← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي: تَبَصَّر (١)، ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾. قال: هو رجلٌ يقالُ له: بَلْعَمُ. وكان يعلمُ اسم الله الأعظم (٣). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: كان لا يَسْأَلُ الله شيئًا إلا أعطاه (٤). وقال آخرون: بل الآياتُ التي كان أُوتِيَها كتابٌ من كتب الله. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسم قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلَة، عن أبي حمزة، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان في بني إسرائيلَ بَلعامُ بن باعرَ، أُوتى كتابًا (٥). وقال آخرون: بل كان أُوتى النبوة. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن غيره - قال

стр. 7282

الحارثُ: قال عبد العزيز: يعني عن غير نفسه - عن مجاهدٍ، قال: هو نبيٌّ في بني إسرائيل - يعنى بَلْعَمَ - أُوتى النبوة، فرشَاه قومُه على أن يَسْكُتَ، ففعل، وتركهم على ما هم عليه (١). حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه أنه سُئِلَ عن الآية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. فحدَّث عن سَيَّارٍ أنه كان رجلًا يقال له: بَلْعَامُ، وكان قد أُوتى النبوةَ، وكان مجابَ الدعوة (٢). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القول في ذلك أن يُقالَ: إِنَّ الله تعالى ذكره أمر نبيَّه ﷺ أن يَتْلُو على قومه خبَر رجلٍ كان الله آتاه حُجَجَه وأدلَّته، وهى الآياتُ. وقد دلَّلنا على أن معنى الآياتِ الأدلةُ والأعلامُ فيما مضى، بما أغنَى عن إعادَته (٣). وجائزٌ أن يكونَ الذي كان اللهُ آتاه ذلك بَلْعَمَ، وجائزٌ أن يكونَ أُمية. وكذلك الآيات؛ إن كانت بمعنى الحُجَّةِ التي هي بعضُ كتب الله التي أنزلها على بعض أنبيائه، فتعلَّمها (٤) الذي ذكره اللهُ في هذه الآية وعناه بها، فجائزٌ أن يكون الذي كان أُوتِيَها بَلْعَمَ، وجائزٌ أن يكون أميّةً؛ لأنَّ أمية كان فيما يقال قد قرأ من كُتب أهل الكتاب. وإن كانت بمعنى كتاب أنزله الله على مَن أُمِر نبيُّ اللهِ ﵊ أَنْ

стр. 7283

يتْلُو على قومِه نبأَه، أو بمعنى اسم اللهِ الأعظم، أو بمعنى النبوةِ - فغيرُ جائزٍ أن يكونَ مَعْنِيًّا به أميةُ؛ لأنَّ أميةً لا تَخْتَلِفُ الأمةُ في أنه لم يَكُنْ أُوتِيَ شيئًا من ذلك، ولا خبرَ بأيِّ ذلك المرادُ، وأيِّ الرجلين المعنيُّ، يُوجِبُ الحجةَ، ولا في العقل دلالةٌ على أن ذلك المعنيُّ به مِن أيٍّ. فالصوابُ أنْ يُقال فيه ما قال الله، ويُقَرَّ بظاهر التنزيل على ما جاء به الوحى من الله. وأما قولُه: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. فإنه يعنى: خرَج من الآياتِ التي كان الله آتاها إيّاه، فتبرَّأ منها. وبنحو ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس، قال: لما نزل موسى ﵇ يعنى بالجبارين - ومن معه، أتاه - يعنى بَلْعَمَ (١) - بنو عمِّه وقومُه: فقالوا: إن موسى رجلٌ حديدٌ، ومعه جنودٌ كثيرةٌ، وإنه إن يَظْهَرْ علينا يُهْلِكُنا، فادْعُ الله أَن يَرُدَّ عنا موسى ومن معه. قال: إني إن دعوتُ الله أن يَرُدَّ موسى ومن معه ذهَبَتْ دنياي وآخِرَتى. فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلَخَه اللهُ مما كان عليه، فذلك قوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٢). حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 7284

أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: كان اللهُ آتاهُ آياتِه فترَكها (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: قال ابن عباس: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال: نزع منه العلم (٢). وقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ: فصيَّره لنفسه تابعًا؛ يَنْتَهِي إلى أمرِه في معصية الله، ويُخالفُ أمر ربَّه في معصية الشيطان وطاعة الرحمن. وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. يقول: فكان من الهالكين؛ لضلاله وخلافه أمرَ ربِّه، وطاعةِ الشيطان. القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. يقول تعالى ذكره: ولو شئنا لرفَعنا هذا الذي آتيناه آياتنا بآياتنا التي آتيناه، ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾. يقولُ: سكن إلى الحياة الدنيا في الأرض، ومال إليها، وآثَر لذَّتها وشهواتِها على الآخرة، ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، ورفض طاعةَ اللهِ، وخالف أمره. وكانت قصة هذا الذي وصف اللهُ خبره في هذه الآية، على اختلاف من أهل العلم في خبره وأمره، ما حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه أنه سُئل عن الآية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. فَحَدَّث عن سيّارٍ أنه كان رجلًا يقال له: بَلْعامُ. وكان قد أُوتى النبوة، وكان مجابَ الدعوة. قال: وإنّ موسى أقبل في بنى إسرائيل يريدُ الأرضَ التي فيها بَلْعَامُ - أو قال: الشامَ - قال: فرُعِبَ الناسُ منه رعبًا شديدًا. قال: فأتوا بَلْعامَ، فقالوا: ادْعُ

стр. 7285

الله على هذا الرجل وجيشِه، قال: حتى أُوامِرَ (١) ربِّي - أو: حتى أُوَامِرَ - قال: فوامَرَ في الدعاء عليهم، فقيل له: لا تَدْعُ عليهم؛ فإنّهم عبادِي، وفيهم نَبِيُّهم. قال: فقال لقومه: إنى قد (٢) وأمَرْتُ ربِّي في الدعاء عليهم، وإني قد نُهِيتُ. قال: فأَهْدَوا إليه هديةً فقبلها، ثم راجعوه فقالوا: ادْعُ عليهم. فقال: حتى أُوامِرَ رَبِّي. فوامَرَ فلم [يَحُرْ إليه شيءٌ] (٣). قال: فقال: قد وامرْتُ فلم [يَحُرْ إلى شيءٌ] (٤). فقالوا: لو كَرِه ربُّك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك المرة الأولى. قال: فأَخَذ يَدْعُو عليهم، فإذا دعا عليهم جرى على لسانه الدعاءُ على قومه، وإذا أراد أنْ يدْعُوَ أنْ يُفْتَحَ لقومه، دعا أن يُفْتَحَ لموسى وجيشه - أو نحوًا من ذلك إن شاء اللهُ - قال: فقالوا: ما نراك تدعو إلا علينا. قال: ما يَجْرِى على لسانى إلَّا هكذا، ولو دعوتُ عليه ما استُجيب لى، ولكن سأدُلُّكم على أمرٍ عسى أن يَكُونَ فيه هلاكُهم، إنّ الله يُبْغِضُ الزنى، وإنهم إن وقَعوا بالزنى هلكُوا، ورجوتُ أن يُهلكهم اللهُ، فأَخْرِجوا النساء فلْيَسْتَقْبِلْنهم (٥)، وإنهم قومٌ مسافرون، فعسى أَنْ يَزْنوا فيَهْلِكُوا. قال: ففَعَلوا وأخْرجُوا النساءَ يَسْتَقْبِلْنهم (٦). قال: وكان للملك ابنةٌ، فذكر من عِظَمِها ما اللهُ أعلم به. قال: فقال أبوها أو بَلْعامُ: لا تُمكنى نفسَك إِلَّا من موسى. قال: ووقعوا في الزنى. قال: وأتاها رأسُ سِبْطٍ من أسباط بني إسرائيل. قال: فأرادَها على نفسه. قال: فقالت: ما أنا بمُمْكِنةٍ نفسى إلا من موسى. قال: فقال:

стр. 7286

إن من منزِلتى كذا وكذا، وإن من حالى كذا وكذا. قال: فأَرْسَلتْ إلى أبيها تستأمرُه. قال: فقال لها: أَمْكِنيه. قال: ويأتيهما رجلٌ من بنى هارونَ معه الرمحُ (١) فيَطْعُنُهما. قال: وأَيَّده اللهُ بقوةٍ، فانتظمهما جميعًا، [ورفعهما] (٢) على رمحِه، قال: فرآهما الناسُ. أو كما حدَّثَ. قال: وسَلّط الله عليهم الطاعونَ. قال: فمات منهم سبعون ألفًا. قال: فقال أبو المعتمرِ: فحدَّثنى سيَّارٌ أَنّ بَلعَامَ رَكِب حمارةً له، حتى إذا أَتَى المَعْلُولَ (٣) - أو قال: طريقًا بين (٤) المعلولِ (٥) - جعَل يَضْرِبُها ولا تَقَدَّمُ. قال: وقامت عليه فقالت: عَلامَ تَضْرِبُنى؟ أما تَرَى هذا الذي بين يديْك؟ قال: فإذا الشيطان بين يديْه. قال: فنزل فسجد له، قال اللهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال: فحَدَّثني بهذا سَيَّارٌ، ولا أَدْرِى لعلَّه قد دخل فيه شيءٌ من حديث غيرهِ (٦). حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: وبلغنى حديث رجلٍ من أهل الكتابِ يُحَدِّثُ أنّ موسى سأل الله أن يَطْبَعَه، وأن يَجْعَلَه من أهل النارِ. قال: ففعَل اللهُ. قال: أُنبئْتُ أَنَّ موسى قتله بعدُ.

стр. 7287

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاق، عن سالمٍ أبي النَّضْرِ، أنه حدّث أنّ موسى لما نزل في أرض بنى كَنْعان من أرض الشامِ، أتَى قومُ أَتَى بَلْعَمَ إلى بَلْعَمَ، فقالوا له: يا بلعم، إنّ هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يُخْرِجُنا من بلادنا، ويَقْتُلُنا ويُحِلُّها بني إسرائيلَ ويُسْكِنُها، وإنا قومُك، وليس لنا منزلٌ، وأنت رجلٌ مجاب الدعوة، فاخرُج فادْعُ الله عليهم. فقال: ويْلكم، نبيُّ الله معه الملائكةُ والمؤمنون، كيف أَذْهَبُ أدْعُو عليهم وأنا أَعْلَمُ من اللهِ ما أَعْلَمُ! قالوا: ما لنا من منزلٍ. فلم يزالوا به يُرفِّقُونه (١) ويَتَضَرَّعون إليه، حتى فَتَنوه فافْتَتَن، فرَكِب حمارةً (٢) له مُتوجِّهًا إلى الجبل الذي يُطْلِعُه على عسكر بني إسرائيل، وهو جبلُ حُسْبانَ (٣)، فلمَّا سار عليها غير كثيرٍ رَبَضَتْ (٤) به، فنزل عنها فضرَبها، حتى إذا أَذْلَقها (٥) قامت فركِبها، فلم تَسِرْ به كثيرًا حتى رَبَضَتْ به، ففعل بها مثل ذلك، فقامت فركبها، فلم تَسِر به كثيرًا حتى رَبَضَتْ به، فضربها، حتى إذا أَذْلَقها أذِن الله لها فكلَّمته، حجةً عليه، فقالت: ويحك يا بَلْعَمُ، أين تذهب! أما (٦) ترى الملائكة أمامى (٧) تَرُدُّنى عن وجهى هذا! أَتَذْهَبُ إلى نبيِّ الله والمؤمنين تَدْعُو عليهم! فلم يَنْزِعْ عنها يَضْرِبُها (٨)، فخَلَّى اللهُ سبيلَها حين فعل بها ذلك. قال: فانطَلَقت به (٩)، حتى إذا

стр. 7288

أشرفت على رأس جبلِ حُسْبانَ (١)، على عسكر موسى وبنى إسرائيل، جعَل يَدْعو عليهم، فلا يَدْعو عليهم بشيءٍ (٢) إلا صُرف لسانُه إلى قومه، ولا يَدعو لقومِه بخيرٍ إلَّا صُرِف لسانُه إلى بني إسرائيلَ. قال: فقال له قومُه: أَتَدْرِى يا بَلْعَمُ ما تَصْنَعُ؟ إنما تدعو لهم وتَدْعو علينا. قال: فهذا ما لا أَمْلِكُ، هذا شيءٌ قد غلب الله عليه. واندَلَعَ لسانُه فوقَع على صدرِه، فقال لهم: قد ذهَبت الآن منِّى الدنيا والآخرةُ، فلم يَبْقَ إلا المكرُ والحيلةُ، فسأَمْكُرُ لكم وأَحْتالُ؛ جَمِّلُوا النساءَ، وأَعْطُوهن السِّلَعَ، ثم أرْسِلوهن إلى العسكرِ يَبِعْنَها فيه، ومُرُوهن فلا تَمْنَعُ امرأةٌ نفسَها من رجلٍ أرادها، فإنهم إن زنَى منهم واحدٌ كُفِيتُموهم. ففعَلُوا، فلما دخَل النساءُ العسكرَ، مَرَّتِ امرأةٌ من الكَنْعانِيِّين - اسمُها كسى (٣) ابنةُ صور رأسِ أُمَّتِه - برجلٍ من عظماءِ بني إسرائيلَ، وهو زمرى بنُ شُلُومَ رأسُ سِبْطِ شَمعونَ (٤) بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ، فقام إليها فأخَذ بيدِها حينَ أعجَبَه جمالُها، ثم أقبل بها حتى وقَف بها على موسى ﵇ فقال: إني أَظُنُّك ستقولُ: هذه حرامٌ عليك؟ فقال: أجَلْ، هي حرامٌ عليك، لا تَقْرَبُها. قال: فوالله لا نُطِيعُك في هذا. ثم دخل بها قُبَّتَه فوقَع عليها، وأَرسَل الله الطاعونَ في بني إسرائيلَ، وكان فِنْحاصُ بنُ العَيْزارِ بن هارونَ صاحبَ أمْرِ موسى، وكان رجلًا قد أُعْطِي بَسْطَةً في الخَلْقِ وقوةً في البطش، وكان غائبًا حينَ صنَع زمرى ابن شَلومَ ما صنَع، فجاء والطاعونُ يَحُوسُ (٥) في بني إسرائيلَ، فأُخْبِر الخبرَ،

стр. 7289

فأخَذ حربتَه، وكانت من حديدٍ كلُّها، ثم دخَل عليه القُبَّةَ وهما متضاجِعان، فانتَظَمَهما بحربتِه، ثم خرَج بهما رافِعَهما إلى السماءِ، والحربةُ قد أخَذها بذراعِه، واعتَمَد [بمِرْفَقِه على] (١) خاصِرته، وأسْند الحربةَ إلى لحْيتِه (٢)، وكان بِكْرَ العَيْزار، وجعَل يقولُ: اللهم هكذا نَفْعَلُ بمن يَعصِيك. ورُفِع الطاعونُ. فحُسِبَ مَن هَلَك من بني إسرائيلَ في الطاعون، فيما بين أن أصاب زمرى المرأة إلى أن قتَله فِنْحاصُ، فوُجِدوا (٣) قد هلَك منهم سبعون ألفًا، والمُقلِّلُ يقولُ: عشرون ألفًا. في ساعةٍ من النهارِ، فمِن هنالك يُعْطِى بنو إسرائيلَ ولدَ فِنْحاصَ ابن العَيْزارِ بن هارونَ مِن كُلِّ ذبيحةٍ ذبَحوها القِبَةَ (٤) والذراعَ واللَّحْى؛ لاعتماده بالحربة على خاصرتِه، وأخْذِه إياها بذراعِه، وإسنادِه إياها إلى لحيتِه (٢)، والبِكْرَ من كلِّ أموالِهم وأنفسِهم؛ لأنه كان بكرَ العيْزارِ، ففى بَلْعَمَ بن باعورَا أنزَل الله على محمدٍ ﷺ : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. يعنى بَلْعَمَ، ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: انطلَقَ رجلٌ من بنى إسرائيلَ يقالُ له: بَلْعَمُ. فأتى الجبارين فقال: لا تَرْهَبُوا مِن بني إسرائيلَ، فإني إذا خرَجتم تُقَاتِلونهم أدْعو عليهم. فخرَج يُوشَعُ يُقاتِلُ الجبارين في الناسِ، وخرَج بَلْعَمُ مع الجبارين على أتانِه، وهو يُرِيدُ أن يَلْعَنَ بنى إسرائيلَ، فكلَّما أراد أنْ يَدعُوَ على بني إسرائيلَ دعا على الجبارين، فقال الجبارون: إنك إنما تَدْعُو علينا. فيقولُ: إنما أردتُ بني إسرائيلَ. فلما بلَغ بابَ المدينةِ أَخَذَ مَلَكٌ بِذَنَبِ الأَتَانِ

стр. 7290

فأمسَكَها، فجعَل يُحَرِّكُها فلا تَتَحَرَّكُ، فلمَّا أكثرَ ضرْبَها تكلَّمتْ، فقالت: أنتَ تَنْكِحُنِي بالليلِ وتَرْكبُنى بالنهارِ! وَيْلى منك، ولو أنى أطقْتُ الخروجَ لخرَجتُ، ولكن هذا الملَكُ يَحْبِسُنى. وفى بَلْعَمَ يقولُ اللهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ الآية (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنى رجلٌ سَمِعَ عكرمة يَقُولُ: قالت امرأةٌ منهم: أَرُونى موسى، فأنا أفْتِنُه. قال: فتطَيَّبَتْ، فَمَرَّت على رجلٍ يُشْبِهُ موسى، فواقَعَها، فأُتِىَ ابن هارونَ فأُخبِرَ، فأخَذ سيفًا، فطعَن به في إحليلِه حتى أخرَجَه [وأخرَجه] (٢) من قُبُلِها، ثم رفَعهما حتى رآهما الناسُ، فعُلِمَ أنه ليس موسى، ففُضِّلَ آلُ هارونَ في القُربانِ على آل موسى بالكَتِفِ (٣) والعَضُدِ والفَخِذِ. قال: فهو ﴿الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. يعنى بَلْعَمَ. واختلَف أهلُ التأويل في تأويلِ قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لرفَعناه بعلمِه بها. ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ لرفَعَه اللهُ تعالى بعلمِه (٤). وقال آخرون: معناه: لرَفعنا عنه الحالَ التي صار إليها من الكفر بالله، بآياتِنا.

стр. 7291

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (١)، في قولِ اللهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾: [لدَفعنا عنه] (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾: لدفَعناه (٣) عنه. قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصواب أن يقالَ: إِنَّ الله عمَّ الخبرَ بقولِه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾. أنه لو شاء رفَعه بآياتِه التي آتاه إياها، والرفعُ يَعُمُّ معانىَ كثيرةً؛ منها الرفعُ في المنزلةِ عندَه، ومنها الرفعُ في شرفِ الدنيا ومكارمِها، ومنها الرفعُ في الذكرِ الجميلِ والثناءِ الرفيعِ. وجائزٌ أن يكون الله عنى كلَّ ذلك أنه لو شاء لرفَعه، فأعطاه كلَّ ذلك بتوفيقِه للعملِ بآياتِه التي كان آتاها إياه. وإذ كان ذلك جائزًا، فالصوابُ من القولِ فيه ألا يُخَصَّ منه شيءٌ، إذ كان لا دلالةَ على خصوصِه من خبرٍ ولا عقلٍ. وأما قولُه: ﴿بِهَا﴾. فإن ابنَ زيدٍ قال في ذلك كالذي قلنا. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾: بتلك الآياتِ (٤).

стр. 7292

وأما قولُه: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾. فإن أهلَ التأويلِ قالوا فيه نحوَ قولِنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾. يعنى: ركَن إلى الأرضِ (١). قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾. قال: نزَع إلى الأرضِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَخْلَدَ﴾: سكَن (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان في بني إسرائيلَ بَلعامُ بنُ باعرَ، أُوتىَ كتابًا، فأَخلَدَ إلى شهواتِ الأرض ولذتِها وأموالِها، لم يَنْتَفِعْ بما جاء به الكتابُ (٤). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: أما ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فاتبع الدنيا وركَن إليها.

стр. 7293

وأصلُ الإخلادِ في كلامِ العربِ الإبطاءُ والإقامةُ، يقالُ منه: أَخلَدَ فلانٌ بالمكان: إذا أقامَ به، وأخلَدَ نفسَه إلى المكانِ: إذا أتاه من مكانٍ آخر. ومنه قولُ زُهَيْرٍ (١): لمَنِ الديارُ غشيِتَها بالفَدْفَدِ (٢) … كالوَحْيِ في حَجَرِ المَسِيل المُخلِدِ (٣) يعني المقيمَ. ومنه قولُ مالكِ بن نُوَيْرةَ (٤): بأبْناءِ حَيٍّ مِنْ قَبَائِلِ مالِكِ … وعَمْرِو بن يَرْبُوعِ أَقامُوا فَأَخْلَدوا وكان بعضُ البَصْريين يقولُ (٥): معنى قولِه: ﴿أَخْلَدَ﴾: لَزِمَ وتقاعَسَ وأبطأ، والمَخْلِدُ أيضًا هو الذي يُبْطِئُ شَيْبُه من الرجالِ، وهو من الدوابِّ الذي تَبْقَى ثناياه حتى تَخْرُجَ رَباعِيَتاه. وأما قولُه: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. فإن (٦) ابنَ زيدٍ قال في تأويلِه ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. قال: كان هواه مع القومِ (٧). القولُ في تأويل قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ

стр. 7294

تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمَثَلُ هذا الذي آتيناه آياتنا فانسلَخَ منها مَثَلُ الكلب الذي يَلْهَثُ؛ طَرَدْتَه أو ترَكْتَه. ثم اختَلَف أهلُ التأويل في السببِ الذي من أجلِه جعَل اللهُ مَثَله كمَثَل الكلبِ؛ فقال بعضُهم: مثَّله به في اللَّهْثِ، لتركِه العملَ بكتاب الله وآياتِه التي آتاها إياه، وإعراضِه عن مواعظِ الله التي فيها إعراضُ مَن (١) لم يؤْتِه الله شيئًا من ذلك، فقال جلَّ ثناؤُه فيه، إذ (٢) كان سواءٌ أَمْرُه، وُعِظ بآياتِ اللهِ التي آتاها إياه أولم يُوعَظُ، في أنه لا يَتَّعِظُ بها، ولا يَتْرُكُ الكفرَ به: فمثَلُه مَثَلُ الكلبِ الذي سواءٌ أمرُه في لَهْثِه؛ طُردَ أو لم يُطْرَدْ، إذ كان لا يَتْرُكُ اللهثَ بحالٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي، نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾. قال: تَطْرُدُه، هو مَثَلُ الذي يَقْرَأُ الكتاب ولا يَعْمَلُ به (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾. قال: تَطْرُدُه بدابَّتِك ورِجْلك يَلْهَثْ. قال: مَثَلُ الذي يَقْرَأُ الكتابَ ولا يَعْمَلُ بما فيه. قال ابن جُريجٍ: الكلبُ منقطِعُ الفؤادِ، لا فؤادَ له، ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ

стр. 7295

يَلْهَثْ﴾. قال: مَثَلُ الذي يَتْرُكُ الهدَى لا فؤادَ له، إنما فؤادُه منقطعٌ (١). حدَّثني ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ (٢)، عن معمرٍ، عن بعضِهم: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾: فذلك هو الكافرُ، هو ضالٌّ إن وعَظْتَه وإن لم تَعِظْه (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾: إن تُحمل عليه الحكمةُ لم يَحْمِلْها، وإِن تُرِكَ لم يَهْتَدِ لخيرٍ، كالكلبِ، إن كان رابضًا لَهَثَ، وإِن طُرِد لَهَثَ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: آتاه الله آياتِه فترَكها، فجعَل اللهُ مَثَله كمثلِ الكلبِ ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ الآية: هذا مثلٌ ضرَبه الله لمن عُرِضَ عليه الهُدى. فأبَى أن يَقْبَلَه وترَكَه - قال: وكان الحسنُ يقولُ: هو المنافقُ - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾. قال: هذا مَثَلُ الكافر،

стр. 7296

ميتُ الفؤادِ (١). وقال آخرون: إنما مَثَّلَه جل ثناؤُه بالكلبِ لأنه كان يَلْهَثْ كما يَلْهَتُ الكلبُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾: وكان بَلْعَمُ يَلْهَثْ كما يَلْهَثُ الكلبُ، وأما ﴿تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾: فتَشُدَّ عليه (٢). قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى التأويلين في ذلك بالصواب تأويلُ من قال: إنما هو مَثَلٌ لتركِه العملَ بآياتِ اللهِ التي أتاها إياه. وإن معناه: سواءٌ وُعِظَ أو لم يُوعَظُ، في أنه لا يَتْرُكُ ما هو عليه من خلافِه أمرَ ربِّه، كما سواءٌ حُمِلَ على الكلبِ وطُرِدَ، أو تُرِكَ فلم يُطْرَدْ، في أنه لا يَدَعُ اللهثَ في كلتا حالتيه. وإنما قلنا: ذلك أوْلى القولين بالصوابِ؛ لدلالة قوله تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. فجعَل ذلك مَثَلَ المكذِّبين بآياتِه، وقد عَلِمنا أن اللُّهاثَ ليس في خِلقةِ كلِّ مكذِّبٍ كُتِبَ عليه تركُ الإنابة من تكذيبٍ بآياتِ اللهِ، وإنَّ ذلك إنما هو مثلٌ ضرَبه الله لهم، فكان معلومًا بذلك أنه للذى وصف الله صفتَه في هذه الآية - كما هو لسائرِ المكذِّبين بآياتِ اللهِ - مَثَلٌ. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا المثلُ الذي ضرَبتُه لهذا الذي آتيناه آياتِنا فانسَلَخ منها،

стр. 7297

مثلُ القومِ الذين كذَّبوا بحُججِنا وأعلامِنا وأدلتِنا، فسَلَكوا في ذلك سبيلَ هذا المنسلِخِ من آياتِنا الذي آتيناها إياه، في تركِه العملَ بما آتيناه من ذلك. وأما قولُه: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾. فإنه يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فاقْصُصْ يا محمدُ هذا القصصَ الذي اقْتَصصتُه عليك - من نبأ الذي آتيناه آياتِنا، وأخبار الأمم التي أخبرتُك أخبارَهم في هذه السورة، واقتَصصتُ عليك نبأَهم ونبأَ أشباهِهم، وما حلَّ بهم من عقوبتِنا، ونزَل بهم حينَ كذَّبوا رسلَنا من نِقمتِنا - على قومِك من قريشٍ، ومَن قِبَلَك من يهودِ بني إسرائيلَ؛ لِيَتفَكَّروا في ذلك فيَعْتَبِروا ويُنيبوا إلى طاعتِنا؛ لئلا يَحِلَّ بهم مثلُ الذي حلَّ بمن قبلَهم من النِّقمِ والمَثَّلاتِ، ويَتَدَبَّرَه اليهودُ من بني إسرائيلَ، فيَعْلَموا حقيقةَ أمرِك، وصحةَ نبوتِك، إذ كان نبأُ الذي آتيناه آياتِنا من خفيِّ علومِهم ومكنونِ أخبارِهم، لا يَعْلَمُه إلا أحبارُهم ومن قرَأ الكتبَ ودرَسَها منهم، وفى علمِك بذلك - وأنتَ أُمِّيٌّ لا تَكْتُبُ ولا تَقْرَأُ، ولا تَدْرُسُ الكتبَ، ولم تُجالِسْ أهلَ العلم - الحجةُ البينةُ لك عليهم بأنك لله رسولٌ، وأنك لم تَعْلَمُ ما عَلِمْتَ من ذلك، وحالُك الحالُ التي أنت بها، إلَّا بوحيٍ من السماء. وبنحوِ ذلك كان أبو النَّضْرِ يقولُ: حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ، عن سالمٍ أبي النضر: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: يعنى بني إسرائيل، أي (١): قد جِئتَهم بخبر ما كان فيهم مما يُخْفُون عليك، لعلَّهم يَتَفَكَّرون فيَعْرِفون أنه لم يأتِ بهذا الخبر عما مضَى فيهم إلا نبيٌّ يأتيه خبرُ السماءِ (٢). القولُ في تأويل قوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا

стр. 7298

يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ساء مثلًا القومُ الذين كَذَّبوا بحجج اللهِ وأدلتِه فجَحَدوها، وأنفسَهم كانوا يَنقُصُون حظوظَها، ويَبْخَسُونها منافِعَها، بتكذيبِهم بها لا غيرها. وقيل: ﴿سَاءَ مَثَلًا﴾ من السُّوءِ (١)، بمعنى: بئسَ مثلًا [مَثَلُ القوم] (٢). وأُقيم "القومُ" مُقامَ "المثل" وحُذف "المثلُ"، إذ كان الكلامُ مفهومًا معناه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. فإن معناه: ولكنَّ البِرَّ بِرٌّ (٣) مَنْ آمَن باللهِ. وقد بيَّنا نظائرَ ذلك في مواضعَ غير هذا بما أغنَى عن إعادتِه (٤). القولُ في تأويل قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الهدايةُ والإضلالُ بيد الله، والمهتدى - وهو السالكُ سبيل الحقِّ، الراكبُ قَصْدَ المحجَّةِ في دينِه - من هداه الله لذلك، فوَفَّقه لإصابته، والضالُّ مَن خَذَله الله، فلم يُوَفِّقْه لطاعتِه، ومَن فعل الله ذلك به فهو الخاسرُ، يعني: الهالكُ. وقد بيَّنا معنى "الخَسارة" و "الهدايةِ" و "الضلالةِ" في غيرِ موضعٍ من كتابنا هذا بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٥).

стр. 7299

القولُ في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد خَلَقْنا لجهنم كثيرًا مِن الجنِّ والإنسِ. يقالُ منه: ذَرَأ الله خَلْقَه يَذْرَؤُهم ذَرْءًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ الحسن (١) الأزْدِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمَانٍ، عن مبارك بن فَضالةَ، عن الحسنِ، في قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. قال: مما خَلَقْنا (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن مباركٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾. قال: خَلَقْنا. قال: ثنا زكريا، عن عَتَّابِ بن بَشِيرٍ، عن عليّ بن بَذِيمَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: أولادُ الزِّنا مما ذَرَأ الله لجهنم (٣). قال: ثنا زكريا بنُ عَدِيٍّ، وعثمانُ الأَحْوَلُ، عن مَرْوانَ بن معاويةَ، عن الحسنِ

стр. 7300

ابن عمرٍو، عن معاويةَ بن إسحاقَ، عن جليسٍ له بالطائفِ، عن عبد الله بن عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إِنَّ الله لَما ذَرَأَ لجهنمَ ما ذَرَأ، كان وَلَدُ الزِّنا مِمَّن ذَرَأ لجهنمَ" (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾. [يقولُ: خَلَقْنا لجهنم] (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سَمِعتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾. قال: لقد خلَقْنا لجهنم (٣) من الجنِّ والإنس (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾: خَلَقْنا (٥). وقال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. لِنَفَادِ عِلْمِه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربِّهم. وأما قولُه: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾. فإن معناه: لهؤلاء الذين ذَرَأَهم الله لجهنمَ مِن خَلْقِه، قلوبٌ لا يَتَفكَّرون بها في آياتِ اللهِ، ولا يَتَدَبَّرون بها أدِلَّته على وَحْدانِيَّتِه، ولا يَعْتَبرون بها حُجَجَه لرُسُلِه، فيَعْلَموا توحيدَ ربِّهم، ويَعْرِفوا حقيقةَ

стр. 7301

نبوَّة أنبيائِهم. فوَصَفَهم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بأنهم لا يَفْقَهون بها؛ لإعراضِهم عن الحقِّ، وتَرْكِهم تدبُّرَ صحةِ الرُّشْدِ، وبُطُولِ الكُفْرِ. وكذلك قولُه: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾. معناه: ولهم أعينٌ لا يَنْظرونَ بها إلى آياتِ اللهِ وأدِلَّتِه، فيَتَأَمَّلُوها ويَتَفَكَّروا فيها، فيَعْلَموا بها صحةَ ما تَدْعوهم إليه رسلُهم، وفسادَ ما هم عليه مُقيمون من الشركِ بالله، وتكذيبِ رسلِه. فوَصَفَهم الله بتركِهم إعمالَها في الحقِّ، أَنَّهم (١) لا يُبْصرون بها. وكذلك قولُه: ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ آيات كتاب الله فيَعْتَبِروها ويَتَفَكَّروا فيها، ولكنَّهم يُعرضون عنها، ويقولون: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] وذلك نظيرُ وصف الله إياهم في موضعٍ آخرَ بقولِه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]. والعربُ تقولُ ذلك للتارِكِ استعمالَ بعضِ جوارحِه فيما يَصْلُحُ له. ومنه قولُ مسكين الدَّارِميِّ (٢): أَعْمَى إِذا ما جارَتي خَرَجَتْ … حتى يُوَارِى جارتى السِّتْرُ (٣) فأَصَمُّ (٤) عمَّا كان بينهما … سَمْعى [ومَا بالسَّمْع مِن] (٥) وَقْرِ فوَصَفَ نفسَه لتَرْكه النظرَ والاستماعَ بالعمىَ والصَّمَمِ. ومنه قولُ الآخرِ (٦):

стр. 7302

وَعَوْرَاءِ (١) الكلامِ صَمَمْتُ عنها … [ولو أَنِّي] (٢) أَشَاءُ بها سَمِيعُ وبادِرَةِ وَرِعْتُ (٣) النَّفْسَ عنها … وقد (٤) [تَئقَتْ مِن الغَضَبِ] (٥) الضُّلوعُ وذلك كثيرٌ في كلامِ العربِ وأشعارِها. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمعتُ مجاهدًا يقولُ في قوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾. قال: [لا يفقهون بها] (٦) شيئًا من أمر الآخرة. ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ الهُدَى. ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ الحقَّ. ثم جَعَلهم كالأنعامِ سواءً، ثم جَعَلهم شرًّا من الأنعام، فقال: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. ثم أخْبَر أنهم هم الغافلون. القولُ في تأويل قوله: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾: هؤلاء الذين ذَرَأَهم لجهنمَ هم

стр. 7303

كالأنعام، وهى البهائم التي لا تَفْقَهُ ما يقال لها، ولا تَفْهَمُ ما أَبْصَرَتُه، لما (١) يَصْلُحُ ولما (٢) لا يصلُحُ، ولا تَعْقِلُ بقلوبها الخيرَ من الشرِّ، فتُميِّز بينهما (٣)، فشَبَّههم اللهُ بها؛ إذ كانوا لا يَتَذَكَّرون ما يَرَوْن بأبصارِهم من حُجَجه، ولا يَتَفَكَّرون فيما يسمعون من آي كتابه. ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. يقولُ: هؤلاء الكفرة الذين ذَرَأَهم لجهنم، أَشَدُّ ذهابًا عن الحقِّ، وأَلْزَمُ لطريق الباطل من البهائم؛ لأنَّ البهائم لا اختيار لها ولا تمييز، فتَخْتارَ وتُميِّزَ، وإنَّما هي مُسَخَّرَةٌ، ومع ذلك تَهْرُبُ مِن المَضَارِّ، وتَطْلُبُ لأَنفُسِها من الغذاء الأصْلَحَ. والذين وصف اللهُ صِفَتَهم في هذه الآية، مع ما أُعطوا من الأفهام والعقول المميِّزة بين المَصَالِحِ والمضارِّ، تترك ما فيه صلاح دنياها وآخرتها، وتَطْلُبُ ما فيه مَضَارُّها (٤)، فالبهائم منها أَسَدُّ، وهى منها أَضَلُّ، كما وَصَفَها به ربُّنا جلَّ ثناؤُه. وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين وَصَفْتُ صفَتَهم القومُ الذين غَفَلوا - يَعْني سَهَوا - عن آياتي وحُجَجى، وتَرَكوا تدبُّرها والاعتبار بها والاستدلالَ على ما دَلَّتْ عليه من توحيدِ ربِّها، لا البهائم التي قد عَرَّفها ربُّها ما سخَّرها له. القول في تأويل قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وهي كما قال ابن عباسٍ.

стр. 7304

حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، [قال: حدَّثني عمِّي، قال: حدَّثني أبي] (١)، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. ومِن أسمائِه العزيزُ الجبارُ، وكلُّ أسماءِ اللهِ حَسَنٌ (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشام بن حسانَ، عن ابن سيرينَ، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، قال: "إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، مَن أَحْصاها كُلَّها دَخَل الجنةَ" (٣). وأمَّا قولُه: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. فإنه يعنى به المشركين. وكان إلحادُهم في أسماءِ اللهِ أَنَّهم عَدَلوا بها عما هي عليه؛ فسَمَّوا بها آلهتَهم وأوثانَهم، وزادوا فيها ونَقَصوا منها؛ فسَمَّوْا بعضها اللات، اشتقاقًا منهم لها من اسم اللهِ الذي هو اللهُ، وسَمَّوْا بعضَها العُزَّى، اشتقاقًا لها من اسمِ اللهِ الذي هو العزيزُ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 7305

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. قال: إلحادُ المُلْحِدِين أن دَعَوُا اللاتَ في أَسماءِ اللهِ (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. قال: اشْتَقُّوا العُزَّى من العزيز، واشْتَقُّوا اللاتَ مِن اللهِ (٢). واخْتَلَف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿يُلْحِدُونَ﴾. فقال بعضُهم: يُكذِّبونَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. قال: الإلحاد التكذيبُ (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: يُشْرِكون. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن (٤) ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ:

стр. 7306

﴿يُلْحِدُونَ﴾. قال: يشركون (١). وأصل الإلحاد في كلام العرب، العُدُولُ عن القصد، والجَوْرُ عنه، والإعراضُ. ثم يُسْتَعْمَلُ في كلِّ مُعْوَجٍّ غير مستقيمٍ، ولذلك قيل للحدِ القبر: لَحْدٌ. لأنه في ناحيةٍ منه، وليس في وَسَطِه. يُقال منه: ألحَد فلانٌ يُلْحِدُ إلحادًا. ولَحَدَ يَلْحَدُ لَحْدًا ولُحُودًا. وقد ذُكِر عن الكِسائيِّ أنه كان يُفَرِّقُ بين الإلحادِ واللَّحْدِ؛ فيقولُ في الإلحاد: إنه العُدولُ عن القصدِ. وفي اللَّحْدِ: إنه الرَّكُونُ إلى الشيء. وكان يَقْرَأُ جميع ما في القرآن "يُلْحِدُون" بضَمِّ الياء وكسرِ الحاءِ، إلا التي في "النحلِ"، فإنه كان يَقْرَؤُها "يَلْحَدُون" بفتح الياءِ والحاءِ. ويَزْعُمُ أنه بمعنَى الرُّكُونِ (٢). وأما سائرُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ، فيَرَوْن أن معناهما واحدٌ، وأنَّهما لغتانِ جاءَتا في حرفٍ واحدٍ بمعنًى واحدٍ. واخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فَقَرَأَتْه عامَّة أهل المدينة وبعضُ البَصْرِيِّين والكوفيِّين: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بضمِّ الياء وكسر الحاء، مِن: ألْحَد يُلحِد. في جميع القرآن. وقرأَ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهل الكوفة (يَلْحَدون) بفتح الياءِ والحاءِ، من: لَحَدَ يَلْحَدُ (٣). والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما لغتانِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قَرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك، غير أنِّى أختارُ القراءةَ بِضمِّ الياء، على لغةِ مَن قالَ:

стр. 7307

ألحَدَ. لأنها أشهرُ اللغَتين وأفصحُهما. وكان ابن زيدٍ يقولُ في قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: إنه منسوخٌ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. قال: هؤلاء أهل الكفرِ، وقد نُسِخ، نَسَخه القِتالُ (١). ولا معنى لما قال ابن زيدٍ في ذلك من أنه منسوخٌ؛ لأنَّ قولَه: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. ليس بأمرٍ مِن الله لنبيِّه ﷺ بتَرْكِ المشركين أن يقولوا ذلك، حتى يَأْذَنَ له في قتالِهم. وإنَّما هو تهديدٌ مِن اللهِ للمُلْحِدِين في أسمائه ووعيدٌ منه لهم، كما قال في موضعٍ آخر: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ الآية [الحجر: ٣]. وكقولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٦]. وهو كلامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الأَمْرِ بمعنى الوعيد والتهديدِ، ومعناه: إنْ نُمْهِل (٢) الذين يُلْحِدون، يا محمدُ، في أَسماءِ اللهِ إلى أجلٍ هم بالِغُوه، فسوف يُجْزَوْن - إذا جاءَهم أجلُ اللهِ الذي [أجَّلَهم إليه] (٣) - جزاءَ أعمالهم التي كانوا يعمَلونها قبل ذلك؛ من الكفر باللهِ، والإلحادِ في أسمائِه، وتكذيبِ رسوله. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ومن الخَلْقِ الذين خَلَقْنا ﴿أُمَّةٌ﴾. يعني: جماعةٌ. ﴿يَهْدُونَ﴾. يقولُ: يَهْتَدُون ﴿بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. يقولُ: وبالحقِّ يَقْضون ويُنصِفون الناس. كما قال ابن جريجٍ.

стр. 7308

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. قال ابن جُريجٍ: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "هذه أُمَّتِى". قال: "بالحقِّ يَأْخُذون ويُعطون ويقْضُون" (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ بَلَعْنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ إِذا قَرَأَهَا: "هذه لكم، وقد أَعْطِى القومُ بينَ أيْدِيكُم مِثْلَها: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ " (٣) [الأعراف: ١٥٩]. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: والذين كَذَّبوا بأدِلَّتِنا وأعلامِنَا، فَجَحَدوها ولم يَتَذَكَّروا بها، سَنُمْهِلُه بغرَّتِه ونُزَيِّنُ له سوءَ عملِه، حتى يَحْسَبَ أنه [فيما هو] (٤) عليه من تكذيبِه بآياتِ اللهِ، إلى نفسِه مُحْسِنٌ، وحتى يَبْلُغَ الغاية التي كُتب له مِن المَهَلِ، ثم نَأْخُذُه بأعمالِه السيئة، فنجازيه بها من العقوبة ما قد أُعِدَّ له. وذلك استدراجُ اللهِ إياه. وأصلُ الاسْتِدْراجِ اغْتِرارُ المُسْتَدْرَجِ بلُطفٍ، مِن حيثُ يَرَى المُستدرَجُ أَنَّ

стр. 7309

المستدرج، إليه محسنٌ، حتى يُوَرِّطَه مكروهًا. وقد بيَّنَّا وجه فعل الله ذلك بأهل الكفر به فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضع (١). القولُ في تأويل قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾. يقول تعالى ذكره: وأُؤَخِّرُ هؤلاء الذين كَذَّبوا بآياتِنا مِلاوَةً (٢)، بالكسرِ والضَّمِّ والفتح، من الدهر - وهى الحينُ، ومنه قيل: انتظرتُك مَلِيًّا - ليَبْلُغوا بمعصيتهم ربَّهم المقدارَ الذي قد كتبه لهم من العقاب والعذابِ، ثم يَقْبِضُهم إليه. ﴿إِنَّ كَيْدِي﴾. والكيد هو المكرُ، وقوله: ﴿مَتِينٌ﴾. يعني: قويٌّ شديدٌ. ومنه قولُ الشاعرِ (٣): عَدَلْنَ عُدُولَ النَّاسِ وَامْتَحّ (٤) يَبْتَلِي (٥) … أفانينَ (٦) مِن أُلْهُوبِ (٧) شَدٍّ (٨) مُمَاتِنِ

стр. 7310

يعني: سَيْبًا (١) شديدًا باقيًا لا يَنْقَطِعُ. القولُ في تأويل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾. يقول تعالى ذكرُه: أولم يَتَفَكَّرُ هؤلاء الذينَ كَذَّبوا بآياتنا، فيَتَدَبَّروا بعقولهم، ويعلموا أن رسولَنا الذي أرْسَلْناه إليهم، لا جِنَّةَ به ولا بَلَ، وأنَّ الذي دعاهم إليه هو [الصحيحُ والدينُ] (٢) القويمُ، والحقُّ المبين. ولذا أُنزِلَتْ هذه الآية فيما قيل. كما حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قال: ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان على الصَّفا، فدعا قريشًا، فَجَعَل يُفَخِّذُهُم فَخْذًا فَخْذًا (٣): "يا بَنى فلانٍ، يا بني فلانٍ". فَحَذَّرَهم بَأْسَ اللهِ، ووَقائِعَ اللهِ. فقال قائِلُهم: إِنَّ صاحِبَكم هذا لمجنونٌ! بات يُصَوِّتُ إلى الصباحِ. أو: حتى أصْبَح، فأَنزَل اللهُ ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٤). ويعنى بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾؛ ما هو إلا نذيرٌ يُنذِرُكم (٥) عقابَ اللهِ

стр. 7311

على كفركم به، إن لم تُنِيبوا إلى الإيمان به. ويعنى بقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قد أبان لكم، أيها الناسُ، إنذاره ما أَنْذَرَكم به مِن بأس اللهِ، على كفرِكم به. القول في تأويل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أولم يَنْظُرُ هؤلاء المُكَذِّبون [بآياتِ اللهِ] (١)، في مُلكِ اللهِ وسلطانه في السماواتِ وفى الأرض، وفيما خلق جلَّ ثناؤُه من شيءٍ فيهما، فيتَدَبَّروا ذلك ويعتبروا به، ويَعْلَموا أَنَّ ذلك لَمن (٢) لا نظير له ولا شَبِيهَ، ومِن فعل مَن لا يَنْبَغِى أن تكونَ العبادة والدينُ الخالصُ إلا له، فيُؤْمِنوا به، ويُصَدِّقوا رسوله، ويُنيبوا إلى طاعتِه، ويَخْلعوا الأندادَ والأوثانَ، ويَحْذَروا أن تكونَ آجالُهم قد اقتَرَبت، فيَهلِكوا على كفرِهم ويصيروا إلى عذاب الله، وأليم عقابه؟! وقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فبأيِّ تخويفٍ وتحذيرٍ وترهيبٍ، بعد تحذيرِ محمدٍ ﷺ وترهيبِه، الذي أتاهم به من عندِ اللهِ في آي كتابه يُصَدِّقون، إن لم يُصدِّقوا بهذا الكتاب الذي جاءَهم به محمدٌ ﷺ من عندِ اللهِ تعالى؟! القول في تأويل قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾. يقول تعالى ذكره: إِنَّ إعْراضَ (٣) هؤلاء الذين كَذَّبوا بآياتِنا، التاركِي النظر في

стр. 7312

حُججِ الله والفكر فيها - لإضْلالِ اللهِ إيَّاهم، ولو هداهم اللهُ لَاعْتَبَروا وتَدَبَّروا، فأَبْصَروا رُشْدَهم، ولكنَّ الله أضلَّهم، فلا يُبْصرون رُشدًا، ولا يهتدون سبيلًا، ومَن أَضَلَّه عن الرَّشادِ فلا هادى له إليه (١)، ولكنَّ الله يَدَعُهم في تَمَادِيهِم في كفرهم، وتَمرُّدِهم في شِركهم، يَتَردَّدون؛ ليَسْتَوْجِبوا الغاية التي كتبها اللهُ لهم من عقوبته وأليم نكاله. القول في تأويل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾. فقال بعضُهم: عُنى بذلك قومُ رسول الله ﷺ من قريشٍ، وكانوا سَأَلُوا عن ذلك رسول الله ﷺ . ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمر، عن قَتادةَ قال: قالت قريشٌ لمحمدٍ ﷺ : إنَّ بيننا وبينك قرابةً، فأَسِرَّ إلينا متى الساعةُ؟ فقال اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ (٢). وقال آخرون: بل عُنى به قومٌ من اليهود. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونس بن بكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: ثني محمد بن أبي محمدٍ مولَى زيد بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بن جبيرٍ أو عكرمةُ،

стр. 7313

عن ابن عباسٍ، قال: قال جَبَلُ (١) بن أبي قُشيرٍ وسمولُ (٢) بنُ زيدٍ لرسول الله ﷺ : يا محمدُ، أخبِرنا متى الساعةُ إن كنتَ نبيًّا كما تقولُ، فإِنَّا نَعْلَمُ متى هي. فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن طارقِ (٤) بن شهابٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ لا يزالُ يَذْكُرُ مِن شأن الساعة حتى نَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (٥). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القول في ذلك أن يُقالَ: إِنَّ قوما سَألوا رسول الله ﷺ عن الساعةِ، فَأَنزل الله هذه الآيةَ، وجائزٌ أن يكونَ كانوا من قريشٍ، وجائزٌ أن يكونَ (٦) كانوا من اليهودِ، ولا خبرَ بذلك عندنَا يُجَوِّزُ قَطَّعَ القول على أيِّ ذلك كان. فتأويلُ الآيةِ إذن: يَسْأَلُك القومُ الذين يَسْأَلُونك عن الساعةِ: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾؟ يقولُ: متى قيامها؟ ومعنى أيَّانَ: متى. في كلامِ العربِ، ومنه قول الراجز (٧):

стр. 7314

أَيَّانَ تَقْضى (١) حاجَتي أَيَّانا … أمَا تَرَى (٢) لِنُجْحِها إبَّانا (٣) ومعنى قولِه: ﴿مُرْسَاهَا﴾: قيامُها. مِن قولِ القائلِ: أرساها اللَّهُ فهى مُرْساةٌ. وأرساها القومُ: إذا حَبَسوها. ورَسَتْ هي تَرْسو رُسُوًّا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا (٤) محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾. يقولُ: متى قيامُها (٥). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾: متى قيامُها (٦). وقال آخرون: معنى ذلك: مُنْتهاها. وذلك قريبُ المعنى مِن معنى مَن قال: معناه: قيامُها. لأنَّ انْتِهاءَها بُلُوغُها وقتَها. وقد بَيَّنا أن أصلَ ذلك الحبسُ والوقوفُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن

стр. 7315

عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾. يعنى: مُنْتهاها (١). وأما قولُه: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. فإنه أمرٌ مِن اللَّهِ نبيَّه محمدًا ﷺ بأن يجيبَ سائِليه عن الساعةِ، بأنه لا يَعْلَمُ وقتَ قيامِها إلا اللَّهُ الذي يَعْلَمُ الغيبَ، وأنه لا يُظْهِرُها لوقتِها، ولا يعلمُها غيرُه جلَّ ذكرُه. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: علمُها عندَ اللَّهِ، هو يُجَلِّيها لوقتِها، لا يعلمُ ذلك إلا اللَّهُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾: يأتى بها (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾. قال (٤): لا يَأْتى بها ﴿إِلَّا هُوَ﴾. [حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا يُرسِلُها لوقتِها إلا هو] (٥) (٦).

стр. 7316

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ثَقُلَت الساعةُ على أهلِ السماواتِ والأرضِ، أن يَعْرِفوا وقتَها ومجيئَها؛ لخَفائِها عنهم، واسْتِئْثارِ اللَّهِ بعِلْمِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. [يقولُ: خَفِيَتْ في السماواتِ والأرضِ] (١)، فلم يَعْلَمْ قيامَها؛ متى تقومُ - مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن معمرٍ، عن بعضِ أهلِ التأويلِ ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: ثَقُل علمُها على أهلِ السماواتِ وأهلِ الأرضِ، أنهم لا يَعْلَمون (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: أنها كَبُرَتْ (٤) عندَ مجيئِها على أهلِ السماواتِ والأرضِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ

стр. 7317

يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يعنى: إذا جاءتْ ثَقُلَتْ على أهلِ السماءِ وأَهلِ الأرضِ. يقولُ: كَبُرَتْ عليهم (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: إذا جاءت انشقَّت السماءُ، وانْتَثَرَت النجومُ، وكُوِّرَت الشمسُ، وسُيِّرت الجبالُ، وكان ما قال اللَّهُ، فذلك ثِقَلُها (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: قال بعضُ النَّاسِ في ﴿ثَقُلَتْ﴾: عَظُمَتْ. وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. على السماواتِ والأرضِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي على السماواتِ والأرضِ. قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ثَقُلَتِ الساعةُ في السماواتِ والأرضِ على أهلِها، أن يَعْرِفوا وقتَها وقيامَها؛ لأنَّ اللَّهَ أَخفى ذلك عن خَلْقِه، فلم يُطْلِعْ عليه منهم أحدًا. وذلك أن اللَّهَ أَخْبَر بذلك بعدَ قولِه:

стр. 7318

﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. وأخبر بعدَه أنها لا تَأْتى إلا بغتةً، فالذى هو أوْلَى؛ أن يكون ما بيَن ذلك أيضًا خبرًا عن خَفاءِ علمِها عن الخلقِ، إذ كان ما قبلَه وما بعدَه كذلك. وأما قولُه: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾. فإنه يقولُ: لا تجئ الساعةُ إلا فجأةً، لا تَشْعُرون بمجيئها. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾. [يقولُ: يَبْغتُهُم قيامُها، تَأْتيهم على غفلةٍ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾] (٢)، قَضَى اللَّهُ أَنها لا تَأْتيكم إلا بغتةً. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: "إِنَّ السَّاعَةَ تَهِيجُ بالناسِ، و (٣) الرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَه، والرجلُ يَسْقى ماشيتَه، والرجلُ يُقِيمُ سِلْعَتَه في السوقِ، [والرجلُ] (٤) يَخْفِضُ مِيزانَه ويَرْفَعُه" (٥). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يسألُك هؤلاءِ القومُ عن الساعةِ، ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾.

стр. 7319

[واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل قولِه: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾] (١). فقال بعضُهم: يَسْأَلُونك عنها كأنك حفيٌّ بِهم. وقالوا: معنى قولِه: ﴿عَنْهَا﴾. التقديمُ، وإن كان مُؤَخَّرًا (٢). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثني عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. يقولُ: كأَنَّ بينَك وبينَهم مَوَدَّةً، كأنك صديقٌ لَهم. قال ابن عباسٍ: لَمَّا سأل الناسُ محمدًا ﷺ عن الساعةِ، سأَلوه سؤالَ قومٍ كأَنَّهم يَرَوْن أن محمدًا حَفِيٌّ بهم، فأوحَى اللَّهُ إليه أنما علمُها عندَه، اسْتَأْثَر (٣) بعلمِها، فلم يُطْلِعْ عليها ملَكًا ولا رسولًا (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال قتادةُ: قالتْ قريشٌ لمحمدٍ ﷺ : إنَّ بينَنا وبينَك قرابةً، فأسِرَّ إلينا متى الساعةُ؟ فقال اللَّهُ: [﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾] (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: أَىْ حفيٌّ بهم (٦). قال: قالتْ قريشٌ: يا محمدُ، أسِرَّ إلينا علمَ الساعةِ، لِمَا

стр. 7320

بينَنا وبينَك مِن القَرابة؛ لقَرَابتِنا منك (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ وهانئُ بنُ سعيدٍ، عن حجاجٍ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال: حَفِيٌّ بهم حينَ يَسْأَلونك (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ قال: قريبٌ (٣) منهم، وتَحفَّى عليهم. قال: وقال أبو مالكٍ: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ بهم. قال: قريبٌ منهم، وتَحفَّى عليهم. قال: وقال أبو مالكٍ: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ بهم، فتُحَدِّثُهم (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: كأَنَّك صديقٌ لهم (٥). وقال آخرون: بل معنى ذلك: كأنك قد اسْتحْفَيْتَ المسألةَ عنها فعَلِمْتَها.
следующие страницы →