← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

إليهما (١)، فهو قولُ فرعونَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ إذ التقَيْتما لتظَّاهَرا فتُخْرِجا منها أهلَها (٢). القول في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قِيلِ فرعونَ للسحرةِ إذ آمنوا باللهِ وصدَّقوا رسولَه موسى: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. وذلك أن يَقطعَ مِن أحدِهم يدَه اليمنى ورجلَه اليسرى، أو يَقطعَ يدَه اليسرى ورجلَه اليمني، فيخالفَ بينَ العُضوين في القطعِ، فمخالفتُه في ذلك بينهما هو القطعُ من خلافٍ. ويقالُ: إِن أَوَّلَ مَن سَنَّ هذا القطعَ فرعونُ. ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وإنما قال هذا فرعونُ لِمَا رأى مِن خِذلانِ اللَّهِ إياه وغلبةِ موسى وقهرِه له. حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَريُّ وحَبُّويَه الرازيُّ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ (٣) لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: أوّلُ مَن صَلَّب، وأوّلُ مَن قطَع الأيدىَ والأرجلَ مِن خلافٍ، فرعونُ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾.

стр. 7072

يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال السحرةُ مجيبةً لفرعونَ إذ توعَّدهم بقطعِ الأيدى والأرجلِ من خلافٍ والصلبِ: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. يعنى بالانقلابِ إِلى اللَّهِ الرجوعَ إليه والمصيرَ. وقولُه: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. يَقولُ تعالى ذكرُه: ما تُنكِرُ منا يا فرعونُ وما (١) تَجِدُ علينا إلا مِن أجلِ ﴿أَنْ آمَنَّا﴾ أي: صدَّقْنا ﴿بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. يقولُ: بحُجَجِ ربِّنا وأعلامِه وأدلَّتِه التي لا تقدِرُ على مثلِها أنت ولا أحدٌ، سوى اللهِ الذي له ملكُ السماواتِ والأرضِ. ثم فزِعُوا إلى اللهِ بمسألتِه الصبرَ على عذابِ فرعونَ، وقبضَ أرواحِهم على الإسلامِ، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ يعنون بقولِهم: ﴿أَفْرِغْ﴾: أنزِلْ علينا حبسًا يَحْبِسُنا عن الكُفِر بكَ عند تعذيبِ فرعونَ إيانا. ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: واقبِضْنا إليك على الإسلامِ دينِ خليلِك إبراهيمَ، لا على الشركِ بك. [كما حدَّثني] (٢) موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾: فقتَّلهم وقطَّعَهم (٣)، كما قال عبدُ الله بنُ عباسٍ، حين قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. قال: كانوا في أوّلِ النهارِ سحرةً، وفي آخرِ النهارِ شهداءَ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفيعٍ، عن عُبيد بن عميرٍ، قال: كانت السحرةُ أوَّلَ النهارِ سحرةً، وآخِرَ النهارِ شهداءَ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ

стр. 7073

سَاجِدِينَ﴾. قال: ذُكِر لنا أنهم كانوا في أوّلِ النهارِ سحرةً، وآخرِه شهداءَ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ (٢): ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. قال: كانوا أوَّلَ النهارِ سحرةً، وآخرَه شهداءَ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)﴾. يقول تعالى ذكرُه: وقالت جماعةُ رجالٍ مِن قومِ فرعونَ لفرعونَ: أَتَدَعُ موسى وقومَه مِن بنى إسرائيلَ ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: كي يُفْسِدوا خدَمَك وعبيدَك عليك في أرضِك من مصرَ، ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾. يقولُ (٤): ويدَعُ خِدْمتَك موسى وعبادَتَك وعبادةَ آلهَتِك؟ وفي قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾. وجهان مِن التأويلِ؛ أحدُهما: أتذرُ موسى وقومَه ليفسِدُوا في الأرضِ وقد تَرَككَ وتَرَك عبادتَكَ وعبادةَ آلهيك؟ وإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا الوجهِ مِن التأويلِ كان النصبُ في قولِه: ﴿وَيَذَرَكَ﴾. على الصرفِ (٥)، لا على العطفِ به على قولِه: ﴿لِيُفْسِدُوا﴾. والثاني: أتذرُ موسى وقومَه ليفسِدوا في الأرضِ وليذرَك وآلهتَك. كالتوبيخِ منهم لفرعونَ على تركِ موسى ليفعلَ هذين الفعلين. وإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا الوجهِ كان نصبُ

стр. 7074

﴿وَيَذَرَكَ﴾ على العطفِ على ﴿لِيُفْسِدُوا﴾. والوجهُ الأوّلُ أولى الوجهين بالصوابِ، وهو أن يكونَ نصبُ ﴿وَيَذَرَكَ﴾ على الصرفِ؛ لأنَّ التأويلَ مِن أهلِ التأويلِ به جاء. وبعدُ، فإنَّ في قراءةِ أُبَيِّ بن كعبٍ الذي حدَّثني به أحمدُ بنُ يوسف، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال في حرفِ أُبيِّ بن كعبٍ: (وقد ترَكوك أن يَعْبُدوك وآلهتَك) (١) - دلالةً واضحةً على أن نصبَ ذلك على الصرفِ. وقد رُوِى عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يَقْرأُ ذلك: (وَيَذَرُك وآلهَتَكَ) (٢). عطفًا بقولِه: ﴿وَيَذَرَكَ﴾. على قولِه: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى﴾. كأنه وجَّه تأويلَه إلى: أَتَذَرُ موسى وقومَه ويذرُك وآلهتُك ليُفْسِدوا في الأرضِ. وقد تَحتَمِلُ قراءة الحسنِ هذه أن يكونَ معناها: أتذرُ موسى وقومَه ليُفسدوا في الأرضِ، وهو يذرُك وآلهتَك. فيكونَ (يذرُك) مرفوعًا على ابتداءِ الكلامِ [والسلامةِ مِن الحوادثِ] (٣). وأما قولُه: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾. فإن قرأةَ الأمصارِ على فتحِ الألفِ منها ومدِّها، بمعنى: وقد ترَك موسى عبادتَك وعبادةَ آلهتِك التي تعبُدُها. وقد (٤) ذُكِر عن ابن عباسٍ أنه قال (٥): كان له بقرةٌ يَعْبُدُها (٦).

стр. 7075

وقد رُوِى عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ أنهما كانا يقرأانِها: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ) (١). بكسرِ الألفِ، بمعنى: ويذرَك وعُبُودتك. والقراءةُ التي لا نرَى القراءةَ بغيرِها هي القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحُجَّة مِن القرأةِ عليها. ذكرُ من قال: كان فرعون يعبُدُ آلهةً. على قراءةِ مَن قرَأ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾: وآلهتُه فيما زعَم ابن عباسٍ كانت البقرَ (٢)، كانوا إذا رأَوا بقرةً حسناءَ أمَرهم أن يَعْبدُوها، فلذلك أخرَج لهم عجلًا بقرةً (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن عمرٍو، عن الحسنِ، قال: كان لفرعونَ جُمانةٌ (٤) معلقةٌ في نحرِه يعبُدُها ويسجُدُ لها (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا أبانُ بنُ خالد، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: بلَغنى أن فرعونَ كان يعبُدُ إلهًا في السرِّ. وقرَأ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ، قال:

стр. 7076

كان لفرعونَ إِلهُ يَعْبُدُه في السرِّ. ذِكرُ مَن قال: معنى ذلك: ويذرَك وعبادتَك. على قراءةِ مَن قرأ: (وإلاهَتَك) حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن محمدِ بن عمرِو بن (١) الحسنِ، عن ابن عباسٍ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ). قال: إنما كان فرعونُ يُعبَدُ ولا يَعبُدُ (٢). حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن نافعِ (٣) بن عمرَ (٤)، عن عمرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ). قال: وعبادتَك. ويقولُ: إنه كان يُعبَدُ ولا يَعبُدُ. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ). قال: يَتْرُكَ عبادتَك (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرَأُ: (وإلاهَتَك). يقولُ: عبادتَك (٦).

стр. 7077

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ). قال: عبادتَك (١). حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيع الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن محمدِ بن عمرِو بن حسنٍ (٢)، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرأُ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَك). وقال: إنما كان فرعونُ يُعبَدُ ولا يَعبُدُ. [حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، قال حدَّثنا قُرَّةُ، عن الضحاكِ، سمِعه يقرأُ: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ قلتُ: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ (٣). قال: إنما هي: (إلاهتَك). أي: عبادتَك، ألا ترى أنه قال: أنا ربُّكم الأعلى] (٤). وقد زعَم بعضُهم أن مَن قرأَ: (وإلاهَتَكَ). إنما يقصِدُ إلى نحوِ معنى قراءةِ مَن قرأ: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾. غير أنه أنَّثَ وهو يريدُ إلهًا واحدًا، كأنه يريدُ: وَيَذَرَكَ وإلاهَكَ. ثم أنَّث الإلهَ فقال: وإلاهَتَك. وذكَر بعض البصريين أن أعرابيًّا سُئِل عن "الإلَهةِ" فقال: هي عَلَمةٌ. يريدُ عَلَمًا، فأَنَّث العلمَ، فكأنه شيءٌ نُصِب للعبادةِ يُعبَدُ. وقد [قالت بنتُ عتيبةَ بن الحارثِ] (٥) اليربوعيِّ (٦):

стр. 7078

تَرَوَّحْنا مِن اللَّعْباءِ (١) قَصْرًا (٢) … وأعْجَلْنا الإلَهةَ أن تَئُوبا يعنى بالإلهةِ في هذا الموضعِ الشمسَ. وكأن (٣) المتأوَّلَ هذا التأويلِ وجَّه الإلهةَ إذا أُدخلِتْ فيها هاءُ التأنيثِ، وهو يريدُ واحدَ الآلهةِ، إلى نحوِ إدخالِهم الهاءَ في "وِلْدَتِى" و"كَوْكَبَتِي" و "ماءَتى" (٤)، وهو أهْلَةُ ذاك. وكما قال الراجز (٥): يا مضرُ الحمراءُ أنتِ أُسْرتى وأنت مَلْجاتى وأنتِ ظَهْرَتى يريدُ: ظهرى. وقد بيَّن ابن عباسٍ ومجاهدٌ ما أرادا مِن المعنى في قراءتهما ذلك على ما قرأا، فلا وجهَ لقولِ هذا القائلِ ما قال مع بيانِهما عن أنفسِهما ما قصدًا (٦) إليه مِن معنى ذلك. وقولُه: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾. يقولُ: قال فرعونُ: سنُقَتِّلُ أبناءَهم الذكورَ مِن أولادِ بنى إسرائيلَ، ﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾. يقولُ: ونستبقى إناثَهم، ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾. يقولُ: وإنا عالون عليهم بالقهرِ. يعنى بقهرِ المُلْكِ والسلطانِ.

стр. 7079

وقد بيَّنا أن كلَّ (١) عالٍ بقهرٍ وغلبةٍ على شيءٍ، فإن العربَ تقولُ: هو فوقَه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُ: قال موسى لقومِه مِن بنى إسرائيلَ لما قال فرعونُ للملأ مِن قومِه: سنُقَتِّلُ أبناءَ بنى إسرائيلَ ونَستحيى نساءَهم -: اسْتَعينوا باللهِ على فرعونَ وقومِه فيما ينوبُكم مِن أمرِكم، واصبِروا على ما نالكم مِن المكارِهِ في أنفسِكم وأبنائكم مِن فرعونَ. وكان قد تَبع موسى مِن بنى إسرائيلَ على ما حدَّثني به عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيم بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، قال: لما آمنَت السحرةُ، اتَّبع موسى ستُّمائةِ ألفٍ من بنى إسرائيلَ (٣). وقولُه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، يقولُ: إن الأرضَ لله، لعلَّ الله يُورِثُكم إن صَبَرتم على ما نالكم مِن مكروهٍ في أنفسِكم وأولادِكم مِن فرعونَ، واحتسبْتم ذلك، واستقمْتم [من دينكم] (٤) على السدادِ - أرضَ فرعونَ وقومِه، بأن يُهْلِكَهم ويستخلِفَكم فيها، فإن الله يُورِثُ أَرضَه مَن يَشَاءُ مِن عبادِه، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: والعاقبةُ المحمودةُ لمَن انقى الله وراقبَه، فخافَه باجتنابِ معاصيه وأداءِ فرائضِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ

стр. 7080

فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾. يقولُ جل ثناؤُه: قال قومُ موسى لموسى حينَ قال لهم: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾: ﴿أُوذِينَا﴾ بقتلِ أبنائنا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾. يقولُ: مِن قبلِ أن تأتيَنا برسالةِ اللهِ إلينا؛ لأنَّ فرعونَ كان يقتلُ أولادَهم الذكورَ حين أظلَّه زمانُ موسى على ما قد بيَّنْتُ فيما مضى مِن كتابِنا هذا (١). وقولُه: ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾. يقولُ: ومِن بعدِ ما جئتَنا برسالةِ اللهِ؛ لأنَّ فرعونَ لما غُلبت سحرتُه، وقال الملأُ (٢) مِن قومِه له ما قالوا (٣)، أراد تجديدَ العذابِ عليهم بقتلِ أبنائهم واستحياءِ نسائهم. وقيل: إن قوم موسى قالوا لموسى ذلك حين خافوا أن يُدركَهم (٤) فرعونُ وهم منه هاربون، وقد تراءى الجمعان، فقالوا له: يا موسى ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾: كانوا يذبِّحون أبناءَنا ويستحيون نساءَنا، ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾: اليوم يدرِكُنا فرعونُ فيقتلُنا. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾: من قبل إرسالِ اللَّهِ إياك وبعدَه (٥).

стр. 7081

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾: فنظرَتْ بنو إسرائيلَ إلى فرعونَ قد ردَفَهم، قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]. قالوا [يا موسى] (١) ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾: كانوا يذبِّحون أبناءَنا ويَسْتَحْيون نساءَنَا ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾: اليومَ يدركُنا فرعونُ فيَقتلُنا، إنا لمُدرَكون (٢). حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أسْرَى (٣) موسى ببنى إسرائيلَ حتى هجموا على البحرِ، فالتفتُوا فإذا هم برَهَجِ دوابِّ فرعونَ، فقالوا: يا موسى، ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، هذا البحرُ أمامَنا، وهذا فرعونُ [قد رهِقنا] (٤) بمن معه. قال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. وقولُه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: قال موسى لقومِه: لعلّ ربَّكم أن يُهلك عدوّكم فرعونَ وقومَه، ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ﴾. يقولُ: ويجعلَكم تخلفونهم في أرضِهم بعدَ هلاكِهم، لا تخافونَهم ولا أحدًا مِن الناسِ غيرَهم. ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: فيرى ربُّكم ما تعملون بعدَهم مِن

стр. 7082

مسارعتِكم في طاعته أو (١) تثاقلِكم عنها. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولقد اختبرْنا قومَ فرعونَ وتبَّاعَه على ما هم (٢) عليه مِن الضلالةِ - ﴿بِالسِّنِينَ﴾. يقولُ: بالجُدوبِ سنةً بعد سنةٍ، والقُحوطِ. يقالُ منه: أسْنَتَ القومُ: إذا أَجْدَبوا، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. يقولُ: واختبرْناهم مع الجُدوبِ بذهابِ ثمارِهم وغلّاتِهم إلَّا القليلَ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. يقولُ: عِظَةً لهم وتذكيرًا لهم، ليَنْزَجِروا عن ضلالتِهم، ويَفْزَعوا إلى ربِّهم بالتوبةِ. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شريكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبيدةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾. قال: سِنِي الجوعِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿بِالسِّنِينَ﴾: الجائحةِ، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: دونَ ذلك (٤).

стр. 7083

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثني القاسمُ بنُ دينارٍ، قال: ثنا عبيدُ اللِه بنُ موسى، عن شيبانَ، عن أبي إسحاقَ، عن رجاءِ بن حَيْوةَ في قولِه: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، قال: حتى (١) لا تحمِلَ النخلةُ إلا تمرةً (٢) واحدةً (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن رجاءِ بن حيوةَ، عن كعبٍ، قال: يأتى على الناسِ زمانٌ لا تحمِلُ النخلةُ فيه (٤) إلا تمرةً واحدةً (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحمانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن رجاءِ بن حيوةَ قولَه: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. قال: يأتى على الناسِ زمانٌ لا تحمِلُ النخلةُ إلا ثمرةً. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾: أخَذَهم اللهُ بالسنين، بالجوعِ عامًا فعامًا، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾؛ فأمَّا ﴿السِّنِينَ﴾ فكان ذلك [في باديَتِهم] (٥) وأهلِ مواشيهم، وأما ﴿نَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، فكان ذلك في أمصارِهم وقراهم (٦).

стр. 7084

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا جاءت آلَ فرعونَ العافيةُ والخِصْبُ والرخاءُ وكثرةُ الثمارِ (١)، ورأَوا ما يُحِبُّون في دنياهم - ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ و (١) نحن أولى بها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾. يعنى: جدوبٌ وقُحوطٌ وبلاءٌ، ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾. يقولُ: يتشاءموا بهم ويقولوا: ذهَبتْ حظوظُنا وأَنْصِباؤُنَا مِن الرَّخاءِ والخصْبِ والعافيةِ مُذ جاءنا موسى. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾: العافيةُ والرَّخَاءُ، ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾. نحن أحقُّ بها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: بلاءٌ وعقوبةٌ ﴿يَطَّيَّرُوا﴾: يتشاءَموا ﴿بِمُوسَى﴾ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾. قالوا: ما أصابنا هذا الشرُّ (٣) إلَّا بكَ يا موسى وبمَن معك، ما رأينا شرًّا ولا أصابنا حتى

стр. 7085

رأيناك. وقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾. قال: الحسنةُ ما يحبُّون، وإذا كان ما يكرَهون، قالوا: إنما (١) أصابنا هذا (٢) بشؤمِ هؤلاءِ الذين ظلَموا (٣). كما (٤) قال قومُ صالحٍ: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾. فقال اللهُ: إنَّما ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ (٥) [سورة النمل: ٤٧]. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ألا ما طائرُ آلِ فرعونَ وغيرِهم - وذلك أنصباؤُهم مِن الرَّخاءِ والخِصْبِ وغيرِ ذلك مِن أنصباءِ الخيرِ أو (٦) الشرِّ - إلا عندَ اللهِ، ولكنَّ أكثرَهم لا يعلمون أن ذلك كذلك، فلجهلِهم بذلك كانوا يطَّيَّرون بموسى وبمن معه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: مصائبُهم عندَ اللهِ، قال اللهُ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 7086

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: الأمرُ مِن قِبَلِ اللَّهِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه، وقال آلُ فرعونَ لموسى: يا موسى ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ [مِنْ آيَةٍ﴾] (٢): مِن علامةٍ ودلالةٍ ﴿لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾. يقولُ: لتَلْفِتَنا (٣) بها عما نحن عليه من دينِ فرعونَ، ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: فما نحن لك في ذلك بمصدِّقين على أنك محقٌّ فيما تدعونا إليه. وقد دلَّلْنا فيما مضى على معنى "السحرِ" بما أغنى عن إعادتِه (٤). وكان ابن زيدٍ يقولُ في معنى ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾. ما حدَّثني يونسُ، [قال: أخبَرنا ابن وهب] (٥)، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾. قال: إن ما تأتنا به مِن آيةٍ. وهذه فيها زيادةُ "ما" (٦). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعز: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في معنى الطوفانِ؛ فقال بعضُهم: هو الماءُ.

стр. 7087

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا حَبُّويَه أبو يزيدَ (١)، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما جاء موسى بالآياتِ، كان أوّلَ الآياتِ الطوفانُ، فأرسَل اللهُ عليهم السماءَ (٢). حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن أبي مالكٍ، قال: الطوفانُ الماءُ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: الطوفانُ الماءُ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جابرُ بن نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الطوفانُ الغرقُ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الطوفانُ الماءُ والطاعونُ على كلِّ حالٍ (٦). حدَّثني المثنى، قال: ثني أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الطوفانُ الموتُ على كلِّ حالٍ (٧).

стр. 7088

حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الطوفانُ الماءُ (١). وقال آخرون: بل هو الموتُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا المنهالُ بن خليفةَ، عن الحجاجِ، عن الحَكَمِ بن ميناءَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "الطُّوفانُ المَوْتُ" (٢). حدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: سألتُ عطاءً ما الطوفانُ؟ قال: الموتُ (٣) حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، و (٤) عمن حدَّثَه، عن مجاهدٍ، قالا (٥): الطوفانُ الموتُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرٍ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾. قال: الموتُ. قال ابن جريجٍ: وسألتُ عطاءً عن الطوفانِ، قال: الموتُ. قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: الموتُ على كلِّ حالٍ.

стр. 7089

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن المنهالِ بن خليفةَ، عن حجاجٍ، عن رجلٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الطوفانُ المَوْتُ" (١). وقال آخرون: بل كان ذلك أمرًا مِن اللهِ طاف بهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني جريرٌ، عن قابوسَ بن أبي ظَبْيانَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾. قال: (٢) "أمرٌ [من أمرِ] (٣) اللهِ؛ الطوفانُ. ثم قرَأ (٤) ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (٥) [سورة القلم: ١٩]. وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (٦). يزعُمُ أن الطوفانَ من السيلِ: البُعاقُ والدُّباشُ، وهو الشديدُ. ومن الموتِ: المبالغُ (٧) الذريعُ السريعُ. وقال بعضُهم: هو كثرةُ المطرِ والريحِ. وكان بعضُ نحوييِّ الكوفيين يقولُ: الطوفانُ مصدرٌ مثلَ الرُّجْحانِ والنُّقْصانِ، لا يجمعُ. وكان بعضُ نحوييِّ البصرةِ (٨) يقولُ: هو جمعٌ، واحدُها في القياسِ الطوفانةُ.

стр. 7090

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى ما قاله ابن عباسٍ، على ما رواه عنه أبو ظَبْيانَ، أنه أمرٌ مِن أمرِ (١) الله طاف بهم، وأنه مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: طاف بهم أمرُ اللهِ، يطوفُ طوفانًا. كما يقالُ: نقَص هذا الشيءُ يَنقُصُ نُقْصانًا. وإذا كان ذلك كذلك، جاز أن يكونَ الذي طاف بهم المطرَ الشديدَ، وجاز أن يكونَ الموتَ الذريعَ. ومن الدلالةِ على أن المطرَ الشديدَ قد يُسمَّى طوفانًا، قولُ الحسن (٢) بن عُرفُطةَ (٣): غَيَّر الجِدَّةَ من عِرْفانِهِ (٤) … خِرَقُ (٥) الريحِ وطُوفانُ المطرْ ويُرْوى: * خُرُقُ الريحِ بطوفانِ المطرْ * وقولُ الراعى (٦): تُضْحِى إذا العيسُ أدْرَكنا نكائثَها (٧) … خَرْقاءَ يَعْتادُها الطوفانُ والزُّؤُدُ (٨) وقولُ أبي النجمِ (٩): قد (١٠) مَدَّ طُوفانٌ فبَثَّ مَدَدَا شهرًا شآبيبَ (١١) وشهرًا بَرَدَا

стр. 7091

وأما ﴿القُمَّلَ﴾، فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: هو السوسُ الذي يخرُجُ مِن الحنطةِ. ذكر من قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: القُمَّلُ هو السوسُ الذي يخرُجُ مِن الحنطةِ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ بنحوِه (٢). وقال آخرون: بل هو الدَّبَى، وهو صغارُ الجرادِ الذي لا أجنحةَ له. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: القُمَّلُ الدَّبَى (٣). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: الدَّبَى هو (٤) القُمَّلُ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: القُمَّلُ الدَّبَى (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن

стр. 7092

قتادةَ، قال: القُمَّلُ هي الدَّبَى، وهى أولادُ الجرادِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: القُمَّلُ هو لدَّبَي. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: القُمَّلُ الدَّبَى (٢). [حدَّثنا ابن وكيعٍ] (٣)، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن قيسٍ، عمن ذكَرَه، عن عكرمةَ، قال: القُمَّلُ بناتُ الجرادِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: القُمَّلُ الدَّبَى (٥). وقال آخرون: بل القُمَّلُ البراغيثُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾. قال: زعَم بعضُ الناسِ في القُمَّلِ أنها البراغيثُ (٦).

стр. 7093

وقال بعضهم: هي دوابٌّ سودٌ صغارٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ والحسنَ قالا: القُمَّلُ دوابُّ سودٌ صغارٌ (١). وكان بعضُ أهل العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (٢) يزعُمُ أَنَّ القُمَّلَ عندَ العربِ الحَمْنانُ. والحَمْنانُ ضَرْبٌ مِن القِرْدانِ (٣) واحِدَتُها حَمْنانَةٌ. وهى صغارُ القِردانِ فوقَ القَمْقامَةِ. والقُمَّلُ جمع واحدتُها قُمَّلَةٌ، وهى دابةٌ تُشْبِهُ القَمْلَ تأكُلُها الإبلُ فيما بلغنى، وهى التي عناها الأعشَى في قولِه (٤): قَوْمٌ يُعالِجُ قُمَّلًا أَبْناؤُهُمْ … وَسَلَاسِلًا أُجُدًا وَبَابًا مُؤصَدًا وكان الفرَاءُ يقولُ (٥): لم أسمعْ فيه شيئًا، فإِن (٦) يَكُنْ جمعًا فواحِدُه قامِلٌ، مثلَ ساجدٍ وراكعٍ، وإن يكنِ اسمًا على معنى جمعٍ، فواحدتُه قمَّلةٌ. [وقال بعضُهم: هو مِن الجِعْلانِ] (٧).

стр. 7094

ذكر المعانى التي حدَثت في قومِ فرعونَ بحدوثِ هذه الآياتِ والسببُ الذي مِن أجله أحدَثَها اللهُ فيهم حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ الرازيُّ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بن المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: لما أتى موسى فرعونَ، قال له: أرسلْ معىَ بني إسرائيلَ. فأبى عليه، فأرسلَ اللهُ عليهم الطوفانَ، وهو المطرُ، فصبّ عليهم منه شيئًا، فخافوا أن يكونَ عذابًا، فقالوا لموسى: ادعُ لنا ربَّك [يَكْشِفْ عنا المطرِ فنُؤْمِنَ لك ونُرْسِلَ] (١) معك بني إسرائيلَ. فدعا ربَّه، فلم يُؤمنوا، ولم يُرسِلوا معه بني إسرائيلَ، فأَنْبَتَ لهم في تلكَ السنةِ شيئًا لم يُنْبِتْه قبلَ ذلك مِن الزرعِ والثمرِ والكلأَ، فقالوا: هذا ما كنا نتمنَّى. فأرسل اللهُ عليهم الجرادَ، فسلَّطه على الكلأِ، فلما رأوا أثرَه في الكلأَ عَرَفوا أنه لا يُبْقِى الزرعَ، فقالوا: يا موسى، ادعُ لنا ربكَ فيكشفَ عنا الجرادَ، فنؤمنَ لكَ، ونرسلَ معكَ بنى إسرائيلَ. فدعا ربَّه، فكشَف عنهم الجرادَ، فلم يؤمنوا، ولم يرسِلوا معه بني إسرائيلَ، فداسُوا وأحرزُوا في البيوتِ، فقالوا: قد أحرَزْنا، فأرسلَ اللهُ عليهم القُمَّلَ، وهو السوسُ الذي يخرجُ منه، فكان الرجلُ يُخرِجُ عَشَرَةَ أجربةٍ إلى الرَّحَى، فلا يَرُدُّ منها ثلاثةَ أقفِزةٍ، فقالوا: يا موسى، ادعُ لنا ربَّك يكشفْ عنا القُمَّلَ، فنؤمِنَ لكَ، ونرسلَ معك بني إسرائيلَ. فدعا ربَّه فكشف عنهم، فأبَوا أن يُرسلُوا معه بنى إسرائيلَ. فبينا هو جالسٌ عند فرعونَ إذ سمِع نقيقَ ضِفْدَعٍ، فقال لفرعونَ: ما تلقى أنتَ وقومكَ مِن هذا؟ فقال: وما عسى أن يكونَ كيدُها، فما أمسَوا حتى كان الرجلُ يجلسُ إلى ذَقْنِه في الضفادعِ، ويهمُّ أن يتكلمَ فيثبُ الضِّفْدَعُ في فيه. فقالوا لموسى ادعُ لنا ربَّك يكشِفْ عنا هذه الضفادعَ، فنؤمنَ لك،

стр. 7095

ونرسلَ معك بني إسرائيل (١)، فأرسل اللهُ عليهم الدَّمَ، فكان ما استقوا مِن الأنهارِ والآبارِ، أو ما كان في أوعيَتِهم، وجدوه دمًا عبيطًا، فشكَوا إلى فرعونَ فقالوا: إنا قد ابتُلينا بالدمِ، وليس لنا شرابٌ. فقال: إنه قد سحَركم. فقالوا: من أين سحرنا ونحن لا نجدُ في أوعيتِنا شيئًا مِن الماء إلا وجدناه دمًا عبيطًا. فأتَوه وقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّك يكشفْ عنا هذا الدمَ، فنؤمنَ لك، ونرسلَ معك بني إسرائيلَ، فدعا ربَّه، فكُشِف عنهم، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بنى إسرائيلَ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَبُّويَه أبو يزيدَ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن [عن سعيد بن جبيرٍ] (٣) عن ابن عباسٍ، قال: لما خافوا الغرقَ، قال فرعونُ: يا موسى ادعُ لنا ربَّك يكشِف عنا هذا المطرَ، فنؤمنَ لك. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن حميدٍ، عن يعقوبَ (٤). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قال: ثم إن الله أرسَل عليهم - يعنى: على قوم فرعونَ - الطوفانَ، وهو المطرُ، فغرِق كلُّ شيءٍ لهم، فقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّك يكشِفْ عنا، ونحن نؤمنُ لك، ونرسل معك بني إسرائيلَ. فكشَفه اللهُ عنهم ونبَتت به زروعُهم، فقالوا: ما يسرُّنا أنَّا لم نمطَرْ. فبعَث اللهُ عليهم الجرادَ، فأكل حروثَهم، فسألوا موسى أن يدعوَ ربَّه فيكشِفَه ويؤمنوا به، فدعا فكشَفه، وقد بقِى من زروعِهم بقيةٌ، فقالوا: لم تؤمنون وقد بقى لنا من زُروعنا بقيَّةٌ تكفينا؟ فبعث الله عليهم الدَّبَى - وهو القُمَّلُ - فلحَس الأرضَ كلَّها، وكان يدخلُ بينَ ثوبِ أحدِهم وبينَ جلدِه فيعَضُّه،

стр. 7096

وكان يأكُلُ أحدُهم الطعامَ فيمتلئُ دَبًى، حتى إن أحدَهم ليبنى الأسطوانةَ بالجصِّ فيُزْلِقُها حتى لا يَرْتَقِيَ فوقَها شيءٌ؛ يرفعُ فوقها الطعامَ، فإذا صعِد إليه ليأكلَه وجَده ملآن دَبًى، فلم يصابوا ببلاءٍ كان أشدَّ عليهم مِن الدَّبَى، وهو الرِّجزُ الذي ذكَر اللهُ في القرآنِ أنه وقَع عليهم، فسألوا موسى أن يدعَو ربَّه فيكشفَ عنهم، ويؤمنوا به، فلما كشَف عنهم أَبَوا أن يؤمنوا، فأرسل اللهُ عليهم الدمَ، فكان الإسرائيليُّ يأتى هو والقبطيُّ يستقيان مِن ماءٍ واحدٍ، فيَخرجُ ماءُ هذا القبطيِّ دمًا، ويخرج للإسرائيليِّ ماءً، فلما اشتدَّ ذلك عليهم سألوا موسى أن يكشفَه ويؤمنوا به، فكشف ذلك، فأَبَوا أن يؤمنوا، فذلك حينَ يقولُ اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (١) [الزخرف: ٥٠]. حدَّثنا محمد بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾. قال: أرسَل اللهُ عليهم الماءَ حتى قاموا فيه قيامًا، ثم كشَف عنهم، فلم ينتفِعوا (٢)، وأخصَب بلادَهم خِصْبًا لم تَحْصَبْ مثلَه، فأرسل اللهُ عليهم الجرادَ فأكلته إلا قليلًا، فلم يؤمِنوا أيضًا، فأرسل اللهُ عليهم (٢) القُمَّلَ، وهى الدَّبَى، وهى أولادُ الجرادِ، فأكلت ما بقى مِن زروعِهم، فلم يؤمنوا، فأرسل اللهُ (٣) عليهم الضفادعَ، فدخَلت عليهم بيوتَهم، ووقَعَت في آنيتِهم وفُرُشِهم، فلم يؤمنوا، ثم أرسل اللهُ عليهم الدمَ، فكان أحدُهم إذا أراد أن يشربَ تحوَّلَ ذلك الماءُ دمًا، قال اللهُ: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ (٤).

стр. 7097

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ حتى بلغ ﴿مُجْرِمِينَ﴾. قال (١): أرسل اللهُ عليهم الماءَ حتى قاموا فيه قيامًا، فدعوا موسى فدعا ربَّه، فكشَفه عنهم. ثم عادوا لشرِّ ما بحضرتِهم. ثم أنبتَت أرضُهم، ثم أرسل الله عليهم الجراد، فأكل عامَّةَ حروثِهم وثمارِهم، ثم دعوا موسى فدعا ربَّه فكشَفه عنهم، ثم عادوا لشرِّ ما بحضرتِهم. فأرسل اللهُ عليهم القُمَّلَ، هذا الدَّبَى الذي رأيتم، فأكل ما أبقى الجرادُ مِن حروثِهم، فلحَسه، فدعوا موسى، فدعا ربَّه، فكشَفه عنهم، ثم عادوا لشرِّ ما بحضرتِهم. ثم أرسل اللهُ عليهم الضفادعَ، حتى مَلأت بيوتَهم وأَفْنِيَتَهم، فدعوا موسى، فدعا ربَّه فكشف عنهم، ثم عادوا بأشرِّ ما بحضرتِهم. فأرسل اللهُ عليهم الدمَ، فكانوا لا يغترِفون من مائهم إلا دمًا، أحمرَ، حتى لقد ذُكِر أن عدوَّ اللهِ فرعونَ كان يجمَعُ بينَ الرجلين على الإناءِ الواحدِ، القبطيِّ والإسرائيليِّ، فيكونُ مما يلى الإسرائيليَّ ماءً، ومما يلى القبطىَّ دمًا، فدعوا موسى، فدعا ربَّه، فكشَفه عنهم في تسعِ آياتٍ: السنينَ، ونقصٍ مِن الثمراتِ، وأراهم يدَ موسى ﵇ وعصاه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾: وهو المطرُ، حتى خافوا الهلاكَ، فأتوا موسى، فقالوا: ي موسى ادعُ لنا ربَّك أن يكشفَ عنا المطرَ، [فإنا نؤمنُ لك ونرسِلُ معك بني إسرائيلَ، فدعا ربَّه، فكشَف عنهم المطرَ] (٢)، فأنبت اللهُ به حرثَهم، وأخصبَ به بلادَهم، فقالوا: ما نحبُّ أنا لم نمطرُ بتركِ دينِنا، فلن نؤمنَ لك، ولن نرسلَ معك بنى إسرائيلَ. فأرسل اللهُ عليهم الجرادَ، فأسرعَ في فسادِ ثمارِهم وزروعِهم، فقالوا: يا

стр. 7098

موسى ادعُ لنا ربَّك [يكشفْ عنا الجرادَ، فإنا سنُؤمنُ لك ونُرسلُ معك بني إسرائيلَ] (١). فدعا ربَّه، فكشَف عنهم الجرادَ، وكان قد بقى مِن زرعِهم ومعايشِهم بقايا، فقالوا: قد بقِى لنا ما هو كافينا، فلن نؤمن لك ولن نرسلَ معك بني إسرائيلَ. فأرسل اللهُ عليهم القُمَّلَ - وهو الدَّبَى - فتتبع ما كان تركَ الجرادُ، فجزعوا وأحسُّوا بالهلاكِ، قالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّك يكشفْ عنا الدَّبَى، فإنا سنؤمنُ لك، ونرسلُ معك بني إسرائيلَ. فدعا ربَّه، فكشَف عنهم الدَّبَى، فقالوا: ما نحن لك بمؤمنين ولا مُرسِلين معك بني إسرائيلَ. فأرسل اللهُ عليهم الضفادعَ، فملأَ بيوتَهم مِنها، ولقُوا منها أذًى شديدًا لم يَلْقَوا مثلَه فيما كان قبلَه، أنها كانت تثبُ في قدورِهم، فتُفْسِدُ عليهم طعامهم، وتطفئُ نيرانَهم، قالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّكَ يَكْشِفْ عنا الضفادعَ، فقد لقينا منها بلاءً وأذى، فإنا سنؤمنُ لك، ونرسلُ معك بني إسرائيلَ. فدعا ربَّه، فكشَف عنهم الضفادعَ، فقالوا: لا نؤمنُ لك، ولا نرسلُ معك بني إسرائيلَ. فأرسل اللهُ عليهم الدمَ، فجعَلوا لا يأكُلون إلا الدمَ، ولا يَشْرَبون إلا الدمَ، فقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّكَ يَكْشِفْ عنا الدمَ، فإنا سنُؤمن لك، ونرسلُ معك بني إسرائيلَ. فدعا ربَّه فكشَف عنهم الدمَ، فقالوا: يا موسى لن نؤمنَ لك ولن نرسلَ معك بني إسرائيلَ. فكانت آياتٍ مفصَّلاتٍ بعضُها على إثرِ بعضٍ، ليكونَ للَّهِ عليهم الحجةُ، فأخذهم اللهُ بذنوبِهم، فأغرقَهم في اليَمِّ (٢). حدَّثني عبدُ الكريم، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أُرسِلَ على قومِ فرعونَ الآياتُ؛ الجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. قال: فكان الرجلُ من بني إسرائيلَ يركَبُ

стр. 7099

مع الرجلِ من قومِ فرعونَ في السفينةِ، فيغرفُ الإسرائيليُّ ماءً، ويغرفُ الفِرعَونيُّ دمًا. قال: وكان الرجلُ مِن قومِ فرعونَ ينامُ في جانبٍ، فيكثُرُ عليه القُمَّلُ والضفادعُ حتى لا يقدرَ أن ينقلبَ على الجانبِ الآخرِ، فلم يزالوا كذلك حتى أوحى اللهُ إلى موسى: ﴿مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢]. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لما أتى موسى فرعونَ بالرسالةِ أبى أن يؤمنَ، وأن يرسلَ معه بني إسرائيلَ، فاستكبرَ، قال: لن أرسلَ معك بني إسرائيلَ. فأرسل الله عليهم الطوفانَ، وهو الماءُ؛ أمطرَ عليهم السماءَ حتى كادوا يَهلِكون، وامتنع منهم كلُّ شيءٍ، فقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّك بما عهِد عندَك لئن كشَفت عنا هذا لنُؤْمننَّ لك، ولنُرْسِلَنَّ معك بني إسرائيلَ. فدعا الله فكشَف عنهم المطرَ، فأنبَت اللهُ لهم حروثَهم، وأحيا بذلك المطرِ كلَّ شيءٍ من بلادِهم، فقالوا: واللهِ ما نُحِبُّ أنا لم نَكُنْ أُمْطِرنا هذا المطرَ، ولقد كان خيرًا لنا، فلن نرسلَ معك بني إسرائيلَ، ولن نؤمنَ لك يا موسى. فبعَث اللهُ عليهم الجرادَ، فأكل عامَّةَ حروثِهم، وأسرع الجرادُ في فسادِها، فقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّك يَكْشِفْ عنا الجرادَ، فإنا مؤمنون لك، ومرسلون معك بني إسرائيلَ. فكشَف اللهُ عنهم الجرادَ، وكان الجرادُ قد أبقى لهم من حروثِهم بقيةً، فقالوا: قد بقِى لنا من حروثِنا ما كان كافينا، فما نحن بتاركي دينِنا، ولن نُؤمنَ لك، ولن نرسلَ معك بني إسرائيلَ. فأرسل اللهُ عليهم القُمَّلَ - والقُمَّلُ الدَّبَى، وهو الجرادُ الذي ليست له أجنحةٌ - فتتبع ما بقى من حروثهم وشجرِهم وكلِّ نبات كان لهم، فكان القُمَّلُ أشدَّ عليهم مِن الجرادِ، فلم يستطيعوا للقُمَّل حيلةٌ، وجزِعوا من ذلك فأتَوا موسى، فقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّك يَكْشِفْ عنا القُمَّلَ، فإنه لم يُبْقِ لنا شيئًا، قد أكَل ما بقِى مِن حروثِنا، ولئن كشَفت عنا القُمَّلَ لنؤمننّ لك، ولنرسِلنَّ معك بني إسرائيلَ. فكشَف

стр. 7100

عنهم القُمَّلَ فنكَثوا. وقالوا: لن نؤمنَ لك، ولن نُرسلَ معك بني إسرائيلَ. فأرسَل اللهُ عليهم الضفادعَ، فامتلأت منه البيوتُ، فلم يبقَ لهم طعامٌ ولا شرابٌ إلا وفيه الضفادعُ، فلَقُوا منها شيئًا لم يَلْقَوْه فيما مضَى، فقالوا: ﴿يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]. قال: فكشَف الله عنهم فلم يفعَلوا، فأنزل الله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ إلى ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٥، ١٣٦] (١). حدَّثنا محمد بنُ حميدٍ الرازيُّ، قال: ثنا أبو تُميْلَةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت الضفادعُ برِّيَّةً، فلما أرسَلها اللهُ على آلِ فرعونَ، سمِعت وأطاعت، فجعَلت تقذِفُ (٢) أنفسَها في القدورِ وهى تغلى، وفي التنانيرِ وهى تفورُ، فأثابَها الله بحسنِ طاعتِها بَرْدَ الماءِ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: فرجَع عدوُّ اللهِ - يعنى فرعون - حين آمنت السحرةُ مغلوبًا مفلولًا، ثم أبى إلا الإقامةَ على الكفرِ، والتمادىَ في الشرِّ، فتابعَ اللهُ عليه بالآياتِ، وأخَذه بالسنين، فأرسل عليه الطُّوفان، ثم الجرادَ، ثم القُمَّلَ، ثم الضفادعَ، ثم الدمَ، آياتٍ مُفصَّلاتٍ. فأرسل الطوفانَ، وهو الماءُ، ففاض على وجهِ الأرضِ، ثم ركَد، لا يَقْدِرون على أن يَحْرُثُوا ولا يعمَلوا شيئًا، حتى جُهِدوا جوعًا، فلما بلَغهم ذلك، قالوا: يا موسى، ادعُ لنا ربَّك، لئن كَشَفْتَ عنا الرجزَ لَنُؤْمننَّ لك، ولنُرْسِلنَّ معك بنى إسرائيلَ، فدعا موسى ربَّه، فكشَفه عنهم، فلم يَفُوا له بشيءٍ مما قالوا، فأرسل الله عليهم الجرادَ، فأكَل

стр. 7101

الشجرَ - فيما بلغنى - حتى إن كان ليأكُلُ مساميرَ الأبوابِ مِن الحديدِ حتى تَقَعَ دُورُهم ومساكِنُهم، فقالوا مثلَ ما قالوا، فدعا ربَّه، فكشَفه عنهم، فلم يَفُوا له بشيءٍ مما قالوا، فأرسل اللهُ عليهم القُمَّلَ. فذُكِر لى أن موسَى أُمِر أن يمشىَ إلى كثيبٍ حتى يَضْرِبَه بعصاه، فمشَى إلى كثيبٍ أَهْيَلَ عظيمٍ، فضرَبه بها، فانثال عليهم قُمَّلًا حتى غلَب على البيوتِ والأطعمةِ، ومنعهم النومَ والقرارَ، فلما جهَدَهم قالوا له مثلَ ما قالوا، فدعا ربَّه فكشَفه عنهم، فلم يفوا له بشيءٍ مما قالوا. فأرسل اللهُ عليهم الضفادعَ، فملأتِ البيوتَ والأطعمةَ والآنيةَ، فلا يكشفُ أحدٌ منهم ثوبًا ولا طعامًا ولا إناءً إلَّا وجَد فيه الضفادعَ قد غلَبت عليه، فلما جهَدهم ذلك قالوا له مثلَ ما قالوا، فدعا ربَّه فكشَف عنهم، فلم يَفُوا له بشيءٍ مما قالوا. فأرسل اللهُ عليهم الدمَ، فصارت مياهُ آل فرعونَ دمًا، لا يستقون من بئرٍ ولا نَهَرٍ، ولا يغترِفون من إناءٍ إلا عاد دمًا عبيطًا (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، أنه حدَّث أن المرأةَ مِن آل فرعونَ كانت تأتى المرأةَ مِن بني إسرائيلَ حين جهَدهم العطشُ، فتقولُ: اسقينى مِن مائِك، فتغرفُ لها مِن جَرَّتِها، أو تَصُبُّ لها مِن قِرْبَتِها، فيعودُ في الإناء دمًا، حتى إن كانت لتقولُ لها: اجعليه في فيك ثم مُجِّيه في فيَّ، فتأخذ في فيها ماءً، فإذا مجَّته في فيها صار دمًا، فمكَثوا في ذلك سبعةَ أيامٍ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الجرادُ يأكُلُ زُروعهم ونباتَهم، والضفادعُ تسقُطُ على فُرُشِهم وأطعِمتِهم،

стр. 7102

والدمُ يكونُ في بيوتِهم وثيابِهم ومائِهم وطعامِهم (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرٍ (٢)، عن مجاهدٍ، قال (٣): سال النيلُ دمًا، فكان الإسرائيليُّ يستقى ماءً طيِّبًا، ويستقِى الفرعونيُّ دمًا، ويشتركان في إناءٍ واحدٍ، فيكونُ ما يلى الإسرائيليَّ ماءً طيبًا، وما يلى الفرعونى دمًا (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أن موسى لما عالَج فرعونَ بالآياتِ الأربعِ؛ العصا، واليدِ، ونقصٍ مِن الثمراتِ، والسنين. قال: يا ربِّ إن عبدَك هذا قد علا في الأرضِ، وعتا، وبغَى عليَّ، وعلا عليكَ، وعادَّني (٥) بقومِه، ربِّ خُذْ عبدَك بعقوبَةٍ تجعَلُها له ولقومِه نقمةً، وتجعلُها لقومى عظةً، ولمن بعدى آيةً في الأممِ الباقيةِ. فبعَث اللهُ عليهم الطوفانَ - وهو الماءُ - وبيوتُ بنى إسرائيلَ وبيوتُ القبطِ مشتبكةٌ مختلطةٌ بعضُها ببعضٍ، فامتلأت بيوت القبطِ ماءً، حتى قاموا في الماءِ إلى تراقِيهم، من جلَس منهم غرِق، ولم يدخُلْ بيوت بنى إسرائيل قطرةٌ، فجعلت القبط تنادى موسى: ادع لنا ربك بما عهِد عندَك لئن كشفتَ عنا الرِّجزَ لنؤمننَّ لك، ولنرسلنَّ معك بني إسرائيلَ. قال: فواثقوا موسى ميثاقًا أخذَ عليهم به عهودَهم، وكان الماءُ أخذهم يومَ السبتِ، فأقام عليهم (٦) سبعة أيام

стр. 7103

إلى السبتِ الآخرِ، فدعا موسى ربَّه، فرفَع عنهم الماءَ، فأعشبت بلادُهم مِن ذلك الماءِ، فأقاموا شهرًا في عافيةٍ، ثم جحَدوا وقالوا: ما كان هذا الماءُ إلا نعمةً علينا وخِصْبًا لبلادِنا، ما نحبُّ أنه لم يكنْ - قال: وقد قال قائلٌ لابنِ عباسٍ: إني سألتُ ابنَ عمرَ عن الطُّوفانِ. فقال: ما أدرى موتًا كان أو ماءً. فقال ابن عباسٍ: أما يقرأُ ابن عمرَ سورةَ "العنكبوتِ" حين ذكَر اللهُ [قومَ نوحٍ] (١) فقال: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤]. أرأيتَ لو ماتوا، إلى مَن جاء موسى ﵇ بالآياتِ الأربعِ بعدَ الطوفانِ؟ - قال: فقال موسى: يا ربِّ إن عبادَك نقَضوا عهدى (٢)، وأخلفوا وعدِى، ربِّ خُذْهم بعقوبةٍ تجعلُها لهم نقمةً، ولقومى عِظةً، ولمن بعدَهم آيةً في الأممِ الباقيةِ. قال: فبعَث اللهُ عليهم الجرادَ فلم يدعْ لهم ورقةً ولا شجرةً ولا زهرةً ولا ثمرةً إلا أكَله، حتى لم يُبْقِ جَنًى، حتى إذا أفنى الخَضِرَ كلَّها أكل الخشبَ، حتى أكلَ الأبوابَ وسُقوفَ البيوتِ، وابْتُلى الجرادُ بالجوعِ، فجعَل لا يشبعُ، غيرَ أنه لا يدخلُ بيوتَ بني إسرائيلَ، فعجُّوا وصاحوا إلى موسى، فقالوا: يا موسى هذه المرّةَ ادْعُ لنا ربَّك بما عهِد عندَك لئن كشَفَت عنا الرَّجزَ لنُؤْمِننَّ لك ولنُرْسلنَّ معك بني إسرائيلَ. فأعطَوه عهدَ اللَّهِ وميثاقَه، فدعا لهم ربَّه، فكشَف اللهُ الجرادَ بعدَ ما أقام عليهم سبعةَ (٣) أيامٍ، من السبتِ إلى السبتِ، ثم أقاموا شهرًا في عافيةٍ، ثم عادوا لتكذيبِهم وإنكارِهم ولأعمالِهم أعمالِ السَّوءِ. قال: فقال موسى: يا ربِّ عبادُك قد نقضُوا عهدى وأخلَفوا موعدِى، فخُذْهم بعقوبةٍ تجعلُها لهم نقمةً، ولقومِى عظةً، ولمَن بعدى آيةً في الأممِ الباقيةِ. فأرسل اللهُ عليهم القُمَّلَ - قال أبو بكرٍ: سمِعت سعيدَ بنَ جبيرٍ والحسنَ (٤) يقولان: كان إلى

стр. 7104

جنبِهم كثيبٌ أعْفرُ بقريةٍ من قُرى مصرَ تُدعَى عينَ شمسٍ، فمشَى موسى إلى ذلك الكثيبِ، فضَربَه بعصاه ضربةً صار قُمَّلًا تَدُبُّ إليهم - وهى دوابُّ سودٌ صغارٌ - فدبت إليهم القُمَّلُ، فأخَذت أشعارَهم وأبشارَهم وأشفارَ عيونِهم وحواجِبَهم، ولزِمَ جلودَهم، كأنه الجُدَرِيُّ عليهم، فصرَخوا وصاحوا إلى موسى: إنا نتوبُ ولا نعودُ، فادعُ لنا ربَّك. فدعَا ربَّه فرفَع عنهم القُمَّلَ بعدَ ما أقام عليهم سبعةَ أيامٍ مِن السبتِ إلى السبتِ، فأقاموا (١) شهرًا في عافيةٍ، ثم عادوا وقالوا: ما كنا قطُّ أحقَّ أن نستيقنَ أنه ساحرٌ منا اليومَ؛ جعَل الرملَ دوابَّ، وعزّةِ فرعونَ لا نُصَدِّقُه أبدًا ولا نتبعُه. فعادوا لتكذيبِهم وإنكارِهم، فدعا موسى عليهم، فقال: يا ربِّ إن عبادَك نقَضوا عهدى، وأخلَفوا وعدى، فخُذْهم بعقوبةٍ تجعلُها لهم نقمةً، ولقومى عِظةً، ولمن بعدى آيةً في الأممِ الباقيةِ. قال: فأرسَل اللهُ عليهم الضفادعَ، فكان أحدُهم يضطجعُ فتركَبُه الضفادعُ، فتكونُ عليه ركامًا حتى ما يستطيعُ أن يَنْصَرِفَ إلى شقِّه الآخرِ، ويفتحُ فاه لأكْلَتِه فيَسْبِقُ الضِّفْدَعُ أكْلَتَه إلى فيه، ولا يعجِنُ عجينًا إِلا تَسَدَّحَت (٢) فيه، ولا يطبُخُ قدرًا إِلَّا امتلأت ضَفادِعَ. فعُذِّبُوا بها أشدَّ العذابِ، فبكَوْا (٣) إلى موسى ﵇، وقالوا: هذه المرّةَ نتوبُ ولا نعودُ. فأخذ عهودَهم (٤) وميثاقَهم، ثم دعا ربَّه، فكشَف اللهُ عنهم الضفادعَ بعد ما أقام عليهم سبعًا مِن السبتِ إلى السبتِ، فأقاموا شهرًا في عافيةٍ، ثم عادوا لتكذيبِهم وإنكارِهم، وقالوا: قد تبينَ لكم سِحْرُه؛ يجعَلُ الترابَ دوابَّ، ويجيءُ بالضفادعِ في غيرِ ماءٍ. فآذَوا موسى ﵇. فقال موسى: يا ربِّ إن عبادَك نقضوا عهدى، وأخلَفوا وعدى، فخُذْهم بعقوبةٍ تجعلُها لهم

стр. 7105

نقمةً (١)، ولقومى عِظةً، ولمن بعدى آيةً في الأممِ الباقيةِ. فابتلاهم اللهُ بالدمِ، فأفسَد عليهم معايشَهم، فكان الإسرائيليُّ والقبطيُّ يأتيان النيلَ فيستقيان، فيُخْرِجُ الإسرائيليُّ ماءً، ويُخْرِجُ القبطيُّ دمًا، ويقومان إلى الحُبِّ (٢) فيه الماء، فيُخْرِجُ الإسرائيلى في إنائِه ماءً، ويُخْرِجُ القبطيُّ دمًا. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبُو سعدٍ، قال: سمِعت مجاهدًا في قولِه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾. قال: الموتُ والجرادُ. قال: الجرادُ يأكُلُ أمتعتَهم وثيابَهم ومساميرَ أبوابِهم، والقُمَّلُ هو الدَّبَى، سلَّطَه اللهُ عليهم بعدَ الجرادِ. قال: والضفادعُ تَسْقُطُ في أطعِمَتِهم التي في بيوتِهم وفي أشربَتِهم. وقال بعضُهم: الدمُ الذي أرسَله اللهُ عليهم كان رعافًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بكيرٍ، قال: ثنا زهيرٌ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ: أما القُمَّلُ فالقَمْلُ، وأما الدمُ، فسلَّط اللهُ عليهم الرُّعافَ (٣). وأما قولُه ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. فإن معناه: علاماتٍ ودلالاتٍ على صحةِ نبوّةِ موسى وحقيقةِ ما دعاهم إليه ﴿مُفَصَّلَاتٍ﴾: قد فُصِل بينها فجُعِل بعضُها يتلو بعضًا، وبعضُها في إثرِ بعضٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 7106

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: فكانت آياتٍ مفصلاتٍ بعضُها في إثرِ بعضٍ؛ ليكونَ للَّهِ الحُجَّةُ عليهم، فأخَذهم اللهُ بذنوبِهم، فأغرَقهم في اليمِّ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. قال: يَتبَعُ بعضُها بعضًا ليكونَ لله عليهم الحجةُ، فينتقِمَ منهم بعدَ ذلك، وكانت - زعَموا (٢) - تَمْكُثُ فيهم مِن السبتِ إلى السبتِ، وتُرْفَعُ عنهم شهرًا، قال اللهُ ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٦]. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ. ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ أي: آيةً بعدَ آيةٍ يتبعُ بعضُها بعضًا (٣). وكان مجاهدٌ يقولُ فيما ذُكر عنه في معنى "المفصَّلاتِ"، ما حدَّثني به الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ في: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. قال: معلوماتٍ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاستكبَر هؤلاءِ الذين أرسَل اللهُ عليهم ما ذكَر في هذه الآيةِ مِن الآياتِ والحُجَجِ عن الإيمانِ باللهِ، وتصديقِ رسولِه موسى ﷺ ،

стр. 7107

واتِّباعِه (١) على ما دعاهم إليه، وتعظَّموا على اللهِ ، وعَتَوا عليه، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: وكانوا قومًا يعمَلون بما يكرهُه اللهُ مِن المعاصى والفسوقِ عُتُوًّا وتمردًا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤)﴾. يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾: ولما نزَل بهم عذابُ الله، وحلّ بهم سَخَطُه. ثم اختلفَ أهلُ التأويلِ في "الرجزِ" الذي أخبَر اللهُ أنه وقع بهؤلاءِ القومِ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك طاعونًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: وأمر موسى قومَه من بني إسرائيلَ - وذلك بعدَ ما جاءَ قومَ فرعونَ بالآياتِ الخمسِ؛ الطوفانِ وما ذكَر اللهُ في هذه الآيةِ، فلم يُؤْمِنوا ولم يُرْسِلوا معه بنى إسرائيلَ - فقال: لِيَذْبحْ كلُّ رجلٍ منكم كبشًا، ثم ليَخْضِبْ كفَّه في دمِه، ثم ليَضْرِبْ به على بابِه. فقالت القبطُ لبنى إسرائيلَ: لِمَ تُعالِجُون هذا الدمَ على أبوابِكم؟ فقالوا: إن الله يُرْسِلُ عليكم عذابًا فنَسْلَمُ وتَهْلِكون. فقالت القبطُ: فما يَعْرِفُكم اللهُ إلا بهذه العلاماتِ (٢)؟ فقالوا: هكذا أَمَرنا به نبيُّنا. فأصبَحوا وقد

стр. 7108

طُعِن مِن قوم فرعونَ سبعون ألفَ ذَرَا (١)، فأمسَوا وهم لا يتدافنون، فقال فرعونُ عندَ ذلك (٢): ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ وهو الطاعونُ ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فدعا ربَّه فكشَفه عنهم، فكان أوفاهم كلَّهم فرعونُ، فقال لموسى: اذهبْ ببنى إسرائيلَ حيثُ شِئتَ (٣). حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا حَبُّويَه الرازيُّ وأبو داودَ الحَفَرِيُّ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ - قال: حَبُّويَه: عن ابن عباسٍ -: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ قال: الطاعونُ (٤). وقال آخرون: هو العذابُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الرجزُ العذابُ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثني أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا

стр. 7109

كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾. أي: العذابَ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾. يقولُ: العذابُ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾. قال: الرجزُ العذابُ الذي سلَّطه اللهُ عليهم مِن الجرادِ والقُمَّلِ وغيرِ ذلك، وكلُّ ذلك يعاهِدونه ثم يَنْكُثون. وقد بيَّنا معنى "الرِّجزِ" فيما مضى من كتابِنا هذا بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِها (٢). وأولى القولين بالصوابِ في هذا الموضعِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أَخبر عن فرعونَ وقومِه أنهم لما وقَع عليهم الرجزُ - وهو العذابُ والسَّخَطُ مِن اللَّهِ عليهم - فزِعوا إلى موسى بمسألتِه ربَّه كَشْفَ ذلك عنهم. وجائزٌ أن يكونَ ذلك الرجزُ كان الطوفانَ والجرادَ والقُمَّلَ والضفادعَ والدمَ؛ لأنَّ كلَّ ذلك كان عذابًا عليهم. وجائزٌ أن يكونَ ذلك الرجزُ كان طاعونًا، ولم يُخبرْنا اللهُ أيَّ ذلك كان، ولا صحَّ عن رسولِ اللهِ ﷺ بأيِّ ذلك كان خبرٌ فنُسَلِّمَ له. فالصوابُ أن نقولَ فيه كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾. فلا نتعداه إلا بالبيانِ الذي لا تمانعَ فيه بينَ أهلِ التأويلِ، وهو: لمَّا حل بهم عذابُ اللهِ وسخطُه قالوا: ﴿يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾. يقولُ: بما أوصاك وأمَرك به - وقد بينّا معنى "العهدِ" فيما مضى (٣) - ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾. يقولُ: لئن رفَعت عنا العذابَ الذي

стр. 7110

نحن فيه، ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾. يقولُ: لنُصَدَّقن بما جئتَ به ودعوتَ إليه، ولنُقِرَّن به لك، ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ: ولنُخَلِّين معك بني إسرائيلَ فلا نمنعُهم أن يذهَبوا حيث شاءوا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فدعا موسى ربَّه فأجابه، فلما رفَع اللهُ عنهم العذابَ الذي أنزَله بهم، ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾؛ ليَسْتَوفوا عددَ أيامِهم التي جعَلها اللهُ لهم مِن الحياةِ أجلًا إلى وقتِ هلاكِهم، ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. يقولُ: إذا هم يَنْقُضُون عهودَهم التي عاهَدوا ربَّهم وموسى، ويقيمون على كفرِهم وضلالِهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾. قال: عددٌ مسمًّى لهم (١) مِن أيامِهم (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
следующие страницы →