← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

والاثنين أهونَ، والثلاثاءَ دُبارَ، والأربعاءَ جُبارَ، والخميسَ مُؤْنِسَ، والجمعةَ العروبةَ، والسبتَ شِيارَ (١)، وكانوا عَقَروا الناقةَ يومَ الأربعاءِ، فقال لهم صالحٌ، حينَ قالوا ذلك: تُصْبِحون غداةَ يومِ مُؤْنسَ - يعنى يومَ الخميسِ - ووجوهُكم مصفرةٌ، ثم تُصْبِحون يومَ العَروبةِ - يعنى يومَ الجمعةِ - ووجوهُكم محمرةٌ، ثم تُصْبِحون يومَ شِيارَ - يعنى يومَ السبتِ - ووجوهُكم مسودَّةٌ، ثم يُصَبِّحُكم العذابُ يومَ الأولِ - يعنى يومَ الأحدِ - فلما قال لهم صالحٌ ذلك، قال التسعةُ الذين عَقَروا الناقةَ: هَلَمُّوا فلنقتُلْ صالحًا، إن (٢) كان صادقًا عَجَّلْناه قبلَنا، وإن كان كاذبًا يكونُ قد ألْحَقْناه بناقتِه. فأَتَوه ليلًا ليُبيِّتُوه (٣) في أهلِه، فدمَغتهم (٤) الملائكةُ بالحجارةِ، فلما أبْطَئوا على أصحابِهم، أَتَوا منزلَ صالحٍ، فوَجَدوهم مُشَدَّخِين، قد رُضِخوا بالحجارةِ، فقالوا لصالحٍ: أنت قَتَلْتَهم. ثم هَمُّوا به، فقامَت عشيرتُه دونَه، ولَبِسوا السلاحَ، وقالوا لهم: واللَّهِ لا تَقْتُلونه أبدًا، فقد وعَدكم أن العذابَ نازلٌ بكم في ثلاثٍ، فإن كان صادقًا لم تَزِيدوا ربَّكم عليكم إلا (٥) غَضَبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم مِن وراءِ ما تُرِيدون. فانْصَرَفوا عنهم ليلتَهم [تلك، والنفرُ] (٦) الذين رضَختهم الملائكةُ بالحجارةِ التسعةُ الذين ذكَر (٧) اللهُ ﵎ في القرآنِ، يقولُ اللهُ ﵎: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٤٨ - ٥٢]. فأصْبَحوا مِن تلك الليلةِ

стр. 7002

التي انصَرَفوا فيها عن صالحٍ وجوهَهم مصفرَّةً، فأيْقَنوا بالعذابِ، وعرَفوا أن صالحًا قد صدَقهم، فطلَبوه ليَقْتُلوه، وخرَج صالحٌ هاربًا منهم (١)، حتى لجَأ إلى بطنٍ مِن ثمودَ يقالُ لهم: بنو غُنْمٍ. فنزَل على سيِّدِهم؛ رجلٍ منهم يقالُ له: نفيلٌ. يُكْنَى بأبي هُدْبٍ، وهو مُشرِكٌ، فغَيَّبَه فلم يَقْدِروا (٢) عليه. فغَدوا على أصحابِ صالحٍ، فعَذَّبوهم ليدلُّوهم عليه، فقال رجلٌ مِن أصحابِ صالحٍ - يقالُ له: ميدعُ (٣) بنُ هرمٍ: يا نبيَّ اللهِ، إنهم ليُعَذِّبوننا لنَدُلَّهم عليك، أفندُلُّهم عليك؟ قال: نعم. فدَلَّهم عليه ميدعُ (٣) بنُ هرمٍ، فلما عَلِموا بمكانِ صالحٍ، أَتَوا أَبَا هُدْبٍ فَكَلَّمُوه، فقال: نعم (٤)، عندى صالحٌ، وليس لكم إليه سبيلٌ. فأَعْرَضُوا (٥) عنه وتَرَكوه، وشغَلهم عنه ما أنزَل اللَّهُ بهم مِن عذابِه، فجعَل بعضُهم يُخْبِرُ بعضًا بما يَرَون في وجوهِهم حينَ أصْبَحوا مِن يومِ الخميسِ، وذلك أن وجوهَهم أصبحت مُصْفرَّةً، ثم أصبَحوا يومَ الجمعةِ ووجوهُهم مُحْمرَّةٌ، ثم أصبَحوا يومَ السبتِ ووجوهُهم مسودَّةٌ، حتى إذا كان ليلةُ الأحدِ خرَج صالحٌ من بين أظْهُرِهم ومَن أسلَمَ معه إلى الشامِ، فنَزَل رملةَ فلسطينَ، وتَخَلَّفَ رجلٌ مِن أصحابِه يقالُ له: ميدعُ (٣) بنُ هرمٍ. فنَزَلَ قُرْحَ، وهى وادى القرى، وبينَ القُرْحِ وبينَ الحِجْرِ ثمانية عشَرَ ميلًا، فنزَل على سيدِهم؛ رجلٌ يقالُ له: عمرُو بنُ غُنْمٍ. وقد كان أكَل مِن لحمِ الناقةِ ولم يَشْرَكْ (٦) في قَتْلِها، فقال له ميدعُ بنُ هرم: يا عمرُو بنَ غُنْمٍ، اخرُجْ مِن هذا البلد، فإن صالحًا قال: مَن

стр. 7003

أقامَ فيه هَلَكَ، ومَن خَرَجَ منه نَجا. فقال عمرٌو: ما شَرِكتُ في عَقْرِها، وما رَضِيتُ ما صُنِعَ بها. فلما كانت صبيحةُ الأحدِ أَخَذَتهم الصيحةُ، فلم يَبْقَ منهم صغيرٌ ولا كبيرٌ إلا هلَك، إلا جاريةٌ مُقْعَدَةٌ يقالُ لها: الزُّريْعةُ (١)، وهى الكلبةُ (٢) ابنةُ السِّلْقِ، كانت كافرةً شديدة العداوة لصالح، فأطلَقَ اللَّهُ لَها رِجْلَيها بعدما عاينت العذابَ أجمعَ، فخرَجت كأسرعِ ما يُرَى شيءٌ قطُّ، حتى أَتَتْ [أَهلَ قُرْحَ] (٣)، فَأَخْبَرَتهم بما عايَنَت مِن العذابِ، وما أصابَ ثمودَ منه، ثم اسْتَسْقَت مِن الماءِ فسُقِيت، فلما شَرِبَت ماتَت (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال معمرٌ: أخبَرني من سمِع الحسنَ يقولُ: لما عقَرت ثمودُ الناقةَ، ذهَب فَصِيلُها حتى صعِد تلًّا، فقال: يا ربِّ أينَ أمِّى؟ ثم رَغا رَغْوةً، فنزَلت الصيحةُ فأخْمدَتهم (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ بنحوه، إلا أنه قال: أُصْعِدَ تَلًّا. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن صالحًا قال لهم حين عقروا الناقةَ: تَمَتَّعُوا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ. وقال لهم: آيةُ هَلاكِكم أن

стр. 7004

تُصْبِحَ وجوهكم مصفرَّةً، ثم تُصْبحَ اليوم الثانىَ محمرَّةً، ثم تصبحَ اليومَ الثالثَ مسودَّةً. فأصبَحت كذلك. فلما كان اليومُ الثالثُ، وأيْقَنوا بالهلاكِ تَكَفَّنوا وتَحَنَّطوا، ثم أخَذَتهم الصيحةُ فأهْمَدَتهم. قال قتادةُ: قال عاقرُ الناقةِ لهم: لا (١) أقتُلُها حتى تَرْضَوا أَجْمَعُون (٢). فجعلوا يَدْخُلون على المرأةِ في خِدْرِها (٣)، فيقولون: أَتَرْضَين؟ فتقولُ: نعم. والصبيِّ، حتى رَضُوا أَجْمَعُون (٢)، فعقرها (٤). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ (٥)، عن أبي الزبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: لمَّا مَرَّ النبيُّ ﷺ بالحِجْرِ (٦)، قال: "لا تسْألوا الآياتِ، فقد سألهَا قومُ صالحٍ، فكانت تَرِدُ مِن هذا الفجِّ، وتصدُرُ مِن هذا الفَجَّ، فعتَوا عن أمرِ ربِّهم، فعقَروها، وكانت تَشْرَبُ ماءَهم يومًا ويَشْرَبون لبنَها يومًا، فعقروها، فأخَذتهم الصيحةُ، أهمَد اللهُ مَن تحتَ أديمِ السماءِ منهم، إلا رجلًا واحدًا كان في حَرَمِ اللَّهِ". قيل: مَن هو؟ قال: "أبو رِغالٍ، فلما خرَج مِن الحرمِ أصابَه ما أصابَ قومَه" (٧).

стр. 7005

قال عبدُ الرزاقِ: قال معمرٌ وأخبرَني إسماعيلُ بنُ أميةَ، أن النبيَّ ﷺ مَرَّ بقبرِ أبي رغالٍ، فقال: "أَتَدْرُون ما هذا؟ " قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلمُ. قال: "هذا قبرُ أبي رِغالٍ". قالوا: فمَن أبو رِغالٍ؟ قال: "رجلٌ مِن ثمودَ، كان في حرمِ اللهِ، فمَنَعَه حَرَمُ اللهِ عذابَ اللهِ، فلمَّا خرَج أصابَه ما أصابَ قومَه، فدُفِنَ هاهنا، ودُفِنَ معه غصنٌ مِن ذهبٍ، فنزَل القومُ، فابْتَدَرُوه بأسْيافِهم. فبَحَثُوا (١) عليه، فاسْتَخْرَجوا الغُصْنَ". قال عبدُ الرزاقِ: قال معمرٌ: و (٢) قال الزهريُّ: أبو رِغالٍ، أبو ثقيفٍ (٣). حدَّثنا محمد بن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ (٤)، عن جابرٍ، قال: مَرَّ النبيُّ ﷺ بالحِجْرِ، ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال في حديثِه: قالوا: مَن هو (٥) يا رسولَ اللهِ؟ قال: "أبو رِغالٍ" (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، قال: كان يقالُ: إن أحمرَ ثمودَ الذي عقَر الناقةَ كان ولدَ زَنْيةٍ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عنبسةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: قال أبو موسى: أتيتُ أَرضَ ثمودَ، فَذَرَعْتُ (٧) مصدرَ الناقةِ، فوجَدتُه ستينَ ذراعًا. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، وأخبَرنى

стр. 7006

إسماعيلُ بنُ أميةَ بنحوِ هذا. يعنى: بنحوِ حديثِ عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ (١)، عن جابرٍ، قال: ومَرَّ النبيُّ ﷺ بقبرِ أبي رِغالٍ، قالوا: ومَن أبو رِغالٍ؟ قال: أبو ثقيفٍ؛ كان في الحَرَمِ لمَّا أهلكَ اللهُ قومَه، منَعه حرمُ اللَّهِ مِن عذابِ اللَّهِ، فلما خرَج أصابَه ما أصابَ قومَه، فدُفِنَ هاهنا، ودُفِنَ معه غُصنٌ مِن ذهبٍ. قال: فابْتَدَره القومُ يَبْحَثون عنه حتى اسْتَخْرجوا ذلك الغصنَ. وقال الحسنُ: كان للناقةِ يومٌ، ولهم يومٌ، فأضرَّ بهم. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: لما مَرَّ النبيُّ ﷺ بالحِجْرِ قال: "لا تَدْخُلوا مساكنَ الذين ظَلَموا أنفسَهم، إلا أن تكونوا باكِينَ؛ أن يُصِيبَكم مثلُ الذي أصابَهم". ثم قال: ثم قال: ["هذا وادى النَّفَرِ (٢) "] (٣). ثم رَفَع رأسَه وأسْرَعَ السَّيرَ، حتى أجازَ الوادىَ (٤). وأما قولُه: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾. فإنه يقولُ: ولا تَمَسُّوا ناقةَ اللَّهِ بعَقْرٍ ولا نَحْرٍ، ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعنى: مُوجِعٌ. القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قِيلِ صالحٍ لقومِه واعظًا لهم: واذْكُروا أيُّها القومُ نعمةَ اللهِ عليكم ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ﴾. يقولُ: تَخْلُفون عادًا في الأرضِ بعدَ

стр. 7007

هلاكِها. وخلفاءُ جمعُ خليفةٍ، وإنما جُمِعَ خليفةٌ خلفاءَ، وفعلاء إنما هي جمعُ فعيلٍ، كما الشركاءُ جمعُ شريكٍ، والعلماءُ جمعُ عليمٍ، والحُلماءُ جمعُ حليمٍ؛ لأنه ذهَب بالخليفةِ إلى الرجلِ، فكأن واحدَهم خَلِيفٌ، ثم جُمِعَ خلفاءُ. فأما لو جُمِعت الخليفةُ على أنها نظيرةُ كريمةٍ وحليلةٍ ورغيبةٍ، قيل: خلائفُ. كما يقالُ: كرائمُ وحلائلُ ورغائبُ، إذ كانت مِن صفاتِ الإناثِ، وإنما جُمِعت على الوجهَين اللذين جاء بهما القرآنُ؛ لأنها جُمِعت مرةً على لفظِها، ومرةً على معناها. وأما قولُه: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. فإنه يقولُ: وأنزَلكم في الأرضِ، وجعَل لكم فيها مساكن وأزواجًا. ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾. ذُكِرَ أنهم كانوا يَنْقُبون الصخرَ مساكنَ. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾: كانوا يَنْقُبون في الجبالِ البيوتَ (١). وقولُه: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾. يقولُ: فاذْكُروا نعمةَ اللهِ التي أنعَم بها عليكم ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. كان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: لا تَسِيروا في الأرضِ مُفْسِدين (٢). وقد بَيَّنتُ معنى ذلك بشواهدِه واختلافَ المختلفِين فيه فيما مضَى، بما أغنَى

стр. 7008

عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾: قال الجماعةُ الذين اسْتَكْبَرُوا مِن قومِ صالحٍ عن اتِّباعِ صالحٍ، والإيمانِ باللهِ وبه، ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾. يعنى: لأهلِ المَسْكَنةِ مِن تُبَّاعِ صالحٍ، والمؤمنين به منهم، دونَ ذَوِى شرفِهم، وأهلِ السُّؤْدَدِ منهم: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾. أَرْسَله اللهُ إلينا وإليكم؟ قال الذين آمَنوا بصالحٍ مِن المستَضَعَفين منهم: إنَّا بما أَرْسَل اللهُ به صالحًا مِن الحقِّ والهدى مؤمنون. يقولُ: مُصَدِّقون، مُقِرُّون أَنه مِن عندِ اللهِ، وأن الله أمَره (٢) به، وعن أمرِ الله دعانا صالحٌ إليه، ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن أمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه صالحٍ: ﴿إِنَّا﴾ أَيُّها القومُ ﴿بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. يقولُ: صدَّقْتُم به مِن نبوةِ صالحٍ، وأن الذي جاء به حقٌّ مِن عندِ اللهِ، ﴿كَافِرُونَ﴾. يقولُ: جاحِدون مُنْكِرون، لا نُصَدِّقُ به ولا نُقِرُّ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فعقَرت ثمودُ [ناقةَ اللهِ] (٣) التي جعَلها (٤) لهم آيةً،

стр. 7009

﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمرِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: تَكَبَّروا وتَجَبَّروا عن اتِّباعِ اللَّهِ، [واسْتَعْلَوْا] (١) عن الحقِّ. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَتَوْا﴾ (٢): عن الحقِّ لا يُبصِرون (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال قال مجاهدٍ: ﴿عَتَوْا عَنْ أَمرِ رَبِّهِمْ﴾: غَلَوْا (٤) في الباطلِ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمرِ رَبِّهِمْ﴾ [الذاريات: ٤٤]. قال: عتَوْا في الباطلِ، وترَكوا الحقَّ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمرِ رَبِّهِمْ﴾. قال: عَلَوْا (٢) في الباطلِ (٥). وهو مِن قولِهم: جبّارٌ عاتٍ. إذا كان غاليًا (٦) في تجبُّرِه. ﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾. يقولُ: قالوا: جِئْنا (٧) يا صالحُ بما تَعِدُنا مِن عذابِ اللهِ ونقمتِه؛ اسْتِعْجالًا منهم للعذابِ ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ

стр. 7010

الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: إن كنتَ لله رسولًا إلينا، فإن اللَّهَ يَنْصُرُ رسلَه على أعدائِه. فعجَّل ذلك لهم كما اسْتَعْجَلوه، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأخذَت الذين عقَروا الناقةَ مِن ثمودَ الرجفةُ، وهى الصيحةُ. والرجفةُ الفَعْلةُ، مِن قولِ القائلِ: رجَف بفلانٍ كذا، يَرْجُفُ رَجُفًا، وذلك إذا حرَّكه وزعْزَعه، كما قال الأَخْطَلُ (١): إِمَّا تَرَيْنِي حَناني الشَّيْبُ مِن كِبَرِ … كالنَّسْرِ أَرْجُفُ والإِنسانُ مَهْدودُ وإنما عنَى بالرجْفةِ هاهنا الصيحةَ التي زَعْزَعَتهم وحرَّكَتهم للهلاكِ؛ لأن ثمودَ هلَكت بالصيحةِ فيما ذكَر أهلُ العلمِ. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الرَّجْفَةُ﴾. قال: الصيحةُ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

стр. 7011

مجاهد مثله. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: وهى الصيحةُ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾. قال: الصيحةُ. وقولُه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. يقولُ: فَأَصْبَح الذين أَهْلَكَ اللَّهُ من ثمودَ ﴿فِي دَارِهِمْ﴾ يعنى: في أرضِهم التي هلَكوا فيها وبلدتهم. ولذلك وحَّد "الدارَ" ولم يَجْمَعُها، فيقولُ: في دُورِهم. وقد يجوزُ أن يكونَ أريدَ بها الدورُ، ولكنْ وجَّه بالواحدةِ إلى الجمعِ، كما قيل: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢]. وقولُه: ﴿جَاثِمِينَ﴾. يعنى: سقوطًا صرعَى لا يتحرَّكون؛ لأنهم لا أرواحَ فيهم، قد هلَكوا. والعربُ تقولُ للباركِ على الركبةِ: جاثمٌ. ومنه قولُ جريرٍ (١): عرَفْتُ المُنْتَأَى (٢) وعرَفْتُ منها … مَطايَا القِدْرِ كالحِدأِ الجُثُومِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. قال: ميِّتِين (٣).

стр. 7012

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأدْبَر صالحٌ عنهم حينَ اسْتَعْجَلوه العذابَ وعقَروا ناقةَ اللهِ - خارجًا عن أرضِهم مِن بين أظهُرِهم؛ لأن الله تعالى ذكرُه أَوْحَى إليه: إنِّي (١) مُهْلِكُهم بعدَ ثالثةٍ (٢). وقيل: إنه لم تَهْلِكُ أُمَّةٌ ونبيُّها بينَ أظهُرِها. فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه عن خروجِ صالحٍ مِن بين قومِه الذين عتَوْا على ربِّهم، حينَ أراد اللهُ إحلالَ عقوبتِه بهم، فقال: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ صالحٌ، وقال لقومِه ثمودَ: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ وأدَّيْتُ إليكم ما أمَرنى بأدائِه إليكم ربِّي، من أمرِه ونهيهِ، ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ في أدائِى رسالةَ اللهِ إليكم في تحذيرِكم بأسَه، بإقامتِكم على كفرِكم به، وعبادتِكم الأوثانَ، ﴿وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ لكم في اللهِ، الناهِين لكم عن اتِّباعِ أهوائكم، الصادَّين لكم عن شهَواتِ أنفسكم. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولقد أَرْسَلْنا لوطًا [إذ قال لقومِه] (٣). ولو قيل: معناه: واذْكُرْ لوطًا يا محمدُ إذ قال لقومِه - إذ لم يَكُنْ في الكلامِ صلةُ الرسالةِ، كما كان في ذكرِ عادٍ وثمودَ - كان مذهبًا.

стр. 7013

وقولُه: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾. يقولُ: حينَ قال لقومِه مِن سَدُومَ (١)، وإليهم كان أُرْسِل لوطٌ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾. وكانت فاحشتُهم التي كانوا يَأْتُونها، التي عاقَبَهم اللهُ عليها إتيانَ الذُّكْرانِ، ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: ما سبَقَكم بفعلِ هذه الفاحشةِ أحدٌ مِن العالَمين. وذلك كالذى حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسماعيلُ ابن عُليةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عمرِو بن دينارٍ قولَه: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال: ما نَزَا (٢) ذَكَرٌ على ذَكَرٍ، حتى كان قومُ لوطٍ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾. يُخْبِرُ بذلك جلَّ ثناؤُه عن لوطٍ أنه قال لقومِه؛ توبيخًا منه لهم على فعلِهم: إنكم أيُّها القومُ لَتَأْتُون الرجالَ في أدبارهم شهوةً منكم لذلك مِن دونِ الذي أباحه اللهُ لكم وأحَلَّه مِن النساءِ، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. يقولُ: إنكم لَقومٌ تَأْتُون ما حرَّم اللهُ عليكم، وتَعْصُونه بفعلِكم هذا. وذلك هو الإسرافُ في هذا الموضعِ. والشهوةُ الفَعْلةُ، وهى مصدرٌ مِن قولِ القائل: شَهِيتُ هذا الشيءَ أشْهاه شَهوةً. ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (٤): وأشْعَثَ يَشْهَى النومَ قلتُ له ارْتَحِلْ … إذا ما النجومُ أَعْرَضَتْ واسْبَطَرَّتِ (٥)

стр. 7014

فقام يَجُرُّ البُرْدَ (١) لو أن نفسَه … يُقالُ له خُذْها بكفَّيْك خرَّتِ (٢) القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما كان جوابَ قومِ لوطٍ للوطٍ، إذ وبَّخهم على فعلِهم القبيحِ، ورُكوبِهم ما حرَّم اللهُ عليهم مِن العملِ الخبيثِ، إلا أن قال بعضُهم لبعضٍ: أخْرِجوا لوطًا وابنتَيه (٣). ولذلك قيل: ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾. فجمَع، وقد جرَى قبلُ ذكرُ لوطٍ وحدَه دونَ غيرِه. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ إنما جمَع بمعنى. أَخْرِجوا لوطًا ومن كان على دينِه مِن قريتِكم. فاكْتُفى بذكرِ لوطٍ في أولِ الكلامِ مِن ذكرِ تُبّاعِه، ثم جمَع في آخرِ الكلامِ، كما قيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]. وقد بيَّنا نظائرَ ذلك فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤). ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. يقولُ: إن لوطًا ومَن تبِعه أناسٌ يَتَنَزَّهون عما نَفْعَلُه نحن مِن إتيانِ الرجالِ في الأدْبارِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا هائىُ بنُ سعيدٍ النَّخَعيُّ، عن الحجاجِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: مِن أدبارِ

стр. 7015

الرجالِ وأدبارِ النساءِ (١) حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: مِن أدبارِ الرجالِ وأدبارِ النساءِ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: حمادٌ، عن الحجاجِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: يَتَطَهَّرون مِن أدبارِ الرجالِ والنساءِ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الحسنُ بنُ عُمارةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: مِن أدبارِ الرجالِ، ومِن أدبارِ النساءِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: يَتَحَرَّجون (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. يقولُ: عابُوهم بغيرِ عَيْبٍ، وذمُّوهم بغير ذمٍّ (٤). القول في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا أبىَ قومُ لوطٍ مع توبيخٍ لوطٍ إياهم على ما يَأْتون مِن

стр. 7016

الفاحشةِ، وإبلاغِه إياهم رسالةَ ربِّه، بتحريمِ ذلك عليهم، إلا التمادىَ في غَيِّهم، أنْجَيْنا لوطًا وأهلَه المؤمنين به (١)، إلا امرأتَه، فإنها كانت للوطٍ خائنةً، وباللهِ كافرةً. وقولُه: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. يقولُ: مِن الباقِين. وقيل: ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. ولم يَقُل: مِن الغابراتِ؛ لأنه أُريدَ (٢) أنها ممن بقِى مع الرجالِ، فلما ضَمَّ ذكرَها إلى ذكرِ الرجالِ، قيل: ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. والفعلُ منه: غَبَر يَغْبُرُ غُبُورًا وغَيْرًا، وذلك إذا بقِى. كما قال الأَعْشَى (٣). عضَّ بما أبْقَى المَوَاسِى (٤) له … مِن أَمَةٍ في الزمنِ الغابِرِ وكما قال الآخرُ: (٥) وأَبى الذي فتَح البلادَ بسيفِه … فأذَلَّها لبنى أبانِ (٦) الغابرِ يعني: الباقى. فإن قال قائلٌ: أفكانت (٧) امرأةُ لوطٍ ممَّن نجا مِن الهلاكِ الذي هلَك به قومُ لوطٍ؟ قيل: لا، بل كانت في من هلَك. فإن قال: فكيف قيل: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. وقد قلتَ:

стр. 7017

إن معنى الغابرِ الباقى؟ فقد وجب أن تكونَ قد بقِيَت؟ قيل: إن معنى ذلك غيرُ الذي ذهَبْتَ إليه، وإنما عُنِى بذلك: إلا امرأتَه كانت من الباقِين قبلَ الهلاكِ، والمُعَمَّرِين الذين قد أتَى عليهم دهرٌ طويلٌ (١)، ومرَّ بهم زمنٌ كبيرٌ (٢)، حتى هرِمَت في من هرِم مِن الناسِ، فكانت ممنَّ (٣) غَبرَ الدهرَ الطويلَ قبلَ هلاكِ القومِ، فهلَكت مع مَن هلَك مِن قومِ لوطٍ حينَ جاءهم العذابُ. وقيل: معنى ذلك: مِن الباقين (٤) في عذابِ اللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١]: في (٥) عذابِ اللهِ (٦). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَمْطَرْنا على قومِ لوطٍ الذين كذَّبوا لوطًا ولم يُؤْمِنوا به، مطَرًا مِن حجارةٍ من سِجِّيلٍ أهْلَكْناهم به، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فانْظُرْ يا محمدُ إلى عاقبةِ هؤلاء الذين كذَّبوا اللَّهَ ورسولَه مِن قومِ لوطٍ، فاجْتَرَموا معاصىَ اللهِ، وركِبوا الفَواحشَ، واسْتَحَلُوا ما حرَّم

стр. 7018

اللَّهُ مِن أدبارِ الرجالِ، كيف كانت؟ وإلى أيِّ شيءٍ صارت؟ هل كانت إلا البَوارَ والهلاكَ؟ فإن ذلك أو نظيرَه مِن العقوبةِ عاقبةُ مَن كَذَّبك، واسْتَكْبَر عن الإيمانِ باللهِ وتصديقِك، إن لم يَتوبوا مِن قومِك. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾. يقولُ تعالى ذكره: وأَرْسَلْنا إلى ولدِ مَدْيَنَ، ومَدْيَنُ: هم ولدُ مَدْيَانَ (١) بن إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ. فيما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ (٢). فإن (٣) كان الأمرُ كما قال، فـ "مَدْيَنُ" قبيلةٌ كتَميمٍ وأَسَدٍ (٤). وزعَم أيضًا ابن إسحاق أن شُعَيبًا الذي ذكَر اللَّهُ أَنه أَرْسَله إليهم مِن ولدِ مَدْيَانَ (١) هذا، وأنه شعيبُ بنُ ميكيلَ بن يشجنَ (٥)، قال: واسمُه بالسَريانية بثرون (٦).

стр. 7019

فتأويلُ الكلامِ على ما قال ابن إسحاقَ: ولقد أَرْسَلْنا إلى ولدِ مَدْيَنَ أَخاهم شعيبَ بنَ ميكيلَ، يَدْعُوهم إلى طاعةِ اللهِ، والانتهاءِ إلى أمرِه، وتركِ السعى في الأرضِ بالفسادِ، والصدِّ عن سبيلِه، فقال لهم شعيبٌ: يا قومِ، اعْبُدوا الله وحدَه لا شريكَ له، ما لكم مِن إِلهٍ يَسْتَوْجِبُ عليكم العبادةَ غيرُ الإلهِ الذي خلَقكم، وبيدِه نفعُكم وضَرُّكم، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: قد جاءتكم علامةٌ وحجةٌ مِن اللهِ بحقيقةِ ما أَقولُ، وصدقِ ما أَدْعُوكم إليه، ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ يقولُ: أتِمُّوا للناسَ حقوقَهم بالكيلِ الذي تَكِيلون به، وبالوزنِ الذي تَزنِون لهم (١) به، [﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: ولا تَظْلِموا الناسَ حقوقَهم] (٢)، ولا تَنْقُصوهم إياها. ومِن ذلك قولُهم: تَحْسَبُها حَمْقاءَ وهى باخِسةٌ (٣). بمعنى: ظالمةٌ. ومنه قولُ اللهِ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]. يعنى به: ردئٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: لا تَظْلِموا الناسَ أشياءَهم (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا

стр. 7020

النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. يقولُ: لا تَظْلِموا الناسَ أشياءَهم (١). وقولُه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. يقولُ: ولا تَعْمَلُوا في أرضِ اللهِ بمَعاصِيه، وما كنتم تَعْمَلونه قبلَ أن يَبْعَثَ اللَّهُ إليكم (٢) نبيَّه مِن عبادةِ غيرِ اللهِ، والإشراكِ به، وبَخْسِ الناسِ في الكيلِ والوزنِ، ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. يقولُ: بعدَ أن قد أصْلَح اللهُ الأرضَ بابتعاثِ النبي ﷺ فيكم، يَنْهاكم عما لا يَحِلُّ لكم (٣) وما يَكْرَهُه اللهُ لكم. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: هذا الذي ذكَرْتُ لكم، وأمَرْتُكم به مِن إخلاصِ العبادةِ للهِ وحدَه لا شريكَ له، وإيفاءِ الناسِ حقوقَهم مِن الكيلِ والوزنِ، وتركِ الفسادِ في الأرضِ، خيرٌ لكم في عاجلِ دُنْياكم، وآجلِ آخرتِكم عندَ اللهِ يومَ القيامةِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم مُصَدِّقيَّ فيما أقولُ لكم، وأُؤَدِّي إليكم عن اللهِ مِن أمرِه ونهيِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾: ولا تَجْلِسوا بكلِّ طريقٍ، وهو الصراطُ، تُوعِدون المؤمنين بالقتلِ. وكانوا فيما ذُكِر يَقْعُدون على طريقِ مَن قصَد شعيبًا وأراده ليُؤْمِنَ به،

стр. 7021

فيَتَوَعَّدونه ويُخَوِّفونه ويقولون: إنه كذابٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾. قال: كانوا يُوعِدون مَن أتَى شعيبًا وغشِيَه فأراد الإسلام (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾: والصراطُ الطريقُ، يُخَوِّفون الناسَ أن يَأْتُوا شعيبًا (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: كانوا يَجْلِسون في الطريقِ فيُخْبِرون مَن أتَى عليهم أن شعيبًا النبي ﷺ كذَّابٌ، فلا يَفْتِنَنَّكم (٣) عن دينِكم (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللهِ تعالى: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾. [قال: طريقٍ] (٥)، ﴿تُوعِدُونَ﴾: بكلِّ سبيلِ حقٍّ (٦). حدَّثني المثنى، قال: ثني أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

стр. 7022

مجاهدٍ نحوَه. حدّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾: كانوا يَقْعُدون [بكلِّ طريقٍ] (١) يُوعِدون المؤمنين (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسٍ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾. قال: العَشَّارون (٣). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه -[شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ] (٤) - قال: أتَى النبيُّ ﷺ مع ليلةَ أُسْرِى به على خشبةٍ على الطريقِ، لا يَمُرُّ بها ثوبٌ إلا شقَّتْه، ولا شيءٌ إلا خرَقَتْه، قال: "ما هذا يا جبريلُ؟ " قال: هذا مَثَلُ أقوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدون على الطريقِ فيقطعونه. ثم تلا (٥): ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ (٦). وهذا الخبرُ الذي ذكَرْناه عن أبي هريرةَ يَدُلُّ على أن معناه كان عندَ أبى هريرةَ أن نبيَّ اللهِ شعيبًا إنما نهَى قومَه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾: عن قطعِ الطريقِ، وأنهم كانوا قُطَّاعَ الطريقِ.

стр. 7023

وقيل: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾. ولو قيل في غيرِ القرآنِ: لا تَقَعُدوا في كلِّ طريقٍ (١). كان جائزًا فصيحًا في الكلامِ، وإنما جاز ذلك لأن الطريقَ ليس بالمكانِ المعلومِ، فجاز ذلك كما جاز أن يقالَ: قعَد له بمكان كذا، وعلى مكانِ كذا، وفى مكانِ كذا. وقال: ﴿تُوعِدُونَ﴾. ولم يَقُلْ: تَعِدُون؛ لأن العربَ كذلك تَفْعَلُ فيما أبْهَمَت ولم تُفْصِحُ به مِن الوعيدِ، تقولُ: أَوْعَدْته - بالألف - وتقدَّم منى إليه وعيدٌ. فإذا بيَّنت عما أوْعَدَت وأفْصَحَت به، قالت: وعَدته خيرًا، ووعَدته شرًّا. بغيرِ ألفٍ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢]. وأما قولُه: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. فإنه يقولُ: وتَرُدُّون عن طريقِ اللهِ، وهو الردُّ عن الإيمانِ باللهِ، والعملِ بطاعتِه ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. يقولُ: تَرُدُّون عن طريقِ اللهِ مَن صدَّق باللهِ ووحَّدَه، ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. يقولُ: وتَلْتَمِسون مَن (٢) سلَك سبيلَ اللَّهِ وآمَن به وعمِل بطاعتِه عِوَجًا عن القصدِ والحقِّ، إلى الزَّيْعُ (٣) والضلالِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: أهلَها، ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. تَلْتَمِسون لها الزيغَ (٤).

стр. 7024

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجَيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. قال: تَبْغون السبيلَ عوجًا عن الحقِّ (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَصُدُّونَ﴾: [مَن آمَنْ] (٢) ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عن الإسلامِ تَبْغون السبيلَ، ﴿عِوَجًا﴾. هلاكًا (٣). وقولُه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾. يُذَكِّرُهم شعيبٌ نعمةَ اللهِ عندَهم بأن كثَّر جماعتَهم بعدَ أن كان (٤) قليلًا عددُهم، وأن رفَعهم مِن الذِّلةِ والخَساسةِ، يقولُ لهم: فاشْكُروا الله الذي أنْعَم عليكم بذلك، وأخْلِصوا له العبادَة، واتَّقُوا عقوبتَه بالطاعةِ، واحْذَروا نقمتَه بتركِ المعصيةِ، ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: وانْظُروا ما نزَل بمَن كان قبلَكم مِن الأممِ حينَ عتَوا على ربِّهم، وعصَوْا، رسلَه، مِن المَثُلاتِ والنَّقِماتِ، وكيف وجَدوا عُقْبَى عِصْيانِهم إياه؟ ألم يُهْلَك بعضُهم غرقًا بالطوفانِ؟ وبعضُهم رجمًا بالحجارةِ، وبعضُهم بالصَّيْحةِ؟ والإفسادُ في هذا الموضعِ معناه معصيةُ اللهِ.

стр. 7025

القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ﴾: وإن كانت جماعةٌ منكم وفرقةٌ ﴿آمَنُوا﴾. يقولُ: صدَّقوا ﴿بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ من إخلاصِ العبادةِ للهِ، وتركِ مَعاصيه، وظلمِ الناسِ، وبَخسِهم في المكايِيلِ والموازينِ، فاتَّبَعونى على ذلك. ﴿وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾. يقولُ: وجماعةٌ أُخرى (١) لم يُصَدِّقوا بذلك، ولم يَتَّبِعونى عليه، ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾. يقولُ: فاحْتَبِسوا على قضاءِ اللَّهِ الفاصلِ بينَنا وبينَكم، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. يقولُ: واللهُ خيرُ مَن يَفْصِلُ، وأعْدَلُ مَن يَقْضِى؛ لأنه لا يَقَعُ في حكمِه مَيْلٌ إلى أحدٍ، ولا محاباةٌ لأحدٍ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨)﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ - يعنى بـ ﴿الْمَلأُ﴾: الجماعةَ من الرِّجال، ويعنى بـ ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: الذين تَكَبَّروا عن الإيمانِ باللهِ، والانْتِهاءِ إلى أمرِه، واتباعِ رسولِه شُعَيْبٍ، لمَّا حَذَّرَهم شعيبٌ بأسَ اللهِ على خلافِهم أمرَ رَبِّهم وكُفْرِهِم بِهِ -: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ﴾ ومَن تَبِعك وصدَّقَك وآمَن بك وبما جِئْتَ به معكَ من قريتِنا، ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾. يقولُ: أو (٢) لترجِعَنَّ أنتَ وهم في دينِنا ومَا نحنُ عليه. قال شعيبٌ مُجيبًا لهم: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾؟.

стр. 7026

ومعنى الكلامِ أنَّ شُعَيْبًا قال لقومِه: أَتُخْرِجونَنَا مِن قَرْيَتِكم، وتَصُدُّونَنَا عن سبيلِ اللهِ، ولو كنا كارهين لذلك؟. ثم أُدْخِلَت ألفُ الاستفهامِ على واوِ (وَلَوْ) (١). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال شعيبٌ لقومِه إذ دَعَوْه إلى العودِ في (٢) مِلَّتِهم والدخولِ فيها، وتَوَعَّدوه بطرْدِه ومَن تَبِعه مِن قريتِهم إن لم يَفْعَلْ ذلك هو وهم -: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. يقولُ: قد اخْتَلَقْنا على اللَّهِ كَذِبًا وَتَخَرَّصْنا عليه مِن القولِ باطلًا، إن نحن عُدْنا في مِلَّتِكم فرَجَعْنا فيها بعدَ إِذ أَنقَذَنا اللهُ منها، بأن بصَّرَنا خطأَها وصوابَ الهُدَى الذي نحنُ عليه، وما يكون لنا أَنْ نَرْجِعَ فِيها فَنَدِينَ بها ونَتْرُكَ الحقَّ الذي نحنُ عليه، ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾: يقولُ: إلا أن يكونَ سبَق لنا في علمِ اللهِ أنَّا نعودُ فيها، فيَمْضِىَ فينا حينئذٍ قضاءُ اللَّهِ، وتَنْفُذَ مشيئتُه علينا، ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. يقولُ: فإِنَّ عِلْمَ رَبَّنَا وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ فأحاطَ به، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ كان، ولا شيءٌ هو كائنٌ، فإن يكنْ سبَق لنا في علمِه أنّا نعودُ في مِلَّتِكم (٣)، فلا بُدَّ مِن أن يكونَ ما قد سبَق في علمِه، وإِلَّا فإِنَّا غيرُ عائدين في مِلَّتِكم.

стр. 7027

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُدَّيِّ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: ما ينبغى لنا أن نعودَ في شركِكم بعدَ إذ نجّانا اللهُ منها، إلَّا أن يشاءَ اللَّهُ ربُّنا، فاللَّهُ لا يشاءُ الشركَ، ولكن يقولُ: إلَّا أن يكونَ اللهُ قد علِم شيئا، فإنَّه وسع كلَّ شيءٍ عِلْمًا (١). وقولُه: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾. يقولُ: على اللهِ نعتمِدُ في أمرِنا (٢)، وإليه نَسْتَنِدُ فيما تَعِدوننا به مِن شرِّكم (٣) أيها القومُ، فإنَّه الكافي مَن تَوَكَّل عليه. ثم إنه فزِع صلى اللهُ عليه إلى ربِّه بالدعاءِ على قومِه، إذ أَيِس مِن فَلاحِهم، وانقطع رجاؤُه مِن إِذْعانِهم للهِ بالطاعةِ والإقرارِ له بالرِّسالة، وخافَ على نفسِه وعلى مَن تَبِعَهُ مِن مُؤْمِنى قَوْمِهِ مِن فَسَقَتِهم العطبَ والهلكةَ - بتعجيلِ النقمةِ، فقال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: احْكُم بينَنا وبينَهم بحُكْمِكَ الحقِّ الذي لا جورَ فيه ولا حَيْفَ ولا ظلمَ، ولكنَّه عدلٌ وحقٌّ، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾. يعني: خيُر الحاكمين.

стр. 7028

ذكَر الفراءُ (١) أنَّ أهلَ عُمانَ يُسمّون القاضىَ الفاتحَ والفتاحَ. وذكَر غيرُه مِن أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (٢) أنَّه مِن لُغةِ مرادٍ، وأنشَد لبعضِهم بيتًا وهو (٣): أَلَا أَبْلِغْ بنى عُصْمٍ رسولًا … فإني عن فُتاحتِكم غَنِيُّ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأْويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مسْعَرِ، عن قتادةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ما كنتُ أدْرِى ما قولُه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. حتى سمِعتُ بنتَ (٤) ذِي يَزَنَ تقولُ: تعالَ أُفَاتِحَكَ. يعنى: أُقاضِيكَ (٥). حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: اقضِ بينَنا وبينَ قومِنا (٦). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا ابن (٧) دُكَينٍ، قال: ثنا مسْعَرٌ، قال: سمِعتُ قتادةَ يقولُ: قال ابن عباسٍ: ما كنتُ أدرى ما قولُه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا

стр. 7029

وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. حتى سمِعتُ ابنةَ ذِي يزن تقولُ: تَعَالَ أُفَاتِحُكَ. حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. أي: اقضِ بينَنا وبيَن قومِنا بالحقِّ. حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾: [اقضِ بينَنا وبينَ قومِنا بالحقِّ] (١). حدثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما قولُه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا﴾. فيقولُ: احْكُمْ بينَنا. حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال الحسنُ البصريُّ: ﴿افْتَحْ﴾: الحكمُ (٢): احْكُمْ بينَنا وبينَ قومِنا، و ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]: حكَمْنا لكَ حُكْمًا مُبينًا. حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿افْتَحْ﴾: اقضِ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن قتادةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لم أكنْ أدرِى ما: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. حتى سمِعْتُ بنتَ (٣) ذى يَزَنَ تقولُ لزوجِها: انطلِقْ أُفَاتِحَكَ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠)﴾.

стр. 7030

يقولُ تعالى ذِكْرُه: وقالت الجماعةُ مِن كَفَرَةِ رِجالِ قومِ شعيبٍ - وهم الملأُ الذين جَحَدوا آياتِ اللهِ، وكذَّبُوا رسولَه، وتمادَوا في غَيِّهم - لآخرينَ مِنهم: لئن أنتم اتَّبَعْتم شعيبًا على ما يقولُ، وأَجَبْتُموه إلى ما يَدْعوكم إليه مِن تَوْحِيدِ اللهِ، والانْتِهاءِ إلى أمرِه ونهيِه، وأَقْرَرْتم بنُبُوَّتِه - ﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: لَمَغبونون في فِعْلِكم وتَرْكِكُم مِلَّتكم التي أنتم عليها مقيمون، إلى دينِه الذي يَدْعوكم إليه، وهالكون بذلك من فِعْلِكم. القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١)﴾. يقولُ: فأَخَذتِ الذين كفروا مِن قوم شعيبٍ الرجفةُ - وقد بيَّنتُ معنى الرجفةِ قبلُ (١)، وأنَّها الزلزلةُ المتحرِّكةُ (٢) لعذابِ اللهِ - فأهْلَكتهم (٣)، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: على رُكَبِهم مَوْتَى هَلْكَى. وكان صفةُ العذابِ الذي أهْلَكَهم اللهُ به كما حدثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾. قال: إِنَّ اللَّهَ بِعَث شعيبًا إلى مَدْيَنَ وإلى أصحابِ الأَيْكَةِ - والأيكةُ هي الغَيْضَةُ مِن الشَّجَرِ - وكانوا مع كفرِهم يبخَسُون الكيلَ والوزنَ، فدعاهم فكذَّبوه، فقال لهم ما ذكَر اللهُ في القرآنِ، وما ردُّوا عليه، فلمّا عَتَوا وكذّبوه سأَلوه العذابَ، ففتَح اللهُ عليهم بابًا مِن أبواب جَهَنَّمَ، فَأَهْلَكَهم الَحُرّ منه، فلم يَنْفَعْهم ظلٌّ ولا ماءٌ، ثم إنه بعَث سحابَةً فيها ريحٌ طَيِّبَةٌ، فوجدوا بردَ الريح وطِيبَها، فتنادَوا: الظُّلَّةَ، عليكم بها. فلما اجتمَعوا تحتَ السحابةِ رِجالُهم ونِساؤُهم وصبيانُهم، انطبقَت

стр. 7031

عليهم فأَهْلَكَتْهم، فهو قولُه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ (١) [الشعراء: ١٨٩]. حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان مِن قِصَّةِ خبرِ شعيبٍ وخبِر قومِه ما ذكَر اللهُ في القرآنِ، كانوا أهلَ بَخْسٍ للناسِ في مكاييلِهم وموازينِهم، مع كفرِهم باللهِ وتكذيبِهم نبيَّهم، وكان يَدْعُوهم إلى اللَّهِ جل ثناؤُه وعبادتِه (٢)، وتركِ ظلمِ الناسِ وبَخْسِهم في مكاييلِهم وموازينِهم، فقال نُصْحًا لهم، وكان صادقًا: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. قال ابن إسحاقَ: فكان رسولُ اللهِ ﷺ فيما ذكَر لى يعقوبُ بنُ أبى سلمةَ - إذا ذكَره (٣)، قال: "ذَاكَ (٤) خَطِيبُ الأَنْبِياءِ". لحُسْنِ مُراجَعَتِه قومَه فيما يُرادُّهم (٥). فلما كذَّبوه وتوعَّدوه بالرَّجْمِ والنَّفْى مِن بلادِهم، وعَتَوا على اللَّهِ، أَخَذهم عذَابُ يومِ الظُّلَّةِ، إنه كان عذابَ يومٍ عظيمٍ. فبلغنى أنَّ رجلًا من أهلِ مدينَ يُقالُ له: عمرُو بنُ جَلْهَاءَ. لما رآها قال: يا قَوْمِ إِنَّ شعيبًا مُرْسَلٌ فذروا … عنكم سُمَيْرًا وَعِمْرَانَ بنَ شَدّادِ إنِّي أَرَى غَبْيَةً (٦) يا قومِ قد طلَعت … تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلَى صَمَّانَةِ (٧) الوادِى

стр. 7032

[وإِنَّهُ لن] (١) تَرَوا فيها ضحاءَ (٢) غَدٍ … إِلَّا الرَّقِيمَ يُمَشِّي بينَ أَنجَادِ (٣) وسُمَيْرٌ وعِمْرانُ: كاهِناهم، والرقيمُ: كلبُهم (٤). حدثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: فحدَّثنى ابن إسحاقَ، قال: فبلَغنى - واللهُ أعلمُ - أنَّ الله سلَّط عليهم الحرَّ حتى أنضَجَهم، ثم أنشأَ لهم الظُّلَّةَ كالسحابةِ السوداءِ، فلما رَأَوْها ابتدرُوها يستغيثون ببردِها مما هم فيه مِن الحرِّ، حتى إذا دخَلوا تحتَها أُطبقت عليهم، فهلَكوا جميعًا، ونجَّى الله شعيبًا والذين آمنوا معه برحمتِه (٥). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثني أبو عبدِ الله البجليُّ، قال: "أبو جادَ"، و "هوّز"، و "حُطى" و ["كَلَمن"] (٦) و "سعفص"، و "قرشت": أسماءُ ملوكِ مدينَ، وكان مَلِكُهم يومَ الظُّلَّةِ في زمانِ شعيبٍ "كلمن" (٧)، فقالت أختُ "كلمن" (٧) تبكيه: كَلَمُونٌ هَدَّ رُكْنِى … هُلْكُهُ وَسْطَ المَحِلَّهْ سيدُ القومِ أتاه الـ … ــحَتْفُ نارٌ وَسْطَ ظُلَّهْ جُعِلَت نارًا عليهم … دارُهم كالمُضْمَحِلَّهْ (٨)

стр. 7033

القولُ في تأويل قولِه جل وعز: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: فأهلَك اللهُ الذين كذَّبوا شعيبًا فلم يُؤْمِنوا به فأبادَهم، فصارت قريتُهم منهم خاويةً خلاءً، ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. يقولُ: كأنْ لم يَنْزِلوها (١) قطُّ، ولم يعيشوا بها حينَ هلَكوا. يقالُ: غَنِى فلانٌ بمكانِ كذا، فهو يَغْنَى به غِنًى [وغُنْيانًا] (٢) وغُنِيًّا، إذا نزَل به وكان به، كما قال الشاعرُ (٣): ولقد يَغْنَى به (٤) جيرانُك الـ … ـمُمْسِكو منك [بعهدٍ ووِصالِ] (٥) وقال (٦) رُؤْيةُ (٧): وعهدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ (٨) بضَلْفَعا (٩) إنما هو مَفْعَلٌ من "غَنِىَ". وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 7034

ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا مَعْمَرٌ، عن قتادة: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأَنْ لم يعيشوا، كأنْ لم ينعَموا (١). حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. يقولُ: كأَنْ لم يعيشوا فيها (٢). حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأن لم يكونوا فيها قطُّ. وقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: لم يكنْ الذين اتَّبَعوا شعيبًا الخاسرين، بل الذين كذَّبوه كانوا هم الخاسرين الهالكين؛ لأنَّه أخبرَ عنهم جلّ ثناؤُه أنَّ الذين كذّبوا شعيبًا قالوا للذين أرادوا اتباعَه: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. فكذَّبهم اللهُ بما أحلَّ بهم مِن عاجلِ نكالِه، ثم قال لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ما خسِر تُبّاعُ شعيبٍ، بل كان الذين كذَّبوا شعيبًا لما جاءت عقوبةُ اللهِ هم الخاسرين، دونَ الذين صدَّقوه وآمنوا به. القولُ في تأويلِ قولِه جل وعزّ: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: فأدبر شعيبٌ عنهم شاخِصًا مِن بين أَظْهُرِهم حينَ أتاهم

стр. 7035

عذابُ اللهِ، وقال لمّا أيقنَ بنزولِ نِقْمَةِ اللَّهِ بقومِه الذين كذّبوه، حُزْنًا عليهم: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ وأدّيتُ إليكم ما بعثنى به إليكم مِن تحذيرِكم غَضَبَه على إقامَتِكم على الكُفْرِ به، وظُلْمِ الناسِ أشياءَهم، ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بأمرى إياكم بطاعةِ اللهِ ونهيِكم عن معصيَتِه، ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾. يقولُ: فكيف أحزَنُ على قومٍ جحَدوا وحدانيةَ اللهِ، وكذَّبوا رسولَه، وأتوجعُ لهلاكِهم؟ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾. يعنى: فكيف أحزنُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾. يقولُ: فكيف أحزنُ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أصابَ شعيبًا على قومِه حزنٌ لِمَا نزَل (٢) بهم مِن نقمةِ اللهِ، ثم قال يُعَزِّي نفسَه فيما ذكَر اللهُ عنه: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ [فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾] (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ مُعَرِّفَهُ سَنَّتَه فِي الأُمَمِ التي قد خَلَتْ مِن قبلِ أُمَّتِه، ومُذَكِّرَ مَن كفَر به مِن قريشٍ؛ ليَنْزَجِروا عما كانوا عليه مُقيمين مِن الشرْكِ

стр. 7036

باللهِ، والتكذيبِ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾ قبلَك ﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ﴾ وهو البؤسُ وشَظَفُ المعيشةِ وضيقُها، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ وهى الضُّرُّ وسوءُ الحالِ في أسبابِ دُنْياهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾. يقولُ: فعَلْنا ذلك بهم (١) ليَتَضَرَّعوا إلى ربِّهم، ويَسْتَكِينوا (٢) إليه، ويُنِيبوا بالإقلاعِ عن كفرِهم، والتوبةِ مِن تكذيبِ أنبيائِهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسيِن، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. يقولُ: بالفقرِ والجُوعِ (٣). وقد ذكَرْنا فيما مضَى الشواهدَ على صِحَّةِ القولِ بما قُلْنا في معنى البأساءِ والضرّاءِ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤). وقيلَ: ﴿يَضَّرَّعُونَ﴾. والمعنى: يَتَضَرَّعون، ولكن أُدْغِمَت التاءُ في الضادِ لتقاربِ مخرجِهما. القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا﴾ أهلَ القريةِ التي أخَذنا أهلَها بالبأساءِ والضرّاءِ،

стр. 7037

﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ وهى البأساءُ والضرّاءُ؛ وإنّما جعَل ذلك سيئةً لأنه مما يسوءُ الناسَ ولا يَسرُّهم (١) - ﴿الْحَسَنَةَ﴾، وهى الرخاءُ والنعمةُ والسَّعَةُ في المعيشةِ، ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ يقولُ: حتى كَثُروا. وكذلك كلُّ شيءٍ كَثُر فإنه يقالُ فيه: قد عفا. كما قال الشاعرُ (٢): ولكِنَّا نُعِضُّ السَّيفَ منها (٣) … بأَسْوقِ عافِياتِ الشَّحمِ كُومِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾. قال: مكانَ الشدةِ رخاءً، ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (٤). حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾. قال: السيئةُ الشرُّ، والحسنةُ الرخاءُ والمالُ والولُد (٥). حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾: [الشرِّ، و ﴿الْحَسَنَةَ﴾: الخيرَ] (٦).

стр. 7038

حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾. يقولُ: مكانَ الشدةِ الرخاءَ (١). حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: بدَّلنا مكانَ ما كَرِهوا ما أحبُّوا في الدنيا، حتى عَفَوا مِن ذلك العذابِ، ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ (٢). واختلَفوا في تأويلِ قولِه: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. يقولُ: حتى كثُروا وكثُرت أموالهُم (٣). حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: جَمُّوا. حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: كثُرت أموالُهم وأولادُهم (٤). حدثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:

стр. 7039

﴿حَتَّى عَفَوْا﴾: حتى كثُروا. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: حتى جَمُّوا وكَثُروا. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: حتى جمُّوا (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. يعنى: جمُّوا؛ كثُروا (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: حتى كثُرت أموالُهم وأولادُهم. حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾: كثُروا كَمَا يكثُرُ النباتُ والريشُ، ثم أخذَهم عندَ ذلك بغتةً وهم لا يشعُرون. وقال آخرون: معنى ذلك: حتى سُرُّوا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. يقولُ: حتى سُرُّوا بذلك (٣).

стр. 7040

وهذا الذي قاله قتادةُ في معنى ﴿عَفَوْا﴾: سُرُّوا (١). تأويلٌ لا وجهَ له في كلامِ العربِ؛ لأنه لا يُعْرَفُ العَفْوُ (٢) السرورُ في شيءٍ من كلامِها، إلَّا أن يكونَ أرادَ: حتى سُرُّوا بكَثْرَتِهم وكثرةِ أموالِهم. فيكونَ ذلك وجهًا وإن بَعُدَ. وأما قولُه: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾. فإنه خبرٌ مِن اللهِ جل ثناؤُه عن هؤلاءِ القومِ الذين أبدلَهم الحسنةَ بالسيئةِ (٣) التي كانوا فيها، استدراجًا وابتلاءً، أنهم قالوا إذ فعَل ذلك بهم: هذه أحوالٌ قد أصابت مَن قبلنا مِن آبائنا، ونالت أسلافَنا، ونحن لا نعدو أن نكون أمثالَهم، يصيبُنا ما أصابَهم مِن الشِّدَّةِ في المعايشِ، والرخاءِ فيها، وهى السرّاءُ؛ لأنها تَسُرُّ أهلَها. وجَهِل المساكينُ شُكْرَ نعمةِ اللَّهِ، وأغفَلوا [حظَّهم مِن] (٤) استدامةِ فضلِه، بالإنابةِ إلى طاعتِه، والمسارعةِ إلى الإقلاعِ عما يكرَهُه بالتوبةِ، حتى أتاهم أمرُه وهم لا يشعُرون. وقولُه: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: فأخذناهم بالهلاكِ والعذابِ فجأةً، أتاهم على غِرَّةٍ منهم بمجيئهِ، وهم لا يَدْرُون ولا يَعْلَمون أنه يجيثُهم، بل هم بأنه آتيهم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوْه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾.
следующие страницы →