← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.

стр. 7736

فلا تُبْقُوا عليهم، أيُّها المؤمنون، كما لا يُبْقُون عليكم لو ظَهَروا عليكم، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾. يقولُ: المُتَجاوِزون فيكم إلى ما ليس لهم بالظُّلْمِ والاعتداءِ. القولُ في تأويل قولِه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإن رجَع هؤلاء المشركون الذين أمَرْتُكم، أيُّها المؤمنون، بقَتْلِهم عن كفرِهم وشِرْكِهم باللهِ إلى الإيمانِ به وبرسولِه، وأنابُوا إلى طاعتِه ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المكتوبةَ، فأدَّوْها بحُدُودِها، ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ المفروضةَ أهلَها. يقولُ: فهم إخوانُكم في الدينِ الذي أمَركم اللهُ به، وهو الإسلامُ ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾. يقولُ: ونُبَيِّنُ حُجَجَ اللهِ وأدلتَه على خَلْقِه، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ما بُيِّنَ لهم، فنَشْرَحُها لهم مُفَصَّلةً دونَ الجُهَّالِ الذين لا يَعْقِلون عن اللهِ بيانَه، ومُحْكَمَ آياتِه. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. يقولُ: إِن تَرَكوا اللاتَ والعُزَّى، وشَهِدوا أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١).

стр. 7737

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، عن ليثٍ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾. قال: حَرَّمَت هذه الآيةُ دماءَ أهلِ القِبْلةِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: افتُرِضَت الصلاةُ والزكاةُ جميعًا، لم يُفَرَّقَ بينَهما. وقرَأ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ وأبَى أن يَقْبَلَ الصلاةَ إلا بالزكاةِ. وقال: رَحِم اللهُ أبا بكرٍ، ما كان أفْقَهَه (٢)! حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبَيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أُمِرْتم بإقام الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، ومَن لم يُزَكِّ فلا صلاةَ له (٢). وقيل: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾. فرُفِع بضمير: فهم إخوانكم، إذ كان قد جرَى ذكرُهم قبلُ، كما قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب: ٥]. بمعنى: فهم إخوانُكم في الدين. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن نقَض هؤلاء المشركون الذين عاهَدْتُموهم مِن قريشٍ، عهودَهم من بعدِ ما عاقَدوكم، أن لا يُقاتِلوكم، ولا يُظاهِروا عليكم أحدًا مِن أعدائِكم، ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾. يقولُ: وقَدَحوا في دينِكم الإسلامِ،

стр. 7738

فثَلَبوه (١) وعابُوه، ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. يقولُ: فَقاتِلوا رؤساءَ الكفرِ باللهِ؛ ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. يقولُ: إن رؤساءَ الكفرِ لا عهدَ لهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾: لكى يَنْتَهُوا عن الطَّعْنِ في دينِكم والمظاهرةِ عليكم. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ بينَهم (٢) في المَعْنِيِّين بأئمةِ الكفرِ. فقال بعضُهم: هم أبو جَهْلِ بنُ هشامٍ، وعُتبةُ بنُ ربيعةَ، وأبو سُفيانَ بنُ حَرْبٍ، ونظراؤهم. وكان حُذَيفةُ يقولُ: لم يأتِ أهلُها بعدُ. ذكر مَن قال: [هم مَن سَمَّيتُ] (٣) حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ إلى ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾. يعنى: أهلَ العهدِ مِن المشركين، سَمَّاهم ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ وهم كذلك. يقولُ اللهُ لنبيِّه: وإن نَكَثوا العهدَ الذي بينَك وبينَهم، فقاتِلْهم (٤)، أئمةُ الكفر (٥) لا أَيْمانَ لهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (٦). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ

стр. 7739

مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ إلى ﴿يَنْتَهُونَ﴾. فكان مِن أئمةِ الكفرِ؛ أبو جهلِ بنُ هشامٍ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وعُتْبةُ بنُ رَبيعةَ، وأبو سفيانَ، وسهيلُ بن عمرٍو، وهم الذين هَمُّوا بإخراجِه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ أبو سُفْيانَ، وأبو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وسُهَيلُ بنُ عمرٍو، وعُتْبةُ بنُ رَبيعةَ (١). حدَّثنا ابن وَكِيعٍ وابنُ بَشَّارٍ - قال ابن وَكِيعٍ: ثنا غُنْدَرٌ. وقال ابن بَشَّارٍ: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ - عن شُعْبَةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. قال: أبو سُفْيانَ منهم (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني (أحمدُ بنُ المفضَّلِ) (٣)، قال: ثنا أسْباطُ، عن السِّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ إلى ﴿يَنْتَهُونَ﴾:: هؤلاء قريشٌ. يقولُ: إن نَكَثوا عهدَهم الذي عاهَدوا على الإسلامِ وطعَنوا فيه، فقاتِلْهم (٤). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِهِ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. يعنى: رءوس (٥) المشركين، أهلَ مكةَ (٦).

стр. 7740

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾: أَبو سُفْيانَ بنُ حَرْبٍ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وعُشبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسُهَيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله، وهَمُّوا بإخراج الرسول، وليس والله كما يتأوَّله (١) أهلُ الشُّبُهَاتِ والبدع والفِرَى على اللَّهِ، وعلى كتابه (٢). ذكرُ الروايةِ عن حذيفة بالذي ذكرنا عنه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأَعْمَشِ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، عن حذيفة: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. قال: ما قُوتِل أهل هذه الآية بعد (٣). حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا حبيبُ بنُ حَسَّانَ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: كنتُ عندَ حُذَيفةَ، فقرأ هذه الآيةَ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾، فقال: ما قُوتِل أهل هذه الآية بعد. حدثني أبو السائبِ، قال: ثنا الأعمش، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: قرَأ حُذَيفةُ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. قال: ما قُوتِل أهل هذه الآية بعد. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلَةَ بن زُفَرَ: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾: لا عهد لهم (٤). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيج، عن

стр. 7741

مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾. قال: عهدَهم (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾: عهدَهم الذي عاهَدوا على الإسلامِ. حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلَةَ، عن عَمَّار بن ياسرٍ في قوله: ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. قال: لا عهدَ لهم (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عُبَيدٍ المُحارِبيُّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلَةَ بن زُفَرَ، عن حُذيفةَ في قولِه: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. قال: لا عهدَ لهم. وأمَّا النَّكْثُ: فإن أصلَه، النَّقْضُ، يقالُ منه: نَكَثَ فلانٌ قُوَى حبلِه. إذا نَقَضها، والأيمانُ: جمعُ اليمينِ. واختَلَفَت القرأة في قراءةِ قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. فقرأه قرأةُ الحجاز والعراقِ وغيرُهم: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. بفَتْحِ الألفِ مِن ﴿أَيْمَانَ﴾ (٣). بمعنى: لا عُهُودَ لهم، على ما قد ذكَرنا مِن قولِ أهلِ التأويلِ فيه. وذُكِر عن الحسن البصريِّ أنه كان يقرأُ ذلك: (إِنَّهُمْ لا إيمانَ لَهُمْ). بكَسْرِ الألفِ، بمعنى: لا إسلامَ لهم (٤).

стр. 7742

وقد يُتَوجَّهُ لقراءتِه كذلك وَجْهٌ غيرُ هذا. وذلك أن يكونَ أرادَ بقراءتِه ذلك كذلك: أنهم لا أمانَ لهم: أي لا تُؤْمِنوهم، ولكن اقتُلُوهم حيثُ وجَدْتُموهم، كأنه أرادَ المصدرَ مِن قولِ القائلِ: آمِنْتُه، فأنا أو مِنُه إيمانًا. قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك الذي لا أستَجِيزُ القراءةَ بغيرِه، قراءةُ مَن قرَأه بفَتْحِ الألفِ دونَ كسرها (١)؛ لإجماع الحجَّةِ مِن القرأةِ على القراءة به، ورَفْضِ خلافِه، ولإجماع أهلِ التأويلِ على ما ذكَرتُ مِن أن تأويلَه لا عهدَ لهم، والأيمان التي هي بمعنى العهدِ، لا تكونُ إلا بفَتْح الألفِ؛ لأنها جمعُ يمينٍ كانت على عَقْدٍ كان بينَ المُتوادِعِين. القول في تأويل قولِه: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين بالله ورسوله، حاضًّا لهم على جهادِ أعدائِهم مِن المشركين: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ﴾، أيُّها المؤمنون، هؤلاء المشركين الذين نقَضوا العهدَ الذي بينَكم وبينَهم، وطعَنوا في دينِكم، وظاهَروا عليكم أعداءَكم، ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مِن بين أظْهُرِهم فأخْرَجوه، ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بالقتال، يعنى: فِعْلَهم ذلك يومَ بَدْرٍ. وقيل: قتالهم حلفاءَ رسولِ اللهِ ﷺ مِن خُزاعةَ، ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾. يقولُ: أَتَخافونهم على أنفسِكم (٢)، فتَتْرُكوا قتالَهم خَوْفًا على أنفسكم منهم، ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾. يقولُ: فاللَّهُ أَوْلَى بكم أن تخافوا عُقوبته بتَرْكِكم جهادَهم، وتَحْذَروا سَخَطَه عليكم، مِن هؤلاء المشركين،

стр. 7743

الذين لا يملكون لكم ضُرًّا ولا نَفْعًا إلا بإذنِ الله، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقول: إن كنتم مُقِرِّين أن خشيةَ اللهِ بكم أَوْلَى مِن خشيةِ هؤلاء المشركين على أنفسِكم. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ: ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ، ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾. يقولُ: هَمُّوا بإخراجِه فأخرَجوه ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بالقتالِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال: قتالُ قريشٍ حلفاءَ محمدٍ ﷺ . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أمرَ الله رسولَه بجهادِ أهلِ الشِّرْكِ، ممن نَقَض مِن أهلِ العهدِ الخاصِّ (٣)، ومَن كان مِن أهلِ العهدِ

стр. 7744

العامِّ، بعد الأربعةِ الأشهرِ التي ضرَب لهم أجلًا، إلا أن [يَعْدُو فيها عادٍ منهم فيُقتل بعدائِه فقال] (١): ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). القولُ في تأويل قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قاتِلوا، أيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه هؤلاء المُشْرِكين الذين نكَثُوا أيمانهم، ونقَضُوا عُهُودَهم بينَكم وبينَهم، فأَخْرَجُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ مِن بين أَظْهُرِهم - ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾. يقولُ: يَقْتُلُهم اللهُ بأيديكم، ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾. يقولُ: ويُذِلُّهم بالأَسْرِ والقَهْرِ، ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾، فيُعْطِيكم الظُّفَرَ عليهم والغَلَبَةَ، ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. يقول: ويُبرِئُ داءَ صدورِ قومٍ مؤمنين باللهِ ورسولهِ، بقَتْلِ هؤلاء المشركين بأيْدِيكم، وإذْلالِكم وقَهْرِكم إيَّاهم. وذلك الدَّاءُ هو ما كان في قلوبِهم عليهم مِن المَوْجِدَةِ بما كانوا يَنالونهم به مِن الأَذَى والمَكْرُوهِ. وقيل: إن الله عنَى بقولِه: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾: صدورَ خُزاعةَ حلفاءِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ وذلك أن قريشًا نقضُوا العهدَ بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ بَمعُونتِهم بَكْرًا عليهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى وابنُ وكِيعٍ قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعبةُ،

стр. 7745

عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةٍ: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: خُزاعةُ (١). حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقَرِيُّ، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: خُزاعةُ؛ يَشْفِ صدورَهم مِن بني بكرٍ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾: خُزاعةَ، حلفاءِ محمدٍ ﷺ (٣). حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: حلفاءِ رسولِ اللَّهِ ﷺ من خُزاعةَ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾.

стр. 7746

يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ويُذْهِبْ وَجْدَ قلوبِ هؤلاء القومِ المؤمنين مِن خُزاعةَ، على هؤلاءِ القومِ الذين نَكَثوا أيمانَهم من المشركين، وغَمَّها وكَرْبَها بما فيها مِن الوَجْدِ عليهم، بمَعُونتِهم بَكْرًا كما حدَّثني ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقَرِيُّ، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ حينَ قَتَلهم بنو بكرٍ، وأعانتهم قريشٌ. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ مثلَه، إلا أنه قال: وأعانهم (١) عليهم قريشٌ (٢). وأمَّا قولُه: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾. فإنه خبرُ مبتدأ؛ ولذلك رُفِع، وجُزِم الأحرفُ الثلاثةُ قبل ذلك على وَجْهِ المُجازاة، كأنه قال: قاتِلوهم، فإنكم إن تُقاتِلوهم يُعَذِّبْهم اللهُ بأيْدِيكم، ويُخْرِهم، ويَنْصُرْكم عليهم، ثم ابتَدَأ فقال: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾؛ لأن القتالَ غيرُ مُوجِبٍ لهم التوبةَ مِن اللَّهِ، وهو مُوجِبٌ لهم العذابَ مِن اللِه، والخِزْيَ، وشِفاءَ صُدورِ المؤمنين، وذَهَابَ غَيْظِ قلوبِهم، فجَزَم ذلك شَرْطًا وجزاءً على القتالِ، ولم يكنْ مُوجِبًا القتالُ التوبةَ، فَابْتُدِئَ الخَبَرُ (٣) به ورُفِع. ومعنى الكلام: ويَمُنُّ اللهُ على مَن يشاءُ من عبادِه الكافرين، فيُقبِلُ به إلى التوبةِ بتَوفيقِه إيَّاه، ﴿اللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بسَرائرِ عبادِه، ومَن هو للتوبةِ أهلٌ، فيتوبُ عليه، ومَن غيرُ أهلٍ لها، فيَخْذُلُه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تَصْرِيفِ عبادِه من حالِ كفرٍ إلى حالِ

стр. 7747

إيمانٍ بتوفيقِه مَن وَفَّقَه لذلك، ومِن حال إيمان إلى كُفْرٍ، بخِذْلانِه مَن خَذَلَ منهم عن طاعتِه وتوحيدِه، وغيرِ ذلك من أمْرِهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين الذين أمَرهم بقتالِ هؤلاء المشركين، الذين نَقَضُوا عهدَهم الذي بينَهم وبينَهم (١) بقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ الآية. حاضًّا على جهادِهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أيُّها المؤمنون، أن يَترُكَكم اللهُ بغيرِ مِحْنةٍ يَمتحِنُكم بها، وبغيرِ اختبارٍ يَخْتَبِرُكم به؛ ليُعْرِفَ الصادقَ منكم في دينِه من الكاذبِ فيه، ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾. يقولُ: أحَسِبتُم أن تُتْرَكوا بغيرِ اختبارٍ يَعْرفُ به أهلَ ولايتِه المجاهدين منكم في سبيله، مِن المُضَيِّعين أمرَ اللهِ في ذلك المُفَرِّطين، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ﴾. يقولُ: ولمَّا يعلم اللهُ الذين آمنوا (٢) منكم، والذين لم يَتَّخِذوا مِن دونِ اللهِ ولا مِن دونِ رسولِه، ولا مِن دونِ المؤمنين ﴿وَلِيجَةً﴾: هو الشيءُ يَدْخُلُ في آخَرَ غيرِه، يقالُ منه: ولج [فلانٌ في] (٣) كذا يَلِجُه فهو وَليجةٌ. وإنما عنَى بها في هذا الموضعِ البِطانةَ مِن المشركينَ. نَهَى اللهُ المؤمنين أن يَتَّخِذُوا من عدوِّهم من المشركين أولياءَ، يُفْشُون إليهم أسرارَهم، ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا

стр. 7748

تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: والله ذو خِبْرةٍ بما تَعْمَلُون، مِن اتِّخاذ كم مِن دونِ اللهِ ودونِ رسولِه والمؤمنين به أولياءَ وبِطانةً، بعدَ ما قد نَهاكم عنه، لا يَخْفَى ذلك عليه، ولا غيرُه مِن أعمالِكم، واللهُ مُجازِيكم على ذلك، إنْ خيرًا فخيرًا، وإِنْ شَرًّا فَشَرًّا. وبنحوِ الذي قلنا في معنى الوَليجةِ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾: يَتوَلَّجُها من الولايةِ للمشركين (١). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿وَلِيجَةً﴾. قال: دَخَلًا (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قِوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيجَةً﴾. قال: أبَى أَن يَدَعَهم دونَ التَّمْحيصِ، وقرَأ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾، وقرأ (٣): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾، ﴿[أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ] (٤) وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآيات كلَّها، أخبرَهم أن لا يَترُكَهم حتى يُمحِّصَهم ويَخْتَبِرَهم، وقرَأ: ﴿أَحَسِبَ (١) النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: لا يُختَبَرون

стр. 7749

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. أبَ اللهُ إلا أن يُمَحِّصَ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلِيجَةً﴾. قال: هو الكفرُ والنفاقُ - أو قال أحدَهما (٢). وقيل: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾، ولم يَقُلْ: أحَسِبْتُم، لأنه مِن الاستفهامِ المُعْتَرَضِ في وسط الكلامِ، فأدخِلت فيه ﴿أَمْ﴾ ليُفرِّقَ بينَه وبينَ الاستفهامِ المبتدأ. وقد بَيَّنتُ نظائرَ ذلك في غيرِ موضعٍ مِن الكتابِ (٣). القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما ينبغى للمشركين أن يَعْمُروا مساجدَ اللهِ، وهم شاهِدون على أنفِسهم بالكفرِ. يقولُ: إن المساجدَ إنما تُعْمَرُ لعبادِة اللهِ فيها، لا للكفرِ به. فمَن كان باللهِ كافرًا، فليس مِن شأنه أن يَعْمُرَ مساجدَ اللهِ. وأمَّا شهادتُهم على أنفسِهم بالكفرِ، فإنها كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾. يقولُ: ما ينبغى لهم أن يَعْمُرُوها. وأمَّا: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾، فإن النصرانيِّ يُسْأَلُ: ما

стр. 7750

أنتَ؟ فيقولُ: نَصْرانيٌّ. واليهوديُّ، فيقولُ: يهوديٌّ. والصَّابِئُ، فيقولُ: صابئٌ. والمشركُ يقولُ إذا سألتَه: ما دينُك؟ فيقولُ: مُشْرِكٌ. لم يكنْ ليقولَه أحدٌ إلا العربَ (١). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو العَنْقَزِيُّ، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾. قال: يقولُ: ما كان ينبغى لهم أن يَعْمُرُوها (٢). حدَّثنا ابن وكِيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: النصرانيُّ يقالُ له: ما أنتَ؟ فيقولُ: نصرانيٌّ. واليهوديُّ يقالُ له: ما أنتَ؟ فيقولُ: يهوديٌّ. والصَّابئٌّ يقالُ له: ما أَنتَ؟ فيقولُ: صابئٌ. وقوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾. يقولُ: بَطَلَت وذَهَبَت أَجورُها؛ لأنها لم تكنْ للهِ، بل كانت للشيطانِ، ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. يقولُ: ماكِثون فيها أبدًا، لا أحياءً ولا أمواتًا. واختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلُ المدينةِ والكوفةِ: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ على الجماعِ. وقرَأ ذلك بعضُ المَكِّيِّين والبَصْرِّيين: (مَسْجِدَ اللهِ) على التوحيدِ (٣)، بمعنى: المسجد الحرامِ.

стр. 7751

وهم جميعًا مُجْمِعون على قراءةِ قولِه: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ (١) على الجماع؛ لأنه إذا قُرِئ كذلك، احتَمَل معنى الواحدِ والجماعِ؛ لأن العربَ قد تذهبُ بالواحدِ إلى الجماع، وبالجماعِ إلى الواحدِ، كقولِهم: عليه ثوبٌ أخلاقٌ (٢) القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ المُصَدِّقُ بوحدانيةِ الله، المخلصُ له العبادةَ، ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يقولُ: الذي يُصَدِّقُ ببعثِ اللهِ الموتَى أحياءً مِن قبورِهم يومَ القيامةِ، وأقامَ الصلاةَ المكتوبةَ بحدودِها وأدَّى الزكاةَ الواجبةَ عليه في مالِه إلى مَن أوجَبَها اللهُ له، ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾. يقولُ: ولم يَرْهَبْ عقوبةَ شيءٍ على معصيتِه إيَّاه، سوى اللهِ، ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. يقولُ: فخليقٌ بأولئك الذين هذه صفتُهم، أن يكونوا عندَ اللهِ ممن قد هَداه اللهُ للحقِّ وإصابةِ الصوابِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يقولُ: مَن وَحَّد الله، وآمَن باليومِ الآخرِ. يقولُ: أَقرَّ بما أنزَل اللهُ، ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾. يعنى: الصلواتِ الخمسَ ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾. يقولُ: لم يَعبُدْ إلا الله، قال: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ﴾. يقولُ: إن أولئك هم المفلحون، كقولِه لنبيِّه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. يقولُ: إن

стр. 7752

ربَّك سيَبْعَثُك مقامًا محمودًا، وهى الشفاعةُ، وكلُّ "عسى" في القرآنِ فهى واجِبةٌ (١). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم ذَكَر قولَ قريشٍ: إنَّا أهلُ الحرمِ، وسُقاةُ الحاجِّ، وعُمَّارُ هذا البيتِ، ولا أحدَ أفضلُ مِنَّا. فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. أي: إن عمارتَكم ليست على ذلك، ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾. أي: من عَمَّرها بحقِّها؛ مَن آمَن باللهِ واليوم الآخرِ، ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، فأولئك عُمَّارُها، ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. وعسى مِن اللهِ حَقٌّ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾. وهذا تَوبيخٌ من اللهِ تعالى ذكرُه لقومٍ افتَخَروا بالسقايةِ وسِدانةِ البيتِ، فأَعْلَمَهم، جلَّ ثناؤه، أن الفخرَ في الإيمانِ بالله واليومِ الآخر والجهادِ في سبيلِه، لا في الذي افتَخَروا به مِن السِّدانةِ والسقايةِ. وبذلك جاءت الآثارُ وتأويلُ أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو الوليدِ الدَّمَشْقيُّ أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ سلَّامٍ، عن جدِّه أبى سَلَّامٍ الأسودِ، عن النُّعمانِ بن بشيرٍ الأنصاريِّ، قال: كنتُ عندَ مِنْبرِ رسولِ اللهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أصحابِه، فقال رجلٌ

стр. 7753

منهم: ما أُبالى ألَّا أعمَلَ عملًا بعدَ الإسلامِ؛ إلا أن أَسْقِىَ الحاجَّ. وقال آخرُ: بل عمارةُ المسجدِ الحرامِ. وقال آخَرُ: بل الجهادُ في سبيلِ اللهِ خيرٌ مما قُلْتُم. فزَجَرهم عمرُ بنُ الخطابِ، ﵁، وقال: لا تَرْفَعوا أصواتَكم عندَ مِنبرِ رسولِ اللهِ ﷺ وهو يومُ الجمعةِ - ولكن إذا صَلَّيتُ الجمعةَ دخلتُ على رسولِ اللهِ ﷺ ، فاسْتفتَيتُه فيما اختَلَفتُم فيه. قال: ففَعَل، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال العباسُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ حينَ أُسِر يومَ بدرٍ: لئن كنتم سَبَقْتُمونا بالإسلامِ والهجرةِ والجهادِ، لقد كُنَّا نُعمِّرُ المسجدَ الحرامَ، ونَسْقِى الحاجَّ، ونَفُكُّ العانىَ. قال اللهُ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ إلى قولِه: ﴿الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: أن ذلك كان في الشِّرْكِ، ولا أَقْبَلُ ما كان في الشِّرْكِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ إلى قولِه: ﴿الظَّالِمِينَ﴾. وذلك أن المشركين قالوا: عِمارةُ بيتِ اللهِ، وقيامٌ على السِّقايةِ خيرٌ ممن آمَن وجاهَد، وكانوا يَفْخَرون بالحرمِ ويَسْتَكْبِرون (٣) من أجلِ أنهم أهلُه وعُمَّارُه.

стр. 7754

فذكر الله استكبارَهم (١) وإعراضَهم، فقال لأهلِ الَحرَمِ مِن المشركين: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦، ٦٧]. يعنى: أنهم يَسْتَكْبِرون بالحَرَمِ. وقال: ﴿بِهِ سَامِرًا﴾. لأنهم (٢) كانوا يَسْمُرُون، ويَهْجُرون القرآنَ والنبيَّ ﷺ . فخيَّر الإيمانَ باللهِ والجهادَ مع نبيِّ اللهِ على عُمْرانِ المشركين البيتَ، وقيامِهم على السِّقايةِ. ولم يكنْ يَنْفَعُهم عندَ اللهِ الشِّرْكِ به (٣)، أن كانوا يَعْمُرُون بيتَه ويَخْدُمُونه (٤). قال اللهُ: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: الذين زعَموا أنهم أهلُ العمارةِ، فسَمَّاهم الله ظالمينَ بشِرْكِهم، فلم تُغْنِ عنهم عنهم العمارةُ شيئًا (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرَنا مَعْمَرٌ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن النُّعمانِ بن بشيرٍ، أن رجلًا قال: ما أُبالى أن لا أعملَ عملًا بعدَ الإسلامِ، إلا أن [أَسْقِىَ الحاجَّ. وقال آخَرُ: ما أُبالى أن لا أعملَ عملًا بعدَ الإسلامِ، إلا أن] (٦) أعْمُرَ المسجدَ الحرامَ. وقال آخَرُ: الجهادُ في سبيلِ اللهِ أفضلُ مما قُلْتُم. فزَجَرهم عمرُ وقال: لا تَرْفَعوا أصواتَكم عندَ منبرِ رسولِ الله ﷺ وذلك يومَ الجمعةِ - ولكن إذا صَلَّى الجمعةَ دَخَلْنا عليه. فنَزَلَت: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٧).

стр. 7755

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن عمرٍو، عن الحسنِ قال: نَزَلَت في عليٍّ، وعباسٍ، وعثمانَ، وشَيْبَةَ، تَكَلَّموا في ذلك، فقال العباسُ: ما أُرَانى إلا تاركَ سِقايتِنا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أقِيمُوا (١) سِقايتَكم، فإن لكم فيها خيرًا" (٢). قال (٣): أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عُيَيْنَةَ، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ، قال: نَزَلَت في عليٍّ والعباسِ، تَكَلَّما في ذلك (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أُخْبِرْتُ عن أبي صَخْرٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظِيَّ يقولُ: افْتَخَر طلحةُ بنُ شَيبةَ مِن بنى عبدِ الدارِ، وعباسُ بن عبدِ المطلبِ، وعليُّ بنُ أبى طالبٍ؛ فقال طلحةُ: أنا صاحِبُ البيتِ، معى مِفْتاحُه، لو أشاءُ بِتُّ فيه. وقال عباسٌ: أنا صاحِبُ السِّقايةِ والقائم عليها، ولو أشاءُ بِتُّ في المسجدِ. وقال عليٌّ: ما أدرى ما تقولان، لقد صَلَّيْتُ إلى القبلةِ ستةَ أشهرٍ قبلَ الناسِ، وأنا صاحِبُ الجهادِ. فأنزَل اللهُ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآيةَ كلَّها. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ، قال: لمَّا نَزَلَت: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾. قال العباسُ: ما أُرَاني إلا تاركَ سِقايتِنا. فقال النبي ﷺ : "أقِيمُوا على سقايتِكم، فإن لكم فيها خيرًا". حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن

стр. 7756

السُّدِّيِّ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: افْتَخَر عليٌّ وعباسٌ وشيبةُ بنُ عثمانَ؛ فقال العباسُ: أنا أفضلُكم؛ أنا أسْقِى حُجَّاجَ بيتِ الله. وقال شيبةُ: أنا أعْمُرُ مسجدَ الله. وقال عليٌّ: أنا هاجَرْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، وأجاهِدُ معه في سبيل اللهِ. فأنزَل اللهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إِلَى ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾. حُدِّثْتُ الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ عن سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية: أقبلَ المسلمون على العباسِ وأصحابِه الذين أُسِرُوا يومَ بدرٍ يُعَيِّرُونهم بالشِّرْكِ، فقال العباسُ: أمَا واللهِ لقد كُنَّا نَعْمُرُ المسجدَ الحرامَ، ونَفُكُّ العانِيَ، ونَحْجُبُ البيتَ، ونَسْقِى الحاجَّ. فأنزَل الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية. فتأويل الكلامِ إذن: أجَعَلْتُم، أيُّها القومُ، سِقايةَ الحاجِّ، وعمارةَ المسجدِ الحرامِ، كإيمانِ مَن آمَن باللهِ واليومِ الآخرِ، وجاهَد في سبيلِ اللهِ! ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾: و هؤلاء وأولئك، ولا تَعْتَدِلُ أحوالُهما عندَ اللهِ ومَنازِلُهما؛ لأن الله تعالى لا يَقْبَلُ بغيرِ الإيمانِ به وباليومِ الآخرِ عملًا، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: والله لا يُوفِّقُ لصالحِ الأعمالِ مَن كان به كافرًا، ولتوحيدِه جاحِدًا. ووُضِع الاسمُ موضعَ المصدرِ في قولِه: ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾؛ إذ كان معلومًا معناه، كما قال الشاعرُ (١): لَعَمْرُكَ مَا الفِتْيانُ أَن تَنْبُتَ اللِّحَى … ولَكِنَّما الفِتْيانُ كُلُّ فَتًى نَدِى

стр. 7757

فجعَل خبرَ الفتيانِ "أن"، وهو كما يقالُ: إنما السَّخاءُ حاتمٌ، والشِّعْرُ زهيرٌ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾. وهذا قضاءٌ من الله بينَ فِرَقِ المُفْتَخِرِين الذين افتَخَر أحدُهم بالسِّقايةِ، والآخرُ بالسِّدانةِ، والآخَرُ بالإيمانِ باللهِ والجهادِ في سبيلِه، يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ وصَدَّقوا بتوحيدِه مِن المشركين، ﴿وَهَاجَرُوا﴾ دورَ قومِهم، ﴿وَجَاهَدُوا﴾ المشركين في دينِ اللهِ، ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ وأرفع منزلةً عندَه مِن سُقاةِ الحاجِّ وعُمَّارِ المسجدِ الحرامِ، وهم بالله مُشْرِكون، ﴿وَأُولَئِكَ﴾. يقولُ: وهؤلاء الذين وَصَفْنا صِفَتَهم، أنهم آمَنوا وهاجَروا وجاهَدوا، ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالجنةِ، الناجُون من النارِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُبشِّرُ هؤلاء الذين آمنوا وهاجَروا وجاهَدوا في سبيلِ اللهِ - ﴿رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ لهم، أنه قد رَحِمهم مِن أن يُعَذِّبَهم، وبرضوانٍ منه لهم، بأنه قد رَضِى عنهم بطاعتِهم إيَّاه، وأدائِهم ما كَلَّفَهم، ﴿وَجَنَّاتٍ﴾. يقولُ: وبَساتينُ ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾: لا يَزُولُ ولا يَبِيدُ، ثابتٌ دائمٌ أبدًا لهم. حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ (٢)، قال: ثنا سُفيانُ، عن محمدِ

стр. 7758

ابن المُنكَدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا دَخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ، قال اللهُ سبحانَه: أُعْطِيكم أفضلَ مِن هذا. فيقولون: رَبَّنا، أَيُّ شيءٍ أَفضلُ مِن هذا؟ قال: رِضْواني (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: ماكثِين فيها، يعني: في الجناتِ ﴿أَبَدًا﴾: لا نهاية لذلك ولا حَدَّ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: إن الله عنده لهؤلاء المؤمنين الذين نَعَتَهم جلَّ ثناؤه النعتَ الذي ذكَر في هذه الآيةِ - ﴿أَجْرٌ﴾: ثوابٌ على طاعتِهم لربِّهم، وأدائِهم ما كَلَّفَهم مِن الأعمالِ ﴿عَظِيمٌ﴾، وذلك النعيمُ الذي وَعَدَهم أن يُعْطِيهم في الآخرة. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه: لا تَتَّخِذوا آباءَكم وإخوانَكم بِطانةً وأصدقاءَ تُفْشُون إليهم أسرارَكم، وتُطْلِعُونهم على عَورةِ الإسلامِ وأهلِه، وتُؤثِرون المُكْثِ بينَ أظْهُرِهم على الهجرةِ إلى دارِ الإسلامِ، ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾. يقولُ: إن اخْتاروا الكفرَ باللهِ على التصديقِ به والإقرارِ بتوحيدِه، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: ومَن يَتَّخِذْهم منكم بِطانةً مِن دونِ المؤمنين، ويُؤْثِرِ المُقامَ معهم على الهجرةِ إلى رسولِ اللهِ ودارِ الإسلامِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: فالذين يَفْعَلون ذلك منكم، هم الذين خالَفوا أمرَ اللهِ، فوضَعوا الولايةَ في غيرِ

стр. 7759

موضعِها، وعَصَوُا الله في أمرِه. وقيل: إن ذلك نَزَل نَهْيًا مِن اللهِ المؤمنين عن مُوالاةِ أقربائِهم الذين لم يُهاجِروا مِن أرضِ الشِّرْكِ إلى دارِ الإسلامِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: أُمِروا بالهجرةِ، فقال العباسُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ: أَنا أَسْقِى الحاجَّ. وقال طلحةُ أخو بني عبدِ الدارِ: أنا صاحِبُ الكعبة فلا نُهاجرُ. فَأُنزِلَت: ﴿لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قولِه: ﴿يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: بالفتحِ، في أمرِه إِيَّاهم بالهجرةِ، هذا كلُّه قبلَ فتحِ مكةَ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾. يقولُ ﵎ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ، للمُتَخَلِّفين عن الهجرةِ إلى دارِ الإسلامِ، المُقيمين بدارِ الشِّرْكِ: إن كان المُقامُ مع آبائِكم وأبنائِكم وإخوانِكم وأزواجِكم وعَشِيرتِكم، وكانت ﴿أَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾. يقولُ: اكتسبتُموها، ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾، بفِراقِكم بلدَكم، ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ فسَكَنتُموها - ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ مِن الهجرةِ إلى اللهِ ورسولِه، مِن دارِ الشِّرْكِ،

стр. 7760

ومِن جهادٍ في سبيلِه، يعني: في نُصْرِة دينِ اللهِ الذي ارتَضاه، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾. يقولُ: فتَنَظَّروا، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. حتى يأتىَ اللهُ بفتحِ مكةَ، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: واللهُ لا يُوَفِّقُ للخيرِ الخارِجِين عن طاعتِه وفي معصيتِه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: بالفتحِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: فتحِ مكةَ. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾. يقولُ: تَخْشَون أن تَكْسُدَ فتَبِيعونها (٢)، ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾. قال: هي القصورُ والمنازلُ (٣). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾. يقولُ: أَصَبْتُموها (٤).

стр. 7761

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لقد نَصَركم اللهُ، أيُّها المؤمنون، في أماكنِ حربٍ تُوَطِّنون (١) فيها أنفسَكم على لقاءِ عدوِّكم، ومشاهدَ تَلْتَقون فيها أنتم وهم كثيرةٍ، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾. يقولُ: وفى يومِ حُنَينٍ أيضًا قد نَصَرَكم. وحُنَينٌ وادٍ، فيما ذُكِر، بينَ مكةَ والطائفِ. وأُجْرِىَ؛ لأنه مذكرٌ، اسمٌ لمذكرٍ. وقد يُتْرَكُ إجراؤُه، ويرادُ به أن يُجعَلَ اسمًا للبلدةِ التي هو بها، ومنه قولُ الشاعرِ (٢): نَصَرُوا نَبِيَّهِمُ وشَدُّوا أَزْرَه … بحُنَينَ يومَ تَوَاكُلِ الأبْطالِ حدَّثني عبدُ الوارثِ بن عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبانٌ العَطَّارُ، قال: ثنا هشام بنُ عُروةً، عن عُرُوةَ، قال: حنينٌ وادٍ إلى جنبِ ذى المَجازِ (٣). ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ وكانوا ذلك اليومَ، فيما ذُكِر لنا، اثْنَى عشَرَ ألفًا. ورُوِى أن النبيَّ ﷺ قال ذلك اليومَ: "لن نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ" (٤). وقيل: قال ذلك رجلٌ مِن المسلمين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ (٥). وهو قولُ اللهِ: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ

стр. 7762

كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلم تُغْنِ عنكم كثرتُكم شيئًا، ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾. يقولُ: وضاقَت الأرضُ بسِعتِها عليكم. و "الباءُ" هاهنا في معنى "في"، ومعناه: وضاقَت عليكم الأرضُ في رَحْبِها وبرَحْبِها، يقالُ منه: مكانٌ رَحِيبٌ. أي واسِعٌ، وإنما سُمِّيت الرِّحابُ رحابًا لسعتِها. ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾: عن عدوِّكم مُنْهَزِمِين مُدْبِرِين، يقولُ: وَلَّيْتُمُوهم الأدْبارَ، وذلك الهزيمةُ. يُخْبِرُهم ﵎ أن النصرَ بيدِه ومِن عندِه، وأنه ليس بكثرةِ العددِ وشِدَّةِ البَطْشِ، وأنه يَنْصُرُ القليلَ على الكثيرِ إذا شاءَ، ويُخَلِّي [الكثيرَ] (١) والقليلَ فيَهْزِمُ الكثيرُ. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ حتى بلغ: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. قال: وحنينٌ ماءٌ بينَ مكةَ والطائفِ، قاتَل عليها نبيُّ اللهِ هَوازِنَ وثَقيف، وعلى هَوازنَ مالكُ بنُ عوفٍ أخو بنى نَصْرٍ، وعلى ثَقِيفَ عبدُ يالِيلَ بنُ عمرٍو الثَّقَفِيُّ (٢). قال: وذُكِر لنا أنه خرَج يومَئذٍ مع رسولِ اللهِ ﷺ اثْنَا عَشَرَ ألفًا؛ عشَرَةُ آلافٍ مِن المهاجِرين والأنصارِ، وألفانِ مِن الطُّلَقاءِ. وذُكِر لنا أن رجلًا قال

стр. 7763

يومئذٍ: لن تُغْلَبَ اليومَ بكثرةٍ، قال: وذُكِر لنا أن الطُّلقاءَ انْجَفَلوا (١) يومَئذٍ بالناسِ، وجَلوا عن نبيِّ اللهِ ﷺ ، حتى نَزَل عن بَغْلَتِهِ الشَّهْباءِ. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ قال: "أي ربِّ، آتِنى ما وَعَدْتَنى" (٢). قال: والعباسُ آخِذٌ بلجامِ بغلةِ رسولِ اللهِ ﷺ فقال له النبيُّ ﷺ : "نادِ: يا مَعْشرَ الأنصارِ، ويا مَعْشَرَ المُهَاجِرِين" (٣). فجَعَل يُنادِى الأنصارَ فَخِذًا فَخِذًا ثم قال: "نادِ يا أصحابَ سورةِ البقرةِ" (٤). قال: فجاء الناسُ عُنقًا واحدًا. فالتَفَتَ نبيُّ اللهِ ﷺ ، وَإذا عِصَابَةٌ مِن الأَنصارِ، فقال: "هلْ معكم غيرُكم؟ ". فقالوا: يا نبيُّ اللهِ ﷺ ، واللهِ لو عَمَدْتَ إِلى بَرْكِ الغِمَادِ (٥) مِن ذِى يَمَنٍ لكُنَّا معك. ثم أَنْزَل اللهُ نصرَه، وهَزَم عدوّهم، وتَراجَع المسلمون. قال: وأخَذ رسولُ اللهِ كَفًّا من ترابٍ، أو قَبْضةً مِن حَصْباءَ، فرَمَى بها وجوهَ الكفارِ، وقال: "شاهَتِ الوجوهُ". فانْهَزموا. فلما جَمَع رسولُ الله ﷺ الغنائمَ، وأتَى الِجْعرانةَ، فقَسَم بها مَغانمَ حُنَينٍ، وتألَّفَ أُناسًا مِن الناسِ فيهم؛ أبو سفيانَ بنُ حَرْبٍ، والحارثُ بن هشامٍ، وسُهيلُ بنُ عمرٍو، والأَقْرَعُ بنُ حابسٍ، فقالت الأنصارُ: أمِن (٦) الرجلُ وآثرَ (٧) قومَه. فبَلَغ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ ، وهو في قُبَّةٍ له مِن أدَمٍ، فقال: "يا معشر الأنصارِ، ما هذا الذي بَلَغنى؟ ألم تَكونوا ضُلَّالًا فَهَدَاكم اللهُ، وكنتم أَذِلَّةً فأعزَّكم اللهُ، وكنتم وكنتم". قال: فقال سعدُ بنُ عُبادةَ، ﵀: ائْذَنْ لي فأَتكَلَّمَ. قال: "تَكَلَّمْ". قال: أمَّا قولُك: "كنتم ضُلَّالًا فهَداكم اللهُ". فكُنَّا كذلك

стр. 7764

"وكنتمُ أذِلَّةً فأعَزَّكم الله". فقد عَلِمَت العرب ما كان حيٌّ من أحياء العرب أمنعَ لِما وراء ظهورهم مِنَّا. فقال عمر: يا سعدُ، أنذرِى مَن تُكَلِّمُ! فقال: نعم، أُكَلِّمُ رسول الله ﷺ . فقال رسول الله: "والذي نَفْسي بيده، لو سَلَكَتِ الأنصار وادِيًا والناسُ وادِيًا، لسَلَكْتُ وَادِىَ الأنصار، ولولا الهجرة لكنتُ امْرًا من الأنصارِ" (١). وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقولُ: "الأنصارُ كَرِشِى وعَيْبَتِي، فاقبَلوا مِن مُحْسِنِهم، وتَجاوزُوا عن مُسِيئِهم". ثم قال رسول الله ﷺ : "يا معشرَ الأنصارِ، "أمَا تَرْضَون أن يَنْقَلِبَ الناسُ بالإبل والشَّاءِ، وتَنْقَلِبُون برسول الله إلى بُيُوتِكم؟ ". فقالت الأنصارُ: رَضِينا عن الله ورسولِه، والله ما قلنا ذلك إلا [ضِنًّا برسولِ] (٢) الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ورسولَه يُصدِّقانِكم ويَعْذِرانِكم" (٣). حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا لنا أنّ أُمَّ رسول الله ﷺ التي أَرْضَعَته، أو ظِئْرَه مِن بنى سعد بن بكر، أتته فسألَته سَبَايا يومِ حُنَين، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنى لا أُمْلِكُهم، وإنما لي منهم نَصيبي، ولكن ائْتِيني غدًا فَسَلِينى والناسُ عندى، فإنى إذا أَعْطَيْتُكِ نَصِيبى أعطاك الناسُ". فجاءت الغدَ، فبَسَط لها ثوبًا، فقَعَدَت عليه، ثم سألَته، فأعطاها نصيبَه، فلما رأى ذلك الناسُ أعْطَوها أنصباءهم (٤). حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ الآية، إن رجلا من أصحاب

стр. 7765

رسول الله ﷺ يومَ حنينٍ قال: يا رسولَ اللهِ، لن نُغْلَبَ اليومَ مِن قِلَّةٍ. وأعجَبَته كثرةُ الناسِ، وكانوا اثْنى عشَرَ ألفًا. فسارَ رسولُ الله ﷺ ، فوُكِلوا إلى كلمةِ الرجلِ، فانهزَموا عن رسول الله غيرَ العباسِ، وأبي سُفْيانَ بن الحَارِثِ، وأيمن ابن أمِّ (١) أيمنَ، قُتِل يومئذٍ بينَ يَديه، فنادى رسول الله ﷺ : "أينَ الأنصار؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرةِ؟ ". فتراجع الناسُ، فأنزل الله الملائكة بالنصر. فهزموا المشركين يومئذٍ، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ الآية (٢). حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عَن كَثِيرِ بن عباسِ بن عبدِ المُطَّلبِ، عن أبيه، قال: لما كان يومُ حُنَينٍ، التقَى المسلمون والمشركون، فولَّى المسلمون يومَئذٍ. قال: فلقد رأيتُ النبيَّ ﷺ وما معه أحدٌ إلا أبو سفيان بن الحارثِ بن عبد المطَّلِب، آخِذًا بغَرْزِ النبي ﷺ ، لا يَأْلو ما أسرع نحو المشركين. قال: فأتيتُ حتى أخَذتُ بلِجامِه، وهو على بغلة له شَهْباءَ، فقال: "يا عباسُ، نادِ أصحابَ السَّمْرَةِ". وكنتُ رجلًا صَيِّتًا، فأذنتُ بصَوتى الأعلى: أين أصحابُ السَّمرَةِ؟ فالتفتوا كأنها الإبل إذا حنَّت (٣) إلى أولادها، يقولون: يا لبَّيك، يا لبَّيك، يا لبَّيك. وأقبل المشركون، فالتقوا هم والمسلمون، وتَنادَت الأنصارُ: يا معشر الأنصارِ. ثم قُصِرَت الدعوة في بني الحارث بن الخزرجِ، فتَنَادَوا: يا بني الحارث بن الخزرجِ. فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته، كالمتطاول إلى قتالهم، فقال: "هذا حينَ حَمِيَ الوَطِيسُ". ثم أَخَذ بيده من

стр. 7766

الحَصْباءِ فرَماهم بها، ثم قال: "انْهَزموا وربِّ الكعبةِ، انْهَزَموا ورب الكعبة". قال: فوالله ما زال أمرهم مُدْبِرًا، وحَدُّهم كَليلا، حتى هَزَمهم الله. قال: فلكأنِّي أنظُرُ إلى النبي ﷺ لا يَرْكُضُ خلفَهم على بَغْلِتِه (١). حدثنا ابن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، أنهم أصابوا يومئذ ستة آلافِ سَبْيٍ، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسولَ الله، أنتَ خيرُ الناس وأبَرُّ الناسِ، وقد أخَذْتَ أبناءَنا ونساءَنا وأموالنا. فقال النبي ﷺ : "إن عندى مَن تَرَوْنَ، وإن خيرَ القولِ أصْدَقُه، اخْتاروا؛ إمَّا ذَرارِيَّكم ونساءَكم، وإمَّا أموالكم". قالوا: ما كُنَّا نَعْدِلُ بالأحسابِ شيئًا. فقام رسولُ الله ﷺ ، فقال: "إن هؤلاء قد جاءوني مُسْلِمِين، وإِنَّا خَيَّرْناهم بينَ الذَّرارِيِّ والأموالِ، فلم يَعْدِلوا بالأحساب شيئًا، فمَن كان بيده منهم شيءٌ، فطابت نفسه أن يَرُدَّه فبسبيل (٢) ذلك، ومَن لا فليُعْطِنا، وليَكُنْ قَرْضًا علينا حتى نُصِيبَ شيئًا، فنُعْطِيه مكانَه". فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، رَضِينا وسَلَّمنا. فقال: "إنى لا أدْرِى، لعل منكم مَن لا يَرْضَى، فَمُروا عُرَفاءَكم فليَرْفَعوا ذلك إلينا". فرفعت إليه العُرفاءُ أن قد رَضُوا وسَلَّموا (٣). حدثنا عليُّ بن سَهْلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، قال: ثنا يَعْلَى بن عطاءٍ، عن أبي هَمَّامٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ - يعنى الفِهْرِيَّ - قال: كنتُ مع

стр. 7767

النبي ﷺ في غزوة حُنَينٍ، فلما رَكَدَت (١) الشمسُ، لَبَسْتُ لأمَتِى، ورَكِبتُ فرسِى، حتى أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو في ظِلِّ شجرةٍ، فقلتُ: يا رسول الله، قد حانَ الرَّوَاحُ. فقال: "أَجَلْ". فنادَى: "يا بلالُ، يا بلالُ". فقام بلالٌ مِن تحتِ سَمُرَةٍ (٢)، فأقبل كأن ظَلَّه ظِلُّ (٣) طيرٍ، فقال: لبيك وسَعديك، ونفسى فِداؤك يا رسول الله. فقال له النبي ﷺ : "أَسْرِجُ فَرَسى". فَأَخْرَج سَرْحًا دَفْتاه حَشْوهما ليفٌ، ليس فيهما أشَرٌ، ولا بَطَرٌ. قال: فرَكِب النبي ﷺ ، فَصافَقْناهم يومنا وليلتنا، فلما التقَى الخَيْلان، وَلَّى المسلمون مُديرين كما قال الله، فنادَى رسول الله ﷺ : "يا عِبادَ الله، يا معشر المهاجرين". قال: ومال النبي ﷺ عن فرسه، عن فرسه، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِن تُراب، فرَمَى بها وجوهَهم، فوَلُّوا مُدْبِرِين. قال يَعْلَى بن عطاءٍ: فَحَدَّثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بَقِى مِنَّا أحدٌ إلا وقد امْتَلأت عَيناه مِن ذلك الترابِ (٤). حدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراء، وسأله رجلٌ مِن قيسٍ: فَرَرْتُم عن رسول الله ﷺ يومَ حُنَينٍ؟ فقال البَرَاءُ: لكنَّ رسول الله ﷺ لم يَفِرَّ، وكانت هَوازِنُ يومَئِذٍ رُماةً، وإِنَّا لمَّا حَمَلنا عليهم انكشَفوا، فأكْبَيْنا على الغنائمِ، فاسْتَقْبَلونا بالسِّهام، ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ على بغلته البيضاءِ، وإن أبا سفيان بن الحارث آخِذٌ بلجامِها، وهو

стр. 7768

يقولُ: "أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابن عبدِ المُطَّلِبْ" (١). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: سأَله رجلٌ: يا أبا عُمارةَ، وَلَّيْتُم يومَ حُنَين؟ فقال البَراءُ وأنا أسمَعُ: أَشْهَدُ أن رسول الله ﷺ لم يُوَلِّ يومَئِذٍ دُبُرَه، وأبو سُفيانَ يَقُودُ بَغْلتَه، فلمَّا غَشِيَه المشركون، نَزَل فجَعَل يقولُ: "أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابن عبدِ المُطَّلِبْ". فما رُؤى يومَئِذٍ أَحدٌ مِن الناس كان أشدَّ منه (٢). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى جعفر بن سليمانَ، عن عوف الأعْرابيِّ، عن عبدِ الرحمنِ مولى أمِّ بُرْثُنٍ، قال: ثني رجلٌ كان من المشركين يومَ حُنَينٍ، قال: لمَّا التَقينا نحن وأصحاب محمدٍ، ﵊، لم يقفوا لنا حَلْبَ شاةٍ أَن كَشَفناهم، فبينا نحنُ نَسُوقُهم، إذ انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، فتَلَقَّانا رجالٌ بِيضٌ، حِسانُ الوجوهِ، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا. فرجعنا، [وركبنا القوم] (٣)، فكانت إياها (٤). حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيد، قال:

стр. 7769

أمَدَّ اللَّهُ نبيَّه ﷺ يومَ حُنَين بخمسةِ آلافٍ من الملائكةِ مُسَوِّمِين. قال: ويومَئِذٍ سَمَّى الله الأنصارَ مؤمنين. قال: فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها (١). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثَرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾. قال: كانوا اثْنَيْ عَشَرَ ألفا. حدثنا محمد بن يزيد الأدَمِيُّ، قال: ثنا مَعْنُ بنُ عيسى، عن سعيد بن السائبِ الطَّائفيِّ، عن أبيه، عن يزيد بن عامرٍ، قال: لمَّا (٢) كانت انْكِشافةُ المسلمين حينَ انكَشَفوا يومَ حُنَين ضَرَب النبي ﷺ يدَه إلى الأرضِ، فَأَخَذ منها قَبْضَةً مِن تُرَابٍ، فأقبَل بها على المشركين وهم يَتْبَعون المسلمين، فَحَثاها في وجوههم وقال: "ارْجِعُوا، شاهَتِ الوجوه". قال: فانصَرَفنا، ما يَلْقَى أحدٌ أحدًا، إلا وهو يَمْسَحُ القَذَى عن عينَيه (٣). وبه، عن يزيد بن (٤) عامر السُّوَائيِّ، قال: قيل له: يا أبا حاجزٍ، الرُّعبُ الذي ألْقَى الله في قلوب المشركين، ماذا وَجَدْتُم؟ قال: وكان أبو حاجزٍ مع المشركين (٥) يومَ حُنَين، فكان يأخُذُ الحَصاة فيرمى بها في الطَّسْتِ فيَطِنُّ، ثم يقولُ: كان في

стр. 7770

أجوافِنا مثلُ هذا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسنُ بنُ عَرفةَ، قال: ثني المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، عن عوف، قال: سمعتُ عبد الرحمن مولى أمِّ بُرْثُنٍ - أو: أُمِّ بُرْثُمٍ (١) - قال: ثنى رجلٌ كان في المشركين يومَ حُنَينٍ، قال: لمَّا الْتَقَيْنَا نحنُ وأصحاب رسول الله الله ﷺ يوم حُنَين، لم يَقُوموا لنا حَلَبَ شاةٍ. قال: فلمَّا كَشَفْناهم جَعَلْنا نَسُوقُهم في أدبارهم، حتى انتَهَينا إلى صاحب البغلة البيضاءِ، فإذا هو رسول الله ﷺ . قال: فتلَقَّانا عنده رجالٌ بِيضٌ (٢)، حِسانُ الوجوه، فقالوا لنا: شاهتِ الوجوه، ارجعوا. قال: فانْهَزَمنا وركبوا أكْتافَنا، فكانت إيَّاها (٣). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾. يقول تعالى ذكره: ثم من بعدِ ما ضاقت عليكم الأرضُ بما رَحُبَت وتَوْلِيَتِكم الأعداء أدْبارَكم، كَشَف اللَّهُ نازِلَ البلاء عنكم، بإنزاله السكينة - وهي الأَمَنَةُ والطمأنينة - عليكم، وقد بَيَّنَّا أنها فَعِيلةٌ من الشكون، فيما مضى من كتابنا هذا قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (٤). ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾. وهى الملائكةُ التي ذكَرْتُ في الأخبار التي قد مَضَى ذِكْرُها، ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: وعَذَّبَ اللَّهُ الذين جَحدوا

стр. 7771

وَحْدانيته، ورسالة رسوله محمد ﷺ ، بالقتلِ وسَبْيِ الأَهْلِينَ والذَّرَارِيِّ، وسَلْبِ الأموالِ، والذِّلَّةِ، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ﴾. يقولُ: هذا الذي فَعَلْنا بهم من القتلِ والسَّبْي ﴿جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: هو ثواب أهل مجحود وحدانيته ورسالة رسوله. حدثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: قَتَلَهم بالسيف (١). حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَرِيُّ (٢)، عن يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: بالهزيمة والقتل (٣). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ﴾. قال: مَن بَقى منهم (٤). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾. يقول تعالى ذكره: ثم يَتَفضَّلُ اللَّهُ بتوفيقه للتوبةِ والإنابةِ إليه من بعد عذابه الذي به عَذَّب مَن هَلَك منهم قتلا بالسيف ﴿عَلَى مَن يَشَاءُ﴾. أي: يتوبُ اللَّهُ على مَن يشاءُ مِن الأحياء (٥)، يُقْبِلُ به إلى طاعتِه، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوبِ مَن أنابَ

стр. 7772

وتابَ إليه منهم ومن غيرهم منها، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم، فلا يُعَذِّبُهم بعد توبتهم، ولا يُؤاخِذُهم بها بعد إنابتهم. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾. يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله، وأقروا بوحدانيته: ما المشركون إلا نجسٌ. واختلف أهل التأويل في معنى النَّجَسِ، وما السبب الذي من أجلِه سَمَّاهم بذلك؛ فقال بعضُهم: سَمَّاهم بذلك؛ لأنهم يُجْنِبون فلا يَغْتَسِلون، فقال: هم نَجَسٌ، ولا يَقْرَبوا المسجد الحرام؛ لأن الجنب لا ينبغى له أن يَدْخُلَ المسجد. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. لا أعلمُ قتادة إلا قال: النَّجَسُ الجنابة (١). وبه عن مَعْمَرٍ، قال: وبَلَغَنى أن النبي ﷺ لَقِى حُذيفة، وأخذ النبي ﷺ بيده، فقال حذيفةُ: يا رسولَ اللهِ، إنى جُنُبٌ. فقال: "إن المؤمنَ لا يَنْجُسُ" (٢). حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. أي: أجْنَابٌ (٣).

стр. 7773

وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رِجْسُ خِنْزيرٍ أو كلبٍ. وهذا قولٌ رُوى عن ابن عباسٍ مِن وجه غير حميدٍ، فكرهنا ذكره. وقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. يقول للمؤمنين: فلا تَدَعُوهم أن يَقْرَبوا المسجد الحرام بدخولهم الحَرَم. وإنما عنى بذلك مَنْعَهم من دخول الحرَمِ؛ لأنهم إذا دَخَلُوا الحَرَمَ، فقد قربوا المسجد الحرام. وقدِ اختَلَف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم فيه نحو الذي قُلْناه. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر وابن المُثَنَّى، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: الحَرَمُ كلُّه قِبْلةٌ ومسجد. قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾. لم يَعْنِ المسجد وحدَه، إنما عَنَى مكةَ (١) الحرم. قال ذلك غيرَ مَرَّةٍ (٢). وذُكر عن عمر بن عبد العزيز في ذلك ما: حدثنا عبد الكريم بن أبي عُمَيرٍ، قال: ثنى الوليد بن مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرو، أن عمر بن عبد العزيز كَتَب: أنِ امْنَعوا اليهود والنصارى من دخول مساجدِ المسلمين، وأَتْبَعَ نَهْيَه قولَ اللهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٣). حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا

стр. 7774

الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. قال: لا تُصافحوهم، فمَن صافحهم فليتوضَّأْ (١). وأما قوله: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. فإنه يعنى: بعد العام الذي نادى فيه عليٌّ، رحمة الله عليه، ببراءةٍ، وذلك عامَ حَجَّ بالناس أبو بكر، وهى سنة تسعٍ من الهجرة كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. وهو العام الذي حج فيه أبو بكر، ونادى عليٌّ، رحمة الله عليهما، بالأذان وذلك، لتسع (٢) سنينَ مَضَينَ مِن هجرة رسول الله ﷺ ، وحَجَّ نبيُّ الله ﷺ مِن العامِ المقبلِ، حَجَّةَ الوداع، لم يَحُجَّ قبلها ولا بعدها (٣). وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾. يقولُ للمؤمنين: وإن خِفْتُم فاقةً وفقرًا، بمنعِ المشركين من أن يَقْرَبوا المسجد الحرام، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ﴾. يقال منه: عالَ يَعِيلُ عَيْلَةً وعُيُولا، ومنه قول الشاعر (٤): وَما يَدْرِى الْفَقِيرُ مَتَى غِناهُ … وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ وقد حُكِى عن بعضِهم أن من العربِ مَن يقولُ في الفاقة: عالَ يَعُولُ. بالواو. وذُكِر عن عمرو بن فائد أنه كان تأوَّلَ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ بمعنى: وإذ خِفْتُم. ويقولُ: كان القوم قد خافوا. وذلك نحو قول القائلِ لأبيه: إن كنتَ أبى فأكْرِمْنى. بمعنى: إذ كنت أبي. وإنما قيل ذلك لهم؛ لأن المؤمنين خافوا بانقطاع

стр. 7775

المشركين عن دخولِ الحَرَم، انقطاع تجاراتهم، ودخول ضَرَرٍ عليهم بانقطاع ذلك، وأمَّنَهم الله مِن العَيْلةِ، وعَوَّضهم مما كانوا يَكْرَهون انقطاعه عنهم، ما هو خيرٌ لهم منه، وهو الجِزْية، فقال لهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرَّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ إلى: ﴿صَاغِرُونَ﴾. وقال قوم: بإدْرارِ المطرِ عليهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الحرامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. قال: لمَّا نَفَى الله المشركين عن المسجدِ الحرامِ، أَلْقَى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزَنَ، قال: من أين تأكلون، وقد نُفِى المشركون، وانقَطَعَت عنكم (١) العِيرُ. فقال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ﴾. فأمرهم بقتال أهل الكتابِ، وأغْناهم من فضله (٢). حدثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن سِماكٍ، عن عِكْرمةَ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت، ويَجِيئون معهم بالطعامِ، ويَتَّجِرون فيه؛ فلما نُهُوا أن يأتوا البيتَ قال المسلمون: من أين لنا طعامٌ؟ فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن
следующие страницы →