← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

باللهِ، والتكذيبِ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾ قبلَك ﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ﴾ وهو البؤسُ وشَظَفُ المعيشةِ وضيقُها، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ وهى الضُّرُّ وسوءُ الحالِ في أسبابِ دُنْياهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾. يقولُ: فعَلْنا ذلك بهم (١) ليَتَضَرَّعوا إلى ربِّهم، ويَسْتَكِينوا (٢) إليه، ويُنِيبوا بالإقلاعِ عن كفرِهم، والتوبةِ مِن تكذيبِ أنبيائِهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسيِن، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. يقولُ: بالفقرِ والجُوعِ (٣). وقد ذكَرْنا فيما مضَى الشواهدَ على صِحَّةِ القولِ بما قُلْنا في معنى البأساءِ والضرّاءِ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤). وقيلَ: ﴿يَضَّرَّعُونَ﴾. والمعنى: يَتَضَرَّعون، ولكن أُدْغِمَت التاءُ في الضادِ لتقاربِ مخرجِهما. القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا﴾ أهلَ القريةِ التي أخَذنا أهلَها بالبأساءِ والضرّاءِ،

стр. 7037

﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ وهى البأساءُ والضرّاءُ؛ وإنّما جعَل ذلك سيئةً لأنه مما يسوءُ الناسَ ولا يَسرُّهم (١) - ﴿الْحَسَنَةَ﴾، وهى الرخاءُ والنعمةُ والسَّعَةُ في المعيشةِ، ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ يقولُ: حتى كَثُروا. وكذلك كلُّ شيءٍ كَثُر فإنه يقالُ فيه: قد عفا. كما قال الشاعرُ (٢): ولكِنَّا نُعِضُّ السَّيفَ منها (٣) … بأَسْوقِ عافِياتِ الشَّحمِ كُومِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾. قال: مكانَ الشدةِ رخاءً، ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (٤). حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾. قال: السيئةُ الشرُّ، والحسنةُ الرخاءُ والمالُ والولُد (٥). حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾: [الشرِّ، و ﴿الْحَسَنَةَ﴾: الخيرَ] (٦).

стр. 7038

حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾. يقولُ: مكانَ الشدةِ الرخاءَ (١). حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: بدَّلنا مكانَ ما كَرِهوا ما أحبُّوا في الدنيا، حتى عَفَوا مِن ذلك العذابِ، ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ (٢). واختلَفوا في تأويلِ قولِه: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. يقولُ: حتى كثُروا وكثُرت أموالهُم (٣). حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: جَمُّوا. حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: كثُرت أموالُهم وأولادُهم (٤). حدثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:

стр. 7039

﴿حَتَّى عَفَوْا﴾: حتى كثُروا. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: حتى جَمُّوا وكَثُروا. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: حتى جمُّوا (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. يعنى: جمُّوا؛ كثُروا (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. قال: حتى كثُرت أموالُهم وأولادُهم. حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾: كثُروا كَمَا يكثُرُ النباتُ والريشُ، ثم أخذَهم عندَ ذلك بغتةً وهم لا يشعُرون. وقال آخرون: معنى ذلك: حتى سُرُّوا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾. يقولُ: حتى سُرُّوا بذلك (٣).

стр. 7040

وهذا الذي قاله قتادةُ في معنى ﴿عَفَوْا﴾: سُرُّوا (١). تأويلٌ لا وجهَ له في كلامِ العربِ؛ لأنه لا يُعْرَفُ العَفْوُ (٢) السرورُ في شيءٍ من كلامِها، إلَّا أن يكونَ أرادَ: حتى سُرُّوا بكَثْرَتِهم وكثرةِ أموالِهم. فيكونَ ذلك وجهًا وإن بَعُدَ. وأما قولُه: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾. فإنه خبرٌ مِن اللهِ جل ثناؤُه عن هؤلاءِ القومِ الذين أبدلَهم الحسنةَ بالسيئةِ (٣) التي كانوا فيها، استدراجًا وابتلاءً، أنهم قالوا إذ فعَل ذلك بهم: هذه أحوالٌ قد أصابت مَن قبلنا مِن آبائنا، ونالت أسلافَنا، ونحن لا نعدو أن نكون أمثالَهم، يصيبُنا ما أصابَهم مِن الشِّدَّةِ في المعايشِ، والرخاءِ فيها، وهى السرّاءُ؛ لأنها تَسُرُّ أهلَها. وجَهِل المساكينُ شُكْرَ نعمةِ اللَّهِ، وأغفَلوا [حظَّهم مِن] (٤) استدامةِ فضلِه، بالإنابةِ إلى طاعتِه، والمسارعةِ إلى الإقلاعِ عما يكرَهُه بالتوبةِ، حتى أتاهم أمرُه وهم لا يشعُرون. وقولُه: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: فأخذناهم بالهلاكِ والعذابِ فجأةً، أتاهم على غِرَّةٍ منهم بمجيئهِ، وهم لا يَدْرُون ولا يَعْلَمون أنه يجيثُهم، بل هم بأنه آتيهم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوْه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾.

стр. 7041

[يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ الذين أرسلنا إليهم رُسُلَنا الذين ذكَرتُ لك يا محمدُ نبأَهم في هذه السورةِ وغيرِها، ﴿آمَنُوا﴾. يقولُ: صدَّقوا الله ورسلَه، ﴿وَاتَّقَوْا﴾. يقول: واتَّقَوْا اللَّهَ فخافُوا عَذَابَه بَتَجَنُّبِهِم مَا يَكْرَهُه مِن أعمالِهم، والإنابةِ إلى ما يُحِبُّه منهم مِن العملِ بطاعتِه، ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: لأرسَلنا عليهم مِن السماءِ الأمطارَ، وأنْبَتْنا لهم مِن الأرضِ بها النباتَ، ورفَعنا عنهم القُحوطَ والُجدوبَ، وذلك مِن بركاتِ السماءِ والأرض. وأصلُ البركةِ المواظبةُ على الشئِ، يقال: قد بارَك فلانٌ على فلانٍ. إذا واظَب عليه، والمباركةُ نحوُ المواظبةِ، فكأنَّ قولَه: ﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. ما يتَتابعُ عليهم مِن خيرِ السماءِ والأرضِ، ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾. يقولُ: ولكن كذَّبوا باللهِ ورسلِه، ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: فعجَّلنا لهم العقوباتِ بكسبِهم الخبيثِ وعملِهم الردئِ، وذلك كفرُهم باللهِ وآياتِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَأَمِنَ﴾ يا محمدُ ﴿أَهْلُ الْقُرَى﴾ المكذبةِ باللهِ ورسولِه أن يُسْلَكَ بهم مَسْلَكَ سلّافِهم من الأممِ المكذبةِ الله ورسلَه، في تعجيلِ العقوبةِ لهم كما عُجِّلت لهم، وقد سلَكوا سبيلَهم في تكذيبِ اللهِ ورسولِه وجحودِ آياتِه فـ ﴿يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ يقولُ: عقوبتُنا ﴿بَيَاتًا﴾ يَعْنى: ليلًا، ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾. ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ: أَوَ أَمِنوا أن تأتيَهم عقوبتُنا نهارًا عندَ الضحى وهم ساهون غافِلون عن مجيئِه، لا يَشْعُرون به] (١).

стр. 7042

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفأمِن يا محمدُ هؤلاءِ الذين يكذِّبون الله ورسولَه، ويَجْحَدون آياتِه، استدراجَ اللهِ إياهم بما أنعَم به عليهم في دنياهم من صحةِ الأبدانِ ورخاءِ العيشِ، كما اسْتَدْرَج الذين قصَّ عليهم قصَصَهم من الأممِ قبلَهم، فإنَّ مكرَ اللَّهِ لا يَأْمَنُه - يقولُ: لا يأمنُ ذلك أن يكونَ استدراجًا مع مُقامِهم على كفرِهم وإصرارِهم على معصيتِهم - ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾: وهم الهالكون. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾. يقولُ جل ثناؤُه: أولم يَتَبَيَّنْ (١) للذين يُسْتَخلفون في الأرضِ بعدَ هلاكِ آخرين قبلَهم كانوا أهلَها، فساروا سيرتَهم وعمِلوا أعمالَهم، وعتَوا على (٢) ربِّهم - ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. يقولُ: أن لو نشاءُ فعلنا بهم (٣) فعلَنا بمَن قبلَهم، فأخذْناهم بذنوبهم، وعجَّلنا لهم بَأْسَنا، كما عجَّلناه لمَن كان قبلَهم ممَّن وَرِثوا عنه الأرضَ، فأهلكْناهم بذنوبِهم، ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: ونختِمُ على قلوبِهم ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. موعظةً ولا تذكيرًا، سماعَ منتفعٍ بهما. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك

стр. 7043

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال ثنا عيسى، وحدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾. قال: يُبَيَّن (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾: أولم يُبَيَّنْ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾. يقولُ: أولم يُبَيَّنْ (٣) لهم. حدَّثني محمدُ بنُ الحسيِن، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾. يقولُ: أولم يُبَيَّنُ (٤)، ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾، هم المشركون (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾. قال: أولم يتَبيَّنْ (٦) لهم ﴿أَنْ لَو

стр. 7044

نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال: والهدى البيانُ الذي بُعِث هاديًا لهم مبيِّنًا لهم حتى يَعرفوا، لولا (١) البيانُ لم يَعْرِفوا (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: هذه القرى التي ذكَرْتُ لك يا محمدُ أمْرَها وأمْرَ أهلِها. يعنى قومَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومَ لوطٍ وقومَ شعيبٍ - ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ فنُخْبِرُك عنها وعن أخبارِ أهلِها، وما كان مِن أمرِهم وأمرِ رسلِ اللهِ التي أُرْسِلت إليهم؛ لتَعلمَ أنَّا ننصُرُ رسلَنا والذين آمنوا في الحياةِ الدنيا على أعدائنا وأهلِ الكفرِ بنا، ويعلمَ مُكَذِّبوكَ مِن قومِكَ ما عاقبةُ أمرِ مَن كَذَّبَ رسلَ اللَّهِ، فيرتدِعوا عن تكذيبِكَ، ويُنيبوا إلى توحيدِ اللهِ وطاعتِه، ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. يقولُ: ولقد جاءت أهلَ القرى التي قَصَصْتُ عليكَ نبأَها ﴿رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، يعنى: بالحُجَجِ [والآياتِ] (٣)، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾. واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فما كان هؤلاء المشركون الذين أهلكْناهم مِن أهلِ القرَى لِيُؤْمنوا عندَ إرسالِنا إليهم رسلَنا (٤)، بما كذَّبُوا (٥) مِن قبلِ ذلك، وذلك يومَ أخَذ ميثاقَهم حين أخرَجَهم مِن ظَهْرِ

стр. 7045

آدمَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾. قال: ذلك يومَ أخَذ منهم الميثاقَ فآمنوا كَرْهًا (١). وقال آخرون: معنى ذلك: فما كانوا ليُؤْمِنوا عندَ مجيءِ الرُّسُلِ، بما سبَق في علمِ اللهِ أنَّهم يكذِّبون به يومَ أَخْرَجَهم (٢) مِن صُلْبِ آدمَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ (٣)، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بن كعبٍ: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾. قال: كان في عِلْمِه يومَ أقرّوا له بالميثاقِ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال ثنا عبد الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع بن أنسٍ، قال: يحِقُّ على العبادِ أن يأخُذوا مِن العلمِ ما أَبدى لهم ربُّهم، [وأَلا يتناولوا] (٥) علمَ ما أخفى اللهُ عنهم (٦)؛ فإن علمَه نافذٌ فيما كان وفيما يكونُ، وفي

стр. 7046

ذلك [قال اللهُ] (١): ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾. قال: نفَذ علمُه فيهم أيُّهم المطيعُ مِن العاصى، حيثُ خلَقَهم في زمانِ آدمَ، وتصديقُ ذلك حيث قال لنوحٍ: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨]. وقال في ذلك: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وفى ذلك قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وفى ذلك قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. فلا حُجَّةَ لأحدٍ على اللهِ (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: فما كانوا لو أحْييناهم بعدَ هلاكِهم ومعاينتِهم ما عايَنوا مِن عذابِ اللهِ، ليُؤْمِنُوا بما كذَّبوا من قبلِ هلاكِهم. كما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾. قال: كقولِه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (٣). وأشبهُ هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ وأَوْلَاها بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن أُبيِّ بن كعبٍ والرَّبيعِ، وذلك أن مَن سبَق في علمِ اللهِ أنه لا يؤمنُ به فلن يؤمنَ به (٤) أبدًا. وقد كان سبَق في علمِ اللهِ لمَن أهلَك مِن الأممِ التي قصَّ نبأَهم في هذه السورةِ أنه لا

стр. 7047

يؤمنُ أبدًا، فأخبرَ عنهم أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذِّبون في سابقِ عِلْمِه قبلَ مجيءِ الرسلِ عندَ (١) مجيئهم إليهم. ولو قيل: تأويله: فما كان هؤلاء الذين ورثوا الأرضَ يا محمدُ من مُشْرِكي قومِك من بعدِ أهلِها الذين كانوا بها، مِن عادٍ وثمودَ - ليُؤْمنوا بما كذَّب به الذين وَرِثوها عنهم مِن توحيدِ اللَّهِ ووَعْدِه ووعيدِه. كان وجهًا ومذهبًا، غيرَ أنى لا أعلمُ قائلًا قاله ممَّن يُعْتَمَدُ [على علمِه] (٢) بتأويلِ القرآنِ. وأما الذي قاله مجاهدٌ مِن أن معناه: ولو رُدُّوا ما كانوا ليُؤْمِنوا. فتأويلٌ لا دلالةَ له (٣) عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ ولا مِن خبرٍ عن الرسولِ صحيحٍ. وإذ كان ذلك كذلك، فأولى منه بالصوابِ ما كان عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ دليلٌ. وأما قولُه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾. فإنه يقولُ جل ثناؤُه: كما طبَع الله على قلوب هؤلاء الذين كفَروا بربِّهم وعَصَوا رُسُلَه مِن هذه الأممِ التي قصَصْنا عليكَ نبأَهم يا محمدُ في هذه السورةِ، حتى جاءَهم بأسُ اللَّهِ فهلَكوا به، كذلك يطبعُ اللهُ فيَخْتِمُ (٣) على قلوبِ الكافرين الذين كَتَب عليهم أنهم لا يؤمنون أبدًا من قومِك. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾. يقول تعالى ذكره: ولم نجد لأكثر أهل هذه القرى التي أهلكناها واقتصصنا عليك يا محمدُ نبأَها ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾. يقولُ: مِن وفاءٍ بما وصَّيناهم به مِن توحيدِ

стр. 7048

اللهِ، واتباعِ رسلِه، والعملِ بطاعتِه، واجتنابِ معاصِيه، وهجرِ عبادَةِ الأوثانِ والأصنامِ - والعهدُ هو الوصيةُ، وقد بَيَّنا ذلك فيما مضَى بما أغنى عن إعادتِه (١) - ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: وما وجَدْنا أكثرَهم إلا فَسَقةً عن طاعةِ ربِّهم، تاركين عهدَه ووصيتَه. وقد بيَّنا معنى الفسقِ قبلُ (٢). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾. قال: القرونُ الماضيةُ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾. قال: القرونُ الماضيةُ، وعهدُه الذي أخَذَه مِن بنى آدمَ في ظهرِ آدمَ ولم يفُوا به. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أُبَيِّ بن كعبٍ: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾. قال: في الميثاقِ الذي أخَذَه في ظهرِ آدمَ (٤).

стр. 7049

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾: وذلك أنَّ الله إنَّما أهلكَ القُرَى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما أوصاهم به (١). القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه] (٢): ثم بعَثنا من بعدِ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ موسَى بنَ عمرانَ - والهاءُ والميمُ اللتان في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. هي كنايةُ ذكرِ الأنبياءِ ﵈ التي ذُكِرت من أولَ هذه السورةِ إلى هذا الموضعِ - ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: بحُججِنا وأدلَّيِنا ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾. يعنى: وإلى جماعةِ قومِ (٣) فرعونَ مِن الرجالِ، ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾. يقولُ: فكفَروا بها. والهاءُ والألفُ اللتان في قولِه: ﴿بِهَا﴾ عائدتان على "الآياتِ". ومعنى ذلك: فظلَموا بآياتِنا التي بعَثنا بها موسى إليهم. وإنما جازَ أنْ يقالَ: فظلَموا بها. بمعنى: كفَروا بها؛ لأنَّ الظلمَ وضعُ الشيءِ في غيرِ موضِعِه - وقد دلَّلنا فيما مضَى على أن ذلك معناه بما يُغْنى عن إعادتِه (٤) - والكفرُ بآياتِ اللهِ وضعٌ لها في غيرِ موضعِها، وصرفٌ لها إلى غيرِ وجهِها الذي عُنِيتُ به، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقول جل ثناؤه لنبيه محمدٍ ﷺ : فانظُر يا محمدُ بعينِ قلبِك كيف كان عاقبةُ هؤلاء الذين أفسدوا في الأرضِ. يعنى: فرعونَ وملأَه إذ ظلَموا بآياتِ اللَّهِ التي جاءهم بها

стр. 7050

موسى ﵇، وكان عاقبتُهم أنّهم غرِقوا جميعًا في البحرِ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: وقال موسى لفرعونَ: يا فرعونُ إنى رسولٌ إليك مِن ربِّ العالمين. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾؛ فقرَأه جماعةٌ مِن قرأةِ المكيين والمدنيين والبصرةِ والكوفةِ: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾. بإرسالِ الياءِ مِن ﴿عَلَى﴾، وتركِ تشديدِها (١)، بمعنى: أنا حقيقٌ بألَّا أقولَ علَى اللَّهِ إِلَّا الحقَّ. فوجَّهوا معنى ﴿عَلَى﴾ إلى معنى الباءِ، كما يقالُ: رميتُ بالقوسِ، وعلى القوسِ، وجئتُ على حالٍ حسنةٍ وبحالٍ حسنةٍ. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العرب يقولُ (٢) إذا قُرِئَ ذلك كذلك: فمعناه: حريصٌ على ألا أقولَ، [ومُحِقٌّ ألا أقولَ] (٣). وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ المدينةِ: (حَقِيقٌ عَلَيَّ أَن لا أَقُول) (٤). بمعنى: واجبٌ عليَّ ألا أقولُ، وحقٌّ عليَّ ألا أقولَ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنَّهما قراءتان مشهورتان متقارِبَتا المعنى، قد قرَأ

стр. 7051

بكلِّ واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرَأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ في قراءتِه الصوابَ. وقولُه: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: قال موسى لفرعونَ وملئِه: قد جئتُكم ببرهانٍ مِن ربِّكم يشهدُ أيُّها القومُ على صحةِ ما أقولُ، وصدقِ ما أذكُرُ لكم مِن إرسالِ اللهِ جل ثناؤُه إياى إليكم رسولًا، فأرسِلْ يا فرعونُ معى بني إسرائيلَ. فقال له فرعونُ: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾. يقولُ: بحُجَّةٍ وعلامةٍ شاهدةٍ على صدقِ ما تقولُ، ﴿فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: ﴿فَأَلْقَى﴾ موسى ﴿عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ﴾. يَعنِي: حيةٌ. ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: تَبِينُ لَمَن يَراها أنَّها حيةٌ. وبما قلنا مِن (١) ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: تحوَّلت حيةً عظيمةً. وقال غيرُه: مثلَ المدينةِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌّ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: فإذا هي حيةٌ كاد يَسُورُه، يعني: يَثِبُ عليه. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن

стр. 7052

السديِّ: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: والثعبانُ: الذكرُ مِن الحياتِ، فاتحةً فاها، واضعةً لَحْيَها الأسفلَ في الأرضِ، والأعلَى على سورِ القصرِ، ثم توجَّهت نحوَ فرعونَ لتأخُذَه، فلمّا رآها ذُعِر منها، ووَثَب فأحدثَ، ولم يكنْ يُحدِثُ قبلَ ذلك، وصاح: يا موسى خُذْها وأنا أومنُ بكَ، وأُرسلُ معكَ بني إسرائيلَ. فأخذَها موسى فعادتْ عصًا (١). حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: ألقى العصا فصارت حيةً، فوضعتْ فُقْمًا (٢) لها أسفلَ القبةِ، وفُقْمًا لها أعلى (٣) القبةِ - قال عبدُ الكريمِ: قال إبراهيمُ: وأشار سفيانُ بإصْبَعِه الإبهامِ والسبابةِ هكذا شِبْةَ الطاقِ - فلما أرادت أن تأخُذَه، قال فرعونُ: يا موسى خُذْها، خُذْها (٤). فأخذَها موسى بيدِه، فصارت عصًا كما كانت أوَّلَ مرَّةٍ. حدَّثنا العباسُ بن الوليدِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بن أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ألقى عصاه فتحوّلت حيَّةً عظيمةً فاغِرَةً فاها، مُسْرِعَةً إلى فرعونَ، فلما رأى فرعونُ أنها قاصدةٌ إليه اقْتَحَم عن سريرِه، فاستغاثَ بموسى أن يكُفَّها عنه، ففعَل (٥).

стр. 7053

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: الحيةُ الذكَرُ (١). حدَّثني المثنى، قال: حدَّثني إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بن عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: لما دخَل موسى على فرعونَ قال له فرعونُ (٢): أُعَرِّفُك؟ قال: نعم. قال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾؟ [الشعراء: ١٨] قال: فردّ إليه موسى الذي ردّ، فقال فرعونُ: خذُوه. فبادَرَه موسى فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ، فحَمَلت على الناسِ فانهَزَموا منها (٣)، فمات منهم خمسةٌ وعشرون ألفًا، قتَل بعضُهم بعضًا، وقام فرعونُ مُنْهَزِمًا حتى دخَل البيتَ (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ [ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: حيةٌ تسعى. حدَّثني الحارثُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، قال: حدَّثنا دَيْلَمُ بنُ غَزْوانَ، عن فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ في قولِه: ﴿فَأَلْقَاهَا (٥) فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾] (٦) [طه: ٢٠]. قال: ما بينَ لَحْيَيْها أربعون ذِراعًا (٧).

стр. 7054

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدةُ بنُ سليمانَ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: الحيةُ الذكرُ (١). وأما قولُه: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾. فإنه يقولُ: وأخْرج يدَه فإذا هي بيضاءُ تلوحُ لمَن نظَر إليها مِن الناسِ. و كان موسى فيما ذُكِر لنا آدمَ، فجعَل اللهُ تحوُّلَها (٢) بيضاءَ مِنْ غيرِ بَرَصٍ له آيةً، وعلى صدقِ قولِه: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حُجَّةً. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرَنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بن أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أخرَج يدَه مِن جيبِه فرآها بيضاءَ مِن غيرِ سوءٍ، يعني: مِن غيرِ بَرَصٍ، ثم أعادها إلى كُمِّه، فعادت إلى لونِها الأوَّلِ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾. يقولُ: مِن غيرِ بَرَصٍ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ الله: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾. قال: نزَع يدَه من جيبِه،

стр. 7055

﴿بَيْضَاءُ﴾: من غيرِ بَرَصٍ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: أخبَرَنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾: أخرَجها مِن جيبِه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾. قال: نزَع يدَه مِن جيبِه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾، وكان موسى رجلًا آدَمَ، فأخْرج يدَه فإذا هي بيضاءُ أشدُّ بياضًا مِن اللبنِ، ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢]، قال: من غيرِ برصٍ، آيةً لفرعونَ. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالت الجماعةُ مِن رجالِ قومِ فرعونَ والأشرافُ منهم: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ - يَعْنى (٣) موسى، ﴿لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾. يعنون: إنه ليأخذُ بأعينِ الناسِ بخِداعِه (٤) إياهم حتى يُخيِّلَ إليهم العصا حيةً، والآدمَ أبيضَ، والشيءَ بخلافِ ما هو به. ومنه قيل: سحَر المطرُ الأرضَ - إذا جادَها فقلَع (٥) نباتَها مِن أصولِه، وقلَب الأرضَ ظهرًا لبطنٍ - فهو يَسْحَرُها سَحْرًا، والأرضُ مَسْحورَةٌ، إذا أصابَها ذلك.

стр. 7056

فشُبه سحرُ الساحرِ بذلك لتخييلِه إلى مَن سحَره أنه يرى الشيءَ بخلافِ ما هو به. ومنه قولُ ذِى الرُّمَّةِ في صفةِ السرابِ (١): وساحرةِ (٢) السرابِ (٣) مِن المَوامى (٤) … تَرَقَّصُ في نَواشِزِها (٥) الأُرومُ (٦) وقولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾. [يقولون: هو] (٧) ساحرٌ عليمٌ بالسحرِ. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾. [قالوا وهم الملأُ: يُرِيدُ موسى أن يُخْرِجَكُم مِن أرضِكم] (٨) أرضِ مصرَ، معشرَ القبطِ بسحرِه. فقال فرعونُ للملأ: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. يقولُ: فأيَّ شيءٍ تأمرون أن نفعلَ في أمرِه، وبأيِّ شيءٍ تُشيرون فيه؟. وقيل: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ والخبرُ بذلك عن فرعونَ، ولم يُذْكَرْ فرعونُ، وقلَّما يجيءُ مثلُ ذلك في الكلامِ، وذلك نظيرُ قولِه: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥١، ٥٢]. فقيل: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. مِن قولِ يوسفَ، ولم يُذْكَرْ يوسفُ، ومَن قال (٩) ذلك لزِمَه (١٠) أن يقولَ: قلت لزيدٍ: قُمْ فَإِنِّي قائمٌ. وهو يريدُ:

стр. 7057

فقال زيدٌ: إني قائمٌ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقال الملأُ مِن قومِ فرعونَ لفرعونَ: أرجِئْه. أي: أخِّرْه. وقال بعضُهم: معناه: احبسْه. والإرجاءُ في كلامِ العربِ التأخيرُ، يقالُ منه: أَرْجَيْتُ هذا الأمرَ وأَرجَأْتُه. إذا أخَّرْتَه. ومنه قولُ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١]: تؤخِّرُ. فالهمزُ مِن كلامِ بعضِ قبائلِ [العربِ مِن] (١) قَيْسٍ، يقولون: أرجأتُ هذا الأمرَ. وتركُ الهمزِ مِن لغةِ تميمٍ وأسدٍ، يقولون: أرجيتُه. واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ العِراقيين: (أرْجِهِ). بغيرِ الهمزِ وبجرِّ الهاءِ (٢). وقرَأه بعضُ قرأةِ الكوفيين: ﴿أَرْجِهْ﴾. بتركِ الهمزِ وتسْكينِ الهاءِ (٣)، على لغةِ مَن يَقِفُ على الهاءِ في المَكْنيِّ في الوصلِ إذا تحرّك ما قبلَها، كما قال الراجزُ (٤): أنْحَى (٥) عليَّ الدَّهْرُ رِجلًا ويَدَا يُقْسِمُ لا يُصْلِحُ إِلَّا أَفْسَدَا

стр. 7058

فيُصْلِحُ اليومَ ويُفْسِدُهْ غَدَا وقد يفعَلون مثلَ ذلك بهاءِ التأنيثِ فيقولون: هذه طلحة قد أقبلت. كما قال الراجزُ (١): لما رأى ألا دَعَهْ ولا شِبَعْ … مال إلى أرطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ (٢) وقرأه بعضُ البصريين: (أرْجِئْهُ). بالهمزِ وضمِّ الهاءِ، على لغةِ مَن ذَكَرتُ مِن قيس (٣). وأولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ أشهرُها وأفصحُها في كلامِ العربِ، وذلك تركُ الهمزِ وجرِّ الهاءِ، وإن كانت الأُخرى جائزةً، غيرَ أن الذي اخترنا أفصحُ اللغات وأكثرُها على ألسُنِ فصحاءِ العربِ. واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿أَرْجِهْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: أخِّرْه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، أخبرني عطاءٌ الخُراسانيُّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾. قال: أَخِّرْه (٤). وقال آخرون: معناه: احبِسْه.

стр. 7059

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾. أي: احبِسْه وأخاه (١). وأما قولُه: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. [فإن معناه: وأرسِلْ في مدائن مصرَ - وهى كانت مملكتَه - ﴿حَاشِرِينَ﴾] (٢). يقولُ: مَن يحشُرُ السحرةَ فيجمَعُهم إليك. وقيل: هم الشُّرَطُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ ظهيرٍ، عن السديِّ، [عن أبي مالكٍ] (٣)، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَابْعَثْ (٤) فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦]. قال: الشُّرَطُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن إسماعيلَ بن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن أبيه (٥)، عن مجاهدٍ: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. قال: الشُّرَطُ (٦). حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسٍ، عن السديِّ:

стр. 7060

﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. قال: الشُّرَطُ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، [وحدثنا ابن وكيعٍ، قال حدَّثنا أبي، قالا] (١): ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن أبيه، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. قال: الشُّرَطُ (٢). حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عِكرِمَةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. قال: الشُّرَطُ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن مَشُورَةِ الملأِ مِن قومِ فرعونَ على فرعونَ أن يُرْسِلَ في المدائنِ حاشرين يَحْشُرون كلَّ ساحرٍ عليم. وفي الكلامِ محذوفٌ اكتُفِى بدَلالةِ الظاهرِ من إظهارِه، وهو: فأرسَل فرعونُ (٣) في المدائنِ حاشرين يحشُرون السحرةَ فحشَروهم (٣)، فجاء السحرةُ فرعونَ قالوا: ﴿إِنَّ لَنَا لأَجْرًا﴾. يقولُ: إن لنا لثوابًا على غلبتِنا موسى عندَك، ﴿إِنْ كُنَّا﴾ يا فرعونُ ﴿نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 7061

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباس بن الوليد، قال: أخبَرنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بن أبي أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: فأرسَلَ فرعونُ في المدائنِ حاشرين، فحُشِر له (١) كلُّ ساحرٍ متعالمٍ، فلمّا أَتَوا فرعونَ قالوا: بمَ يعمَلُ هذا الساحرُ؟ قالوا (٢): يعمل بالحياتِ. قالوا: والله ما في الأرضِ قومٌ يعمَلون بالسحرِ والحياتِ والحبالِ والعِصِيِّ أعلمُ مِنَّا، فما أجْرُنا إن غَلَبْنا؟ فقال لهم: أنتم [أقاربي وخاصَّتي] (٣)، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيءٍ أحببتُم (٤). حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال فرعونُ: لا نغالِبُه - يعنى موسى - إِلَّا بمَن هو منه، فأَعدَّ غِلمانًا (٥) مِن بنى إسرائيلَ، فبعَث بهم إلى قريةٍ بمصرَ يقالُ لها: الفَرَمَا (٦). يعلِّمونهم السحرَ، كما يُعلَّمُ الصبيانُ الكِتابَ فِي الكُتّابِ، قال: فعلَّموهم سِحْرًا كثيرًا. قال: وواعدَ [موسى فرعونَ] (٧) موعدًا، فلمّا كان في ذلك الموعدِ بعث فرعونُ [إلى السحرةِ] (٨) فجاء بهم وجاء بمعلِّمِهم معهم، فقال له: ماذا صنعتَ؟ قال: قد عَلَّمْتُهم مِن السحرِ سحرًا لا يُطيقه سحرُ أهلِ الأرضِ، إِلَّا أَنْ يكونَ أمرًا مِن السماءِ، فإنّه لا طاقةَ لهم به، فأمّا سحرُ أهلِ الأرضِ فإنه لن يَغْلِبَهم. فلما

стр. 7062

جاءت السحرةُ قالوا لفرعونَ: ﴿أَئِنَّ (١) لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١، ٤٢]. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: فأرسَل فرعونُ في المدائنِ حاشرين، فحشَروا عليه السحرَة، فلما جاء السحرةُ فرعونَ قالوا: ﴿أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ يقولُ (٢): عطيةً تعطينا، ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ (٤) فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ (٥) عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٦، ٣٧]. أي: كاثِرَه بالسحرةِ، لعلك أن تجدَ في السحرةِ مَن يأتى بمثلِ ما جاء به. وقد كان موسى وهارونُ خرَجا مِن عندِه حينَ أراهم مِن [سلطانِ اللهِ ما أراهم] (٦)، وبعَث فرعونُ في مملكتِه مكانَه (٧)، فلم يَتْرُكْ في سلطانِه ساحرًا إلا أتى به. فذُكِر لى والله أعلمُ أنه جُمِع له خمسةَ عشرَ ألفَ ساحرٍ، فلما اجتمعوا إليه أمَرهم أمْرَه، وقال لهم: قد جاءنا ساحِرٌ ما رأينا مثلَه قطُّ، وإنَّكم إن غلَبتموه أكرمتُكم وفضَّلتُكم وقرّبتُكم على أهلِ مملكتي. قالوا: وإن لنا ذلك (٨) إن غلَبناه؟ قال: نعم (٩).

стр. 7063

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيد، عن عكرمة، قال: السحرة كانوا سبعين (١). قال أبو جعفر: أحسبُه أنا (٢) قال: ألفًا. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن [محمدِ بن المنكدرِ] (٣)، قال: كان السحرةُ ثمانين ألفًا (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبد العزيزِ بن رُفيعٍ، عن خيثمةَ، عن أبي سودةَ، عن كعبٍ، قال: كان سحرةُ فرعونَ اثنى عشرَ ألفًا (٥). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال فرعونُ للسحرةِ - إذ قالوا له: إن لنا عندَك ثوابًا إن نحن غَلبْنا موسى؟ - نعم، لكم ذلك، وإنكم لَمِمَّن أُقَرِّبُه وأُدْنيه مِنى. ﴿قَالُوا يَامُوسَى﴾. يقولُ: قالت السحرةُ لموسى: يا موسى اخترْ أن تُلْقِيَ عصاكَ، أو نُلْقِيَ نحن عِصِيَّنا. ولذلك أُدخِلت ﴿أَنْ﴾ مع ﴿إِمَّا﴾ في الكلامِ؛ لأنها في موضعِ أمرٍ بالاختيارِ فـ ﴿أَنْ﴾ إذن في موضعِ نصبٍ لما وصفتُ مِن المعنى؛ لأن معنى الكلامِ: اختَرْ أن

стр. 7064

تُلْقِيَ أَنتَ، أو أن نُلِقىَ نحن. والكلامُ مع "إما" إذا كان على وجهِ الأمرِ، فلابدَّ مِن أن يكونَ فيه "أن"، كقولِكَ للرجلِ: إما أن تَمْضِىَ، وإما أن تَقْعُدَ. بمعنى الأمرِ: امضِ أو اقعُد. فإذا كان على وجهِ الخبرِ لم يكنْ فيه "أن"، كقولِه: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦]. وهذا هو الذي يُسَمَّى التخييرُ (١)، وكذلك كلُّ ما كان على وجهِ الجزاءِ. و"إما" في جميعِ ذلك مكسورةٌ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى للسَّحَرةِ ألْقُوا ما أنتم مُلقُون، فألقت السحرةُ ما معهم، فلما الْقَوْا ذلك ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾. يقولُ (٢): خيَّلوا إلى أعينِ الناسِ بما أحدثوا مِن التخييلِ والخُدَعِ أنها تسعىَ، ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾. يقولُ: واسترهَبوا الناسَ بما سحَروا في أعيُنِهم، حتى خافوا مِن العِصِيِّ والحبالِ، ظنًّا منهم أنها حياتٌ، وجاءوا كما قال اللهُ: ﴿بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾: بتخييلٍ عظيمٍ كبيرٍ (٣) مِن التخييلِ والخداعِ. وذلك كالذى حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٣، ٤٤]. وكانوا بضعةً وثلاثين ألفَ رجلٍ، ليس منهم رجلٌ

стр. 7065

إلا معه حبلٌ وعصًا، ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾. يقولُ: فرَّقوهم (١)، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ (٢). حدَّثني عبدُ الكريمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: أَلْقَوا حبالًا غِلاظًا وخُشُبًا طُوالًا. قال: فأقبلت تُخَيَّلُ إليه مِن سِحرِهم أنها تسعى (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: صَفَّ خمسةَ عشرَ ألفَ ساحرٍ، مع كلِّ ساحرٍ حبالُه وعِصِيُّه، وخرَج موسى معه أخوه يتَّكئُ على عصاه حتى أتى الجمْعَ، وفرعونُ في مجلسِه مع أشرافِ أهلِ مملكتِه، ثم قال السحرةُ: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ [يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى] (٤)﴾ [طه: ٦٥، ٦٦]. . فكان أولَ ما اختطفوا بسحرِهم بصرُ موسى وبصرُ فرعونَ، ثم أبصارُ الناس بعدُ، ثم ألقى كلُّ رجلٍ منهم ما في يدِه منِ العِصِيِّ والحبالِ، فإذا هي حياتٌ كأمثالِ الجبالِ، قد مَلاتِ الوادىَ يركَبُ بعضُها بعضًا، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾، وقال: واللَّهِ إِن كانت لعِصِيًّا في أيديهم، ولقد عادت حياتٍ، وما تعدو عصائىَ (٥) هذه؟ أو كما حدَّثَ (٦) نفسَه (٧).

стр. 7066

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائِيِّ، قال: ثنا القاسم بن أبي بَزَّةَ، قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحرٍ، فألقوا سبعين ألف حبلٍ، وسبعين ألف عصًا، حتى جعَل يخيَّلُ إليه مِن سحرِهم أنها تسعى (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأوْحينا إلى موسى أن ألق عصاكَ، فألقاها فإذا هِيَ تَلْقَفُ (٢) وتَبْتَلِعُ ما يَسْحَرُون كَذِبًا وباطلًا. يقالُ منه: لَقِفْتُ الشيءَ فَأَنا أَلقَفُه لَقْفًا ولَقَفانًا. وذلك كالذى حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾: فألقى موسى عصاه، فتحولت حيةً، فأكلت سِحرَهم كلَّه (٣). حدَّثنا عبدُ الكريم بن الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: فألقى عصاه فإذا هي حيةٌ، فجعَلت (٤) تلقَفُ ما يأفِكون، لا تمرُّ بشيءٍ من حبالِهم وخُشُبِهم التي أَلْقَوها إلا التقَمته، فعرَفت السحرةُ أن هذا أمرُ (٥) السماءِ، وليس هذا بسحرٍ، فخرُّوا سُجَّدًا، وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢].

стр. 7067

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أوحى اللهُ إلى موسى: لا تخَفْ، وأَلْقِ ما في يمينِك تلقَفْ ما يأفِكون، فألْقَى عصاه فأكلت كلَّ حيةٍ لهم، فلما رأَوا ذلك سجَدوا، وقالوا، ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أوحَى اللهُ إليه أن ألقِ ما في يمينِك، فألقى عصاه مِن يدِه، فاستعرَضت ما ألقَوا مِن حبالِهم وعصيِّهم - وهي حياتٌ في عينِ فرعونَ وأعينِ الناسِ تسعَى - فجعلت تلقَفُها، تبتَلِعُها حيةً حيةً، حتى ما يُرَى بالوادى قليلٌ ولا كثيرٌ مما ألقَوْه (٢)، ثم أخذَها موسى فإذا هي عصاه (٣) في يدِه كما كانت، ووقَع (٤) السحرةُ سجَّدًا، قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، لو كان هذا سحرًا ما غَلَبَنا (٥). حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائيِّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أَبي بَزَّةَ، قال: أوحى الله إليه أن ألقِ عصاك، فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ فاغرٌ فاه، فابْتَلَع حبالَهم وعِصِيَّهم، فأُلْقِى السحرةُ عندَ ذلك سجَّدًا، فما رفَعوا رُءوسَهم حتى رأَوُا الجنةَ والنارَ وثوابَ أهلِهما (٦). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 7068

نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: في قولِ اللَّهِ: ﴿يَأْفِكُونَ﴾. قال: يَكذِبون (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾. قال: يَكْذِبون. حدَّثني إبراهيمُ بنُ المستمرِّ، قال: ثنا عثمان بنُ عمرَ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ السَّدُوسيُّ، عن الحسنِ: ﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾. قال: حبالَهم وعصيَّهم تَسْتَرِطُها اسْتِراطًا (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرِه: فظهَر الحقُّ وتبيَّن لمن شهِده وحضَره في أمرِ موسى، وأنه لله رسولٌ يدعو إلى الحقِّ: ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن إفكِ السحرِ (٣) وكَذِبِه ومخاييلِه. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾. قال: ظهَر (٤).

стр. 7069

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن أبيه، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: ظهَر الحقُّ وذهَب الإفكُ الذي كانوا يعملون (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾. قال: ظهَر الحقُّ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾. قال: ظهَر موسى. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فغَلَب موسى فرعونَ وجموعَه ﴿هُنَالِكَ﴾: عندَ ذلك، ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾. يقولُ: وانصرَفوا عن موطنِهم ذلك بصُغْرٍ مقهورين. يقالُ منه: صَغُر الرجلُ يَصْغَرُ صِغَرًا وصُغْرًا وصَغَارًا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأُلْقِى السحرةُ عندما عاينُوا مِن عظيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ، ساقِطين على وجوهِهم، سجَّدًا لربِّهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولون: صدَّقنا بما جاءَنا به موسى، وأن الله الذي علينا عبادتُه هو الذي يَمْلِكُ الجنَّ والإنسَ وجميعَ الأشياءِ غيرَ (٢) ذلك، ويدبِّرُ ذلك كلَّه ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، لا فرعونُ.

стр. 7070

كالذي حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بن بشارٍ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما رأتِ السَّحَرَةُ ما رأت، عرَفت أن ذلك أمرُ (١) السماء وليس بسحرٍ، فخرُّوا سجدًا، وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: قال فرعونُ للسحرةِ إذ آمنوا باللهِ، يعنى: صدَّقوا رسولَه موسى، لِمَا عاينوا مِن عظيمِ [قدرةِ اللهِ] (٢) وسلطانِه: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ: أصدَّقتم بموسى وأقررتم بنبوَّتِه ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ بالإيمانِ به، ﴿إِنَّ هَذَا﴾. يقول: إن تصديقكم إياه وإقرارَكم بنبوَّتِه ﴿لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾. يَقولُ لخُدْعةٌ خدَعتم بها مَن في مدينتِنا لِتُخْرِجُوهم منها، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. [يقولُ: فسوف تعلَمون] (٣) ما أفعلُ بكم، وتَلْقَون مِن عقابي إياكم على صنيعِكِم هذا. وكان مكرُهم ذلك فيما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في حديثٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، [وعن أبي صالحٍ] (٤)، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةً، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ : التقى موسى وأميرُ السَّحَرةِ، فقال له موسى: أرأَيْتُك إن غلبتُك، أتؤمنُ بي وتشْهَدُ أنَّ ما جئْتُ به حقٌّ؟ قال السَّاحرُ: لآتينَّ غدًا بسحرٍ لا يَغْلِبُه سحرٌ، فواللهِ لئن غلَبتنى لأُومِنَنَّ بك (٥)، ولأشهدَنَّ أنك حقٌّ. وفرعونُ ينظرُ

стр. 7071

إليهما (١)، فهو قولُ فرعونَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ إذ التقَيْتما لتظَّاهَرا فتُخْرِجا منها أهلَها (٢). القول في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قِيلِ فرعونَ للسحرةِ إذ آمنوا باللهِ وصدَّقوا رسولَه موسى: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. وذلك أن يَقطعَ مِن أحدِهم يدَه اليمنى ورجلَه اليسرى، أو يَقطعَ يدَه اليسرى ورجلَه اليمني، فيخالفَ بينَ العُضوين في القطعِ، فمخالفتُه في ذلك بينهما هو القطعُ من خلافٍ. ويقالُ: إِن أَوَّلَ مَن سَنَّ هذا القطعَ فرعونُ. ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وإنما قال هذا فرعونُ لِمَا رأى مِن خِذلانِ اللَّهِ إياه وغلبةِ موسى وقهرِه له. حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَريُّ وحَبُّويَه الرازيُّ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ (٣) لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: أوّلُ مَن صَلَّب، وأوّلُ مَن قطَع الأيدىَ والأرجلَ مِن خلافٍ، فرعونُ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾.

стр. 7072

يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال السحرةُ مجيبةً لفرعونَ إذ توعَّدهم بقطعِ الأيدى والأرجلِ من خلافٍ والصلبِ: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. يعنى بالانقلابِ إِلى اللَّهِ الرجوعَ إليه والمصيرَ. وقولُه: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. يَقولُ تعالى ذكرُه: ما تُنكِرُ منا يا فرعونُ وما (١) تَجِدُ علينا إلا مِن أجلِ ﴿أَنْ آمَنَّا﴾ أي: صدَّقْنا ﴿بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. يقولُ: بحُجَجِ ربِّنا وأعلامِه وأدلَّتِه التي لا تقدِرُ على مثلِها أنت ولا أحدٌ، سوى اللهِ الذي له ملكُ السماواتِ والأرضِ. ثم فزِعُوا إلى اللهِ بمسألتِه الصبرَ على عذابِ فرعونَ، وقبضَ أرواحِهم على الإسلامِ، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ يعنون بقولِهم: ﴿أَفْرِغْ﴾: أنزِلْ علينا حبسًا يَحْبِسُنا عن الكُفِر بكَ عند تعذيبِ فرعونَ إيانا. ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: واقبِضْنا إليك على الإسلامِ دينِ خليلِك إبراهيمَ، لا على الشركِ بك. [كما حدَّثني] (٢) موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾: فقتَّلهم وقطَّعَهم (٣)، كما قال عبدُ الله بنُ عباسٍ، حين قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. قال: كانوا في أوّلِ النهارِ سحرةً، وفي آخرِ النهارِ شهداءَ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفيعٍ، عن عُبيد بن عميرٍ، قال: كانت السحرةُ أوَّلَ النهارِ سحرةً، وآخِرَ النهارِ شهداءَ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ

стр. 7073

سَاجِدِينَ﴾. قال: ذُكِر لنا أنهم كانوا في أوّلِ النهارِ سحرةً، وآخرِه شهداءَ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ (٢): ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. قال: كانوا أوَّلَ النهارِ سحرةً، وآخرَه شهداءَ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)﴾. يقول تعالى ذكرُه: وقالت جماعةُ رجالٍ مِن قومِ فرعونَ لفرعونَ: أَتَدَعُ موسى وقومَه مِن بنى إسرائيلَ ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: كي يُفْسِدوا خدَمَك وعبيدَك عليك في أرضِك من مصرَ، ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾. يقولُ (٤): ويدَعُ خِدْمتَك موسى وعبادَتَك وعبادةَ آلهَتِك؟ وفي قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾. وجهان مِن التأويلِ؛ أحدُهما: أتذرُ موسى وقومَه ليفسِدُوا في الأرضِ وقد تَرَككَ وتَرَك عبادتَكَ وعبادةَ آلهيك؟ وإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا الوجهِ مِن التأويلِ كان النصبُ في قولِه: ﴿وَيَذَرَكَ﴾. على الصرفِ (٥)، لا على العطفِ به على قولِه: ﴿لِيُفْسِدُوا﴾. والثاني: أتذرُ موسى وقومَه ليفسِدوا في الأرضِ وليذرَك وآلهتَك. كالتوبيخِ منهم لفرعونَ على تركِ موسى ليفعلَ هذين الفعلين. وإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا الوجهِ كان نصبُ

стр. 7074

﴿وَيَذَرَكَ﴾ على العطفِ على ﴿لِيُفْسِدُوا﴾. والوجهُ الأوّلُ أولى الوجهين بالصوابِ، وهو أن يكونَ نصبُ ﴿وَيَذَرَكَ﴾ على الصرفِ؛ لأنَّ التأويلَ مِن أهلِ التأويلِ به جاء. وبعدُ، فإنَّ في قراءةِ أُبَيِّ بن كعبٍ الذي حدَّثني به أحمدُ بنُ يوسف، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال في حرفِ أُبيِّ بن كعبٍ: (وقد ترَكوك أن يَعْبُدوك وآلهتَك) (١) - دلالةً واضحةً على أن نصبَ ذلك على الصرفِ. وقد رُوِى عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يَقْرأُ ذلك: (وَيَذَرُك وآلهَتَكَ) (٢). عطفًا بقولِه: ﴿وَيَذَرَكَ﴾. على قولِه: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى﴾. كأنه وجَّه تأويلَه إلى: أَتَذَرُ موسى وقومَه ويذرُك وآلهتُك ليُفْسِدوا في الأرضِ. وقد تَحتَمِلُ قراءة الحسنِ هذه أن يكونَ معناها: أتذرُ موسى وقومَه ليُفسدوا في الأرضِ، وهو يذرُك وآلهتَك. فيكونَ (يذرُك) مرفوعًا على ابتداءِ الكلامِ [والسلامةِ مِن الحوادثِ] (٣). وأما قولُه: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾. فإن قرأةَ الأمصارِ على فتحِ الألفِ منها ومدِّها، بمعنى: وقد ترَك موسى عبادتَك وعبادةَ آلهتِك التي تعبُدُها. وقد (٤) ذُكِر عن ابن عباسٍ أنه قال (٥): كان له بقرةٌ يَعْبُدُها (٦).

стр. 7075

وقد رُوِى عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ أنهما كانا يقرأانِها: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ) (١). بكسرِ الألفِ، بمعنى: ويذرَك وعُبُودتك. والقراءةُ التي لا نرَى القراءةَ بغيرِها هي القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحُجَّة مِن القرأةِ عليها. ذكرُ من قال: كان فرعون يعبُدُ آلهةً. على قراءةِ مَن قرَأ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾: وآلهتُه فيما زعَم ابن عباسٍ كانت البقرَ (٢)، كانوا إذا رأَوا بقرةً حسناءَ أمَرهم أن يَعْبدُوها، فلذلك أخرَج لهم عجلًا بقرةً (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن عمرٍو، عن الحسنِ، قال: كان لفرعونَ جُمانةٌ (٤) معلقةٌ في نحرِه يعبُدُها ويسجُدُ لها (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا أبانُ بنُ خالد، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: بلَغنى أن فرعونَ كان يعبُدُ إلهًا في السرِّ. وقرَأ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ، قال:
следующие страницы →