحومِ بعضِ (٤) الذُّكْرانِ منها وظُهورِها. وفى ذلك فسادُ دَعْواهم، وتكذيبُ قولِهم - ﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. فإنهم إن قالوا: حرَّم ربُّنا الأُنْثَيَيْن. أوْجَبوا تحريمَ لحومِ كلِّ أنثى مِن ولدِ الضأْنِ والمَعْزِ على أنفسِهم وظهورِها، وفى ذلك أيضًا تكذيبٌ لهم، ودَحْضُ دَعْواهم أن ربَّهم حرَّم ذلك عليهم، إذ كانوا يَسْتَمْتِعون بلُحومِ بعضِ ذلك وظهورِه - ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. يقولُ: أم حرَّم ما اشْتَمَلَت عليه أرحامُ الأنثيين. يعنى: أرحامُ أُنثى الضأنِ وأنثى المَعْزِ، فلذلك قال: ﴿أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. وفى ذلك أيضًا لو أقَرُّوا به. فقالوا: حرَّم علينا ما اشْتَمَلَت عليه أرحامُ الأنثيين. بُطُولُ قولِهم، وبيانُ كذِبِهم؛ لأنهم كانوا يُقِرُّون بإقْرارِهم بذلك أن اللهَ حرَّم عليهم ذكورَ الضأْنِ والمَعْزِ وإناثَها، أن يَأْكُلوا لحومَها، أو يَرْكَبوا ظهورَها، وقد كانوا يَسْتَمْتِعون ببعضِ ذكورِها وإناثِها. و"ما" التى فى قولِه: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. نَصْبٌ

стр. 6659

عطفًا بها على "الأُنثيين". ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ يقولُ: قلْ لهم: خبِّرونى بعلمِ ذلك على صحتِه، أىَّ ذلك حرَّم ربُّكم عليكم، وكيف حرَّم؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تَنْحَلُونه ربَّكم مِن دَعْواكم، وتُضِيفُونه إليه (١) مِن تحريمِكم. وإنما هذا إعلامٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه أن كلَّ ما قاله هؤلاء المشركون فى ذلك، وأضافوه إلى اللهِ، [فهو كَذِبٌ على اللهِ] (٢)، وأنه لم يُحَرِّمْ شيئًا مِن ذلك، وأنهم إنما اتَّبَعوا فى ذلك خُطُواتِ الشيطانِ وخالَفوا أمرَه (٣). وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ الآية: إن (٤) كلَّ هذا لم أُحَرِّمْ منه قليلًا ولا كثيرًا، ذكَرًا ولا أُنثى. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾. قال: سَلْهم (٥) ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؟ أى: لم أُحَرِّمْ مِن هذا شيئًا ﴿بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فذكَر مِن الإبلِ والبقرِ نحوَ ذلك (٦).

стр. 6660

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾: فى شأنِ ما نهَى اللهُ عنه مِن البَحيرةِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. قال: هذا فى شأنِ ما نهَى اللهُ عنه مِن البَحائرِ والسُّيَّبِ. قال ابنُ جُريجٍ: يقولُ: مِن أين حرَّمْتُ هذا؟ مِن قِبَلِ الذكرَيْن أم مِن قبَلِ الأنثيين،، أمَّا اشْتَمَلت عليه أرحامُ الأنثيين؟ وإنها لا تَشْتَمِلُ إلا على ذكرٍ أو أنثى، فمِن أين جاء التَّحريمُ؟ فأجابوا هم: وجَدْنا آباءَنا كذلك يَفْعَلُون. حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ - ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾. يقولُ: أنْزَلْتُ لكم ثمانيةَ أزْواجٍ مِن هذا الذى عدَدْتُ، ذكرٍ وأنثى، فالذكرَيْن حرَّمْتُ عليكم أم الأنثيين، أمَّا اشْتَمَلَت عليه أرحامُ الأنثيين؟ [أى: ما اشتَمَلت عليه أرحام الأنثيين] (٢)، ما تَشْتَمِلُ إلا على ذكرٍ أو أُنثى، فما حرَّمْتُ عليكم ذكرًا ولا أُنثى مِن الثمانيةِ. إنما ذكَر هذا مِن أجلِ ما حرَّموا مِن الأنعامِ (٣). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبى رَجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ قال: ما حمَلَت الرَّحِمُ (٤).

стр. 6661

حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. قال: هذا لقولِهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]. قال: وقال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾. قال: الأنعامُ هى الإبلُ والبقرُ والضأنُ والمَعْزُ، هذه الأنعامُ التى قال اللهُ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. قال: وقال فى قولِه: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: نَحْتَجِرُها على مَن نُرِيدُ وعمَّن نُرِيدُ. وقولِه: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾. قال: لا يَرْكبُها أحدٌ، ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨]. فقال: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: أىَّ هذيْن حرَّم على هؤلاء؟ أى: أن تكونَ لهؤلاء حِلًّا وعلى هؤلاء حرامًا (١)؟ حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. يعنى: هل تَشْتَمِلُ الرحمُ إلا على ذكرٍ أو أنثى؟ فهل (٢) يُحَرِّمون بعضًا ويُحِلُّون بعضًا (٣)؟ حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾: فهذه أربعةُ أَزْواجٍ، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ

стр. 6662

آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. يقولُ: لم أُحَرِّمْ شيئًا مِن ذلك. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ: كلُّه حلالٌ (١). و"الضأنُ" جمعٌ لا واحدَ له مِن لفظِه، وقد يُجْمَعُ "الضأنُ" "الضَّئِينَ" و"الضِّئِينَ"، مثلُ "الشَّعيرِ" و"الشِّعيرِ"، كما يُجْمَعُ "العبدُ" على "عَبيدٍ" و"عِبِيدٍ". وأما الواحدُ مِن ذكورِه فـ "ضائنٌ"، والأُنثى "ضائنةٌ"، وجمعُ "الضائنةِ" "ضَوائنُ". وكذلك "المَعْزُ" جمعٌ على غيرِ واحدٍ، وكذلك "المِعْزَى"، وأما "الماعِزُ"، فجمعُه "مَواعِزُ" (٢). القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾. وتأويلُ قولِه: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. نحوُ تأويلِ قولِه: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾. وهذه أربعةُ أزْواجٍ، على نحوِ ما بيَّنّا مِن الأزواجِ الأربعةِ قبلُ مِن الضأنِ والمَعْزِ، فذلك ثمانيةُ أزْواجٍ كما وصَف جلَّ ثناؤُه. وأما قولُه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. فإنه أمرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه

стр. 6663

نبيَّه ﷺ أن يقولَ لهؤلاء الجَهَلةِ مِن المشركين الذين قصَّ قِصَصَهم فى هذه الآياتِ التى مضَت، يقولُ له عزَّ ذكرُه: قلْ لهم يا محمدُ: أىَّ هذه سأَلْتُكم عن تحريمِه حرَّم ربُّكم عليكم مِن هذه الأزواجِ الثمانيةِ؟ فإن أجابوك عن شيءٍ مما سأَلْتَهم عنه مِن ذلك، فقلْ لهم: أَخَبرًا قلتُم: إن اللهَ حرَّم هذا عليكم. أخْبَرَكم به رسولٌ عن (١) ربِّكم، أم شهِدْتُم ربَّكم فرأَيْتُموه فوصَّاكم بهذا الذى تقولون وتُزَوِّرون (٢) على اللهِ؟ فإن هذا الذى تقولون مِن إخبارِكم عن اللهِ أنه حرامٌ بما تَزْعُمون على ما تَزْعُمون، لا يُعْلَمُ إلا بوحىٍ مِن عندِه، مع رسولٍ يُرْسِلُه إلى خلقِه، أو (٣) بسماعٍ منه، فبأىِّ هذين الوجهين علِمْتُم أن اللهَ حرَّم ذلك كذلك، برسولٍ أرْسَله إليكم، فأنْبِئُونى بعلمٍ إن كنتم صادقين؟ أم شهِدْتُم ربَّكم فأوْصاكم بذلك وقال لكم: حرَّمْتُ ذلك عليكم. فسمِعْتُم تحريمَه منه وعهدَه إليكم بذلك؟ فإنه لم يَكُنْ واحدٌ مِن هذين الأمرين، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يقولُ: فَمَن أشدُّ ظلمًا لنفسِه، وأبعدُ عن الحقِّ ممَّن تخَرَّص على اللهِ قيلَ الكذبِ، وأضاف إليه تحريمَ ما لم يُحَرِّمْ، وتحليلَ ما لم يُحَلِّلْ؛ ﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. يقولُ: لِيَصُدَّهم عن سبيله. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يقولُ: لا يُوَفِّقُ اللهُ للرُّشْدِ مَن افْتَرَى على اللهِ وقال عليه الزُّورَ والكذبَ، وأضاف إليه تحريمَ ما لم يُحَرِّمْ؛ كفرًا باللهِ، وجُحودًا لنبوةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ . كالذى حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾: الذى تقولون (٤).

стр. 6664

حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ، قال: كانوا يقولون -يعنى الذين كانوا يَتَّخِذون البَحائرَ والسَّوائبَ-: إن اللهَ أمَر بهذا. فقال اللهُ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١). القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين جعَلوا للهِ ممَّا ذرَأ مِن الحرثِ والأنعامِ نَصيبًا، ولشركائِهم مِن الآلهةِ والأنْدادِ مثلَه، والقائلين: هذه أنعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بزعْمِهم. والمحرِّمين مِن أنعامٍ أُخَرَ ظُهورَها، والتاركين ذكرَ اسمِ اللهِ على أُخَرَ منها، والمحرِّمين بعضَ ما فى بطونِ بعضِ أنعامِهم على إناثِهم وأزواجِهم، ومُحلِّيه لذكورِهم، المحرِّمين ما رزَقهم اللهُ افْتِراءً على اللهِ، وإضافةً منهم ما يُحَرِّمون مِن ذلك إلى أن اللهَ هو الذى حرَّمه عليهم: أجاءكم مِن اللهِ رسولٌ بتحريمِه ذلك عليكم، فأنْبِئونا به، أم وصَّاكم اللهُ بتحريمه مُشاهدَةً منكم له، فسمِعْتُم منه تحريمَه ذلك عليكم، فحرَّمْتُموه؟ فإنكم كَذبةٌ إن ادَّعيْتُم ذلك، ولا يُمْكِنُكم دَعْواه؛ لأنكم إذا ادَّعَيْتُموه علِم الناسُ كذبَكم، فإنى لا أَجِدُ فيما أُوحِى إلىَّ مِن كتابِه وآىِ تنزيله شيئًا محرَّمًا على آكلٍ يَأْكُلُه، مما تَذْكُرون أنه حرَّمه مِن هذه الأنعامِ، التى تَصِفون تحريمَ ما حَرَّم عليكم منها بزعمِكم ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ قد ماتت بغيرِ تَذْكيةٍ ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وهو المُنْصَبُّ، أو إلا أن يكونَ لحمَ خِنزيرٍ، ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾. يقولُ: أو إلا أن

стр. 6665

يكونَ فسقًا. يعنى بذلك: أو إلا أن يكونَ مذبوحًا ذبَحه ذابحٌ مِن المشركين مِن عَبَدةِ الأوثانِ لصنمِه وآلهتِه، فذكَر عليه اسمَ وَثَنِه، فإنَّ ذلك الذبحَ فِسْقٌ نهَى اللهُ عنه وحرَّمه، ونهَى مَن آمَن به عن أكلِ ما ذُبح كذلك؛ لأنه مَيْتةٌ. وهذا إعلامٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه للمشركين الذين جادَلوا نبىَّ اللهِ وأصحابَه فى تحريمِ الميتةِ بما جادَلوهم به، أن الذى جادَلوهم فيه من ذلك هو الحرامُ الذى حرَّمه اللهُ، وأن الذى زعَموا أن اللهَ حرَّمه حلالٌ قد أحَلَّه اللهُ، وأنهم كذَبَةٌ فى إضافتِهم تحريمَه إلى اللهِ. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه فى قولِه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. قال: كان أهلُ الجاهليةِ يُحَرِّمون أشياءَ ويُحِلُّون أشياءَ، فقال: قلْ: لا أَجِدُ فيما (١) كنتم تُحَرِّمون وتَسْتَحِلُّون إلا هذا؛ ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه فى قولِه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية. قال: كان أهلُ الجاهليةِ يَسْتَحِلُّون أشياءَ ويُحَرِّمون أشياءَ، فقال اللهُ لنبيِّه: قلْ: لا أَجِدُ فيما أُوحِى إلىَّ محرمًا مما كنتم تَسْتَحِلُّون إلا هذا. وكانت أشياءَ يُحَرِّمونها، فهى حرامٌ الآن.

стр. 6666

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريج، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾. قال: ما يُؤْكَلُ. قلتُ: فى الجاهليةِ؟ قال: نعم. وكذلك كان يقولُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. قال ابنُ جريج: وأَخْبَرنى إبراهيمُ بنُ أبى بكرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. قال: مما كانَ فى الجاهليةِ يأكلونَ، لا أجدُ محرَّمًا من ذلك على طاعمٍ يطعمُه إلا أن يكونَ ميتةً أو دمًا مسفوحًا. وأما قولُه: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. فإنَّ معناه: أو دمًا مُسَالًا مُهَرَاقًا، يقالُ منه: سفَحْتُ دمَه، إذا أرَقْتَه، أَسْفَحُه سَفْحًا، فهو دمٌ مَسْفوحٌ، كما قال طَرَفةُ بنُ العَبْدِ (١): إنى وجَدِّك ما هجَوْتُك والـ … أنْصابِ يُسْفَحُ فوقَهن دمُ وكما قال عَبِيدُ بنُ الأبْرصِ (٢): إذا ما عادَه منها (٣) نساءٌ … سفَحْن الدَّمْعَ مِن بعدِ الرَّنينِ يعنى: صبَبْنَ وأسَلْنَ الدمعَ. وفى اشْتِراطِه جلَّ ثناؤُه فى الدمِ عندَ إعلامِه عبادَه تحريمَه إياه، المَسْفوحَ منه دونَ غيرِه - الدليلُ الواضحُ أنَّ ما لم يَكُنْ منه مسفوحًا فحلالٌ غيرُ نَجِسٍ. وذلك كالذى حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. قال: لولا هذه الآيةُ لَتَتَبَّع المسلمون مِن العُروقِ ما تَتَبَّعَتِ اليهودُ.

стр. 6667

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا ابنُ عُيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ بنحوِه، إلا أنه قال: لاتَّبَع المسلمون (١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ عُيَينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ بنحوِه. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: أخْبرنا وكيعٌ، عن عِمرانَ بنِ حُدَيْرٍ، عن أبى مِجْلَزٍ، فى القِدْرِ يَعْلُوها الحُمْرةُ مِن الدمِ، قال: إنما حرَّمَ اللهُ الدمَ المسفوحَ. حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عِمْرانَ بنِ حُديرٍ، عن أبى مِجْلَزٍ، قال: سأَلْتُه عن الدمِ وما يَتَلَطَّخُ بالمَذْبَحِ مِن الرأسِ، وعن القِدْرِ يُرَى فيها الحُمْرةُ؟ قال: إنما نهَى اللهُ عن الدمِ المسفوحِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. قال: حُرِّم الدمُ ما كان مسفوحًا، وأما لحمٌ خالَطه دمٌ فلا بأسَ به (٣). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾: يعنى مُهَراقًا (٤).

стр. 6668

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، و (١) أخْبرَنى ابنُ دينارٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. قالا (٢): لولا هذه الآيةُ لَتَتَبَّع المسلمون عُروقَ اللحمِ، كما تَتَبَّعَها اليهودُ. حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، عن عائشةَ أنها كانت لا تَرَى بلُحومِ السِّباعِ بأسًا، والحمرةِ والدمِ يكونان على القِدْرِ بأسًا، وقرَأَت هذه الآيةَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية (٣). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: ثنى القاسمُ بنُ محمدٍ، عن عائشةَ قالت، وذكَرَت هذه الآيةَ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. قلتُ: وإن البُرْمةَ لَيُرَى فى (٤) مائِها الصُّفْرةُ. وقد بيَّنَّا معنى "الرِّجْسِ" فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، وأنه النَّجسُ والنَّتْنُ وما يُعْصَى اللهُ به، بشَواهِدِه فأغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (٥). وكذلك القولُ فى معنى الفِسْقِ (٦)، وفى قولِه: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٧). قد مضَى ذلك كلُّه بشَواهدِه الكافيةِ، لمَن (٨) وُفِّق لفهمِه، عن تَكرارِه وإعادتِه.

стр. 6669

واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ بالياءِ، ﴿مَيْتَةً﴾ مُخَفَّفةَ الياءِ منصوبةً (١)، على أن فى ﴿يَكُونَ﴾ مجهولًا (٢)، و"الميتةُ" فعلٌ (٣) له، فنُصِبَت على أنها فعلُ ﴿يَكُونَ﴾، وذكَّروا ﴿يَكُونَ﴾ لتذكيرِ المُضْمَرِ فى ﴿يَكُونَ﴾. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ مكةَ والكوفةِ: (إلا أن تكونَ) بالتاءِ، (مَيْتةً) بتخفيفِ الياءِ مِن "الميتةِ" ونصبِها (٤)، وكأن معنى نصبِهم "الميتةَ" معنى الأوَّلين، وأنَّثوا (تكونَ) لتأنيثِ "الميتةِ"، كما يقالُ: إنها قائمةٌ جارِيتُك، وإنه قائمٌ جارِيتُك. فيُذَكَّرُ المجهولُ مرةً، ويُؤَنَّثُ أخرى؛ لتأنيثِ الاسمِ الذى بعدَه. وقرَأ ذلك بعضُ المدَنِيِّين: (إلا أن تَكونَ مَيِّتةٌ) بالتاءِ فى (تكونَ)، وتشديدِ الياءِ مِن (ميِّتةٌ) ورفعِها (٥). فجعَل "الميِّتةَ" اسمَ (تكونَ)، وأنَّث (تكونَ) لتأنيثِ "الميِّتةِ"، وجعَل (تكونَ) مُكْتَفِيةً بالاسمِ دونَ الفعلِ؛ لأن قولَه: (إلا أن تَكونَ مَيِّتةٌ) استثناءٌ، والعربُ تَكْتَفِى فى (٦) الاستثناءِ بالأسماءِ عن الأفعالِ، فيقولون: قام الناسُ إلا أن يكونَ أخاك، وإلا أن يكونَ أخوك. فلا تَأْتى لـ

стр. 6670

"يكون" بفعلٍ، وتَجْعَلُها (١) مُسْتَغْنِيةً بالاسمِ، كما يقالُ: قام القومُ إلا أخاك وإلا أخوك. فلا تَعْتدُّ الاسمَ الذى بعدَ حرفِ الاستثناءِ نفلًا. والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ بالياءِ، ﴿مَيْتَةً﴾ بتخفيفِ الياءِ ونصبِ "الميتةِ"؛ لأن الذى فى ﴿يَكُونَ﴾ مِن المَكْنِىِّ مِن ذكرِ المذَكَّرِ، وإنما هو: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ ذلك ﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. فأما قراءةُ (ميتةٌ) بالرفعِ، فإنه وإن كان فى العربيةِ غيرَ خطأٍ، فإنه فى القراءةِ فى هذا الموضعِ غيرُ صوابٍ (٢)؛ لأن اللهَ يقولُ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾، فلا خلافَ بينَ الجميعِ فى قراءةِ "الدمِ" بالنصبِ، وكذلك هو فى مصاحفِ المسلمين، وهو عطفٌ على "الميتةِ"، فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن "الميتةَ" لو كانت مرفوعةً لَكان "الدمُ" وقولُه: ﴿أَوْ فِسْقًا﴾ مرفوعَيْن. ولكنَّها منصوبةٌ، فيُعْطَفُ بهما عليها (٣) بالنصبِ. القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾. وقد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ والصوابَ مِن القولِ فيه عندَنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا فى سورةِ "البقرةِ"، بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (٤)، وأن معناه: فمَن اضْطُرَّ إلى أكلِ ما حرَّمَ اللهُ

стр. 6671

مِن أكلِ الميتةِ أو (١) الدمِ المسفوحِ أو لحمِ الخنزيرِ أو ما أُهِلَّ لغيرِ الله به، غيرَ باغٍ فى أكلِه إياه تلَذُّذًا، لا لضرورةٍ حالَّةٍ مِن الجوعِ، ولا عادٍ فى أكلِه بتجاوزِه ما حدَّه اللهُ وأباحه له مِن أكلِه، وذلك أن يَأْكُلَ منه ما يَدْفَعُ عنه الخوفَ على نفسِه بتركِ أكلِه مِن الهلاكِ، لم يَتَجاوَزْ ذلك إلى أكثرَ منه، فلا حرجَ عليه فى أكلِه ما أكَل مِن ذلك، فإنَّ اللهَ غفورٌ فيما فعَل مِن ذلك، فساترٌ عليه بتركِه عقوبتَه عليه، ولو شاء عاقَبه عليه، رحيمٌ (٢) بإباحتِه إياه أكلَ ذلك عندَ حاجتِه إليه، ولو شاء حرَّمه عليه ومنَعه منه. القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وحرَّمْنا على اليهودِ كلَّ ذى ظُفُرٍ، وهو مِن البَهائمِ والطيرِ ما لم يَكُنْ مَشْقوقَ الأصابعِ، كالإبلِ والنَّعَامِ (٣) والإوَزِّ والبَطِّ. وبما (٤) قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى وعلىُّ بنُ داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: وهو البعيرُ والنَّعَامَةُ (٥). حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. قال:

стр. 6672

البعيرَ والنَّعَامةَ ونحوَ ذلك مِن الدَّوابِّ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن عَطاءٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قال: هو الذى ليس بمُنْفَرِجِ الأصابعِ (١). حدَّثنى علىُّ بنُ الحسينِ (٢) الأزْدىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن شَرِيكٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. قال: كلَّ شيءٍ مُتَفَرِّقِ الأصابعِ، ومنه الدِّيكُ (٣). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: النَّعَامةَ والبعيرَ (٤). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ مثلَه. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: فكان يقالُ: البعيرُ والنَّعامةُ، وأشباهُه مِن الطيرِ والحيتانِ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. قال: الإبلُ والنَّعَامُ، ظُفُرُ يدِ البعيرِ ورِجْلِه، والنَّعامُ

стр. 6673

أيضًا كذلك، وحرَّم عليهم أيضًا مِن الطيرِ البَطَّ وشِبْهَه، وكلَّ شيءٍ ليس بمَشْقوقِ الأصابعِ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ فالإبلَ والنعامَ (٢). حدَّثنى الحارثُ قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شيخٌ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. قال: النَّعامةُ والبعيرُ، شَقًّا شَقًّا. قال: قلتُ: ما شَقًّا شَقًّا؟ قال: كلُّ ما لم تُفْرَجْ قَوائمُه لم تَأْكُلْه اليهودُ: البعيرُ والنَّعامةُ، والدَّجاجُ والعَصافيرُ تَأْكُلُها اليهودُ؛ لأنها قد فُرِجَتْ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. قال: النَّعامةُ والبعيرُ، شَقًّا شَقًّا. قلتُ للقاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ وحدَّثَنِيه (٣): ما شقًّا شقًّا؟ قال: كلُّ شيءٍ لم يُفْرَجْ مِن قَوائمِ البَهائم. قال: وما انْفَرَج أكَلَتْه اليهودُ. قال: انْفَرَجَت قوائمُ الدَّجاجِ والعَصافيرِ، فيهودُ تَأْكُلُها. قال: ولم تَنْفَرِجْ قائمةُ البعيرِ؛ خُفُّه، ولا خُفُّ النَّعامةِ، ولا قائمةُ الوَزِّينَةِ (٤)، فلا تَأْكُلُ (٥) اليهودُ الإبلَ ولا النَّعامَ ولا الوَزِّينَ، ولا كلَّ شيءٍ لم تَنْفَرِجْ قائمتُه، [كذلك و] (٦) لا تَأْكُلُ حمارَ وَحْشٍ (٧). وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنى به يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ،

стр. 6674

قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: الإبلَ قَطْ (١). وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ القولُ الذى ذكَرْنا عن ابنِ عباسٍ ومَن قال بمثلِ مقالتِه؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبر أنه حرَّم على اليهودِ كلَّ ذى ظُفُرٍ، فغيرُ جائزٍ إخراجُ شيءٍ مِن عمومِ هذا الخبرِ، إلا ما أجْمَع أهلُ العلمِ أنه خارجٌ منه. وإذْ (٢) كان ذلك كذلك، وكان النَّعامُ وكلُّ ما لم يكنْ مِن البَهائمِ والطيرِ مما له ظُفُرٌ غيرُ مُنْفَرِجِ الأصابعِ داخلًا فى ظاهرِ التنزيلِ، وجَب أن يُحْكَمَ له بأنه داخلٌ فى الخبرِ؛ إذ لم يَأْتِ بأن بعضَ ذلك غيرُ داخلٍ فى الآيةِ خبرٌ عن اللهِ ولا عن رسولِه، وكانت الأُمَّةُ أكثرُها مُجْمِعٌ على أنه فيه داخلٌ. القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الشحومِ التى أخْبَر اللهُ تعالى أنه حرَّمها على اليهودِ مِن البقرِ والغنمِ؛ فقال بعضُهم: هى شحومُ الثُّرُوبِ (٣) خاصَّةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾: الثُّروبَ، ذُكِر لنا أن نبىَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "قاتَل اللهُ اليهودَ، حرَّم اللهُ عليهم الثُّروبَ ثم أكَلوا أثْمانَها" (٤).

стр. 6675

وقال آخرون: بل ذلك كان كلَّ شحمٍ لم يكنْ مُخْتَلِطًا بِعَظْمٍ ولا على عظمٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريج قولَه: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾. قال: إنما حرَّم عليهم الثَّرْبَ، وكلَّ شحمٍ كان كذلك ليس فى عظمٍ (١). وقال آخرون: بل ذلك شحمُ الثَّرْبِ والكُلَى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾. قال: الثَّرْبَ وشحمَ الكُلْيَتَيْن، وكانت اليهودُ تقولُ: إنما حرَّمه إسرائيلُ، فنحن نُحَرِّمُه (٢). حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾. قال: إنما حرَّم عليهم الثُّروبَ والكُلْيتين. هكذا هو فى كتابى عن يونُسَ، وأنا أَحْسَبُ أنه الكُلَى. والصوابُ فى ذلك مِن القولِ أن يقالَ: إن اللهَ أخْبَر أنه كان حرَّم على اليهودِ مِن البقرِ والغنمِ شحومَهما إلا ما اسْتَثْناه منها، مما حَمَلت ظهورُهما أو الحَوَايا أو ما اخْتَلَطَ بعظمٍ، فكلُّ شحمٍ سوى ما اسْتَثْناه اللهُ فى كتابِه مِن البقرِ والغنمِ، فإنه كان محرَّمًا عليهم. وبنحوِ ذلك مِن القولِ تَظاهَرَت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وذلك قولُه:

стр. 6676

"قاتَل اللهُ اليهودَ، حُرِّمَتْ عليهم الشُّحومُ فجمَلوها (١)، ثم باعوها وأكَلوا أثمانَها" (٢). وأما قولُه: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾. فإنه يعنى: إلا شحومَ الجَنْبِ وما علِق بالظهرِ، فإنها لم تُحَرَّمْ عليهم. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾. يعنى: ما علِق بالظهرِ مِن الشحومِ (٣). حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾. فالأَلْياتُ (٤). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن إسماعيلَ، عن أبى صالحٍ، قال: الأَلْيةُ مما حمَلَت ظهورُهما (٥). القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال أبو جعفرٍ: والحَوايا جمعٌ، واحدُها حاوِياءُ وحاوِيةٌ وحَوِيَّةٌ، وهى ما تَحَوَّى

стр. 6677

مِن البطنِ فاجْتَمَع واسْتَدار. وهى بناتُ اللبنِ (١)، وهى المَباعِرُ (٢)، وتُسَمَّى المَرابِضَ، وفيها الأمعاءُ. ومعنى الكلامِ: ومِن البقرِ والغنمِ حرَّمْنا عليهم شحومَهما إلا ما حمَلَت ظهورُهما، أو ما حمَلَت الحَوَايا. فـ ﴿الْحَوَايَا﴾ رَفْعٌ عطفًا على "الظُّهورِ"، و ﴿مَا﴾ التى بعدَ ﴿إِلَّا﴾ نصبٌ على الاستثناءِ مِن "الشحومِ". وبمثلِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾: وهى المِبْعَرُ (٣). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾: قال: المِبْعَرُ (٤). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْحَوَايَا﴾: المِبْعَرُ والمَرْبِضُ (٥). حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: المِبْعَرُ.

стр. 6678

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: المَباعِرُ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: المَباعِرُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: المِبْعَرُ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: المِبْعَرُ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ والمُحاربىُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: المِبْعَرُ (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. يعنى: البطونُ غيرُ الثُّروبِ (٤). حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾: هو المِبْعَرُ. حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن

стр. 6679

السدىِّ: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: المَباعِرُ (١). وقال ابنُ زيدٍ فى ذلك ما حدَّثنى به يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. قال: الحَوايا المَرابِضُ التى تكونُ فيها الأمعاءُ، تكونُ وَسَطَها، وهى بناتُ اللَّبَنِ، وهى فى كلامِ العربِ تُدْعَى المَرابِضَ (٢). القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن البقرِ والغنمِ حرَّمْنا على الذين هادوا شُحومَهما، سوى ما حمَلَت ظُهورُهما، أو ما حمَلَت حَواياهما، فإنا أحْلَلْنا ذلك لهم، وإلا ما اخْتَلَط بعظمٍ، فهو لهم أيضًا حلالٌ. فردَّ قولَه: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾. على قولِه: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾، فـ ﴿مَا﴾ التى فى قولِه: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾، فى موضعِ نصبٍ، عطفًا على ﴿مَا﴾ التى فى قولِه: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾. وعَنَى بقولِه: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾. شحمَ الأَلْيَةِ والجَنْبِ وما أشْبَهَ ذلك. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾. قال: شحمُ الأَلْيةِ بالعُصْعُصِ (٣)، فهو حلالٌ، وكلُّ شيءٍ فى القَوائمِ والجَنْبِ والرأسِ والعينِ، [وما] (٤) اخْتَلَط بعظمٍ، فهو حلالٌ (٥). حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن

стр. 6680

السدىِّ: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾: فما (١) كان مِن شحمٍ على عظمٍ (٢). القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهذا الذى حرَّمْنا على الذين هادوا مِن الأنعامِ والطيرِ ذواتِ الأظافيرِ غيرِ المُنْفَرِجةِ، ومِن البقرِ والغنمِ ما حرَّمْنا عليهم مِن شحومِهما الذى ذَكَرْنا فى هذه الآيةِ، حرَّمْناه عليهم عُقوبةً منا لهم، وثوابًا على أعمالِهم السيئةِ، وبغيِهم على ربِّهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾؛ إنما حرَّم ذلك عليهم عُقوبةً ببغيِهم (٣). حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾: فعَلْنا ذلك بهم ببغيِهم. وقولُه: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. يقولُ: وإنا لصادِقون فى خبرِنا هذا عن هؤلاء اليهودِ، و (٤) عما حرَّمْنا عليهم مِن الشحومِ ولحومِ الأنعامِ والطيرِ التى ذكَرْنا أنَّا حرَّمْنا عليهم، وفى غيرِ ذلك مِن أخبارِنا، وهم الكاذبون فى زعمِهم أن ذلك إنما حرَّمه إسرائيلُ على نفسِه، وأنهم إنما حرَّموه لتَحْريمِ إسرائيلَ إياه على نفسِه. القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾.

стр. 6681

يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فإن كذَّبك (١) يا محمدُ هؤلاء اليهودُ فيما أخْبَرْناك أنَّا حرَّمْنا عليهم وحلَّلْنا لهم، مما (٢) بيَّنا فى هذه الآيةِ، ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ﴾ بِنا وبمَن كان به مؤمنًا من عبادِه، وبغيرِهم مِن خلقِه، ﴿وَاسِعَةٍ﴾: تَسَعُ جميعَ خلقِه؛ المحسنَ والمسيءَ، لا يُعاجِلُ مَن كفَر به بالعقوبةِ، ولا من عصاه بالنِّقْمةِ، ولا يَدَعُ كرامةَ مَن آمَن به وأطاعه، ولا يَحْرِمُه ثوابَ عملِه؛ رحمةً منه بكلا الفريقَيْن، ولكنَّ بأْسَه -وذلك سَطْوَتُه وعذابُه- لا يَرُدُّه إِذا أحَلَّه -عندَ غضبِه على المجرمين- بهم، عنهم شيءٌ، والمجرمون هم الذين أجْرَموا فاكْتَسَبوا الذنوبَ واجْتَرَحوا السيئاتِ. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾: اليهودُ (٣). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾: اليهودُ، ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾. حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: كانت اليهودُ يقولون: إنما حرَّمه إسرائيلُ -يعنى الثَّرْبَ وشحمَ الكُلْيَتَيْن- فنحن نُحَرِّمُه. فذلك قولُه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ

стр. 6682

وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١). القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. وهم العادِلون باللهِ الأوثانَ والأصنامَ مِن مشركى قريشٍ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾. يقولُ: قالوا؛ احْتِجارًا (٢) مِن الإذعانِ للحقِّ بالباطلِ مِن الحجةِ، لمَّا تبَيَّن لهم الحقُّ، وعلِموا باطلَ ما كانوا عليه مُقِيمِين؛ مِن شركِهم، وتحريمهم ما كانوا يُحَرِّمون مِن الحُروثِ والأنعامِ -على ما قد بيَّن تعالى ذكرُه فى الآياتِ الماضيةِ قبلَ ذلك-: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾. وما بعدَ ذلك -: لو أراد اللهُ منا الإيمانَ به، وإفرادَه بالعبادةِ دونَ الأوثانِ والآلهةِ، وتحليلَ ما حَرَّم مِن البَحائرِ والسَّوائبِ وغيرِ ذلك مِن أموالِنا- ما جعَلْنا للهِ شريكًا، ولا جعَل ذلك له آباؤُنا مِن قبلِنا، ولا حرَّمْنا ما نُحَرِّمُه مِن هذه الأشياءِ التى نحن على تحريمها مُقِيمون؛ لأنه قادرٌ أن يَحولَ بينَنا وبين ذلك، حتى لا يكونَ لنا إلى فعلِ شيءٍ مِن ذلك سبيلٌ، إما بأن يَضْطَرَّنا إلى الإيمانِ وتركِ الشركِ به، وإلى القولِ بتحليلِ ما حرَّمْنا (٣)، وإما بأن يَلْطُفَ بنا (٤) بتوفيقِه، فنَصِيرَ إلى الإقرارِ بوحْدانيتِه، وتركِ عبادةِ ما دونَه مِن الأندادِ والأصنامِ، وإلى تحليلِ ما حرَّمْنا، ولكنَّه رضِى منا ما نحن عليه مِن عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، واتخاذِ الشريكِ له فى العبادةِ والأندادِ، وأراد ما نُحَرِّمُ مِن الحُروثِ

стр. 6683

والأنعامِ، فلم يَحُلْ بينَنا وبينَ ما نحن عليه مِن ذلك. قال اللهُ مكذِّبًا لهم فى قيلِهم: إن اللهَ رضِى منا ما نحن عليه مِن الشركِ، وتحريمِ ما نُحَرِّمُ. ورادًّا عليهم باطلَ ما احْتَجُّوا به مِن حُجَّتِهم فى ذلك: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: كما كذَّب هؤلاء المشركون يا محمدُ ما جئتَهم به مِن الحقِّ والبيانِ، كذَّب مَن قبلَهم مِن فَسَقةِ الأممِ الذين طغَوْا على ربِّهم، ما جاءَتْهم به أنبياؤُهم مِن آياتِ اللهِ، وواضحِ حُجَجِه، وردُّوا عليهم نصائحَهم، ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾. يقولُ: حتى أسْخَطونا، فغضِبْنا عليهم، فأحْلَلْنا بهم بأسَنا فذاقوه، فعطِبُوا بذَوْقِهم إياه، فخابوا وخسِروا الدنيا والآخرةَ. يقولُ: وهؤلاء الآخرون مسلوكٌ بهم سبيلُهم، إن هم لم يُنِيبوا، فيؤْمِنوا ويُصَدِّقوا بما (١) جئتَهم به مِن عندِ ربِّهم. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾. وقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]. فإنهم قالوا: عبادتُنا الآلهة تُقَرِّبُنا إلى اللهِ زُلْفَى. فأخْبَرهم اللهُ أنها لا تُقَرِّبُهم، وقولُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾. يقولُ اللهُ سبحانَه: لو شئتُ لجَمَعْتُهم على الهُدَى أجمعين (٢). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ،

стр. 6684

عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: قولُ قريشٍ. يَعْنى: إِنَّ اللهَ حَرَّم هذه البَحيرةَ والسائبةَ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾: قولُ قريشٍ بغيرِ يقينٍ: إن اللهَ حرَّم هذه (٢) البحيرة والسائبةَ. فإن قال قائلٌ: وما بُرهانُك على أن اللهَ تعالى إنما كذَّب مِن قِيلِ هؤلاء المشركين قولَهم: رضِى اللهُ منا عبادة الأوثانِ، وأراد منا تحريمَ ما حرَّمْنا من الحُروثِ والأنعامِ. دونَ أن يكونَ تكذيبُه إياهم كان على قولِهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾. وعلى وصفِهم إياه بأنه قد شاء شِرْكَهم وشركَ آبائِهم وتحريمَهم ما كانوا يُحَرِّمون؟ قيل له: الدلالةُ على ذلك قولُه: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. فأَخْبَر جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم سلكوا في تكذيبِهم نبيَّهم محمدًا ﷺ فيما أتاهم به مِن عندِ اللهِ -من النهي عن عبادة شيءٍ غيرِ اللهِ تعالى، وتحريمِ غيرِ ما حرَّم اللهُ في كتابِه وعلى لسانِ رسولِه- مَسْلَكَ سُلَّافِهم (٣) مِن الأممِ الخاليةِ المكذِّبةِ اللهَ ورسولَه. والتكذيبُ منهم إنما كان لِمُكَذَّبٍ (٤)، ولو كان ذلك خبرًا مِنَ اللهِ عن كَذِبِهم في قيلِهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾. لَقال: (كذلك كذَب الذين مِن قبلِهم). بتخفيفِ الذالِ، وكان يَنْسِبُهم فى قيلِهم ذلك إلى الكذبِ على اللهِ لا إلى التكذيبِ. مع عللٍ كثيرةٍ يَطولُ بذِكْرِها الكتابُ، وفيما ذكَرْنا

стр. 6685

كفايةٌ لمن وُفِّق لفهمِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، المحرِّمين ما هم له مُحَرِّمون مِن الحروثِ والأنعامِ، القائلين: لو شاء اللهُ ما أشْركْنا ولا آباؤنا، ولا حرَّمنا من شيءٍ، ولكنه رضِى منا ما نحن عليه مِن الشركِ وتحريمِ ما نُحَرِّمُ: ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ﴾ بدَعْواكم ما تدَّعُون على اللهِ، مِن رضاه بإشْراكِكم في عبادتِه ما تُشْرِكون، وتحريمِكم مِن أموالِكم ما تُحَرِّمون -عِلْمُ يقينٍ مِن خبرِ مَن يَقْطَعُ خبرُه العذرَ، أو حجةٌ تُوجِبُ لنا اليقينَ مِن العلمِ، ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾؟ يقولُ: فتُظْهِروا ذلك لنا وتَبَيِّنوه، كما بيَّنا لكم مواضعَ خطأِ قولِكم وفعلِكم، وتناقُضَ ذلك واستحالتَه في المعقولِ والمسموعِ؟ ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. يقولُ له: قلْ لهم: إنْ تقولون ما تقولون أيُّها المشركون، وتَعْبدون مِن الأوثانِ والأصنامِ ما تَعْبُدون، وتُحَرِّمون من الحُروثِ والأنعامِ ما تُحَرِّمون، إِلَّا ظَنًّا وحُسْبانًا أنه حقٌّ، وأنكم على حقٍّ، وهو باطلٌ، وأنتم على باطلٍ. ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾. يقولُ: ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ﴾: وما أنتم في ذلك كلِّه ﴿إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾. يقولُ: إلَّا تتقوَّلون الباطلَ على اللهِ؛ ظنًّا بغيرِ يقينِ علمٍ، ولا برهانٍ واضحٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، القائلين على ربِّهم الكذبَ، فى تحريمِهم ما حرَّموا مِن الحروثِ والأنعام، إن عجَزوا عن إقامةِ الحُجَّةِ عندَ قِيلك لهم: هل عندَكم مِن علمٍ بما تدَّعُون

стр. 6686

على ربِّكم فتُخْرِجوه لنا؟ وعن إخراجِ علمِ ذلك لك وإظهارِه، وهم لاشكَّ عن ذلك عَجَزةٌ، وعن إظهارِه مُقَصِّرةٌ (١)؛ لأنه باطلٌ لا حقيقةَ له، فللهِ (٢) الذي حرَّم عليكم أن تُشْرِكوا به شيئًا، وأن تَتَّبِعوا خُطُواتِ الشيطان في أموالِكم مِن الحروثِ والأنعامِ -الحجةُ البالغةُ دونَكم أيُّها المشركون. ويَعْنى بـ "البالغةِ": أنها تَبْلُغُ مرادَه في ثبوتِها على من احْتَجَّ بها عليه مِن خَلْقِه، وقَطْعِ عُذْرِه إِذا (٣) انْتَهَتْ إليه فيما جُعِلَتْ حجةً فيه. ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: فلو شاء ربُّكُم لَوَفَّقكم أجمعين للاجْتِماعِ (٤) على إفرادِه بالعبادةِ، والبراءة مِن الأندادِ والآلهةِ، والدَّيْنونةِ بتحريمِ ما حرَّم اللهُ، وتحليلِ ما حَلَّله اللهُ، وتركِ اتِّباعِ خطواتِ الشيطانِ، وغيرِ ذلك مِن طاعاتِه، ولكنَّه لم يَشَأْ ذلك، فخالَف بينَ خلقِه فيما شاء منهم، فمنهم كافرٌ ومنهم مؤمنٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: لا حُجَّةَ لأحدٍ عصَى (٥) اللهَ، ولكنْ للهِ الحجةُ البالغةُ على عبادِه، [قال اللهُ] (٦): ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ

стр. 6687

وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء المُفْتَرِين على ربِّهم مِن عَبَدةِ الأوثانِ، الزاعمِين أن اللهَ حرَّم عليهم ما هم مُحَرِّموه من حُروثِهم وأنعامِهم: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾. يقولُ: هاتوا شُهَداءَكم الذين يَشْهَدون على اللهِ أنه حرَّم عليكم ما تَزْعُمون أنه حرَّمه عليكم. وأهلُ العاليةِ مِن تِهامةَ تُوَحِّدُ "هُلمَّ" فى الواحدِ والاثنين والجَميعِ (٢)، وتذكِّرُ في المؤنَّثِ والمذكَّرِ، فتقولُ للواحدِ: هَلُمَّ يا فلانُ. وللاثنين والجميعِ (٢) كذلك، وللأنثى مثلَه، ومنه قولُ الأَعْشَى (٣): وكان دعا قومَه دَعوةً … هلُمَّ إلى أمرِكم قد صُرِمْ (٤) يُنْشَدُ: هَلُمَّ وهلُمُّوا. وأما أهلُ السافِلةِ مِن نَجْدٍ، فإنهم يُوَحِّدون للواحدِ، ويُتَنُّون للاثنين، ويَجْمَعون للجميعِ، فتقولُ للواحدِ مِن الرجالِ: هلُمَّ. وللواحدةِ من النساءِ: هلُمِّى. وللاثنين: هلُمَّا. وللجماعةِ من الرجالِ: هلُمُّوا. وللنساءِ: هَلْمُمْنَ (٥).

стр. 6688

قال اللهُ لنبيِّه: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ يا محمدُ. يقولُ: فإن جاءوك بشهداءَ يَشْهَدون أن اللهَ حَرَّم ما يَزْعُمون أن اللهَ حَرَّمه عليهم، ﴿فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾. فإنهم كَذَبَةٌ وشهودُ زُورٍ في شهادتِهم بما شهِدوا به مِن ذلك على اللهِ. وخاطَب بذلك جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ ، والمرادُ به أصحابُه والمؤمنون به، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: [ولا تُشايِعْهم] (١) على ما هم عليه من التكذيبِ بوحي اللهِ وتنزيلِه، فى تحريمِ ما حرَّم، وتحليلِ ما أحَلَّ لهم، ولكن اتَّبِعْ مَا أُوْحِى إليك مِن كتابِ ربِّك الذى لا يَأْتِيه الباطلُ مِن بينِ يديْه ولا مِن خلفِه. ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. يقولُ: ولا تَتَّبع أهواءَ الذين لا يُؤْمِنون بالآخرةِ، فتُكَذِّبَ بما هم به مُكَذِّبون؛ مِن إحياءِ اللهِ خلقَه بعدَ مَماتِهم، ونَشْرِه إياهم بعدَ فنائِهم، ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. يقولُ: وهم مع تكذيبِهم بالبعثِ بعدَ المَماتِ، وجحودِهم قيامَ الساعةِ، باللهِ يَعْدِلون الأوثانَ والأصنامَ، فيَجْعَلونها له عِدْلًا، ويَتَّخِذونها له نِدًّا يَعْبُدونها مِن دونِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾. يقولُ: قُلْ: أَرُونى الذين يَشْهَدون أن اللهَ حرَّم هذا مما حَرَّمَتِ العربُ، وقالوا: أمرَنا اللهُ به. قال اللهُ لرسولِه: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن

стр. 6689

مجاهدٍ: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾. قال: البَحائِرُ والسُّيَّبُ (١). القولُ في تأويلِ قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، الزاعمين أن اللهَ حرَّم عليهم ما هم مُحَرِّموه من حروثِهم وأنعامِهم، على ما ذكَرْتُ لك في تنزيلي عليك: تعالَوْا أَيُّها القومُ أَقْرَأْ عليكم ما حرَّم ربُّكم حقًّا يقينًا، لا الباطلَ تَخَرُّصًا، تَخَرُّصَكم (٢) على اللهِ الكذبَ والفِرْيَةَ ظنًّا، ولكنْ وحيًا مِن اللهِ أوْحاه إليَّ، وتنزيلًا أنزَله عليَّ: ألا تُشْرِكوا باللهِ شيئًا مِن خلقِه، ولا تَعْدِلوا به الأوثانَ والأصنامَ، ولا تَعْبُدوا شيئًا سواه. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. يقولُ: وأوْصَى بالوالدين إحسانًا. وحذَف "أوْصَى" و"أمرَ"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه ومعرفةِ السامعِ بمعناه. وقد بيَّنا ذلك بشَواهدِه فيما مضَى من الكتابِ (٣). وأما "أن" فى قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فرفعٌ؛ لأن معنى الكلامِ: قلْ تعالَوْا أتلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم؛ هو (٤) ألا تُشْرِكوا به شيئًا. وإذا كان ذلك معناه، كان فى قولِه: ﴿تُشْرِكُوا﴾. وجهان؛ الجزمُ بالنَّهْي، وتوجيهُ "لا" إلى معنى النهي. والنصبُ على توجيهِ الكلامِ إلى الخبرِ، ونصبِ ﴿تُشْرِكُوا﴾ بـ ﴿أَلَّا﴾، كما يقالُ: أَمَرْتُك ألا تقومَ.

стр. 6690

وإن شئتَ جَعَلْتَ "أن" في موضعِ نصبٍ ردًّا على "ما" وبيانًا عنها، ويكونُ في قولِه: ﴿تُشْرِكُوا﴾. أيضًا مِن وجهَيِ الإعرابِ على (١) نحوِ ما كان فيه منه و "أن" في موضعِ رفعٍ. ويكونُ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: قلْ تعالوا أتْلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم؛ أتلُ (٢) ألا تُشْرِكوا به شيئًا. فإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ قولُه: ﴿تُشْرِكُوا﴾. نصبًا بـ ﴿أَلَّا﴾، أم كيف يَجوزُ توجيهُ قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾. على معنى الخبرِ، وقد عطَف عليه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. وما بعدَ ذلك مِن جزمِ النهي؟ قيل: جاز ذلك كما قال تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾. فجعَل ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ خبرًا، و ﴿أَنْ﴾ اسمًا، ثم عطَف عليه [﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾] (٣). وكما قال الشاعرُ (٤): حَجَّ وأَوْصَى بِسُلَيْمَى الأَعْبُدَا ألا تَرَى ولا تُكَلِّمْ أحَدًا ولا يَزَلْ شَرابُها مُبَرَّدَا (٥) فجعَل قولَه: ألَّا تَرَى. خبرًا، ثم عطَف بالنهي، فقال: ولا تُكَلِّمْ، ولا يَزَلْ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ
следующие страницы →