← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ثَقُلَت الساعةُ على أهلِ السماواتِ والأرضِ، أن يَعْرِفوا وقتَها ومجيئَها؛ لخَفائِها عنهم، واسْتِئْثارِ اللَّهِ بعِلْمِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. [يقولُ: خَفِيَتْ في السماواتِ والأرضِ] (١)، فلم يَعْلَمْ قيامَها؛ متى تقومُ - مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن معمرٍ، عن بعضِ أهلِ التأويلِ ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: ثَقُل علمُها على أهلِ السماواتِ وأهلِ الأرضِ، أنهم لا يَعْلَمون (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: أنها كَبُرَتْ (٤) عندَ مجيئِها على أهلِ السماواتِ والأرضِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ

стр. 7317

يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يعنى: إذا جاءتْ ثَقُلَتْ على أهلِ السماءِ وأَهلِ الأرضِ. يقولُ: كَبُرَتْ عليهم (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: إذا جاءت انشقَّت السماءُ، وانْتَثَرَت النجومُ، وكُوِّرَت الشمسُ، وسُيِّرت الجبالُ، وكان ما قال اللَّهُ، فذلك ثِقَلُها (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: قال بعضُ النَّاسِ في ﴿ثَقُلَتْ﴾: عَظُمَتْ. وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. على السماواتِ والأرضِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي على السماواتِ والأرضِ. قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ثَقُلَتِ الساعةُ في السماواتِ والأرضِ على أهلِها، أن يَعْرِفوا وقتَها وقيامَها؛ لأنَّ اللَّهَ أَخفى ذلك عن خَلْقِه، فلم يُطْلِعْ عليه منهم أحدًا. وذلك أن اللَّهَ أَخْبَر بذلك بعدَ قولِه:

стр. 7318

﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. وأخبر بعدَه أنها لا تَأْتى إلا بغتةً، فالذى هو أوْلَى؛ أن يكون ما بيَن ذلك أيضًا خبرًا عن خَفاءِ علمِها عن الخلقِ، إذ كان ما قبلَه وما بعدَه كذلك. وأما قولُه: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾. فإنه يقولُ: لا تجئ الساعةُ إلا فجأةً، لا تَشْعُرون بمجيئها. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾. [يقولُ: يَبْغتُهُم قيامُها، تَأْتيهم على غفلةٍ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾] (٢)، قَضَى اللَّهُ أَنها لا تَأْتيكم إلا بغتةً. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: "إِنَّ السَّاعَةَ تَهِيجُ بالناسِ، و (٣) الرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَه، والرجلُ يَسْقى ماشيتَه، والرجلُ يُقِيمُ سِلْعَتَه في السوقِ، [والرجلُ] (٤) يَخْفِضُ مِيزانَه ويَرْفَعُه" (٥). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يسألُك هؤلاءِ القومُ عن الساعةِ، ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾.

стр. 7319

[واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل قولِه: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾] (١). فقال بعضُهم: يَسْأَلُونك عنها كأنك حفيٌّ بِهم. وقالوا: معنى قولِه: ﴿عَنْهَا﴾. التقديمُ، وإن كان مُؤَخَّرًا (٢). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثني عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. يقولُ: كأَنَّ بينَك وبينَهم مَوَدَّةً، كأنك صديقٌ لَهم. قال ابن عباسٍ: لَمَّا سأل الناسُ محمدًا ﷺ عن الساعةِ، سأَلوه سؤالَ قومٍ كأَنَّهم يَرَوْن أن محمدًا حَفِيٌّ بهم، فأوحَى اللَّهُ إليه أنما علمُها عندَه، اسْتَأْثَر (٣) بعلمِها، فلم يُطْلِعْ عليها ملَكًا ولا رسولًا (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال قتادةُ: قالتْ قريشٌ لمحمدٍ ﷺ : إنَّ بينَنا وبينَك قرابةً، فأسِرَّ إلينا متى الساعةُ؟ فقال اللَّهُ: [﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾] (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: أَىْ حفيٌّ بهم (٦). قال: قالتْ قريشٌ: يا محمدُ، أسِرَّ إلينا علمَ الساعةِ، لِمَا

стр. 7320

بينَنا وبينَك مِن القَرابة؛ لقَرَابتِنا منك (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ وهانئُ بنُ سعيدٍ، عن حجاجٍ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال: حَفِيٌّ بهم حينَ يَسْأَلونك (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ قال: قريبٌ (٣) منهم، وتَحفَّى عليهم. قال: وقال أبو مالكٍ: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ بهم. قال: قريبٌ منهم، وتَحفَّى عليهم. قال: وقال أبو مالكٍ: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ بهم، فتُحَدِّثُهم (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: كأَنَّك صديقٌ لهم (٥). وقال آخرون: بل معنى ذلك: كأنك قد اسْتحْفَيْتَ المسألةَ عنها فعَلِمْتَها.

стр. 7321

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: اسْتَحْفَيْتَ عنها السؤالَ حتى عَلِمْتَها (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال: استحفيتَ عنها السؤالَ حتى علمتَ وقتَها. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال: كأنك عالمٌ بها. قال: ثنا جابرُ (٢) بنُ نوحٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال: [أي لستَ] (٣) تَعْلَمُها (٤). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنى عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. يقولُ: يَسْأَلُونك عن الساعةِ، كأَنَّ عندَك عِلْمًا مِنها، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن بعضِهم: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: كأَنَّك عالمٌ بها (٥).

стр. 7322

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال: كأَنَّك بها عالمٌ. وقال: أخْفَى عِلْمَها على خَلْقِه. وقرَأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، حتى ختَمَ السورةَ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. يقولُ: كأنك يُعجِبُك سؤالُهم إياك، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. وقولُه: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. يقولُ: لطيفٌ بها (٢). فوجَّه هؤلاء تأويلَ قولِه: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. إلى: "حَفِيٌّ بها"، وقالوا: تقولُ العربُ: تَحَفَّيْتُ له في المسألةِ، وتَخَفَّيْتُ عنه. قالوا: ولذلك قيل: أتَيْنَا فلانًا نَسألُ به. بمعنى: نَسأَلُ عنه. قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القولينِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: كأنك حَفِيٌّ بالمسألةِ عنها فتَعْلَمُها. فإن قال قائلٌ: وكيف قِيل: ﴿حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، ولم يُقَلْ: "حَفى بها"، إن كان ذلك تأويلَ الكلامِ؟ قِيل: إن ذلكَ قيل كذلك؛ لأن الحفاوةَ إنَّما تكونُ في المسألةِ؛ وهي البَشاشَةُ للمسئولِ عندَ المسألةِ، والإكثارُ مِن السؤالِ عنه. والسؤالُ يُوصَلُ بـ "عن" مرَّةً وبـ "الباء" مرةً، فيقالُ: سألتُ عنه، وسألتُ به. فلمَّا وضِع قولُه: ﴿حَفِيٌّ﴾ (٣)

стр. 7323

مَوْضِعَ السؤالِ، وُصِل بأغْلَبِ الحرفينِ اللَّذَينِ يُوصَلُ بهما السؤالُ، وهو "عن"، كما قال الشاعرُ (١): سؤالَ حَفِيٍّ (٢) عن أخيه كأَنَّه … بِذِكْرَتِهِ (٣) وَسْنانُ أَو مُتَواسِنُ وأما قولُه: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، فإن معناه: قُلْ، يا محمدُ، لسائليك عن وقتِ الساعةِ وحينِ مَجيئِها: لا عِلْمَ لى بذلكَ، ولا يَعْلَمُ (٤) به إِلَّا اللَّهُ الذي يَعْلَمُ غيبَ السماواتِ والأرضِ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يَعْلَمون أن ذلك لا يَعْلَمُه إلا اللَّهُ، بل يَحْسَبون أن علمَ ذلك يُوجَدُ عندَ بعضِ خَلْقِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: ﷺ قُلْ، يا محمدُ، لسائليك عن الساعةِ أَيَّانَ مُرْساها: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾. يقولُ: لا أُقْدِرُ على اجْتِلابِ نفعٍ إلى نَفْسِي، ولا دَفْعِ ضُرٍّ يَحِلُّ بها عنها، إلا ما شاءَ اللَّهُ أَن أَمْلِكَه مِن ذلكَ، بِأَنْ يُقَوِّيَنِى

стр. 7324

عليه، ويُعِينَنى. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾. يقولُ: لو كنتُ أَعْلَمُ ما هو كائنٌ مما لم يَكُنْ بعدُ ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾. يقولُ: لأَعْدَدْتُ الكثيرَ مِن الخيرِ. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الخيرِ الذي عَناهُ اللَّهُ بقولِه: ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لاسْتَكثرتُ مِن العملِ الصالحِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ قولَه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾. قال: الهُدَى والضلَالةُ. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾. قال: ﴿أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: متى أموتُ، لاستكثرتُ مِن العملِ الصالحِ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مِثْلَه (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. قال: لَاجْتَنَبْتُ ما يكونُ مِن الشَّرِّ واتَّقَيْتُه (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: ولو كنتُ أعلمُ الغيبَ لأَعْدَدْتُ للسَّنَةِ المُجْدِبةِ مِن المُخْصِبَةِ، ولَعَرَفْتُ الغلاءَ من الرُّخْصِ، واسْتَعْدَدْتُ له في الرخصِ.

стр. 7325

وقولُه: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. يقولُ: وما مسَّنِىَ الضُّرُّ. ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾. يقولُ: ما أنا إلا رسولُ اللَّهِ أَرْسَلنى إليكم، أُنذِرُ عقابَه مَن عَصاه منكم وخالَف أمْرَه، وأُبَشِّرُ بثوابِه وكرامتِه، مَنْ آمَنَ به وأطاعَه (١) منكم. وقولُه: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: يُصَدِّقون بأنى للَّهِ رسولٌ، ويُقِرُّونَ بحقيقةِ (٢) ما جئتُهم به مِن عندِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. يعنى بالنفسِ الواحدةِ آدمَ. كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. قال: آدمُ ﵇ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: مِن آدمَ (٤). ويعنى بقولِه: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: وجعَل من النفْسِ الواحدةِ، وهو آدمُ، زَوْجَهَا حَوَّاءَ. كما حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾؛ حواءَ، فجُعِلَتْ مِن ضِلَعٍ من أضْلاعِه لِيَسْكُنَ إليها (٤).

стр. 7326

ويعنى بقولِه: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾: ليَأْوِىَ إليها لقضاءِ الحاجةِ ولَذَّتِهِ. ويعنى بقولِه: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾: فَلَمَّا تَدَثَّرَها لقضاءِ حاجَتِه منها، فقضَى حاجتَه منها، ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾. وفى الكلامِ محذوفٌ تُرِك ذكرُه استغناءً بما ظَهَر عما حُذِفَ (١)، وذلك قولُه: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ﴾. وإنَّما الكلامُ: فلمَّا تَغَشَّاها فقضَى حاجتَه منها حَمَلَتْ. وقولُه: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾. يعنى بخِفَّةِ الحمْلِ الماءَ الذي حَمَلَتْه حواءُ في رَحِمها مِن آدمَ، أَنَّه كان حَمْلًا خفيفًا، وكذلك هو حملُ المرأةِ ماءَ الرجلِ؛ خفيفٌ عليها. وأمَّا قولُه: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾. فإنه يعنِى: اسْتَمَرَّت بالماءِ؛ قامتْ به وقعَدتْ، وأَتَمَّت الحملَ. كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي عُميرٍ، عن أيوبَ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾. قال: لو كنتَ امْرَأً عربيًّا لَعَرَفتَ ما هي، إنما هي: فاسْتَمَرَّتْ به (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾: اسْتَبَان حَمْلُها (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾. قال: اسْتَمَرَّ حملُها (٤). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿حَمَلَتْ

стр. 7327

حَمْلًا خَفِيفًا﴾. [وهى] (١) النُّطْفَةُ، و (٢) قولُه: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾. يقولُ: اسْتَمَرَّتْ به (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: فشَكَّتْ فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: فشَكَّتْ أَحَمَلَتْ أم لا (٤). ويعنى بقولِه: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: فلمَّا صار ما في بطنِها مِن الحَمْلِ الذي كان خفيفًا - ثَقيلًا، ودَنَتْ ولادتُها. يقالُ منه: أَثْقَلَتْ فلانةُ. إذا صارَتْ ذَاتَ ثِقْلٍ بحملِها. كما يقالُ: أَتَمْرَ فلانٌ. إذا صار ذا تَمْرٍ. كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: كبِر (٥) الولدُ في بطنِها (٦). قال أبو جعفرٍ: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾. يقولُ: نادَى آدمُ وحواءُ ربَّهما وقالا: يا ربَّنا، ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الصلاحِ الذي أقْسَم آدمُ وحواءُ، عليهما

стр. 7328

السلامُ، أنه إن آتاهما (١) في حملِ حواءَ لتَكُونَنَّ مِن الشَّاكرين؛ فقال بعضُهم: ذلك هو أن يكون الحَمْلُ غلامًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾. قال: غلامًا (٢). وقال آخرون: بل هو أن يكونَ المولودُ بشرًا سويًّا مِثلَهما، ولا يكونَ بهيمةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن زيدِ بن جبيرٍ الجُشَمِيِّ (٣). عن أبى البَخْتَرِيِّ، في قولِه: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. قال: أَشْفَقا أن يكونَ شيئًا دونَ الإنسانِ (٤). قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن زيدِ بن جُبيرٍ، عن أبي البَخْتَرِيِّ، قال: أشْفَقا أن لا يكونَ إنسانًا. قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: لَمَّا حَمَلَت امرأَةُ آدمَ فَأَثْقَلَتْ، [كَانَا يُشْفِقان] (٥) أن يكونَ بَهيمةً، فَدَعَوَا رَبَّهما: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا

стр. 7329

صَالِحًا﴾ الآية (١). قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، [عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: أشْفَقا أن يكونَ بهيمةً (٢). حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ] (٣)، قال: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ: لَمَّا هَبَط (٤) آدمُ وحواءُ، أُلْقِيت الشهوةُ في نفسِه فأصابَها، فليسَ إِلَّا أن أصابَها حَمَلَتْ، فليس إلا أن حَمَلَتْ تحرَّكَ في بطنِها ولدُها، [قالتْ: ما هذا] (٥)؟ فجاءَها إبليسُ، فقال (٦): أتَرَيْنَ في الأرضِ إلا ناقةً أو بقرةً أو ضائنةً (٧) أو ماعزةً؟ هو (٨) بعضُ ذلك. قالت: واللَّهِ ما منِّى شيءٌ إلا وهو يَضِيقُ عن ذلكَ. قال: فأطِيعِينِى وسَمِّيه عبدَ الحارثِ تَلِدِى شِبْهَكُما مِثْلَكما. قال: فذَكَرَتْ ذلك لآدمَ ﵇. فقال: هو صاحِبُنا الذي قد [أَخْرَجَنا من الجنةِ] (٩). فماتَ، ثم حَمَلَتْ بآخرَ، فجاءها فقال: أطِيعِينى وسَمِّيه عبدَ الحارثِ - وكان اسمُه في الملائكةِ الحارثَ - وإلَّا وَلَدتِ ناقةً أو بقرةً أو ضائنةً أو ماعزةً، أو قَتَلتُه، فإنى أنا قتلتُ الأوَّلَ. قال: فذَكَرَتْ ذلك

стр. 7330

لآدمَ، فكأنه لم يَكْرَهُه، فسَمَّتْه عبدَ الحارثِ، فذلك قولُه: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾. يقولُ: شِبْهنَا مِثْلَنَا. ﴿فَلَمَّاآتَيْتَنَا صَالِحًا﴾. قال: شِبْهَهما مِثْلَهما (١). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾، كَبِر الولدُ في بطنِها، جاءَها إبليسُ، فخَوَّفَها وقال لها: ما يُدرِيك ما في بطنِك؟ لعلَّه كلبٌ أو خِنزيرٌ أو حمارٌ، وما يُدْرِيكِ مِن أين يَخْرُجُ؛ مِنْ (٢) دُبُرِك فيَقْتُلَك، أو من قُبُلِك، أو يَنْشَقُّ بطنُك فيَقْتُلَك؟ فذلك حِيَن ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾. يقولُ: مِثْلَنَا - ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إِن اللَّهَ أَخْبرَ عن آدمَ وحواءَ، أنهما دَعَوَا اللَّهَ ربَّهما بحَمْلِ حواءَ، وأَقْسَما لئن أعْطاهما ما (٤) في بطنِ حواءَ صالحًا، ليَكُونَانِ للَّهِ مِن الشاكرين. والصَّلاحُ قد يَشْمَلُ معانىَ كثيرةً؛ منها الصلاحُ في اسْتِواءِ الخَلْقِ، ومنها الصلاحُ في الدِّينِ، والصلاحُ في العقلِ والتدبيرِ. وإذ كان ذلك كذلك، ولا خبرَ عن الرسولِ يُوجِبُ الحُجَّةَ بأنَّ ذلك على بعضِ (٥) معانِى الصلاحِ دونَ بعضٍ، ولا فيه مِن العقلِ دليلٌ - وَجَب أن يُعَمَّ كما عَمَّه اللَّهُ، فيقالَ: إنهما قالا: لئن آتَيْتَنا صالحًا. بجميعِ (٦) معاني الصلاحِ. وأما معنى قولِه: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فإنه: لَنَكونَنَّ مُمَّن يَشْكُرُك على ما وَهَبْتَ له مِن الولدِ صالحًا.

стр. 7331

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا رَزَقَهما اللَّهُ ولدًا صالحًا، كما سألَا، جعَلا له شركاءَ فيما آتاهما ورَزَقهما. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الشركاءِ التي جَعَلا (١) فيما أُوتِيا مِن المولودِ؛ فقال بعضُهم: جعَلا له شركاءَ في الاسمِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا عمرُ بنُ إبراهيمَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كانت حَوَّاءُ لا يعيشُ لها ولدٌ، فَنَذَرَتْ لئن عاش لها ولدٌ لَتُسمِّيَنَّه عبدَ الحارثِ، فعاش لها ولدٌ، فسَمَّتْه عبد الحارثِ، وإنَّما كان ذلك عن (٢) وَحْى الشيطانِ" (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمرٌ، عن أبيه، قال: ثنا أبو العلاءِ، عن سَمُرةَ بن جندبٍ أنه حدَّث أن آدمَ ﵇ سمَّى ابنَه عبدَ الحارثِ (٤).

стр. 7332

قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي العلاءِ بن الشِّخِّيرِ، عَن سَمُرَةَ بن جُندُبٍ، قال: سَمَّى آدمُ ابنَه عبدَ الحارثِ (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن داودَ بن الحُصَينِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت حواءُ تَلِدُ لآدمَ، فتُعَبِّدُهم للَّهِ، وتُسَمِّيه عبدَ اللَّهِ، وعُبَيدَ الله، ونحوَ ذلك، فيُصيُبهم الموتُ، فأتاها إبليسُ وآدمَ، فقال: إنكما لو تُسَمِّيانِه بغيرِ الذي تُسمِّيانه لَعاش. فوَلَدَتْ له رجلًا، فسمَّاه عبدَ الحارثِ، ففيه أَنْزَل اللَّهُ ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. إلى قولِه: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. إلى آخرِ الآيةِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه في آدمَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. إلى قولِه: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: فشَكَّتْ أَحَبِلَتْ أم لا، ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ الآية. فأتاهما الشيطانُ فقال: هل تَدْرِيان ما يُولَدُ لكما، أم هل تَدْرِيان ما يكونُ، أبهيمةً يكونُ (٣) أم لا؟ وزَيَّن لهما الباطلَ، إنه غَوِيٌّ مُبِينٌ. وقد كانتْ قبلَ ذلك وَلَدَتْ ولدَيْنِ فماتا، فقال لهما الشيطانُ: إِنَّكما إن لم تُسَمِّياه بى لم يَخْرُجْ سَوِيًّا ومات كما مات الأَوَّلانِ. فسَمَّيا ولدَهما عبدَ الحارثِ، فذلك قولُه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال

стр. 7333

ابن عباسٍ: لَمَّا وُلِد له أوَّلُ ولدٍ، أتاه إبليسُ فقال: إِنِّي سَأَنْصَحُ لك في شأنِ ولدِك هذا، تُسَمِّيه عبدَ الحارثِ. فقال آدمُ: أعوذُ باللَّهِ من طاعتِك - قال ابن عباسٍ: وكان اسمُه في السماءِ الحارثَ - قال آدمُ: أعوذُ باللَّهِ من طاعتِك، إنى أطَعْتُك في أكْلِ الشَّجرةِ، فأَخْرَجْتَنى مِن الجنةِ، فلن أُطِيعَك. فمات ولدُه، ثم وُلِد له بعدَ ذلك ولدٌ آخرُ، فقال: أطِعْنى وإلا مات كمامات الأوّلُ. فعصاه، فمات، فقال: لا أزالُ أقْتُلُهم حتى تُسمِّيَه عبدَ الحارثِ. فلم يَزَلْ به حتى سَمَّاه عبدَ الحارثِ، فذلك قولُه: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾؛ أَشْرَكَه في طاعتِه في غيرِ عبادةٍ، ولم يُشرِكْ باللَّهِ، ولكن أطاعَه. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا ...... (١)، عن هارونَ، قال: أخبرنا الزبيرُ بنُ الخِرِّيتِ، عن عِكْرِمَةَ، قال: ما أَشْرَك آدمُ ولا حواءُ، وكان لا يعيشُ لهما ولدٌ، فأتاهما الشيطانُ فقال: إن سَرَّكما أن يعيشَ لكما ولدٌ فسَمِّياه (٢) عبدَ الحارثِ. فهو قولُه: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾. قال: كان آدمُ ﵇ لا يولدُ له ولدٌ إلا مات، فجاءَه الشيطانُ فقال: إن سَرَّك أن يعيشَ ولدُك هذا، فسَمِّه (٣)

стр. 7334

عبدَ الحارثِ. ففَعَل، قال: فأشْرَكا في الاسمِ ولم يُشْرِكا في العبادةِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. ذُكِر لنا أنه كان لا يعيشُ لهما ولدٌ، فأتاهما الشيطانُ، فقال لهما: سَمِّياه (٢) عبدَ الحارثِ. وكان مِن وحى الشيطانِ وأمرِه، وكان شِركًا في طاعتِه (٣)، ولم يكنْ شركًا في عبادتِه (٤) (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: كان (٦) لا يعيشُ لآدمَ وامرأتِه ولدٌ، فقال لهما الشيطانُ: إذا وُلِد لكما ولدٌ، فسَمِّياه (٧) عبدَ الحارثِ. ففَعَلا وأطاعاه، فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ الآية (٨). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن سالمِ بن أبى حفصةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قولَه: ﴿أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾. إلى قولِه تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: لَمَّا حَمَلَتْ حواءُ في أوَّلِ ولدٍ وَلَدَتْه حِينَ أَثْقَلَتْ، أَتاها إبليسُ قبلَ

стр. 7335

أن تَلِدَ، فقال: يا حواءُ، ما هذا الذي في بطنِك؟ فقالت: ما أدرى. [فقال: مِن أينَ يَخْرُجُ؛ مِن أنفِكِ، أو من عينِك، أو مِن أُذُينِك؟ قالت: لا أدرى] (١). قال: أَرَأَيْتِ إن خرَج سليمًا، أَمُطِيعَتِى (٢) أنتِ فيما آمُرُك به؟ قالت: نعم. قال: سَمِّيه عبدَ الحارثِ. وقد كان يُسَمَّى إبليسُ الحارثَ. فقالت: نعم. ثم قالتْ بعدَ ذلك لآدمَ: أتانى آتٍ في النومِ فقال لى كذا وكذا. فقال: إن ذلك الشيطانُ، فَاحْذَرِيه؛ فإنه عَدُوُّنا الذي أَخْرَجَنا مِن الجنةِ. ثم أتاها إبليسُ، فأعاد عليها، فقالتْ: نعم. فلمَّا وَضَعَتْه أَخْرَجَه اللَّهُ سليمًا، فَسَمَّتْه عبدَ الحارثِ، فهو قولُه: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ وابنُ فُضيلٍ، عن عبدِ الملكِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قِيل له: أشْرَك آدمُ؟ قال: أعوذُ باللَّه أن أَزْعُمَ أن آدمَ أشْرَك، ولكنَّ حواءَ لَمَّا أَثْقَلَتْ، أتاها إبليسُ فقال لها: مِن أين يَخْرُجُ هذا؟ مِن أنفِك، أو مِن عينِك، أو مِن فِيكِ؟ فقَنَّطَها، ثم قال: أَرَأَيْتِ إن خَرَج سويًّا (٤) - زادَ ابن فُضيلٍ: لم يَضُرَّك ولمْ يَقْتُلْك - أتُطِيعيِنى؟ قالت: نعم. قال: فسَمِّيه عبدَ الحارثِ. فَفَعَلَتْ. زاد جريرٌ: فإنَّما كان شِرْكُه في الاسمِ (٥). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: فوَلَدَتْ غلامًا - يعنى حوّاءَ - فأتاها (٦) إبليسُ فقال: سَمُّوه عبدِى وإلا قَتَلْتُه.

стр. 7336

قال له آدمُ ﵇: قد أطعتُك وأَخْرَجْتَنِى مِن الجنةِ. فأبى أن يُطِيعَه، فَسَمَّاه عبدَ الرحمنِ، فسَلَّط اللَّهُ عليه إبليسَ فقَتَلَه، فحَمَلَتْ بآخرَ، فَلَمَّا وَلَدَتْه قال لها: سمِّيه عبدى وإلا قَتَلْتُه. قال له آدمُ: قد أطعتُك فأَخْرَجْتَنى مِن الجنةِ. فأبَى، فسَمَّاهُ صالحًا، فقَتَلَه. فلمَّا أن كان الثالثُ، قال لهما: [فإذ غلَبَتُمونِى] (١) فسَمُّوه عبدَ الحارثِ. وكان اسمَ إبليسَ، وإنما سُمِّي إبليسُ حينَ أَبْلَسَ، فعَنَوا (٢)، فذلك حيَن يقولُ اللَّهُ ﵎: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. يعنى في الأسماءِ (٣). وقال آخرون: بل المَعْنِيُّ بذلك رجلٌ وامرأةٌ من أهلِ الكفرِ من بنى آدمَ، جعَلا للَّهِ شركاءَ مِن الآلهةِ والأوثانِ حينَ رَزَقَهما ما رزَقهما من الولدِ. وقالوا: معنى الكلام: هو الذي خَلَقَكُم مِن نفسٍ واحدةٍ، وجعَل منها زوجَها ليسْكُنَ إليها، فلمَّا [تغشاها أيُّها] (٤) الرجلُ الكافرُ، حَمَلَتْ حملًا خفيفًا، فلمَّا أَثْقَلَتْ [دَعَوْتُما اللَّهَ ربَّكما] (٥). قالوا: وهذا مما ابْتُدِئ به الكلامُ على وجهِ الخطابِ، ثم رُدَّ إلى الخبرِ عن الغائبِ، كما قِيل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. وقد بيَّنَّا نظائرَ ذلك بشواهدِه (٦) فيما مضَى قبلُ.

стр. 7337

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [سهلُ بنُ يوسفَ] (١)، عن عمرٍو (٢)، عن الحسنِ: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. قال: كان هذا في بعضِ أهلِ المللِ، ولم يكنْ بآدمَ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: عنَى بهذا ذريةَ آدمَ؛ مَن أَشْرَك منهم بعدَه. يَعْنى قولَه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (٤). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: هم اليهودُ والنصارى، رَزَقَهم الله أولادًا فهوَّدوا ونَصَّروا (٥). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القولين بالصَّوابِ قولُ مَن قال: عنَى بقولِه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ في الاسمِ لا في العبادةِ، وأن المَعْنِيَّ بذلك آدمُ وحواءُ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن أهلِ التأويلِ على ذلك. فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ، إذ كان الأمرُ على ما وَصَفْتَ في تأويلِ هذه

стр. 7338

الآيةِ، وأن المعنيَّ بها آدمُ وحواءُ - في قولِه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أهو اسْتِنْكافٌ مِن اللَّهِ أن يكونَ له في الأسماءِ شريكٌ، أو في العبادةِ؟ فإن قلتَ: في الأسماءِ. دَلَّ على فسادِه قولُه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]. وإن قلتَ: في العبادةِ. قِيل لك: أفكان آدمُ أشْرَك في عبادةِ الله غيرَه؟ قيل له: إن القولَ في تأويلِ قولِه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ليسَ بالذي ظَنَنْتَ، وإنما القولُ فيه: فتعالى اللَّهُ عما يُشْرِكُ به مشركُو العربِ مِن عَبَدَةِ الأوثانِ. فأما الخبرُ عن آدمَ وحواءَ فقد انْقَضَى عندَ قولِه: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. ثم اسْتُؤْنف قولُه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: هذه فَصْلٌ مِن آيةِ آدمَ، خاصَّةٌ في آلهةِ العربِ (١). واخْتَلَفَت القَرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿شُرَكَاءَ﴾؛ فقَرَأ ذلك عامَّةُ قرأَةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ المكِّيين والكوفيِّين: [(جَعَلا لَهُ شِرْكًا). بكسرِ الشينِ، بمعنى الشَّرِكَةِ (٢). وقرَأه بعضُ المكِّيِّين وعامةُ قرأَةِ الكوفيين] (٣) وبعضُ البصريين: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾. بضَمِّ الشينِ، بمعنى جمعِ شَرِيكٍ (٤). وهذه القراءةُ أوْلَى القراءتين بالصوابِ (٥)؛ لأنَّ القراءةَ لو صحَّتْ بكسرِ

стр. 7339

الشينِ، لَوَجَب أن يكونَ الكلامُ: فلمَّا آتاهُما صالحًا، جعَلا (١) لغيرِه فيه شِركًا؛ لأن آدمَ وحواءَ لم يَدِينا بأنَّ ولدَهما مِن عَطِيَّةِ إبليسَ ثم يَجْعَلا للَّهِ فيه شِركًا؛ بتَسْمِيَتِهما (٢) إياه بعبدِ اللَّهِ، وإنما كانا يدِينان - لا شكَّ - بأن ولدَهما مِن رزقِ اللَّهِ وعطيَّتِه، ثم سَمَّياه عبدَ الحارثِ، فجعَلا لإبليسَ فيه شِرْكًا بالاسمِ. فلو كانت قراءةُ مَن قَرَأَ (شِرْكًا) صحيحةً؛ وَجَب ما قلنا مِن (٣) أن يكونَ الكلامُ: جعَلا لغيرِه فيه شِركًا، وفى نزولِ وحى اللَّهِ بقولِه: ﴿جَعَلَا لَهُ﴾ ما يُوضِحُ عن أنَّ الصحيحَ مِن القراءةِ؛ ﴿شُرَكَاءَ﴾ بضمِّ الشينِ، على ما بَيَّنتُ قبلُ. فإن قال قائلٌ: فإنَّ آدمَ وحواءَ إنما سَمَّيا ابْنَهما عبدَ الحارثِ، والحارثُ واحدٌ، وقولُه: ﴿شُرَكَاءَ﴾. جماعةٌ، فكيف وَصَفَهما جلَّ ثناؤُه بأنهما جعَلا له شركاءَ، وإنما أشْرَكا واحدًا؟ قيل: قدْ دَلَّلْنا فيما مضَى على أن العربَ تُخرِجُ الخبرَ عن الواحدِ، مُخْرَجَ الخبرِ الجماعةِ، إذا لم تَقْصِدْ واحدًا بعينِه ولم تُسَمِّه، كقولِه ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وإنما كان القائلُ ذلك واحدًا، فأَخْرَج الخبرَ مُخرجَ الخبرِ عن الجماعةِ، إذ لم يَقْصِدْ قَصْدَه. وذلك مُسْتَفِيضٌ في كلامِ العربِ وأشعارِها (٤). وأمَّا قولُه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فتنزيهٌ مِن اللَّهِ ﵎ نفسَه، وتعظيمٌ لها عما يقولُ فيه المُبْطِلون، ويَدْعون معه مِن الآلهةِ والأوثانِ. كما حدَّثنا القاسِمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ:

стр. 7340

﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: هو الإنْكافُ، أَنْكَفَ نَفْسَه جَلَّ وعزَّ - يقولُ: عَظَّم نفسَه - وأنْكَفَتْه الملائكةُ وما سَبَّحَ له (١). حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيَيْنَةَ، قال: سمعتُ صَدَقَةً يُحَدِّثُ عن السِّديِّ، قال: هذا مِن المَوْصولِ المُفَصَّلِ (٢)، قولُه: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. في شأنِ آدمَ وحواءَ (٣). ثم قال اللَّهُ ﵎: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: عما يُشرِكُ المشركون، ولم يَعْنِهِما (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أيُشْركون في عبادةِ اللَّهِ، فيَعْبُدون معه ما لا يَخْلُقُ شيئًا، واللَّهُ يخلقُها ويُنْشِئُها؟ وإنما العبادةُ الخالصةُ للخالقِ، لا للمخلوقِ. وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك بما. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، قال: وُلِد لآدمَ (٥) ولدٌ، فسَمَّاه (٦) عبدَ اللَّهِ، فأتاهما إبليسُ فقال: ما سَمَّيْتما يا آدمُ ويا حواءُ ابْنَكما؟ قال: وكان وُلِد لهما قبلَ ذلك ولدٌ، فَسَمَّياه عبدَ اللَّهِ، فماتَ. فقالا: سَمَّيْناه عبدَ اللَّهِ. فقال إبليسُ: أَتَظُنَّانِ أن اللَّهَ تاركٌ عبدَه عندَكُما، لا واللَّهِ لَيَذْهَبَنَّ به، كما

стр. 7341

ذَهَب بالآخَرِ، ولكنْ أدُلكما على اسمٍ يَبْقَى لكما ما بَقيتما فسَمِّياه عبدَ شمسٍ (١). قال: فذلك قولُ اللَّهِ ﵎: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. آلشمسُ تَخْلُقُ شيئًا حتى يكونَ لها عبد؟! إنما هي مخلوقةٌ، وقد قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "خَدَعَهما مَرَّتَيْن (٢)؛ خدَعهما في الجنةِ، وخدَعهما في الأرضِ" (٣). وقيل: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. فَأَخْرَج مَكْنِيَّهم مُخْرَجَ مَكْنِيِّ بنى آدمَ (٤)، وقد قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا﴾، فَأَخْرَج ذِكْرَهم بـ "ما" لا بـ "مَنْ" مُخرجَ الخَبرِ عن غيرِ بني آدمَ؛ لأنَّ الذي كانوا يَعْبُدونه إنما كان حَجَرًا أو خشبًا أو نُحاسًا، أو بعضَ الأشياءِ التي يُخْبَرُ عنها بـ "ما" لا بـ "مَنْ"، فقِيل لذلك: "ما". ثم قِيل: "وهم". فأُخْرِجَتْ كنايتُهم مُخرجَ كنايةِ بنى آدمَ؛ كان الخبرَ عنها بتعظيمِ المشركيَن إياها نظيرُ الخبِر عن تعظيمِ الناسِ بعضِهم بعضًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: أَيُشْرِكُ هؤلاء المشركون في عبادةِ اللَّهِ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا مِن خَلْقِ اللَّهِ، ولا يستطيعُ أن يَنْصُرَهم، إن أراد اللَّهُ بهم سوءًا، أو أَحَلَّ بهم عقوبةً، ولا هو قادرٌ إنْ أراد به سوءًا نَصْرَ نفسِه، ولا دَفْعَ ضُرٍّ عنها، وإنما العابدُ يَعْبُدُ ما يَعبُدُه، لاجْتِلابِ نفعٍ منه، أو لدفعِ ضُرٍّ منه عن نفسِه، وآلِهَتُهم التي يَعْبُدونَها [ويُشرِكونها] (٥) في عبادةِ اللَّهِ، لا تَنْفَعُهم ولا تَضُرُّهم، بل لا تَجْتَلِبُ

стр. 7342

إلى نفسِها نفعًا، ولا تَدْفَعُ عنها ضُرًّا، فهى مِن نفعِ غيرِ أنْفُسِها، أو دفعِ الضُّرِّ عنها، أبْعَدُ. يُعَجِّبُ ﵎ خَلْقَه مِن عظيمِ خطأَ هؤلاء الذين يُشْركون في عبادتِهم اللَّهَ غيرَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه في وصفِه وعيبِه ما يُشْرِكُ هؤلاء المشركون في عبادتِهم ربَّهم إياه: ومِن صِفَتِه أنكم أيُّها الناسُ إنْ تَدْعوهم إلى الطريقِ المستقيمِ والأمرِ الصحيحِ السَّديدِ، لا يَتَّبِعوكم؛ لأنها ليستْ تَعْقِلُ شيئًا، فتَتْرُكَ مِن الطَّرْقِ ما كان عن القَصْدِ مُنْعَدِلًا جائرًا، وتَرْكَبَ ما كان مستقيمًا سديدًا. وإنَّما أراد اللَّهُ جلَّ ثناؤُه بوَصْفِ آلهتِهم بذلك مِن صِفَتِها، تنبيهَهم على عظيمِ خطئِهم وقُبْحِ اخْتيارِهم. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فكيف يهديكم إلى الرشادِ مَن إن دُعِى إلى الرشادِ وعُرِّفَه، لم يَعْرِفْه، ولم يَفْهَمْ رشادًا مِن ضلالٍ، وكان سواءً دعاءُ داعيهِ إلى الرشادِ وسكوتُه؛ لأنه لا يَفْهَمُ، دعاءَه، ولا يَسْمَعُ صوتَه، ولا يَعْقِلُ ما يُقالُ له. يقولُ: فكيف يُعْبَدُ ما (١) كانت هذه صفتَه، أم كيف يُشْكِلُ عَظِيمُ جَهِلِ مَن اتَّخَذَ ما هذه صفتُه إلهًا؟ وإنَّما الرَّبُّ المعبودُ هو النافعُ مَن يَعْبُدُه، الضَّارُّ مَن يَعْصيه، الناصرُ وليَّه، الخاذِلُ عدوَّه، الهادى إلى الرشادِ مَن أطاعَه، السامعُ دعاءَ مَن دعاه. وقيلَ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾، فعطَف بقولِه: ﴿صَامِتُونَ﴾ وهو اسمٌ، على قولِه: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ وهو فعلٌ ماضٍ، ولم يَقُلْ: أمْ صمتُّمْ (٢). كما قال الشاعرُ:

стр. 7343

سَواءٌ عليك النَّفْرُ (١) أم بِتَّ ليلةً … بأَهْلِ القِبابِ مِن نُمَيْرِ بن عَامِرِ (٢) وقد يُنْشَدُ: أم أنت بائِتٌ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لهؤلاءِ المشركين مِن عبدةِ الأوثانِ، موبِّخَهمْ على عبادتِهم ما لا يضرُّهم ولا ينفعُهم من الأصنامِ: إن الذين تدعونَ أيُّها المشركونَ آلهةً من دونِ اللَّهِ، وتعبدونها شركًا منكمْ، وكفرًا باللَّهِ، عبادٌ أمثالُكمْ، يقولُ: هم أملاكٌ لربِّكمْ كما أنتم له مماليكُ، فإن كنتم صادقيَن أنها تضرُّ وتنفَعُ، وأنها تستوجبُ منكم العبادةَ لنفْعِها إياكُمْ، فلْيَستجِيبُوا لدعائِكم إذا دعَوْتُموهُم، فإن لم يَسْتَجيبُوا لكم لأنها لا تسمعُ دعاءَكُم، فأَيْقِنوا بأنّها لا تنفعُ ولا تضرُّ؛ لأن الضُّرَّ والنفعَ إنما يكونان مِمَّن إذا سُئل سمِع مسألةَ سائلِه (٣)، وأعطَى وأفضلَ؛ ومَن إذا شُكِىَ إليه مِن شيءٍ سمِع فضرَّ من استحقَّ العقوبةَ، [ونفَع مَن] (٤) لا يستوجبُ الضُّرَّ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه لهؤلاءِ الذين عبدوا الأصنامَ مِن دونِه، مُعرِّفهم جهلَ ما هُم عليه مقيمون، الِأصْنامِكم هذه أيُّها القومُ ﴿أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾. فيسعَونَ معكُم

стр. 7344

ولكُمْ في حوائجِكم، ويتصرفون بها في منافِعِكُم ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ فيدفعون عنكم وينصرونكم بها عند قصدِ من يقصدكم بشرٍّ ومَكروهٍ، ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ فيعرّفوكُم ما عاينوا وأبْصَروا مما تَغيبون عنه فلا تروْنه ﴿أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ فيخبروكُم بما سمعوا دونَكُم، مما لم تَسْمَعُوه، يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإن كانتْ آلهتكم التي تعبدونَها ليس فيها شيء من هذه الآلات التي ذكرتُها - والمعظم من الأشياء إنما يعظَّمُ لما يُرْجَى منه من المنافع التي توصل إليه بعضُ هذه المعاني عندكم - فما وجه عبادتكم أصنامكُم التي تعبدونها وهي خاليةٌ من كلِّ هذه الأشياء التي بها يُوصل إلى اجتلابِ النفع ودفعِ الضُّرِّ. وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنتم وهى (١)، ﴿فَلَا تُنظِرُونِ﴾. يقولُ: فلا تُؤخِّرون بالكيد والمكر، ولكن عجِّلُوا بذلكَ. يُعلِمُه جلَّ ثناؤُه بذلكَ أنهم لم يضرُّوه، وأنَّه قد عصمه منهم، ويُعرِّف الكفرةً به عَجْزَ أوثانهم عن نُصرَةِ مَن بغَى أولياءهم بسوء. القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد للمشركين من عبدة الأوثان: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ﴾. نصيرى ومُعينى وظَهِيرِى عليكم ﴿اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابِ﴾ عَلَيَّ بالحقِّ، وهو الذي يتولى من صلح عمله بطاعتِه مِن خلقه. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾.

стр. 7345

وهذا أيضًا أمْرٌ من الله جلَّ ثناؤُه نبيَّه (١) أن يقوله للمشركين، يقول (٢) تعالى: قلْ لَهم: إن الله نصيري وظهيري، والذين تَدعون أنتم أيها المشركون من دونِ الله من الآلهة، لا يستطيعونَ نصْرَكُم، ولا هم مع عجزهم عن نُصرتِكُم يقدرون على نصرة أنفسهم، فأى هذين أولى بالعبادة، وأحقُّ بالألوهةِ، أَمَنْ يَنصرُ وليَّه ويمنعُ نفسه ممن أرادَه، أم من لا يستطيعُ نصر وليه ويعجز عن منع نفسه ممن أرادَه وبَغاه بمكروهٍ؟! القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾. يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : قل للمشركين: وإن تدعُوا أيها المشركون آلهتكم إلى الهدَى، وهو الاستقامة إلى السداد، ﴿لَا يَسْمَعُوا﴾. يقولُ: لا يَسمَعُوا دعاءَكم، ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. وهذا خطابٌ من الله لنبيِّه ﷺ ، يقولُ: وترى يا محمدُ آلهتهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون، ولذلكَ وحَّدَ، ولو كان أمر النبي ﷺ بخطابِ المشركين لقال: وترونهم ينظرونَ إليكم. وقد رُوى عن السديِّ في ذلك ما حدثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. قال: هؤلاء المشركون (٣). وقد يحتمل قول السُّديِّ هذا أن يكون أراد بقوله: هؤلاء المشركون - قول الله

стр. 7346

﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾. وقد كان مجاهد يقولُ في ذلك ما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهد: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يبْصِرُونَ﴾ [ما تدعوهم إلى الهدَى] (١). وكأن مجاهدًا وجَّه معنى الكلام إلى أن معناه: وترى المشركين ينظرون إليك وهم لا يبصرون، فهو وجه، ولكن الكلام في سياق الخبرِ عن الآلهة فهو بوصفها أشبه. قال أبو جعفر: فإن قال قائلٌ: فما (٢) معنى قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾؟ وهل يجوزُ أن يكون شيءٌ ينظر إلى شيءٍ ولا يراه؟ قيلَ: إنَّ العرب تقول للشيءِ إذا قابل شيئًا أو حاذاهُ: هو ينظرُ إلى كذا. ويقال: مَنزلُ فلان ينظر إلى منزلى. إذا قابله. وحُكِى عنها: إذا أتيت موضع كذا وكذا، فنظر إليك الجبل، فخُذ يمينا أو شمالا. وحُدثت عن أبي عُبيد، قال: قال الكسائيُّ: الحائط ينظر إليك، إذا كان قريبا منك حيثُ تراهُ، ومنه قول الشاعرِ (٣): إِذَا نَظَرَتْ بِلادُ بَنِي تَمِيمٍ (٤) … بِعَيْنٍ أَوْ بِلادُ بَنِي صُباحِ

стр. 7347

يريدُ: تقابل نبتُها وعشبُها وتحاذَى. فمعنى الكلام وترى يا محمد آلهة هؤلاء المشركين من عبدة الأوثان، [يقابلونك ويحاذونك] (١)، وهم لا يبصرونَك؛ لأنَّه لا أبصار لهم. وقيل: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ ولم يُقَل: (وتراها)؛ لأنها صورٌ (٢) مصورّةٌ على صور بنى آدمَ. القول في تأويل قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾. اختلف أهل التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويله: خُذِ العفو من أخلاق الناسِ، وهو الفضل، وما لا يجهدهم. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسة، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ، عن مجاهد في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: من أخلاق الناسِ وأعمالهم بغيرِ تَحسُّسٍ (٣). حدثنا يعقوب وابن وكيع قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: عفْوَ أخلاق الناسِ، وعفْوَ أمورهم. حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى ابن أَبي الزِّنادِ، عن هشام بن عُرُوةَ، عن أبيه، في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية. قال عُروةُ: أمر الله رسوله ﷺ أن يأخذ العفوَ مِن أخلاقِ الناسِ (٤).

стр. 7348

حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عَن مَعمرٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن ابن [الزبير، قال: ما أنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ إلا في أخلاقِ الناسِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الآية (١). حدثنا ابن وكيع قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني عن مجاهد: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: من أخلاقِ الناس وأعمالهم بغيرِ تَحسُّسٍ (٢). قال (٣): ثنا أبو معاويةَ، عن هشام بن عروةَ، عن وهب بن كَيْسان، عن [ابن الزبير: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: من أخلاق الناسِ، والله لآخذنّه منهم صَحِبتهم (٤). قال (٣): ثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عُروة، عن ابن] (٥)، الزُّبَيرِ، قال: إنما أنزل الله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. من أخلاق الناسِ (٦).

стр. 7349

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: من أخلاق الناسِ وأعمالهم من غير تَجَسُّسٍ أو تَحَسُّسٍ، شَكَّ أبو عاصمٍ (١). وقال آخرون: بلْ معنى ذلك: خُذِ (٢) العَفْوَ من أموال الناس، وهو الفضلُ. قالوا: وأُمِر بذلك قبل نزول الزكاةِ، فلما نزلتِ الزكاةُ نُسِخ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. يعنى: خُذْ ما عفا لك من أموالهم، وما أتوْكَ به من شيءٍ فخُذْه، فكانَ هذا قبل أن تنزِلَ "براءةُ" بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت الصدقات إليه (٣). حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط السدى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. أمّا العفو: فالفضْلُ من المالِ، نسَختْها الزكاةُ (٤). حُدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. يقولُ: خُذْ ما عفا من أموالهم، وهذا قبل أن تنزل الصدقة المفروضَةُ (٥).

стр. 7350

وقال آخرون: بلْ ذلكَ أمْرُ من الله نبيَّه ﷺ بالعفوِ عن المشركين، وترْكِ الغِلظةِ عليهم قبل أن يُفرَضَ قتالهم عليه. ذِكرُ من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: أمره فأعرضَ عنهم عشْرَ سنينَ بمكَّةَ، قال: ثم أمَره بالغِلْظَة عليهم وأن يَقْعُدَ لهمْ كُلَّ مَرصدٍ وأن يَحْصُرَهُم، ثم قال: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلوةَ﴾ [التوبة: ٥]. الآية كلها، وقرأَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]. قال: وأَمَر المؤمنين بالغِلظة عليهم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مَّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]. بعد ما كانَ أمَرهُم بالعفو، وقرأ قولَ اللهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]. ثم لم يقبلْ منهم بعد ذلك إلا الإسلام أو القتل، فنسَخَتْ هذه الآيةُ العفو (١). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه الأقوال بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: خُذِ العفو من أخلاقِ الناس واتْركِ الغلظةَ عليهمْ. وقال: أُمِر بذلك نبيُّ الله ﷺ في المشركين. وإنما قلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنّ الله جل ثناؤُه أَتْبَعَ ذلك تعليمَه نبيَّه ﷺ مُحاجَّتَه المشركين في الكلام، وذلك قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]. وعقَّبه بقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [الأعراف: ٢٠٢ - ٢٠٣]. فما بين ذلكَ بأن يكون من تأديبه نبيَّه ﷺ في عِشْرتِهم به أشبهُ وأوْلَى من الاعتراض

стр. 7351

بأمرِه بأخذ الصدقة من المسلمين. فإن قال قائلٌ: أَفَمنسوخٌ ذلكَ؟ قيلَ: لا دَلالة عندنا على أنه منسوخٌ، إذ كان جائزًا أن يكونَ - وإن كان الله أنزله على نبيه ﵊ في تعريفه عِشْرَةَ من لم يُؤْمَرُ بقتاله من المشركين - مرادًا (١) به تأديب نبيِّ الله والمسلمين جميعًا في عِشرة الناسِ، وأمرُهم بأخْذِ عَفْوِ أخلاقِهم، فيكونَ - وإن كان من أجلهم نزَل - تعليمًا مِن الله خلْقَهُ صفةَ عِشْرة بعضهم بعضًا، لم يجب استعمالُ الغِلظةِ والشِّدة في بعضِهم، فإذا وجب استعمال ذلك فيهم، استعمل الواجبَ، فيكون قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أمرًا بأخذه ما لم يجبْ غيرُ العفو، فإذا وجب غيرُه، أخَذ الواجب وغير الواجب إذا أمكن ذلك، فلا (٢) يُحكَمُ على الآية بأنها منسوخة لما قد بينا ذلك في نظائره في غير موضع من كُتبنا. وأما قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. فإنّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله. فقال بعضُهم بما حدثنِي الحسنُ بنُ الزِّبْرِقانِ النَّخَعِيُّ، قال: ثنى حسينٌ الجعفيُّ، عن سفيان بن عيينة، عن رجل قد سمّاه، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يا جِبْرِيلُ ما هَذَا؟ " قال: ما أدرِى حتى أسألَ العالِمَ، قال: ثم قال جبريلُ: يا محمد إنّ اللَّهَ يَأْمرُكَ أَنْ تَصِلَ من قطعك، وتُعطِىَ من حرمك، وتَعفُوَ عمّن ظلمك. حدثني يونس (٣)، قال: أخبرنا سُفيانُ، عن أُميٍّ (٤)، قال: "لما أنزَل الله على نبيِّه

стр. 7352

ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال النبي ﷺ : "ما هذا يا جِبْرِيلُ"؟ قال: إن الله يأمرُك أن تعفو عمن ظلمك، وتُعطِيَ مَن حرمك، وتصلَ من قطَعك (١). وقال آخرون بما حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن هشامِ بن عُروة، عن أبيه: ﴿وَأْمُرُ بِالْعُرْفِ﴾. يقول: بالمعروف (٢). حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. قال: أمّا العرفُ: فالمعروف (٣). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: أي بالمعروف (٤). قال أبو جعفر: والصوابُ من القول في ذلك أن يقالَ: إِنَّ الله أمر نبيَّه ﷺ أن يأمرَ الناس بالعُرْفِ، وهو المعروفُ في كلام العرب، مصدر في معنى المعروف، يقالُ: أوليتُه عُرفًا (٥) وعارفًا وعارفةً. كلُّ ذلك بمعنى المعروف. فإذ كان معنى العُرفِ ذلكَ، فمن المعروفِ صلة رحم مَن قَطَع، وإعطاءُ مَن حرم، والعفو عمن ظلم، وكلُّ ما أمر الله به من الأعمال أو ندَب إليه، فهو من العُرْفِ، ولم يَخصُصِ اللَّهُ مِن

стр. 7353

ذلك معنى دونَ معنًى؛ فالحقُّ فيه أن يُقالَ: قد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف كله لا ببعض معانيه دونَ بعض. وأما قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾. فإنه أمر من الله تعالى نبيه ﷺ أن يُعرِضَ عمن جَهِل، وذلك وإن كان أمرًا مِن الله نبيَّه، فإنّه تأديبٌ منه عزّ ذكره لخلقه باحتمالِ من ظلمَهم أو اعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جَهل الواجب عليه من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجَهل وحدانيَّتِه وهو للمسلمين حَرْبٌ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾. قال: أخلاقٌ أمَر الله بها نبيه ﷺ ودلَّه عليها (١). القول في تأويل قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾. يعني جل ثناؤُه بقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾: وإِمَّا يُغضبنَّك من الشيطانِ غَضَبْ يَصُدُّكَ عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: فاستجِرْ باللَّهِ من نَزْغِه. ﴿إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾، يقولُ: إِنَّ الله الذي تستعيذُ به من نَزْغِ الشيطان سميع لجهل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نَزْغِه، ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيءٌ، عليمٌ بما يُذْهِبُ عنكَ نَزْغَ الشَّيطانِ، وغير ذلك من أمورِ خلقه.

стр. 7354

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾. قال رسول الله ﷺ : "فَكَيْفَ بالغَضَبِ يا رَبِّ" قال: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال (٢): علِمَ اللَّهُ أَن هذا العدوَّ مَنيعٌ (٣) ومَرِيدٌ (٤). وأصلُ النَّزغِ: الفسادُ، يُقالُ (٥): نزغ الشيطان بين القومِ، إذا أفسَد بينَهم، وحمَّل بعضهم على بعض، ويقال منه: نزَغَ يَنزَغُ، ونغَز ينغُرُ. القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ (٦) مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الله مِن خلقه، فخافوا عقابَه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه؛ ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا﴾. يقولُ: إذا ألمَّ بهم طَيْفٌ من الشيطانِ من غضبٍ أو غيره، مما يصدُّ (٧) عن واجب حقِّ الله عليهم (٨)، تذكروا عقاب الله وثوابه، ووعده ووعيده، وأبصَرُوا الحقَّ فعمِلُوا

стр. 7355

به، وانتهوْا إلى طاعة الله فيما فرَض عليهم، وتركوا فيه طاعة الشيطانِ. واختلفت القرأةُ في قراءةِ قوله: (طَيْفٌ)؛ فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والكوفة ﴿طَائِفٌ﴾ على مثالِ "فاعلٍ"، وقرأه بعض المكيِّين والبصريِّينَ والكوفيين (طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطانِ) (١). واختلف أهل العلم بكلام العرب في فرق ما بين الطائفِ والطَّيْف. فقال بعضُ البصريين: الطائف والطيف سواءٌ، وهو ما كان كالخيال (٢) والشيءُ يُلِمُّ بكَ. قال: ويجوز أنْ يكونَ الطيفُ مخفَّفًا عن طيِّفٍ مثل مَيتٍ ومَيِّتٍ. وقال بعضُ الكوفيين: الطائفُ، ما طافَ بك من وَسْوسةِ الشيطانِ. وأمَّا الطيفُ: فإنما هو من اللمم (٣) والمَسِّ. وقال آخرُ منهم: الطيفُ: اللَّممُ. والطائف: كلُّ شيءٍ طاف بالإنسان. وذُكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقولُ: الطيفُ: الوسْوسةُ. قال أبو جعفر: وأوْلَى القراءتين في ذلك عندِى بالصواب (٤) قراءة من قرَأه (٥): ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأنّ أهلَ التأويل تأوّلوا ذلك بمعنى الغضب أو (٦) الزَّلة تكون من المَطِيف به. وإذا كان ذلك معناه، كان معلومًا - إذ كان الطيفُ إنما هو مصدرٌ من قول القائل: طاف يَطِيفُ - أنّ ذلك خبرٌ من الله عما يمس الذين اتقوا من الشيطانِ، وإنّما يَمسُّهم ما طاف بهم من أسبابِه، وذلك كالغضبِ والوسوسةِ، وإنما
следующие страницы →