← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: فكانت آياتٍ مفصلاتٍ بعضُها في إثرِ بعضٍ؛ ليكونَ للَّهِ الحُجَّةُ عليهم، فأخَذهم اللهُ بذنوبِهم، فأغرَقهم في اليمِّ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. قال: يَتبَعُ بعضُها بعضًا ليكونَ لله عليهم الحجةُ، فينتقِمَ منهم بعدَ ذلك، وكانت - زعَموا (٢) - تَمْكُثُ فيهم مِن السبتِ إلى السبتِ، وتُرْفَعُ عنهم شهرًا، قال اللهُ ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٦]. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ. ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ أي: آيةً بعدَ آيةٍ يتبعُ بعضُها بعضًا (٣). وكان مجاهدٌ يقولُ فيما ذُكر عنه في معنى "المفصَّلاتِ"، ما حدَّثني به الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ في: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. قال: معلوماتٍ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاستكبَر هؤلاءِ الذين أرسَل اللهُ عليهم ما ذكَر في هذه الآيةِ مِن الآياتِ والحُجَجِ عن الإيمانِ باللهِ، وتصديقِ رسولِه موسى ﷺ ،

стр. 7107

واتِّباعِه (١) على ما دعاهم إليه، وتعظَّموا على اللهِ ، وعَتَوا عليه، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: وكانوا قومًا يعمَلون بما يكرهُه اللهُ مِن المعاصى والفسوقِ عُتُوًّا وتمردًا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤)﴾. يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾: ولما نزَل بهم عذابُ الله، وحلّ بهم سَخَطُه. ثم اختلفَ أهلُ التأويلِ في "الرجزِ" الذي أخبَر اللهُ أنه وقع بهؤلاءِ القومِ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك طاعونًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: وأمر موسى قومَه من بني إسرائيلَ - وذلك بعدَ ما جاءَ قومَ فرعونَ بالآياتِ الخمسِ؛ الطوفانِ وما ذكَر اللهُ في هذه الآيةِ، فلم يُؤْمِنوا ولم يُرْسِلوا معه بنى إسرائيلَ - فقال: لِيَذْبحْ كلُّ رجلٍ منكم كبشًا، ثم ليَخْضِبْ كفَّه في دمِه، ثم ليَضْرِبْ به على بابِه. فقالت القبطُ لبنى إسرائيلَ: لِمَ تُعالِجُون هذا الدمَ على أبوابِكم؟ فقالوا: إن الله يُرْسِلُ عليكم عذابًا فنَسْلَمُ وتَهْلِكون. فقالت القبطُ: فما يَعْرِفُكم اللهُ إلا بهذه العلاماتِ (٢)؟ فقالوا: هكذا أَمَرنا به نبيُّنا. فأصبَحوا وقد

стр. 7108

طُعِن مِن قوم فرعونَ سبعون ألفَ ذَرَا (١)، فأمسَوا وهم لا يتدافنون، فقال فرعونُ عندَ ذلك (٢): ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ وهو الطاعونُ ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فدعا ربَّه فكشَفه عنهم، فكان أوفاهم كلَّهم فرعونُ، فقال لموسى: اذهبْ ببنى إسرائيلَ حيثُ شِئتَ (٣). حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا حَبُّويَه الرازيُّ وأبو داودَ الحَفَرِيُّ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ - قال: حَبُّويَه: عن ابن عباسٍ -: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ قال: الطاعونُ (٤). وقال آخرون: هو العذابُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الرجزُ العذابُ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثني أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا

стр. 7109

كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾. أي: العذابَ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾. يقولُ: العذابُ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾. قال: الرجزُ العذابُ الذي سلَّطه اللهُ عليهم مِن الجرادِ والقُمَّلِ وغيرِ ذلك، وكلُّ ذلك يعاهِدونه ثم يَنْكُثون. وقد بيَّنا معنى "الرِّجزِ" فيما مضى من كتابِنا هذا بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِها (٢). وأولى القولين بالصوابِ في هذا الموضعِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أَخبر عن فرعونَ وقومِه أنهم لما وقَع عليهم الرجزُ - وهو العذابُ والسَّخَطُ مِن اللَّهِ عليهم - فزِعوا إلى موسى بمسألتِه ربَّه كَشْفَ ذلك عنهم. وجائزٌ أن يكونَ ذلك الرجزُ كان الطوفانَ والجرادَ والقُمَّلَ والضفادعَ والدمَ؛ لأنَّ كلَّ ذلك كان عذابًا عليهم. وجائزٌ أن يكونَ ذلك الرجزُ كان طاعونًا، ولم يُخبرْنا اللهُ أيَّ ذلك كان، ولا صحَّ عن رسولِ اللهِ ﷺ بأيِّ ذلك كان خبرٌ فنُسَلِّمَ له. فالصوابُ أن نقولَ فيه كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾. فلا نتعداه إلا بالبيانِ الذي لا تمانعَ فيه بينَ أهلِ التأويلِ، وهو: لمَّا حل بهم عذابُ اللهِ وسخطُه قالوا: ﴿يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾. يقولُ: بما أوصاك وأمَرك به - وقد بينّا معنى "العهدِ" فيما مضى (٣) - ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾. يقولُ: لئن رفَعت عنا العذابَ الذي

стр. 7110

نحن فيه، ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾. يقولُ: لنُصَدَّقن بما جئتَ به ودعوتَ إليه، ولنُقِرَّن به لك، ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ: ولنُخَلِّين معك بني إسرائيلَ فلا نمنعُهم أن يذهَبوا حيث شاءوا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فدعا موسى ربَّه فأجابه، فلما رفَع اللهُ عنهم العذابَ الذي أنزَله بهم، ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾؛ ليَسْتَوفوا عددَ أيامِهم التي جعَلها اللهُ لهم مِن الحياةِ أجلًا إلى وقتِ هلاكِهم، ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. يقولُ: إذا هم يَنْقُضُون عهودَهم التي عاهَدوا ربَّهم وموسى، ويقيمون على كفرِهم وضلالِهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾. قال: عددٌ مسمًّى لهم (١) مِن أيامِهم (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).

стр. 7111

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. قال: ما أعْطَوا مِن العهودِ. وهو حين يقولُ اللهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾: وهو الجوعُ، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١) [الأعراف: ١٣٠]. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما نكَثوا عهودَهم ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ يقولُ: انتصَرنا منهم بإحلالِ نِقْمَتِنا بهم، وذلك عذابُه ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾. وهو البحرُ. كما قال ذو الرُّمَّةِ (٢): داوِيَّةٌ ودُجَى لَيْلٍ كأنهما … يمٌّ تَراطَنُ في حافَاتِه الرومُ وكما قال الراجزُ (٣): كباذخِ اليمِّ سقاه اليمُّ ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: فعلنا ذلك بهم بتكذيبِهم بحُجَجِنا وأعلامِنا التي أريناهموها، ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾. يقولُ: وكانوا عن النقمةِ التي أحللناها بهم غافلين قبلَ حلولِها بهم أنها بهم حالَّةٌ. والهاء والألف في قولِه: ﴿عَنْهَا﴾ كنايةٌ مِن ذكرِ "النقمةِ"، فإن قال قائلٌ: هي كنايةٌ مِن ذكرِ "الآياتِ". ووجَّه تأويلَ الكلامِ إلى: وكانوا عن آياتِنا معرضين.

стр. 7112

فجعَل إعراضَهم عنها غفولًا منهم، إذ لم يقبلوها - كان مذهبًا. يقالُ مِن الغفلةِ: غَفَل الرجلُ عن كذا، يَغْفُلُ عنه غَفْلةً وغُفُولًا وغَفْلًا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأورَثْنا القومَ الذين كان فرعونُ وقومُه يستضعِفونهم فيُذبِّحون أبناءَهم ويستحْيون نساءَهم ويستخدمونهم تسخيرًا واستعبادًا - [مِن بنى إسرائيلَ] (١) - مشارِقَ (٢) الشامِ، وذلك ما يلى الشرقَ منها، ﴿وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. يقولُ: التي جعلنا فيها الخيرَ ثابتًا دائما لأهلِها. [وإنما قال جل ثناؤُه: ﴿وَأَوْرَثْنَا﴾؛ لأنّه أورَث ذلك بني إسرائيلَ بمهلِكِ مَن كان فيها مِن العمالقةِ. وبمثلِ الذي قلنا في قولِه: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ (٣) قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن إسرائيلَ، عن فُراتٍ القزَّازِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال: الشامُ.

стр. 7113

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن فُراتٍ القزَّازِ، قال: سمِعت الحسنَ يقولُ. فذكَر نحوَه (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا قَبِيصَةُ، عن سفيانَ، عن فُراتٍ القزَّازِ، عن الحسنِ: الأرضُ التي باركنا فيها. قال: الشامُ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾: [وهم بنو إسرائيلَ] (٣)، ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾: [وهى] (٤) أرضُ الشامِ. حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بنُ ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال: التي بارك (٥) فيها: الشامُ (٦). وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أن مشارقَ الأرضِ ومغاربَها نصبٌ على المحلِّ، بمعنى (٧): وأورثنا القومَ الذين كانوا يُستَضعفون في مشارقِ الأرضِ

стр. 7114

ومغاربِها. وأن قولَه ﴿وَأَوْرَثْنَا﴾. إنما وقَع على قولِه: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. وذلك قولٌ لا معنَى له؛ لأن بنى إسرائيلَ لم يكنْ يستضعِفُهم أيامَ فرعونَ غيرُ فرعونَ وقومِه، ولم يكن له سلطانٌ إلا بمصرَ، فغيرُ جائزٍ والأمرُ كذلك أن يقالَ: الذين يُستضعفون في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها. فإن قال قائلٌ: فإنَّ معناه: في مشارقِ أرضِ مصرَ ومغاربِها. فإن ذلك بعيدٌ مِن المفهومِ في الخطابِ، مع خروجِه عن (١) أقوالِ أهلِ التأويلِ والعلماءِ بالتفسيرِ. وأما قولُه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾. فإنه يقولُ: وفَى وعدُ اللَّهِ الذي وعَد بنى إسرائيلَ بتمامِه، على ما وعدَهم من تمكينِهم في الأرضِ، ونصرِه إياهم على عدوِّهم فرعونَ. وكلمتُه الحسنى قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥، ٦]. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: ظهورُ (٢) قومِ موسى على فرعونَ، وتمكينُ اللهِ لهم في الأرضِ، [وما] (٣) ورَّثهم منها (٤).

стр. 7115

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. وأما قولُه: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾. فإنه يقولُ: وأهلكنا ما كان فرعونُ وقومُه يصنعونه مِن العماراتِ والمزارعِ، ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. يقولُ: وما كانوا يبنون مِن الأبنيةِ والقصورِ، فأخرجناهم مِن ذلك كلِّه، وخرَّبْنا جميع ذلك. وقد بيَّنا معنى "التعريشِ" فيما مضى بشواهدِه (١). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. يقولُ: يبنون (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَعْرِشُونَ﴾: يبنون البيوتَ والمساكنَ ما بلغَت، وكان عِنَبُهم غيرَ معروشٍ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ والعراقِ:

стр. 7116

﴿يَعْرِشُونَ﴾، بكسرِ الراءِ، سوى عاصمِ بن أبي النجودِ، فإنه قرأَه بضمِّها (١). وهما لغتان مشهورتان في العربِ، يقالُ: عرَش يعرِش ويعرُش. فإذ كان ذلك كذلك، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ؛ لاتفاقِ معنيى (٢) ذلك، وأنهما معروفتان (٣) من كلامِ العربِ، وكذلك تفعَلُ العربُ في "فعَل" إذا ردّته إلى الاستقبالِ، تضمُّ (٤) العينَ منها (٥) أحيانا، [وتَكْسِرُ] (٦) أحيانًا، غيرَ أن أحبَّ القراءتين إليَّ كسرُ الراءِ؛ لشهرتِها في العامَّةِ، وكثرةِ القرأةِ بها، وأنها أفصَحُ (٧) اللُّغتين. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقطَعنا ببنى إسرائيلَ البحرَ بعدَ الآياتِ التي أريناهموها والعبر التي عاينوها على يَدَى نبيِّ اللهِ موسى، فلم تزجُرْهم تلك الآياتُ، ولم تعِظْهم تلك العبرُ والبيناتُ، حتى قالوا مع معاينتِهم مِن [حُجَجِ اللهِ] (٨) ما يحقُّ أن تَذَّكَّرَ (٩) معها البهائمُ، إذ مرّوا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾. يقولُ: يُقيمون (١٠)

стр. 7117

على مُثُلٍ (١) لهم يعبدونها من دونِ اللَّهِ -: ﴿اجْعَلْ لَنَا﴾ يا موسى ﴿إِلَهًا﴾. يقولُ: مِثالًا نعبُدُه، وصنَمًا نتخذه إلهًا، كما لهؤلاءِ القومِ أصنامٌ يعبدُونها. ولا تنبغى العبادةُ لشيءٍ سوى اللَّهِ الواحدِ القهارِ. قال (٢) موسى صلواتُ اللهِ عليه: ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيُّها القومُ، ﴿قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ عظمةً اللهِ وواجبَ حقِّه عليكم، ولا تعلَمون أنه لا تجوزُ العبادةُ لشيءٍ سوى اللهِ الذي له ملكوتُ (٣) السماواتِ والأرضِ. وذُكِر عن ابن جريجٍ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ قال ابن جريجٍ: ﴿عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾. قال تماثيلِ بقرٍ، فلما كان عجلُ السامريِّ شَبَّهَه (٤) مِن تلك البقرِ، فذلك كان (٥) أول شأنِ العجلِ، ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٦). وقيل: إن القومَ الذين كانوا عُكُوفًا على أصنامٍ لهم، الذين ذكَرهم اللهُ في هذه الآيةِ - قومٌ كانوا مِن لَخْمٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن بشار، قال: ثنا بشرُ بنُ عمرَ (٧)، قال: ثنا العباسُ بنُ الفضل (٨)، عن أبي العوامِ، عن قتادةَ: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾.

стр. 7118

قال: على لَخْمٍ (١). وقيل: إنهم قومٌ (٢) كانوا من الكنعانيين الذين أُمِر موسى ﵇ بقتالِهم. وقد حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أن أبا واقدٍ الليثيَّ قال: خرَجنا مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ حُنَيْنٍ، فمرَرْنا بسِدرَةٍ (٣)، قلتُ: يا نبيَّ اللهِ، اجعلْ لنا هذا (٤) ذاتَ أنواطٍ كما للكفارِ ذاتُ أنواطٍ - وكان الكفارُ يَنوطون (٥) سلاحَهم بسدرةٍ [ويعكُفون] (٦) حولَها - فقال النبيُّ ﷺ : "اللهُ أَكْبَرُ! هَذَا كمَا قالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كما لهم آلهَةٌ. إنَّكم ستَرْكَبُونَ سَنَنَ الذين مِن قَبْلِكُم". حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن سنانِ بن أبي سنانٍ، عن أبي (٧) واقدٍ الليثيِّ، قال: خرجنا مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ حنينٍ، فمرَرْنا بسِدرةٍ، فقلنا: يا نبيّ اللهِ، اجعلْ لنا هذه ذاتَ أنواطٍ. فذكَر نحوَه (٨).

стр. 7119

حدَّثني المثني، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن سنانِ بن أبي سنانٍ، عن أبي واقدٍ الليثيِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوَه (١). [حدَّثني المثنى، قال] (٢): حدَّثنا أبو (٣) صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثنى عُقيلٌ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني سنانُ بنُ أبى سنانٍ الدِّيليُّ، عن أبي واقدٍ الليثيِّ، أنهم خرَجوا مِن مكةَ مع رسولِ اللهِ ﷺ إلى حُنينٍ. قال: وكان للكفارِ سِدرةٌ يعكُفون عندها ويعلِّقون بها أسلحتَهم، يقالُ لها: ذاتُ أنواطٍ. قال: فمرَرنا بسدرةٍ خضراءَ عظيمةٍ. قال: فقلنا: يا رسولَ اللهِ، اجعل لنا ذاتَ أنواطٍ. قال: "قُلتم والذي نَفْسِي بِيَدِهِ ما قالَ قَوْمُ موسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كمَا لهم آلِهَةٌ. قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إنَّها السَّنَنُ، لتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كان قَبْلَكُمْ" (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن قِيلِ موسى لقومِه مِن بني إسرائيلَ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال لهم موسى: إِنَّ هؤلاء العُكُوفَ على هذه الأصنامِ، اللَّهُ مُهلِكُ ما هم فيه مِن العملِ ومفسدُه ومُخْسِرُهم فيه بإثابَتِه إياهم عليه العذابَ المهينَ. ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن عبادتِهم إياها، فمُضْمَحِلٌّ؛ لأنَّه غيرُ نافِعِهم (٥)

стр. 7120

عندَ مجيءِ أمرِ اللهِ وحلولِه بساحتِهم، ولا مدافعٌ عنهم بأْسَ اللَّهِ إذا نزَل بهم، ولا مُنقذُهم مِن عذابِه إذا عذَّبَهم في القيامةِ، فهو في معنى ما لم يكنْ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضلِ، وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: مهلَكٌ ما هم فيه (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: خُسْرانٌ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾. [قال: المُتَبَّرُ المُخَسَّرُ. وقال: المُتَّبَّرُ والباطلُ سواءٌ. وقرأ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ] (٣) وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: هذا كلُّه واحدٌ؛ كهيئةِ غفورٍ رحيمٍ، عفوٍّ غفورٍ. قال: والعربُ تقولُ: إنه البائسُ المُتَّبرُ (٤)، وإنه البائسُ المُخَسَّرُ (٥).

стр. 7121

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لقومِه: أسوى اللهِ ألتمِسُكم إلهًا وأَجْعَلُ لكم معبودًا تعبُدونه، واللهُ الذي هو خالقُكم فضَّلَكم على عَالَمى دهرِكم وزمانِكم. يقولُ: أفأبغيكم معبودًا لا ينفعُكم ولا يضرُّكم تعبدونه وتترُكون عبادةَ مَن فضَّلَكم على الخلقِ؟ إن هذا بكم (١) لجهلٌ! القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لليهودِ مِن بني إسرائيلَ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَى مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ : واذكُروا مع قِيلِكم هذا الذي قلتموه لموسى بعدَ رُؤْيَتِكم مِن الآياتِ والعبرِ، وبعدَ النعمِ التي سلَفت منى إليكم، والأيادي التي تقدمت فِعْلكم ما فعَلتم - ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، وهم الذين كانوا على مِنهاجِه وطريقتِه في الكفرِ باللهِ مِن قومِه، ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. يقولُ: إذ يحمِّلونكم قُبْحَ (٢) العذابِ وسيِّئَه. وقد بيَّنَّا فيما مضى مِن كتابِنا هذا ما كان العذابُ الذي كان يسومُهم سيِّئَه (٣). ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾. يعنى (٤): الذكورَ مِن أولادِهم،

стр. 7122

﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾. يعنى (١): يستبْقُون إناثَهم، ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: وفى سَوْمِهم إياكم سُوء العذابِ اختبارٌ مِن اللهِ لكم [ونعمةٌ عظيمةٌ] (٢). القول في تأويلِ قولِه جل وعزَّ: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وواعدْنا موسى لمناجاتِنا ثلاثينَ ليلةً. وقيل: إنها ثلاثون ليلة من ذى القَعْدَةِ. ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾. يقولُ: وأَتمَمْنا الثلاثين الليلةَ بعشرِ ليالٍ تَتِمةَ أربعين ليلةً. وقيل: إن العشرَ التي أتمَّها بها (٣) أربعين عشرُ ذي الحِجَّةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾. قال: ذو القَعدةِ وعشرُ ذى الحجة (٤). [حدَّثنا ابن] (٥) وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾. قال: ذو القَعدةِ وعشرُ ذي الحِجَّةِ، ففى ذلك اختلَفوا.

стр. 7123

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾. هو ذو القَعدةِ وعشرٌ مِن ذى الحِجَّةِ، فذلك قولُه: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم الحضرمى أن الثلاثين التي كان واعد موسى ربُّه كانت ذا القَعدةِ، والعشرَ مِن ذى الحِجَّةِ التي تمَّم اللهُ بها الأربعين (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾. [قال: ذو القَعدةِ] (٢). ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [قال:: عشرُ] (٣) ذي الحجةِ. قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ مثلَه (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾. قال: ذو القَعدةِ، والعشرُ الأُوَلُ من ذى الحِجَّةِ. [وحدَّثني الحارثُ] (٥)، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مسروقٍ: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾. قال: عشرُ الأضحَى (٦). وأما قولُه: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. فإنه يعنى: فكمَل الوقتُ

стр. 7124

الذي وعَد (١) اللهُ موسى أربعين ليلةً وبلَغها. كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾. قال: فبلَغ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةً. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾. يقولُ جل ثناؤُه: لما مضى موسى (٢) لموعدِ ربِّه قال لأخيه هارونَ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾. يقولُ: كنْ خليفتي فيهم إلى أن أرجعَ. يقالُ منه: خلَفه يخلُفه خِلافَةً. ﴿وَأَصْلِحْ﴾. يقولُ: وأصلِحْهم بحَمْلِك إياهم على طاعةِ اللهِ وعبادتِه. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال موسى لأخيه هارونَ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾. وكان مِن إصلاحِه ألا يدعَ (٣) العجلَ يُعبدُ. وقولُه: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: ولا تَسْلُكْ طريقَ الذين يُفسِدون في الأرضِ بمعصيتِهم ربَّهم، ومعونتِهم أهلَ المعاصى على عِصْيانِهم ربَّهم، ولكن اسْلُكْ سبيلَ المطيعين ربَّهم. [وكانت] (٤) مواعدةُ اللَّهِ موسى ﵇ بعدَ أن أهلكَ (٥) فرعونَ، ونجَّى منه بني إسرائيلَ، فيما قال أهلُ العلمِ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ

стр. 7125

قولَه: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ الآية. قال: يقولون (١): إن ذلك بعد ما فرَغ من فرعونَ وقبلَ الطورِ، لما نَجَّى اللهُ موسى ﵇ من البحرِ وغَرَّق آلَ فرعونَ، وخلَص إلى الأرضِ الطيبةِ، أنزل اللهُ عليهم فيها المنَّ والسلوى، وأمَره ربُّه أن يلقاه، فلما أراد لقاء ربِّه استخلف هارون على قومه، وواعدهم أن يأتيهم إلى ثلاثين ليلةً ميعادًا من قِبَلِه (٢) مِن غيرِ أمرِ ربِّه ولا ميعادِه، فتوجَّه ليلقَى ربَّه. قال (٣): فلمَّا تَّمت ثلاثون ليلةً قال عدوُّ اللهِ السَّامريُّ: ليس يأتيكم موسى، وما يُصلِحُكم إلا إلهٌ تعبُدونه. فناشَدهم هارونُ وقال: لا تفعَلوا، انظروا (٤) ليلتَكم هذه ويومَكم هذا، فإن جاء وإلا فعلتم ما بدا لكم. فقالوا: نعم. فلما أصبحوا من غد ولم يَرَوْا موسى، عاد السامريُّ لمثلِ قولِه بالأمسِ. قال: وأحدَث اللهُ الأجلَ بعدَ الأجلِ الذي جعَله نَبِيُّهم (٥) عشْرًا، فتمَّ ميقات ربِّه أربعين ليلةً، فعاد هارونُ فناشَدهم إلا ما نظَروا يومَهم ذلك أيضًا، فإن جاء وإلا فعلتم ما بدا لكم. ثم عاد السامريُّ [في الثالثةِ] (٦) لمثلِ (٧) قوله لهم، وعاد هارونُ فناشَدهم أن ينتظروا، فلما لم يَرَوه (٨). قال القاسمُ: قال الحسينُ: حدَّثني حجاجٌ، قال: ثني أبو بكرِ بنُ عبدِ اللهِ الهذليُّ، قال: قام السامريُّ إلى هارونَ حين انطلق موسى فقال: يا نبيَّ الله، إنا اسْتَعَرْنا يومَ خرَجنا مِن القِبْطِ حُلِيًّا كثيرًا من زينتِهم، وإن الجندَ (٩) الذين

стр. 7126

معك قد أسرَعوا في الحُلِيِّ يبيعونه وينفقونه، وإنما كان عاريَّةً مِن آل فرعونَ، فليسوا بأحياءٍ فنردَّها عليهم، ولا ندرى، لعلَّ أخاك نبيَّ الله موسى إذا جاء يكون له فيها رأىٌ؛ إما أن (١) يُقرِّبَها قربانًا فتأكلها النارُ، وإما أن يجعلَها للفقراءِ دونَ الأغنياءِ. فقال له هارونُ: نِعْمَ ما رأيت وما قلت. فأمر مناديًا فنادى: من كان عنده شيءٌ مِن حُلِيِّ آلِ فرعونَ فليأتِنا به. فأتَوه به، فقال هارونُ يا سامريُّ، أنت أحقُّ مَن كانت عندَه هذه الخِزانةُ. فقبَضها السامريُّ، [وكان] (٢) عدو اللَّهِ الخَبيثُ صائغًا، فصاغَ منه عجلًا جسدًا، ثم قذَف في جَوْفِه تربةً مِن القبضةِ التي قبَض مِن أثرِ فرسِ جبريلَ ﵇ إذ رأه في البحرِ، فجعَل يخورُ، ولم يَخُرْ إلا (٣) واحدةً، وقال لبني إسرائيلَ: إنما تَخَلَّف موسى بعد الثلاثين الليلةَ (٤) يلتمسُ هذا، (٥) ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨]. يقولُ: إن موسى ﵇ نسِى ربَّه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولما جاء موسى للوقتِ الذي وعدناه (٦) أن يلقانا (٧) فيه، وكلَّمه ربُّه وناجاه، قال موسى لربِّه: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. قال اللهُ له مجيبًا:

стр. 7127

﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾. و (١) كان سببَ مسألةِ موسى ربَّه النظرَ إليه ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: إن موسى لما كلَّمه ربُّه أحبَّ أن ينظُرَ إليه، ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. فحَفَّ (٢) حولَ الجبلِ الملائكةَ، وحَفَّ حولَ الملائكةِ بنارٍ، وحَفَّ حولَ النارِ بملائكةٍ، و (٣) حولَ الملائكةِ بنارٍ، ثم تجلى ربُّه (٣) للجبل (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]. قال: حدَّثني من لقِى أصحابَ النبيِّ ﷺ أنه قرَّبَه الربُّ حتى سمِع صريفَ القلمِ، فقال عند ذلك مِن الشوقِ إليه: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ الهذليِّ، قال: لما تخلَّف موسى بعدَ الثلاثين حتى سمع كلامَ اللهِ، اشتاقَ إلى النظرِ إليه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾. وليس لبشرٍ أن يُطيق أن ينظُرَ إليَّ في الدنيا، مَن نظَر إليَّ مات. قال: إلهى، سمِعتُ منطقَك فاشتقتُ إلى النظرِ إليكَ، وَلأن أنظُرَ إليك ثم أموتَ أحبُّ إليَّ مِن أن أعيشَ ولا أراك. قال:

стр. 7128

فانظرْ إلى الجبلِ، فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. قال: أعطنى (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: استخلَف موسى هارون على بنى إسرائيل وقال: إنى مُتعجِّلٌ إلى ربِّي، فاخلفني في قومِي (٢) ولا تتبغ سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربِّه مُتعجِّلًا للُقِيِّه شوقًا إليه، وأقام هارونُ في بنى إسرائيلَ ومعه السامريُّ يسيرُ بهم على أثرِ موسى ليُلْحِقَهم به، فلما كلَّم اللهُ موسى طمِع في رؤيتِه، فسأل ربَّه أن ينظُرَ إليه، فقال اللهُ له: إنَّكَ ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ الآية (٣). قال ابن إسحاق: فهذا ما وصل إلينا في كتابِ اللهِ مِن (٤) خبرِ موسى فيما (٥) طلَب مِن (٦) النظر إلى ربِّه، وأهلُ الكتابِ يزعُمون وأهلُ التوراةِ أنْ قد كان لذلك تفسيرٌ وقصةٌ وأمورٌ كثيرةٌ ومراجعةٌ لم تأتِنا في كتابِ اللهِ، فاللهُ أعلم. قال ابن إسحاقَ عن بعضِ أهلِ العلمِ الأولِ بأحاديثِ أهلِ الكتابِ أنهم يجِدون في تفسيرِ ما عندَهم مِن خبرِ موسى حينَ طلَب ذلك إلى ربِّه، أنه كان مِن كلامِه إياه حينَ طمِع في رؤيتِه وطلَب ذلك منه، وردَّ عليه ربُّه [منه ما] (٧) ردَّ - أن

стр. 7129

موسى كان تطهَّر وطهَّر ثيابَه وصامَ للقاءِ ربِّه، فلما أتى طورَ سيناءَ، ودنا اللهُ له في الغمامِ فكلَّمه، سبَّحه وحمَّده وكبَّره وقدَّسه، مع تضرُّعٍ وبكاءٍ حزينٍ، ثم أخَذ في مِدْحَتِه فقال: ربِّ ما أعظَمَكَ وأعظمَ شأنَك كلَّه! مِن عظمتِك أنه لم يكنْ شيءٌ (١)، قَبلَك، فأنت الواحدُ القهارُ، كان عرشُك تحتَ عظمتِك نارًا (٢) توقَّدُ لك، وجَعَلْتَ سُرادِقًا (٣) مِن دونِه سرادقٌ من نورٍ، فما أعظمَك ربِّ وأعظمَ ملكَك! [جعلت بينَك وبينَ ملائكتِك مسيرةَ خمسِمائةِ عامٍ، فما أعظمَك ربِّ وأعظمَ ملكَك] (٤) [وسلطانَك] (٥)! وإذا أردتَ شيئًا تقضيه في جنودِك الذين في السماءِ أو الذين في الأرضِ، وجنودِك الذين في البحرِ، بعَثْتَ الريحَ من عندِك لا يراها شيءٌ مِن خلقِك إلا أنتَ إن شِئْتَ، فدخَلَت في جوفِ مَن شئتَ مِن أنبيائِك، فبلَّغوا ما (٦) أردتَ مِن عبادِك، وليس أحدٌ مِن ملائكتِك يستطيعُ شيئًا مِن عظمتِك ولا مِن عرشِك ولا يسمعُ صوتَك، فقد أنعمتَ عليَّ، وأَعْظَمْتَ عليَّ (٧) الفضلَ، وأحسنتَ إليَّ كلَّ الإحسانِ عظَّمْتَنِى في أممِ الأرضِ، وعظَّمْتَنِي عند ملائكتِك، وأسمعتَنى صوتَك، وبذَلتَ لى كلامَك، وأتيتَنى حِكْمَتَكَ، فَإِن أَعُدَّ نُعْماكَ لا أُحصِها (٨)، وإن أُرِدْ (٩) شكرَك لا أستطِعْه (١٠). دعَوتُك ربِّ على فرعونَ بالآياتِ

стр. 7130

العظامِ والعقوبةِ الشديدةِ، فضربتُ بعصاى التي في يدِى البحرَ فانفلق لى ولمن معى، ودعَوتُك حين أجَزْتُ (١) البحرَ فأغرقتَ عدوَّك وعدوِّي، وسألتكُ الماءَ لى ولأمتى، فضربتُ بعصاى التي في يدِى الحَجَرَ، فمنه أرويتَني وأمتى، وسألتُك لأمتى طعامًا لم يأكله أحدٌ كان قبلَهم، فأمرتني أن أدعُوكَ مِن قِبَل المشرقِ ومن قِبَلِ المغربِ، فناديتُك من شرقيِّ أُمَّتى، فأعطَيْتَنى (٢) المنَّ مِن مشرقى (٣) لنفسى، وأتيتَهم السلوى مِن غربِيِّهم مِن قِبَلِ البحرِ. واشتكيتُ الحَرَّ فناديتُك، فظلَّلْتَ عليهم الغمامَ (٤)، فما أُطيقُ نُعماكَ على أن أعُدَّها ولا أُحْصيَها، وإن أردتُ شكرَها لا أستطيعُها، فجئتُك اليومَ راغِبًا طالبًا سائلًا متضرِّعًا، لتعطيَني ما منَعتَ غيرِى. أطلبُ إليكَ وأسألُكَ يا ذا العظمَةِ والعِزَّةِ والسلطانِ أن تريَنى أنظرَ إليك، فإنِّي قد أحببتُ أن أَرَى وجهَك الذي لم يرَه شيءٌ مِن خلقِك. قال له ربُّ العزةِ: ألَا (٥) ترَى يا بنَ عِمران ما تقولُ؟ تكلمتَ (٦) بكلامٍ هو أعظمُ مِن سائر الخلق، لا يرانى أحدٌ فيحيا، أليس (٧) في السماواتِ (٨) مَعْمَرِى؟ فإنَّهن قد ضَعُفْنَ أن يحملْن عَظَمَتِى، أوَليس في الأرضِ مَعْمَرِى؟ فإنها قد ضَعُفَت أن تسَعَ لجندى (٩)، فلستُ في مكانٍ واحدٍ فأتجلى لعينٍ تنظرُ إليَّ.

стр. 7131

قال موسى: ربِّ أَنِّي (١) أراك فأموتُ (٢) أحبُّ إليَّ مِن ألَّا أراكَ فأحيا (٣). قال له ربُّ العزةِ: يا بنَ عمرانَ، تكلَّمتَ بكلامٍ هو أعظمُ مِن سائرِ الخلقِ، لا يراني أحدٌ فيحيا. قال: ربِّ تممْ عليَّ نُعماكَ، وتمِّمْ عليَّ فضْلَك، وتممْ عليَّ إحسانَك بهذا (٤) الذي سألتُك، ليسَ لى أن أراكَ فأُقْبَضَ، ولكن أُحِبُّ أن أراكَ فيطمئنَّ قلبي، قال له: يا بنَ عمرانَ، لن يرانى أحدٌ فيحيا، قال موسى: ربِّ تمِّمْ عليَّ نُعْماكَ وفضلَك، وتمِّمْ إليَّ (٥) إحسانَك بهذا (٤) الذي سألتُك (٦)، فأموتُ على إثْرِ ذلك أَحَبُّ إليَّ مِن الحياةِ. فقال الرحمنُ المتَرحِّمُ على خلقِه: قد طلبتَ يا موسى، [وجئتَ] (٧) لأُعطيَك (٨) سُؤْلَك، إن استطعتَ أن تنظرَ إليَّ، فاذهبْ فاتَّخِذْ لَوْحَينِ، ثمَّ انظرْ إلى الحجرِ الأكبرِ في رأسِ الجبلِ، فإنَّ ما وراءه وما دونَه مَضِيقٌ لا يَسَعُ إلا مجلِسَك يا بنَ عمرانَ، ثم انظُرْ فإنى أَهْبِطُ إليك وجنودِى من قليلٍ وكثيرٍ؛ ففعَل موسى كما أَمَرَه ربُّه، نحَت لَوْحَينِ ثم صعِد بهما إلى الجبلِ. فجلَسَ على الحجرِ، فلما استوى عليه أمَر اللهُ جنودَه الذين في السماءِ الدنيا فقال: ضَعِي أكنافَك (٩) حولَ الجبلِ. فسمِعت السماءُ (١٠) ما قال الربُّ ففعَلت أمرَه. ثم

стр. 7132

أرسلَ اللَّهُ الصواعِقَ والظلمةَ والضبابَ على ما كان يلى الجبلَ الذي عليه (١) موسى أربعةَ فراسخَ مِن كلِّ ناحيةٍ، ثم أمَر اللهُ ملائكةَ السماءِ (٢) الدنيا أن يمرُّوا بموسى، فاعترَضوا عليه، فمرُّوا به كثيرانِ البقرِ، تَنْبُعُ أفواهُهم بالتقديسِ والتسبيحِ بأصواتٍ عظيمةٍ كصوتِ الرعدِ الشديدِ، فقال موسى بنُ عمرانَ: ربِّ إني كنتُ غنيًّا، ما ترى عيناى شيئًا، قد ذهَب بصرُهما مِن شعاعِ النورِ المتضَعِّفِ (٣) على ملائكةِ ربِّي. ثم أمَر اللهُ ملائكةَ السماءِ الثانيةِ: أن اهبِطوا على موسى فاعترِضوا عليه. فهبطوا أمثالَ الأُسْدِ، لهم لَجَبٌ (٤) بالتسبيحِ والتقديسِ، ففزِع العبدُ الضعيفُ ابن عمرانَ مما رأى ومما سمِع، فاقشعرت كلُّ شعرةٍ في رأسِه [وفى] (٥) جلدِه، ثم قال: ندمتُ على مسألتي إياكَ، فهل ينجيني مِن مكاني الذي أنا فيه شيءٌ؟ فقال له حَبْرُ (٦) الملائكةِ ورأْسُهم: يا موسى، اصبرْ لِما سألتَ، فقليلٌ مِن كثيرٍ ما رأيتَ. ثم أمَر اللهُ ملائكةَ السماءِ الثالثةِ: أن اهبِطوا على موسى فاعْتَرِضوا عليه. فأقبلوا أمثال النسورِ لهم قَصْفٌ ورَجْفٌ ولَجَبٌ شديدٌ، وأفواهُهم تنبعُ بالتسبيحِ والتقديسِ كجلَبِ (٧) الجيشِ العظيمِ، ألوانُهم (٨) كلَهَبِ النارِ، ففزِع موسى وأَسِيَتْ (٩) نفسُه، وساءَ (١٠) ظنُّه، وأيس مِن الحياةِ، فقال

стр. 7133

له حَبْرُ (١) الملائكةِ ورأسُهم: مكانَك يا بنَ عمرانَ، حتى ترى ما لا تصبرُ عليه. ثم أمر اللهُ ملائكةَ السماءِ الرابعةِ: أن اهبِطوا فاعترِضوا على موسى بن عمرانَ. فأقبلوا فهبَطوا عليه لا يشبهُهم شيءٌ مِن الذين مرُّوا به قبلَهم، ألوانُهم كلَهَبِ النارِ، وسائرٌ خلقِهم كالثلجِ الأبيضِ، أصواتُهم عاليةٌ بالتسبيحِ والتقديسِ، لا يقارِبُهم شيءٌ مِن أصواتِ الذين مرَّوا به قبلَهم، فاصطكَّت رُكْبتاه، وأُرْعِدَ قلبُه، واشتدَّ بكاؤُه، فقال [له حَبْرُ] (٢) الملائكةِ ورأسُهم: يا بنَ عمرانَ، اصبرْ لِما سألتَ، فقليلٌ مِن كثيرٍ ما رأيتَ. ثم أمَر اللهُ ملائكةَ السماءِ الخامسةِ: أن اهبِطوا فاعترِضوا على موسى. فهبَطوا عليه سبعةَ ألوانٍ، فلم يستطِعْ موسى أن يُتبِعَهم طرفَه، لم (٣) يرَ مثلَهم، ولم يسمعْ مثلَ أصواتِهم، وامتلأ جَوْفُه خَوْفًا، واشتدَّ حُزنُه، وكثُرَ بكاؤُه، فقال له حبرُ (١) الملائكةِ ورأسُهم: يا بنَ عمرانَ، مكانَك حتى ترى ما لا تصبرُ عليه. ثم أمرَ اللهُ ملائكةَ السماءِ السادسةِ: أن اهبِطوا على عبدى الذي طلَب أن يراني موسى بن عمرانَ فاعترِضوا عليه. فهبَطوا عليه، في يد كلِّ مَلَكٍ مثل النَّخْلَةِ الطويلةِ نارٌ (٤) أشدُّ ضوءًا مِن الشمسِ، ولباسُهم كلَهَبِ النارِ، إذا سبَّحوا وقدَّسوا جاوبَهم مَن كان قَبْلَهم مِن ملائكةِ السماواتِ كلَّهم، يقولون بشدةِ أصواتِهم: سُبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ العزَّةِ أبدًا لا يموتُ. في رأسِ كلِّ مَلَكٍ منهم أربعةُ أوجُهٍ، فلما رآهم موسى رفَع صوتَه يُسبِّحُ (٥) معهم حين سبَّحوا، وهو يبكي ويقولُ: ربِّ اذكرني ولا

стр. 7134

تنسَ عبدَك، لا أدرى أَأَنْفَلتُ (١) مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجتُ احترقتُ (٢)، وإن مكثتُ مِتُّ. فقال له كبيرُ الملائكةِ ورئيسُهم: قد أوشكتَ يا بنَ عمرانَ أن يمتلِئَ جوفُك وينخلِعَ قلبُك ويَشْتَدَّ بكاؤُك، فاصبرْ للذى جلسْتَ لتنظرَ إليه يا بنَ عمرانَ. وكان جبلُ موسى جبلًا عظيمًا، فأمَر اللَّهُ أن يُحْمَلَ عرشُه، ثم قال: مرُّوا بى على عبدى ليرانى، فقليلٌ مِن كثيرٍ ما رأى. فانفرجَ الجبلُ مِن عظمةِ الربِّ، وغشَّى ضوءُ عرشِ الرحمنِ جبلَ موسى، ورفعت ملائكةُ السماواتِ أصواتَهم (٣) جميعًا، فارتجّ الجبلُ فاندَكَّ وكلُّ شجرةٍ كانت فيه، وخرَّ العبدُ الضعيفُ موسى بنُ عمرانَ صَعِقًا على وجهِهِ ليس معه رُوحُه، فأرسل اللَّهُ الحياةَ برحمتِه، فتغشاه الرُّوحُ (٤) برحمتِه وقلَب الحجرَ الذي كان عليه وجعَله كالمَعِدَة (٥) كهيئة القُبَّةِ؛ لئلَّا يحترقَ موسى، فأقامَه الرّوحُ مثلَ الأمِّ أقامت جنينَها حين يُصرَعُ. قال: فقام موسى يسبحُ اللَّهَ ويقولُ: آمنتُ أنك ربِّي، وصدَّقْتُ أنه لا يراك أحدٌ فيحيا، ومَن نظَرَ إلى ملائكتِك انخلعَ قلبُه، فما أعظمَك ربِّ وأعظمَ ملائكتَك، أنت ربُّ الأربابِ وإلهُ الآلهةِ وملِكُ الملوكِ، تأمرُ الجنودَ الذين هم عبيدُك (٦) فيُطيعونك، وتأمرُ السماءَ وما فيها فَتطيعُك (٧)، لا تستنكِفُ مِن ذلك، ولا يعدِلُك شيءٌ، ولا يقومُ لك شيءٌ، ربِّ تبتُ إليك، الحمدُ للَّهِ الذي لا شريكَ لك (٨)، ما أعظمَك

стр. 7135

وأجلَّك ربَّ العالمين (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما اطَّلَع الربُّ للجبلِ جعَل اللَّهُ الجبلَ ﴿دَكًّا﴾. أي: مستويًا بالأرضِ ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. يعنى: مغشيًّا عليه. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني [الحسينُ بنُ عمرِو بن محمدٍ] (٢) العَنْقَزِيُّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا أسباطُ بن نصرٍ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللَّهِ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾. قال: ما تجلَّى منه إلا قدرُ الخِنْصَرِ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: ترابًا. ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. قال: مغشيًّا عليه (٣). حدَّثنا موسى بنُ هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، قال: زعم السديُّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه قال: تجلَّى منه مثلُ الخِنْصَرِ، فجعَل الجبلَ دكًّا، وخرّ موسى صَعِقًا، فلم يَزل صَعِقًا ما شاء اللَّهُ (٤).

стр. 7136

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. قال: مغشيًّا عليه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: تقَعَّرَ (١) بعضُه على بعضٍ. وَ ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. أي: مَيِّتًا (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: دكّ بعضُه بعضًا (٣). حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. قال: مَيِّتًا (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، قال: سمِعت سفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: ساخ الجبلُ في الأرضِ حتى وقَع في البحرِ، فهو يذهبُ معه (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، عن حجاجٍ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾: انقَعر فدخَل تحتَ الأرضِ، فلا يظهَرُ إلى يومِ

стр. 7137

القيامةِ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ سُهَيلٍ الواسطيُّ، قال: ثنا قرةُ بنُ عيسى، قال: ثنا الأعمشُ، عن رجلٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لمَّا تَجَلَّى رَبُّه للجَبَل - أشارَ بإصْبَعِه (٢) - فجعَله دَكًّا". وأرانا أبو إسماعيلَ بإصبَعِه السبَّابةِ (٣). حدَّثني المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ قرأ هذه الآيةَ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال هكذا بإصبَعِه - ووضَع النبيُّ ﷺ الإبهامَ على المَفصِلِ الأعلى مِن الخِنْصَرِ - "فساخ الجبلُ" (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا هُدبةُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: وضَع الإبهامَ قريبًا مِن طرفِ خِنْصَرِه. قال: "فساخ الجبلُ". فقال حميدٌ لثابتٍ: تقولُ هذا (٥)؟ فرفَع ثابتٌ يدَه فضرَب صدرَ حميدٍ، وقال: يقولُه رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ويقولُه أنسٌ، وأنا أكتُمُه (٦)!

стр. 7138

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾: وذلك أن الجبَلَ حِينَ كُشِف الغِطاءُ ورأى النورَ، صار مثلَ دكٍّ مِن الدِّكاكِ (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾: فإنه أكبرُ مِنك وأشدُّ خَلْقًا، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾. فنظَر إلى الجبلِ لا (٢) يتمالَكُ، وأقبل الجبلُ يندكُّ عن (٣) أوَّلِه، فلما رأى موسى ما يصنَعُ الجبلُ خرَّ صَعِقًا (٤). واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿دَكًّا﴾؛ فقرأته عامَّة قرَأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ مقصورًا بالتنوين (٥). بمعنى: دكَّ اللَّهُ الجبلَ دَكًّا. أي: فتَّتَهُ (٦). واعتبارًا بقولِ اللَّهِ: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ [الفجر: ٢١]. وقولِه: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة: ١٤]. واستَشْهد بعضُهم على ذلك بقولِ حميدٍ (٧):

стр. 7139

يَدُكُّ أرْكانَ الجِبالِ هَزَمُهُ (١) … يَخْطِرُ (٢) بالبِيضِ الرِّقاقِ بُهَمُهْ (٣) وقرأته عامَّةُ قرأةِ الكوفيِّين: (جَعَلَهُ دَكَّاءَ) بالمدِّ وتركِ الإجراءِ (٤) والتنوينِ (٥)، مثلُ "حمراء" و "سوداءَ". وكان ممن يقرَؤه كذلك عِكرمةُ، ويقولُ فيه بما حدثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا عبادُ بنُ عبادٍ، عن يزيدَ بن حازمٍ، عن عِكرمةَ، قال: دكاءَ مِن الدكَّاواتِ. وقال: لمَّا نظَر اللَّهُ إلى الجبلِ صار صَخْرُه (٦) ترابًا (٧). واختلَف أهلُ العربيةِ في معناه إذا قُرئ كذلك؛ فكان (٨) بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ (٩): العربُ تقولُ: ناقةٌ دكاءُ. أي (٩): ليس لها سَنامٌ. وقال: "الجبلُ" مذكرٌ، فلا يشبهُ أن يكونَ منه، إلَّا أن يكونَ جعَله: "مثلَ دكاءَ"، و (١٠) حذَف "مثلَ"، فأجراه مُجرَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وكان بعضُ نحوييِّ الكوفةِ يقولُ: معنى ذلك: جعَل الجبلَ أرضًا دكاءَ. ثم حذِفت "الأرضُ"، وأُقيمت "الدكاءُ" مُقامَها إذ أَدَّت عنها.

стр. 7140

وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ عندى قراءةُ مَن قرأَه (١): (جعَله دكاءَ) بالمدِّ وتركِ الإجراءِ (٢)؛ لدلالةِ الخبرِ الذى روَيناه عن رسولِ اللَّهِ ﷺ على صحتِه، وذلك أنه رُوِي عنه ﵇ أنه قال: "فساخ الجَبَلُ". ولم يقلْ: فتفتَّت. ولا: تحوَّل ترابًا. ولا شكَّ أنه إذا ساخ فذهَب، ظهَر وجهُ الأرضِ، فصار بمنزلةِ الناقةِ التي قد ذهَب سَنامُها وصارت دكّاء لا سَنامَ لها (٣). وأما إذا دُكَّ بعضُه، فإنما يكسَرُ بعضُه بعضًا " [ويُفَتِّتُ] (٤) ولا يَسوخُ. وأما الدَّكاءُ، فإنها خَلَفٌ مِن الأَرضِ، فلذلك أُنِّثَت (٥) على ما قد على ما قد بيَّنْتُ. فمعنى الكلامِ إذن: فلما تجلى ربُّه للجبلِ ساخ، فجعَل مكانَه أرضًا دكّاءَ. وقد بيَّنَّا معنى "الصعقِ" بشواهدِه قبلُ (٦) فيما مضى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٧). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما ثاب إلى موسى فهمُه مِن غَشيتِه - وذلك هو الإفاقةُ من الصعقةِ التي خرّ لها موسى - قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾: تنزيهًا لك يا ربِّ وتبرئةً لك (٨) أن يراكَ أحدٌ في الدنيا ثم يعيشَ، ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ مِن مسألتي إياك ما

стр. 7141

سألتُك مِن الرؤيةِ، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بك من قومى أن لا يراكَ في الدنيا أحدٌ إلا هلَك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ (١) اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الرَّبيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: قد (٢) كان قبلَه مؤمنون، ولكن يقولُ: أنا أوّلُ مَن آمن أنَّه (٣) لا يراكَ أحدٌ مِن خلقِك إلى يومِ القيامةِ (٤). حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: لما رأى موسى ذلك وأفاق، عرَف أنه قد سأل أمرًا لا ينبغى له، فقال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين﴾. قال الربيعُ: قال أبو العاليةِ: عَنَى: إنِّي أوّلُ مَن آمن بكَ أنه لن يراك أحدٌ قبلَ يومِ القيامةِ. حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: قال سفيانُ: قال أبو سعدٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾: فمرّت به الملائكةُ وقد صَعِق، فقالت: يا بنَ النساءِ الحُيَّضِ، لقد سألتَ ربَّكَ أمرًا عظيمًا. فلما أفاق قال: سبحانَك لا إلهَ إلا أنتَ، ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أنا أوّلُ مَن آمن أنه لا يراك أحدٌ مِن خلقِك. يعني: في الدنيا.

стр. 7142

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: أنا أولُ مَن يُؤمن أنه لا يراك شيءٌ مِن خلقِك (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾. قال: مِن مسألتى الرؤيةَ (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعيدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: أن أسألَك الرؤيةَ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، عن سفيانَ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: أن أسألَك الرؤيةَ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ (٤): أن أسألَك الرؤيةَ (٥). وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنا أولُ مَن آمَن (٦) بك من بنى إسرائيلَ.

стр. 7143

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسينُ (١) بنُ عمرِو بن محمدٍ العنقزِيُّ، قال: حدثني أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أوّلُ مَن آمَن بك مِن بنى إسرائيلَ (٢). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يعنى: أوّلُ المؤمنين مِن بنى إسرائيلَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول اللَّهِ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أنا أوّلُ قومى إيمانًا (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ والمثنى بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا أبو نعيمٍ، عن سفيانَ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: أَوّلُ قومى إيمانًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال (٤): أوّلُ قومى إيمانًا. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أوّلُ قومى آمَن.

стр. 7144

وإنما اخْترنا القولَ الذي اخْترنا (١) في قولِه: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. على قولِ مَن قال: معناه: أنا أوّلُ المؤمنين مِن بنى إسرائيلَ. لأنَّه قد كان قبلَه في بنى إسرائيلَ مؤمنون وأنبياءُ، منهم ولدُ إسرائيلَ لصلبِه، كانوا (٢) مؤمنين وأنبياءَ؛ فلذلك اخترنا القولَ الذي قلناه قبلُ. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي (٣) وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللَّهُ لموسى: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ: اختَرتُك على الناسِ، ﴿بِرِسَالَاتِي﴾ (٤): إلى خلقى، أرسلْتك بها إليهم، ﴿وَبِكَلَامِي﴾: كلَّمتُك وناجيتُك به (٥) دونَ غيرِك مِن خلقى، ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾. يقولُ: فخُذْ ما أعطيتُك مِن أمرى ونهيى، وتَمسَّكْ به واعمَلْ به بيدَنِك (٦)، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ للَّهِ على ما آتاك مِن رسالتِه، وخصَّك (٧) به (٨) مِن النجْوى بطاعتِه في أمرِه ونهيِه، والمسارعةِ إلى مرضاتِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزَ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.

стр. 7145

يقولُ جلَّ ثناؤه: وكتبْنا لموسى في ألواحِه. وأدخلت الألفُ واللامُ في ﴿الْأَلْوَاحِ﴾ بدلًا مِن الإضافةِ، كما قال الشاعرُ (١): * والأحْلامُ غيرُ عَوَازِبٍ* وكما قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. يعنى: هي مأْواه. وقولُه: هو ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: مِن التذكير والتنبيهِ على عظمةِ اللَّهِ وعزِّ سلطانِه، ﴿مَوْعِظَةً﴾ لقومِه، ومَن أُمِر بالعملِ بما كُتِب في الألواح، ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وتَبْيِينًا لكلِّ شيءٍ مِن أمرِ اللَّهِ ونهيِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، أو سعيدِ بن جبيرٍ - قال أبو جعفرٍ (٢): وهو في أصلِ كتابى: عن سعيدِ بن جبيرٍ - في قولِ اللَّهِ: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: ما أُمروا به ونُهوا عنه (٣). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:
следующие страницы →