← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

بأمرِه بأخذ الصدقة من المسلمين. فإن قال قائلٌ: أَفَمنسوخٌ ذلكَ؟ قيلَ: لا دَلالة عندنا على أنه منسوخٌ، إذ كان جائزًا أن يكونَ - وإن كان الله أنزله على نبيه ﵊ في تعريفه عِشْرَةَ من لم يُؤْمَرُ بقتاله من المشركين - مرادًا (١) به تأديب نبيِّ الله والمسلمين جميعًا في عِشرة الناسِ، وأمرُهم بأخْذِ عَفْوِ أخلاقِهم، فيكونَ - وإن كان من أجلهم نزَل - تعليمًا مِن الله خلْقَهُ صفةَ عِشْرة بعضهم بعضًا، لم يجب استعمالُ الغِلظةِ والشِّدة في بعضِهم، فإذا وجب استعمال ذلك فيهم، استعمل الواجبَ، فيكون قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أمرًا بأخذه ما لم يجبْ غيرُ العفو، فإذا وجب غيرُه، أخَذ الواجب وغير الواجب إذا أمكن ذلك، فلا (٢) يُحكَمُ على الآية بأنها منسوخة لما قد بينا ذلك في نظائره في غير موضع من كُتبنا. وأما قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. فإنّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله. فقال بعضُهم بما حدثنِي الحسنُ بنُ الزِّبْرِقانِ النَّخَعِيُّ، قال: ثنى حسينٌ الجعفيُّ، عن سفيان بن عيينة، عن رجل قد سمّاه، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يا جِبْرِيلُ ما هَذَا؟ " قال: ما أدرِى حتى أسألَ العالِمَ، قال: ثم قال جبريلُ: يا محمد إنّ اللَّهَ يَأْمرُكَ أَنْ تَصِلَ من قطعك، وتُعطِىَ من حرمك، وتَعفُوَ عمّن ظلمك. حدثني يونس (٣)، قال: أخبرنا سُفيانُ، عن أُميٍّ (٤)، قال: "لما أنزَل الله على نبيِّه

стр. 7352

ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال النبي ﷺ : "ما هذا يا جِبْرِيلُ"؟ قال: إن الله يأمرُك أن تعفو عمن ظلمك، وتُعطِيَ مَن حرمك، وتصلَ من قطَعك (١). وقال آخرون بما حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن هشامِ بن عُروة، عن أبيه: ﴿وَأْمُرُ بِالْعُرْفِ﴾. يقول: بالمعروف (٢). حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. قال: أمّا العرفُ: فالمعروف (٣). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: أي بالمعروف (٤). قال أبو جعفر: والصوابُ من القول في ذلك أن يقالَ: إِنَّ الله أمر نبيَّه ﷺ أن يأمرَ الناس بالعُرْفِ، وهو المعروفُ في كلام العرب، مصدر في معنى المعروف، يقالُ: أوليتُه عُرفًا (٥) وعارفًا وعارفةً. كلُّ ذلك بمعنى المعروف. فإذ كان معنى العُرفِ ذلكَ، فمن المعروفِ صلة رحم مَن قَطَع، وإعطاءُ مَن حرم، والعفو عمن ظلم، وكلُّ ما أمر الله به من الأعمال أو ندَب إليه، فهو من العُرْفِ، ولم يَخصُصِ اللَّهُ مِن

стр. 7353

ذلك معنى دونَ معنًى؛ فالحقُّ فيه أن يُقالَ: قد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف كله لا ببعض معانيه دونَ بعض. وأما قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾. فإنه أمر من الله تعالى نبيه ﷺ أن يُعرِضَ عمن جَهِل، وذلك وإن كان أمرًا مِن الله نبيَّه، فإنّه تأديبٌ منه عزّ ذكره لخلقه باحتمالِ من ظلمَهم أو اعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جَهل الواجب عليه من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجَهل وحدانيَّتِه وهو للمسلمين حَرْبٌ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾. قال: أخلاقٌ أمَر الله بها نبيه ﷺ ودلَّه عليها (١). القول في تأويل قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾. يعني جل ثناؤُه بقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾: وإِمَّا يُغضبنَّك من الشيطانِ غَضَبْ يَصُدُّكَ عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: فاستجِرْ باللَّهِ من نَزْغِه. ﴿إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾، يقولُ: إِنَّ الله الذي تستعيذُ به من نَزْغِ الشيطان سميع لجهل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نَزْغِه، ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيءٌ، عليمٌ بما يُذْهِبُ عنكَ نَزْغَ الشَّيطانِ، وغير ذلك من أمورِ خلقه.

стр. 7354

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾. قال رسول الله ﷺ : "فَكَيْفَ بالغَضَبِ يا رَبِّ" قال: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال (٢): علِمَ اللَّهُ أَن هذا العدوَّ مَنيعٌ (٣) ومَرِيدٌ (٤). وأصلُ النَّزغِ: الفسادُ، يُقالُ (٥): نزغ الشيطان بين القومِ، إذا أفسَد بينَهم، وحمَّل بعضهم على بعض، ويقال منه: نزَغَ يَنزَغُ، ونغَز ينغُرُ. القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ (٦) مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الله مِن خلقه، فخافوا عقابَه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه؛ ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا﴾. يقولُ: إذا ألمَّ بهم طَيْفٌ من الشيطانِ من غضبٍ أو غيره، مما يصدُّ (٧) عن واجب حقِّ الله عليهم (٨)، تذكروا عقاب الله وثوابه، ووعده ووعيده، وأبصَرُوا الحقَّ فعمِلُوا

стр. 7355

به، وانتهوْا إلى طاعة الله فيما فرَض عليهم، وتركوا فيه طاعة الشيطانِ. واختلفت القرأةُ في قراءةِ قوله: (طَيْفٌ)؛ فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والكوفة ﴿طَائِفٌ﴾ على مثالِ "فاعلٍ"، وقرأه بعض المكيِّين والبصريِّينَ والكوفيين (طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطانِ) (١). واختلف أهل العلم بكلام العرب في فرق ما بين الطائفِ والطَّيْف. فقال بعضُ البصريين: الطائف والطيف سواءٌ، وهو ما كان كالخيال (٢) والشيءُ يُلِمُّ بكَ. قال: ويجوز أنْ يكونَ الطيفُ مخفَّفًا عن طيِّفٍ مثل مَيتٍ ومَيِّتٍ. وقال بعضُ الكوفيين: الطائفُ، ما طافَ بك من وَسْوسةِ الشيطانِ. وأمَّا الطيفُ: فإنما هو من اللمم (٣) والمَسِّ. وقال آخرُ منهم: الطيفُ: اللَّممُ. والطائف: كلُّ شيءٍ طاف بالإنسان. وذُكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقولُ: الطيفُ: الوسْوسةُ. قال أبو جعفر: وأوْلَى القراءتين في ذلك عندِى بالصواب (٤) قراءة من قرَأه (٥): ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأنّ أهلَ التأويل تأوّلوا ذلك بمعنى الغضب أو (٦) الزَّلة تكون من المَطِيف به. وإذا كان ذلك معناه، كان معلومًا - إذ كان الطيفُ إنما هو مصدرٌ من قول القائل: طاف يَطِيفُ - أنّ ذلك خبرٌ من الله عما يمس الذين اتقوا من الشيطانِ، وإنّما يَمسُّهم ما طاف بهم من أسبابِه، وذلك كالغضبِ والوسوسةِ، وإنما

стр. 7356

يطوفُ الشيطانُ بابن آدم ليستزلَّه عن طاعة ربِّه، أو ليوسوس له، والوسوسة والاستزلال هو الطائفُ من الشيطان، وأما الطيفُ فإنّما هو الخيالُ، وهو مصدرٌ مِن طافَ يَطيفُ، ويقولُ: لم أسمع في ذلك طافَ يَطيفُ، ويتأوّله بأنه بمعنى الميت وهو من الواو. وحكى البصريون وبعضُ الكوفيين سماعًا من العرب (١): طاف يطيفُ، وطِفتُ أَطِيفُ، وأنشدوا في ذلك (٢): أنّي أَلَمَّ بِكَ الخيَالُ يَطِيفُ … ومَطافُه لَكَ ذِكْرَةٌ وَشُعُوفُ (٣) وأما أهل التأويل، فإنهم اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضهم: ذلك الطائفُ: هو الغضبُ. ذِكرُ من قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ وابن وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفر، عن سعيد: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾. قال: الطيفُ: الغضبُ (٤). حدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهد في قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾. قال: هو الغضب (٥). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله بن رجاءٍ، عن ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن

стр. 7357

كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: الغضبُ (١). حدثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مَّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا﴾. قال: هو الغضب (٢). حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قولِ اللهِ: ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾. قال: الغضب. وقال آخرون: هو اللَّمة والزَّلةُ من الشيطانِ. ذِكرُ من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا﴾: و (٣) الطائف: اللَّمَّةُ من الشيطانِ ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (٤). حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾. يقولُ: نَزْغٌ من الشيطانِ، ﴿تَذَكَرُوا﴾ (٥).

стр. 7358

حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا﴾. يقولُ: إذا زَلُّوا تابُوا (١). قال أبو جعفر: وهذان التأويلانِ متقاربا المعنَى؛ لأن الغضب من استزلالِ الشيطانِ، واللَّمَّةُ من الخطيئة أيضًا منه، وكلُّ (٢) ذلك من طائف الشيطان. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه الخصوص معنًى منه دونَ معنى، بل الصواب أن يعُمَّ كما عمَّه جلّ ثناؤه، فيقالَ: إن الذين اتقوا إذا عرَض لهم عارضٌ من أسباب الشيطان - ما كان ذلك العارض - تذكروا أمرَ اللَّهِ، وانتهَوا إلى أمرِه. وأما قوله: ﴿فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ﴾. فإنه يعنى: فإذا هم مبصرون هدى الله وبيانه وطاعته فيه، فمنتهون (٣) عما دعاهم إليه طائف الشيطان. كما حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ﴾. يقول: إذا هم منتهون عن المعصيةِ، آخذون بأمرِ اللهِ، عاصونَ للشيطان (٤). القول في تأويل قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾. يقول تعالى ذكره: وإخوان الشياطين تمدُّهم الشياطين في الغَيِّ، يعنى بقوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾: يزيدونَهم، ثم لا [يَنقُصون عما نقص] (٥) عنه الذين اتقوا إذا مسَّهمْ

стр. 7359

طائفٌ من الشيطان. وإنما هذا خبرٌ من الله عن فريقَى الإيمان والكفرِ؛ بأن فريق الإيمان، وأهل تقوى الله إذا استزلَّهم الشيطان تذكَّروا عظمة الله وعقابه، فكفتهم رهبته عن معاصيه، وردَّتْهم إلى التوبة والإنابة إلى الله مما كان منهم من زلَّةٍ، وأن فريق الكافرين يَزيدُهم الشيطانُ غيًّا إلى غيِّهم إذا ركِبوا معصيةً من معاصي الله، ولا يحجزهم (١) تقوَى اللَّهِ، ولا خوفُ المعادِ إليه عن التمادى فيها والزيادة منها، فهو أبَدًا في زيادة من ركوبِ الإثم، والشيطان يزيده أبدًا، لا يُقصرُ الإنسى عن [شيء من] (٢) ركوبِ الفواحش، ولا الشيطان من مدِّهِ منه. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله (٣): ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيَّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ قال: لا الإنسُ يُقصِرون عما يعملون من السيئاتِ، ولا الشياطينُ تُمسِكُ عنهم (٤). حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. يقولُ: هم الجنُّ يُوحون إلى أوليائِهم من الإنسِ ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. يقولُ: لا يسأمون (٥).

стр. 7360

حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾: إخوانُ الشياطين من المشركينَ، يمدُّهم الشيطان في الغيِّ، ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال عبدُ الله بن كثيرٍ: وإخوانهم من الجنِّ، يمدّونَ إخوانهم من الإِنسِ، ﴿ثُمَّ لَا يُقصِرُونَ﴾. ويقولُ: ثم لا يُقصِرُ الإنسانُ. قال: والمدُّ الزيادةُ، يعنى: أهلَ الشركِ، يقولُ: لا يُقصرُ أهل الشركِ، كما يُقصِرُ الذين اتقَوا؛ لأنهم [لا يَرْعَرُون] (٢)، لا يحجزهم الإيمان (٣). قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾. من الشياطين ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾، اسْتِجْهالًا يمدوُّن أهل الشرك، قال ابن جريج: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. قال: فهؤلاءِ الإنسُ. يقولُ الله: ﴿وَإخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُم فِي الْغَيِّ﴾. حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنى محمد بن ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادة: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. قال: إخوانُ الشياطين يمدُّهم الشيطانُ (٤) في الغى ثم لا يُقْصِرون (٥). حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 7361

نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (١): ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾. من الشياطين ﴿يَمُدُّونَهم في الْغَيِّ﴾ استجهالًا (٢). وكان بعضُهم يتأوّلُ قولَه: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. بمعنى: ولا الشياطينُ يُقْصِرون في مدِّهم إخوانهم من الغيِّ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بن معاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ عنهم، ولا يرحمونهم (٣). قال أبو جعفر: وقد بينا أولى التأويلين عندنا بالصواب، وإنما اخترنا ما اخترنا من القولِ في ذلك على ما بيَّناه؛ لأن الله وصَف في الآية قبلها أهلَ الإيمان به، وارتداعَهم عن معصيته وما يكرهُه إلى محبته عند تذكُّرِهم عظمته، ثم أتبع ذلك الخبرَ عن إخوان الشياطين، وركوبهم معاصيه، وكان الأولى وصفهم بتماديهم فيها؛ إذ كان عقيب الخبر عن تقصير المؤمنين عنها. وأمَّا قولُه: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾، فإن القرَأةَ اختلفت في قراءته؛ فقرأه بعضُ المدنيين (يُمدُّونَهُم) بضمِّ الياء من أَمْدَدْتُ، وقرأته عامة قرأة الكوفيين والبصريِّين ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ بفتح الياء من مدَدت (٤).

стр. 7362

قال أبو جعفر: والصوابُ من القراءة في ذلك عندنا ﴿يَمُدُّونَهم﴾ بفتحِ الياءِ؛ لأن الذي يمدّ الشياطين (١) إخوانَهم من المشركين، إنما هو زيادةٌ من جنسِ الممدودِ، وإذا كان الذي مدَّ من جنس الممدود كان كلام العربِ مَدَدْتُ لا أمدَدْت. وأما قوله: ﴿يُقصِرُونَ﴾. فإن القرَأَةَ على لغة من قال: أَقَصْرتُ أُقْصِرُ. وللعربِ فيه لغتان: قصرتُ عن الشيء، وأقْصَرتُ عنه. القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكره: وإذا لم تأتِ يا محمد هؤلاء المشركين بآية [من الله] (٢)، ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. يقولُ: قالوا: هلا اخترتها واصطفيتها، من قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُسُلِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. يعنى: يختارُ ويصطفى. وقد بيَّنا (٣) ذلك في مواضعه (٤) بشواهده (٥). ثم اختلف أهلُ التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: هلَّا افتعَلْتَها من قِبَلِ نفسك واختلَقْتَها؟ بمعنى: هلا اجتبيتها اختلاقًا؟ كما تقولُ العرب: لقد اختار فلان هذا الأمر وتخيَّره اختلاقًا. ذكرُ من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهم بآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. أي: لولا أتيتنا بها من قبل نفسك. هذا قول كفار

стр. 7363

قريشٍ (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ الله بن كثيرٍ، عن مجاهد قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْنَهَا﴾. قالوا: لولا اقتضَبْتَها (٢). قالوا: تُخْرِجُها من نفسك (٣). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. قالوا: لولا تقوَّلتَها، جئت بها من عندِك (٤). حدثني المثنى، قال: ثنى عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. يقولُ: لولا تلقَيْتَها. وقال مرةً أخرى: لولا أحدثْتها فأنشأْتها (٥). حدثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْنَهَا﴾. يقولون (٦): لولا أحدثتها (٧). حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. قال: لولا جئت بها من نفسك (٨).

стр. 7364

وقال آخرون: معنى ذلك: هلّا أخذتَها من ربِّك، وتقبلتها منه. ذِكرُ من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾، يقول: لولا تقبلتها من الله (١). حدثنا محمد بن عبد الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن مَعمر، عن قتادةَ: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. يقول: لولا تقبَّلْتَها (٢) من ربِّك (٣). حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقول في قوله: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. يقول: لولا أخذتها أنت، فجئت بها من السماء (٤). قال أبو جعفر: وأوْلَى التأويلين بالصوابِ في ذلك، تأويلُ مَن قال: تأويلُه؛ هلَّا أحدثتها من نفسِك؛ لدلالة قولِ اللَّهِ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يُبيِّنُ ذلك أن الله إنما أمَر نبيه ﷺ بأن يجيبَهم بالخبرِ عن نفسِه أنه إنما يتبع ما يُنَزِّلُ عليه ربُّه ويوحيه إليه، لا أنه يُحدِثُ من قِبَل نفسِه قولًا ويُنشِئُه، فيدعو الناس إليه. وحكى عن الفراء أنه كان يقول (٥): اجتبيتُ الكلام واختلفته وارتجلتُه: إذا افتعلته من قبل نفسك. حدثني بذلك الحارث، قال: ثنا القاسم عنه.

стр. 7365

قال أبو عُبيدٍ، وكان أبو زيدٍ يقولُ: إنما تقولُ العرب ذلك للكلام يَبتَدِئُه (١) الرجلُ لم يكن أعدَّه قبل ذلك في نفسه (٢). قال أبو عبيد (٣): واخترعته (٤) مثل ذلك (٢). القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد للقائلين لك إذا لم تأتهم بآيةٍ: هلّا أحدثتها من قبل نفسك: إن ذلك ليس لِي، ولا يجوز لي فِعْلُه؛ لأن الله إنما أمرنى باتِّباع ما يُوحى إليَّ من عنده، فإنما أتبع ما يوحَى إليّ من ربِّي؛ لأنى عبده، وإلى أمرِه أَنتَهى، وإيَّاه أُطيعُ، ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: هذا القرآن والوحى الذي أتلوه عليكم - ﴿بَصَائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: حُججٌ عليكم، وبيان لكم من ربِّكم، واحدتها: بصيرةٌ، كما قال جل ثناؤه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠]. وإنما ذكر هذا ووحَّد في قولِه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾. لما وصفتُ من أنه مراد به القرآن والوحىُ. وقوله: ﴿وَهُدًى﴾. يقولُ: وبيانٌ يهدى المؤمنين إلى الطريق المستقيم، ورحمةٌ رَحِمَ الله به عبادَه المؤمنين، فأنقذهم به من الضلالةِ والهَلَكَةِ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: هو بصائرُ من الله وهدى ورحمةٌ لمن آمن، يقولُ: لمن صدَّقَ بالقرآن أنه تنزيل الله ووحيه، وعمل بما فيه دونَ مَن كذَّبَ به وجحدَه، وكفرَ به، بلْ هو على الذين لا يؤمنون به غمٌّ وخِزْىٌ.

стр. 7366

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾. يقولُ تعالى ذكره للمؤمنين به، المصدّقينَ بكتابه، الذين القرآن لهم هدى ورحمةٌ: ﴿إِذَا قُرِئَ﴾ عليكم أيها المؤمنون ﴿الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾. يقولُ: أَصغُوا له سمعَكم لتتفهَّموا آياتِه، وتعتبروا بمواعظِه، وأنصتوا إليه لتعقلُوه وتدبروه (١)، ولا تلغوا فيه فلا تعقلوه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: ليرحمكُمْ ربُّكُم بالعاظِكم بمواعظه، واعتباركم بعبره، واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آيِه. ثم اختلف أهل التأويل في الحالِ التي أمر الله بالاستماع لقارئ القرآن إذا قرَأ والإنصات له؛ فقال بعضهم: ذلك حال كون المصلِّي في الصلاة خلف إمام يأتمٌّ به، وهو يسمعُ قراءة الإمام، عليه أن يستمع (٢) لقراءتِه، وقالوا: في ذلك نزلت (٣) هذه الآية. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن عاصمٍ، عن المسيب بن رافعٍ، قال: كان عبد الله يقولُ: كنا يُسلِّمُ بعضنا على بعض في الصلاةِ؛ سلامٌ على فلانٍ، وسلامٌ على فلان، قال: فجاءَ القرآنُ: ﴿وَإِذَا قُرئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (٤).

стр. 7367

قال: ثنا حفصُ بن غِياثٍ، عن إبراهيم الهجريِّ، عن أبي عياض، عن أبي هريرة، قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾. والآية الأخرى أُمروا بالإنصات (١). حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن الزهريِّ، قال: نزلت هذه الآية في فتًى من الأنصار كان رسول الله ﷺ كلما قرأ شيئًا قرَأَهُ، فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (٢). حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربِيُّ، عن داود بن أبي هندٍ، عن يُسَيْرِ (٣) بن جابرٍ، قال: صلَّى ابن مسعودٍ فسمع ناسًا يقرءُون مع الإمام، فلما انصرف، قال: أما آن لكم أن تفقهوا؟ أما آن لكم أن تعقِلوا: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾، كما أمركم الله (٤). حدثنا حميد بن مَسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا الجُريريُّ، عن طلحةَ بن عُبيدِ اللهِ بن كريزٍ، قال: رأيتُ عُبيد بن عُميرٍ وعطاء بن أبي رباحٍ يتحدثان، والقاصُّ يقصُّ، فقلتُ: ألا تستمعان (٥) إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرَا إليَّ ثم أقبلا على حديثهما. قال: فأعدتُ، فنظرا إليَّ، ثم أقبلا على

стр. 7368

حديثهما. قال: فأعدتُ الثالثةَ، قال: فنظرًا إليَّ، فقالا: إنما ذلك في الصلاةِ، ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (١). حدَّثني العباسُ بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعيَّ، قال: ثنا عبد الله بن عامرٍ، قال: ثنى زيد بن أسلمَ، عن أبيه، عن أبي هريرة عن هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: نزلت في رفْعِ الأصوات، وهم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة (٢). حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصَّلاةِ (٣). حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديٍّ، عن رجل، عن قتادة، عن سعيدِ بن المسيَّبِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصلاة (٤). حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصلاة (٥). حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمعتُ

стр. 7369

حميدًا الأعرجَ، قال: سمعتُ مجاهدًا يقولُ في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصلاةِ. قال: ثنى عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا حميد، عن مجاهدٍ بمثله. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ وابن إدريسَ، عن ليث، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصلاة المكتوبة. قال: ثنا المحاربيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهد، وعن حجاج، عن القاسم بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهد، وعن ابن أبي ليلى، عن الحكمِ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصلاة المكتوبة (١). قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد: في الصلاة المكتوبة (٢). قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ليث، عن مجاهدٍ مثلَه. قال: ثنا المحاربيُّ وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك قال: في الصلاة المكتوبة (٣). قال: ثنا جرير وابن فُضيلٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، قال: في الصلاة المكتوبة (٤). حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: كانوا يتكلمون في صلاتهم

стр. 7370

بحوائِجِهم أوّلَ ما فُرضت عليهم، فأنزل الله ما تسمعون: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (١). حدثنا محمد بن عبد الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: كان الرجل يأتى وهم في الصلاة فيسألُهم: كم صليتم؟ كم بقى؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (٢). وقال غيره: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنارِ، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرَآنُ﴾ (٣). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ والمحاربيُّ، عن أشعثَ، عن الزهريِّ، قال: كان النبي ﷺ يقرأُ ورجلٌ يقرأُ، فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (٤). قال: ثنا أبو خالد الأحمرُ، عن الهَجَريِّ، عن أبي عياض، عن أبي هريرةَ، قال: كانوا يتكلمون في الصلاةِ، فلما نزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: هذا في الصلاة (٥). قال: ثنا أبى، عن حُريثٍ (٦)، عن عامرٍ، قال: في الصلاة المكتوبةِ (٧).

стр. 7371

حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: إذا قُرئَ في الصلاة (١). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾. يعني: في الصلاة المفروضة (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا الثوري، عن أبى هاشمٍ، عن مجاهد، قال: هذا في الصلاة في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (٣). قال (٤): أخبرنا الثوري، عن ليث، عن مجاهدٍ، أنه كره إذا مرَّ الإمام بآية خوفٍ أو بآية رحمةٍ أن يقول أحدٌ مِمن (٥) خلفه شيئًا، قال: السكوت (٦). قال: أخبرنا الثورى، عن ليث، عن مجاهد، قال: لا بأسَ إذا قرأ الرجلُ في غير الصلاة أن يتكلم (٧). حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قال: هذا إذا قام الإمامُ للصلاة فاستمعوا له وأنصتوا (٨).

стр. 7372

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يونسَ، عن الزهريِّ، قال: لا يُقرأ من وَراءِ الإمامِ فيما يجهر به من (١) القراءةِ، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يُسْمِعْهُم (٢) صوته، ولكنهم يقرءون فيما لا (٣) يجهر به سرًّا في أنفسِهم، ولا يصلح لأحدٍ خلفه أن يقرأ معه فيما يجهرُ به سرًّا ولا علانيةً، قال الله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَم وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤). حدثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن ابن هُبيرَة، عن ابن عباسٍ، أنه كان يقولُ في هذه: ﴿وَاذْكُر ربَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾. هذا في المكتوبةِ. وأما ما كان من قَصَص أو قراءة بعد ذلك، فإنما هي نافلةٌ، إن نبي الله ﷺ قرأ في صلاة مكتوبةٍ، وقرأ أصحابه وراءه فخلطوا عليه، قال: فنزل القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾. فهذا في المكتوبة. وقال آخرون: بل عُنى بهذه الآية الأمرُ بالإنصات للإمام في الخطبة إذا قُرئَ القرآن في خطبة. ذكر من قال ذلك حدثنا تميمُ بن المنتصرِ، قال: ثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن شريك، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. قال: الإنصاتُ للإمام يومَ الجمعةِ.

стр. 7373

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالد وابن أبي غَنِيَّةَ (١)، عن العوامِ، عن مجاهد، قال: في خطبة يوم الجمعة (٢). وقال آخرون: عُنى بذلك الإنصاتُ في الصلاة وفي الخطبة. ذِكرُ من قال ذلك حدثني ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعتُ إبراهيم بن أبي حرَّةَ (٣)، يُحدَّثُ أنه سمع مجاهدا يقولُ في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة (٤). حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارون، عن عَنْبَسةَ، عن جابر، عن عطاء، قال: وجَب الصُّموتُ في اثنتين: عندَ الرجل يقرأُ القرآن وهو يصلى، وعند الإمام وهو يَخطُبُ. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابر، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾. قال: وجَب الإنصات (٥) في اثنتين: في الصلاةِ والإمامُ يَقرأُ، والجمعة والإمامُ يَخطب (٦).

стр. 7374

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين: قال هشيم: أخبرنا من سمع الحسن يقولُ: في الصلاة المكتوبة، وعند الذكر (١). حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا الثورى، عن جابر، عن مجاهد، قال: وجَب الإنصاتُ في اثنتين: في الصلاة ويوم الجمعة (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن بقيةَ بن الوليدِ، قال: سمعتُ ثابت بن عجلان يقولُ: سمعتُ سعيد بن جبير يقولُ في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. قال: الإنصاتُ يومَ الأضحَى، ويوم الفطر، ويومَ الجمعةِ، وفيما يجهر به الإمامُ من (٣) الصلاة (٤). حدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ (٥)، قال: أخبرنا هشيم، عن الربيع بن صُبيح عن الحسن، قال: في الصلاة، وعند الذكر (٦). حدثنا ابن البرقيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، قال: ثنى ابن جريجٍ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، قال: أوْجَبَ الإنصات يومَ الجمعةِ قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُمْ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وفى

стр. 7375

الصلاة مثل ذلك (١). قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: أُمروا باستماع القرآن في الصلاةِ إذا قرأ الإمامُ، وكان من خلفه ممن يأتم به يَسْمَعُه، وفي الخطبة. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إِذَا قرأ الإمامُ فأنْصِتوا" (٢). وإجماع الجميع على أن مَن سَمِع خطبة الإمامِ ممن عليه الجمعة، الاستماع والإنصاتُ لها، مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك عن رسول الله ﷺ ، وأنَّه لا وقتَ يجبُ على أحدٍ استماعُ القرآنِ والإنصات لسامعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين، على اختلاف في إحداهما، وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به. وقد صح الخبر عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا من قوله: "إذا قرأ الإمام فأَنْصِتُوا". فالإنصاتُ خلفه لقراءته واجبٌ على مَن كان به مؤتمًا سامعا قراءته بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ . القولُ في تأويل قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾. يقول تعالى ذكره: واذكر أيها المستمِع المنصتُ للقرآن، إذا قُرى في صلاةٍ أو خطبة - ﴿رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾. يقولُ: اتعِظْ بما في آي القرآنِ، واعتبر به،

стр. 7376

وتذكَّرْ معادَك إليه عند سماعكه. ﴿تَضَرُّعًا﴾، يقول: افعل ذلك تخشُّعًا لله، وتواضعًا له. ﴿وَخِيفَةً﴾، يقول: وخوفًا [من الله] (١) أن يعاقبَك على تقصير يكونُ منك في الاتعاظ به والاعتبارِ، وغفلةٍ عما بَيَّنَ اللَّهُ فيه من حدودِه، ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، يقولُ: ودعاءٌ باللسانِ للهِ في خفاءٍ لا جهارٍ. يقولُ: ليكن ذكرُ اللَّهِ عند استماعك القرآنَ في دعاء إن دعوت غير جهارٍ، ولكن في خفاء من القول. كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. لا يجهرُ بذلك (٢). حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعتُ مجاهدا يقول في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الآية، قال: أُمِرُوا أن يذكروه في الصدور تضرعا وخيفةً (٣). حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا ابن التّيمى، عن أبيه، عن حيانَ بن عُميرٍ، عن عُبيدِ بن عُمير في قوله: ﴿وَاذكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾. قال: يقول الله: إذا ذكرني عبدى في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني عبدى وحده ذكرتُه وحدى، وإذا ذكرني في ملأ ذكرتُه في أحسن منهم وأكرم" (٤).

стр. 7377

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾. قال: يُؤمر بالتضرُّع في الدعاء والاستكانة، ويُكرَهُ رفعُ الصوت والنداء والصياحِ بالدعاء (١). وأما قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالأصَالِ﴾. فإنه يعنى: بالبُكْرِ والعَشِيَّاتِ. وأما الأصال فجمعٌ. واختلف أهل العربية فيها؛ فقال بعضُهم: هي جمع أصيلٍ، كما الأيمانُ جمعُ يمين، والأسرارُ جمعُ سَريرٍ. وقال آخرون منهم: هي جمع أُصُلٍ، والأصل جمع أصيلٍ (٢). وقال آخرون منهم: هي جمعُ أُصل وأصيل (٣). قال: وإن شئت جعلت الأصل جمعًا للأصيل، وإن شئت جعلته واحدا. قال: والعرب تقول: قد دَنا الأصل. فيجعلونه واحدًا. وهذا القولُ أولى بالصواب في ذلك، وهو أنه جائز أن يكون جمع أصيلٍ وأُصل؛ لأنهما قد يُجمعان على أفعال. وأما الآصالُ فهى فيما يقالُ في كلام العرب ما بين العصر إلى المغرب. وأما قوله: ﴿وَلَا تَكُن مِنَ الْغَافِلِينَ﴾. فإنه يقولُ: ولا تكن من اللاهين إذا قرئ القرآنُ عن عظاتِه وعِبَره، وما فيه من عجائبه، ولكن تدبَّر ذلك وتفهَّمه، وأشعره قلبك [بذكرِ اللهِ] (٤) وخُضوع له، وخوف من قدرة الله

стр. 7378

عليك إن أنت غَفَلتَ عن ذلك. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالأصَالِ﴾. قال: بالبُكْرِ والعَشِيِّ، ﴿وَلَا تَكُن مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (١). حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مُعَرِّفُ بنُ واصلِ السَّعدى، قال: سمعت أبا وائل يقولُ لغلامه [عند مغيب الشمس] (٢): آصَلْنا بعدُ (٣)؟. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهدٌ، قوله: ﴿وَلَا تَكُن مِنَ الْغَافِلِينَ﴾. قال: الغدوُّ: آخرُ (٤) الفجرِ صلاة الصبح، والآصال: آخرُ العَشِيِّ صلاة العصر، قال: وكلُّ ذلك لها وقتٌ، أوّلُ الفجر وآخره، وذلك مثل قوله في سورة آل عمران: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ آل عمران: ٤١]. وقيل: العشِيُّ: ميل الشمس إلى أن تغيبَ، والإبكارُ: أولُ الفجر (٥). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن محمد بن شريكٍ، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، سُئل عن صلاة الفجرِ، فقال: إنها لفى كتاب الله، ولا يقوم عليها، ثم قرأ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ الآية [النور: ٣٦]. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد (٦)، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ إلى قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. أمر الله بذكره،

стр. 7379

ونهَى عن الغفلةِ. أما ﴿بِالْغُدُوِّ﴾: فصلاة الصبح، ﴿وَالْأَصَالِ﴾: بالعَشِيِّ (١). القولُ في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾. يقول تعالى ذكره: لا تَستَكبر أيها المستَمِعُ المنصتُ للقرآن عن (٢) عبادة ربك، واذكره إذا قُرئَ القرآنُ تَضَرُّعًا وخيفةً، ودون الجهر من القول، فإن الذين عند ربِّك من ملائكته لا يستكبرون عن التواضع له والتَّخَشُّع، وذلك هو العبادةُ. ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾. يقولُ: ويعظمون ربَّهم بتواضعهم له وعبادتهم، ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾. يقولُ: واللَّهِ يُصلُّون، وهو سجودهم، فصلوا أنتم أيضًا له، وعظِّموه بالعبادة كما يفعله من عندَه مِن ملائكته.

стр. 7380

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر القول في تفسير السورة التي يُذكر فيها الأنفال القول في تأويل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. اختلف أهل التأويل في معنى الأنفال التي ذكرها الله في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هي الغنائم. وقالوا: معنى الكلام: يسألك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي غَنِمتَها أنت وأصحابك يوم بدر لمن هي؟ فقلْ: هي لله ولرسوله. ذكرُ من قال ذلك حدثنا ابن وكيع (١)، قال: ثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن زيد، عن عكرمةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: الأنفالُ الغنائم (٢). حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى،، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: الأنفالُ الغنائم (٣). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: الأنفالُ المغنم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمرُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ:

стр. 7381

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: الغنائم (١). حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿الْأَنْفَالِ﴾. قال: يعني الغنائم. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: الأنفالُ الغنائم (٢). حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. [والأنفال] (٣) الغنائم. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: الأنفالُ الغنائم (٤). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الأنفال الغنائم (٥). حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن جُريجٍ، عن عطاء: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: الغنائمُ (٦). وقال آخرون: هي أنفالُ السَّرايا.

стр. 7382

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عليُّ بن صالح بن حيٍّ، قال: بلغنى في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: السَّرايا (١). وقال آخرون: الأنفال ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو دابَّة أو (٢) ما أشبه ذلك. ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن عبد الملكِ، عن عطاء في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: هو ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتالٍ؛ دابَّةٌ أو عبد أو متاعٌ، ذلك للنبي ﷺ يصنع فيه ما شاء (٣). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن عبد الملك، عن عطاء: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: هي ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو أمة أو متاعٍ أو نَفَل (٤)، فهو للنبي ﷺ يصنع فيه ما شاء (٥). قال: ثنا عبد الأعلى، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أن ابن عباس سُئل عن الأنفال،

стр. 7383

فقال: السلب والفرسُ. حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ويقال: الأنفالُ ما أُخِذ مما سقط من المتاعِ بعدما تُقسم الغنائم، فهي نَفَلٌ لله ولرسوله. حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريج: أخبرني عثمان بن أبي سليمانَ، عن محمد بن شهاب، أن رجلا قال لابن عباس: ما الأنفالُ؟ قال: الفرسُ، [الدِّرع، الرمح] (١). حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: قال ابن جُريجٍ: قال عطاءٌ: الأنفال: الفرسُ الشاذُّ، والدِّرعُ، والثوبُ. حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمر، عن الزهريِّ، عن ابن عباس، قال: كان يُنفَّلُ الرجلُ [سلَبَ الرجل وفرَسَه] (٢). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهابٍ، عن القاسم بن محمدٍ، قال: سمعت رجلا سأل ابن عباس عن الأنفالِ، فقال ابن عباس: الفرسُ من النَّفَل، والسَّلَبُ من النفَلِ. ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضًا، ثم قال الرجلُ: الأنفالُ التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يُخْرِجُه (٣)، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَلُ هذا؟

стр. 7384

مَثَلُ صَبِيغٍ الذي ضرَبه عمر بن الخطاب ﵁ (١). حدثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن الزهرى، عن القاسم بن محمد، قال: قال ابن عباس: كان عمر ﵁ إذا سُئل عن شيءٍ قال: لا آمرُك ولا أنهاكَ. ثم قال ابن عباس: واللَّهِ ما بَعَثَ اللَّهُ نبيَّه ﵇ إلا زاجرًا أمرًا مُحِلًّا (٢) محرِّمًا. قال القاسم: فسُلِّط على ابن عباس رجلٌ يسأله عن الأنفال، فقال ابن عباسٍ: كان الرجلُ يُنَفَّلُ فرسَ الرجل وسلاحَه، فأعادَ عليه الرجلُ، فقال له مثل ذلك، ثم أعادَ عليه حتى أغْضَبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَلُ هذا؟ مَثَلُ صَبِيغٍ الذي ضرَبه عمر حتى سالت الدماء على عِقبيْه، أو على رجليه. فقال الرجلُ: أمّا أنت فقد انتقم اللَّهُ لعمر منك (٣). حدثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن المباركِ، عن عبد الملك، عن عطاء: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: يسألونك فيما شذَّ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابَّةٍ أو عبدٍ (٤)، فهو نفَلٌ للنبي ﷺ (٥). وقال آخرون: النفَلُ: الخُمُسُ الذي جعله الله لأهلِ الخُمُسِ.

стр. 7385

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. قال: هو الخُمُسُ، قال المهاجرون: لِمَ يُرفَعُ عنا (١) هذا الخُمُسُ؟ لم يُخرج منا؟ فقال الله: هو لله والرسول (٢). حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبادُ بنُ العوَّامِ، عن الحجاجِ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، أنهم سألوا النبيَّ ﷺ عن الخمس بعد الأربعة الأخماسِ، فنزلتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ (٣). قال أبو جعفر: وأوْلى هذه الأقوال بالصواب في معنى الأنفال قولُ مَن قال: هي زياداتٌ يزيدُها الإمامُ بعض الجيش أو جميعهم، إمّا مِن سَلَبِه (٤) على حقوقهم من القسمةِ، وإمَّا مما وصَل إليه بالنفَلِ أو ببعض أسبابه؛ ترغيبا له، وتحريضا لمن معه من جيْشِه على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، أو صلاح أحد الفريقين. وقد يدخُلُ في ذلك ما قال ابن عباسٍ من أنه الفرسُ والدرع ونحو ذلك، ويدخُلُ فيه ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرسٍ؛ لأن ذلك أمره إلى الإمام، إذا لم يكن ما وصَلوا إليه لغلبةٍ وقهرٍ، يفعَل ما فيه صلاح أهل الإسلام، وقد يدخُلُ فيه ما غلب عليه الجيش بقهرٍ. وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال بالصوابِ؛ لأن النَّفَل في كلام العرَبِ، إنما هو الزيادة على الشيء، يقال منه: نفَّلتُك كذا وأَنْفَلْتُك: إِذا زِدْتُك.

стр. 7386

والأنفالُ: جمعُ نَفَلٍ، ومنه قولُ لبيد بن ربيعةَ (١): إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ … وبإِذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وَعَجَلْ فإذ كان معناه ما ذكَرْنا، فكلُّ مَن زِيدَ مِن مُقَاتِلَةِ الجيش على سهمه من الغنيمة، إن كان ذلك لبلاءٍ أبلَاه أو لغَناءٍ كان منه عن المسلمين، بتنفيل الوالي ذلك إيَّاه، [أو بتصيير] (٢) حكم ذلك له، كالسَّلَبِ الذي يَسْلُبُه القاتِلُ - فهو مُنَفَّلٌ ما زيد مِنْ ذلك؛ لأنَّ الزيادةَ الفَضْلُ (٣)، وإن كان (٤) مُسْتَوجِبَه (٥) في بعض الأحوال لحقٍّ (٦)، [ليس هو] (٧) من الغنيمة التي تقعُ فيها القسمة. وكذلك كلُّ ما رُضِخَ (٨) لمن لا سهمَ له في الغنيمة فهو نَفَلٌ؛ لأنَّه وإن كان مغلوبًا عليه، فليس مما وقعت عليه القسمةُ. فالفصلُ - إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا - بين الغنيمة (٩) والنفَلِ، أن (١٠) الغنيمة هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبةٍ وقهرٍ، نُفِّل منه مُنَفَّلٌ أو لم يُنفَّلْ، والنَّفَلُ: هو ما أعطِيَه المرءُ (١١) على البلاء والغَنَاءِ عن الجيش على غيرِ قسمةٍ.

стр. 7387

وإذْ كان ذلك معنى النَّفَلِ، فتأويل الكلام: يسألُكَ أصحابك يا محمد عن الفضلِ من المال الذي تقعُ فيه القِسْمة من غنيمة كفار قريش الذين قتلوا ببدرٍ لمنْ هوَ؟ قل لهم يا محمد: هو لله ولرسوله دونَكم، يجعله (١) حيث شاءَ. واختُلِف في السببِ الذي من أجله نزلت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزلت في غنائم بدرٍ؛ لأنَّ النبي ﷺ كان نفَّل أقوامًا على بلاءٍ، فأبلى أقوام وتخلَّف آخرُون مع رسول الله ﷺ ، فاختلفوا فيها بعد انقضاء (٢) الحربِ، فأنزل الله هذه الآيةَ على رسولِه، يُعْلِمُهم أن ما فعل فيها رسول الله ﷺ فماضٍ جائزٌ. ذِكرُ من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمرُ بن سليمان، قال: سمعتُ داود بن أبي هند يحدِّثُ عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَتَى مَكانَ كَذَا وَكَذَا (٣)، أَوْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا". فتسارع إليه الشبَّانُ، وبقى الشيوخ عند الرايات، فلمَّا فتَح الله عليهم، جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي ﷺ فقال لهم الأشياخ: لا تذهَبوا به دونَنا. فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٤).

стр. 7388

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، وحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدرٍ، قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صَنَعَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا". قال: فتسارع في ذلك شبَّانُ الرجالِ، وبقيت الشيوخ تحت الراياتِ، فلما كانت (١) الغنائم، جاءوا يطلبون الذي جُعِل لهم، فقالت الشيوخ: لا تسْتأثِرُوا علينا؛ فإنا كنا رِدْءًا لكم، وكنا تحتَ الرايات، ولو انكشفتم انكشفتم (٢) إلينا. فتنازَعُوا، فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُل الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٣). حدثني إسحاق بن شاهينَ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا مِن النَّفَلِ". قال: فتقدّم الفتيانُ، ولزم المشيخة الرايات فلم يبرَحوا (٤)، فلما فُتِحَ عليهم قالت المشيخةُ: كنا ردءًا لكم، فلو انهزمتم انحزتُم إلينا، لا تذهَبوا بالمغنم دونَنا. فأبى الفتيانُ، وقالوا: جعله رسول الله ﷺ لنا. فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾. قال: فكان ذلك خيرًا لهم، وكذلك أيضًا أطيعوني فإني أعلمُ (٥) (٦).

стр. 7389

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عكرمة في هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: لما كان يوم بدر، قال النبي ﷺ : "مَنْ صَنَعَ كَذَا فَلَهُ مِن النَّفَل كَذَا". فخرج شبَّانُ (١) الرجال فجعَلوا يصنَعونَه، فلما كان عند القسمةِ، قال الشيوخ: نحن أصحابُ الراياتِ، وقد كنا رِدْءًا لكم. فأنزل الله في ذلك: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعقوب الزهريُّ (٢)، قال: ثنى المغيرةُ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن سليمان بن موسى، عن مكحولٍ مولَى هُذَيلٍ، عن أبي سلَّامٍ (٣) الباهليِّ، عن أبي أمامة، عن عُبادةَ بن الصامتِ، قال: أَنزَلَ اللَّهُ حِينَ اختلَف القومُ في الغنائم يومَ بدرٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. إلى قوله: ﴿إن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾، فقسمه رسولُ اللَّهِ ﷺ بينهم عن بَوَاء (٤). حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن محمد، قال: ثنى عبد الرحمن بنُ الحارث وغيره من أصحابنا، عن سليمان بن موسى الأشدقِ، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهليِّ، قال: سألتُ عبادة بن الصامتِ عن الأنفال، فقال: فينا معشر أصحاب بدرٍ نزَلتْ، حين اختلفنا في النَّفَل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من

стр. 7390

أيدينا، فجعَله إلى رسول الله ﷺ ، وقسَمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بَوَاءٍ (١) - يقولُ: على السواءِ - فكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله ﷺ ، وصلاح ذات البينِ (٢). وقال آخرون: بل (٣) إنما نزلت هذه الآيةُ؛ لأن بعض أصحاب رسول الله ﷺ سأله من المغنم شيئًا قبلَ قِسْمَتِها، فلم يُعْطِه إيَّاه، إذ كان شركًا بين الجيشِ، فجعَل الله جميعَ ذلك لرسول الله ﷺ . ذكر من قال ذلك حدثني إسماعيل بن موسى السُّديُّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عاصم، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: أتيت النبي ﷺ يومَ بدرٍ بسيفٍ، فقلت: يا رسولَ اللهِ، هذا السيفُ قد شفَى الله به من المشركين، فسألته إيَّاه، فقال: "ليسَ هذا لي ولا لك". قال: فلما ولَّيتُ، قلتُ: أخافُ أن يُعطيه من لم يُبل بلائي، فإذا رسول الله ﷺ خلْفِى. قال: فقلتُ: أخافُ أن يكونَ نزَل فيَّ شيءٌ. قال: "إن السيف قد صار لي". قال: فأعطانيه، ونزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا عاصم، عن مصعب بن سعد، عن سعد سعد بن مالكٍ، قال: لما كان يومُ بدرٍ جئتُ بسيفٍ. قال: فقلتُ: يا
следующие страницы →