← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

يَدْخُلوها وهم يَطْمَعون أن يَدْخُلوها، وهم داخلوها إن شاء الله (١). حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: بسَوادِ الوجوه وزُرْقةِ العيون (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: الكفار بسواد الوجوه وزرقة العيون، وسيما أهل الجنةِ مُبْيَضَّةٌ وجوههم. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن جويبرٍ، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف إذا رأَوْا أصحاب الجنةِ عرفوهم ببياض الوجوه، وإذا رأَوْا أصحابَ النارِ عرفوهم بسوادِ الوجوه. حدثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصرٍ، قال: أَخْبَرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن أصحاب الأعراف رجالٌ كانت لهم ذنوبٌ عظامٌ، وكان حَسْمُ (٣) أمرهم للهِ، فأُقيموا ذلك المقامَ، إِذا نظَروا إلى أهل النارِ عرفوهم بسواد الوجوه، فقالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض الوجوه، فذلك قوله: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (٤). حُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ

стр. 6932

سليمان، قال: سمِعْتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: زعموا أن أصحاب الأعراف رجالٌ مِن أهل الذنوب أصابوا ذُنوبًا، وكان حَسْمُ (١) أمرِهم لله، فجعلهم الله على الأعراف، فإذا نظَروا إلى أهل النار عرفوهم بسوادِ الوجوه، فتعَوَّذُوا بالله من النار. وإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوهم: ﴿أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. [قال الله] (٢): ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: وهذا قول ابن عباس. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: يَعْرِفون الناس بسيماهم، يَعْرِفون أهل النارِ بسَوادِ وجوههم، وأهل الجنة ببياض وجوههم (٣). حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: يَعْرِفون أهل النار بسواد وجوههم، وأهل الجنة ببياض وجوههم. حدثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: أهل الجنة بسيماهم، بيض الوجوه، وأهل النار بسيماهم، سود الوجوه. وقوله: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: أصحاب الجنة وأصحاب النار. قال: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾. قال: حينَ رأَوْا وُجوهَهم قد ابْيَضَّت. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا

стр. 6933

بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: بسوادِ الوجوه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن مباركٍ، عن الحسن: ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: بسوادِ الوجوه ورزقة العيون. و "السِّيماءُ": العلامة الدالة على الشيء في كلام العرب، وأصله من السِّمَةِ، نُقِلَت واؤها التي هي فاء الفعل إلى موضع العين، كما يقالُ: اضْمَحَلَّ وامْضَحَلَّ، وذُكر سماعًا عن بعض بني عُقيل: هي أرض خامة. يعنى: وخيمةٌ (١)، ومنه قولهم: له جاهٌ عند الناس. بمعنى: وجهٌ. نُقلت واؤه إلى موضع عين الفعل. وفيها لغات ثلاث؛ سيما مقصورةٌ، وسيما ممدودة، وسِيمِيَاءُ بزيادة ياء أخرى بعد الميم فيها، ومدها على مثالِ الكِبرياء، كما قال الشاعرُ (٢): غلامٌ رماه الله بالحسن يافعًا (٣) … له سِيمِيَاءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرْ وأما قوله: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. [فإنَّه يقولُ: ونادى أصحاب الأعراف: يا أهل الجنة أن سلام عليكم] (٤). أي: حلَّت عليكم أمَنةُ اللَّهِ مِن عقابه وأليم عذابه. واختلف أهل التأويل في المعنى بقوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: هذا خبرٌ مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عن أهلِ الأعراف أنهم قالوا لأهل الجنة ما قالوا قبل دخول أصحاب الأعراف الجنة (٥)، غير أنهم قالوه وهم يَطْمَعون في دخولها.

стр. 6934

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدى، قال: أهلُ الأعرافِ يَعْرِفون الناسَ، فإذا مرُّوا عليهم بزُمْرَةٍ يُذْهَبُ بها إلى الجنة، قالوا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ الله لأهل الأعراف: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ أَن يَدْخُلُوها (١). حدثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، قال: تلا الحسنُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامةٍ يُرِيدُها بهم (٢). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: قد أَنْبَأكم الله بمكانهم من الطمعِ. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكر الهُذَلي، قال: قال سعيد بن جبيرٍ، وهو يُحَدِّثُ ذلك عن ابن مسعودٍ، قال: أما أصحاب الأعراف، فإن النور كان في أيديهم، [فلم يُنْزَعُ] (٣) مِن أيديهم، فهنالك يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. [فكان الطمع دخولًا (٤). حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾] (٥). قال: في دخولها.

стр. 6935

قال ابن عباس: فأدخلَ الله أصحاب الأعراف الجنةَ. حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة وعطاءٍ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قالا: في دخولها. وقال آخرون: إنما عنى بذلك أهل الجنة، وأن أصحاب الأعراف يقولون لهم قبل أن يَدْخُلوا الجنةَ: سلامٌ عليكم. وأهل الجنة يَطْمَعون أَن يَدْخُلوها، ولم يَدْخُلوها بعد. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميدٍ [وابنُ وَكيع، قالا] (١): ثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلزٍ: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: الملائكة يعرفون الفريقين جميعًا بسيماهم، وهذا قبل أن يَدْخُلَ أهل الجنة الجنةَ، أصحاب الأعرافِ يُنادون أصحاب الجنة أن سلامٌ عليكم، لم يَدْخُلوها وهم يَطْمَعون في دخولها. القول في تأويل قوله جلَّ وعزّ: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يعنى تعالى ذكره: وإذا صُرِفَت أبصارُ أصحاب الأعراف ﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ يعني: حيالهم ووجاههم، فنظروا إلى تشويه الله بهم (٢) ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم، فأكسبوها مِن سَخَطِكَ ما أَوْرَثهم مِن

стр. 6936

عقابك (١) ما هم فيه. كما حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدي، قال: وإذا مرُّوا بهم - يعنى بأصحاب الأعراف - بزُمْرةٍ يُذْهَبُ بها إلى النار قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جُويبرٍ، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار، [عرفوهم، فقالوا] (٣): ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي مكين، عن أخيه، عن عكرمة: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. قال: تُجرَّدُ (٥) وجوههم للنار، فإذا رأَوْا أهل الجنة، ذهَب ذلك عنهم (٦). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾: فرأَوْا وجوههم مُسْوَدَّةً، وأعينهم مُزرَقَّةً، قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٧). القول في تأويل قوله جل وعزّ ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾.

стр. 6937

يقول جل ثناؤه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾. من أهل النار (١) ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾: سيما أهل النار. فقالوا: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾: ما كنتم تجمعون من الأموالِ والعَدَدِ في الدنيا. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. يقول: وتكبُّرُكم الذي كنتمُ تَتَكَبَّرون فيها. كما حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: فمرَّ بهم - يعنى بأصحاب الأعراف - ناسٌ مِن الجبارين، عرفوهم بسيماهم. قال: يقولُ: قال أصحاب الأعراف: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢). حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: [ونادوا - يعنى] (٣) أصحاب الأعراف - ﴿رجالا﴾ في النارِ ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾: تكثُّرُكم (٤) ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. حدثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. قال: هذا حين دخل أهل الجنة الجنةَ ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ الآية. قلتُ لأبي مجلز: عن ابن عباس؟ قال:

стр. 6938

لا، بل عن غيره (١). حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلزٍ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: نادت الملائكة رجالًا في النار، يعرفونهم بسيماهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾. قال: فهذا حين دخل أهل الجنة ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (٢). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: رجال عظماء من أهل الدنيا. قال: فبهذه الصفة عرف أهل الأعراف أهل الجنة مِن أهل النار، وإنما ذكر هذا حينَ يُذْهَبُ برئيس أهل الخير ورئيس أهل الشرِّ يوم القيامة. قال: وقال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. قال: عن (٣) أهل طاعة الله (٤). القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾. اخْتَلَف أهل التأويل في المعنيين بهذا الكلام؛ فقال بعضهم: هذا قِيلُ الله جلّ ثناؤه لأهل النارِ؛ توبيحًا لهم على ما كان من قيلهم في الدنيا لأهل الأعراف، عند إدخاله أصحاب الأعراف الجنة.

стр. 6939

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف رجالٌ كانت لهم ذنوب عظام، وكان حسم (١) أمرهم لله، يقومون على الأعراف، فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يَدْخُلوها، وإذا نظروا إلى أهل النار تعوَّذوا بالله منها، فأُدْخِلوا الجنة، فذلك قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾. يعنى أصحاب الأعراف، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أَخْبَرَنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، [عن ابن عباس] (٣)، قال: قال ابن عباس: إن الله أَدْخَل أصحاب الأعراف الجنةَ. قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (٤). حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: [﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. قال: فلما قالُوا لهم الذي قضى الله أن يقولوا - يعنى أصحاب الأعراف - لأهل الجنة وأهل النار] (٣)، قال الله لأهلِ التكَبُّرِ والأموال: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾، يعنى أصحاب الأعراف، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ

стр. 6940

تَحْزَنُونَ﴾ (١). حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ الضعفاء ﴿الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. قال: فقال حذيفة: إن أصحاب الأعرافِ قومٌ تَكافَأت أعمالهم، فقصَّرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصرت بهم سيئاتهم عن النار، فجُعِلوا على الأعرافِ، يَعْرِفون (٢) الناس بسيماهم، فلمَّا قُضِى بين العبادِ، أُذن لهم في طلب الشفاعةِ، فأتَوْا آدم ﵇، فقالوا: يا آدم، أنت أبونا، فاشْفَعْ لنا عند ربك، فقال: هل تَعْلَمون أحدًا خلقه الله بيدِه، ونفخ فيه مِن رُوحِه، وسبقت رحمته (٣) إليه غضبَه، وسجَدَت له الملائكة غيرى؟ فيقولون: لا. قال: فيقولُ: ما عمِلْتُ (٤) كُنْهَ ما أَسْتَطِيعُ أن أَشْفَعَ لكم، ولكن ائتوا ابنى إبراهيم. قال: فيأتون إبراهيم ﵇، فيَسْأَلونه أن يَشْفَعَ لهم عند ربِّه، فيقولُ: هَل تعْلَمون مِن أحدٍ اتَّخَذه الله خليلًا؟ هل تَعْلَمون أحدًا أَحْرَقه قومه في النارِ في اللَّهِ غيرى؟ [فيقولون: لا] (٥). فيقولُ: ما عملت (٦) كُنْهَ ما أَسْتَطِيعُ أَن أَشْفَعَ لكم، ولكن ائتوا ابنى موسى. فيأتون موسى ﵇، فيقولُ: هل تَعْلَمون من أحدٍ كلَّمه الله تكليمًا، وقرَّبه نجيًّا غيرى؟ فيقولون: لا. فيقول: ما عَمِلْتُ (٦) كُنة (٧) ما أَسْتَطِيعُ أن أَشْفَعَ لكم، ولكن ائتوا عيسى. فيأتونه فيقولون: اشْفَعْ لنا عند ربك. فيقولُ: هل

стр. 6941

تَعْلَمون أحدًا خلَقَهُ اللَّهُ مِن غيرِ أبٍ غيرى؟ فيقولون: لا. فيقولُ: هل تعلمون من أحدٍ كان يُبْرِئُ الأكْمَة والأبرص ويُحْيِي الموتى بإذنِ اللهِ غيرى؟ قال: فيقولون: لا. فيقولُ: أنا حَجيج نفسى، ما عملتُ (١) كُنْهَ (٢) ما أَسْتَطِيعُ أَن أَشْفَعَ لكم، ولكن ائتوا محمدًا (٣). قال رسولُ اللهِ ﷺ : فيَأْتونى، فأَضْرِبُ بيدى على صدرى، ثم أَقولُ: أنا لها. ثم أَمْشِى حتى أَقِفَ بين يدي العرشِ، فأُثْنِي على ربي، فيُفْتَحُ لى مِن الثناءِ ما لم يَسْمَعِ السامعون بمثله قط، ثم أَسْجُدُ فيُقالُ لى: يا محمد، ارْفَعْ رأسك، سلْ تُعْطَه، واشْفَعْ تُشَفَّعْ. فأرفع رأسى (٤) فأقولُ: رب أمَّتى. فيقال: هم لك. فلا يَبْقَى نبيٌّ مرسَلٌ ولا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ إلا غبطنى يومئذٍ بذلك المقام، وهو المقام المحمود. قال: فآتى بهم باب الجنةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فيُفْتَحُ لى ولهم، فيُذْهَبُ بهم إلى نهرٍ يقال له: نهرُ الحيوان (٥). حافتاه قَصَبٌ (٦) من ذهبٍ، مُكَلَّلٌ باللؤلؤ، ترابه المسْك، وحَصْباؤُه الياقوتُ، فيَغْتَسِلون منه، فتَعودُ إليهم ألوان أهل الجنة وريحُ (٧) [أهل الجنة] (٨)، ويصيرون كأنهم الكواكبُ الدُّرِّيةُ، ويَبْقَى في صدورهم شاماتٌ بيضٌ يُعرفون بها، يقال لهم: مساكينُ أهل الجنة" (٩).

стр. 6942

حدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعْتُ الضحاك، قال: إن اللَّهَ أَدْخَل (١) بعد أصحابَ الأعراف (٢) الجنةَ، وهو قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. يعني أصحاب الأعراف، وهذا قول ابن عباسٍ. فتأويل الكلام على هذا التأويل الذي ذكرنا عن ابن عباس ومن ذكرنا قولَه فيه: قال الله لأهل التكبُّرِ عن الإقرار بوَحْدانيته، والإذعان لطاعته وطاعة رسله، الجامعين في الدنيا الأموال، مكاثرة ورياءً: أيها الجبابرة (٣) كانوا في الدنيا، أهؤلاء الضعفاء الذين كنتم في الدنيا أَقْسَمْتُم لا يَنالُهم الله برحمةٍ؟ فإني (٤) قد غفَرْتُ لهم ورحمتهم بفضلى ورحمتى، ادْخُلُوا يا أصحاب الأعراف الجنةَ، لا خوفٌ عليكم بعدها من عقوبةٍ تُعاقبون بها على ما سلف منكم في الدنيا من الآثام والإجرام، ولا أنتم تحزنون على شيءٍ فاتكم في دنياكم. وقال أبو مجلز: بل هذا القولُ خبرٌ من اللهِ عن قيل الملائكةِ لأهل النارِ بعد ما دخلوا النار، تغييرًا منهم لهم على ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين أدْخَلَهم الله يومَ القيامة جنته. وأما قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فخبرٌ من الله عن أمره أهل الجنة بدخولها. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، قال:

стр. 6943

نادَت الملائكة رجالًا في النارِ يَعْرِفونهم بسيماهم ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾. قال: فهذا حين دخل أهل الجنة الجنةَ ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾. وهذا خبرٌ مِن الله تعالى ذكره عن استغاثة أهل النار بأهل الجنة عند نزول عظيم البلاء بهم، من شدة العطش والجوع؛ عقوبةً من الله لهم على ما سلف منهم في الدنيا، من ترك طاعة الله في أداء ما كان فرض عليهم فيها في أموالهم من حقوق المساكين، من الزكاة والصدقة. يقول تعالى ذكره: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ بعد ما دخلوها ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ بعد ما سكنوها ﴿أَنْ﴾ يا أهل الجنةِ ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [أي: أَوْسِعُونَا مِنَ الماءِ] (١). ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. أَيْ: أَطْعِمونا مما رزقكم الله من الطعام. كما حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قال: من الطعام (٢). حدثني يونس، قال: أَخْبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قال: يَسْتَطْعِمونهم ويَسْتَسْقُونهم (٣).

стр. 6944

فأجابهم أهل الجنة: إن الله ﵎ حرَّم الماء والطعام على الذين جحدوا توحيده، وكذبوا في الدنيا رسله. والهاء والميم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا﴾. عائدتان على "الماء"، وعلى "ما" التي في قوله: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. وبنحو ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن عثمان الثقفي، عن سعيدِ بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قال: يُنادِى الرجلُ أخاه أو أباه، فيقولُ: قد احْتَرَقْتُ، أَفِضُ عليَّ من الماء. فيقال لهم: أجيبوهم. فيقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١). وحدَّثني المثنى، قال: ثنا ابن دُكَيْنٍ، قال: ثنا سفيان، عن عثمان، عن سعيد بن جبير: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قال: يُنادِى الرجلُ أخاه: يا أخى قد احْتَرَقْتُ فأَغِثنى. فيقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٢). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّ

стр. 6945

اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قال: طعام (١) الجنة وشرابها (٢). القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾. وهذا خبرٌ مِن الله جلَّ ثناؤه عن قِيل أهل الجنة للكافرين، يقول تعالى ذكره: فأجاب أهل الجنةِ أهلَ النارِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الذين كفروا بالله ورسله، ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الذي أمرهم الله به، ﴿لَهْوًا وَلَعِبًا﴾. يقولُ: سُخريةً ولعِبًا. وروى عن ابن عباس في ذلك ما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس (٣): ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [قال: لعبًا] (٤). وذلك أنهم كانوا إذا دُعُوا إلى الإيمانِ سخروا ممن دعاهم إليه، وهزئوا به؛ اغترارا بالله. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: وخدعهم عاجل ما هم فيه من العيش والخفض والدَّعَةِ، عن الأخذ بنصيبهم من الآخرة، حتى أتتهم المنية، يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾. أي: ففى هذا اليوم، وذلك يوم القيامةِ، ﴿نَنْسَاهُمْ﴾. يقولُ: نَتْرُكُهم في العذابِ

стр. 6946

المُهين (١) جياعًا عِطاشًا بغير طعام ولا شراب، كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، ورفضوا الاستعداد بإتعاب أبدانهم في طاعةِ اللهِ. وقد بينا معنى قوله: ﴿نَنْسَاهُمْ﴾. بشواهده فيما مضى، بما أغْنَى عن إعادته (٢). وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن جابرٍ، عن مجاهد: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾. قال: نَسُوا في العذابِ (٣). حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾. قال: نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا (٤). حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿نَنْسَاهُمْ﴾. قال: نَتْرُكُهم في النارِ. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾. قال: نَتْرُكهم (٥) كما تركوا لقاء (٦) يومهم هذا (٧).

стр. 6947

[حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد، قال: حدَّثنا أسْبَاطُ، عن السدى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾] (١) حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ الآية. يقولُ: نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشرِّ (٢). حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعتُ مجاهدًا في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾. قال: نُؤَخِّرُهم في النارِ (٣). وأما قوله: ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. فإن معناه: فاليوم ننساهم هذا كما نسُوا لقاء يومهم، وكما كانوا بآياتِنا يَجْحَدون. فـ "ما" التي في قوله: ﴿وَمَا كَانُوا﴾. معطوفة على "ما" التي في (٤) قوله: ﴿كَمَا نَسُوا﴾. وتأويل الكلام: فاليومَ نَتْرُكُهم في العذاب كما تركوا العمل في الدنيا للقاء الله يومَ القيامة، وكما كانوا بآياتِ اللهِ (٥)، وهى حججُه التي احْتَجَّ بها عليهم؛ من الأنبياء والرسل والكتب وغير ذلك، ﴿يَجْحَدُونَ﴾: يُكَذِّبون، ولا يُصَدِّقون بشيءٍ من ذلك.

стр. 6948

القول في تأويل قوله جل وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾. يقول تعالى ذكره: أُقسم يا محمد لقد جئنا هؤلاء الكفرة ﴿بِكِتَابٍ﴾، يعني القرآن الذي أنزله إليه، يقول: لقد أنزلنا إليهم هذا القرآنَ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا فيه الحق من الباطل، [﴿عَلَى عِلْمٍ﴾. يقولُ: على علم منا بحقِّ ما فُصِّل فيه من الباطل] (١) الذي ميَّز فيه بينه وبين الحق، و ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾. يقولُ: بيَّناه لنَهْدِى به ونَرْحَمَ به قومًا يُصَدِّقون به وبما فيه من أمر الله ونهيه، وأخباره، ووعده ووعيده، فيُنْقِذَهم. الضلالة إلى الهدى. وهذه الآية مردودة على قوله: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [الأعراف: ٢]. ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾. و "الهدى" في هذا هذا الموضعِ نُصِبَ على القطع من الهاء التي في قوله: ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾. ولو نُصِب على فعلِ ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ فيكون المعنى: فصَّلْنا الكتاب كذلك. كان صحيحًا. ولو كان قُرِئ (هُدى ورحمة) كان في الإعراب فصيحًا، وكان خفضُ ذلك بالردِّ على "الكتاب". القول في تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾: يقول تعالى ذكره: هل يَنْتَظِرُ هؤلاء المشركون الذين يُكَذِّبون بآياتِ اللَّهِ، ويَجْحَدون لقاءه ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. يقولُ: إلا ما يَقُولُ إليه أمرهم، مِن وُرودِهم على

стр. 6949

عذاب الله، وصليِّهم نار (١) جحيمه، وأشباه ذلك (٢) مما أَوْعَدهم الله به. وقد بيَّنا معنى التأويل فيما مضى بشواهده، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضع (٣). وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. أي: ثوابه، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. أي: ثوابه (٤). حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. قال: تأويله عاقبته (٥). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. قال: جزاءه، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. قال: جزاؤه (٦). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.

стр. 6950

[حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿تَأْوِيلُهُ﴾. قال: جَزَاؤُه] (١). حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾: أما تأويله، عَواقِبُه، مثلُ وقعة بدرٍ، والقيامة، وما وَعَدَ فيه من موعد (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾: فلا يزالُ يقعُ مِن (٣) تأويله أمرٌ بعد أمرٍ، حتى يتم تأويله يوم القيامة، ففى ذلك أَنزَلَ اللَّهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. حيثُ أَتَابَ اللَّهُ جلَّ ثناؤه أولياءه وأعداءه ثوابَ أعمالهم، ﴿يَقُولُ﴾ يومئذٍ ﴿الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ من الآية (٤). حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾: فهو (٥) يومُ القيامة (٦). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي

стр. 6951

تَأْوِيلُهُ﴾. قال: [يوم تأتى حقيقته] (١). وقرأ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]. قال: هذا تحقيقها. وقرأ قولَ اللَّهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾: قال: ما يعلم حقيقته، ومتى يأتى، إلا الله (٢). وأما قولُه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ فإن معناه: يوم يجئ ما يَقُولُ إليه أمرهم من عقاب الله ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: يقولُ الذين ضَيَّعوا، وتَرَكوا ما أُمروا به من العمل المُنَجِّيهم مما آل إليه أمرُهم يومَئِذٍ مِن العذاب، من قبل ذلك في الدنيا: لـ ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾، أقسم المساكين حين عاينوا البلاء، وحَلَّ بهم العقاب، إن رُسُلَ اللَّهِ التي أتتهم بالنِّذَارِةِ، وبَلَّغَتْهم عن الله الرسالة، قد كانت نَصَحَت لهم، وصَدَقَتْهم عن الله، وذلك حين لا ينفَعُهم التصديقُ، ولا يُنَجِّيهم مِن سَخَطِ اللهِ وأليم عقابه، كثرةُ القالِ والقيل. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد (٣) بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾: أما ﴿الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ فتركوه، فلما رأوا ما وَعَدَهم أنبياؤُهم اسْتَيْقَنوا فقالوا: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ (٤). حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 6952

نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾: أَعْرَضُوا عنه (١). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾. وهذا خبرٌ من الله جلَّ ثناؤه عن هؤلاء المشركين الذين وَصَفَ صِفَتَهم أنهم يقولون عند حلولِ سَخَطِ الله بهم، ووُرُودِهم أليم عذابه، ومُعاينَتِهم تأويل ما كانت رسلُ اللهِ تَعِدُهم: هل لنا من أصدقاء وأولياء اليوم، فيَشْفَعوا لنا عند ربنا، فتُنَجِّينا شفاعتهم عنده مما قد حَلَّ بنا من [غضب اللَّهِ وسَخطه، وتُرَضِّيَه عنا، أو إن لم تُرَضِّه عنا، لما قد سلَف منا من] (٢) سوء فعالنا في الدنيا، فهل (٣) نُرَدُّ إلى الدنيا مرةً أخرى، فنَعْملَ فيها بما يُرْضِيه ويُعْتِبُه مِن أنفسنا؟ قال هذا القول المساكين هنالك؛ لأنَّهم كانوا عَهِدوا في الدنيا أنفسهم لها شفعاءُ تشفع لهم في حاجاتهم، فتَذَكَّروا (٤) ذلك في وقت لا خُلَّةَ فيه لهم ولا شفاعة. يقولُ الله جلّ ثناؤه: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ: غَبَنَوا أنفسهم حُظُوظها، ببيعهم ما لا خطر له من نعيم الآخرةِ الدائم، بالخسيس مِن عَرَضِ الدنيا الزائلِ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يقولُ: وأَسْلَمَهم لعذابِ اللَّهِ

стр. 6953

وجارَ (١) عنهم أولياؤهم الذين كانوا يَعْبُدونهم مِن دونِ اللَّهِ، ويَزْعُمون كذبًا وافتراءً أنهم أربابُهم مِن دونِ اللَّهِ. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ قوله: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. يقول: بشَّروها (٢) بخُسرانٍ (٣). وإنما رُفِع قولُه: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾. ولم يُنْصَبْ عطفًا على قوله: ﴿فَيَشْفَعُوا﴾. لأن المعنى: هل لنا من شفعاء فيَشْفَعوا لنا، أو هل نُرَدُّ فنعمل غير الذي كُنَّا نعمل؟ ولم يُرَدُّ به العطفُ على قوله: ﴿فَيَشْفَعُوا﴾. القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. يقول تعالى ذكره: إن سيدكم ومُصْلِحَ أموركم أيُّها الناسُ، هو المعبود الذي له العبادة من كلِّ شيءٍ، الذي خَلَقَ السماواتِ والأرض في ستة أيام، وذلك يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة. كما حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن أبى بشر، عن مجاهد، قال: بَدْءُ الخلقِ العرشُ والماء والهواء، وخُلِقَت الأرضُ من الماء، وبدأ الخلق يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وجُمِعَ الخلقُ في يوم الجمعة، فتَهَوَّدَت اليهود يوم السبت. ويومٌ من الستة الأيام كألف سنةٍ مما تَعُدُّون (٤).

стр. 6954

﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. وقد ذكَرنا معنى الاستواءِ واختلافَ الناس فيه فيما مَضَى قبلُ، بما أغنى عن إعادته (١). وأما قولُه: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، فإنه يقولُ: يُورِدُ الليل على النهارِ فيُلبِسُه إياه، حتى يُذْهِبَ نَضْرته ونورَه، ﴿يَطْلُبُهُ﴾. يقول: يطلبُ الليلُ النهارَ ﴿حَثِيثًا﴾. يعني: سريعًا. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. يقولُ: سريعًا (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. قال: يُغْشى الليلَ النهارَ، فيذهبُ بضَوْئِه، ويطلُبُه سريعًا حتى يُدْرِكَهُ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّكم اللهُ الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ والشمسَ

стр. 6955

والقمرَ والنجومَ مُسَخَّرًا (١) كلُّ ذلك بأمرِه، أَمَرَهنَّ اللهُ فَأَطَعْنَ لأمرِه (٢)، ألَا له الخلقُ كلُّه، والأمرُ الذي لا يُخالَفُ، ولا يُرَدُّ أمرُه دونَ ما سِواه مِن الأشياءِ كلِّها، ودونَ ما عَبَدَه المشركون مِن الآلهةِ والأوثانِ التي لا تضرُّ ولا تنفعُ، ولا تخلُقُ ولا تأمُرُ، تبارَك معبودُنا الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ ربُّ العالمين. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ أبو عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنى عبدُ الغفارِ بنُ عبدِ العزيزِ الأنصاريُّ، عن عبدِ العزيزِ الشاميِّ، عن أبيه، وكانت له صحبةٌ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن لم يَحْمَدِ الله على ما عَمِلَ مِن عملٍ صالحٍ، وحَمِدَ نفسَه، قَلَّ شُكْرُه، وحَبِطَ عملُه، ومَن زَعَمَ أَن اللَّهَ جَعَلَ للعبادِ مِن الأمرِ شيئًا، فقد كَفَرَ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ على أنبيائِه؛ لقولِه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ " (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ادْعُوا أَيُّها الناسُ ربَّكم وحدَه، فأَخْلِصوا له الدعاءَ، دونَ ما تَدْعُون مِن دونِه من الآلهةِ والأصنامِ ﴿تَضَرُّعًا﴾. يقولُ: تَذَلُّلًا واستكانةً لطاعتِه، ﴿وَخُفْيَةً﴾. يقولُ: بخشوعِ قلوبِكم، وصحةِ اليقينِ منكم بوحدانيتِه فيما بينَكم وبينَه. لا جهارًا مراءاةً وقلوبُكم غيرُ موقِنةٍ بوحدانيتِه وربوبيتِه، فِعْلُ أهلِ النفاقِ والخداعِ للهِ ولرسولِه. كما حدَّثني المُثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن

стр. 6956

المُباركِ بن فَضالةَ، عن الحسنِ، قال: إن كان الرجلُ لقد جَمَعَ القرآن وما يشعُرُ به جارُه، وإن كان الرجلُ لقد فَقِهَ الفقهَ الكثيرَ (١) وما يشعُرُ به الناسُ، وإن كان الرجلُ ليُصَلِّي الصلاةَ الطويلةَ في بيتِه، وعندَه الزَّوْرُ (٢) وما يَشْعرون به، ولقد أَدْرَكْنا أقوامًا ما كان على الأرضِ مِن عملٍ يَقْدِرون على أن يَعْمَلُوه في السرِّ فيكونَ علانيةً أبدًا، ولقد كان المسلمون يَجْتَهدون في الدعاءِ، وما يُسْمَعُ لهم صوتٌ، إن كان إلا هَمْسًا بينَهم وبينَ ربِّهم، وذلك أن الله يقولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. وذلك أن الله ذَكَرَ عبدًا صالحًا ورَضِيَ فعلَه، فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٢)﴾ (٣) [مريم: ٣]. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، عن أبي موسى، قال: كان النبيُّ ﷺ في غَزاةٍ، فأشْرَفوا على وادٍ [فجعَل الناسُ] (٤) يُكَبِّرون ويُهَلِّلون ويَرْفَعون أصواتَهم، فقال: "أيُّها الناسُ ارْبَعُوا (٥) على أنفسِكم، إنكم لا تَدْعُون أَصَمَّ ولا غائِبًا، إنكم تَدْعُون سميعًا قريبًا، إنه (٦) معكم" (٧). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. قال: السِّرُّ (٨).

стр. 6957

وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. فإن معناه: إن ربَّكم لا يُحِبُّ مَن اعْتَدى، فتجاوزَ حَدَّه الذي حَدَّه لعبادِه، في دعائِه ومسألتِه ربَّه، ورَفْعِه صوتَه فوقَ الحدِّ الذي حَدَّ لهم في دعائِهم إياه ومسألتِهم، وفى غيرِ ذلك مِن الأمورِ. كما حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، قال: أنبأنا إسماعيلُ بنُ حمادِ بن أبي سليمانَ، عن عبادِ بن عبادِ بن (١) علقمةَ، عن أبي مِجْلزٍ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. قال: لا تسألْ منازلَ الأنبياءِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: في الدعاءِ ولا في غيرِه. قال ابن جريجٍ: مِن الدعاءِ اعتداءٌ، يُكْرَهُ رفعُ الصوتِ، والنداءُ والصياحُ بالدعاءِ، ويُؤمَرُ بالتضرُّع والاستكانةِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾: لا تُشْرِكوا بالله في الأرض، ولا تَعْصُوه فيها، وذلك هو الفسادُ فيها. وقد ذَكَرنا الروايةَ في ذلك فيما مَضَى، وبَيَّنَّا معناه بشواهدِه (٤). ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. يقولُ: بعدَ إصلاحِ اللهِ إياها لأهلِ طاعتِه،

стр. 6958

بابْتعاثِه فيهم الرسلَ دعاةً إلى الحقِّ، وإيضاحِه حُجَجَه لهم، ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، يقولُ: وأخْلِصوا له الدعاءَ والعملَ، ولا تُشْرِكوا في عملِكم له شيئًا غيرَه مِن الآلهةِ والأصنامِ وغيرِ ذلك، وليكنْ ما يكونُ منكم مِن (١) ذلك خوفًا مِن عقابِه، وطمَعًا في ثوابِه، فإِنَّ مَن كان دعاؤُه إياه على غيرِ ذلك، فهو بالآخرةِ مِن المُكذِّبين؛ لأن مَن لم يَخَفْ عقابَ اللَّهِ، ولم يَرْجُ ثوابَه، لم يُبالِ ما رَكِبَ مِن أمرٍ يَسْخَطُه اللهُ ولا يَرْضَاه، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن ثوابَ اللهِ الذي وعَد المحسنين على إحْسانِهم في الدنيا قريبٌ منهم، وذلك هو رحمتُه؛ لأنه ليس بينَهم وبينَ أن يَصِيروا إلى ذلك مِن رحمتِه وما أعدَّ لهم مِن كرامتِه، إلا أن تُفارِقَ أرواحُهم أجسادَهم. ولذلك مِن المعنى ذُكِّرَ قولُه: ﴿قَرِيبٌ﴾. وهو مِن خبرِ "الرحمةِ"، و"الرحمةُ" مؤنثةٌ؛ لأنه أُرِيدَ به القربُ في الوقتِ لا في النسبِ. والأوقاتُ بذلك المعنى، إذا وقعَت أخبارًا للأسماءِ أَجْرَتْها العربُ مُجْرَى الحالِ (٢)، فَوَحَّدَتها مع الواحدِ والاثنينِ والجميعِ، وذَكَّرَتها مع المؤنثِ، فقالوا: كرامةُ اللهِ (٣) بعيدٌ مِن فلانٍ، وهى قريبٌ مِن فلانٍ. كما يقولون: هندٌ منَّا قريبٌ، والهندان منا قريبٌ، والهنداتُ منا قريبٌ؛ لأن معنى ذلك: هي في مكانٍ قريبٍ منَّا. فإذا حَذَفوا المكانَ، وجَعَلوا القريبَ خلفًا منه، ذَكَّروه ووَحَّدُوه في الجمعِ، كما كان المكانُ مذكَّرًا وموحَّدًا في الجمعِ. وأما إذا أَنَّثُوه أخْرَجوه مثنًّى مع الاثنينِ، ومجموعًا مع الجميعِ، فقالوا: هي قريبةٌ مِنَّا، وهما [قَرِيبتان منك] (٤). كما قال عروةُ بنُ الوردِ (٥):

стр. 6959

عَشِيَّةَ لَا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَريبةٌ … فَتَدْنُو ولا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ فأنَّثَ "قريبةً"، وذَكَّر "بعيدًا" على ما وَصَفْتُ، ولو كان "القريبُ" مِن القرابةِ في النسبِ، لم يكنْ مع المؤنثِ إلا مؤنثًا، ومع الجمعِ إلا مجموعًا. وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: ذُكِّر ﴿قَرِيبٌ﴾، وهو صفةٌ لـ "الرحمةِ"، وذلك كقولِ العربِ: ريحٌ خَرِيقٌ (١)، ومِلْحَفَةٌ جَديدٌ، وشاةٌ سَديسٌ (٢). قال: وإن شئتَ قلتَ: تفسيرُ الرحمةِ ههنا المطرُ ونحوُه، فلذلك ذُكِّرَ، كما قال: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا﴾ [الأعراف: ٨٧]. فذَكَّر؛ لأنه أرادَ الناسَ. وإن شئتَ جعلتَه كبعضِ ما يُذَكِّرون مِن المؤنثِ، كقولِ الشاعرِ (٣): * وَلَا أَرضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا * وقد أنكَر ذلك (٤) بعضُ أهلِ العربيةِ، ورأى أنه يَلْزَمُه إِن جازَ أَن يُذَكِّرَ "قريبًا" تَوْجيهًا منه لـ "الرحمة" إلى معنى المطرِ، أن يقولَ: هندٌ قامَ. توجيهًا منه لـ "هند" وهى امرأةٌ، إلى معنى "إنسانٍ"، ورأى أن ما شبَّه به قولَه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا﴾. غيرُ مُشْتَبِهَيْن (٥). وذلك أن "الطائفةَ" فيما زعَم مصدرٌ بمعنى "الطَّيفِ"، كما الصيحةُ والصياحُ بمعنًى، ولذلك قيل: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا (٦) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾.

стр. 6960

يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّكم اللهُ الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ والشمسَ والقمرَ والنجومَ مسخراتٍ بأمرِه، وهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نَشْرًا بِينَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ. و"النَّشْرُ"، بفتحِ النونِ وسكونِ الشينِ في كلامِ العربِ، مِن الرياحِ، الطيِّبةِ اللينةِ الهُبوبِ، التي تُنْشِئُ السحابَ، وكذلك كلُّ ريحٍ طيِّبةٍ عندَهم فهو (١) نَشْرٌ، ومنه قولُ امرئِ القيسِ (٢): كأَنَّ المُدَامَ (٣) وَصَوْبَ الغَمَامِ … وَرِيحَ الخُزَامَى (٤) ونَشْرَ القُطُرْ (٥) وبهذه القراءةِ قرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفيِّين (٦)، خلا عاصمِ بن أبي النَّجودِ، فإنه كان يقرؤُه: ﴿بُشْرًا﴾ على اختلافٍ عنه فيه، فرَوَى ذلك بعضُهم عنه: ﴿بُشْرًا﴾ بالباءِ وضَمِّها وسكون الشينِ (٧)، وبعضُهم بالباءِ وضَمِّها وضمِّ الشينِ معها (٨). وكان يتأوَّلُ في قراءتِه ذلك كذلك قولَه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦]. [وأنه جَمْعُ بشيرٍ، تُبَشِّرُ بالمطرِ جُمِع بُشُرًا] (٩)، كما يُجْمَعُ النذيرُ نُذُرًا. وأما قرَأَةُ المدينةِ وعامةُ قرأةِ المكيِّين والبصريِّين، فإنهم قَرَءوا ذلك: (وَهُوَ الَّذى

стр. 6961

يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشُرًا) بضَمِّ النونِ والشينِ (١)، بمعنى جمعِ نَشورٍ جُمع نُشُرًا، كما يُجْمَعُ الصَّبورُ صُبُرًا، والشَّكُورُ شُكُرًا. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (٢) يقولُ: معناها إذا قُرِئت كذلك أنها الريحُ التي تَهُبُّ مِن كلِّ ناحية، وتجيءُ مِن كلِّ وجه. وكان بعضُهم يقولُ: إذا قُرِئت بضَمِّ النونِ، فينبغي أن تُسَكَّنَ شِينُها؛ لأن ذلك لغةٌ بمعنى "النَّشْرِ" بالفتحِ، وقال: العربُ تَضُمُّ النونَ مِن "النُّشْرِ" أحيانًا، وتفتحُ أحيانًا بمعنًى واحدٍ. وقال: فاختلافُ القرَأةِ في ذلك على قَدْرِ اختلافِها في لُغتها فيه. وكان يقولُ: هو نظيرُ "الخَسْفِ" و "الخُسْفِ"، بفتحِ الخَاءِ وضمِّها. والصوابُ مِن القولِ (٣) في ذلك أن يقالَ: إن قراءةَ مَن قرَأ ذلك: (نَشْرًا) و (نُشُرًا)، بفتح النونِ وسكونِ الشينِ، وبضمِّ النونِ والشين، قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصار [متقاربتا المعنى، فبأيِّهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك. وأما قراءةُ ذلك بالباءِ، فقراءةٌ قليلٌ مَن يقرأُ بها مِن قرأَةِ الأمصارِ] (٤)، فلا أُحبُّ القراءةَ بها، وإن كان لها معنًى صحيحٌ، ووجهٌ مفهومٌ في المعنى والإعرابِ؛ لِما ذَكَرناه مِن العلةِ (٥). وأما قولُه: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾. فإنه يقولُ: قُدَّامَ رحمتِه وأمامَها. والعربُ تقولُ كذلك لكلِّ شيءٍ يحْدُثُ قُدَّامَ شيءٍ وأَمامَه: جاء بينَ يَدَيْه؛

стр. 6962

لأن ذلك مِن كلامِهم جرَى في أخبارِهم عن بنى آدمَ، وكَثُر به استعمالُه (١) فيهم، حتى قالوا ذلك في غيرِ بنى (٢) آدمَ وما لا يَدَ له. و "الرحمةُ" التي ذَكَرها جلَّ ثناؤُه في هذا الموضعِ، المطرُ. فمعنى الكلامِ إذن: واللهُ الذي يرسلُ الرياحَ لَيِّنًا هُبوبها، طيِّبًا نَسِيمُها، أمامَ غَيْثِه الذي يسوقُه بها إلى خلقِه، فيُنْشِئُ بها سحابًا ثقالًا، حتى إذا أقَلَّتها - والإقلالُ بها حَمْلُها، كما يقالُ: اسْتقلَّ البعيرُ بحِمْلِه وأقلَّه. إذا حَمَله فقامَ به - ساقَهُ اللَّهُ لإحياءِ بلدٍ مَيِّتٍ قد تَعَفَّت مزارعُه، ودَرَسَت مشاربُه، وأَجْدَبَ أهلُه، فأنزَل به المطرَ، وأَخْرَجَ به مِن كلِّ الثمراتِ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نَشْرًا بينَ يَدَى رَحْمَتِهِ) إلى قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قال: إن الله يُرسلُ الريحَ، فتأتى بالسحابِ مِن بين الخافقَين، طرفِ السماءِ والأرضِ مِن (٣) حيثُ يَلْتَقيان، فيُخْرِجُه مِن ثَمَّ، ثم يَنشُرُه فَيَبْسُطه في السماءِ كيف يشاءُ، ثم يَفتحُ أبوابَ السماءِ، فيَسِيلُ الماءُ على السحابِ، ثم يمطِرُ السحابُ بعدَ ذلك، وأما: ﴿رَحْمَتِهِ﴾: فهو المطرُ (٤).

стр. 6963

وأما قولُه: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فإنه يقولُ تعالى ذكرُه: كما نُحْيِي هذا البلدَ الميتَ بما نُنَزِّلُ به مِن الماءِ الذي نُنَزِّلُه مِن السحابِ، فنُخرِجُ به مِن الثمراتِ بعدَ موتِه وجُدُوبتِه وقُحُوطِ أهلِه، كذلك نُخرِجُ الموتَى مِن قبورِهم أحياءً بعد فنائِهم، ودُرُوسِ آثارِهم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه للمشركين به مِن عبدةِ الأصنامِ، المُكذِّبين بالبعثِ بعدَ المَماتِ، المُنْكِرين الثوابَ والعقابَ: ضَرَبْتُ لكم أيُّها القومُ هذا المثلَ الذي ذَكَرتُ لكم، مِن إحياءِ البلدِ الميتِ بقَطْرِ المطرِ، الذي يَأْتى به السحابُ، الذي تَنْشُرُه الرياحُ التي وَصَفْتُ صفتَها؛ لتَعْتَبروا، فتَذْكُروا وتَعْلَموا أن مَن كان فِعلُ (١) ذلك مِن قُدرتِه، فيسيرٌ في قدرتِه (٢) إحياءُ الموتى بعدَ فنائِها، وإعادتُها خلقًا سَوِيًّا بعدَ دُرُوسِها. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: وكذلك تُخْرَجون، وكذلك النشورُ، كما يُخْرِجُ (٣) الزرع (٤) بالماءِ (٥). وقال أبو هريرةَ: إن الناسَ إذا ماتوا في النفخةِ الأولى، أُمْطِرَ عليهم من ماءٍ تحتَ العرشِ يُدْعَى ماءُ الحيوانِ أربعين سنةً، فيَنْبتُون كما يَنْبُتُ الزرعُ مِن الماءِ، حتى إذا اسْتُكْمِلت أجسادُهم، نُفِخَ فيهم الروحُ، ثم تُلْقَى عليهم نَوْمةٌ، فَيَنامون في

стр. 6964

قُبُورِهم، فإذا نُفِخَ في الصورِ الثانيةَ، عاشوا (١)، وهم يَجِدون طعمَ النومِ في رءوسِهم وأعينِهم، كما يجدُ النائمُ حينَ يستيقظُ مِن نومِه، فعندَ ذلك يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. فَناداهم المنادِى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٢) [يس: ٥٢]. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾. قال: تُمطِرُ السماءُ حتى تَنْشَقَّ عنهم الأرضُ. [حدَّثني المُثنى، قال: حدثني أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾. قال: إذا أراد اللهُ أن يُخرجَ الموتى، أمطَر السماءَ حتى تَنْشَقَّ عنهم الأرضُ] (٣)، ثم يرسلَ الأرواحَ، فتعودُ (٤) كلُّ رُوحٍ إلى جسدِها، فكذلك يُحْيِي اللهُ الموتَى بالمطرِ كإحيائِه الأرضَ (٥). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والبلدُ الطيبةُ تربتُه، العذبةُ مشاربُه، يخرجُ نباتُه إذا أَنزَل اللهُ به الغيثَ، وأرسَل عليه الحيا بإذنِه، طيبًا ثمرُه في حينِه ووقتِه، والذي خَبُث فَردُؤَت تربتُه، ومَلُحَت مشاربُه، لا يَخْرُجُ نباته (٦) ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾. يقولُ: إلا

стр. 6965

عَسِرًا في شدَّةٍ، كما قال الشاعرُ (١): لا تُنْجِزُ الوعدَ إِنْ وَعَدْتَ وإِن … أعْطَيتْ أَعْطَيتَ تَافِهًا نَكِدَا يعني بـ "التَّافِه" القليلَ، وبـ "النَّكِدِ" العَسِرَ. يقالُ منه: نَكِدَ يَنْكَدُ نَكَدًا ونَكْدًا، فهو نَكَدٌ ونَكِدٌ، والنُّكْدُ المصدرُ. ومن أمثالِهم: نَكْدًا وجَحْدًا. و: نُكْدًا وجُحْدًا، والجُحْدُ الشدَّةُ والضيقُ. ويقالُ: [قد نُكِد] (٢). إذا شُفِه (٣) وسُئِل. وقد نَكَدُوه، يَنْكُدُونه نَكْدًا. كما قال الشاعرُ (٤): وأَعْطِ ما أَعْطَيْتَه طَيِّبًا … لا خيرَ في المَنْكُودِ والنَّاكِدِ واخْتَلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُ أهلِ المدينةِ: (إِلَّا نَكَدًا) بفتحِ الكافِ (٥). وقرَأه بعضُ الكوفيِّين بسكونِ الكافِ: (نَكْدًا) (٦). وخالَفَهما بعدُ سائرُ القرَأةِ في الأمصارِ، فَقَرَءوه: ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ بكسر الكافِ (٧). وكأن مَن قرَأه: (نَكَدًا) بنصبِ الكافِ أرادَ المصدرَ، وكأن مَن قرَأه بسكونِ الكافِ أرادَ كسرَها، فسَكَّنَها على لغةِ مَن قال: هذه فِخْذُ وكِبْدٌ. وكان الذي يجبُ عليه إذا أرادَ ذلك أن يكسِرَ النونَ من "نِكْدٍ" حتى يكونَ قد أصابَ القياسَ. والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا قراءةُ مَن قرَأه ﴿نَكِدًا﴾ بفتحِ النونِ

стр. 6966

وكسرِ الكافِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن قَرَأَةِ الأمصارِ عليه. وقولُه: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: كذلك نبيِّنُ لهم (١) آيةً بعدَ آيةٍ، ونُدْلِى (٢) بحجةٍ بعدَ حجةٍ، ونضرِبُ مثلًا بعدَ مثلٍ، لقومٍ يَشْكُرون الله على إنعامِه عليهم بالهدايةِ، وتَبصيرِه إياهم سبيلَ أهلِ الضلالةِ، باتِّباعهم ما أمَرَهم باتباعِه، وتَجَنُّبِهم ما أمَرهم بتجنُّبِه مِن سُبُلِ الضلالةِ. وهذا مَثَلٌ ضَرَبَه اللهُ للمؤمنِ والكافرِ، فالبلدُ الطيبُ الذي يخرجُ نباتُه بإذنِ رَبِّهِ، مَثَلٌ للمؤمنِ، والذي خَبُثَ فلا يخرُجُ نباتُه إِلا نَكِدًا، مَثَلٌ للكافرِ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾: فهذا مَثَلٌ ضَرَبه اللهُ للمؤمنِ، يقولُ: هو طيبٌ، وعملُه طيبٌ، كما البلدُ الطيبُ ثمرُه طيبٌ، ثم ضرَب مَثَلَ الكافرِ، كالبلدةِ السَّبِخةِ المالحةِ التي لا (٣) تخرُجُ منها البَرَكَةُ، فالكافرُ هو الخبيثُ، وعملُه خبيثٌ (٤). حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾: كلُّ ذلك مِن الأرضِ

стр. 6967

السِّباخِ وغيرِها، مثلُ آدمَ وَذُرِّيته [كلِّهم، منه (١) خبيثٌ وطَيِّبٌ] (٢) (٣). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾. قال: هذا مثلٌ ضَرَبَه اللهُ في الكافرِ والمؤمنِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾: مثلٌ ضرَبه اللهُ للقلوبِ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ينزلُ الماءُ فيُخرجُ البلدُ الطيِّبُ نباتَه بإذنِ ربِّه - ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ (٥): هي السَّبِخَةُ لا تُخْرِجُ نباتَها إلَّا نَكِدًا، والنَّكِدُ الشيءُ القليلُ الذي لا ينفَعُ - فكذلك القلوبُ لما نزَل القرآنُ، فالقلبُ المؤمنُ لا دخَله القرآنُ آمَن به، وثَبَتَ الإيمانُ [في قلبِه] (٦)، والقلبُ الكافرُ لما دَخَله القرآنُ لم يَتَعلَّقْ منه شيءٌ ينفعُه، ولم يَثْبُتْ فيه مِن الإيمانِ شيءٌ إلا ما لا ينفَعُ، كما لم يُخْرِجْ هذا البلدُ إلا ما لا ينفعُ من النباتِ (٧). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا

стр. 6968

نَكِدًا﴾. قال: الطيبُ ينفعُه المطرُ فيَنْبُتُ، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾: السِّباخُ لا ينفعُه المطرُ، لا يخرُج نباتُه إلا نَكِدًا. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لآدمَ وذرِّيته كلِّهم، إنما خُلِقوا مِن نفسٍ واحدةٍ، فمنهم مَن آمَن باللهِ وكتابِه، فطابَ، ومنهم مَن كفَر باللَّهِ وكتابِه، فخَبُث (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾. أقسَمَ ربُّنا جلَّ ثناؤُه للمُخاطَبِين بهذه الآيةِ، أنه أرسَل نوحًا إلى قومِه، مُنْذرَهم بأسَه، ومَخوِّفَهم سَخَطَه، على عبادتِهم غيرَه، فقال لمَن كفَر منهم: يا قومِ اعبُدوا الله الذي له العبادةُ، وذِلُّوا له بالطاعةِ، واخْضَعوا له بالأستكانةِ، ودَعُوا عبادةَ ما سِواه مِن الأنْدادِ والآلهةِ، فإنه ليس لكم [إلهٌ - يعنى معبودًا -] (٢) يَسْتَوجبُ عليكم العبادةَ غيرُه، فإنى أخافُ عليكم إن لم تَفْعَلوا ذلك ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يعنى: عذابَ يومٍ يَعْظُمُ فيه بلاؤُكم، بمَجيئِه إياكم بسَخَطِ رَبِّكم. واختلفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿غَيْرُهُ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: (ما لكم من إلهٍ غيرِه) بخفضِ "غير" على النعتِ لـ "الإلهِ" (٣). وقرأَه جماعةٌ من أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ برفعِ "غير" (٤)، ردًّا لها على موضعِ ﴿مِنْ﴾؛ لأن موضعَها رفعٌ، لو نُزِعَت مِن الكلامِ لكان الكلامُ رفعًا. وقيل: ما لكم إلهٌ غيرُ اللَّهِ. فالعربُ - لِمَا

стр. 6969

وصَفْتُ مِن أن المَفهومَ (١) بالكلامِ، أُدْخِلَت ﴿مِنْ﴾ فيه أو أخْرِجَت، وأنها تُدْخِلُها أحيانًا في مثلِ هذا مِن الكلامِ، وتُخْرِجُها منه أحيانًا - تردُّ ما نعَتت به الاسمَ الذي عمِلت فيه على لفظِه [أحيانًا، وعلى معناه أحيانا؛ لما وصفتُ. وقد زعَم بعضُهم أن "غيرَ"] (٢) إذا (٣) خُفِضت، فعلى كلامٍ واحدٍ؛ لأنها نعتٌ لـ "الإلهِ"، وأنها (٤) إذا رُفِعَتْ، فعلى كلامَين: ما لكم غيرُه مِن إلهٍ. وهذا قولٌ يَسْتَضْعِفُه أهلُ العربيةِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن جوابِ (٥) مُشْركي قومِ نوحٍ لنوحٍ، وهم الملأُ - والملأُ: الجماعةُ مِن الرجالِ لا امرأةَ فيهم - أنهم قالوا له حينَ دَعاهم إلى عبادةِ اللَّهِ وحدَه لا شريكَ له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ يا نوحُ ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يَعْنون: في أمرٍ زائلٍ عن الحقِّ، مبينٍ زوالُه عن قَصْدِ الحَقِّ (٦) لَمَن تأمَّلَه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ لقومِه مُجِيبًا لهم: يا قومِ لم آمُرْكم بما أمرتُكم به مِن إخلاصِ التوحيدِ للَّهِ، وإفرادِه بالطاعةِ، دونَ الأنْدادِ والآلهةِ، زوالًا مِنِّي عن مَحَجَّةِ الحقِّ، وضلالًا لسبيلِ الصوابِ، وما بي ما تَظُنُّون مِن

стр. 6970

الضلالِ، ولكنِّى رسولٌ إليكم مِن ربِّ العالمين بما أمرتُكم به؛ مِن إفرادِه بالطاعةِ، والإقرارِ له بالوحدانيةِ، والبراءةِ مِن الأنْدادِ والآلهةِ. القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عن نبيِّه نوحٍ أنه قال لقومهِ الذين كَفروا باللهِ وكذَّبوه: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أرسَلني إليكم، فأنا أبلِّغُكم رسالات ربِّى، وأنصحُ لكم في تَحْذيرى إياكم عقابَ الله، على كفرِكم به، وتَكْذِيبِكم إيايَ، ورَدِّكم نَصيحَتي، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مِن أن عقابَه لا يُرَدُّ عن القومِ المجرمين. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه أيضًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه أنه قال لهم، إذ رَدُّوا عليه نَصيحتَه في اللهِ، وأنكَروا أن يكونَ اللهُ بَعَثَه نبيًّا، وقالوا له: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا * وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [هود: ٢٧]: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: أَوَ عَجِبْتُم أن جاءكم تذكيرٌ مِن اللهِ وعِظَةٌ، يُذَكِّرُكم بما أنزَل ربُّكم على رجلٍ منكم. قيل: معنى قولِه: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾: مع رجلٍ منكم. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾. يقولُ: ليُنْذِرَكم (١) بأسَ اللَّهِ، ويخوِّفَكم عقابَه على كفرِكم به،
следующие страницы →