← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

وكسرِ الكافِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن قَرَأَةِ الأمصارِ عليه. وقولُه: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: كذلك نبيِّنُ لهم (١) آيةً بعدَ آيةٍ، ونُدْلِى (٢) بحجةٍ بعدَ حجةٍ، ونضرِبُ مثلًا بعدَ مثلٍ، لقومٍ يَشْكُرون الله على إنعامِه عليهم بالهدايةِ، وتَبصيرِه إياهم سبيلَ أهلِ الضلالةِ، باتِّباعهم ما أمَرَهم باتباعِه، وتَجَنُّبِهم ما أمَرهم بتجنُّبِه مِن سُبُلِ الضلالةِ. وهذا مَثَلٌ ضَرَبَه اللهُ للمؤمنِ والكافرِ، فالبلدُ الطيبُ الذي يخرجُ نباتُه بإذنِ رَبِّهِ، مَثَلٌ للمؤمنِ، والذي خَبُثَ فلا يخرُجُ نباتُه إِلا نَكِدًا، مَثَلٌ للكافرِ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾: فهذا مَثَلٌ ضَرَبه اللهُ للمؤمنِ، يقولُ: هو طيبٌ، وعملُه طيبٌ، كما البلدُ الطيبُ ثمرُه طيبٌ، ثم ضرَب مَثَلَ الكافرِ، كالبلدةِ السَّبِخةِ المالحةِ التي لا (٣) تخرُجُ منها البَرَكَةُ، فالكافرُ هو الخبيثُ، وعملُه خبيثٌ (٤). حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾: كلُّ ذلك مِن الأرضِ

стр. 6967

السِّباخِ وغيرِها، مثلُ آدمَ وَذُرِّيته [كلِّهم، منه (١) خبيثٌ وطَيِّبٌ] (٢) (٣). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾. قال: هذا مثلٌ ضَرَبَه اللهُ في الكافرِ والمؤمنِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾: مثلٌ ضرَبه اللهُ للقلوبِ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ينزلُ الماءُ فيُخرجُ البلدُ الطيِّبُ نباتَه بإذنِ ربِّه - ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ (٥): هي السَّبِخَةُ لا تُخْرِجُ نباتَها إلَّا نَكِدًا، والنَّكِدُ الشيءُ القليلُ الذي لا ينفَعُ - فكذلك القلوبُ لما نزَل القرآنُ، فالقلبُ المؤمنُ لا دخَله القرآنُ آمَن به، وثَبَتَ الإيمانُ [في قلبِه] (٦)، والقلبُ الكافرُ لما دَخَله القرآنُ لم يَتَعلَّقْ منه شيءٌ ينفعُه، ولم يَثْبُتْ فيه مِن الإيمانِ شيءٌ إلا ما لا ينفَعُ، كما لم يُخْرِجْ هذا البلدُ إلا ما لا ينفعُ من النباتِ (٧). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا

стр. 6968

نَكِدًا﴾. قال: الطيبُ ينفعُه المطرُ فيَنْبُتُ، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾: السِّباخُ لا ينفعُه المطرُ، لا يخرُج نباتُه إلا نَكِدًا. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لآدمَ وذرِّيته كلِّهم، إنما خُلِقوا مِن نفسٍ واحدةٍ، فمنهم مَن آمَن باللهِ وكتابِه، فطابَ، ومنهم مَن كفَر باللَّهِ وكتابِه، فخَبُث (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾. أقسَمَ ربُّنا جلَّ ثناؤُه للمُخاطَبِين بهذه الآيةِ، أنه أرسَل نوحًا إلى قومِه، مُنْذرَهم بأسَه، ومَخوِّفَهم سَخَطَه، على عبادتِهم غيرَه، فقال لمَن كفَر منهم: يا قومِ اعبُدوا الله الذي له العبادةُ، وذِلُّوا له بالطاعةِ، واخْضَعوا له بالأستكانةِ، ودَعُوا عبادةَ ما سِواه مِن الأنْدادِ والآلهةِ، فإنه ليس لكم [إلهٌ - يعنى معبودًا -] (٢) يَسْتَوجبُ عليكم العبادةَ غيرُه، فإنى أخافُ عليكم إن لم تَفْعَلوا ذلك ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يعنى: عذابَ يومٍ يَعْظُمُ فيه بلاؤُكم، بمَجيئِه إياكم بسَخَطِ رَبِّكم. واختلفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿غَيْرُهُ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: (ما لكم من إلهٍ غيرِه) بخفضِ "غير" على النعتِ لـ "الإلهِ" (٣). وقرأَه جماعةٌ من أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ برفعِ "غير" (٤)، ردًّا لها على موضعِ ﴿مِنْ﴾؛ لأن موضعَها رفعٌ، لو نُزِعَت مِن الكلامِ لكان الكلامُ رفعًا. وقيل: ما لكم إلهٌ غيرُ اللَّهِ. فالعربُ - لِمَا

стр. 6969

وصَفْتُ مِن أن المَفهومَ (١) بالكلامِ، أُدْخِلَت ﴿مِنْ﴾ فيه أو أخْرِجَت، وأنها تُدْخِلُها أحيانًا في مثلِ هذا مِن الكلامِ، وتُخْرِجُها منه أحيانًا - تردُّ ما نعَتت به الاسمَ الذي عمِلت فيه على لفظِه [أحيانًا، وعلى معناه أحيانا؛ لما وصفتُ. وقد زعَم بعضُهم أن "غيرَ"] (٢) إذا (٣) خُفِضت، فعلى كلامٍ واحدٍ؛ لأنها نعتٌ لـ "الإلهِ"، وأنها (٤) إذا رُفِعَتْ، فعلى كلامَين: ما لكم غيرُه مِن إلهٍ. وهذا قولٌ يَسْتَضْعِفُه أهلُ العربيةِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن جوابِ (٥) مُشْركي قومِ نوحٍ لنوحٍ، وهم الملأُ - والملأُ: الجماعةُ مِن الرجالِ لا امرأةَ فيهم - أنهم قالوا له حينَ دَعاهم إلى عبادةِ اللَّهِ وحدَه لا شريكَ له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ يا نوحُ ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يَعْنون: في أمرٍ زائلٍ عن الحقِّ، مبينٍ زوالُه عن قَصْدِ الحَقِّ (٦) لَمَن تأمَّلَه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ لقومِه مُجِيبًا لهم: يا قومِ لم آمُرْكم بما أمرتُكم به مِن إخلاصِ التوحيدِ للَّهِ، وإفرادِه بالطاعةِ، دونَ الأنْدادِ والآلهةِ، زوالًا مِنِّي عن مَحَجَّةِ الحقِّ، وضلالًا لسبيلِ الصوابِ، وما بي ما تَظُنُّون مِن

стр. 6970

الضلالِ، ولكنِّى رسولٌ إليكم مِن ربِّ العالمين بما أمرتُكم به؛ مِن إفرادِه بالطاعةِ، والإقرارِ له بالوحدانيةِ، والبراءةِ مِن الأنْدادِ والآلهةِ. القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عن نبيِّه نوحٍ أنه قال لقومهِ الذين كَفروا باللهِ وكذَّبوه: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أرسَلني إليكم، فأنا أبلِّغُكم رسالات ربِّى، وأنصحُ لكم في تَحْذيرى إياكم عقابَ الله، على كفرِكم به، وتَكْذِيبِكم إيايَ، ورَدِّكم نَصيحَتي، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مِن أن عقابَه لا يُرَدُّ عن القومِ المجرمين. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه أيضًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه أنه قال لهم، إذ رَدُّوا عليه نَصيحتَه في اللهِ، وأنكَروا أن يكونَ اللهُ بَعَثَه نبيًّا، وقالوا له: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا * وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [هود: ٢٧]: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: أَوَ عَجِبْتُم أن جاءكم تذكيرٌ مِن اللهِ وعِظَةٌ، يُذَكِّرُكم بما أنزَل ربُّكم على رجلٍ منكم. قيل: معنى قولِه: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾: مع رجلٍ منكم. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾. يقولُ: ليُنْذِرَكم (١) بأسَ اللَّهِ، ويخوِّفَكم عقابَه على كفرِكم به،

стр. 6971

﴿وَلِتَتَّقُوا﴾. يقولُ: وكى تتَّقوا عقابَ اللهِ وبأسَه، بتوحيدِه وإخلاصِ الإيمانِ به، والعمل بطاعتِه، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: وليرحَمَكم ربُّكم إن اتَّقَيتُم الله وخِفْتُموه وحَذِرتُم بأسَه. وفُتِحَت (الواو) مِن قولِه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾؛ لأنها واو عطفٍ، دَخَلَت عليها ألفُ استفهامٍ. القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فكَذَّب نوحًا قومُه، إذ أخبرَهم أنه للهِ رسولٌ إليهم، يأْمُرُهم بخَلْعِ الأنْدادِ، والإقرارِ بوحدانيةِ اللهِ، والعملِ بطاعتِه، وخالَفوا أمرَ ربِّهم، ولَجُّوا في طُغيانِهم يَعْمَهُون، فأنْجاه اللهُ في الفلكِ والذين معه مِن المؤمنينَ به، وكانوا بنوحٍ ﵇ أنفُسًا (١) عشرةً، فيما حدَّثني به ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ: نوحٌ وبنوه الثلاثةُ؛ سامٌ وحامٌ ويافتُ، وأزواجُهم، وستةُ أناسيَّ ممن كان آمَن به (٢). وكان حَمَلَ معه في الفُلكِ مِن كلِّ زوجين اثنين، كما قال ﵎: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]. والفُلك هو السفينة. ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: وأغرقَ اللَّهُ الذين كَذَّبوا بحُجَجِه، ولم يَتَّبعوا رسولَه (٣)، ولم يَقْبَلوا نصيحتَه إياهم في اللَّهِ بالطوفانِ، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾. يقولُ: عَمِينَ عن الحقِّ.

стр. 6972

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿عَمِينَ﴾ قال: عن الحقِّ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَوْمًا عَمِينَ﴾. قال: العَمَى، العامِي عن الحقِّ. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أرسَلنا إلى عادٍ أخاهم هودًا. ولذلك نَصَبَ ﴿هُودًا﴾؛ لأنه معطوفٌ به على نوحٍ، ﵉. قال هودٌ: يا قومِ، اعبُدُوا الله فأفْرِدُوا له العبادةَ، ولا تَجْعَلوا معه إلهًا غيرَه؛ فإنه ليس لكم إلهٌ غيرُه، أَفَلَا تَتَّقُونَ ربَّكم فتَحْذَرُونه، وتَخافون عقابَه بعبادتِكم غيرَه، وهو خالقُكم ورازقُكم دونَ كلِّ ما سِواه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عما أجابَ هودًا به قومُه الذين كَفَروا باللَّهِ: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يعني: الذين جَحَدوا توحيدَ اللهِ، وأنكَروا رسالةَ [اللهِ هودًا] (٢) إليهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ يا هودُ ﴿فِي سَفَاهَةٍ﴾، يَعْنون: في ضلالةٍ عن الحقِّ والصوابِ بتَرْكِك دينَنا وعبادةَ آلهتِنا، وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ فِي قِيلِك: إني

стр. 6973

رسولٌ مِن ربِّ العالمين. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾. يقولُ: أي: ضلالةٌ عن الحقِّ والصوابِ، وَلكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العَالَمينَ أرسَلَنى، فأنا أُبَلِّغُكم رسالاتِ ربي، وأُؤدِّيها إليكم كما أمَرَنى أن أُؤدِّيَها. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾. يعنى بقوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾: أؤدِّى ذلك إليكم أيُّها القومُ، ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ﴾. يقولُ: وأنا لكم في أمرى [ناصحٌ، في أمرى] (١) إياكم بعبادةِ اللهِ دونَ ما سِواه من الأنْدادِ والآلهةِ، ودُعائِكم إلى تَصْديقى فيما جئتُكم به من عندِ اللهِ، ناصِحٌ فاقْبَلُوا نَصِيحتي (٢)، أمينٌ على وَحْيِ اللهِ، وعلى ما ائْتَمَننى اللهُ عليه مِن الرسالةِ، لا أكذبُ فيه ولا أزيدُ ولا أبدِّلُ، بل أبلِّغُ ما أُمِرْتُ به كما أُمرت. ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾. يقولُ: أَوَعَجِبتم أن أنزلَ اللهُ وَحْيَه بتَذْكيرِكم وعِظَتِكم على ما أنتم عليه مُقِيمون من الضلالةِ، ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ بِأسَ اللَّهِ، ويُخَوِّفَكم عقابَه. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. يقولُ: فاتَّقُوا اللَّهَ في أنفسِكم، واذْكُروا ما أحلَّ بقومٍ نوح مِن العذابِ إذ عَصَوْا رسولَهم، وكَفَروا بربِّهم، فإنكم إنما جَعَلكم ربُّكم خلفاءَ في الأرضِ منهم، لمَّا أهْلَكَهم أبْدَلكم منهم فيها، فاتَّقُوا اللَّهَ أَن يَحِلَّ بكم نظيرُ ما حَلَّ بهم مِن العقوبة فيُهْلِكَكم، ويُبدِلَ منكم غيرَكم، سنَّتَه في قومِ نوحٍ قبلَكم على

стр. 6974

معصيتِكم إياه، وكفرِكم به، ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾: زادَكم (١) في أجسامِكم طولًا وعِظَمًا على أجسامِ قومِ نوحٍ، وفي [قُواكم على قُواهم] (٢)؛ نعمةً منه بذلك عليكم، [فاذْكُرُوا نِعَمَه] (٣) وفضلَه الذي فَضَّلَكم به عليهم في أجسامِكم وقُواكم (٤)، واشكُروا الله على ذلك بإخلاصِ العبادةِ له، وتركِ الإشراكِ به، وهَجْرِ الأوثانِ والأنْدادِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: كي تُفْلِحوا فتُدْرِكوا الخلودَ والبقاءَ في النعيمِ في الآخرةِ، وتُنْجِحُوا في طَلِباتِكم عندَه. وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. يقولُ: ذَهَبَ بقومِ نوحٍ، واسْتَخْلَفَكم مِن بعدِهم (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. أي: ساكنى الأرضِ بعد قومِ نوحٍ (٦). وبنحوِ الذي قُلنا أيضًا قالوا في تأويلِ قولِه: ﴿بَسْطَةً﴾.

стр. 6975

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾. قال: ما لقُوَّةِ (١) قومِ عادٍ (٢). وأما "الآلاءُ" فإنها جمعٌ، واحدُها: إلى، بكسرِ الألفِ، في تقديرِ "مِعًى"، ويقالُ: "أَلًى". في تقديرِ "قَفًا" بفتحِ الألفِ، وقد حُكِي سماعًا مِن العربِ" "إلْىٌ" مثلَ "حِسْى". والآلاءُ النعمُ. وكذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾. أي: نِعَمَ اللهِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما ﴿آلَاءَ اللَّهِ﴾ فنعمُ اللهِ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:

стр. 6976

﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾. قال: آلاؤُه نِعَمُه (١). قال أبو جعفرٍ ﵀: وعادٌ، هؤلاء القومُ الذين وصَف اللهُ صفتَهم، وبعَث إليهم هودًا يَدْعُوهم إلى توحيدِ اللهِ، واتباعِ ما أتاهم به مِن عنده (٢) - هم فيما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، ولدُ عادِ بن [عَوْصِ بن إرمَ] (٣) بن سامِ بن نوحٍ (٤). وكانت مساكنُهم الشِّحْرَ (٥) من أرضِ اليمنِ، وما وَالى بلادَ حضرَموتَ إلى عُمان. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، أن عادًا قومٌ كانوا باليمنِ، بالأحقافِ (٦). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ اللهِ بن أبي سعيدٍ الخزاعيِّ، عن أبي الطُّفيلِ عامِر بن واثِلةَ، قال: سمعتُ عليَّ بنَ أبى طالبٍ ﵁ يقولُ لرجلٍ مِن حضرَموت: هل رأيتَ كثيبًا أحمرَ تُخالِطُه مَدَرَةٌ حمراءُ، ذا أرَاكٍ وسِدْرٍ كثيرٍ بناحيةِ كذا وكذا مِن أرضِ حضرَموتَ (٧)، هل رأيتَه؟ قال: نعم يا أميرَ المؤمنين، واللهِ إنك لتَنْعَتُه نعتَ رجلٍ قد رآه. قال: لا، ولكنى

стр. 6977

قد حُدِّثتُ عنه. فقال الحضرميُّ: وما شأنُه يا أميرَ المؤمنين؟ قال: فيه قبرُ هودٍ صلواتُ اللهِ عليه (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كانت منازلُ عادٍ وجماعتِهم (٢) حينَ بعَث اللهُ فيهم هودًا، الأحقافَ. قال: والأحقافُ الرملُ فيما بينَ عُمانَ إلى حَضرَمَوتَ [فاليمنِ كلِّه] (٣)، وكانوا مع ذلك قد فَشَوا في الأرضِ كلِّها وقهَروا أهلَها بفضلِ قوَّتِهم التي آتاهم اللهُ، وكانوا أصحابَ أوثانٍ يعبُدونها من دونِ الله؛ صنمٌ يقال له: صداءُ. وصنمٌ يقالُ له: صَمُودُ. وصنمٌ يقالُ له: الهَبَاءُ (٤). فَبَعَثَ اللهُ إليهم هودًا، وهو مِن أوْسَطِهم نسبًا وأفضلهم موضعًا، فأمَرهم أن يُوحِّدوا الله، ولا يجعَلوا معه إلهًا غيرَه، وأن يَكُفُّوا عن ظلم الناس - لم يأمُرْهم فيما يُذْكَرُ، واللهُ أعلمُ، بغيرِ ذلك - فأبَوا عليه وكذَّبوه، وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، واتَّبَعَه منهم ناسٌ وهم يسيرٌ، [مُكتَتِمون بإيمانِهم] (٥)، وكان ممن آمَن به وصَدَّقه رجلٌ مِن عادٍ يقالُ له: مَرْثَدُ بنُ سعدِ بن عُفَيرٍ (٦). وكان يكتُمُ إيمانَه، فلما عَتَوْا على اللَّهِ وكَذَّبوا نبيَّهم، وأكْثروا في الأرضِ الفسادَ، وتَجَبَّروا، وبَنَوا بكلِّ رِيعٍ آيةً عَبَثًا بغيرِ نفعٍ، كَلَّمهم هودٌ، فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣١]. قالوا: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٣]

стр. 6978

أي: ما هذا الذي جئتنا به إلَّا جنونٌ أصابَك به بعضُ آلهتِنا هذه التي تعيبُ. قال: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾. إلى قوله: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٣ - ٥٦]. فلما فَعَلوا ذلك أمسَكَ اللهُ عنهم المطرَ مِن السماءِ ثلاثَ سنينَ - فيما يَزْعُمون - حتى جهدَهم ذلك، وكان الناسُ في [ذلك الزمانِ] (١) إذا نَزَلَ بهم بلاءٌ أو جَهْدٌ، فطَلَبوا إلى اللهِ الفرجَ منه، كانت طَلِبَتُهم إلى اللهِ عندَ بيتِه الحرامِ بمكةَ؛ مسلمِهم ومشركِهم، فيجتمعُ بمكةَ ناسٌ كثيرٌ شتَّى، مختلفةٌ أديانُهم، وكلُّهم مُعَظِّمٌ لمكةَ، يَعْرِفُ حُرْمَتها ومكانَها مِن اللهِ. قال ابن إسحاقَ: وكان البيتُ في ذلك الزمانِ معروفًا مكانُه، والحرمُ قائمٌ فيما يَذْكُرون، وأهلُ مكة يومَئذٍ العماليقُ، وإنما سُمُّوا العماليقَ لأن (٢) أباهم عِمْلِيقُ بنُ لاوَذَ بن سامِ بن نوحٍ، وكان سيدُ العماليقِ إذ ذاك بمكةَ، فيما يَزْعُمون، رجلًا يقالُ له: معاويةُ بنُ بكرٍ. وكان أبوه حيًّا في ذلك الزمانِ، ولكنه كان قد كَبِرَ، وكان ابنُه يَرْأَسُ قومَه، وكان السؤدُدُ والشرفُ مِن العماليقِ، فيما يَزْعُمون، في أهلِ ذلك البيتِ، وكانت (٣) أمُّ معاويةَ بن بكرٍ كَلْهدةَ ابنةَ الخَيْبَرِيِّ؛ رجلٍ مِن عادٍ، فلما قحَط المطرُ عن عادٍ وجُهدوا، قالوا: جَهِّزُوا منكم وفدًا إلى مكةَ، فليَسْتَسْقوا لكم، فإنكم قد هَلَكتُم. فبَعَثُوا قَيْلَ بنَ عنزٍ (٤)، ولُقَيْمَ بنَ هَزَّالِ بن هزيلٍ، [وعُتَيْلَ بنَ صدِّ] (٥) بن عادٍ الأكبرِ، ومَرْثَدَ بنَ سعدِ بن غُفَيرٍ، وكان مسلمًا يكتُمُ إسلامَه (٦)، وجُلْهُمة بنَ الخبيريِّ (٧)؛

стр. 6979

خالُ معاويةَ بن بكرٍ؛ أخو أمِّه، ثم بَعَثوا لقمانَ بنَ عادِ بن فلانِ بن فلانِ بن صِدِّ بَنِ عادٍ الأكبر، فانطلقَ كلُّ رجلٍ من هؤلاء القوم معه رَهْطُ مِن قومِه، حتى بلَغ عدةُ وفدِهم سبعينَ رجلًا، فلما قَدِموا مكةَ نَزَلوا على معاويةَ بن بكرٍ، وهو بظاهرِ مكةَ خارجًا مِن الحرمِ، فأنزَلهم وأكْرَمَهم وكانوا أخوالَه وصِهرَه (١)، فلما نَزَلَ وفدُ عادٍ على معاويةَ بن بكرٍ، أقاموا عندَه شهرًا يَشْرَبون الخمرَ وتُغَنِّيهم الجرادتان؛ قينتانِ لمعاوية بن بكرٍ، وكان مسيرُهم شهرًا، ومُقامُهم شهرًا، فلما رأى معاوية بنُ بكرٍ طولَ مُقامِهم، وقد بَعَثَهم قومُهم يَتَعَوَّذون (٢) بهم مِن البلاءِ الذي أصابَهم، شَقَّ ذلك عليه، فقال: هلَك أخْوالى وأصْهارى، وهؤلاء مُقيمون عندى، وهم ضَيْفى نازِلون عليَّ، واللهِ ما أدْرى كيف أصنعُ بهم؟ [إن أمرتُهم] (٣) بالخروجِ إلى ما بُعِثوا له، فيظنُّوا أنه ضِيقٌ منى بمُقامِهم عندى، وقد هلَك مَن وراءَهم مِن قومِهم جَهْدًا وعَطَشًا - أو أو كما قال - فَشَكا ذلك مِن أمرِهم إلى قَبْنتَيه الجرَادَتَين، فقالتا: قُلْ شعرًا نُغَنِّيهم به، لا يَدْرون مَن قالَه، لعلّ ذلك أن يُحرِّكَهم. فقال معاويةُ بنُ بكرٍ حينَ أشارَنا عليه بذلك: ألَا يا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ … لعلَّ الله يُصْبِحُنا (٤) غَمَامَا فَيَسْقِى أَرضَ عادٍ إِنَّ عَادًا … قَدَ امْسَوا لا يُبِينُون الكلامَا من العطشِ الشديدِ فليس نَرْجُو … به الشيخَ الكبيرَ ولا الغُلاما وقد كانتْ نساؤُهُمُ بخيرٍ … فقد أَمْسَت نِسَاؤُهُمُ عَرَامَى (٥)

стр. 6980

وإنَّ الوَحْشَ تَأْتِيهم جِهارًا … ولا تَخْشَى لِعَادِيٍّ سِهَامَا وأنتُم هاهنا فيما اشْتَهَيتُم … نهارَكمُ وَلَيْلَكُمُ التَّمَاما فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِن وَفْدِ قومٍ … ولَا لُقُّوا التَّحِيَّةَ والسَّلامَا فلما قال معاوية ذلك الشعرَ، غَنَّتْهم به الجرادتان. فلما سمِعَ القومُ ما غَنَّتا به قال بعضُهم لبعضٍ: يا قومُ إنما بعثَكم قومُكم يَتَعَوَّذون (١) بكم من هذا البلاءِ الذي نزَل بهم، وقد أبطأتُم عليهم، فادْخُلُوا هذا الحرمَ، واسْتَسْقوا لقومِكم. فقال مَرْثَدُ بنُ سعدِ بن عُفَيرٍ: إنكم واللهِ لا تُسْقَوْن بدُعائِكم، ولكن إن أطعتُم نبيَّكم وأَنَبتُم إليه سُقِيتم. فأظْهَر إسلامه عند ذلك، فقال لهم جُلْهُمَةُ بنُ الخيبريِّ، خالُ معاويةَ بن بكرٍ، حينَ سمِع قولَه، وعرَف أنه قد اتَّبَعَ دينَ هودٍ وآمَن به: أبَا سعدٍ فإنَّك مِن قَبِيلٍ … ذَوِى كَرَمٍ وأُمُّكَ مِن ثمودِ فإنَّا لن (٢) نُطِيعَك ما بَقِينا … ولَسْنَا فَاعِلِينَ لِمَا تُرِيدُ أَتَأْمُرُنَا لِنَتْرُكَ دِينَ رِفْدٍ … وَزَمْلَ [وَآلَ صُدٍّ والعُبودِ] (٣) ونَتْرُكَ دينَ آباءٍ كِرامٍ … ذَوِى رأىٍ ونَتَّبَعَ دينَ هُودِ ثم قالُوا (٤) لمعاويةَ بن بكرٍ وأبيه بكرٍ: احْبِسَا عَنَّا مَرْثَدَ بنَ سعدٍ، فَلا يَقْدَمَنَّ معنا مكةَ، فإنه قد اتَّبَعَ دينَ هودٍ وتَرَكَ دينَنا. ثم خَرَجوا إلى مكةَ يَسْتَسْقون بها لعادٍ، فلمَّا وَلَّوا إلى (٥) مكةَ، خرج مَرْثَدُ بنُ سعدٍ مِن منزلِ معاويةَ بن بكرٍ حتى أدْرَكَهم

стр. 6981

بها، [قبل أن يدعُوا] (١) اللَّهَ بشيءٍ مما خَرَجوا له. فلما انتَهى إليهم (٢) قام يَدْعُو اللَّهَ بمكةَ، وبها وفدُ عادٍ قد اجْتَمَعوا يَدْعون، يقول: اللهمَّ أعْطِنى سُؤْلى وحدى، ولا تُدْخِلْني في شيءٍ مما يَدْعُوك به وفدُ عادٍ. وكان قَيْلُ بنُ عَنْزِ رأسَ وفدِ عادٍ، وقال وفدُ عادٍ: اللهمَّ أَعْطِ قَيْلًا ما سألَكَ، واجعلْ سؤلَنا مع سُؤْلِه. وكان قد تَخَلَّفَ عن وفدِ عادٍ حينَ دَعَا لقمانُ بنُ عادٍ، وكان سيدَ عادٍ، حتى إذا فَرَغوا مِن دعوتِهم، قام فقال: اللهمَّ إنى جئتُك وحدى في حاجتى فأعْطِنى سُؤْلى. وقال قَيْلُ بنُ عنزٍ حينَ دَعا: يا إلَهنا، إن كان هودٌ صادقًا فاسْقِنا فإنا قد هَلَكْنَا. فَأَنْشَأَ اللَّهُ لهم سحائبَ ثلاثًا؛ بيضاءَ وحمراءَ وسوداءَ، ثم نادَاه مُنادٍ من السحابِ: يا قَيْلُ، اخترْ لنفسِك وقومِك مِن هذا السحابِ. فقال: اخترتُ السحابةَ السوداءَ، فإنها أكثرُ السحابِ ماءً. فَناداه مُنادٍ: اخترتَ رمادًا رِمْددًا (٣)، لا تُبْقِى مِن (٤) عادٍ أحدًا، لا والدًا تتركُ ولا ولدًا، إلا جَعَلَتْه هَمِدًا، إلا بنى اللُّوذِيَّةِ المُهَدَّى. وبنو اللُّوذِيَّةِ، بنو لُقَيمِ بنِ هزَّالِ (٥) ابن هزيلةَ بنتِ (٦) بكرٍ، وكانوا سكانًا بمكةَ مع أخوالِهم لم يكونوا مع عادٍ بأرضِهم، فهم عادٌ الآخِرةُ، ومَن كان مِن نَسْلِهم الذين بَقُوا مِن عادٍ - وساقَ اللهُ السحابةَ السوداءَ - فيما يَذْكُرون - التي اخْتارَها قَيْلُ بنُ عنزٍ بما فيها مِن النِّقْمةِ إلى عادٍ، حتى خرَجت (٧) عليهم من وادٍ يُقالُ له: المُغِيثُ. فلما رَأَوها اسْتَبْشَروا بها وقالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. يقولُ اللَّهُ: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا

стр. 6982

عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥]. أي: كلَّ شيءٍ أُمِرَتْ به. وكان أولَ مَن أبصَر ما فيها وعَرَفَ أنها ريحٌ - فيما يَذْكُرون - امرأةٌ مِن عادٍ يقالُ لها: مَهْدُ (١). فلما تَيَقَّنَت ما فيها، صاحَت ثم صَعِقَت، فلما أفاقَتْ قالوا: ماذا رأيتِ يا مَهْدُ (١)؟ قالت: رأيتُ ريحًا فيها كشُهُبِ النارِ، أمامَها رجالٌ يَقودُونها. فسَخَّرَها اللهُ عليهم سبع ليال وثمانية أيامٍ حسومًا، كما قال اللهُ (٢). والحُسُومُ الدائمةُ، فلم تَدَعْ مِن عادٍ أحدًا إلا هلَك. فاعْتَزَل هودٌ، فيما ذُكِر لى، ومَن معَه مِن المؤمنين في حظيرةٍ، ما يُصيبُه ومَن معه (٣) إلا ما تَلِينُ عليه الجلودُ، وتَلْتَذُّ (٤) الأنفسُ، [وإنها لتَمُرُّ على (٥) عادٍ بالظَّعن] (٦) ما (٧) بينَ السماءِ والأرضِ، وتَدْمَغُهم بالحجارة. وخَرَجَ وفدُ عادٍ مِن مكةَ، حتى مَرُّوا بمعاويةَ بن بكرٍ وأبيه (٨). فنَزَلوا عليه، فبينما هم عندَه، إذ أقبَل رجلٌ على ناقةٍ له، في ليلةٍ مُقْمرةٍ مُسْىَ (٩) ثالثةٍ مِن مُصابٍ (١٠) عادٍ، فأخبرَهم الخبرَ، فقالوا له: فأين فارَقْتَ هودًا وأصحابَه؟ قال: فارَقْتُهم بساحلِ البحرِ. فكأنهم شَكُّوا فيما حَدَّثهم به، فقالت هزيلةُ بنتُ بكرٍ: صَدَقَ وربِّ الكعبةِ (١١).

стр. 6983

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، قال: ثنا عاصمٌ، عن الحارثِ بن حسانَ البكريِّ، قال: قَدِمْتُ على رسولِ اللهِ ﷺ ، فمررتُ بامرأةٍ بالرَّبَذَةِ (١)، فقالت: هل أنتَ حاملي إلى رسول الله ﷺ ؟ قلتُ: نعم. فَحَمَلتُها حتى قدِمتُ المدينةَ، فَدَخَلتُ المسجدَ، فإذا رسولُ اللهِ ﷺ على المنبرِ، وإذا بلالٌ مُتَقَلِّدٌ السيفَ، وإذا راياتٌ سودٌ. قال: قلتُ: ما هذا؟ قال (٢): عمرُو بنُ العاصِ قَدِمَ مِن غزوتِه. فلما نزَل رسولُ اللهِ ﷺ عن منبرِه أتيتُه، فاستأذَنتُ فأذِنَ لي، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إن بالبابِ امرأةً مِن بني تميمٍ، وقد سألَتْني أن أحْمِلَها إليك. قال: "يا بلالُ ائْذَنْ لها". قال: فدخَلتْ، فلما جلَستْ قال لى رسولُ اللهِ ﷺ : "هلْ بينَكم وبينَ تميمٍ شيءٌ؟ ". قلتُ: نعم. وكانت الدَّبْرَةُ (٣) عليهم، فإن رأيتَ (٤) أن تَجْعَلَ الدَّهْنَاءَ بينَنا وبينَهم حاجزًا فعلتُ. قال: تقولُ المرأةُ: [فأين تضطرُّ مُضَرَك] (٥) يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: قلتُ: إن مَثَلَى مَثَلُ (٦) مِعْزًى حَمَلَت حَتْفًا (٧). قال: قلتُ: وحَمَلتُكِ تكونين عليَّ خَصْمًا؟ أعوذُ باللَّهِ أن أكونَ كوافدِ عادٍ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "وما وَافِدُ عادٍ؟ ". قال: قلتُ: على الخبيرِ سَقَطْتَ، إن عادًا قَحَطت فبعَثت مَن يَسْتَسْقى لها، فبَعَثُوا رجالًا، فمَرُّوا على بكرِ بن معاويةَ، فَسَقاهم الخمرَ، وتَغَنَّتهم الجَرَادَتان شهرًا، ثم

стр. 6984

فصَلوا (١) مِن عندِه، حتى أَتَوا جبالَ مَهَرةَ (٢)، فَدَعَوا، فجاءت سحاباتٌ. قال: وكُلَّما جاءتْ سحابةٌ، قال: اذْهَبى إلى كذا. حتى جاءت سحابةٌ، فنُودِى منها (٣): خُذْها رمادًا رِمْدِدًا (٤)، لا تَدَعُ مِن عادٍ أحدًا. قال: فسَمِعَه وكتَمَهم (٥)، حتى جاءَهم العذابُ. قال أبو كريبٍ: قال أبو بكرٍ بعدَ ذلك في حديثِ عادٍ، قال: فأقبلَ الذي (٦) أتاهم، فأتَى جبالَ مَهَرةَ، فصَعِدَ فقال: اللهمَّ إنى لم أجِئْك لأسيرٍ فأفادِيَه، ولا لمريضٍ أَشْفِيَه، فاسْقِ عادًا ما كنتَ مُسْقِيَه. قال: فرُفِعَت له سحاباتٌ. قال: فنُودِيَ منها: اخترْ. قال: فجَعَل يقولُ: اذْهَبى إلى بنى فلانٍ، [اذْهَبي إلى بني فلانٍ] (٧) ". قال: فمَرَّتْ آخرَها سحابةٌ سوداءُ، فقال: اذْهَبى إلى عادٍ. فنُودِى منها: خُذْها رَمادًا رِمْدِدًا، لا تَدَعُ مِن عادٍ أحدًا. قال: وكتَمَهم، والقومُ عند بكرِ بن معاويةَ يَشْرَبون. قال: وكَرِه بكرُ بنُ معاويةَ أن يقولَ لهم مِن أجلِ أنهم عندَه، وأنهم في طعامِه. قال: فأَخَذَ في الغناءِ وذَكَّرَهم (٨). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنا سلَّامٌ أبو المنذرِ النحويُّ، قال: ثنا عاصمٌ، عن أبي وائلٍ، عن الحارثِ بن يزيد البكرى، قال: خرجتُ

стр. 6985

لأشكوَ العلاءَ بنَ الحضرميِّ إلى رسولِ الله ﷺ ، فمَرَرْتُ بالرَّبذَةِ، فإذا عجوزٌ مُنقَطَعٌ بها مِن بني تميمٍ، فقالت: يا عبدَ اللهِ، إن لى إلى رسولِ اللهِ ﷺ حاجةً، فهل أنتَ مُبَلِّغى إليه؟ قال: فحَمَلْتُها، فقَدِمْتُ المدينةَ. قال: فإذا راياتٌ سودٌ (١)، قلتُ: ما شأنُ الناسِ؟ قالوا: يريد أن يبعث بعمرو بن العاص وجهًا. قال: فجَلَسْتُ حتى فَرَغَ. قال: فدَخَلَ منزله - أو قال: رَحْلَه - فاسْتأذَنتُ عليه، فأَذِنَ لي، فَدَخَلتُ فقعَدتُ، فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ كان بينَكم وبينَ تميمٍ شيءٌ؟ " قال (٢): قلتُ: نعم، وكانت الدَّبْرَةُ عليهم، وقد مَرَرْتُ بالرَّبَذَةِ، فإذا عجوزٌ منهم مُنقطَعٌ بها، فسألَتْني أن أحْملَها إليك وها هي بالبابِ، فأَذِنَ لها رسولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَت، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، اجعلْ بينَنا وبينَ تميمِ الدَّهْناءَ حاجزًا. فَحَمِيَتِ العجوزُ واسْتَوْفَرَت (٣) وقالت: فأين تضطر مُضرَك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: قلتُ: أنا كما قالوا (٤): مِعْزًى حَمَلَت حَتْفًا (٥)، حملتُ هذه ولا أشعرُ أنها كانت لى خَصْمًا، أَعوذُ باللهِ ورسولِه أن أكونَ كوافدِ عادٍ، قال: "وما وافدُ عادٍ؟ ". قال: على الخبيرِ سَقَطْتَ. قال: وهو يَسْتَطْعِمُنى الحديثَ. قلتُ: إن عادًا قُحِطُوا، فَبَعَثوا قَيْلًا (٦) وافدًا، فنَزَلَ على بكرٍ، فَسَقاه الخمرَ شهرًا، وتغنِّيه جاريتان يقالُ لهما: الجَرَادتان. فَخَرَجَ إِلى جبالِ مَهَرَةَ، فنادَى: إني لم أَجِئْ لمريضٍ فأُداوِيَه، ولا لأسيرٍ فأُفادِيَه، اللهمَّ اسْقِ عادًا [ما كنتَ مُسْقِيَه (٧)] (٨) فمَرَّت به سحاباتٌ سودٌ، فنُودِى منها: خُذْهَا رَمادًا رِمْدِدًا، لا تُبْقى مِن

стр. 6986

عادٍ أحدًا. قال: فكانت المرأةُ تقولُ: لا تكنْ كوافدِ عادٍ. فما (١) بَلَغَنى أنه (٢) أُرسِل عليهم من الريحِ يا رسولَ اللَّهِ، إِلا قَدْرُ ما يَجْرى في خَاتمي. قال أبو وائلٍ: فكذلك بَلَغَنى (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: أن عادًا أتاهم هودٌ، فوعَظهم وذَكَّرَهم بما قَصَّ (٤) اللهُ في القرآنِ، فَكَذَّبُوه وَكَفَروا، وسألوه أن يأتيَهم بالعذابِ، فقال لهم: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾. وإن عادًا أصابَهم حينَ كَفَروا قُحُوطٌ مِن (٥) المطرِ، حتى جُهِدوا لذلك جَهْدًا شديدًا، وذلك أن هودًا دَعَا عليهم، فبعَث اللهُ عليهم الريحَ العقيمَ، وهى الريحُ التي لا تُلْقِحُ الشجرَ، فلما نَظَروا إليها قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. فلما دَنَتْ منهم نَظَروا إلى الإبلِ والرجالِ تطيرُ بهم الريحُ بينَ السماءِ والأرضِ، فلما رأوها تنادَوا: البيوت. فلما دَخَلوا البيوتَ دخَلت عليهم، فأهْلَكَتهم فيها، ثم أخْرَجَتهم من البيوتِ، فأصابَتْهم ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾. والنَّحْسُ هو الشؤم، و ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]: استمرَّ عليهم بالعذابِ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]: حَسَمَت كلَّ شيءٍ مَرَّتْ به، فلما أَخْرَجَتهم مِن البيوتِ،

стр. 6987

قال اللهُ: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ مِن البيوتِ ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]: انقَعَرَ مِن أصولِه ﴿خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]: خَوَت فسقَطت، فلما أَهْلَكَهم اللهُ أرسَل عليهم (١) طيرًا سُودًا فنَقَلَتهم إلى البحرِ فألْقَتْهم فيه. فذلك قولُه: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى (٢) إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. ولم تخرُجْ ريحٌ قطُّ إلا بمكيالٍ إلا يومَئِذٍ، فإنها عَتَتْ على الخَزَنةِ فغَلَبَتهم، فلم يَعْلَموا كم كان مكيالُها، وذلك قولُه: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]. والصَّرْصَرُ: ذاتُ الصوتِ الشديدِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالت [عادٌ لهودٍ] (٤): أجِئْتَنا تَتَوعَدُنا بالعقابِ مِن اللَّهِ على ما نحنُ عليه مِن الدينِ كى نعبدَ الله وحدَه، ونَدِينَ له بالطاعةِ خالصًا، ونهجُرَ عبادةَ الآلهةِ والأصنامِ التي كان آباؤُنا يعبُدُونها، ونتبرَّأَ منها؟ فلسنا فاعِلي ذلك ولا مُتَّبِعيك (٥) على ما تَدْعونا إليه، فأْتِنا بما تَعِدُنا مِن العقابِ والعذابِ على تَرْكِنا إخلاصَ التوحيدِ اللهِ، وعبادتِنا ما نعبدُ مِن دونِه من الأوثانِ، إن كنتَ مِن أهلِ الصدقِ على ما تقولُ وتَعِدُ. القول في تأويل قولِه: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.

стр. 6988

يقولُ تعالى ذكرُه: قال هودٌ لقومِه: قد حَلَّ بكم عذابٌ وغضبٌ مِن اللهِ. وكان أبو عمرٍو بنُ العلاءِ، فيما ذُكِر لنا عنه، يزعُمُ أَن الرِّجْزَ والرَّجْسَ بمعنًى واحدٍ، وأنها مقلوبةٌ، قُلِبت السينُ زايًا، كما قُلِبت شَئِزٌ (١) وهي من شَئِسٍ بسينٍ، وكما قالوا: قَرَبُوسٌ وقَرَبوزٌ. وكما قال الراجزُ: (٢) ألَا لَحَى اللَّهُ بَنِي السِّعْلاتِ (٣) عَمْرَو بْنَ يَرْبُوعٍ لِئَامَ النَّاتِ لَيْسُوا بأَعْفافٍ ولا أَكْياتِ يريدُ: الناسِ، وأكياسِ، فقُلِبت السينُ تاءً. كما قال رؤبةُ (٤): كُمْ قد رَأَيْنا مِن عَديدٍ مُبْزِى (٥) حتى وَقَمْنَا (٦) كَيْدَهُ بالرِّجْزِ رُوىَ عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُ: الرِّجْزُ السَّخَطُ. حدَّثني بذلك المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ

стр. 6989

رِجْسٌ﴾. يقولُ: سَخَطٌ (١). وأما قولُه: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾. فإنه يقولُ: أَتُخاصِمُوننى في أسماءٍ سَمَّيتُموها، أصنامًا، لا تضُرُّ ولا تنفعُ، ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. يقولُ: ما جعَل اللهُ لكم في عبادتِكم إياها مِن حُجَّةٍ تَحْتَجُّون بها، ولا مَعْذِرةٍ تَعْتَذِرون بها؛ لأن العبادةَ إنما هي لَمَن ضَرَّ ونفَع، وأثابَ على الطاعةِ، وعاقبَ على المعصيةِ، ورزَق ومنَع، فأما الجمادُ مِن الحجارةِ والحديدِ والنحاسِ، فإنه لا نفعَ فيه ولا ضَرَّ، إلا أن تَتَّخِذَ منه آلةً، ولا حجةَ لعابدٍ عبَدَه مِن دونِ اللهِ في عبادتِه إيَّاه؛ لأن الله لم يأذَنْ بذلك فيُعذِرَ مَن عبَدَه بأنه يعبُدُه اتباعًا منه أمرَ اللهِ في عبادتِه إياه، ولا هو - إذ كان اللهُ لم يأذَنْ في عبادتِه - مما يُرْجَى نفعُه، أو يُخافُ ضَرُّه، في عاجلٍ أو آجلٍ، فَيُعْبَدَ رجاءَ نَفْعِه، أو دفعَ ضَرِّه، ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. يقولُ: فانْتَظِروا حكمَ اللهِ فينا وفيكم، إنّى معكم من المُنتظرين حكمَه، وفَضْلَ قضائِه فينا وفيكم. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأنْجَينا نوحًا والذين معه مِن أتباعِه على الإيمانِ به، والتصديقِ به وبما دعَا إليه مِن توحيدِ اللَّهِ، وهَجْرِ الآلهةِ والأوثانِ، ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: وأَهْلَكْنا الذين كَذَّبوا مِن قوم هودٍ بحُجَجنا جميعًا عن آخرِهم، فلم نُبْقِ منهم أحدًا. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:

стр. 6990

﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام: ٤٥]. قال: اسْتَأْصَلْناهم (١). وقد بَيَّنا فيما مَضَى معنى قولِه: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بشواهدِه بما أغنَى عن إعادتِه (٢). ﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: لم يكونوا مُصَدِّقين باللهِ ولا برسولِه هودٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أرسَلنا إلى ثمودَ أخاهم صالحًا. وثمود، هو ثمودُ بنُ جاثَر (٣) بن إرَمَ بن سامِ بن نوحٍ، وهو أخو جَدِيسِ بن جاثَر (٣)، وكانت مساكنُهما الحِجْرَ بينَ الحجازِ والشامِ إلى وادى القُرى وما حولَه. و (٤) معنى الكلامِ: وإلى بني (٥) ثمودَ أخاهم صالحًا. [وإنما منع " ثمود"] (٦) لأن "ثمودَ" قبيلةٌ، كما بكرٌ قبيلةٌ، وكذلك تميمٌ. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. يقولُ: قال صالحٌ لثمودَ: يا قومِ اعْبُدُوا الله وحدَه لا شريكَ له، فما لكم مِن إلهٍ يجوزُ لكم أن تَعْبُدوه

стр. 6991

غيرُه، وقد جاءتكم حُجَّةٌ [مِن ربِّكم] (١) وبرهانٌ على صدقِ ما أقولُ وحقيقةِ ما إليه أدْعُو؛ مِن إخلاصِ التوحيدِ للهِ، وإفرادِه بالعبادةِ دونَ ما سِواه، وتَصْديقى على أني له رسولٌ، وبَيِّنتى على ما أقولُ، وحقيقةِ ما جئتُكم به مِن عندِ ربي، وحُجَّتي عليه - هذه الناقةُ التي أخْرجَها اللَّهُ مِن هذه الهَضْبةِ، دليلًا على نُبُوَّتى، وصدقِ مَقالتي، فقد عَلِمتم أن ذلك مِن المعجزاتِ التي لا يقدِرُ على مثلِها أحدٌ إلا اللهُ. وإنما استشهَد صالحٌ، فيما بَلَغنى، على صحةِ نبوَّتِه عندَ قومِه ثمودَ بالناقةِ؛ لأنهم سألوه إيَّاها آيةً ودَلالةً على حقيقةِ قولِه. ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ سببِ قتلِ قومِ صالحٍ الناقةَ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفَيحٍ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال: قالت ثمودُ لصالحٍ: اتْيِنا بآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: فقال لهم صالحٌ: اخْرُجوا إلى هَضْبةٍ مِن الأرضِ. فخَرَجوا، فإذا هي تَمَخَّضُ كما تتمخَّضُ الحاملُ، ثم إنها انفَرَجَت، فخَرَجَت مِن وسطِها الناقةُ، فقال صالحٌ: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]. ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]. فلما مَلُّوها عَقَرُوها، فَقَالَ لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. قال عبدُ العزيزِ: وحدَّثنى رجلٌ آخَرُ، أن صالحًا قال لهم: إن آيةَ العذابِ أن تُصبحوا غدًا حُمْرًا، واليومَ الثانِيَ صُفْرًا، واليومَ الثالثَ سُودًا. قال: فصَبَّحَهم العذابُ، فلما رَأَوا ذلك تَحنَّطُوا واسْتعدُّوا (٢).

стр. 6992

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. قال: إن الله بعَث صالحًا إلى ثمودَ، فَدَعاهم فكَذَّبوه، فقال لهم ما ذَكَر اللهُ في القرآنِ، فسألوه أن يأتيَهم بآيةٍ، فجاءَهم بالناقةِ لها شِرْبٌ ولهم شِرْبُ يومٍ معلومٍ. وقال: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾. فأقرُّوا بها جميعًا، فذلك قولُه: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. وكانوا قد أقرُّوا به على وجهِ النفاقِ والتَّقِيَّةِ، وكانت الناقةُ لها شِرْبٌ، فيومَ تشربُ فيه الماءَ، تمرُّ بينَ جَبلين، فيزْحَمانها (١). ففيهما أثرُها حتى الساعةِ، ثم تأتى فتقفُ لهم حتى يَحْلُبوا اللبنَ فيَرْوِيَهم، [إنما تصُبُّ صبًّا] (٢)، ويومَ يَشْرَبون الماءَ لا تَأْتِيهم، وكان معها فَصِيلٌ لها، فقال لهم صالحٌ: إنه يُولَدُ في شهرِكم هذا غلامٌ يكونُ هلاكُكم على يَدَيه. فوُلِدَ لتسعةٍ منهم في ذلك الشهرِ، فذبَحوا أبناءَهم، ثم وُلِدَ للعاشرِ فأبَى أن يذبحَ ابنَه، وكان لم يُولَدْ له قبلَ ذلك شيءٌ، فكان ابن (٣) العاشرِ أزرقَ أحمرَ، فَنَبَتَ نباتًا سريعًا، فإذا مَرَّ بالتسعةِ فرَأَوه، قالوا: لو كان أبناؤنا أحياءً كانوا مثلَ هذا. فغَضِبَ التسعةُ على صالحٍ؛ لأنَّه أمَرَهم بذبحِ أبنائِهم، فـ ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩]. قالوا: نخرُجُ، فيَرى الناسُ أنَّا قد خرجنا إلى سفرٍ، فنأتى الغارَ فنكونُ فيه، حتى إذا كان الليلُ وخرَج صالحٌ إلى المسجدِ أَتَيناه فقَتَلْناه، ثم رَجَعنا إلى الغارِ فكُنَّا فيه، ثم رَجَعْنا فقلْنا: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، يُصدِّقوننا، يَعْلمون أنَّا قد خَرَجنا إلى سفرٍ. فانْطَلَقوا، فلما دَخَلُوا الغارَ أرادوا أن يَخْرُجوا مِن الليلِ، فسَقَطَ عليهم

стр. 6993

الغارُ فقتَلهم، فذلك قولُه: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. حتى بَلَغَ هاهنا: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٤٨ - ٥١]. وكَبِرَ الغلامُ ابن العاشرِ، ونَبَتَ نباتًا عَجَبًا مِن السرعةِ، فجلَس مع قومٍ يُصِيبون مِن الشَّرابِ، فأرادُوا ماءً يمْزُجون به شرابَهم، وكان ذلك اليومُ يومَ (١) شِرْبِ الناقةِ، فوجَدوا الماءَ قد شَرِبَته الناقةُ، فاشْتدَّ ذلك عليهم، وقالوا في شأنِ الناقةِ: ما نَصْنعُ نحنُ باللبنِ! لو كُنَّا نأخُذُ هذا الماءَ الذي تشرَبُه هذه الناقةُ فَنَسْقِيَه أنعامَنا وحُرُوثَنا كان خيرًا لنا، فقال الغلامُ ابن العاشرِ: هل لكم في أن أعْقِرَها لكم؟ قالوا: نعم. فأظْهَرُوا دينَهم، فأتاها الغلامُ، فلما بَصُرت به، شَدَّتْ عليه، فهرَب منها، فلما رأَى ذلك، دخَل خلفَ صخرةٍ على طريقِها، فاسْتَتَر بها، فقال: [أحِيشُوها عليَّ. فَأَحَاشُوها] (٢) عليه، فلما جازَت به نادَوْه: عليك. فَتَناوَلها فعَقَرها، فسَقَطَت، فذلك قولُه: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]. وأظْهَروا حينَئذٍ أمرَهم، وعَقَروا الناقةَ، وعَتَوا عن أمرِ ربِّهم، وقالوا: يا صالحُ ائْتِنا بما تَعِدُنا. وفَزِعَ ناسٌ منهم إلى صالحٍ، وأَخْبَروه أن الناقةَ قد عُقِرَت، فقال: عليَّ بالفَصِيلِ. فطَلَبوا الفَصِيلَ، فوَجَدوه على رَابيةٍ مِن الأرضِ فطَلَبوه، فارْتَفَعت به حتى حَلَّقَت به في السماءِ فلم يَقْدِروا عليه. ثم رغَا (٣) الفصيلُ إلى اللهِ، فأوحَى اللهُ إلى صالحٍ: أنْ مُرْهم فليَتَمتَّعوا في دارهمِ ثلاثةَ أيامٍ. فقال لهم صالحٌ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]. وآيةُ

стр. 6994

ذلك أن تُصبح وجوهكم [أولَ يومٍ] (١) مُصْفَرَّةً، والثانِيَ مُحمرَّةً، واليومَ الثالثَ مسودَّةً، واليومُ الرابعُ فيه العذابُ. فلما رَأَوا العلاماتِ تَكَفَّنوا وتَحَنَّطوا ولَطَّخوا أنفسَهم بالمُرِّ (٢)، ولَبِسوا الأنْطاعَ (٣)، وحَفَروا الأسْرابَ، فَدَخَلُوا فيها يَنْتظِرون الصيحةَ، حتى جاءَهم العذابُ فهَلَكوا. فذلك قولُه: فـ ﴿دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤) [النمل: ٥١]. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لمَّا أهْلَك اللهُ عادًا وتَقَضَّى أمرُها، عَمِرتْ ثمودُ بعدَها، واسْتُخْلِفوا في الأرضِ، فنزَلوا فيها وانْتَشَروا، ثم عَتَوْا على اللَّهِ. فلما ظهَر فسادُهم وعبَدُوا غيرَ اللهِ، بعَث إليهم صالحًا - وكانوا قومًا عَرَبًا، وهو (٥) مِن أوسطِهم نسبًا وأفضلِهم موضعًا - رسولًا، وكانت منازلُهم الحِجْرَ إلى قُرْحٍ، وهو وادى القرى، وبينَ ذلك ثمانيةَ عشَرَ ميلًا، فيما بينَ الحجازِ والشامِ، فبعَث اللهُ إليهم غلامًا شابًّا، فَدَعاهم إلى اللَّهِ، حتى شَمِطَ وَكَبِرَ، لا يتبعُه منهم إلا قليلٌ مُسْتَضْعَفون فلما ألحَّ عليهم صالحٌ بالدعاءِ، وأكثَر لهم التحذيرَ، وخَوَّفَهم مِن اللهِ العذابَ والنِّقْمةَ، سألوه أن يُرِيَهم آيةً تكونُ مِصْداقًا لِما يقولُ فيما يَدْعوهم إليه، فقال لهم: أيَّ آيةٍ تُريدون؟ قالوا: تخرُجُ معنا إلى عيدِنا هذا - وكان لهم عيدٌ يخرُجون إليه بأصنامِهم وما يَعْبدون مِن دونِ اللهِ في يومٍ معلومٍ مِن السنةِ - فتَدْعُو إِلهَك ونَدْعُو آلهتَنا، فإنِ اسْتُجِيبَ لك اتَّبَعْناك، وإن اسْتُجِيبَ لنا اتَّبَعْتَنا. فقال

стр. 6995

لهم صالحٌ: نعم. فخَرَجوا بأوثانِهم إلى عيدِهم ذلك، وخرَج صالحٌ معهم إلى اللهِ، فدعَوْا أوثانَهم وسألوها ألا يُستجاب لصالحٍ في شيءٍ مما يَدْعو به، ثم قال له جُنْدَعُ بنُ عمرِو (١) بن جَوَّاسِ (٢) بن عمرِو بن الدُّمَيْلِ، وكان يومَئذٍ سيدَ ثمودَ وعظيمَهم: يا صالحُ، أخرِجْ لنا مِن هذه الصَّخرةِ - [لصخرةٍ منفردةٍ في ناحيةِ الحِجْرِ يقالُ لها: الكاثِيةُ] (٣) - ناقةً مخترجةً جَوْفاءَ وَبْراءَ - والْمُخترجَةُ: ما شاكَلَت البُخْتَ مِن الإبلِ - وقالت ثمودُ لصالحٍ مثلَ ما قال جُنْدَعُ بنُ عمرٍو (١)، فإن فعلتَ آمَنَّا بك وصَدَّقْناك، وشَهِدنا أن ما جئتَ به هو الحقُّ، وأخَذ عليهم صالحٌ مواثيقَهم، لئن فعلتُ وفَعَلَ اللَّهُ لتصدِّقُنِّى ولتؤمنُنَّ بي؟ قالوا: نعم. فأعْطَوْه على ذلك عهودَهم، فَدَعا صالحٌ ربَّه بأن يُخرِجَها لهم مِن تلك الهَضْبةِ كما وصَفوا (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يعقوبَ بن عتبةَ بن المغيرةِ بن الأخْنسِ، أنه حَدَّثَ أنهم نَظَروا إلى الهَضْبةِ حينَ دعا الله صالحٌ بما دعا به، تَمخَّضُ (٥) بالناقةِ تَمخُّضَ النَّتُوجِ (٦) بولدِها، فتَحَرَّكت الهضْبةُ، ثم [انتَفَضَت بالناقةِ] (٧)، فانصَدَعَت عن ناقةٍ، كما وصَفوا، جوفاءَ وَبْراءَ نَتُوجًا، ما بينَ جَنْبَيها لا يعلَمُه إِلا اللَّهُ عِظَمًا، فَآمَنَ به جُنْدَعُ بنُ عمرٍو، ومَن كان معه على أمرِه مِن رَهْطِه، وأراد أشرافُ ثمودَ أن يُؤمنوا به ويُصَدِّقوا، فنَهاهم ذُؤَابُ بن عمرِو بن لبيدٍ، والحبابُ

стр. 6996

صاحبُ أوثانِهم، وربابُ (١) بنُ صَمْعَرِ بن جَلْهِسٍ، وكانوا مِن أشرافِ ثمودَ، فرَدُّوا أشرافَها عن الإسلامِ، والدخولِ فيما دَعاهم إليه صالحٌ مِن الرحمةِ والنجاةِ، وكان لجُنْدَعٍ ابن عمٍّ يقال له: شهابُ بنُ خليفةَ بن مخلاةَ بن لبيدِ بن جَوَّاسٍ. فأرادَ أن يُسْلِمَ، فَنَهاه أولئك الرهطُ عن ذلك فأطاعَهم، وكان من أشرافِ ثمودَ وأفاضلِها، فقال رجلٌ مِن ثمودَ يقال له: مهْرَشُ (٢) بنُ غَنْمةَ بن الدُّمَيلِ، وكان مسلمًا: وكانت عُصْبَةٌ مِن آلِ عمرٍو … إلى دِينِ النبيِّ دَعَوْا شِهَابَا عزيزَ ثمودَ كُلِّهِمُ جميعًا … فَهَمَّ بأَنْ يُجِيبَ وَلَوْ أَجَابا لأصْبَحَ صالحٌ فِينا عزيزًا … وما عَدَلوا بصاحبِهم ذُؤَابًا وَلكنَّ الغُواةَ مِنَ آلِ حُجْرٍ … تَوَلَّوْا بَعدَ رُشْدِهِمُ ذِئابَا فمَكَثَت الناقةُ التي أخرَجها اللهُ لهم، معها سَقْبُها (٣)، في أرضِ ثمودَ تَرْعَى الشجرَ، وتشربُ الماءَ، فقال لهم صالحٌ ﵇: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقال اللهُ لصالحٍ: ﴿أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨]. أي: أن الماءَ نصفان، لهم يومٌ ولها يومٌ، وهى محتضَرةٌ، فيومُها لا تدعُ شربَها، وقال: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعرا: ١٥٥]. فكانت، فيما بلَغنى واللهُ أعلمُ، إذا ورَدت، وكانت تَرِدُ غِبًّا، وَضَعَت رأسها في بئرٍ في الحِجْرِ، يقالُ لها: بئرُ الناقةِ. فيَزْعُمون أنها منها كانت تشربُ إذا ورَدت، تضعُ رأسها فيها، فما تَرْفَعُه حتى تشربَ كلَّ قطرةِ ماءٍ في الوادى، ثم ترفعُ رأسَها فتفشَّحُ (٤)، يعني:

стр. 6997

تَفَحَّجُ (١) لهم، فيَحْتَلِبون ما شاءوا مِن لبنٍ، فيَشْرَبون ويَدَّخِرون، حتى يَمْلَئوا كلَّ آنيتِهم، ثم تصدرُ مِن غيرِ الفجِّ الذي منه وردت، لا تقدِرُ على أن تَصْدُرَ مِن حيثُ تَرِدُ؛ يَضِيقُ (٢) عنها، فلا ترجِعُ منه، حتى إذا كان الغدُ كان يومَهم، فيَشْرَبون ما شاءوا مِن الماءِ، ويَدَّخِرون ما شاءوا ليومِ الناقةِ، فهم مِن ذلك في سَعَةٍ، وكانت الناقةُ، فيما يَذْكُرون، تَصِيفُ، إذا كان الحرُّ (٣)، ظَهْرَ (٤) الوادى، فتهرُبُ منها المواشى؛ أغنامُهم وأبقارُهم وإبلُهم، فتهبِطُ إلى بطنِ الوادي في حرِّه وجَدْبِه؛ وذلك أن المواشىَ تَنْفِرُ منها إذا رَأَتْها، وتَشْتُو بطنَ الوادى إذا كان الشتاءُ، فتهرُبُ مواشِيهم إلى ظَهْرِ الوادى في البردِ والجَدْبِ، فأضَرَّ ذلك بمواشيهم؛ للبلاءِ والاختبارِ، وكانت مَراتِعُها، فيما يَزْعُمون، [الجَنَابَ وحِسْمَى] (٥)، كلُّ ذلك تَرْعى مع وادى الحِجْرِ، فكَبُرَ (٦) ذلك عليهم، فعتَوا عن أمرِ ربِّهم، وأجْمَعوا في عَقْرِ الناقةِ رأيَهم. وكانت امرأةٌ مِن ثمودَ يقالُ لها: عُنَيزَةُ بنتُ غُنْمِ بن مِجْلَرٍ. تُكْنَى بِأُمِّ غُنْمٍ (٧)، وهي مِن بني عبيدِ بن المهلِ أخى زُمَيلِ (٨) بن المهلِ، وكانت امرأةَ ذُؤاب بن عمرٍو، وكانت عجوزًا مُسِنَّةً، وكانت ذات بناتٍ حسانٍ، وكانت ذاتَ مالٍ مِن إبلٍ وبقرٍ وغنَمٍ، وامرأةٌ أخرى يقال لها: صَدُوفُ (٩) بنتُ المحيَّا بن زهيرِ (١٠) بن المحيَّا

стр. 6998

سيدِ بني عبيدٍ، وصاحبِ أوثانِهم في الزمنِ الأولِ، وكان الوادى يقالُ له: وادى المحيَّا. وهو المحيَّا الأكبرُ، جدُّ المحيَّا الأصغرِ أبى صَدُوفَ، وكانت صَدُوفُ مِن أحسنِ الناسِ، وكانت غنيَّةً ذاتَ مالٍ مِن إبل وغنم وبقرٍ، وكانتا (١) مِن أشدِّ امرأتَين في ثمودَ عداوةً لصالحٍ، وأعظمِه (٢) به كفرًا، وكانتا تحتالانِ (٣) أن تُعْقَرَ الناقةُ مع كفرِهما به؛ لِمَا أَضَرَّت به مِن مواشِيهما، وكانت صَدُوفُ عندَ ابن خالٍ لها يقالُ له: صنيمُ (٤) بنُ هراوةَ بن سعدِ بن الغطريفِ مِن بني هليلٍ، فأسْلَم فحَسُنَ إسلامُه، وكانت صَدُوفُ قد فَوَّضَت إليه مالَها، فأنفَقَه على من أسْلَم معه مِن أصحابِ صالحٍ، حتى رَقَّ المالُ، فاطَّلَعت على ذلك مِن إسلامِه صَدُوفُ، فعاتَبَتْه على ذلك، فأظْهَرَ لها دينَه، ودَعاها إلى اللهِ وإلى الإسلامِ، فأبَتْ عليه، وسَبَّتْ له (٥)، فأَخَذت بَنِيه وبناتِه منه، فغَيَّبَتهم في بنى عبيدٍ؛ بطنِها الذي هي منه، وكان صنيمٌ زوجُها مِن بني هليلٍ، وكان ابن خالِها، فقال لها: رُدى عليَّ ولدى. فقالت: حتى أُنافِرَك (٦) إلى بني صنعانَ بن عبيدٍ، أو إلى بنى جُنْدَعِ (٧) بن عبيدٍ. فقال لها صنيمٌ: بل أنا أقولُ إلى بنى مِرْداسِ بن عبيدٍ. وذلك أن بني مرداسِ بن عبيدٍ، كانوا قد سارعوا في الإسلام، وأبْطَأ عنه الآخرون، فقالت: لا أُنافِرُك إلا إلى مَن دَعَوتُك إليه. فقال بنو مرداسٍ: واللهِ لتُعْطِيَنَّه ولدَه طائعةً أو كارهةً. فلما رأت ذلك أعْطَته إياهم.

стр. 6999

ثم إن صدوفَ وعُنَيزةَ محَلتا (١) في عَقْرِ الناقةِ للشقاءِ الذي نزَل، فدعَت صدوفُ رجلًا من ثمودَ يقالُ له: الحبابُ. لعَقْرِ (٢) الناقةِ، وعرَضت عليه نفسَها بذلك إن هو فعَل، فأبَى عليها، فدعَت ابنَ عمٍّ لها يقالُ له: مِصْدَعُ بْنُ مَهْرَجِ بن المحيَّا. وجَعَلت له نفسَها على أن يَعْقِرَ الناقةَ، وكانت من أحسنِ الناسِ، وكانت غنيةً كثيرةَ المالِ، فأجابَها إلى ذلك. ودعت عُنَيزِةُ بنتُ غُنْمٍ قُدارَ بنَ سالفِ بن جُنْدَعٍ (٣) رجلًا مِن أَهلِ قُرْحَ، وكان قُدارُ رجلًا أحمرَ أزرقَ قصيرًا، يَزْعُمون أنه كان لزَنْيَةٍ مِن رجلٍ يقالُ له: صهيادُ (٤). ولم يكنْ لأبيه سالفٍ الذي يُدْعَى إليه، ولكنه قد وُلِدَ على فراشِ سالفٍ، وكان يُدْعَى له، ويُنْسَبُ إليه. فقالت: أُعْطِيكَ أَيَّ بناتي شئتَ على أن تَعْقِرَ الناقةَ. وكانت عُنَيزةُ شريفةً من نساءِ ثمودَ، وكان زوجُها ذؤابُ بنُ عمرٍو مِن أشرافِ رجالِ ثمودَ. وكان قُدارُ عزيزًا منيعًا في قومِه، فانطَلَق قُدارُ بنُ سالفٍ، ومِصْدَعُ بنُ مَهْرَجٍ، فاسْتَنْفرَا غُوَاةً مِن ثمودَ، فاتَّبَعَهما سبعةُ، نفرٍ، فكانوا تسعةَ نفرٍ، أحدُ النفرِ الذين اتَّبَعوهما رجلٌ يقالُ له: [هويلُ بنُ ميلغٍ] (٥)، خالُ قُدارِ بن سالفٍ، أخو أمِّه لأبيها وأمِّها، وكان عزيزًا مِن أهلِ حِجْرٍ، ودُعَيرُ (٦) بنُ غنمِ بن داعرٍ، وهو مِن بنى حلاوةَ بن المهلِ، ودَأَبُ (٧) بنُ مَهْرَجٍ أخو مِصْدَعِ بن مَهْرَجٍ، وخمسةٌ لم تُحفَظْ لنا

стр. 7000

أسماؤهم، فرَصَدوا الناقةَ حينَ صدَرت عن الماءِ، وقد كمَن لها قدارٌ في أصلِ صخرةٍ على طريقِها، وكمَن لها مِصْدَعٌ في أصلِ أخرى، فمَرَّت على مِصْدَعٍ فَرَماها بسهمٍ، فانتظمَ به عَضَلةَ ساقِها، وخرَجت أُمُّ غُنْمٍ عُنَيزَةُ وأَمَرت (١) ابنتَها، وكانت مِن أحسنِ الناسِ وجهًا، فأسْفَرَت عنه لقدارٍ وأَرَته إياه، ثم ذَمَّرَته (٢)، فَشَدَّ على الناقةِ بالسيفِ، فكسَف (٣) عُرْقوبَها، فخَرَّت ورغَت رَغَاةً واحدةً تُحَذِّرُ سَقْبَها، ثم طعَن في لَبَّتِها فنحَرها، وانطَلَق سَقْبُها حتى أتَى جبلًا مُنيفًا (٤)، ثم أتى صخرةً في رأسِ الجبلِ فرغَا ولاذَ بها. واسمُ الجبلِ فيما يَزْعُمون صُوَرٌ (٥)، فأتاهم صالحٌ، فلما رأى الناقةَ قد عُقِرت، قال: انتَهَكتُم حرمةَ اللهِ، فأبْشِروا بعذابِ اللهِ ﵎ ونِقْمَتِه. فاتَّبَعَ السقبَ أربعةُ نفرٍ من التسعةِ (٦) الذين عقَروا الناقةَ، وفيهم مِصْدَعُ بنُ مَهْرَجٍ، فَرَماه مِصْدَعٌ بسهمٍ، فانتظَمَ قلبَه، ثم جَرَّ برجلِه، فأَنزَلَه، ثم ألْقوا لحمَه مع لحمِ أمِّه. فلما قال لهم صالحٌ: أبْشِروا بعذابِ اللهِ ونقمتِه. قالوا له، وهم يَهْزَءون به: ومتى ذلك يا صالحُ؟ وما (٧) آيةُ ذلك؟ وكانوا يُسَمُّون الأيامَ فيهم؛ الأحد أوَّلَ،

стр. 7001

والاثنين أهونَ، والثلاثاءَ دُبارَ، والأربعاءَ جُبارَ، والخميسَ مُؤْنِسَ، والجمعةَ العروبةَ، والسبتَ شِيارَ (١)، وكانوا عَقَروا الناقةَ يومَ الأربعاءِ، فقال لهم صالحٌ، حينَ قالوا ذلك: تُصْبِحون غداةَ يومِ مُؤْنسَ - يعنى يومَ الخميسِ - ووجوهُكم مصفرةٌ، ثم تُصْبِحون يومَ العَروبةِ - يعنى يومَ الجمعةِ - ووجوهُكم محمرةٌ، ثم تُصْبِحون يومَ شِيارَ - يعنى يومَ السبتِ - ووجوهُكم مسودَّةٌ، ثم يُصَبِّحُكم العذابُ يومَ الأولِ - يعنى يومَ الأحدِ - فلما قال لهم صالحٌ ذلك، قال التسعةُ الذين عَقَروا الناقةَ: هَلَمُّوا فلنقتُلْ صالحًا، إن (٢) كان صادقًا عَجَّلْناه قبلَنا، وإن كان كاذبًا يكونُ قد ألْحَقْناه بناقتِه. فأَتَوه ليلًا ليُبيِّتُوه (٣) في أهلِه، فدمَغتهم (٤) الملائكةُ بالحجارةِ، فلما أبْطَئوا على أصحابِهم، أَتَوا منزلَ صالحٍ، فوَجَدوهم مُشَدَّخِين، قد رُضِخوا بالحجارةِ، فقالوا لصالحٍ: أنت قَتَلْتَهم. ثم هَمُّوا به، فقامَت عشيرتُه دونَه، ولَبِسوا السلاحَ، وقالوا لهم: واللَّهِ لا تَقْتُلونه أبدًا، فقد وعَدكم أن العذابَ نازلٌ بكم في ثلاثٍ، فإن كان صادقًا لم تَزِيدوا ربَّكم عليكم إلا (٥) غَضَبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم مِن وراءِ ما تُرِيدون. فانْصَرَفوا عنهم ليلتَهم [تلك، والنفرُ] (٦) الذين رضَختهم الملائكةُ بالحجارةِ التسعةُ الذين ذكَر (٧) اللهُ ﵎ في القرآنِ، يقولُ اللهُ ﵎: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٤٨ - ٥٢]. فأصْبَحوا مِن تلك الليلةِ

стр. 7002

التي انصَرَفوا فيها عن صالحٍ وجوهَهم مصفرَّةً، فأيْقَنوا بالعذابِ، وعرَفوا أن صالحًا قد صدَقهم، فطلَبوه ليَقْتُلوه، وخرَج صالحٌ هاربًا منهم (١)، حتى لجَأ إلى بطنٍ مِن ثمودَ يقالُ لهم: بنو غُنْمٍ. فنزَل على سيِّدِهم؛ رجلٍ منهم يقالُ له: نفيلٌ. يُكْنَى بأبي هُدْبٍ، وهو مُشرِكٌ، فغَيَّبَه فلم يَقْدِروا (٢) عليه. فغَدوا على أصحابِ صالحٍ، فعَذَّبوهم ليدلُّوهم عليه، فقال رجلٌ مِن أصحابِ صالحٍ - يقالُ له: ميدعُ (٣) بنُ هرمٍ: يا نبيَّ اللهِ، إنهم ليُعَذِّبوننا لنَدُلَّهم عليك، أفندُلُّهم عليك؟ قال: نعم. فدَلَّهم عليه ميدعُ (٣) بنُ هرمٍ، فلما عَلِموا بمكانِ صالحٍ، أَتَوا أَبَا هُدْبٍ فَكَلَّمُوه، فقال: نعم (٤)، عندى صالحٌ، وليس لكم إليه سبيلٌ. فأَعْرَضُوا (٥) عنه وتَرَكوه، وشغَلهم عنه ما أنزَل اللَّهُ بهم مِن عذابِه، فجعَل بعضُهم يُخْبِرُ بعضًا بما يَرَون في وجوهِهم حينَ أصْبَحوا مِن يومِ الخميسِ، وذلك أن وجوهَهم أصبحت مُصْفرَّةً، ثم أصبَحوا يومَ الجمعةِ ووجوهُهم مُحْمرَّةٌ، ثم أصبَحوا يومَ السبتِ ووجوهُهم مسودَّةٌ، حتى إذا كان ليلةُ الأحدِ خرَج صالحٌ من بين أظْهُرِهم ومَن أسلَمَ معه إلى الشامِ، فنَزَل رملةَ فلسطينَ، وتَخَلَّفَ رجلٌ مِن أصحابِه يقالُ له: ميدعُ (٣) بنُ هرمٍ. فنَزَلَ قُرْحَ، وهى وادى القرى، وبينَ القُرْحِ وبينَ الحِجْرِ ثمانية عشَرَ ميلًا، فنزَل على سيدِهم؛ رجلٌ يقالُ له: عمرُو بنُ غُنْمٍ. وقد كان أكَل مِن لحمِ الناقةِ ولم يَشْرَكْ (٦) في قَتْلِها، فقال له ميدعُ بنُ هرم: يا عمرُو بنَ غُنْمٍ، اخرُجْ مِن هذا البلد، فإن صالحًا قال: مَن

стр. 7003

أقامَ فيه هَلَكَ، ومَن خَرَجَ منه نَجا. فقال عمرٌو: ما شَرِكتُ في عَقْرِها، وما رَضِيتُ ما صُنِعَ بها. فلما كانت صبيحةُ الأحدِ أَخَذَتهم الصيحةُ، فلم يَبْقَ منهم صغيرٌ ولا كبيرٌ إلا هلَك، إلا جاريةٌ مُقْعَدَةٌ يقالُ لها: الزُّريْعةُ (١)، وهى الكلبةُ (٢) ابنةُ السِّلْقِ، كانت كافرةً شديدة العداوة لصالح، فأطلَقَ اللَّهُ لَها رِجْلَيها بعدما عاينت العذابَ أجمعَ، فخرَجت كأسرعِ ما يُرَى شيءٌ قطُّ، حتى أَتَتْ [أَهلَ قُرْحَ] (٣)، فَأَخْبَرَتهم بما عايَنَت مِن العذابِ، وما أصابَ ثمودَ منه، ثم اسْتَسْقَت مِن الماءِ فسُقِيت، فلما شَرِبَت ماتَت (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال معمرٌ: أخبَرني من سمِع الحسنَ يقولُ: لما عقَرت ثمودُ الناقةَ، ذهَب فَصِيلُها حتى صعِد تلًّا، فقال: يا ربِّ أينَ أمِّى؟ ثم رَغا رَغْوةً، فنزَلت الصيحةُ فأخْمدَتهم (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ بنحوه، إلا أنه قال: أُصْعِدَ تَلًّا. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن صالحًا قال لهم حين عقروا الناقةَ: تَمَتَّعُوا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ. وقال لهم: آيةُ هَلاكِكم أن

стр. 7004

تُصْبِحَ وجوهكم مصفرَّةً، ثم تُصْبحَ اليوم الثانىَ محمرَّةً، ثم تصبحَ اليومَ الثالثَ مسودَّةً. فأصبَحت كذلك. فلما كان اليومُ الثالثُ، وأيْقَنوا بالهلاكِ تَكَفَّنوا وتَحَنَّطوا، ثم أخَذَتهم الصيحةُ فأهْمَدَتهم. قال قتادةُ: قال عاقرُ الناقةِ لهم: لا (١) أقتُلُها حتى تَرْضَوا أَجْمَعُون (٢). فجعلوا يَدْخُلون على المرأةِ في خِدْرِها (٣)، فيقولون: أَتَرْضَين؟ فتقولُ: نعم. والصبيِّ، حتى رَضُوا أَجْمَعُون (٢)، فعقرها (٤). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ (٥)، عن أبي الزبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: لمَّا مَرَّ النبيُّ ﷺ بالحِجْرِ (٦)، قال: "لا تسْألوا الآياتِ، فقد سألهَا قومُ صالحٍ، فكانت تَرِدُ مِن هذا الفجِّ، وتصدُرُ مِن هذا الفَجَّ، فعتَوا عن أمرِ ربِّهم، فعقَروها، وكانت تَشْرَبُ ماءَهم يومًا ويَشْرَبون لبنَها يومًا، فعقروها، فأخَذتهم الصيحةُ، أهمَد اللهُ مَن تحتَ أديمِ السماءِ منهم، إلا رجلًا واحدًا كان في حَرَمِ اللَّهِ". قيل: مَن هو؟ قال: "أبو رِغالٍ، فلما خرَج مِن الحرمِ أصابَه ما أصابَ قومَه" (٧).

стр. 7005

قال عبدُ الرزاقِ: قال معمرٌ وأخبرَني إسماعيلُ بنُ أميةَ، أن النبيَّ ﷺ مَرَّ بقبرِ أبي رغالٍ، فقال: "أَتَدْرُون ما هذا؟ " قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلمُ. قال: "هذا قبرُ أبي رِغالٍ". قالوا: فمَن أبو رِغالٍ؟ قال: "رجلٌ مِن ثمودَ، كان في حرمِ اللهِ، فمَنَعَه حَرَمُ اللهِ عذابَ اللهِ، فلمَّا خرَج أصابَه ما أصابَ قومَه، فدُفِنَ هاهنا، ودُفِنَ معه غصنٌ مِن ذهبٍ، فنزَل القومُ، فابْتَدَرُوه بأسْيافِهم. فبَحَثُوا (١) عليه، فاسْتَخْرَجوا الغُصْنَ". قال عبدُ الرزاقِ: قال معمرٌ: و (٢) قال الزهريُّ: أبو رِغالٍ، أبو ثقيفٍ (٣). حدَّثنا محمد بن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ (٤)، عن جابرٍ، قال: مَرَّ النبيُّ ﷺ بالحِجْرِ، ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال في حديثِه: قالوا: مَن هو (٥) يا رسولَ اللهِ؟ قال: "أبو رِغالٍ" (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، قال: كان يقالُ: إن أحمرَ ثمودَ الذي عقَر الناقةَ كان ولدَ زَنْيةٍ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عنبسةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: قال أبو موسى: أتيتُ أَرضَ ثمودَ، فَذَرَعْتُ (٧) مصدرَ الناقةِ، فوجَدتُه ستينَ ذراعًا. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، وأخبَرنى
следующие страницы →