← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

وأما القرأةُ من جميع الأمصار، فإنها قرأت قولَه: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. بفتح السين، وأجْمَعَت على قراءةِ ﴿الْجَمَلُ﴾ بفتح الجيم والميم وتخفيف ذلك. وأما ابن عباس وعكرمةُ وسعيدُ بن جبيرٍ، فإنه حُكى عنهم أنهم كانوا يقرءون ذلك: (الجُمَّلُ). بضمِّ الجيم وتشديد الميم (١)، على اختلافٍ في ذلك عن ابن عباسٍ وسعيدٍ. فأما الذين قرءوه بالفتح من الحرفين والتخفيف، فإنهم وجَّهوا تأويله إلى الجمل المعروف، وكذلك فسَّروه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ عِياضٍ، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبدِ اللهِ في قوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال: هو الجملُ ابن الناقة، أو زوجُ الناقِة. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن إبراهيم، عن عبد الله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال: الجملُ زوجُ الناقة. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفىان، عن أبي حصينٍ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللَّهِ مثله. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عن هُشَيْمٍ، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبدِ اللهِ، قال: الجملُ زوج الناقة (٢).

стр. 6897

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أَخْبَرنا هُشَيْمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللَّهِ مثله. [حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللَّهِ مثلهٍ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا قُرَّةُ، قال: سَمِعْتُ الحسن يقولُ: الجملُ الذي يقومُ في المرْبدِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسن: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال: حتى يَدْخُلَ البعيرُ في خَرْقِ الإبرة (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مَهْديِّ، عن هُشيمٍ، عن عَبَّادِ بن راشدٍ، عن الحسن، قال: هو الجملُ. فلمَّا أَكْثَروا عليه، قال: هو الأُشْتُرُ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عَبَّادِ بن راشدٍ، عن الحسن مثله. حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن يحيى، قال: كان الحسنُ يَقْرَؤُها: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال: فذهب بعضُهم

стр. 6898

يَسْتَفْهِمُه، فقال: أُشْتُرُ، أُشْتُرُ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو النُّعْمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بن زيدٍ، عن شُعَيْبِ بن الحَبْحَابِ، عن أبي العالية: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾. قال: الجملُ الذي له أربع قوائم. حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبى حَصِينٍ، أو حُصَيْنٍ، عن إبراهيم، عن ابن مسعودٍ في قوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾. قال: زوجُ الناقة. يعنى الجمل (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، عن الضحاكِ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿الْجَمَلُ﴾. قال: وهو الذي له أربعُ قوائم. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن عُبيدٍ، عن الضحاك: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾: الذي له أربع قوائم. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، عن قُرَّةَ، عن الحسنِ: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾. قال: الذي بالمِرْبَدِ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن [عبد الله بن كثيرٍ] (٢)، عن مجاهد، عن ابن مسعود أنه كان يَقرَأُ: (حتى يَلِجَ الجَمَلُ الأصْفَرُ) (٣).

стр. 6899

حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سليمان (١)، قال: ثنا عبد الكريم بن أبى المُخارق، عن الحسن، في قوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال: الجملُ ابن الناقة أو بَعْلُ الناقة. وأما الذين خالفوا هذه القراءةَ فإنهم اخْتَلَفوا؛ فرُوى عن ابن عباسٍ في ذلك روايتان؛ إحداهما الموافقة لهذه القراءة وهذا التأويل. ذكرُ الرواية بذلك عنه حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: والجملُ ذو القوائم (٢). وذُكِر أن ابن مسعودٍ قال ذلك أيضًا. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: وهو الجملُ العظيمُ لا يَدْخُلُ في خرقِ الإبرة، مِن أجل أنه أعظمُ منها (٣). والرواية الأخرى (٤) ما حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: (حتى يَلِجَ الجُمَّلُ في سَمِّ الخياط). قال: هو قَلْسُ السفينة (٥).

стр. 6900

حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا أبو غَسَّانَ مالكُ بن إسماعيلَ، عن خالد عبد الله الواسطيِّ، عن حَنْظَلةَ السَّدوسيِّ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ: (حتى يَلِجَ الجُمَّلُ في سَمِّ الخياط). يعنى: الحبلُ الغَليظُ. فذكَرْتُ ذلك للحسن، فقال: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾. قال عبدُ الأعلى: قال أبو غسَّانَ: قال خالدٌ: يعني البعير. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن مُفَضَّلٍ (١)، عن مغيرة، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرأها: (الجُمَّلُ) مثقَّلةً، قال: هو حبلُ السفينة (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن هُشَيمٍ، عن مغيرة، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: (الجُمَّلُ) حبالُ السفن. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدم، عن ابن مُباركٍ، عن حَنْظلةَ، عن عكرمة، عن ابن عباس: (حتى يَلِجَ الجُمَّلُ في سَمِّ الخياط). قال: الحبلُ الغليظُ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: (حتى يَلِجَ الجُمَّلُ في سَمِّ الخياط). قال: هو الحبلُ الذي يكونُ على السفينة (٤). واختلف عن سعيد بن جبيرٍ أيضًا في ذلك، فرُوى عنه روايتان؛ إحداهما مثلُ

стр. 6901

التي ذكرنا عن ابن عباس بضمِّ الجيم وتثقيل الميم. ذكرُ الرواية بذلك عنه حدَّثنا عمرانُ بن موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا حسينٌ المُعلِّم، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ أنه قرأها: (حتى يَلِجَ الجُمَّلُ) يعنى: قُلُوسُ السفنِ، يعنى. الحبالُ الغِلاظٌ (١). والأخرى منهما: بضمِّ الجيم وتخفيف الميم. ذُكر الرواية بذلك عنه حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا [عمر بنُ] (٢) سالم بن عَجْلانَ الأَفْطَسُ، قال: قرَأْتُ على أبى: (حتى يَلِجَ الجُمَّلُ). فقال: (حتى يَلجَ الجُمَلُ) خفيفةً: وهو حبلُ السفينة، هكذا أَقْرَأَنيها يا بُنيَّ (٣) سعيدُ بنُ جبيرٍ. وأما عكرمةُ، فإنه كان يَقْرَأُ ذلك (الجُمَّلُ) بضمِّ الجيم وتشديد الميم. ويَتَأَوَّلُه كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن عيسى بن عُبيد (٤)، قال: سمِعْتُ عكرمة يَقْرَأُ: (الجُمَّلُ) مثقَّلةً، ويقولُ: هو الحبلُ الذي يُصْعَدُ به إلى النخل (٥). حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا مسلمُ بن إبراهيم، قال: ثنا كعبُ بنُ فَرُّوخَ،

стр. 6902

قال: ثنا قتادةُ، عن عكرمة في قوله: (حتى يَلجَ الجُمَّلُ في سَمِّ الخياطِ) قال: الحبلُ الغليظُ في خَرْقِ الإبرة. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: (حتى يَلجَ الجُمَّلُ في سَمِّ الخياطِ) قال: حبلُ السفينة في سَمِّ الخياط (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال عبد الله بن كثيرٍ (٢): سمِعْتُ مجاهدًا يقولُ: الحبلُ مِن حبالِ السفنِ. وكأَنَّ مَن قرأ ذلك بتخفيف الميم وضمِّ الجيم، على ما ذكرنا عن سعيد بن جبيرٍ، على (٣) مثال الصُّرَدِ والجُعَل، وجَّهه إلى جماع جملةٍ من الحبال جُمعت جُمَلا، كما تُجمَعُ الظُّلمةُ ظُلَمًا، والحربةُ حُربًا. وكان بعضُ أهل العربيةِ يُنْكِرُ التشديد في الميم، ويقولُ: إنما أراد الراوى الجُمَل بتخفيف الميم، فلم يُفهم ذلك منه، فشدَّده. وحُدِّثْتُ عن الفَرَّاءِ، عن الكسائيِّ، أنه قال: الذي رواه عن ابن عباسٍ كان أعجميًّا. وأما من شدَّد الميم وضمَّ الجيم، فإنه وجَّهه إلى أنه اسمُ واحدٍ، وهو الحبلُ أو الخيطُ الغليظُ. والصوابُ من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرأةُ الأمصار، وهو: ﴿حَتَّى يَلِجَ

стр. 6903

الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ بفتح الجيم والميم من "الجمل" وتخفيفها، وفتح السين من "السَّمِّ"؛ لأنها القراءة المستفيضةُ في قرأة الأمصار، وغيرُ جائزٍ خلافُ ما جاءت به الحجةُ متفقةً عليه من القرأة. وكذلك ذلك في فتح السين من قوله: ﴿سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. وإذ كان الصوابُ من القراءة ذلك، فتأويلُ الكلام: ولا يَدْخُلون الجنة [حتى يلج] (١) - والولوجُ الدخولُ، من قولهم: ولج فلانٌ الدارَ يَلِجُ وُلوجًا، بمعنى: دخل - الجملُ في سمِّ (٢) الإبرة، وهو ثَقْبها (٣). ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: وكذلك نُثِيبُ الذين أجْرَموا في الدنيا ما اسْتَحَقُّوا به مِن الله من العذاب الأليم في الآخرة. وبمثل الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة وابنُ مَهْدَيٍّ وَسُوَيْدٌ الكَلْبِيُّ، عن حمادِ بن زيدٍ، عن يحيى بن عتيقٍ، قال: سأَلْتُ الحسن عن قوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال: ثَقْبِ الإبرة. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مسلمُ بن إبراهيم، قال: أخبرنا كعبُ بن فَرُّوخَ، قال: ثنا قتادةُ، عن عكرمة: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: في خَرْقِ الإبرة. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسن مثله.

стр. 6904

حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ في جُحْرِ الإبرة. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. يقولُ: جُحْرِ الإبرة. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: في ثَقْبِه. القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: لهؤلاء الذين كذَّبوا بآياتنا واسْتَكْبَرُوا عنها ﴿مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾: وهو ما امْتَهدُوه مما يُقْعَدُ عليه ويُضْطَجَعُ، كالفراش الذي يُفترشُ، والبساطِ الذي يُبْسَطُ، ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: وهي جمعُ غاشيةٍ، وذلك ما غشَّاهم فغطَّاهم من فوقهم. وإنما معنى الكلام: لهم من نار جهنمَ من تحتهم فُرُشٌ، ومن فوقهم منها لُحُفٌ، وإنهم بين ذلك. وبنحو الذي قلنا قال أهلُ التأويل في ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن موسى بن عُبيدةَ، عن محمد ابن كعب: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾. قال: الفُرشُ، ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾. قال: اللُّحُفُ (١).

стр. 6905

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بن نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاك: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾. قال: المهادُ الفُرُشُ، والغَواشى اللُّحُفُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: أما المهادُ لهم كهيئة الفراش، والغَواشِي تَتَغَشَّاهِم مِن فوقهم (١). وأما قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. فإنه يقولُ: وكذلك نُثِيبُ ونُكافئُ من ظلم نفسه، فأكسبها من غضب الله ما لا قبل لها به، بكفره بربِّه، وتكذيبه أنبياءه. القولُ في تأويل قوله جلَّ وعزّ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: والذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءَهم به من وحى الله وتنزيله وشرائع دينه، وعملوا بما أمرهم الله به، فأطاعوه، وتجنَّبوا ما نهاهم عنه - ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. يقول: لا نُكَلِّفُ نفسًا من الأعمال إلا ما يَسَعُها، فلا تَحْرَجُ فيه، ﴿أُولَئِكَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. يقولُ: هم أهل الجنة الذين هم أهلُها دون غيرهم ممَّن كفر بالله وعمل سيِّئًا، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقول: هم في الجنة ماكثون، دائمٌ فيها مُكْثُهم، لا يَخْرُجون منها ولا يُسْلَبون نعيمها. القول في تأويل قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ

стр. 6906

تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأَذْهَبْنا من صدورِ هؤلاء الذين وصَفتُ صفتَهم، وأخبَر أنَّهم أصحابُ الجنةِ، ما فيها من حقدٍ وغمرٍ (١) وعداوةٍ كان من بعضِهم في الدنيا على بعضٍ، فجعَلهم في الجنةِ إذا أدخلهُمُوها على سررٍ متقابلين، لا يَحسُدُ بعضُهم بعضًا على شيءٍ خصَّ الله به بعضَهم، وفضَّلَه به (٢) من كرامتِه عليه، تجرى مِن تحتِهم أنهارُ الجنةِ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. قال: العداوةُ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن سعيدِ بن بَشيرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. قال: هي الإحَنُ (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن عيينةَ، عن إسرائيل أبى موسى، عن الحسنِ، عن عليٍّ، قال: فينا والله أهلَ بدرٍ نزَلَتْ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].

стр. 6907

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيينةَ، عن إسرائيلَ، قال: [سمِعتُ الحسنَ] (١) يقولُ: قال عليٌّ ﵁: فينا واللهِ أهلَ بدرٍ نزَلتْ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: قال عليٌّ: إِنِّي لأرجُو أن أكونَ أنا وعثمانُ وطلحةُ والزبيرُ مِن الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾. قال: إِنَّ أهلَ الجنةِ إذا سِيقوا إلى الجنةِ فبلَغوا، وجَدوا عندَ بابِها شجرةً، في أصلِ ساقِها عينان، فشرِبوا من إحداهما، فيُنزَعُ ما في صدورِهم من غِلٍّ، فهو الشرابُ الطَّهورُ، واغْتَسَلوا مِن الأُخرى، فجرَت عليهم بنَضْرة النَّعيم، فلم يَشْعَثُوا ولم يَشْحَبوا (٤) بعدَها أبدًا (٥). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن الجُرَيْريِّ، عن أبي نَصْرَةَ، قال: يُحْبَسُ (٦) أهلُ الجنةِ دونَ الجنةِ، حتى يُقْضَى لبعضِهم مِن بعضٍ، حتى يَدْخُلوا الجنةَ حينَ يَدْخُلونها، ولا يَطْلُبُ أحدٌ منهم أحدًا بقُلامةِ ظُفُرٍ

стр. 6908

ظلَمَها إياه، ويُحْبَسُ (١) أهلُ النارِ دونَ النارِ، حتى يُقْضَى لبعضِهم مِن بعضٍ، فيَدْخُلُون النارَ حينَ يَدْخُلونها، ولا يَطْلُبُ أحدٌ منهم أحدًا بقُلَامةِ ظُفُرٍ ظلَمَها إياه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء الذين وصَف جلَّ ثناؤُه، وهم الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ، حينَ أُدْخِلوا الجنةَ، ورأَوْا ما أَكْرَمَهم اللَّهُ به مِن كرامتِه، وما صُرِف عنهم مِن العذابِ المُهِينِ الذي ابْتُلِى به أهلُ النارِ بكفرِهم بربِّهم، وتكذيبِهم رسلَه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾. يقولُ: الحمدُ لله الذي وفَّقَنا للعملِ الذي أكْسَبَنا هذا الذي نحن فيه مِن كرامةِ اللَّهِ [وفضلِه] (٣)، وصرَف عذابَه عنا، ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. يقولُ: وما كنا لِنَرْشُدَ لذلك لولا أن أَرْشَدَنا الله له، ووفَّقَنا بمنِّه وطَوْلِه. كما حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كلُّ أهلِ النارِ يَرَى منزلَه مِن الجنةِ، فيقولون: لو هدانا الله. فتَكونُ عليهم حَسْرةً، وكلُّ أهلِ الجنة يَرَى منزلَه مِن النارِ، فيقولون: لولا أن هدانا الله. فهذا شكرُهم" (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال:

стр. 6909

سمِعْتُ أبا إسحاقَ يُحَدِّثُ عن عاصمِ بن ضَمْرةَ، عن عليّ بن أبى طالبٍ، قال: ذكَر عمرَ - بشيءٍ لا أَحْفَظه - ثم ذكَر الجنةَ، فقال: يَدْخُلُون فإذا شجرةٌ يَخْرُجُ مِن تحتِ ساقِها عينان، قال: فيَغْتَسِلون من إحداهما، فتَجْرِى عليهم نَضْرِةُ النَّعيم، فلا تَشْعَثُ أشعارُهم، ولا تَغْبَرُّ أبشارُهم، ويَشْرَبون مِن الأخرى، فيَخْرُجُ كلُّ قَذًى وقَذَرٍ - أو شيءٍ في بطونِهم - قال: ثم يُفْتَحُ لهم بابُ الجنةِ، فيُقال لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. قال: فيسْتَقْبِلُهم الوِلْدانُ، فيَحُفُّون بهم كما تَحُفُّ الوِلدانُ بالحَميمِ إذا جاء مِن غَيْبَتِه، ثم يَأْتُون فَيُبَشِّرون أزواجَهم، فيُسَمُّونهم بأسمائِهم وأسماءِ آبائِهم، فيَقُلْن: أنتَ رأيْتَه؟ قال: فيَسْتَخِفُّهن الفرحُ، قال: فيَجِئْن حتى يَقِفْنَ على أُسْكُفَّةِ الباب، فيَجِيئون فيَدْخُلون، فإذا أُسُّ بيوتِهم بجَنْدلِ اللؤلؤِ، وإذا صُرُوحٌ صُفْرٌ وخُضْرٌ وحُمْرٌ، ومِن كلِّ لونٍ، وسُرُرٌ مرفوعةٌ، وأكوابٌ موضوعةٌ، ونَمارِقُ مصفوفةٌ، وزَرابيُّ مَبْثوثةٌ، فلولا أن اللَّهَ قدَّرَها لهم (١) لالْتُمِعتْ أبصارُهم مما يَرَوْن فيها، فيُعانِقون الأزْواجَ، ويَقْعُدون على السُّرُرِ، ويقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. إلى آخرِ الآيةِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾.

стр. 6910

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن هؤلاء الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ، أنهم يقولون عندَ دخولِهم الجنةَ ورؤيتِهم كرامةَ اللهِ التي أكْرَمَهم بها، وهوانَ أعداءِ اللَّهِ في النارِ: والله لقد جاءَتْنا في الدنيا وهؤلاء الذين في النارِ رسلُ رَبِّنا بالحقِّ، مِن الإخبارِ عن وعْدِ اللهِ أهلَ طاعتِه والإيمانِ به وبرسلِه، ووعِيدِه أهلَ مَعاصِيه والكفرِ به. وأما قولُه: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فإن معناه: ونادَى منادٍ هؤلاء الذين وصَف الله صفتَهم، وأخْبَر عما أعَدَّ لهم مِن كرامتِه: أن يا هؤلاء، هذه تِلْكُمُ الجنةُ التي كانت رسلي في الدنيا تُخبِرُكم عنها، أوْرَثَكُموها الله عن الذين كذَّبوا رسلَه؛ لتصديقِكم إياهم، وطاعتِكم ربَّكم، وذلك هو معنى قولِه: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وبنحوِ الذي (١) قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: ليس مِن كافرٍ ولا مؤمنٍ إلا وله في الجنةِ والنارِ مَنْزِلٌ، فإذا دخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، فدخَلوا منازلَهم، رُفِعَت الجنةُ لأهلِ النارِ، فنظَروا إلى منازلِهم فيها، فقيل لهم: هذه منازلُكم لو عمِلْتُم بطاعةِ الله. ثم يقالُ: يا أهلَ الجنةِ، رِثُوهم بما كنتم تَعْمَلُون. فتُقْسَمُ بينَ أهلِ الجنةِ منازلُهم (٢).

стр. 6911

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ سعدٍ أبو داودَ الحَفَريُّ، عن سعيدِ بن بُكيرٍ (١)، عن سفيانَ الثوريِّ، عن أبي إسحاقَ، عن الأغرِّ: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾. قال: نُودُوا: أن صِحُّوا فلا تَسْقَموا، واخْلُدوا فلا تَموتوا، وانْعَموا فلا تَبْأسوا. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن الأغَرِّ، عن أبي سعيدٍ: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: يُنادِى مُنادٍ: إن لكم أن [تَحْيَوا فلا تَموتُوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أبدًا، وإِنَّ لكم أن] (٢) تَصِحُّوا فلا تَسْقَموا أبدًا (٣). واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في ﴿أَنْ﴾ التي مع ﴿تِلْكُمُ﴾؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: هي "أن" الثقيلةُ خُفِّفَت، وأُضْمِر فيها، ولا يَسْتَقِيمُ أن نَجْعَلَها الخفيفةَ؛ لأن بعدَها اسمًا، والخفيفةُ لا تَلِيها الأسماءُ، وقد قال الشاعرُ (٤): في فِتْيَةٍ كسُيُوفِ الهندِ قد علِموا … أنْ هالكٌ كلُّ مَن يَحْفَى ويَنْتَعِلُ وقال آخرُ (٥):

стр. 6912

أُكَاشِرُه (١) وأَعْلَمُ أَنْ كِلانا … على ما ساء صاحبَه حريصُ قال: فمعناه: أنه كِلانا. قال: ويكونُ قولُه: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾ [الأعراف: ٤٤]. في مَعْنى (٢): أيْ وجَدْنا (٣). وقولُه: ﴿أَنْ [أَفِيضُوا﴾ [الأعراف: ٥٠]: أي أفيضُوا] (٤)، ولا تكونُ على "أن" التي تَعْمَلُ في الأفعالِ؛ لأنك تقولُ: غاظَنى أن قام، وأن ذهَب. فتَقَعُ على الأفعالِ، وإن كانت لا تَعْمَلُ فيها. وفى كتابِ الله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦]: أي امْشُوا. وأنكَر ذلك مِن قولِه هذا بعضُ أهلِ العربيةِ (٥)، فقال: غيرُ جائزٍ أن يَكونَ مع "أن" في هذا الموضعِ هاءٌ مُضْمَرَةٌ؛ لأن "أن" دخَلَت في الكلامِ لتَقِيَ (٦) ما بعدَها. قال: و"أن" هذه التي مع "تلكم"، هي الدائرةُ التي تقَعُ فيما ضارَع الحكايةَ، وليس بلفظِ الحكايةِ، نحوَ (٧): نادَيْتُ: أنْك قائمٌ، وأنْ زيدٌ قائمٌ، وأن قمتُ، فتلِى (٨) كلَّ الكلامِ، وجُعِلَت "أنْ" وقايةً؛ لأن النداءَ يَقَعُ على ما بعدَه، وسلِم ما بعدَ "أنْ"، كما سلِم على (٩) القولِ، ألا تَرَى أنك تقولُ: قلتُ: زيدٌ قائمٌ، وقلتُ: قام. فتلِيها ما شئتَ مِن الكلامِ؟ فلمَّا كان النداءُ [بمعناها و] (١٠) الظنِّ، وما أَشْبَهَه مِن القولِ، سلِم على (١١) ما بعدَ "أن"، ودخَلَت "أن" وقايةً، قال: وأما "أي" فإنها لا

стр. 6913

تَكونُ مكانَ (١) "أن"؛ لأنَّ (٢) "أي" جوابٌ لكلامٍ، و"أن" تَكْفِى مِن الاسمِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ونادَى أهلُ الجنةِ أهلَ النارِ بعدَ دخولِهموها: أن يا أهلَ النارِ قد وجَدْنا ما وعَدَنا ربُّنا في الدنيا على ألسُنِ رسلِه، من الثوابِ على الإيمانِ به وبهم، وعلى طاعتِه، حقًّا (٣)، فهل وجَدْتُم ما وعَدَ رَبُّكم على ألسنتِهم على الكفرِ به، وعلى معاصيه مِن العقابِ، حَقًّا (٣)؟ فأجابهم أهلُ النَّارِ بأن نعم، قد وجَدْنا [ذلك حقًّا، كما] (٤) وعَدَنا ربُّنا. كالذي حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾. قال: وجَد أهلُ الجنةِ ما وُعِدوا مِن ثوابٍ، وأهلُ النارِ ما وُعِدوا مِن عقابٍ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾: وذلك أن اللَّهَ وعَد أهلَ الجنةِ النعيمَ والكَرامةَ

стр. 6914

وكلَّ خيرٍ علِمه الناسُ أو لم يَعْلَموه، ووعَد أهلَ النارِ كلَّ خِزْىٍ وعذابٍ علِمه الناسُ أو لم يَعْلَموه، فذلك قولُه: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨]. قال: فنادَى أصحابُ الجنةِ أصحابَ النارِ: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾. يقولُ: مِن الخِزْى والهَوانِ والعذابِ. قال أهلُ الجنةِ: فإنا قد وجَدْنا ما وعَدَنا ربُّنا حقًّا من النعيمِ والكرامةِ. ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (١). واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ بفتحِ العينِ مِن ﴿نَعَمْ﴾. ورُوِى عن بعضِ الكوفيين أنه قرَأ: (قالوا نَعِمْ) بكسرِ العينِ (٢)، وقد أُنْشِد بيتٌ لبعضِ بني كَلْبٍ: نَعِم إذا قالها منه مُحَقَّقَةٌ … ولا تَخِيبُ (٣) عَسَى منه ولا قَمَنُ بكسر "نَعِمْ". والصوابُ من القراءةِ [في ذلك] (٤) عندَنا ﴿نَعَمْ﴾ بفتحِ العينِ (٥)؛ لأنها القراءةُ المُسْتَفِيضَةُ في قرأةِ الأمصارِ، واللغةُ المشهورةُ في العربِ. وأما قولُه: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: فنادَى مُنادٍ، وأَعْلَم مُعْلِمٌ بينَهم: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: غَضَبُ اللَّهِ وسَخَطُه وعقوبتُه على مَن كَفَر به.

стр. 6915

وقد بيَّنا القولَ في "أن" إذا صحِبَت من الكلامِ ما ضارَع الحكايةَ، وليس بصريحِ الحكايةِ أنها تُشَدِّدُها العربُ أحيانًا، وتُوقِعُ (١) الفعلَ عليها فتَفْتَحُها وتُخَفِّفُها أحيانًا، وتُعْمِلُ الفعلَ فيها فتَنْصِبُها به، وتُبْطِلُ عملَها مِن (٢) الاسمِ الذي يليها، فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣). وإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ شُدِّدَت "أن" أو خُفِّفَت في القراءةِ؛ إذ كان معنى الكلامِ بأيِّ ذلك قرَأ القارئُ واحدًا، وكانتا قراءتين مشهورتين في قرأةِ الأمصارِ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: [أذَّن مؤذنٌ] (٥) بينَ أهلِ الجنةِ والنارِ (٦)، أن لعنةُ الله على (٧) الذين كفَروا بالله، وصدُّوا عن سبيلِه، وبَغوها (٨) عوَجًا. يقولُ: حاوَلوا سبيلَ الله - وهو دينُه - أن يُغيِّروها ويُبَدِّلوها عما جعَلَه الله به (٩) من استقامتِه، ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾. يقولُ: وهم لقيامِ الساعةِ، وللبعثِ في الآخرةِ، والثوابِ والعقابِ فيها جاحِدون. والعربُ تقولُ للمَيْلِ في الدِّينِ والطريقِ: عِوَجٌ. بكسرِ العينِ، وفى

стр. 6916

مَيْلِ الرجلِ على الشيءِ والعَطْفِ عليه: عاج إليه يَعُوجُ عِياجًا وعَوَجًا وَعِوَجًا. بالكسرِ مِن العينِ والفتحِ، كما قال الشاعرُ (١): قفَا نَسْأَلُ (٢) منازلَ آلِ لَيْلَى … على (٣) عِوَجٍ إليها وانْثِناءِ ذكَر الفَرَّاءُ أن أبا الجرَّاحِ أنْشَدَه إياه بكسرِ العينِ مِن "العِوَجِ"، فأما ما كان خِلْقةً في الإنسانِ، فإنه يقالُ فيه: [ما أَبْيَنَ] (٤) عَوَجَ ساقِه. بفتحِ العينِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾: وبينَ الجنِة وبينَ النارِ ﴿حِجَابٌ﴾. يقولُ: حاجزٌ، وهو السورُ الذي ذكَره الله تعالى فقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. وهو الأعرافُ التي يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه فيها: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾. كذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ رَجَاءٍ (٥)، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: بلَغَنى عن مجاهدٍ قال: الأعرافُ حجابٌ بينَ الجنةِ والنارِ. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾: وهو السورُ، وهو الأعْرافُ (٦).

стр. 6917

وأما قولُه: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾. فإن الأعرافَ جمعٌ، واحدُها عُرْفٌ، وكلُّ مرتفعٍ مِن الأرضِ عندَ العربِ فهو عُرْفٌ، وإنما قيل لعُرْفِ الدِّيكِ: عُرْفٌ؛ لارتفاعِه على ما سواه من جسدِه، ومنه قولُ الشَّمَّاخِ بن ضِرارٍ (١): وظلَّتْ بأعرافٍ تَفَالَى (٢) كأنها … رِماحٌ نَحاها وِجْهةَ الرِّيحِ راكِزُ يعنى بقولِه: بأعرافٍ: بنُشوزٍ مِن الأرضِ. ومنه قولُ الراجزِ (٣): كلُّ كِنَازٍ (٤) لَحْمُه نِيَافِ (٥) كالعَلَم المُوفى على الأعْرافِ وكان السديُّ يقولُ: إنما سُمِّى الأعرافُ أعْرافًا لأن أصحابَه يعرفون الناسَ. حدَّثني بذلك محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عنه (٦). وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ، عن عبيدِ اللَّهِ بن

стр. 6918

أبى (١) يزيدَ، سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: الأعرافُ هو الشئُ المُشْرِفُ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيينةَ، عن عُبيدِ (٣) الله بن أبى (٤) يزيدَ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ مثلَه (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مُجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: الأعرافُ سُورٌ كعُرْفِ الدَّيكِ (٦). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْأَعْرَافِ﴾ قال: حجابٌ بينَ الجنةِ والنارِ، سُورٌ له بابٌ (٧). قال أبو موسى (٨): وحدَّثنى عبيدُ الله بنُ أبى (٩) يزيدَ، أنه سمِع ابن عباسٍ

стр. 6919

حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدٌ قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: الأعْرافُ السور الذي بين الجنة والنار (١). واختلف أهلُ التأويل في صفة الرجال الذين أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤه عنهم أنهم على الأعراف، وما [هم، وفى] (٢) السبب الذي من أجله صاروا هنالك؛ فقال بعضُهم: هم قومٌ من بنى آدمَ اسْتَوَت حسناتُهم وسيئاتُهم، فجعلوا هنالك إلى أن يَقْضِيَ اللهُ فيهم ما يَشاءُ، ثم يُدْخِلُهم الجنةَ بفضل رحمته إياهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ (٣)، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا يونُسُ بن أبى إسحاقَ، قال: قال الشعبيُّ: أرْسَل إلى عبدُ الحميد بنُ عبدِ الرحمنِ، وعنده أبو الزِّنادِ عبدُ اللَّهِ بنُ ذكوان مولى قريشٍ، وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرًا ليس كما ذكرا، فقلتُ لهما: إن شئتُما أَنْبَأْتُكما بما ذكر حذيفةُ، فقالا: هات. فقلتُ: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف، فقال: هم قومٌ تَجاوَزَت بهم حسناتُهم النار، وقصَّرَت بهم سيِّئاتُهم عن الجنة، فإذا صُرفت أبصارُهم تِلْقاءَ أصحاب النار قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فبينا هم كذلك، اطَّلَع إليهم ربُّك فقال لهم (٤): اذْهَبوا فادْخُلُوا الجنةَ، فإنى قد غفَرْتُ لكم (٥). حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن الشعبيِّ، عن

стр. 6920

حذيفة، أنه سُئِل عن أصحاب الأعراف، قال: فقال: هم قومٌ اسْتَوَت حسناتُهم وسيئاتُهم، فقصَّرت بهم سيئاتُهم عن الجنة، وخلَّفت بهم حسناتُهم عن النار، قال: فوُقِفوا هنالك على السور حتى يَقْضِيَ اللَّهُ فيهم (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ وعِمْرانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عَن حُصَيْنٍ، عن عامرٍ، عن حذيفة، قال: أصحابُ الأعراف قوم كانت لهم ذنوبٌ وحسناتٌ، فقصَّرت بهم ذنوبُهم عن الجنةِ، وتَجاوَزَت بهم حسناتُهم عن النارِ، فهم كذلك حتى يَقْضِى الله بين خلقه فينْفُذَ فيهم أمرُه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن جابرٍ، عن الشعبيِّ، عن حذيفة، قال: أصحابُ الأعراف قومٌ اسْتَوَت حسناتُهم وسيئاتُهم، فيقولُ: ادْخُلوا الجنةَ بفضلى ومغفرتى، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن يونُسَ بن أبى إسحاق، عن عامرٍ، عن حذيفة، قال: أصحاب الأعراف قومٌ تجاوَزَت بهم حسناتُهم النارَ، وقصَّرَت بهم سيئاتُهم عن الجنة (٢). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، قال: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ، وهو يُحَدِّثُ ذلك عن ابن مسعودٍ، قال:

стр. 6921

حذيفة، أنه سُئِل عن أصحاب الأعراف، قال: فقال: هم قومٌ اسْتَوَت حسناتُهم وسيئاتُهم، فقصَّرَت بهم سيئاتُهم عن الجنة، وخلَّفَت بهم حسناتُهم عن النارِ، قال: فوقفوا هنالك على السور حتى يَقْضِى اللهُ فيهم (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ وعِمْرانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عَن حُصَيْنٍ، عن عامِرٍ، عن حُذيفة، قال: أصحاب الأعراف قومٌ كانت لهم ذنوبٌ وحسناتٌ، فقصَّرت بهم ذنوبُهم عن الجنةِ، وتَجاوَزَت بهم حسناتُهم عن النارِ، فهم كذلك حتى يَقْضِى بين خلقه فيَنْفُذَ فيهم أمرُه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيان، عن جابرٍ، عن الشعبيِّ، عن حذيفة، قال: أصحابُ الأعراف قومٌ اسْتَوَت حسناتُهم وسيئاتُهم، فيقولُ: ادْخُلوا الجنةَ بفضلى ومغفرتى، لا خوفٌ عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن يونُسَ بن أبى إسحاق، عن عامرٍ، عن حذيفة، قال: أصحابُ الأعراف قومٌ تجاوَزَت بهم حسناتُهم النار، وقصَّرَت بهم سيئاتُهم عن الجنة (٢). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، قال: قال سعيدُ بن جبيرٍ، وهو يُحَدِّثُ ذلك عن ابن مسعودٍ، قال:

стр. 6922

يُحاسَبُ الناسُ يومَ القيامةِ، فمَن كانت حسناتُه أكثر من سيئاته بواحدةٍ دخل الجنةَ، ومَن كانت سيئاتُه أكثر من حسناته بواحدةٍ دخل النار. ثم قرأ قولَ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣]. ثم قال: إن الميزان يخفُّ بمثقال حبةٍ، ويَرْجَحُ. قال: فمَن اسْتَوَت حسناتُه وسيئاتُه كان من أصحاب الأعرافِ، فوُقِفوا على الصراط، ثم عرَفوا أهل الجنة وأهل النارِ، فإذا نظَروا إلى أهل الجنة نادَوْا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. وإذا صرَفوا أبصارهم إلى يسارهم (١) أصحاب النار، قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فتعوذوا (٢) بالله من منازلهم. قال: فأما أصحابُ الحسناتِ، فإنهم يُعْطَوْن نورًا، فيمْشُون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويُعْطَى كُلُّ عبدٍ يومئذٍ نورًا، وكلُّ أَمَةٍ نورًا، فإذا أَتَوْا على الصراطِ سَلَبَ اللَّهُ نورَ كُلِّ منافقٍ ومنافقةٍ، فلما رأى (٣) أهلُ الجنة ما لقى المنافقون قالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨]. وأما أصحابُ الأعرافِ، فإن النور كان في أيديهم، فلم يُنْزَعْ من أيديهم، فهنالك يقولُ الله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. فكان الطمعُ دخولًا، قال: فقال ابن مسعودٍ: على أن العبد إذا عمل حسنةً كُتِب له بها عشرٌ، وإذا عمل سيئةً لم تُكتب إلا واحدةً. ثم يقولُ: هلَك مَن غَلَب وُحْدانُه أعشارَه (٤). حدَّثنا أبو هَمَّامٍ الوليدُ بنُ شُجَاعٍ، قال: حدَّثني ابن وهبٍ، قال: أخبرني عيسى الحنَّاط (٥)، عن الشعبيِّ، عن حذيفة، قال: أصحابُ الأعراف قومٌ كانت لهم

стр. 6923

أعمالٌ أنجاهم الله بها من النارِ، وهم آخِرُ مَن يَدْخُلُ الجنةَ، قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادة، قال: قال ابن عباس: أصحابُ الأعراف قوم اسْتَوَت حسناتُهم وسيئاتُهم، فلم تَزِدْ حسناتُهم على سيئاتهم، ولا سيئاتُهم على حسناتهم. حدَّثنا ابن وكيعٍ وابن حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن حبيب بن أبى ثابتٍ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفلٍ، عن ابن عباسٍ - قال [ابن وكيعٍ في حديثِه: قال] (١): الأعرافُ سورٌ بين الجنة والنار. [وقال ابن حميدٍ في حديثه عن ابن عباسٍ، قال: الأعرافُ السورُ الذي بين الجنة والنار] (١) - وأصحابُ الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بَدَا لِلَّهِ أَن يُعافيهم، انطُلق بهم إلى نهرٍ يقالُ له: الحياةُ. حافتاه [قصبُ الذهب] (٢)، مُكلَّلٌ باللؤلؤ، ترابُه المسكُ، فأُلْقُوا فيه حتى تَصْلُحَ ألوانُهم، وتَبْدُو في نحورهم شامَةٌ بيضاءُ يُعْرَفون بها، حتى إذا صلَحَت ألوانهم أُتى بهم الرحمنُ، فقال: تَمنَّوا ما شئتُم. فيتَمَنَّون، حتى إذا انْقَطَعَت أمنيتُهم، قال لهم: لكم الذي تمنيتُم ومثله [سبعون ضعفًا] (٣). فيدْخُلون الجنةَ، وفى نحورِهم شامةٌ بيضاءٌ يُعْرَفون بها، يُسَمَّوْن مساكينَ أهل (٤) الجنة (٥).

стр. 6924

حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حبيبٍ، عن مجاهدٍ، عن عبد الله بن الحارث، قال: أصحاب الأعرافِ يُؤْمَرُ بهم إلى نهرٍ يقالُ له: الحياةُ. ترابُه (١) الوَرْسُ والزَّعْفَرانُ، وحافتاه قَصَبُ (٢) الذهب (٣). قال: وأَحْسَبه قال: مُكَلَّلٌ باللؤلؤ. قال: فيَغْتَسِلون فيه، فتَبْدُو في نحورهم شامَةٌ بيضاءُ، فيقالُ لهم: تمَنَّوْا. فيتمنَّون (٤) فيقال لهم: لكم ما تمنيتُم وسبعون ضعفًا. [وإنهم] (٥) مساكين أهل الجنة. قال حَبيبٌ: وحدَّثنى رجلٌ. أنهم اسْتَوَت حسناتهم وسيئاتهم (٦). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن عبد الله بن الحارث، قال: أصحاب الأعرافِ يُنْتَهَى بهم إلى نهر يقالُ له: الحياة. حافتاه قَصَبٌ (٢) مِن ذهبٍ. قال سفيانُ: أراه قال: مُكَلَّلٌ باللؤلؤ. قال: فيَغْتَسِلون منه اغتسالةً، فتبدو في نحورهم شامةٌ بيضاءُ، ثم يعودون فيَغْتَسِلون فيَزدادُون، فكلما اغْتَسَلُوا ازْدادَت بَياضًا، فيُقالُ لهم: تَمَنَّوْا ما شئتُم. فيَتَمَنَّون ما شاءوا، فيُقالُ لهم: لكم ما تمنيتُم (٧) وسبعون ضعفًا. قال: فهم مساكينُ أهل الجنة (٨). حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيينَةَ، عن حصينٍ، عن الشعبي، عن حذيفة، قال: أصحاب الأعراف قومٌ اسْتَوَت

стр. 6925

حسناتهم وسيئاتهم، فهم على سورٍ بين الجنة والنار، ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. حدثنا بشرُ بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: كان ابن عباس يقولُ: الأعرافُ بين الجنة والنار، حُبِس عليه أقوام بأعمالهم. وكان يقول: قومُ اسْتَوَت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تَزِدْ حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال ابن عباس: أهلُ الأعراف قومٌ اسْتَوَت حسناتهم وسيئاتهم (١). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد، عن جويبرٍ، عن الضحاك، قال: أصحاب الأعراف قومٌ استوت حسناتهم وسيئاتهم. [حدثنا ابن وكيع، قال] (٢): ثنا يحيى بن يمانٍ، عن شريك، عن منصورٍ، عن سعيد بن جبير، قال: أصحابُ الأعراف استَوَت أعمالهم. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف قومٌ استوت حسناتهم وسيئاتهم، فوُقِفوا هنالك على السور. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت، عن شفيع (٤) أو سُميع - [أبو جعفر يشكُّ، قال: وهو في كتابي] (٣): شفيع (٤) - عن أبي

стр. 6926

علقمة [مولًى لعثمان] (١)، قال: أصحاب الأعراف قوم اسْتَوَت حسناتهم وسيئاتهم. وقال آخرون: [أصحاب الأعراف قومٌ] (١) كانوا قُتِلوا في سبيل اللهِ عُصاةً لآبائهم في الدنيا. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن أبي معشر (٢)، عن شُرَحْبيل بن سعدٍ، قال: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذنِ آبائهم. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني خالدٌ، عن سعيدٍ، عن يحيى بن شِبْلٍ، أن رجلًا من بني النَّضير أخبره عن رجلٍ مِن بنى هلالٍ، أن أباه أخبره أنه سأل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف، فقال: "هم قومٌ (٣) غَزَوْا في سبيلِ اللَّهِ عُصاةً لآبائهم، فقُتلوا، فأَعْتَقَهم اللهُ مِن النارِ بقتلهم في سبيله، وحُبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم، فهم آخِرُ مَن يَدْخُلُ الجنةَ" (٤). حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يزيد بن هارونَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن يحيى بن شبل مولًى لبنى هاشم، عن محمدِ بن عبدِ الرحمن، عن أبيه، قال: سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف، فقال: "قوم قُتِلوا في سبيلِ اللَّهِ بمعصية آبائهم، فمنعهم قتلهم في سبيل الله عن النار، ومنعتهم معصية آبائهم أن يَدْخُلوا الجنة" (٥).

стр. 6927

وقال آخرون: بل هم قومٌ صالحون فقهاء علماء. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهد، قال: أصحاب الأعراف قومٌ صالحون، فقهاء، عُلماءُ (١). وقال آخرون: بل هم ملائكة، وليسوا ببنى آدم. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن [سليمان التيميِّ] (٢)، عن أبي مجلز في قوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: هم رجالٌ مِن الملائكة يَعْرِفون أهل الجنة وأهل النار. قال: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: فنادى أصحاب الأعراف رجالًا في النار يعرفونهم بسيماهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٨، ٤٩]. قال: فهذا حين دخل أهل الجنة الجنةَ ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا

стр. 6928

خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (١) [الأعراف: ٤٩]. حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سَمِعْتُ عِمرانَ، قال: قلتُ لأبي مجلز: يقولُ اللَّهُ: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ وتَزْعُمُ أنت أنهم ملائكة؟ قال: فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن أبي مِجْلَرٍ: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾. قال: رجال من الملائكة يَعْرِفون الفريقين جميعًا بسيماهم؛ أهل النار وأهل الجنة، وهذا قبل أن يَدْخُلَ أهل الجنة الجنة (٢). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمد بن أبي عَدِيٍّ، عن التيمي، عن أبي مجلز بنحوه. [حدثنا ابن وكيع] (٣) قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيان، عن التيمي، عن أبي مجلز، قال: أصحاب الأعراف الملائكةُ. حدثني المثنى، قال: ثنا مُعَلَّى (٤) بن أسدٍ، قال: ثنا خالد، قال: أخبرنا التيمي، عن أبي مجلزٍ، [قال: أصحاب الأعراف] (٥) الملائكة. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن عمران بن حُديْرٍ (٦)، عن أبي مجلزٍ:

стр. 6929

﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾. قال: هم الملائكةُ. قلتُ: يا أبا مجلز، يقولُ الله ﵎: ﴿رِجَالٌ﴾ وتقول أنت: ملائكة؟ قال: إنهم ذكران ليسوا بإناث (١). حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عِمْرانَ بن حُديرٍ، عن أبي مجلزٍ في قوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: الملائكةُ. قال: قلتُ: يقولُ الله: ﴿رِجَالٌ﴾. قال: الملائكة (٢). والصواب من القولِ في أصحاب الأعراف أن يُقال كما قال الله جل ثناؤُه فيهم: هم رجالٌ يَعْرِفون كُلًّا مِن أهل الجنة وأهل النار بسيماهم. ولا خبر عن رسول الله ﷺ يَصِحُّ سندُه، ولا آية (٣) متفقٌ على تأويلها، ولا إجماع من الأمة على أنهم ملائكةٌ. فإذ كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يُدْرَكُ قياسًا، وكان المتعارَفُ بينَ أهل لسان العرب أن الرجالَ اسمٌ يَجْمَعُ (٤) ذكور بنى آدمَ دونَ إناثهم، ودون سائر الخلقِ غيرهم. كان بيِّنًا، أن ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة، قولٌ لا معنى له، وأن الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائرُ أهل التأويل غيره، هذا مع من قال بخلافه من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومع ما رُوى عن رسول الله ﷺ في ذلك من الأخبار، وإن كان في أسانيدها ما فيها. وقد حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى جَرِيرٌ، عن عُمارةَ بن القَعْقاعِ، عن أبي زُرْعةَ بن (٥) عمرِو بن جَريرٍ، قال: سُئل رسولُ اللهِ ﷺ عن أصحاب الأعراف، فقال: "هم آخِرُ مَن يُفْصَلُ بينَهم مِن العبادِ، وإذا فرغ ربُّ

стр. 6930

العالمين من فصلٍ (١) بين العبادِ، قال: أنتم قومٌ أخْرَجَتْكُم حَسَناتُكُم مِن النارِ، ولم تُدْخِلْكم الجنةَ، فأنتم عُتَقائى، فارْعَوْا مِن الجنةِ حيث شئتُم" (٢). القول في تأويل قوله جل وعزَّ: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون أهل الجنة بسيماهم، وذلك بياضُ وجوههم، ونضرة النعيم عليها، ويعرفون أهل النار كذلك بسيماهم، وذلك سَوادُ وجوههم، وزُرْقةُ أعينهم، فإذا رأَوْا أهل الجنة نادَوْا أن سلامٌ عليكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ [يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال] (٣): يَعْرِفون أهل النارِ بسَوادِ الوجوه، وأهل الجنة ببياض الوجوه (٤). حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: أَنْزَلَهم اللَّهُ بتلك المنزلة ليعرفوا [من في] (٥) الجنة والنار، وليَعْرفوا أهل النار بسوادِ الوجوه، ويَتَعَوَّذوا باللَّهِ أَن يَجْعَلَهم مع القوم الظالمين، وهم في ذلك يُحَيُّون أهل الجنة بالسلام، لم

стр. 6931

يَدْخُلوها وهم يَطْمَعون أن يَدْخُلوها، وهم داخلوها إن شاء الله (١). حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: بسَوادِ الوجوه وزُرْقةِ العيون (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: الكفار بسواد الوجوه وزرقة العيون، وسيما أهل الجنةِ مُبْيَضَّةٌ وجوههم. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن جويبرٍ، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف إذا رأَوْا أصحاب الجنةِ عرفوهم ببياض الوجوه، وإذا رأَوْا أصحابَ النارِ عرفوهم بسوادِ الوجوه. حدثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصرٍ، قال: أَخْبَرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن أصحاب الأعراف رجالٌ كانت لهم ذنوبٌ عظامٌ، وكان حَسْمُ (٣) أمرهم للهِ، فأُقيموا ذلك المقامَ، إِذا نظَروا إلى أهل النارِ عرفوهم بسواد الوجوه، فقالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض الوجوه، فذلك قوله: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (٤). حُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ

стр. 6932

سليمان، قال: سمِعْتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: زعموا أن أصحاب الأعراف رجالٌ مِن أهل الذنوب أصابوا ذُنوبًا، وكان حَسْمُ (١) أمرِهم لله، فجعلهم الله على الأعراف، فإذا نظَروا إلى أهل النار عرفوهم بسوادِ الوجوه، فتعَوَّذُوا بالله من النار. وإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوهم: ﴿أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. [قال الله] (٢): ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: وهذا قول ابن عباس. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: يَعْرِفون الناس بسيماهم، يَعْرِفون أهل النارِ بسَوادِ وجوههم، وأهل الجنة ببياض وجوههم (٣). حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: يَعْرِفون أهل النار بسواد وجوههم، وأهل الجنة ببياض وجوههم. حدثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: أهل الجنة بسيماهم، بيض الوجوه، وأهل النار بسيماهم، سود الوجوه. وقوله: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: أصحاب الجنة وأصحاب النار. قال: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾. قال: حينَ رأَوْا وُجوهَهم قد ابْيَضَّت. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا

стр. 6933

بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: بسوادِ الوجوه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن مباركٍ، عن الحسن: ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: بسوادِ الوجوه ورزقة العيون. و "السِّيماءُ": العلامة الدالة على الشيء في كلام العرب، وأصله من السِّمَةِ، نُقِلَت واؤها التي هي فاء الفعل إلى موضع العين، كما يقالُ: اضْمَحَلَّ وامْضَحَلَّ، وذُكر سماعًا عن بعض بني عُقيل: هي أرض خامة. يعنى: وخيمةٌ (١)، ومنه قولهم: له جاهٌ عند الناس. بمعنى: وجهٌ. نُقلت واؤه إلى موضع عين الفعل. وفيها لغات ثلاث؛ سيما مقصورةٌ، وسيما ممدودة، وسِيمِيَاءُ بزيادة ياء أخرى بعد الميم فيها، ومدها على مثالِ الكِبرياء، كما قال الشاعرُ (٢): غلامٌ رماه الله بالحسن يافعًا (٣) … له سِيمِيَاءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرْ وأما قوله: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. [فإنَّه يقولُ: ونادى أصحاب الأعراف: يا أهل الجنة أن سلام عليكم] (٤). أي: حلَّت عليكم أمَنةُ اللَّهِ مِن عقابه وأليم عذابه. واختلف أهل التأويل في المعنى بقوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: هذا خبرٌ مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عن أهلِ الأعراف أنهم قالوا لأهل الجنة ما قالوا قبل دخول أصحاب الأعراف الجنة (٥)، غير أنهم قالوه وهم يَطْمَعون في دخولها.

стр. 6934

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدى، قال: أهلُ الأعرافِ يَعْرِفون الناسَ، فإذا مرُّوا عليهم بزُمْرَةٍ يُذْهَبُ بها إلى الجنة، قالوا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ الله لأهل الأعراف: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ أَن يَدْخُلُوها (١). حدثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، قال: تلا الحسنُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامةٍ يُرِيدُها بهم (٢). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: قد أَنْبَأكم الله بمكانهم من الطمعِ. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكر الهُذَلي، قال: قال سعيد بن جبيرٍ، وهو يُحَدِّثُ ذلك عن ابن مسعودٍ، قال: أما أصحاب الأعراف، فإن النور كان في أيديهم، [فلم يُنْزَعُ] (٣) مِن أيديهم، فهنالك يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. [فكان الطمع دخولًا (٤). حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾] (٥). قال: في دخولها.

стр. 6935

قال ابن عباس: فأدخلَ الله أصحاب الأعراف الجنةَ. حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة وعطاءٍ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قالا: في دخولها. وقال آخرون: إنما عنى بذلك أهل الجنة، وأن أصحاب الأعراف يقولون لهم قبل أن يَدْخُلوا الجنةَ: سلامٌ عليكم. وأهل الجنة يَطْمَعون أَن يَدْخُلوها، ولم يَدْخُلوها بعد. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميدٍ [وابنُ وَكيع، قالا] (١): ثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلزٍ: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: الملائكة يعرفون الفريقين جميعًا بسيماهم، وهذا قبل أن يَدْخُلَ أهل الجنة الجنةَ، أصحاب الأعرافِ يُنادون أصحاب الجنة أن سلامٌ عليكم، لم يَدْخُلوها وهم يَطْمَعون في دخولها. القول في تأويل قوله جلَّ وعزّ: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يعنى تعالى ذكره: وإذا صُرِفَت أبصارُ أصحاب الأعراف ﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ يعني: حيالهم ووجاههم، فنظروا إلى تشويه الله بهم (٢) ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم، فأكسبوها مِن سَخَطِكَ ما أَوْرَثهم مِن
следующие страницы →